تعليق العثيمين على صحيح البخاري

صحيح البخاري


[ كتاب الحج ]
لفضيلة الشيخ العلامة الإمام
أبي عبد الله محمد بن صالح العثيمين
" رحمه الله "
( 1347هـ ـ 1421 هـ )

قام بإعدادها
مجموعة من طلاب العلم
غفر الله لهم ولوالديهم ولمشايخهم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :
فإنا نقدم لإخواننا طلاب العلم تعليق فضيلة الشيخ /
محمد بن صالح العثيمين
رحمه الله
على عدة كتب من صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري " رحمه الله" ، وهي كتاب الحج ، وكتاب العمرة ، وكتاب المحصر ، وكتاب جزاء الصيد ، وكتاب فضائل المدينة . ولم يتمه رحمه الله إذ وقف فيه على باب (من رغب عن المدينة) في السادس والعشرين من شهر صفر من عام واحد وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة . وقد بدأ الشيخ رحمة الله عليه بهذا التعليق في الرابع والعشرين من شهر شعبان من العام العشرين بعد الأربعمائة والألف من الهجرة .
نسأل الله أن يجزي شيخنا خيراً ، وأن يغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

كتاب الحج (1)
__________
(1) قبل أن ندخل في مواضيع الأحاديث نحب أن نُعطي قواعد :
أولاً : الحج ركن من أركان الإسلام ، والدليل : متى فُرض الحج ؟ في السنة التاسعة ، ما الدليل ؟ قوله تعالى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا } وهذه الآية نزلت في السنة التاسعة ؛ لأن صدر آل عمران كله نزل في السنة التاسعة .
قال بعض الناس إنه فُرض في السنة السابعة ، ما دليلهم ؟
طالب: دليلهم قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله }
الشيخ: وهل هذا الاستدلال صحيح ؟
الطالب: غير صحيح .
الشيخ: غير صحيح ، ما وجهه ؟
الطالب: وجهه هذا أمرٌ للإتمام وليس أمرٌ للابتداء .

