مختصر سيرة الرسول - الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب

سرية أبي عامر الأشعري إلى أوطاس
وهو عم أبي موسى الأشعري. قال ابن إسحاق: ابن عمه، والأول أشهر. وأوطاس واد معروف بين حنين والطائف. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من حنين عقد لواء دفعه إلى أبي عامر الأشعري وأمره على جمع من الأصحاب وبعثه في آثار من توجه قبل أوطاس من فرار هوازن، فأدرك بعض المنهزمة فناوشوه القتال، فرمى أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري ففتح الله عليه وهزمهم الله.
وفي الصحيح عن أبي موسى قال: لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريدا وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرمي أبو عامر في ركبته فانتهت إليه فقلت: يا عم من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته فلما رآني ولي فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك. قال فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء. قال: يا ابن أخي أقرئ النبي صلى الله عليه وسلم مني السلام وقل له استغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات. فرجعت فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وأنه قال قل له استغفر لي فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه وقال: "اللهم اغفر

(1/400)


لعبدك أبي عامر"، ورأيت بياض إبطيه. ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك ومن الناس". فقلت: ولي فاستغفر، فقال: " اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما". قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبي والغنائم أن تجمع، فجمع ذلك كله وحبس بالجعرانة إلى أن فرغ من غزة الطائف وكان السبي ستة آلاف رأس والإبل أربعة وعشرون ألفا والغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة، وكان على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري.
قال ابن هشام وأنزل الله في يوم حنين {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً} الآيات.
وروي أن المسلمين أخذوا السبايا يوم حنين وأوطاس، وكانوا يتكرهون نساء السبي إذا كن ذوات أزواج، فاستفتوا في ذلك رسول الله فنزل {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يريد ملكت أيمانهم من اللاتي سبين ولهن أزواج كفار فهن حلال للسابين والنكاح مرتفع بالسبي، قال أبو سعيد: أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فاستحللناهن. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في سبايا حنين وأوطاس ألا توطأ حامل من السبي حتى تضع حملها، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة. فسألوا عن العزل فقال: "ليس من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله أن يخلق شيئا لم يمنعه شيء".
وأخذوا في جملة السبي الشيماء أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فقالت: يا رسول الله إني أختك من الرضاعة. قال: " وما علامة ذلك؟" قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك فعرف رسول الله العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه. وفي رواية: ودمعت عيناه، وخيرها وقال: "إن أحببت فأقيمي عندي محببة مكرمة، وإن أحببت أمتعتك وترجعي إلى قومك، فعلت" قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي. فأسلمت ومتعها رسول الله وردها إلى قومها. فزعم

(1/401)


بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له مكحول وجارية، فزوجت أحدهما للآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية.
وقال في المواهب: جاءته عليه السلام يوم حنين أمه من الرضاعة حليمة السعدية بنت أبي ذئب من هوازن، وهي التي أرضعته حتى أكملت رضاعه [فالتفت] إليها وبسط لها رداءه فجلست عليه. واختلف في إسلامها وإسلام زوجها كما اختلف في إسلام ثويبة.
وفي الصحيح عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع، وأقبل علي وضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما بال الناس؟ قلت: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا. وجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه". فقمت فقلت من يشهد لي؟ ثم جلست. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثله، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. قال ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله، فقمت فقال: "مالك يا أبا قتادة؟" فقصصت عليه القصة فقال رجل: صدق، وسلبه عندي فأرضه مني فقال أبو بكر: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق فأعطه"، فأعطانيه، فابتعت به مخرفا1 في بني سلمة، وإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.
قالوا: واستشهد من المسلمين يوم حنين أربعة نفر منهم أيمن بن أم أيمن ويزيد ابن زمعة بن الأسود وسراقة بن الحارث رجل من الأنصار وأبو عامر الأشعري. وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا. والله أعلم.
ـــــــ
1 أي حديقة نخل

(1/402)