الشيخ: نعم ، ويؤيد ذلك أن فتح مكة كان في السنة الثامنة ؟
طالب: السنة الثامنة ، وليس من الحكمة أن يُفرض الحج ومكة لا يزال يسيطر عليها المشركون .
الشيخ: نعم تمام، ولهذا صدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العمرة .
ثانياً : الحج له شروط ، والشروط ـ كما يُعلم من الشريعة الإسلامية ـ الشروط هي عبارة عن ضبط الواجبات والتكليفات ؛ لأنه لو بقيت التكليفات بلا شروط صار فوضى ، فالشروط في الواقع من تمام الشريعة . وقول بعض المُحْدَثين : ( إن هذه الشروط والأركان والواجبات المفصلة هذه بدعة ) فنقول : ليست ببدعة ، هذه وسائل لضبط الشريعة وتقريبها للمكلفين ، وكونها شروطاً أو واجبات أو أركاناً ، هذا أيضاً من انضباط الشرع نفسه حتى لا يبقى الناس في فوضى ، لذلك أثبت العلماء ـ رحمهم الله ـ بما يكاد يكون إجماعاً قبل هؤلاء المُحْدَثين بإثبات الشروط والأركان والواجبات، وإن كانوا يختلفون هذا شرط أو ركن أو واجب ، هذا شيء آخر ، المهم المبدأ موجود ، ولا ينبغي أن نعترض على سنة العلماء ، ولا ينبغي أن نعترض على أمر يجعل الله تعالى فيه تسهيلاً لحفظ الشريعة وإتقانها وانضباطها .
الحج له شروط منها:
الشرط الأول : الإسلام ، وهذا شرط في جميع العبادات ، كل العبادات لابد فيها من الإسلام ؛ لأنه إذا لم يكن مسلماً فليس مقبولاً عند الله عز وجل قال الله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } وقال عز وجل: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله } مع أن نفقاتهم نفعها متعدي ومع ذلك لا تُقبل .
الإسلام شرط في جميع العبادات ، حتى في الوضوء ؟ حتى في الوضوء ، فلو أن كافراً توضأ ثم منّ الله عليه فأسلم قلنا لابد أن تُعيد الوضوء إذا أردت الصلاة ؛ لأن وضوءك الأول وقع وأنت في حال الكفر فلا يصلح .
الشرط الثاني: العقل ، فالمجنون لا حج عليه ، وهذا شرط في جميع العبادات ما عدا الزكاة ، فالزكاة ليس من شرطها العقل ؛ لأن وجوبها في المال، كما قال تعالى: { والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم } وقال عز وجل : { خذ من أموالهم صدقة } ، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل : (( أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترجع على فقرائهم )) ولأن الفقير لا تتعلق نفسه بالفاعل تتعلق بالمال ، سيقول الفقراء : أين نصيبنا من هذا المال ؟ فلذلك لا يشترط في وجوب الزكاة العقل .
الشرط الثالث: البلوغ، وهذا شرط للوجوب وليس شرطاً للصحة ، أما كونه شرطاً للوجوب فللحديث المشهور الذي تلقاه الناس بالقبول : (( رُفع القلم عن ثلاثة )) وذكر منهم الصبي حتى يكبر . وأما كونه ليس شرطاً للصحة فلحديث ابن عباس رضي الله عنهما في المرأة التي رفعت الصبي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقالت : يا رسول الله ألهذا حج؟ قال : (( نعم ولك أجر )) إذاً من شرط وجوب الحج ماذا ؟ البلوغ ، طيب البلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة : تمام خمس عشرة سنة ، والثاني إنبات شعر العانة ، وهو الشعر الخشن الذي يكون حول القُبل ، والثالث إنزال المني بشهوة ، هذه ثلاثة ، تزيد المرأة بالرابع وهو الحيض فمتى حاضت ولو لم يكن لها إلا تسع سنوات فهي بالغة .
الشرط الرابع : الحرية ، وهذا شرط في كل عبادة اشترط فيها التملك، تملك المال ، فالزكاة مثلاً لا تجب على العبد لأنه ليس له مال ، والحج لا يجب على العبد لأنه ليس له مال ولأن العبد مشغول بخدمة سيده ، فلو ألزمنا عليه الحج للزم من ذلك إما تأثيمه وإما تأثيم سيده ، إما تأثيمه إن حج بلا إذن سيده ، وإما تأثيم سيده إن منعه . فلهذا نقول لا حج عليه حتى يسلم هو من الإثم وكذلك سيده .
فإن قال قائل : أرأيتم لو أن سيده أذن له وأعطاه المال ، أو أذن له وهو في مكة وأمكنه أن يحج على قدميه ، هل يلزمه الحج أو لا ؟ المشهور من المذهب لا ، حتى لو أذن له سيده ولو أعطاه المال يحج به ، أو كان لا يحتاج إليه وهو في مكة فإنه لا يجب عليه الحج ؛ لأن الحرية وصف لابد من ثبوته في وجوب الحج . والصحيح أنه يجب عليه الحج في هذا الحال ؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً ، فالآن هذا قادر والله عز وجل يقول : { من استطاع إليه سبيلاً } وهذا مستطيع . فسيده يقول أهلاً وسهلاً أنا أساعدك . فماذا يكون بعد ذلك ؟
الشرط الخامس : الاستطاعة ، وقد ذكرها الله تعالى في قوله : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } ونص الله عز وجل على الاستطاعة في الحج مع أن هذا شرط في جميع الواجبات ؛ لأن الحج غالباً يكون فيه مشقة ، الغالب يكون فيه مشقة لأن أكثر الناس خارج مكة وبعيدون عن مكة فتلحقهم المشقة لاسيما في الزمن الأول لما كان الناس يحجون على أقدامهم أو على إبلهم مشقة ، فلهذا نص الله تعالى على الاستطاعة مع أنها شرط في جميع الواجبات . والاستطاعة نوعان :
استطاعة بالمال فقط ، أو بالبدن فقط ، أو بهما جميعاً ، فهي ثلاثة أقسام . إذا كان عنده استطاعة بماله وبدنه مع بقية الشروط وجب عليه الحج ولا إشكال ، إذا كان عنده استطاعة بماله دون بدنه ، هو يبذل بماله لكن ما يبذل ببدنه سقط عنه الوجوب البدني لأنه ما يستطيع ووجب عليه بذل المال ، فيُقيم من يحج عنه ويعتمر . وإذا كان عاجزاً بماله قادراً ببدنه يجب عليه ؟ قادر ببدنه قريب أو بعيد إنسان شجاع قوي يجب أو لا يجب ؟ الله المستعان ، أين أنتم ؟ أين فقهكم ؟! { من استطاع إليه سبيلا } هل هذا مستطيع أو لا ؟ إنسان قوي شجاع إذا رآه الذئب هرب منه وإذا رآه الواحد من الناس هرب ، ما يخاف على نفسه هو قوي ، يجب عليه أو ما يجب ؟ يجب يا أخوان يجب { من استطاع إليه سبيلاً } لو كان في الكويت أو وراء الكويت بعد يجب ؛ لأن عندنا آية من كلام الله عز وجل ما هي من كلام فلان وفلان { من استطاع إليه سبيلاً } واضح ؟
طيب إذا كان غير قادر لا بماله ولا ببدنه إيش ؟ يسقط عنه ما فيه إشكال ؛ لأن الله اشترط للوجوب الاستطاعة . وهل الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب أو شرط للأداء ؟ انتبه هل الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب أو شرط للأداء ؟ مثال ذلك : امرأة غنية قادرة ببدنها لكن لم تجد محرماً ، هي الآن قادرة قدرة حسية لكنها شرعاً غير قادرة لماذا ؟ لأنها ما لها محرم ، وهي ممنوعة شرعاً من السفر ، فهل يجب عليها أن تحج أو لا يجب ؟ نقول : أما ببدنها فلا يجب وأما بنائبها فيجب لأنها قادرة ، ولكن المذهب عند الحنابلة أن ذلك شرط للوجوب . وعلى هذا فيشترط لوجوب الحج القدرة الشرعية والحسية ، وبذلك نُطمئن أخواتنا اللاتي يتكدرن ويحزن إذا لم يكن عندهن محرم ونقول أبشرن لو لقيتن الله بلا حج فليس عليكن شيء ، لماذا ؟ لأن الحج لا يجب عليهن ، كما أن الفقير إذا لقي ربه وهو لم يزكي هل عليه شيء ؟ ما عليه لأنه ما عنده مال . فالحمد لله على نعمه ، يعني ينبغي أننا نُطمئن النساء لأن بعض النساء تحزن حزناً شديداً حتى إن بعضهن تعصي الله وتحج بلا محرم . سبحان الله كيف تتقرب إلى الله بمعصيته ؟ هذا غلط عظيم وسفه . فهذه شروط وجوب الحج ، قال الناظم في هذه الشروط :
الحج والعمرة واجبان في العمر مرة بلا توان
بشرط إسلام كذا حرية عقل بلوغ قدرة جلية
وقوله : ( بلا توان ) يعني يجب على الفور أن يؤدي الحج ، انتبهوا هذه نقطة مهمة أيضاً ، هل إذا قدر الإنسان على الحج يجب عليه أن يحج فوراً أو هو على التراخي ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة ، فمنهم من قال على التراخي لأن العمر كله وقت للحج . فكما إن الإنسان في الصلاة له أن يصلي في أول الوقت وفي آخر الوقت ، هؤلاء يقولون الحج لا يجب في العمر إلا مرة إذاً فالعمر كله وقت له . وأيضاً يقولون : إن الله فرض الحج في السنة السادسة أو السابعة ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا في العاشرة . لكن هذا القول ضعيف ، أما من حيث الدليل فقد عرفتم أن الدليل يدل على أن الحج إنما فُرض في السنة التاسعة ، ولكن حتى على هذا القول يقولون : عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يحج في السنة التاسعة أخره إلى العاشرة . فنقول : إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخر الحج لمصلحة عظيمة تفوت لو حج ولا يفوت الحج لو أخره ، وهي استقبال الوفود الذين يفدون إلى المدينة مسلمين ليتعلموا أحكام دينهم من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وأيضاً في تلك السنة ـ السنة التاسعة ـ كان في الحجاج خليط من المشركين ؛ لأن فتح مكة قبل ذلك بسنة فحج كثير من المشركين ، فأراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكون حجه إيش؟ خالصاً للمؤمنين ، ولذلك في ذلك العام عام تسع أذَّن المؤذن يعني أعلن المُعلن أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عرياناً .
والصواب هو أن الحج واجب على الفور من حين أن تتم شروط الوجوب ، وقد عرفتم بطلان استدلالهم بالآية: { وأتموا الحج والعمرة لله } وعرفتم بطلان استدلالهم بتأخير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحج عن السنة التاسعة . أما قولهم : إن الحج لا يجب في العمر إلا مرة فالعمر كله وقته فيجوز في أوله وآخره . فيقال : من الذي يضمن أن تبقى قدرة الإنسان على الحج ؟ أليس ممكن أي يُمرض ، ويمكن أن يُسلب المال ، ويمكن أن تكون الطريق مخوفة ، ويمكن أن يموت ، كل هذا ممكن ، فكيف يؤخر ما أوجب الله عليه بعد أن أنعم الله عليه بتوفر الشروط ؟ فالصواب إذاً أنه يجب على الفور .
فإذا قال قائل : الحج عرفنا أنه ركن من أركان الإسلام لكن ما هي الحكمة وما هو الذي يفيد القلب من هذا الحج ؟ قلنا : الحكمة تعظيم الله عز وجل بتعظيم أعظم بيت في الأرض وهو الكعبة كما قال عز وجل: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين } وتعظيم الأماكن من تعظيم الساكن، ومعلوم أن الله فوق كل شيء لكن على حد قول الشاعر: أمر على الديار ديار ليلى ـ وضمير أمر يعود على مجنون ليلى ـ يقول :
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار
مجنون .. يمشي على الجدار يقبله والجدار الثاني يقبله والجدار الثالث والرابع .
.......................... أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار
المهم أن في الوفود على بيت الله عز وجل تعظيم لله تعالى لا يخفى ، وبالنسبة لنا اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتأس به ، ونعم الأسوة صلوات الله وسلامه عليه ، ولهذا لما قبَّل عمر الحجر قال : والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك . لله در عمر ، حتى لا يقع في قلب أحد تعظيم الأحجار وتعظيم الآثار كما ابتُليت به الأمة في الوقت الحاضر إلا من عصم الله ومعلوم أنه لولا أن الله شرع لنا أن تعبد له بهذه العبادة وأن نتأسى برسوله صلى الله عليه وسلم فيها ما ذهبنا إليها . وإلا فقد يقول قائل : ما الفائدة من أن تأخذ سبع حصيات وترميها في مكان معين ؟ الفائدة التعبد لله قبل كل شيء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله )) هذا هو الحكمة ولذلك تجد الناس إذا أتوا هذه المشاعر العظيمة بإخلاص لله وتأسٍ برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يزداد إيمانهم واسأل الناس من قبل تجد طعماً لذيذاً في الحج، في الوقت الحاضر الحج جهاد وتبين صدق الحديث وهو متبين من قبل (( عليهن جهاد لا قتال فيه )) الآن الذين مثلاً يطوفون تجد الواحد قلبه مشغول بإيش ؟ بالحياة والموت ، هل يخرج سالماً أو لا ؟ فيفقد الطمأنينة والخشوع الذي كان من قبل ولكن يجب أن يوطن الإنسان نفسه على أنه في عبادة وأن هذه المشقة التي تأتيه في العبادة ما هي إلا رفعة لدرجاته وتكفير لسيئاته والأجر على قدر المشقة ، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعائشة : (( أجرك على قدر نصبك )) .
كذلك في رمي الجمرات رامي الجمرات هو بين الحياة والموت وبين الأذية والتأذي لكن ماذا يصنع ؟ لولا أنه يعتقد أن هذا عبادة لله عز وجل واتباع لرسول الله ما فعل ، لكن في الأول ـ أنا أثرت البقية ـ تجد الناس في طمأنينة يعني أدركنا الناس يذهبون للجمرات أما في المطاف فالمطاف أقل من هذا في الأول ومع ذلك لا يمتلئ تقدر تقبل الحجر الأسود في كل شوط في أيام الحج في الموسم ، في الجمرات تجد الناس قليلين جداً يعني ننزل عند مسجد الخيف في خيمتنا وتجد الخيمة الثانية بعيدة عنا والثالثة بعيدة ، وفي نفس منى أكوام من الحطب يعني ما في كهرباء ، حطب أكوام كأنك في أسواق الحطب ، ونحن في مسجد الخيف نشاهد الناس يرمون الجمرات ما في بناء ولا سيارات ولا زحام ولا شيء ، يذهب الإنسان في طمأنينة وهدوء وتكبير وتلبية قبل جمرة العقبة ، ويجد يعني سبحان الله طعماً لذيذاً للحج .
لكن كما قلت لكم إن تعب الناس اليوم مع الاحتساب يزدادون به أجراً؛ لأنه كلما كانت المشقة في العبادة على وجه لا يمكن دفعها صار الأجر أكبر أما إذا كان يمكن دفعها لا مثل ما يفعل بعض الناس مثلاً يكون الجو بارداً والماء بارداً وتقول له سخن الماء قال : لا من الرباط إسباغ الوضوء في السبرات .. الله أكبر ، الله يقول: { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } وإذا أنعم الله عليك فتمتع بنعمه ، نعم الشيء الذي لابد منه يأتي بغير قصد هذا يؤجر الإنسان عليه أما أن يتقصد العذاب فلا.
أيضاً من حِكَم الحج أنه جامع بين العبادة البدنية مع مشقتها والعبادة المالية أحياناً ما هو دائماً ؛ لأن الذين يحجون من مكة لا يتكلفون مالاً ليس عليهم هدي ويأكلون الطعام العادي يأكلونه في مكة في المشاعر ما في كلفة يعني ما في مال زيادة ، لكن نفس المشقة البدنية والتعب القلبي لاشك أن هذا فيه امتحان للعبد ؛ لأن الله عز وجل يمتحن العبد بكثرة المشقات إذا كان صادقاً في إيمانه وإخلاصه ومحبته لملاقاة ربه على وجه يرضيه يتحمل ، والعكس بالعكس ، فلتمام الامتحان جعل الله العبادات الخمس مختلفة: بدنية محضة، ومالية محضة ، ومركبة منهما أحياناً ، ثم العبادة إما فعل وإما ترك ، الصوم ترك المحبوب ، والزكاة بذل المحبوب ، كل هذا ليبتلي الله العبد هل يعبد هواه أو يعبد مولاه ؟ على حسب ما يصدر منه .
ومن منافع الحج أن الناس يتعارفون ويتآلفون ، وإن كان هذا مع الأسف بالنسبة للوقت الحاضر قليل جداً ، وإلا لو اُستُغل هذا المجتمع وهذا الجمع فيما ينفع المسلمين لكان لهذا أثر عظيم ، لكن المشكلة الآن المسلمون لغاتهم مختلفة أم لا ؟ تعجز أن تُعبر بما في نفسك لواحد لا يعرف لغتك لا تستطيع ، كيف توصل معلوماتك إلى هذا ؟ يمكن أن يقال يوصل بالمترجم، المترجم إذا كان بلية إيش نسوي ؟ مشكل ، أُحدثكم عن نفسي أننا نتكلم في مسجد المطار في جدة ، نتكلم كلام يعني غالبه في التوحيد وأركان الإسلام وجاءني رجل وقال : كلامك طيب . ولا أحب أن أقول من أي جهة هو لكن هو من أفريقيا بس ما نقدر نقول شيئاً ، قال : كلامك هذا طيب زين أتأذن لي أن أترجمه ؟ أنا شفت هيئته يعني هيئة إنسان يعني محترم قلت : طيب لا بأس ، فجعلت أتكلم وهو يترجم نهينا ما شاء الله فدخل رجل آخر من الشارع من خارج المسجد فقال لي : ما هذا المترجم الذي عندك ؟ قلت : هذا جزاه الله خيراً تبرع . قال : لا ، إنه يترجم ضد كلامك أنت تقول توحيد وهو يقول شرك . سبحان الله من نصدق هذا الآن ، نصدق الأول أو الثاني ؟ فقلت إذاً خلاص بطلنا الذي بيعرف العربية فالحمد لله ، والذي ما يعرفها هو الذي جنى على نفسه وتركنا الترجمة .
فأقول يعني إن هذا المجتمع العظيم لو كان الناس لهم مترجمون يتصلون بهؤلاء الأجانب ولاسيما الكبراء كالعلماء لكان الخير كثير .
أيضاً يمنع هذه المنفعة العظيمة أن من الناس من هو متعصب لمذهبه سواء فيما يتعلق بالتوحيد أو فيما يتعلق بالأعمال تجده متعصباً جداً لمذهبه ما يقبل ، وهذه مشكلة الآن يعاني منها الناس الدعاة ، يقابل هذا أن من الدعاة من هو صلب جداً جداًَ ، ولا يبالي أن يقول هذا كافر اتركه في نار جهنم، أو يدعو بالحكمة ، ومن الناس من هو لين لكن ليس عنده علم يُغلب. فهي مشكلة .
في مرة من المرات ولا بأس أن نذكر ما نُشنف به آذانكم ، في مرة من المرات جاءنا فريقان وهم أيضاً من الغرب ، جاءنا فريقان يكفر بعضهم بعضاً ، وأتوا إلى مدير رجال التوعية وكلمهم وجاء بهم لي ، إيش عندكم ؟ قال : كل واحد يُكفر الثاني ويلعنه والعياذ بالله . لماذا ؟ واحد منهم إذا قام في الصلاة يُرسل اليدين ، طائفة تُرسل يديها والثانية لا تُرسل تُمسك ، قال : هذا كافر . ليش ؟ قال : النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( من رغب عن سنتي فليس مني )) وهذا رغب عن سنة الرسول . والآخرون قالوا مثله . هذا مشكل ، الجهل ، لكن الحمد لله يعني بعد البحث والمناقشة وقلنا إن هذه المسألة يسيرة لا توجب التكفير حتى لو تركها الإنسان عمداً .
المهم قصدي بهذا إن الناس متعصبون ، فالتعصب هذا مُشكل وإلا لكان الحج مؤتمر عظيم للمسلمين ، قال الله تعالى : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } لكن الحمد لله أنتم وأمثالكم فيكم بركة ، يمكن تدعون الناس في الحج من قُدر له أن يحج بالتي هي أحسن وباللين وباللطف ، تقصدون بذلك الأجر لنفسكم والأجر لهؤلاء المساكين الذين ليس عندهم من يرشدهم ، ويحصل بهذا خيرٌ كثير والحمد لله .
سؤال : يا شيخ بارك الله فيك ، بالنسبة للدعوة مثلاً في مكة هل يتكلم الإنسان على مناسك الحج أو يخصص الدعوة في التوحيد خاصة ؟
الجواب : أرى أن يُكلم الناس في الحج ، ومناسك الحج فيها التوحيد ، حديث جابر رضي الله عنه ماذا قال ؟ قال : حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك . فيأتي ضمناً لأنك تعرف الآن هناك دعوة سيئة أو دعاية على أن من دعا إلى التوحيد فهو وهابي ، ما يعرفون أن هذا مذهب السلف ، والوهابية عند كثير من عوام المسلمين في الخارج مذهب ممقوت ؛ لأنهم ما يدرون .
سؤال : هل العمرة واجبة على أهل مكة ؟
الجواب : العمرة ظاهر النصوص أنها واجبة على كل أحد ، لكن كثيراً من العلماء يقولون : أهل مكة لا عمرة لهم لأنه لم يُعهد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يخرجون من مكة إلى الحل ويأتون بالعمرة ، والأظهر أنها واجبة على كل أحد .
سؤال : أثابك الله ، يكون عند الإنسان أبناء أو أخوان قد وصلوا لسن البلوغ يريد أن يحج ويؤدي الفرض ، لكن يا شيخ غالباً ما يكون الشباب في هذا العمر بعيدين عن معرفة الحج والإحساس به ولهذا تجد أن أغلبهم يُقلدون من معهم ولهذا إذا كبر الواحد منهم قال أريد أن أحج أنا حججت لكن ما أعرف كيف حججت ذاك العام ، وهذا قريب بما أحسسنا به نحن في أول حجة للإنسان ، فهل نؤخره سنة أو سنتين حتى يرسخ عقل الواحد منهم ويتعلم الحج ويكون حجه هذا بحرص منه ؟
الجواب : والله إنشاء الله هذا لا بأس به لأن هذا تأخير لمصلحة العبادة فأرجوا أن لا يكون به بأس إن شاء الله ، مع أن الأمر كما ذكرت أكثر الناس الآن بالنسبة للحج خاصة ما كأنه عبادة كأنه بس أعمال تُفعل ، ولهذا تجدهم لا يهتمون بمسألة الأذية للغير ولا بمسألة الخشوع ، حتى في مخيماتهم في منى مثلاً لو دخلت عليهم وجدتهم كأنهم في نزهة ، لكن ما ذكرته أرجو أن لا يكون فيه بأس إذا كان التأخير من أجل إيش ؟ من أجل مصلحة العبادة . ثم هناك شيء آخر يخفف الموضوع أن هؤلاء الغالب ما عندهم مال ليس عندهم مال فالحج ليس واجباً عليهم ، ووليهم لا يلزمه أن يحججهم ، فهمت ؟ هذا أيضاً مما يخفف المسألة .
سؤال : يا شيخ بارك الله فيكم ، هل يجب على المرأة أن تبيع من حليها لتدفع نفقة الحج لها ولمحرمها ؟
الجواب : لا .. يقول هل يجب على المرأة أن تبيع من حليها لتحج به؟ نقول لا يجب ، اللهم إلا الزائد الذي لم تجرِ العادة بتجملها به فهو كطالب العلم الذي عنده كتب يحتاجها وعنده كتب أخرى إما مكررة أو لا يحتاجها .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ، هل يجوز للشيخ الكبير الذي أتى للحج ويجد مشقة في الطواف والسعي أن يستنيب من يقوم بأعمال الحج عنه ؟
الجواب : يجب عليه أن يحج بنفسه لأن هذه مشكلة ، الطواف الحمد لله الآن في عربات يركبها الإنسان ويُدف وإن لم يحصل له في الأسفل ففي فوق ، عرفت ؟ وكذلك يقال في السعي ، والرمي يوكل ، وهذا خير من كونه يستنيب في كل النُسك . أما الاستنابة في النفل فهذه موضع شك بالنسبة لي أنا ، وموضع منع في إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله ، يقول : النفل ما فيه نيابة لأن النيابة إنما حصلت في الفريضة أما النفل فمن استطاع فليحج ومن لم يستطع فلا ينيب ، أفهمت ؟ ولهذا نرى أن الإنسان الذي يريد أن ينيب أحداً في النافلة أن لا يفعل ، بل يتلمس أحداً من الناس لم يحج الفريضة ويعينه فيها ، ومن أعان غازياً فقد غزا .
سؤال : يقولون خاصة بعد تناقل الفضائيات لصور الحج إلى آخره في العالم فبعض النصارى يثيرون شبهة على المسلمين في بعض الأماكن أنكم تدَّعون التوحيد بينما تطوفون حول حجارة .. إلى آخره ؟
الجواب : الحمد كل إنسان عنده باطل لابد أن يثير شبهة ، نقول : نحن ما طفنا حول الكعبة إلا بأمر الله ، وإذا طفنا بالكعبة وهي أحجار بأمر الله صار هذا غاية العبادة ؛ لأن الغالب أن النفس ما تنقاد إلا لشيء تلمس فائدته حسياً وهذا من الناحية الحسية ما فيه فائدة ، لكن من الناحية المعنوية ومصلحته للقلب والنفس والسلوك أمر واقع ، فنقول لهم نحن لم نطف حول الكعبة ولا بين الصفا والمروة ولا خرجنا للمشاعر إلا بأمر الله ، لكن أنتم أين لكم الأمر من الله ؟ وكذلك نقول للقبوريين ، الآن القبوريون الذين يدعون الإسلام وهم يطوفون على القبور يقولون مثل هذه الشبهة ، الجواب سهل والحمد لله .
سؤال : من ليس عنده استطاعة شرعية كالمرأة التي ليس عندها محرم هل يجب عليها الحج في مالها أو لا ؟
الجواب : لا يجب عليها أبداً لا في مالها ولا في بدنها ، إذا قلنا بأن الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب ما ,جب عليها .
السائل : وهل هو الصحيح ؟
الجواب : والله هذا هو الظاهر عندي .
سؤال : أحسن الله إليك ، أمثال هؤلاء الذين يأتون إذا بدأت معهم في مناسك الحج أو الصلاة غالبهم يعني يقبلون بعد ذلك دعوتك للتوحيد ، لكن بعض الدعاة يشددون يقولون إنك إذا بدأت بمناسك الحج قبل التوحيد خالفت منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال : (( ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله )) ؟
الجواب : أحسنت ، هذه شبهة وليست بحجة ، إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن لقوم مشركين يعرفون أنهم على شرك ، لكن هؤلاء القوم الصوفية وما أشبههم يعتقدون أنهم مسلمون على دين ، فكيف نذهب لنهج ما يعتقدون أنه هو الدين ، بينهما فرق ، يعني الكلام لو كنا نريد أن ندعو قوماً مشركين ، ما نقول تعالوا صلوا لأنهم لو صلوا ما نفعهم، لكن نحن ندعوا قوماً يقولون أنهم مسلمون ، فهل نأتي بشيء بارد على قلوبهم يمكنهم أن يحبونه ويألفونه ثم بعد ذلك نتكلم فيما هم عليه من الضلال أو نطب طباً على ما هم عليه مثلاً ؟ في ظني أن هذا أولى أننا نُحدثهم بما يتفق معهم ، واضح ؟ هذا جواب على من ذكر ؟
سؤال : إذا كانت المرأة ليس لها إلا محرماً واحداً ورفض أن يحج معها هل يأثم أو لا يأثم ؟
الجواب : لا .. ما يأثم { ولا تزر وازرة وزر أخرى } يسقط عن المرأة لكن لها مثلاً أن تقريه بالماء لأن نفقته عليها ، فإذا كانت تستطيع تعطيه النفقة ويحج بها .
سؤال : أحسن الله إليك يا شيخ ، إذا حج شخص ووالده ليس راضٍ عنه فهل يحج ؟
الجواب : فريضة أو نافلة ؟
السائل : نافلة .
الجواب : هذه تنبني على مسألة متى تجب طاعة الوالد ، هل تجب في كل شيء أو لا ؟ فنقول إذا نهاه والده عن الحج النافلة إذا كان والده يحتاج إليه فيجب عليه أن لا يحج يبقى عند والده وإذا كان لا يحتاج إليه نظرنا أيضاً ، هل هو يخاف عليه ، على الولد في عرضه أو في شيء آخر ؟ يعني خوفاً حقيقياً لا وهمياً فيجب عليه طاعة أبيه ، أما إذا كان بعض الناس لا يريد أن يذهب والدهم مع الشباب الصالحين ، أو يخاف عليه خوفاً وهمياً فله أن يحج بلا إذن ، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا تجب طاعة الوالدين إلا فيما فيه نفع لهما بدون ضرر للغير ، وهذه قاعدة طيبة ، ما فيه نفع وليس فيه ضرر .
سؤال : يا شيخ أحسن الله إليك ، بعض العوام يرمي الجمرات لكن لا يقيم ذكر الله أحسن الله إليكم ، إنما يرميها باللعن والسب للجمرات يعتقد هذه الجمرات شيطان فيلعنه ويسبه إلى أن ينتهي من الجمرات ؟
الجواب : هذا من الجهل .
السائل : هل ينعقد هذا الرمي ؟
الجواب : الرمي صحيح لأنه حصل رمي الجمرات ، لكن هذه العقيدة باطلة وإلا سمعنا من يرمي ويشتم ويقول أنت الذي فرقت بيني وبين زوجتي وما أشبه ذلك من الكلام السخيف ، ورأيت بعيني قبل الزحام الشديد هذا قبل سنوات رجلاً وامرأة في وسط الحوض حوض جمرة العقبة والناس يرمون الحوض ويرمون الرجل والمرأة ، لكنه صادق وكأني به يقول :
هل أنت إلا إصبع دميتي وفي سبيل الله ما لقيتي
يرمونه وهو ساكت ، سبحان الله .ا.هـ.
ش1 ـ وجه ب :
ذكرنا الشروط والضوابط ، وتكلمنا أيضاً عن الآية الكريمة لكن الحج كغيره من العبادات له شروط وضوابط ، هذه الشروط والموانع هذه دليل على حكمة الله عز وجل في الشرع ، وأن الشرع على أتم نظام وأكمله ، لو كانت المسألة فوضى ما في شروط ولا في موانع لاختلف الناس لكن لابد من شروط تضبط الشرائع والشعائر ، من شروط الحج ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأحاديث .


1ـ بَاب وُجُوبِ الْحَجِّ وَفَضْلِهِ
وَقَوْلِ اللَّهِ: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )
1417 حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهمَا قَالَ كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَشْعَمَ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.(1)
__________
(1) قوله : ( كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الفضل بن عباس أخو عبد الله بن عباس لكن عبد الله أفضل منه وأعلم منه وأنفع منه للأمة ، وأردفه النبي صلى الله عليه وسلم من سيره من مزدلفة إلى منى يوم العيد . وتأمل الحكمة العظيمة في تصرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، في دفعه من عرفة من أردف ؟ أردف مولى من الموالي ما أردف من كبراء الصحابة ، مولى من الموالي وصغير أيضاً أسامة ، في دفعه من مزدلفة إلى منى أردف الفضل بن عباس رضي الله عنه ، يعني من أصغر آل البيت ما أردف العباس ولا أردف أحد آخر ، ليتبين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يريد الفخر وإنما هو متواضع حتى إنه حج على جمل رث ، يعني ما هو مفخم مزخرف ، ولا طرد بين يديه ولا إليك إليك ولا ضرب ، هكذا قال الراوي ( لا ضرب ) يعني ما أحد يُضرب حتى يتجاوز الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أحد يطرد كوخر وخر .. لا ، ولا إليك إليك ، يمشي مع الناس عليه الصلاة والسلام ، وهذا من تواضعه ، ولذلك امتلأت القلوب بمحبته عليه الصلاة والسلام .
المهم أن الفضل كان ردفه ، جاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه . ظاهر الحديث أن المرأة كاشفة ؛ لأنه ينظر إليها وتنظر إليه ، كونه ينظر إليها معروف ، يعني الرجل كاشف وجهه ويُعرف أن بصره منصرف إلى كذا ، لكن لا يمكن أن نعلم أنها تنظر إليه إلا إذا كانت كاشفة ، وهي لم تكون منتقبة لأن الانتقاب على النساء في الإحرام مُحرم ، إذاً هي كاشفة الوجه تنظر إلى هذا الرجل . وكان الفضل وسيماً يعني جميلاً ، والمرأة مع الرجال كالرجل مع النساء ، النساء تسلب عقول الرجال ( ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم مثلكن ) والمرأة كذلك يتعلق قلبها بالجميل أكثر فهي تنظر إليه وينظر إليها ، فصرف النبي عليه وعلى آله وسلم وجه الفضل إلى الجانب الآخر خوفاً من الفتنة ، فسألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الرحل . وفريضة الله على عباده بالحج متى ؟ السنة التاسعة ، أدركته شيخاً كبيراً ، كلمة شيخ وكبير هنا مترادفتان ، يعني معناهما واحد ، الشيخ يُطلق على كبير السن وعلى واسع العلم وعلى كثير المال وعلى من يُفخم ، فهي استدركت أنها قالت شيخاً ، وقالت : إنه كبير لا يثبت على الراحلة ـ من كبره ـ أفأحج عنه ؟ قال : (( نعم )) وذلك في حجة الوداع .
( افأحج عنه ) هذه المرة أو في المرات الأخرى ؟ في المرات الأخرى ؛ لأنها لم تقل افأجعل حجي له ، بل قالت أفأحج عنه ، يعني حجة أخرى لأنها الآن متلبسة بحجة لها ، قال : (( نعم )) وهذا جواب يغني عن إعادة السؤال ، أي أنه يغني عن قوله نعم حجي ، قال : ( وذلك في حجة الوداع ) حجة الوداع هي في السنة العاشرة من الهجرة ، ولم يحج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد الهجرة حجة سواها ، وسُميت حجة الوداع لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكلم بكلام يدل على أن هذه آخر حجة حيث كان يقول : (( لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا )) فسُميت بحجة الوداع ، أما قبل الهجرة فكان يحج فيما يظهر ، وقد ورد في الترمذي أنه حج مرة واحدة لكن الذي يظهر أنها أكثر ؛ لأنه كان يخرج إلى القبائل في الحج ويدعوهم إلى الله عز وجل .
في هذا الحديث فوائد منها :
جواز الإرداف على الدابة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أردف الفضل . لكن بشرط أن لا يشق هذا عليها أي على الدابة ، فإن شق عليها كان ذلك حراماً ؛ لأنه تعذيب لها .
ومنها : جواز إرداف الأقل شأناً وجاهاً مع وجود من هو أفضل ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أردف الفضل مع وجود كبراء أكبر من الفضل .
ومنها : أن صوت المرأة ليس بعورة ؛ لأنها تكلمت وعندها الفضل وربما غيره أيضاً ، لكن نحن ليس أمامنا إلا الفضل ، بل دل القرآن على أن صوتها ليس بعورة في قوله تعالى :{ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ } وهذا يدل على أن جواز أصل القول .
ومن فوائد هذا الحديث وجوب إزالة المنكر باليد مع القدرة ، وقد جاء في الحديث أن من لم يقدر باليد فليغير بإيش ؟ باللسان ، فإن لم يستطع فبالقلب . وجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صرف وجه الفضل إلى الشق الآخر .
ومنها جواز كشف المرأة وجهها إذا لم يكن فتنة ؛ لأن المرأة كاشفة ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تغطي الوجه بل صرف وجه الفضل خوفاً من الفتنة ، هكذا استدل من يرى جواز كشف الوجه . والحقيقة أن هذا الحديث من الأحاديث المشكلة والواجب على الإنسان الذي يتقي الله ربه إذا وجدت نصوص مشكلة أن يحملها على الغير مشكل على الواضح ، فإن هذه طريقة الراسخين في العلم ، قال الله عز وجل :{ هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ } يعني مرجع الكتاب { وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } واضح يا جماعة؟ وهذا كما هو في الآيات الكريمة في القرآن الكريم هو أيضاً في الأحاديث توجد أحاديث مشكلة فيجب حملها على الواضح المحكم . والحكمة من أن الله عز وجل يجعل بعض النصوص مشكلة الحكمة الامتحان ليعلم سبحانه وتعالى من يريد الفتنة ممن يريد الحق كما قال عز وجل : { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } لماذا ؟ لابتغاء يعني طلب ، طلباً للفتنة وطلباً لتأويله أي تنزيله على غير ما أراد الله ، فالله الحكمة عز وجل فيما جعله في نصوص الشريعة حتى يتبين من يريد الحق ممن يريد الفتنة .
على كل حال الحديث هذا فيه شبهة لا شك ، ولكن الغريب أن النووي رحمه الله استدل به تحريم كشف المرأة وجهها ، قال هذا دليل على التحريم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يمكن الفضل من النظر غليها بل صرفه . لكن يرد على هذا أن يُقال : لماذا لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغطي وجهها ، لماذا صرف وجه الفضل ولم يأمرها أن تغطي وجهها ؟ فيقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم له أساليب في الدعوة إلى الله عز وجل ، هذه امرأة حاجة كاشفة وجهها لأن النقاب محرم تسأل عن دينها ، فلم يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يجابهها بتغيير المنكر بل صرف وجه الفضل إلى الوجه الآخر ، وهذا في نظر النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة أهون من أن يُخجل هذه المرأة ويقول غطي وجهك . فإن قال قائل : سلمنا لكم ذلك لكن المرأة ستواجه رجال آخرين ؟ نقول : من قال هذا لا يلزم ، قد تكون امرأة جلدة قوية وتكون في أول الناس فيكون الذي يلي الناس إيش ؟ يكون ظهرها ولا فيه شيء . وعلى كل حال فهذا بلا شك أنه من المتشابه ولكن المتشابه يُرد إلى المحكم .
قال بعض أخواننا من العلماء المعاصرين : إن الفضل ليس ينظر على وجهها إنما ينظر إلى هيئة الجسم وتركيبه ، فيقال : هذا قد يُسلم لكن المشكل أنها هي تنظر إليه ، من الجائز أن الرجل ينظر إلى هيئة جسم المرأة وتركيبه والنساء يختلفن ، أليس كذلك ؟ بعضهن ما شاء الله كأنها سبع ما تحب أن تنظر إليها ، على كل حال هذا المسلم بالنسبة للفضل ، يعني دليل على أنه يمكن أن الفضل رضي الله عنه ينظر إلى جسمها ، لكن المشكل أنها تنظر إليه إيش نقول فيها ؟ ما يمكن أن يتخيل فيقول أنها تنظر إليه من وراء الخمار ، من يعرف حدقة العين من وراء الخمار أنها تنظر إلى جهة ما ؟ فإن ادعوا مثل ذلك قلنا إذاً الخمار لا يغطي خفيف لا يحصل به التغطية .
آخر ما أقول في هذا الحديث أنه من المتشابه والواجب الرجوع إلى المحكم من الأدلة القرآنية والنبوية والنظرية الدالة على وجوب تغطية المرأة وجهها ، ولنا في هذا رسالة صغيرة ، لكنها صغيرة الحجم كبيرة المعنى والحمد لله من أحب أن يرجع إليها فليرجع .
في هذا الحديث من الفوائد أن العاجز عن السعي إلى الحج ببدنه مع قدرته المالية لا يسقط عنه الحج ، لقولها : ( إن فريضة الله على عباده في الحج ) ولو لم يكن فريضة على هذا الشيخ لقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أباك ليس عليه حج ، لكنه أقرها على أن الحج فريضة عليه . ولهذا قال العلماء رحمهم الله : إن القدرة البدنية ليست شرطاً للوجوب لكنها شرط للأداء . هل بين الوجوب والأداء فرق ؟ نعم ، إذا قلنا شرط للوجوب معناه أن العاجز ببدنه ولو كان عنده اموال كثيرة لا حج عليه ، وإذا قلنا شرط للأداء قلنا : الذي عنده أموال ولكنه يعجز ببدنه يجب عليه أن ينيب من يحج عنه ولا يجب عليه الأداء لعدم قدرته عليه .
ومن فوائد هذا الحديث : جواز نيابة الإنسان الرجل ، واضح ؟ طيب، فإن قال قائل : هل يجوز أن ينيب غير الفروع فيحج عن من ليس بينه وبينه صلة ؟ الجواب : القول الراجح نعم ، وأنه لا يُشترط لصحة النيابة في الحج أن يكون من فروع المنيب ، دليلها : أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه ذلك بقضاء الدين ، وقضاء الدين يجوز من الفروع ومن غيرهم ، من القريب ومن البعيد . وأما قول من قال إنه لا يصلح من غير فروع الإنسان واستدل بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم )) فقد أبعد النجعة ؛ لأن قول إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم ، يعني فكلوا منه ؛ لأنهم من كسبكم فكسبهم أيضاً كسب لكم ، هذا معنى الحديث . وقد جاء في السنن على غير شرط البخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع رجلاً يقول : لبيك عن شبرمة ، قال : (( من شبرمة )) يقول له للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، قال : أخ لي أو قريب ، قال : (( أحججت عن نفسك )) قال : لا ، قال : (( حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة )) وهذا أخ أو قريب.
ومن فوائد هذا الحديث أن عدم الثبوت على الراحلة عذر لعدم الأداء لقولها : ( لا يثبت على الراحلة ) ، طيب فإن قيل : إذا كان هذا الإنسان إذا ركب في السيارة أُغمي عليه أو صار كالمغمي عليه لكنه يثبت يبقى في مكانه فهل يسقط عنه الحج ؟ فالجواب : نعم لأن الإغماء على الشخص أو شبه الإغماء ليس مجرد أن يصحو الإنسان يذهب عنه كل شيء ، إذا صحا الإنسان من إغمائه فسيتأثر بدنه وينحل ويتعب ويبقى مدة على حسب شبابه وشيخوخته لم يسترد قوته ، وقد قال الله تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدّينِ مِنْ حَرَجٍ } ويوجد أناس بهذه الطريقة من حين ما يركب السيارة وتشغل خلاص ينسى الدنيا على أن يصل إلى البلد ، مثل هذا ما يجب عليه الحج بلا شك ، لا يجب عليه إيش ؟ أداءً .
انتهى الوقت نأخذ خمس دقائق تكون قرضى إن شاء الله إلى الليلة القادمة ، تعرفون القرضى ؟ القرضى إلى الليلة القادمة إن شاء الله يعني بمعنى إن شاء الله نبدأ بالسؤال قبل الدرس إن شاء الله .
سبق حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة المرأة وذكرنا من فوائده أنه يجوز أن تحج المرأة عن الرجل ، وهل يجوز أن يحج الرجل عن المرأة ؟ الجواب : نعم من باب أولى ، ولكن الحج عن العاجز في الفريضة هو ما دل عليه الحديث ولا نزاع في هذا ، لكن الحج عن العاجز في النفل هل يجوز أو لا يجوز ؟ اختلف العلماء في هذا ، منهم من قال إنه جائز قياساً على الفريضة ، ومنهم من قال إنه لا يجوز لأن الأصل أن لا ينوب أحد عن أحد في عبادة ، وإذا كان هذا هو الأصل فإننا نقتصر على ما ورد بعينه ولا نتجاوزه . وهذا عندي أقرب ؛ لأنه مثلاً إذا قلنا بأنه يجوز أن ينوب الإنسان على الحي القادر معناه أنه فوَّتنا على هذا المستنيب فوَّتنا عليه طعم العبادة ، تجد هذا الإنسان ذهب يحج وهذا في لهوه وسهوه ولا كأنه يتعبد ، إذاً ما هي الفائدة ؟ فالقول بالنفي في النفل له وجه قوي . طيب لو كان ميتاً وأردنا أن ننيب عنه أحد في الحج ؟ هذا يجوز لأن الميت لا يستطيع أن يأتي بالحج ببدنه .


2ـ بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ( يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) ( فِجَاجًا ) الطُّرُقُ الْوَاسِعَةُ(1)
__________
(1) قال الله تعالى : { يَأْتُوكَ رِجَالاً } جواب لشرط حذفه البخاري رحمه الله وهو قوله : { وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً } جواب الأمر يأتوك جواب للأمر الذي حذفه البخاري رحمه الله ، وجواب الأمر يكون مجذوماً ، إذا كان كذلك فنقول المعنى : أعلم الناس بوجوب الحج وادعهم إلى ذلك يأتوك ، أي الناس ، رجالاً ، يعني ونساءً وحُذف النساء أو إيش ؟ لا .. رجالاً يعني على أرجلهم كما قال الله تعالى : { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} ، { وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ} يعني ويأتوك على كل ضامر ، أي على كل ناقة ضامر ، الضامر هي التي قبل أكلها لكنها قوية وبطنها قد ضمرت {يَأْتِينَ} أي يقدمن { مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ} أي بعيد ، وهذا هو الذي حصل تجد المسلمين يأتون إلى الحج من أبعد ما يكون ، من أقصى شرق آسيا وكذلك من أفريقيا وغيرها ، لكن تغيرت الوسيلة الآن ، الوسيلة بدل أن يأتوك على كل ضامر ، وعلى كل طائر ، وكان في الأول وعلى كل سفينة . الآن الذي يأتي بالطائرات أضعاف الذين يأتون بالسفن وبالسيارات ، واسأل مطار جدة كيف يأتين ؟ عالم ، طائرات سبحان الله ، الطائرة الواحدة تقول هذه قرية تحمل أربعمائة وخمسين راكب بعفشهم ومتاعهم وكل ما يحتاجون ، أربعمائة وخمسين راكب في سفرة واحدة !! إذاً يأتوك الآن على إيش ؟ على كل طائر ، وهذا من نعمة الله عز وجل . تيسير المواصلات والاتصالات لا شك إنه رحمة من الله عز وجل ، ولكن اعلم أن كل ما في الدنيا لا يمكن أن يكون رحمة من كل وجه بل لا بد أن يكون هناك نواقص لأن الدنيا أصلاً دار دنيا ، دنيا من إيش ؟ من الدنو ما فيها شيء كامل ، وفي هذا يقول الشاعر :

فيوم علينا ويوم لنا ويوم نُساء ويوم نُسر
هكذا حتى يأخذ الله عز وجل العباد بالبلاء والرهب ، يقول عز وجل : { لّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} منافع جمع ، صيغة إيش ؟ صيغة منتهى الجموع يعني منافع كثيرة دينية ودنيوية ، واسأل التجار ماذا يحصلون عليه من الأرباح في مواسم الحج ، لا الذي يقدمون بسلعهم إلى مكة ولا أهل مكة الذين يبيعون على الحجاج . أما المنافع الدينية فلو اُستغل الحج كما ينبغي لوجدت فيه منافع كبرى ، لتعلم الجاهل من العالم وعرف المسلمون بعضهم بعضاً وحصل خير كثير ، أنك تمر بالشارع وفيه مثلاً من أفريقيا ومن آسيا ومن أوروبا ما كأنهم أخوان مسلمين هدفهم واحد ... لا خلوا هذا .. هذا من أوروبا ما علينا منه .. خلي هذا من شرق آسيا ما علينا منه .. غلط هذا، يعني لو أن الناس استعملوا مواسم الحج فيما أراد الله عز وجل لحصل بهذا خير كثير .


1418 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عنهمَا قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً.(1)
__________
(1) عندي نسخة : ( فين تستوي به ) هذه مسألة الإهلال ، الإهلال يعني التلبية بالحج ، هل يلبي الإنسان بالحج من حين أن يُحرم ، يعني حين أن يغتسل ويلبس ملابس الإحرام ؟ أو حين أن يصلي ؟ أو إذا استوى على بعيره ؟ في هذا خلاف بين أهل العلم ، منهم من قال إذا استوى على بعيره، ومنهم من قال إذا كان في ذي الحليفة إذا استوى على البيداء ، لن في حديث جابر يقول : ( حتى إذا استوى في راحلته على البيداء أهل بالتوحيد) ومنهم من قال من حين أن يُحرم أو يصلي . والأيسر للإنسان أن يُحرم إذا استوت به ناقته ، إذا استوى على بعيره أو إذا استوى على إيش ؟ على سيارته ، لأن هذا أرفق به إذ قد يطرأ عليه بعد الاغتسال ولبس ثوب الإحرام يطرأ عليه أشياء ممنوعة في الإحرام ويتمنى أنه لم يُحرم ، ولنفرض أنه نسي أن يتطيب وعقد الإحرام من حين أن اغتسل ولبس ثوب الإحرام ونسي أن يتطيب ، الآن يمكن أن يتطيب أو لا ؟ لا يمكن ، ليش ؟ لأنه عقد النية ، لكن لو أخّر التلبية حتى ركب تمكن من ذلك .

ذهب بعض أهل العلم رحمهم الله إلى الجمع بين الثلاث روايات بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهل حين صلى فأدركه قوم وقالوا أهل دبر الصلاة ، وأهل حين ركب فسمعه قوم فقالوا أهل حين استوى على راحلته ، وأهل على البيداء فأدركه قوم فقالوا : حتى إذا استوت راحلته على البيداء أهل بالتوحيد . فيكون هذا الاختلاف ليس اختلافاً لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن اختلاف لمن أدركه من الرواة . وهذا جمع حسن ، لكن كما قلت لكم ... والحديث ورد فيه عن ابن عباس لكنه ضعيف ، يعني هذا الجمع ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما إلا أنه ضعيف ، وعلى هذا فالذي أرى أن يُحرم الإنسان بأن يعقد النية إذا استوى على راحلته . في الطائرة مثلاً كيف يحرم ؟ مستوٍ على الراحلة من قبل ، نقول : البس ثياب الإحرام وتأهب حتى إذا قربت من الميقات فأحرم ولا تنتظر حتى تحاذي الميقات لأنك إذا حاذيته فالطائرة في لحظة تبعد عنه فتأهب من قبل ، والاحتياط خير من الفوات ، يعني كونك تحتاط ويقال إنك أحرمت قبل الميقات بخمس دقائق مثلاً أولى من أن يفوتك ولو بدقيقة واحدة
بعض الناس يأتي يسأل يقول إن إحرامه أي ثياب الإحرام الإزار والرداء في الشنطة مع العفش ولا يتمكن منه وهو في الطائرة فماذا يصنع؟ بعض الناس يقول خلاص إذا وصلت إلى جدة نزلت واشتريت إحرام وأحرمت . وعلى القول بوجوب الإحرام من الميقات يكون هذا الرجل ترك واجباً فيلزمه دم يذبح في مكة ويوزع على فقرائها ، لكن نقول لست محتاجاً إلى هذا ، اخلع القميص ويبقى عندك السروال إذا كان عليك سروال ، السروال عند فقد الإزار جائز ما فيه شيء وقميصك الذي عليك اجعله رداءك ، إذا كان عليك غترة يمكن إذا كانت الغترة يعني ثخينة أن تجعلها إزاراً وأن تجعل القميص رداءك ولا فيها الحمد لله يعني ما فيه حرج ولا فيه إشكال ، لكن أكثر الناس جهال ما يعرفون كيف يتصرفون .
وهل يُسن للإحرام صلاة بمعنى أنك إذا أردت أن تُحرم فصلي ثم أحرم ؟ في هذا خلاف بين العلماء ، منهم من قال : إن الإحرام له صلاة مخصوصة يسن للإنسان أن يصلي أولاً ثم يحرم ثانياً بعد الصلاة . واستدلوا بما أخرجه النسائي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهل دبر صلاة . لكن الحديث لا دليل فيه لأن دبر صلاة أي صلاة هي ؟ قد تكون فريضة وهي كذلك هي فريضة ، والراجح أنه ليس للإحرام صلاة تخصه لكن إن كان في وقت نافلة كما لو كان في الضحى صلي ركعتين للضحى ثم أحرم ، إن صلى من أجل سنة الوضوء صلى سنة الوضوء ثم أحرم هذه حيلة لا شك ، لكن هل نقول إن هذه الحيلة مشروعة أم نقول ما دام أن الرجل ليس من عادته أن يصلي الضحى وصلى الضحى الآن لأجل الإحرام إذاً جعلنا للإحرام صلاة تخصه ، كذلك ليس من عادته أن يصلي ركعتين بعد الوضوء وصلى معناه الذي حمله على الصلاة هو الإحرام ، لكن مع ذلك أقول لعل هذه الصلاة ينفعه الله بها أنه ما دام وجد سبب شرعي لهذه الصلاة وهو الوضوء أو الضحى فليفعل إن كان هذا نافعاً نفعه وإن لم يكن نافعاً فإنه لا يضره .