غزوة الطائف
قالوا: ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين صنم من خشب لعمرو بن جمحة ليهدمه ويوافيه بالطائف، فخرج الطفيل سريعا فهدمه وجعل يحشوه النار ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة رجل سراعا فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام وقدموا معهم بالمنجنيق والدبابة بالدال المهملة وتشديد الموحدة آلة تتخذ للحرب تدفع أصل الحصن فينقبونه وهو في جوفه. كذا في القاموس.
قالوا: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين لعشر من شوال في السنة الثامنة من الهجرة سار إلى الطائف يريد جمعا من هوازن وثقيف قد هربوا من معركة حنين وتحصنوا بحصن الطائف، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، فسلك عليه الصلاة والسلام في طريقه إلى الطائف نخلة اليمانية ثم على قرن ثم على بحرة الرغاء من لية فابتنى فيها مسجدا فصلى فيه. وأقاد فيها يومئذ بدم رجل من هذيل قتله ررجل من بني ليث فقتله به وهو أول دم أقيد به في الإسلام. وأمر في طريقه بحصن مالك بن عوف فهدمه، ثم سلك في طريق فسأل عن اسمها فقيل الضيقة فقال: بل هي اليسرى. ثم خرج منها حتى نزل تحت سدرة قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أن تخرج وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن يخرج فأمر بإخرابه. ثم مضى حتى انتهى إلى الطائف فنزل قريبا من حصنه فضرب به عسكره، فرموا المسلمين رميا شديدا كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا فيهم عبد الله بن أبي أمية، ورمي يومئذ عبد الله بن أبي بكر الصديق فجرح فاندمل، ثم انتقض بعد ذلك فمات منه في خلافة أبيه.

(1/403)


فارتفع صلى الله عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم ووضع عسكره هناك، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين ثم صلى بينهما طول حصاره الطائف، فحاصرهم بضع عشرة ليلة وهو الصحيح، وقيل بضعا وعشرين ليلة.
وفي حديث أنس عند مسلم فحاصرناهم أربعين ليلة، ونصب عليهم المنجنيق ورماهم، وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام، وأمر صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف وتحريقها فقطعها المسلمون قطعا ذريعا، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم فقال: "إني أدعها لله وللرحم". ثم نادى مناديه عليه الصلاة والسلام: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا من الحصن فهو حر، فخرج منهم بضعة عشر رجلا، منهم أبو بكرة واسمه نفيع بن الحارث فتسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقي عليها فكناه رسول الله "أبا بكرة" فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم من نزل منهم، ودفع كل رجل إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة، فلما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم في أولئك العبيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولئك عتقاء الله". ولم يؤذن له في فتح الطائف سنتئذ.
وفي الصحيح عن أم سلمة قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث، فسمعه يقول لعبد الله بن أمية: يا عبد الله أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا يدخلن عليكن" . وفي رواية له: وهو محاصر الطائف يومئذ.
وفي الصحيح أيضا عن عبد الله بن عمرو قال: لما حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلم ينل منهم شيئا: "إنا قافلون غدا إن شاء الله". فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال: "اغدوا على القتال"، فغدوا فأصابهم جراح فقال: "إنا قافلون غدا إن شاء الله"، فأعجبهم، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان مرة: فتبسم. انتهى.
وفقئت عين أبي سفيان بن حرب يومئذ، فذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له وهي في يده: "أيهما أحب إليك، عين في الجنة أو أدعو الله أن يردها عليك؟" قال: عين في الجنة. ورمى بها. وشهد اليرموك فقاتل، وفقئت عينه الأخرى يومئذ. ذكره الحافظ زيد الدين العراقي.

(1/404)


وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". فلما ارتحل قال: "قولوا آيبون عابدون، لربنا حامدون". قال العلماء: فانظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج للجهاد يعتد لذلك بجمع الصحابة واتخاذ الخيل والسلاح وما يحتاج إليه من آلات الجهاد والسفر، ثم إذا رجع عليه الصلاة والسلام يتعرى من ذلك ويرد الأمر كله لمولاه لا لغيره. وانظر إلى قوله عليه السلام "وهزم الأحزاب وحده" ، فنفى ما تقدم ذكره، وهذا هو التوكل على الله حقا، لأن الإنسان وفعله خلق لربه، فهو الذي خلق ودبر وأعان وأجرى الأمور على أيدي من يشاء ومن أختار من خلقه، فكل منه وإليه، ولو شاء الله أن يبيد أهل الكفر من غير قتال لفعل، قال الله تعالى {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} فيثيب الصابرين ويجزل الثواب للشاكرين.
ولما قيل له صلى الله عليه وسلم: ادع الله على ثقيف قال: "اللهم اهد ثقيفا وائت بهم". وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وهو محاصر ثقيفا: "يا أبا بكر إني رأيت أني أهديت إلي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهرق ما فيها" وكان أبو بكر ماهرا في تعبير الرؤيا مشهورا به بين العرب فقال: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد. فقال رسول الله: "وأنا لأرى ذلك". ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف مارا على دحنا ثم على قرن المنازل ثم على نخلة حتى خرج إلى الجعرانة ونزلها وهي إلى مكة أدنى وبها قسم غنائم حنين. وفي هذا السفر أسلم صفوان بن أمية.
واستأنى صلى الله عليه وسلم بهوازن أي انتظر أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة، ثم بدأ يقسم الأموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم قبل الناس وهم سادات العرب من قريش وغيرهم من وجوه القبائل. فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل.
روي أن أبا سفيان بن حرب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والأموال من نقود وغيره مجموعة عنده فقال: يا رسول الله أنت اليوم أغنى قريش، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان: حظنا من هذه الأموالز فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية من الفضة، فقال: حظ ابني يزيد، فأعطاه مائة من الإبل وأربعين أوقية.

(1/405)


فقال أبو سفيان: فأين حظ ابني معاوية، فأمر له أيضا بمائة من الإبل وأربعين أوقية حتى أخذ أبو سفيان يومئذ ثلاثمائة من الإبل ومائة وعشرين أوقية من الفضة. فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لأنت كريم في الحرب والسلم، هذا غاية الكرم جزاك الله خيرا. وأعطى صفوان بن أمية من الإبل مائة ثم مائة ثم مائة كذا في الشفاء. وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل فسأله مائة أخرى فأعطاه إياها. وأعطى الحارث بن الحارث ببن كلدة أخا بني عبد الدار وهو أخو النضر بن الحارث عدو الله ورسوله أعطاه مائة من الإبل والحارث بن هشام أخا أبي جهل وعبد الرحمن بن يربوع المخزوميين وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى والعلاء بن حارثة الثقفي وعده بعضهم في أهل الخمسين والأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ومالك بن عوف النضري، أعطى كل هؤلاء المسلمين من قريش وغيرهم على مائة بعير، وأعطى دون المائة رجالا من قريش وغيرهم، منهم: مخرمة بن نوفل وعمير بن وهب وهشام بن عمرو أخو بني عامر ابن لؤي.
قال ابن إسحاق: لا أحفظ ما أعطاهم إلا أنها دون المائة. وأعطى سعيد ابن يربوع المخزومي وعدي بن قيس السهمي وعثمان بن نوفل خمسين خمسين، وأعطى عباس بن مرداس إبلا فسخطها كما في مسلم وقال شعرا:
أتجعل نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
قال فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة. زاد ابن إسحاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقطعوا عني لسانه". وممن أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عددا دون ذلك طليق بن سفيان بن أمية ابن عبد شمس وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو الذي أراد أن يفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وأبو السنابل بن

(1/406)


بعكك ابن الحارث من بني عبد الدار وزهير بن أبي أمية المخزومي أخو أم المؤمنين أم سلمة وخالد بن هشام بن المغيرة المخزومي وهشام بن الوليد أخو خالد وسفيان بن عبد الأسد بن هلال المخزومي والسائب بن أبي السائب المخزومي ومطيع بن الأسود أخو بني عدي وأبو جهم بن حذيفة العدوي وأحيحة بن عدي بن خلف الجمحي، ونوفل بن معاوية من بني بكر بن عبد مناة وعلقمة بن علاثة بن عوف وخالد ابن هوذة.
وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائل من أصحابه: أعطيت عيينة بن حصن والأقرع ابن حابس مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة، ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه.
وفي الصحيحين عند عبد الله ولفظه لمسلم قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله. قال فقلت: والله لأخبرن رسول الله، قال فأتيته فأخبرته، فغضب من ذلك غضبا شديدا واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له، ثم قال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله" ثم قال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". قال قلت: لا جرم لا أرفع إليه حديثا بعدها.
ولمسلم عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس، فقال: "يا محمد اعدل. فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل". فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية".
وفي رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف عليه وهو يعطي الناس فقال: يا محمد قد رأيت

(1/407)


ما صنعت في هذا اليوم. فقال: "أجل فكيف رأيت؟" قال: لم أرك عدلت. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ويحك إذا لم أكن العدل عندي فعند من يكون؟" فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ قال: "دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يوجد فيه شيء ثم في القدح فلا يوجد فيه شيء، ثم في الفوق، فلا يوجد سبق القرث والدم".
وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح حنين قسم الغنائم فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس. وللبخاري: فكأنهم وجدوا إذا لم يصبهم ما أصاب الناس، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي؟" ويقولون: الله ورسوله أمن. فقال: "ألا تجيبوني؟" فقالوا: الله ورسوله أمن. فقال: "أما إنكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا وكذا وكان الأمر من كذا وكذا" لأشياء عددها زعم عمرو أنه لا يحفظها فقال: "ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار والناس دثار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، لو سلك الناس شعبا وواديا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقون على الحوض".
وفي رواية أنس في الصحيحين أن ناسا من الأنصار قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحدثت بذلك رسول الله، فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟" فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئا، وأما أناس حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسوله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، [قال صلى الله عليه وسلم ]: "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به"، قالوا: يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ستجدون أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض". قالوا: سنصبر. قال أنس: فلم يصبروا.

(1/408)


وفي رواية ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال: "ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟" قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال: "أما والله لو شئتم لقلتم فلصدَقتم ولصُدِقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أما ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار". قال فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. ثم انصرف رسول الله وتفرقوا.

(1/409)


فصل وفد هوازن إلى النبي صلى الله عليه وسلم
وقد كان وفد هوازن قد أسلموا وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقسم أموالهم، وهو أربعة عشر رجلا ورأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول الله من الرضاعة، فسألوه أن يمن عليهم بالسبي والأموال.
قال ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن وفد هوازن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا من الله عليك. وقام رجل من هوازن يقال له زهير يكنى أبا صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا1
ـــــــ
1 أي أرضعنا

(1/409)


للحارث ابن شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين.
وفي الصحيح من حديث الزهري أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم سبيهم وأموالهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "معي من ترون، وأحب الحديث إلى أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين إما المال وإما السبي. وقد كنت استأنيت بكم" وكان أنظرهم رسول الله بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنها نختار سبينا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم قد جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه نعطيه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل" فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم". فبرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. هذا الذي بلغنا عن سبي هوازن.
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن إسحاق: فقال رسول الله: "أما من تمسك بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه". فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم.
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن: "ما فعل مالك". فقالوا هو في الطائف مع ثقيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخبروا مالكا إن هو أتى مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل". فأتى مالك بذلك، فخرج إليه من الطائف فأدركه بالجعرانة أو بمكة فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل، فأسلم وحسن إسلامه. فقال مالك بن عوف النضري المذكور:
ما إن سمعت ولا رأيت بمثله ...
في الناس كلهم كمثل محمد

(1/410)


أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... وإذا تشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها ... بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد
فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم صرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم.
وعن جبير ببن مطعم قال: بينما أنا مع رسول الله ومعه الناس مقبلا من حنين علقت برسول الله الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا" أخرجه البخاري في الصحيح. وفي سيرة ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: "أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة". فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي من وبر، فقال: "أما نصيبي منها فلك". قال: إذا بلغت ذلك فلا حاجة لي بها. ثم طرحها من يده.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يقسم الغنائم أمر زيد بن ثابت حتى أحضر الناس، ثم عد الإبل والغنم وقسمها على الناس، فوقع في سهم كل رجل أربع من الإبل مع أربعين شاة من الغنم، وإن كان فارسا فسهمه اثنا عشر بعيرا مع مائة وعشرين من الغنم.
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا فلما فرغ رسول الله من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة، وكانت عمرته في ذي القعدة، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في بقية ذي القعدة أو في أول ذي الحجة، وحجج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة

(1/411)