1419 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ أنه سَمِعَ عَطَاءً يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ رَضِي الله عنهمَا أَنَّ إِهْلالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهمْ(1)
__________
(1) هذا حديث جابر ، يقول : ( أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته ) على إيش ؟ في صحيح مسلم ( على البيداء ) ولم يذكر ( حين استوى على راحلته ) وبينهما فرق (استوى على راحلته ) يعني استقر عليها وقامت ، استوت به الراحلة يعني هي التي استوت وعلت على البيداء . ماذا قال الشارح ؟
تعليق من فتح الباري :
ثم ذكر المصنف حديث ابن عمر في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته وحديث جابر نحوه، وسيأتي الكلام عليه بعد أبواب وغرضه منه الرد على من زعم أن الحج ماشياً أفضل لتقديمه في الذكر عن الراكب ، فبين أنه لو كان أفضل لفعله النبي صلى الله عليه وسلم بدليل أنه لم يُحرم حتى استوت به راحلته، ذكر ذلك ابن المنير في الحاشية، وقال غيره : مناسبة الحديث للآية أن ذا الحليفة فج عميق والركوب مناسب لقوله : { وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ } وقال الإسماعيلي : ليس في الحديثين شيء مما ترجم الباب به. ورُد بأن فيهما الإشارة إلى أن الركوب أفضل فيؤخذ منه جواز المشي .
الشيخ : على كل حال سمعتم الحديث هذا ، والأقرب أنه إذا استوى على راحلته .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، البيداء نحن نستعملها إذا كانت الأرض مستوية وصارت واسعة نقول لها بيداء ؟
الجواب : بيداء ولكن إذا صارت مرتفعة قليلاً ؟ نقرن بين لغتكم ولغة العرب ، طيب تُراجع .
سؤال : إذا كان في الطائرة ليس معه إحرام هل نقول : على وجه الوجوب إن كان عالماً أن يلبس الإزار من الغترة أو مثل ذلك ؟

الجواب : إي .. إذا كان يريد الإحرام يجب .
سؤال : ما يتأثر الإنسان نفسياً إذا نزل أمام الناس بسروال؟
الجواب : أبداً الناس بارك الله فيك في الإحرام الحمد لله نفوسهم مطمئنة .
السائل : أقول حقيقة هذه إذا نزل أمام الناس بسروال مثلاً لعل يصير شيء في صدره مثلاً ؟
الجواب : لا .. ما فيه شيء .
السائل : الحقيقة هذا الموقف صعب ؟
الجواب : أبداً ما هو صعب ، جربنا هذا ، لكن ما هو على هذا الوجه بالضبط ، الإنسان يمشي بإزار فقط .. عليه السروال ولفه على أعلى صدره .
السائل : ..............؟
الجواب : يعني يبقى على سرواله ؟ ما أظنه يقوله .
سؤال : ............؟
الجواب : لا ما هي مسألة فدية ، لكن إذا قلنا يحظر ما معناه إن الواحد يخير بين فعل المحظور والفدية ... والله الناس يختلفون ، ما أظن إذا وضع إحرامه وجاء من الطيارة ومطلع ، لاسيما إذا كان ذا هيئة ، لأنه معلوم أن ذا الهيئة ما يمكن أن يفعل هذا إلا إنه محرم .
سؤال : يا شيخ ، من لبس الإحرام وانتظر للميقات وسائق الطيارة مر بالميقات ولم يخبره وهو بنيته ولابس الإحرام ؟
الجواب : يحرم من حين بلغه ذلك وتكون الفدية على الطيار ما لم ينو الدخول في النسك .
السائل : ما نوى الدخول في النسك إلا بعد ما فات على الميقات ؟
الجواب : لماذا ما يحتاط ؟ لماذا ما يتعلم ؟
السائل : يقولون إنها تقديرية في هذه الطيارات ، النية ؟
الجواب : والله أما الذي يذهب من القصيم يرى المدينة من تحته .
على كل حال المسألة هذه إيجاب الهدي في ترك الواجب ، أصلاً فيها شيء، في النفس منها شيء ، أنا أرى أن يحتاط فإن كانت واجبة فقد أدى ما عليه وإلا فهي تطوع .


3 ـ بَاب الْحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ
وَقَالَ أَبَانُ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَالرَّحْمَنِ فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ وَقَالَ عُمَرُ رَضِي الله عنه شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ أَحَدُ الْجِهَادَيْنِ .
1420 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ.
1421 حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ فَقَالَ يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ فَاعْتَمَرَتْ.
4 ـ بَاب فَضْلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ


1422 حَدَّثَنَا عَبْدُالْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنه قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ(1)
1423 حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ قَالَ لا لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ(2)
__________
(1) يوجد انقطاع في الشرح من بداية (بَاب الْحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ) حتى نهاية هذا الحديث من (بَاب فَضْلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ) .
(2) قوله : (( أفضل الجهاد حج مبرور )) هل المراد أفضل الجهاد بالنسبة للنساء أو عموماً ؟ أفضله بالنسبة للنساء إي نعم ، ولهذا جاء في حديث آخر قال : (( عليكن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة )) ماذا في الشرح ؟
تعليق من فتح الباري :

قال : ( نرى الجهاد أفضل العمل ) وهو بفتح النون أي نعتقد ونعلم وذلك لكثرة ما يسمع من فضائله في الكتاب والسنة وقد رواه جرير عن صهيب عند النسائي بلفظ : ( فإني لا أرى عملا في القرآن أفضل من الجهاد ) قوله : ( لكن أفضل الجهاد ) اُختلف في ضبط ( لكن ) فالأكثر بضم الكاف خطاب للنسوة . قال القابسي : وهو الذي تميل إليه نفسي . وفي رواية الحموي ( لكن ) بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها بلفظ الاستدراك والأول أكثر فائدة لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج وعلى جواب سؤالها عن الجهاد وسماه جهادا لما فيه من مجاهدة النفس وسيأتي بقية الكلام في أواخر كتاب الحج في باب حج النساء إن شاء الله والمحتاج إليه هنا كونه جعل الحج أفضل الجهاد .
الشيخ : الحج المبرور جهاد بالنسبة للنساء ، ( لكِن ) في هذه الرواية التي أشرنا إليها ( لكُن أفضل الجهاد ) .


1424 حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ(1)
__________
(1) من حج لله ) اللام هذه للإخلاص يعني حجا قصد به وجه الله عز وجل ( فلم يرفث ) أي لم يباشر ، كما قال عز وجل : { فَلاَ رَفَثَ } والمراد به الجماع ومقدماته ( ولم يفسق ) أي لم يعص الله سواء كانت المعصية فيما بينه وبين ربه أو فيما بينه وبين الخلق ، فإذا اجتمع الإخلاص واجتناب المحرمات الخاصة بالإحرام وهو إيش ؟ الرفث ، فحينئذ يرجع (كيوم ولدته أمه ) يوم : بالفتح أو بالكسر ؟ أنا مشكولة عندي بالكسر والأفصح الفتح ( كيومَ ولدته أمه ) لأن ( يوم ) وشبهها إذا أُضيفت إلى مبني فالأولى بنائها على الفتح ، ( كيوم ولدته أمه ) يعني ليس عليه ذنوب كما أن الجنين إذا ولد ليس عليه ذنوب فكذلك هذا ، وظاهر الحديث الكبائر والصغائر وهذه مسألة اختلف فيها العلماء هل الأحاديث المطلقة هذه تشمل الكبائر والصغائر أو يُقال أنها مقيدة بما إذا اجتُنبت الكبائر ؟ هذا الأخير أنها مقيدة ، وهو رأي الجمهور . وقالوا : إذا كانت الصلوات الخمس والجمعة على الجمعة لا تُكفر إلا باجتناب الكبائر مع أنها أفضل من الحج فالحج من باب أولى .
سؤال : أراد الحج وصار بلا مال قبل الإحرام سُرق ما عنده من المال فلم يستطع الحج ، هل يُكتب له أجر الحج ، وهل تسقط عنه هذه الفريضة إذا لم يجد مالاً ؟

الجواب : أما يكتب له أجر الحج فهذا مردود إلى الله عز وجل ، لقوله تعالى : { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ } وأما سقوط الحج عنه فهو يسقط عنه هذه السنة لأنه ليس عنده مال ، فإن أتى الله له بمال وجب عليه أن يحج .
سؤال : وصف الحج بأنه أحد الجهادين هل يُفسر بأنه عام للنساء والرجال ؟
الجواب : هو لا شك أن الحج نوع من الجهاد ، ولهذا قال الله تعالى : {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ثم قال: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وذهب بعض أهل العلم إلى جواز إعطاء الزكاة فقيراً لم يحج وقالوا : إن هذا من الجهاد في سبيل الله.
تعليق من العيني:
قوله ( لكن ) في رواية الأكثرين بضم الكاف والنون لجماعة النساء خطاباً لهن ، وقال القابسي : هذا هو الذي تميل إليه نفسي. وفي رواية الحموي (لكن) بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها بلفظ الاستدراك قلت : فعلى هذه الرواية اسم ( لكن ) هو قوله ( أفضل الجهاد ) بالنصب ، وخبرها هو قوله ( حج مبرور ) والمستدرك منه مستفاد من السياق تقديره : ليس لكُن الجهاد ولكن أفضل الجهاد في حققن .
الشيخ : يعني يريد أن يقول لا لكن ، هذا بعيد ، تحريف ، قال ( لا ) يعني ليس عليكن جهاد ، ثم قال ( لكُن أفضل الجهاد حج مبرور ) ويكون على هذا التقدير ( لكُن ) خبر مقدم و ( أفضل الجهاد) مبتدأ مؤخر و ( حج مبرور ) خبر مبتدأ محذوف والتقدير : هو حج مبرور .
تعليق :
وتقديره : ليس لكُن جهاد ولكن أفضل الجهاد في حقكن حج مبرور ، وعلى الرواية الأولى ( أفضل الجهاد ) مرفوع على الابتداء وخبره هو قوله : ( لكن ) تقديره : أفضل الجهاد لكُن حج مبرور . وفي لفظ النسائي: ( ألا نخرج لنجاهد معك فإني لا أرى في القرآن العظيم أفضل من الجهاد ، فقال : لكن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور) . وفي رواية ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها : قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة . وعنده أيضاً عن أم سلمة رضي الله عنها : قال النبي صلى الله عليه وسلم : الحج جهاد كل ضعيف . وفي رواية النسائي رحمه الله بسند لا بأس به عن أبي هريرة رضي الله عنه : جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة . وإنما قيل للحج جهاد لأنه يجاهد في نفسه بالكف عن شهواتها والشيطان ودفع المشركين عن البيت باجتماع المسلمين إليه من كل ناحية.
الشيخ : وفيه مشقة بدنية ومشقة مالية فهو يشبه الجهاد .


5 ـ بَاب فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
1425 حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِي الله عنهمَا فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ قَالَ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ(1)
__________
(1) هذا لفظ نادر مهم ( فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجد قرناً ) وإلا هي في روايات كثيرة : (يُهلُ أهل المدينة من ذي الحليفة) قال العلماء : ( يُهلُ ) خبر بمعنى الأمر ، وهذا اللفظ الذي معنا صريح بأن الإهلال من هذه المواقيت فرض ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجد قرن ) قرن : هذا يسمى قرن المنازل والآن يسمى السيل الكبير (ولأهل المدينة ذا الحليفة) ذا الحليفة : هي المكان المعروف الآن ، وسُميت بذلك لأن فيها حلفا شجر معروف كثير فسمي ذا الحليفة ، الآن يُسمى أديار علي ، ثالثاً ( ولأهل الشام الجحفة ) الجحفة : قرية مشهورة معروفة وقتها النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الشام ولكنها خربت ودمرت وصار الناس يحرمون من رابغ بدلاً عنها ، ورابغ أبعد منها يسيراً عن مكة ، فمن أحرم من رابغ فقد أحرم من الجحفة وزيادة .
هذه المواقيت وقتها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تُفتح الشام وهذا يدل على أن الشام ستُفتح وسوف يحج أهلها ، ولهذا أشار ابن عبد القوي رحمه الله في ( داليته الفقهية ) منظومة كبيرة بأن تعيينها من معجزات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنه عينها قبل أن تُفتح هذه البلاد .
سؤال : أحسن الله إليك يا شيخ ، الجحفة هي التي دعا النبي صلى الله عليه وسلم بانتقال حمى المدينة إليها ؟
الجواب : نعم ....

السائل : هل كان قبل التعيين أم بعده ؟
الجواب : الظاهر إنه قبل ؛ لأن المدينة انتقلت الحمى منها في وقت قصير .
السائل : من حج وحدث منه فسق أو عصيان ماذا عليه حتى يطهر حجه ؟
الجواب : عليه التوبة ، وإذا كان الفسوق فيما يتعلق بمحظورات الإحرام فعليه ما في المحظورات من واجب كالجزاء في الصيد والفدية في حلق الرأس وما أشبه ذلك .
سؤال : كيف يكون من الزاد التقوى يا شيخ ؟
الجواب : نعم هي زاد ، خير اللباس لباس التقوى ، وخير الزاد زاد التقوى . الزاد لباس الباطن واللباس لباس الظاهر .


الشريط الثاني ـ وجه أ :
6 ـ بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى )
1426 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ عَنْ وَرْقَاءَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهمَا قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلا .

7 ـ بَاب مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ


1427 حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ(1)
__________
(1) ظاهر كلام البخاري رحمه الله أن أهل مكة يهلون من مكة للحج والعمرة ؛ لأنه ذكر الترجمة ثم ساق الحديث حتى أهل مكة من مكة ، ولكن هذا فيه نظر فإن أهل مكة لا يمكن أن يحرموا من مكة ؛ لأنهم إذا أحرموا من مكة لن يعدو عملهم هذا إلا أن يكونوا طافوا وسعوا بدون نسك ، والعمرة مأخوذة من الزيارة والإنسان الذي في بلده لا يُقال أنه زائر ولهذا لما أرادت عائشة أن تُحرم بعمرة أمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تخرج إلى التنعيم مع أن ذلك كان في الليل وكان فيه شيء من المشقة ، ولم يقل أحرمي من مكانك من المحصب ، وهذا دليل على أنه لا عمرة من مكة وإنما من أراد العمرة يخرج إلى الحل ويُحرم من الحل .

وقوله : ( ممن أراد الحج والعمرة ) فيه دليل على أن من يُرد الحج والعمرة لم يلزمه أن يُهل من هذه المواقيت ، مثل أن يذهب إلى مكة لتجارة أو لزيارة قريب أو لعياذة مريض أو ما أشبه ذلك فهذا لا يلزمه الإحرام من الميقات؛ لأنه لم يُرد الحج والعمرة . فإن قال قائل وهل يلزمه أن يريد الحج والعمرة؟ قلنا الجواب إن كان قد أدى الفريضة لم تلزمه إرادة الحج والعمرة الدليل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( الحج مرة فما زاد فهو تطوع )) فإن كان لم يؤد الفريضة وجب أن يُحرم وإن أدى الفريضة فالإحرام سنة . لا شك أنه ينبغي للإنسان أن يدخل إلى مكة بإحرام .
سؤال : أشكل عليّ الرواية المرسلة ، هل قصد البخاري ترجيح الموصول أو المرسل ؟
الجواب : لا .. المرسل ، لكن أراد أن يرجح المرفوع المتصل يعني، لكن أراد أن يبين أن الرواة اختلفوا فيه .
سؤال : الجحفة الآن يبدو لي أن فيها مسجد فهل نأمر الناس ألا يحرموا إلا منها؟
الجواب : هذا يرجع إلى وزارة الشؤون الإسلامية ليس لي .
السائل : ألا يرجع إلى الحال ؟
الجواب : هذا يرجع إليهم .
سؤال: بارك الله فيك، هل يقال إن الذين يخرجون للحج والعمرة على أن قصده أن لا يخرجون للميقات الأفاقي أنه ذكر أولاً الأفاقين ثم أعقبهم بأهل مكة، ما يحمل البخاري على أنهم لا يلزمون بالخروج إلى المواقيت؟
الجواب : الحديث صريح (( حتى أهل مكة من مكة )) لو لم تكن هذه الجملة لقلنا أنه أراد بذلك أن من كان دون المواقيت فمن حيث أنشأ .


8 ـ بَاب مِيقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلا يُهِلُّوا قَبْلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ
1428 حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي الله عنهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ عَبْدُاللَّهِ وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ(1)
__________
(1) ميقات أهل المدينة ذي الحليفة وهي مكان معروف ، وسُميت بهذا لكثرة هذه الشجرة فيها وهي شجرة الحلفاء . وقول البخاري رحمه الله : (ولا يُهلوا قبل ذي الحليفة) كأنه يميل إلى الكراهة أو التحريم أي تحريم الإهلال قبل الميقات ، وذلك لأن الإنسان إذا أهل قبل الميقات فهو الذي يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين أي تقدم على حدود الرسول عليه الصلاة والسلام . ولا شك أن الأفضل ألا يُحرم إلا من الميقات وأن أدنى ما نقول في الإحرام قبل الميقات أنه مكروه ، لكن إذا كان الإنسان يُحرم قبل الميقات احتياطاً فلا حرج ، وهذا يحتاج الإنسان إليه فيما إذا كان راكباً في الطائرة فإنه لو أخّر إحرامه حتى يحاذي الميقات فالطائرة سريعة ربما تتجاوز الميقات قبل أن ينوي ، وربما يأخذه النوم فيفوته الإحرام من الميقات ، فمثل هذا لا بأس أن يُحرم قبل محاذاة الميقات لدعاء الحاجة لذلك.

وقوله : ( يُهل أهل المدينة ) خبر بمعنى الأمر ، وقد ورد صريحاً في حديث ابن عمر الأمر في الإهلال من هذه المواقيت ( وأهل الشام من الجحفة ) الجحفة : قرية كانت قديمة ومسكونة ، ولما دعا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ينقل الله حمى المدينة إلى الجحفة ونزلت الحمى فيها نزح عنها أهلها وجعل الناس بدلاً من الجحفة رابغاً ، ورابغ أبعد قليلاً من الجحفة عن مكة ، فمن أحرم من رابغ فقد أحرم من الجحفة وزيادة . والآن عُمرت الجحفة وجُعل لها خط مسفلت يذهب الناس إليها ، فمن أحرم من الجحفة فقد أحرم من الميقات الأصلي .
الثالث : قال ( وأهل نجد من قرن ) يعني يحرم الناس من قرن أي قرن المنازل ، ويُسمى الآن السيل ، وهو معروف يُحرم منه أهل نجد .
والرابع : ( قال عبد الله وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يهل أهل اليمن من يلملم ) وهو مكان أو جبل أو وادي معروف في طريق اليمن ويُسمى السعدية . وكلها والحمد لله معروفة الآن وعينها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تُفتح بعض البلاد التي عُينت لها إشارة إلى أن هذه البلاد سوف تُفتح . ولهذا قال ابن عبد القوي رحمه الله في منظومته الفقهية ، قال : وتعيينها ـ أو قال ـ
وتحديدها من معجزات نبينا لتعيينها من قبل فتح المعدد
يعني أنه من آيات الرسول عليه الصلاة والسلام أنه عيَّن هذه الأماكن لأهل هذه البلاد مع أنها لم تُفتح إشارة إلى أنها سوف تُفتح وسوف يحجون. هذه المواقيت لم يبين فيها هل هي لأهلها مُطلقاً أو لأهلها ومن مر عليهم في حديث ابن عمر ، لكن في حديث ابن عباس الآتي ما يدل على ذلك .
تعليق من فتح الباري ج: 3 ص: 387 :
قوله : ( باب ميقات أهل المدينة ولا يهلون قبل ذي الحليفة ) قد تقدمت الإشارة إلى هذا في باب فرض المواقيت واستنبط المصنف من إيراد الخبر بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تعين ذلك ، وأيضا فلم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم قبل ذي الحليفة ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرا ، وقد تقدم شرح المتن في الذي قبله .
سؤال : أشكل عليّ دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن تُنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة ، مع أن المشروع الدعاء بالعافية المُطلقة ؟
الجواب : الله أعلم بما أراد الرسول ، بعض العلماء يقول : إن أهلها كانوا كفاراً . ولكن حتى هذا الدعاء ما هو مطلوب ، فيُقال هذا أمر لا نعلم علته والله أعلم بما أراد الرسول .
سؤال : أحسن الله إليكم ، إذا أحرم بالطائرة وهو لا يدري هل هو تجاوز الميقات أم لا ، يعني في شك ؟
الجواب : الأصل هو عدم التجاوز لكن لماذا لا يحتاط ويحرم مبكراً حتى ولو تقدم خمس دقائق ما يضر ما دام احتياطاً .
سؤال : ما العلة في امتناع بعض أهل العلم عن تسمية ذا الحليفة أبيار علي ؟
الجواب : بقي شيء أهم من سؤالك وهو كيف كان هذا التفاوت بين المواقيت ؟ أو التفاوت العظيم بين ذي الحليفة وبقية المواقيت ؟ والعلة والله أعلم أن تتقارب خصائص الحرمين ؛ لأن الإحرام من خصائص أي الحرمين ؟ حرم مكة ، وذو الحليفة قريبة من خصائص حرم المدينة ، فالظاهر والله أعلم أنه صار بعيداً عن مكة ليكون قريباً من المدينة فتكون خصائص الحرمين متقاربة ، أما بقية المواقيت فهي متقاربة ، يعني إن اختلفت تختلف ساعات .
وأما تسميتها بأبيار علي فقد قيل إن علي بن أبي طالب حفر أبياراً هناك فسُميت به كما سُمي التنعيم مساجد عائشة مع أنها لم تبني مسجداً هناك لكنها أحرمت من هناك فسميت مساجد عائشة .
سؤال : ما في بأس إذا نقل هذا الاسم ؟
الجواب : التسمية عرفية ما فيها شيء ، لكن بالنسبة لطلبة العلم ينبغي لهم أن يبينوا المواقيت بالألقاب التي وردت .


9 ـ بَاب مُهَلِّ أَهْلِ الشَّامِ
1429 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهمَا قَالَ : وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا(1)
__________
(1) هذا الحديث فيه زيادة عن ما سبق وهو التصريح بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقت لأهل اليمن يلملم ، وفيه أيضاً مما زاد أن هذه المواقيت لأهل هذه البلدان ولمن أتى عليهن من غير أهل هذه البلدان ، ولا يخفى أن في هذا تيسيراً على المُكلف ، وإلا لقلنا أن المدني إذا جاء من طريق نجد وجب عليه أن يذهب إلى ذي الحليفة ولقلنا إذا جاء من نجد أحد ماراً بذي الحليفة وجب عليه أن يُحرم من قرن ، وفي هذا لا شك مشقة ، ولذلك كان من أتى على هذه المواقيت من غير أهل هذه البلاد يُحرم منها تيسيراً على المُكلف .

ولكن هل إحرامه منها رخصة أو عزيمة ؟ أكثر العلماء على أنها عزيمة وأنه لا يجوز أن يتجاوز الميقات إلا مُحرماً وإن لم يكن من أهلها ، وهذا هو ظاهر الحديث . وقيل إنه رخصة وأن الإنسان لو أخّر الإحرام إلى ميقاته الأصلي فلا حرج . وهذا مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . وينبني على هذا مسألة مهمة وهي أن الإنسان لو ذهب في الطائرة من القصيم يريد الحج أو العمرة ، ثم لم يُحرم من محاذات ذي الحليفة حتى وصل إلى جدة ، فعلى قول من يقول إن التوقيت لمن مر عليهن من غير عزيمة نقول : إذا أردت أن تُحرم الآن ترجع إلى ذي الحليفة ، وعلى قول من يقول إنها رخصة وأنه يجوز أن لا يحرم من الميقات الأصلي نقول اذهب إلى قرن ، وهذا فرق واضح . ولكن ظاهر النص أنه فرض وليس برخصة أن من مر بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة لابد أن يُحرم .
ومن فوائد هذا الحديث أنه لا يلزم كل من مر بهذه المواقيت أن يُحرم منها إذا كان لا يريد الحج أو العمرة ، لقوله : ( ممن يريد الحج أو العمرة) فإذا قال قائل : كلمة ( ممن يريد ) لا تدل على عدم الوجوب إذا دل النص على الوجوب لأنك تقول للشخص : إذا أردت أن تُصلي فتوضأ . هل نقول إن الصلاة تحت الإرادة إن شاء صلى وإن شاء لم يصلي ؟ لا .. فالجواب : أن نقول لا دليل على وجوب تكرار الحج والعمرة بل الدليل يدل على أنه مرة واحدة ، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال : (( إن الله فرض عليكم الحج )) قام الأقرع بن حابس ، وقال : أفي كل عام يا رسول الله ؟ قال : (( الحج مرة فما زاد فهو تطوع )) وهذا نص صريح ، وعلى هذا فلا نُلزم عباد الله بما لم يلزمهم ، فمن ذهب على مكة لتجارة أو طلب علم أو زيارة مريض أو عيادة مريض أو أي شغل وهو قد أدى الفريضة فإن شاء أحرم وإن شاء لم يُحرم سواء طال عهده بمكة أو قصر .
وأما قول العوام إذا كان بينه وبين نسكه الأول أكثر من أربعين يوماً وجب عليه أن يُحرم وما كان دون ذلك فلا يجب . فلا أصل له ، الصواب الذي تطمئن إليه النفس هو أن من أدى الفريضة فإنه لا يلزمه أن يُحرم ولو مر بالمواقيت ، والحديث هنا صريح : ( لمن يريد الحج والعمرة ) والواو هنا بمعنى أو ، يعني أو العمرة ، وليس المعنى ممن يريد القران ؛ لأنه لو أخذنا بظاهرها لكان المعنى ممن يريدهما جميعاً ، وليس كذلك بل من يريد الحج أو العمرة .
ومن فوائد هذا الحديث أن من كان دون المواقيت ، يعني أقرب إلى مكة من المواقيت فإنه يُحرم من مكانه ولا يلزمه أن يذهب إلى الميقات ، وهذا من التيسير ، ومثل ذلك من تجاوز الميقات لا يريد الحج ولا العمرة ثم بدا له بعد ذلك أن يحج ويعتمر ، نقول أحرم من حيث بدا لك ، لأنه في بعض روايات الحديث : (( فمن حيث أنشأ )) ومعلوم أن الإنسان قبل النية لم يُنشئ ، فإذا قُدر أن شخصاً تجاوز الميقات ميقات ذي الحليفة حتى وصل إلى جدة وهو لا يريد الحج ولا العمرة ، ثم بدا له أن يحج أو يعتمر فإنه يحرم من إيش ؟ من مكانه من حيث أنشأ .
فإذا قال قائل : إذا مر الإنسان بهذه المواقيت يريد أهله وهو عازم على أن يحج عامه أو يعتمر ؟ مثاله : رجل من أهل جدة مر بذي الحليفة في شعبان وهو يريد أن يعتمر في رمضان ، هل يلزمه أن يُحرم أو لا يلزمه ؟ فالجواب : لا يلزمه ؛ لأن الرجل ذهب إلى أهله لكنه ناوٍ أن يعتمر في رمضان ، وكذلك لو كان بعد رمضان ذهب إلى أهله وهو يريد أن يحج هذا العام لا يلزمه أن يُحرم ؛ لأنه يريد أهله وإذا جاء وقت الحج أحرم به .
ومن فوائد هذا الحديث أن ظاهره أن أهل مكة يُحرمون بالعمرة من مكة ، وقد أخذ به بعض العلماء ، ولكنه قول ضعيف والصواب أنه لابد أن يخرج أهل مكة إلى أدنى الحل ، إما عرفة أو التنعيم أو من الجهة الغربية . المهم لابد أن يخرجوا إلى الحل ، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر عائشة أن تخرج إلى التنعيم ولم يأذن لها أن تُحرم من مكة . فإذا قال قائل ـ وقد قيل ـ : إن عائشة آفاقية . قلنا لا فرق بين الآفاقي وغيره ، والدليل على هذا أن الصحابة الذين حلوا من عمرتهم من أين أحرموا بالحج ؟ من مكة ، ولم يقل لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أنتم لستم من أهل مكة فاخرجوا إلى التنعيم ، ثم ما معنى العمرة ؟ العمرة هي الزيارة ، وإذا كانت هي الزيارة فلا بد أن يكون الزائر من غير بيت المزور ، فإذا كنت تريد أن تعتمر والعمرة محلها الحرم فلا بد أن تأتي من خارج الحرم .
فإذا قال قائل : إذاً كيف تقولون إن أهل مكة يحرمون بالحج من مكة؟ قلنا : نقول هذا لأنهم سوف يقدمون من الحل للطواف والسعي ، أين الحل ؟ عرفة . فلا ينتقد هذا التعليل . والصواب عندي المتعين أنه لا يجوز لأحد في مكة أن يُحرم بالعمرة من مكة ؛ لأن حقيقته إذا أحرم من مكة حقيقته أنه طاف وسعى وقصر فقط ولم يأت بعمرة .
ومن فوائد هذا الحديث قوله : ( أهل مكة ) هل يقاس على أهل مكة من كان من غير أهل مكة ولكنه في مكة ؟ الجواب : نعم ، بل هذا لا قياس فيه في الواقع ، جاء به النص ، فإن الصحابة الذين حلوا من عمرتهم في حجة الوداع كلهم أحرم من أين ؟ من الأبطح في مكة .


10 ـ بَاب مُهَل أَهْل نَجْدٍ
1430 حَدَّثَنَا عَليٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالمٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَّتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَال أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِاللهِ عَنْ أَبِيهِ رَضِي الله عَنْهم سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ يَقُول مُهَل أَهْل المَدِينَةِ ذُو الحُليْفَةِ وَمُهَل أَهْل الشَّامِ مَهْيَعَةُ وَهِيَ الجُحْفَةُ وَأَهْل نَجْدٍ قَرْنٌ قَال ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وَسَلمَ قَال وَلمْ أَسْمَعْهُ وَمُهَل أَهْل اليَمَنِ يَلمْلمُ(1)
11 ـ بَاب مُهَل مَنْ كَانَ دُونَ المَوَاقِيتِ
__________
(1) سبق هذا ، يعني الحديث اختلف في اللفظ فقط وإلا المعنى واحد وروى ابن عمر رضي الله عنه أنه نسب توقيت يلملم لأهل اليمن إلى شخص آخر بلغه بذلك . وهذا كقوله في سنة الفجر لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الرواتب التي ذكرها ، قال : وحدثتني حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الفجر ركعتين خفيفتين وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها .


1431 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وَسَلمَ وَقَّتَ لأَهْل المَدِينَةِ ذَا الحُليْفَةِ وَلأَهْل الشَّامِ الجُحْفَةَ وَلأَهْل اليَمَنِ يَلمْلمَ وَلأَهْل نَجْدٍ قَرْنًا فَهُنَّ لهُنَّ وَلمَنْ أَتَى عَليْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلهِ حَتَّى إِنَّ أَهْل مَكَّةَ يُهِلونَ مِنْهَا(1)
12 ـ بَاب مُهَل أَهْل اليَمَنِ
1432 حَدَّثَنَا مُعَلى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وَسَلمَ وَقَّتَ لأَهْل المَدِينَةِ ذَا الحُليْفَةِ وَلأَهْل الشَّامِ الجُحْفَةَ وَلأَهْل نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِل وَلأَهْل اليَمَنِ يَلمْلمَ هُنَّ لأَهْلهِنَّ وَلكُل آتٍ أَتَى عَليْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْل مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ .
13 ـ بَاب ذَاتُ عِرْقٍ لأهْل العِرَاقِ
__________
(1) وسبق أن هذا بالنسبة لأهل مكة في الحج أما في العمرة فلا بد أن يخرجوا إلى الحل ، أما عرفة وإما التنعيم وإما الجعرانة وإما الحديبية .


1433 حَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ مُسْلمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا قَال لمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالوا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ حَدَّ لأَهْل نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَليْنَا قَال فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ(1)
__________
(1) قوله : ( المصران ) يريد بهما الكوفة والبصرة ، فهما مدينتان لكن يسميان مصرين ، وقوله : ( جور عن طريقنا ) يعني مائل عن طريقنا ويشق علينا أن نذهب إليه ، فقال : ( انظروا إلى حذوها من طريقكم ) لكن ما المراد بالحذو ؟ المراد المساواة ، وهل المراد المساواة بخط مستقيم أو بخط منحني ؟ بمعنى أن نجعل بيننا وبين مكة كما بين قرن المنازل ومكة ؟ ما فهمتم .. يعني بينهما فرق ، إذا قلنا خط مستقيم ربما تكون عرق أبعد من قرن المنازل ، وإذا قلنا خط لابد أن يميل قليلاً من أجل أن يكون المسافة بين ذات عرق وبين مكة كالمسافة بين مكة وقرن المنازل . هذا هو الظاهر ، والأول محتمل بلا شك .
سؤال : أحسن الله إليكم ، بعض الحجاج يأتون من المغرب وينزلون بجدة ثم يذهبون إلى المدينة ثم يحلون من ميقات أهل المدينة ، يجوز هذا يا شيخ ؟
الجواب : صحيح ، يعني بعض الحجاج يقدمون إلى جدة وهم يريدون المدينة ثم إذا رجعوا أحرموا من ذي الحليفة ، هذا لا بأس فيه ولا إشكال فيه لكن لو منعوا من الذهاب إلى المدينة كما يقع أحياناً فمن أين يحرمون ؟ هل نقول يجب أن يذهبوا إلى الميقات وأدنى المواقيت إليهم رابغ أو يحرمون من جدة ؟ فالجواب : أنهم يحرمون من جدة ؛ لأنهم إنما أنشؤوا إرادة الحج من جدة، وكانوا في الأول قد مروا بالميقات عن طريق السفر .

سؤال : جزاك الله خيراً وبارك الله فيك ، بعضهم يأتي بنية العمرة يعني يُحرم في الطائرة ، فإذا وصل إلى جدة ألزموه بالذهاب إلى المدينة ، فماذا عليه ؟
الجواب : يبقى على إحرامه ، ما دام عقد الإحرام في الطائرة ثم قيل له لا بد أن تذهب إلى المدينة يذهب على إحرامه .
السائل : إذا فسخ ؟
الجواب : لا .. ما ينفسخ ، إذا فسخه فهو باق على إحرامه ، ثم إذا رجع يحرم من الميقات من ذي الحليفة . إن تحلل ما بين جدة إلى المدينة وخروجه إلى ذي الحليفة . أما مسألة الوجوب الدم ما يجب عليه دم لأنه جاهل .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، بالنسبة للغسل للنساء ، في الوقت هذا ما يستطيع يعني ........؟
الجواب : ما فيه بحث الغسل ؟
السائل : هذا في الإحرام .... ؟
الجواب : إي بس نحن في المواقيت لم نصل بعد للغسل ، انتظر جزاك الله خيراً . ا.هـ.
في هذا أثر عمر رضي الله عنه إثبات القياس ؛ لأن قوله : ( حذوها من طريقكم ) يعني قيسوا هذا على هذا ، وقيل أن الإنسان إذا أتى بالطائرة لابد أن يُحرم إذا حاذى الميقات الذي تحته ، لابد . وقد وقع لشيخ الإسلام رحمه الله في كتابه أظنه كتاب ( السراج ) حين ذكر عن الدجالين الذين تحملهم الشياطين إلى مكة وذكر من جملة أخطائهم أنهم يمرون من فوق المواقيت ولا يُحرمون . سبحان الله ، أنطق الله هذا الرجل قبل أن توجد طائرات ؛ لأن الشياطين تمر بهم من عند الميقات ويقول : ولا يحرمون ، وكان عليهم أن يحرموا إن كانوا صادقين .
سؤال : من كان في داخل الميقات هل يلزمه أن يحرم من بيته او له الفسحة إلى أن يخرج منه ؟
الجواب : له أن يحرم من كل جدة ، لكن الأفضل من بيته لا شك ، من حيث أنشأ ، وكذا عند الميقات ما لك مكان معين ، يعني كل الفسحة التي حول الميقات كلها مكان للإحرام ؛ لأنه ما لك مكان فيها معين ، لكن في جدة عندك بيت الأحسن ألا تتجاوز البيت إلا وأنت محرم ، فهمت الفرق؟
سؤال : أشكل عليّ قولنا إنه إذا مُنع من المدينة ....؟
الجواب : ( أشكل علينا قولنا ) من الذي قاله غيرك ؟!
السائل : ..... أنه إذا مُنع من المدينة يرجع فيحرم من جدة ؟
الجواب : ما هو بيرجع ، هو هناك في جدة .
السائل : لا يا شيخ ، في الطريق ، مُنع من الطريق ؟
الجواب : طيب يعني بعد ما خرج من جده ؟ فليحرم من مكانه الذي مُنع منه ما دام إنه نوى العمرة خلاص ، أو الحج يُحرم من مكانه ، يحرم من حيث أنشأ . احفظ : من حيث أنشأ .
سؤال : في مسألة ما تطرقنا لها وهي إذا كان على الإنسان دين هل يحج أم لا بد أن يستأذن صاحب الدين ؟
الجواب : الذي عليه دين ما يستطيع ولا أحد يستاذن حتى لو أُذن له إلا إذا كان الدين مؤجلاً وهو واثق من نفسه أنه سوف يقضيه إذا حل أجله فيحج ، وإلا ما الفائدة إنه يسمح للك ؟ لو سمح لك ما أسقط عنك شيئاً .
سؤال : أحسن الله إليك ، الصوفية يحجون ويقولون كلاماً فيما بينهم : نحن نحج لكننا نقصد القبر ؟
الجواب : القبر ، قبر من ؟
السائل : قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب : هل هم راحوا المدينة ؟
السائل : راحوا المدينة ، لكن يقولون نحن نحج وفي حال الإحرام نقصد القبر ، هل ينعقد الحج هذا ؟
الجواب : أعوذ بالله ، والله ما أعرف ، تحتاج إلى تأمل ، إذا كانوا ما أرادوا بالحج إلا الوصول للقبر فلا حج لهم .
السائل : طيب يا شيخ أحسن الله إليك ، بعضهم يلبسون الإحرام في المدينة .....؟
الجواب : من أين أتى ، يعني من أي جهة ؟ يعني العلماء يقولون : إن الذي يأتي من سواكن في قبالة جدة يحرم من جدة ؛ لأن جدة إذا رأيتها في الخارطة رأيت أنها داخلة في البحر ، رابغ داخلة إلى مكة أقرب ، وكذلك يلملم ، فإذا جاء رأساً إلى جدة يحرم من جدة .
السائل : هو يحرم من جدة يا شيخ أحسن الله إليكم ويحج ثم يروح المدينة ويلبس لها إحرام ؟
الجواب : إحرام للمدينة ؟! طيب يقول لبيك إيش ؟
السائل : ما يقول لبيك، هي زيارة هذه يتقصدون بعض الأشياء وكُتب في جيوبهم ؟
الجواب : لماذا لا تعلموهم جزاك الله خيراً ، لا .. لا تيأس لا تيأس ، وإلا صحيح فعلاً بعض العوام بعض الحجاج يرون زيارة المدينة أهم من الكعبة ، أهم من زيارة الكعبة .
السائل : يصرحون بهذا يقولون نحن نقصد المدينة أولاً ...
الجواب : اللهم عافنا .. الله يهديهم .. الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين .


14 ـ بَاب
1434 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ بِذِي الحُليْفَةِ فَصَلى بِهَا وَكَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا يَفْعَل ذَلكَ(1)
15 ـ بَاب خُرُوجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ عَلى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ
__________
(1) بسم الله الرحمن الرحيم ، سبق لنا أن البخاري رحمه الله إذا قال : ( باب ) ولم يذكر العنوان فإنه بمنزلة قول المؤلفين : ( فصل ) فانتبهوا لهذا الاصطلاح .
وفي هذا الحديث حرص ابن عمر رضي الله عنهما على تحري الأماكن التي ينزل بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويصلي بها ، حتى إنه رضي الله عنه يتحرى الأمكنة التي نزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها فبال فيها ، لكن هذا الأصل ـ يقول شيخ الإسلام رحمه الله ـ قد خالفه بقية الصحابة ، وقالوا إنه لا أسوة إلا في العبادة فقط وأن ما يفعله على سبيل الجبلة فهذا لا يُقتدى به . يعني مثلاً الإنسان علم أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل فبال في مجيئه من عرفة إلى مزدلفة في أثناء الطريق ، هل نقول : يسن أن ننزل فنبول في المكان هذا ؟ ابن عمر يفعل هذا رضي الله عنه ويتحراه ، لكن الأصل الذي عند الصحابة رضي الله عنهم عند أكثر الصحابة وعليه أكثر العلماء أن هذا ليس مما يُتأسى به فيه .


1435 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِاللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ وَيَدْخُل مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ وَأَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلى مَكَّةَ يُصَلي فِي مسْجِدِ الشَّجَرَةِ وَإِذَا رَجَعَ صَلى بِذِي الحُليْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ(1)
__________
(1) انظر الشرح .
تعليق من فتح الباري ج: 3 ص: 391 :
قوله : ( باب خروج النبي صلى الله عليه وسلم على طريق الشجرة ) قال عياض هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منه إلى ذي الحليفة فيبيت بها وإذا رجع بات بها أيضا ودخل على طريق المعرس بفتح الراء المثقلة وبالمهملتين وهو مكان معروف أيضا وكل من الشجرة والمعرس على ستة أميال من المدينة لكن المعرس أقرب وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد بيان في ذلك .
قال ابن بطال كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما يفعل في العيد يذهب من طريق ويرجع من أخرى ، وقد تقدم القول في حكمة ذلك مبسوطا وقد قال بعضهم : إن نزوله هناك لم يكن قصدا وإنما كان اتفاقا . حكاه إسماعيل القاضي في أحكامه عن محمد بن الحسن بالإجماع ، والصحيح أنه كان قصدا ؛ لئلا يدخل المدينة ليلا ، ويدل عليه قوله : ( وبات حتى يصبح) ولمعنى فيه وهو التبرك به كما سيأتي في الباب الذي بعده ، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من حديث الباب في أواخر أبواب المساجد وسياقه هناك أبسط من هذا.

الشيخ : أما كونه يقصد أن يبيت ثم يدخل نهاراً فلا إشكال فيه ، لكن كونه يبيت في هذا المكان هل هو مقصود أو وقع اتفاقاً ؟ هذا يحتاج إلى دليل لكن لا مانع إن الإنسان يبيت فيه على الأقل ليُحرك محبة النبي صلى الله عليه وسلم في قلبه حيث يستشعر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بات هنا .
سؤال : هل نأخذ من الحديث أنه يُكره السفر بالليل ؟
الجواب : لا .. لكن يُكره طروق أهله ليلاً إلا أن يخبرهم من قبل .
سؤال : عفا الله عنك ، في الحقيقة يحتمل أن الوادي محل الوادي بأنه محل سيل نظيف يعني ، لكن مسلك الشجرة يا شيخ هو الذي فيه إشكال ...
الجواب : والله ما نستطيع أن نقول شيئاً لم نره ولا حتى ما نعرفه الآن ، والشجرة أحياناً إذا كانت على شفر الوادي يكون الذي تحتها نظيف .
السائل : قول ابن حجر : ( ولمعنى فيه والتبرك به ) ؟
الجواب : سوف يأتي الباب وتشوفوه .


16ـ بَاب قَوْل النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ العَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ
1436 حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الوَليدُ وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ قَالا حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَال حَدَّثَنِي يَحْيَى قَال حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا يَقُول إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْه يَقُول سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وَسَلمَ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُول أَتَانِي الليْلةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَال صَل فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ وَقُل عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ(1)
1437 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا فُضَيْل بْنُ سُليْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَال حَدَّثَنِي سَالمُ بْنُ عَبْدِاللهِ عَنْ أَبِيهِ رَضِي الله عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ أَنَّهُ رُئِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسٍ بِذِي الحُليْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي قِيل لهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالمٌ يَتَوَخَّى بِالمُنَاخِ الذِي كَانَ عَبْدُاللهِ يُنِيخُ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُول الله صلى الله عليه وَسَلمَ وَهُوَ أَسْفَل مِنَ المَسْجِدِ الذِي بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلكَ(2)
17 ـ بَاب غَسْل الخَلوقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ
__________
(1) هذه البركة أنه واد مبارك ، فقصد النبي صلى الله عليه وسلم المبيت فيه .
(2) كل هذا يحتاج إلى معرفة الأمكنة هذه والوقوف عليها .