عتاب ابن أسيد الذي استعمله رسول الله على مكة وهو ابن نيف وعشرين سنة وكان في غاية الورع والزهد، وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام.
قال ابن حزم: وحسن إسلام المؤلفة قلوبهم حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغمورا، وكان خيرهم متفاضلين: فيهم الفاضل المجتهد: كالحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام. و فيهم خيار دون هؤلاء كصفوان بن أمية وعمير بن وهب ومطيع بن الأسود ومعاوية بن أبي سفيان وسائرهم لا يظن بهم إلا الخير. وكان ممن أسلم يوم الفتح وبعده من الأشراف نظراء من ذكرنا، ووثق عليه الصلاة والسلام بصحة نياتهم في الإسلام لله فلم يدخلهم فيمن أعطاه، عكرمة بن أبي جهل وعتاب بن أسيد وجبير بن مطعم رضي الله عنهم أجمعين.
وكان مدة غيبته منذ خرج من المدينة إلى فتح مكة وأوقع بهوازن وحارب الطائف إلى أن رجع إلى المدينة شهرين وستة عشر يوما. انتهى والله أعلم.
وفي هذه السنة أسلم عروة بن مسعود الثقفي وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم ما بين ذي القعدة إلى انصراف رسول الله من غزوة تبوك سنة تسع في رمضان.
قال ابن إسحاق: وكان من حديث ثقيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله: "إنهم قاتلوك"، وعرف رسول الله أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم، فقال له عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم ويقال من أبصارهم وكان فيهم كذلك محببا مجابا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام ورجا أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف عليهم على علية له وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى في دمك؟ فقال: كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه".

(1/412)


ثم أقامت ثقيف بعد مقتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقدج بايعوا وأسلموا، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع؟ فائتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله رجلا كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل ابن عمرو بن عمير وكان في سن عروة بن مسعود وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا. فأجمعوا أن يرسلوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونون ستة. فبعثوا الحكم بن عمرو بن وهب وشرحبيل بن غيلان ابن سلمة. ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص بن بشر ابن عبد دهمان وأوس ابن عوف ونمير بن خرشة بن ربيعة، فخرج بهم عبد ياليل وهو نائب القوم وصاحب أمرهم. ولم يخرج بهم إلا خشية أن يصنع به مثل ما صنع بعروة لكي يشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه، فلما دنوا من المدينة وتركوا قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رعيتها نوبا عليهم، فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين ومر يشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والإسلام وأن يشترطوا شروطا ويكتبوا من رسول الله كتابا في قومهم وبلادهم وأموالهم، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بأن لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبة عليهم في ناحية مسجده كما يزعمون، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله حتى كتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي يكتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.

(1/413)


وقد كانوا فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى رسول الله ذلك، فما برحوا يسألونه سنة سنة وهو يأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى. وإنما يريدون في ذلك فيما يظهر أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونساءهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدمانها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما كسر الأوثان بأيديكم فسنعفيكم منه وأما الصلاة فلا، فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه". فقالوا: يا محمد فسنؤتكها ولو كانت دناءة. فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنا، وذلك أنه كان من أحرصهم على التفقه في الدين وفي الإسلام، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن.
قال ابن إسحاق: وحدثني عيسى بن عبد الله بن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله ما بقي من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا من عند رسول الله، فيأتينا بالسحور وإنا لنقول: إنا الفجر قد طلع فيقول: قد تركت رسول الله يتسحر لتأخير السحور، ويأتينا بفطورنا وإنا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد، فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسول الله، ثم يضع يده في الجفنة فيلت قسمه منها.
قال ابن إسحاق وحدثني سعيد بن أبي هند عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عثمان بن أبي العاص قال: كان من آخر ما عهد إلي رسول الله حين بعثني إلى ثقيف أن قال: "يا عثمان تجاوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة".
قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية مع

(1/414)


القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم، فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول، وقام دونه بنو معتب خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها، ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واها لك واها لك. فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل أبي سفيان، مجموع حليها مالها من الذهب والجزع.
وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف وأن لا يجامعاهم على شيء أبدا، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "توليا من شئتما". قالا: نتولى الله وسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وخالكما أبا سفيان". قالا: وخالنا أبا سفيان بن حرب.
فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية سأل رسول الله أبو المليح بن عروة أن يقضي عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية. فقال له رسول الله: "نعم". فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه فقال رسول الله: "إن الأسود مات مشركا". فقال قارب لرسول الله: لكن تصل مسلما ذا قرابة، يعني نفسه، إنما الدين علي وإنما أنا الذي أطلب به. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية.
فلما جمع المغيرة مالها قال لأبي سفيان: إن رسول الله قد أمرك أن تقضي عن عروة والأسود دينهما، فقضى عنهما. انتهى.

(1/415)