قَال أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلى أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلى قَال لعُمَرَ رَضِي الله عَنْه أَرِنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وَسَلمَ حِينَ يُوحَى إِليْهِ قَال فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ بِالجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال يَا رَسُول اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ سَاعَةً فَجَاءَهُ الوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ رَضِي الله عَنْه إِلى يَعْلى فَجَاءَ يَعْلى وَعَلى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ ثَوْبٌ قَدْ أُظِل بِهِ فَأَدْخَل رَأْسَهُ فَإِذَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ مُحْمَرُّ الوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَال أَيْنَ الذِي سَأَل عَنِ العُمْرَةِ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَال اغْسِل الطِّيبَ الذِي بِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ قُلتُ لعَطَاءٍ أَرَادَ الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِل ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَال نَعَمْ(1)
__________
(1) ش2 وجه أ :
قوله : ( باب غسل الخلوق ) الخلوق : هو الطيب ، يعني يكون من أنواع . وفي هذا الحديث دليل على شدة ما يأتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين نزول الوحي عليه تحقيقاً لقوله تعالى : إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ولقد نزل عليه الوحي وهو على فخذ حذيفة ، يقول : ( حتى كاد يرز فخذي ) عليه الصلاة والسلام قد وضع رأسه عليه ، وهذا مما أمره الله به أن يصبر عليه قال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءانَ تَنزِيلاً
W فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ .

وفيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوقف في الأمر الذي لم يبلغه فيه الوحي وليس محلاً للاجتهاد ، فما بالك بنا ؟ نحن نُفتي وكما يقول العوام : ( قطها و........... ) يفتي ولا يبالي ، فكأنما ينزل عليه الوحي ، والواجب التثبت والتأني لأن المفتي مُعبر عن الله عز وجل ، يقول هذا شرع الله .
وفيه أيضاً دليل على أن الإنسان إذا أحرم وبه طيب فإنه يجب أن يغسله لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات )) . وفيه اعتبار التثليث في إزالته ، أي في إزالة الطيب ، حتى لو زال في أول مرة فكرره ثلاث مرات امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وفيه أيضاً دليل على أن من أحرم بإحرام فيه طيب فإنه ينزعه لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( وانزع عنك الجبة )) لأنها فيها طيب ، واقتصار بعض العلماء رحمهم الله على كراهة تطييب الرداء ، يعني رداء الإحرام ، فيه نظر ، والصواب أنه حرام . أما بعد أن يُحرم فهو ظاهر وأما قبل أن يُحرم فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( لا تلبسوا ثوباً مسه زعفران ولا ورس )) . فالصواب أن تطييب الإحرام قبل عقد النية ثم لبسه حرام على الإنسان حتى يغسله .
وفيه أيضاً من فوائده أن العمرة كالحج يُصنع فيها ما يُصنع في الحج حيث قال : (( اصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك )) لكن يستثنى من ذلك ما وقع عليه إجماع في أنه لا يُفعل في العمرة كالوقوف في عرفة والمبيت في مزدلفة والمكث في منى ورمي الجمرات ، فإن هذا لا يُفعل في العمرة بالاتفاق بإجماع المسلمين ، ويبقى الطواف والسعي والحلق أو التقصير ومحظورات الإحرام، تتساوى فيه العمرة والحج . وفيه أيضاً دليل على وجوب طواف الوداع للعمرة لعموم قوله : ((كما تصنع في حجتك )) فلا يجوز للإنسان إذا اعتمر أن يخرج من مكة إلا بوداع ، لكن من طاف وسعى وقصر ومشى اُكتفي بطوافه الذي طافه . وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذا فقال : ( باب المعتمر يُجزئه الطواف عن الوداع ) واحتج بفعل عائشة رضي الله عنها فإنها أتت بعمرة ليلة الحصبة أتت بعمرة ثم سارت إلى المدينة . وأما قول بعضهم : إنه لا يجب للعمرة طواف وداع لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر به إلا في الحج . فيقال : هذا من الأشياء التي تجدد حكمها ، نعم لو فُرض أن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر بعد حجه ولم يطف الوداع لكان في هذا دليل ، أما أنه لم يقله إلا في حجة الوداع فيقال الجواب عن هذا أنه من باب ما تجدد إيجابه .
هل يمكن أن نقيس إزالة النجاسة على إزالة الطيب في الإحرام ؟ بمعنى أن نقول لا بد من ثلاث غسلات في إزالة النجاسة ؟ هو الغالب أن النجاسة لا تزول إلا بثلاث لكن لو فُرض أنها زالت بأقل فإن المكان يطهر لأن لدينا قاعدة في إزالة النجاسة وهي : أن النجاسة عين خبيثة متى زالت بأي مزيل زال حكمها . ولهذا يسأل كثير من الناس عن غسل الثياب والأكوات بالبخار هل تطهر أو لا تطهر ؟ نقول تطهر ما دام الوسخ زال والنجاسة زالت ، فهذا هو المطلوب ؛ لأن إزالة النجاسة لا تجب بالماء بل بكل ما يزيلها . فالنعل مثلاً إذا تنجست يطهرها التراب ، وزيل المرأة الذي تجره على أمكنة قذرة يطهره الذي بعدها ، والاستجمار يكفي عن الاستنجاء بالماء ، بل كل ما زالت عين النجاسة فهي طاهر ، حتى لو فُرض أن النجاسة وقعت على الأرض ثم زال أثرها ، أثر البول معروف إذا وقع على الأرض يكون له لون ، لكن بالرياح والشمس ذهب اللون ، فنقول المكان طهر الآن وإن لم يكن بالماء ، ولا يرد على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يصب على بول الأعرابي الذي بال في المسجد ذنوباً من الماء ؛ لأن هذا أسرع في إزالة النجاسة ، صب الماء عليه أسرع والناس محتاجون للمسجد فلا نقل انتظروا حتى يزول بالشمس والريح .
سؤال : الماء الذي ينزل من الفريون هل له حكم الماء المطلق ؟
الجواب : إي نعم هو ماء ، بخار تكثف ونزل ، توضأ منه ، لكن من يجد ماء فريون يتوضأ منه ، على كل حال توضأ منه .
سؤال : أرأيت الطيب يكون بخاخ يستعمل في ملابس الإحرام ولا يوجد لها أثر بعد دقيقة أو دقيقتين ؟
الجواب : إن بقيت الرائحة لا يلبسها حتى يغسلها ، وإن لم تبقى كما قلت دقيقة أو دقيقتان ما صار شيء .
سؤال : يا شيخ عفا الله عنك ، أكثر الأخوة يعتمرون في رمضان في العشر الأواخر وكذلك يعتكفون ففي ليلة العيد ينصرفون بدون وداع ؟
الجواب : ينصرفون إلى بلادهم ؟
السائل : نعم إلى بلادهم أو إلا مثلاً مناطق في السعودية بدون وداع.
الجواب : لكن ما أتوا بالعمرة .
السائل : أتوا بالعمرة .
الجواب : أتوا بالعمرة ؟ لا .. يجب أن يطوفوا الوداع . إلا إذا ... لأن بعض العلماء لا يرى وجوب طواف الوداع للعمرة إلا على سبيل الاحتياط ، فإذا كانوا مقلدين لهؤلاء فليس عليهم شيء .
سؤال : هل عليهم شيء ؟ أنا شخصياً فعلت هذا .
الجواب : معتقداً ماذا ؟
السائل : أنني ما يجب عليّ شيء .
الجواب : الحمد لله مادام معتقد ، فلأنك تسمع من العلماء من يقول لا يجب .
سؤال : لو أن الشيخ الكبير الذي يخالف النص ، كيف يصير لنا نعمل بها نحن العوام ؟
الجواب : لا .. إذا خالف النص ، لكن المشكل الآن إن العامي لا يعرف النص من غير النص . على كل حال هذا شيء يرجع إلى اطمئنان العامي للفتوى ، الفتوى ربما لو أفتى بها الإنسان ما اطمأن لها العامي ما يأخذها ، وتجد نفس الفتوى يفتي بها من يثق به ويأخذ بها .
سؤال : المشكلة يا شيخ إن العامي لو إنه عالم يفتي بشيء يخالف الدليل أن العوام ما يأخذون منه .
الجواب : لا .. لا .. الأمر واسع إن شاء الله .
سؤال : هل في الحديث دليل على أن العلم لا يأتي إلا بتعب وشدة ؟
الجواب : لا .. هذا يقول هل في الحديث دليل على أن العلم لا يأتي إلا بتعب وشدة ؟ لا ما في دليل ، هذه مسألة خاصة بالوحي حين نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويعتبر سؤالك هذا سرقة ليش ؟
السائل : ماذا عليّ ؟
الجواب : لا ما عليك ألا تعود .


18 ـ بَاب الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ
وَمَا يَلبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَرَجَّل وَيَدَّهِنَ
وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا يَشَمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ وَيَنْظُرُ فِي المِرْآةِ وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُل الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَقَال عَطَاءٌ يَتَخَتَّمُ وَيَلبَسُ الهِمْيَانَ وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَدْ حَزَمَ عَلى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ وَلمْ تَرَ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا بِالتُّبَّانِ بَأْسًا للذِينَ يَرْحَلونَ هَوْدَجَهَا(1)
__________
(1) هذه من الآثار ، أولا الطيب للإحرام لا شك أنه سنة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتطيب عند إحرامه ويبقى الطيب ، قالت عائشة : ( كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ) في هذه الحال يا جماعة إذا بقي الطيب على رأسه ويُنظر إلى وبيصه لمعانه وأراد يتوضأ لابد أن يمسح الرأس ، وإذا مسح الرأس لا بد أن يعلق الطيب في يده ، فهل نقول : إنه يفعل ويفدي ؟ لأنه تطيب تعمد التطيب ، أو نقول إنه لا يمسح رأسه ويتيمم ، أو نقول يمسح ولو علق الطيب بيده لأنه لم يتعمد الطيب ابتداءً ؟ الثالث : أنه لابد لكن لا يتعمد أن يفرك رأسه جداً حتى يلصق أكثر . وهذا والحمد لله دليله فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يُرى وبيص المسك في مفارقه ويغتسل ويكون برأسه هكذا .. وهو محرم .
( وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل ويدهن ) معلوم أن المحرم إذا أراد أن يحرم يلبس الإزار والرداء ، هذا هو المشهور حتى يبقى الحجيج كلهم على لباس واحد ( ويترجل ويدهن ) يترجل : يعني يسرح الشعر ، ويدهن : يدهنه لكن بشيء ليس فيه طيب أو بشيء فيه طيب ؟ حتى لو كان فيه طيب ، الرسول كان يتطيب في رأسه ولحيته عليه الصلاة والسلام .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( يشم المحرم الريحان ) وهذه المسألة مختلف فيها ، هل يجوز للمحرم أن يشم الطيب أو لا ؟ بعضهم قال إنه لا يجوز مطلقاً ، وبعضهم قال يجوز مطلقاً ، وبعضهم فصَّل قال إن احتاج إلى ذلك كرجل وقف عند عطار وأراد أن يشتري منه طيباً فله أن يشمه ليعرف الطِيب الطَيِّب من الرديء . وهذا القول وسط لأنه أولاً تركه أحوط لا شك لأن الطيب إذا شمه الإنسان يجد نشوة وفرحاً وتحركاً في بدنه لكن إذا احتاج إلى ذلك فلا حرج . أما ظاهر المعروف عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يشمه ولا حرج عليه .
( وينظر في المرآة ) لماذا ؟ يصلح ما كان عنده من شعر ويتجمل (ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن ) يعني له أيضاً أن يأكل الطعام الطيب وكذلك الأدوية ؛ لأن هذا ليس من محظورات الإحرام والأصل الحل والإباحة .
(وَقَال عَطَاءٌ يَتَخَتَّمُ وَيَلبَسُ الهِمْيَانَ) يتختم يعني يلبس الخاتم ، ( ويلبس الهميان ) الهميان هو الشنطة التي يجعل فيها الإنسان النفقة ويحزمها على بطنه ، يعني لا بأس بها ، وإذا رجعنا إلى الوقت الحاضر قلنا الساعة في اليد كالتختم تماماً ، وعلى هذا فيجوز للمحرم أن يلبس ساعة اليد ولا حرج فيها . ونحن نأخذ من حديث ابن عمر ( ما يلبس المحرم ، قال : لا يلبس كذا وكذا ... ) معناه ما عدا ذلك يلبسه . وعطاء هو شيخ أهل مكة وهو أعلم الناس بالمناسك لأنه في مكة ويعرف كثيراً من أحكام المناسك وهو مرجع في هذا الباب .
وقال : ( وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَدْ حَزَمَ عَلى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ ) يعني حزم بثوب والمراد بالثوب هنا القطعة من القماش ، يعني وعليه لا حرج أن يربط الإنسان على بطنه شيئاً وهو محرم ( وَلمْ تَرَ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا بِالتُّبَّانِ بَأْسًا للذِينَ يَرْحَلونَ هَوْدَجَهَا ) التبان : هو سروال قصير يستر العورة وما قرب منها من الفخذ ، عائشة لا ترى في هذا بأساً كأنها تريد أن تحمل من لم يجد إزاراً فلبس السراويل أنها السراويل المعتادة الطويلة وأن هذا فلا بأس به . هذا رأيه رضي الله عنه ولكن الذي يظهر أنه لا يجوز أن يلبس الإنسان التبان إلا عند الضرورة ، إذا اضطر إلى هذا فلا بأس ، ويمكن الضرورة للتبان فيما إذا كان من الناس الذين تتسلخ جنوب أفخادهم مع المشي ، لأن بعض الناس يكون إذا مشى وليس عليه سراويل تتسلخ جنوب فخذهم ، فهذا ضرورة يلبس .
وإذا جاز للضرورة فهل يلزمه فدية أو لا ؟ أجيبوا ؟ على قولين لننظر القاعدة أن المحرم إذا احتاج إلى فعل شيء من المحظورات فله فعله ويفدي، كما فعل كعب بن عجرة رضي الله عنه حين أصابه الأذى في رأسه فحلق وفدى ، ولكن مسألة اللباس أولاً في لباس المخيط أو في لباس القميص أو السراويل هل فيه فدية ؟ أجيبوا يا جماعة ؟ نقول لا ليس فيه فدية ، من قال إن هذا اللباس فيه فدية ، من قال هذا ؟ والله تبارك وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا ويقول جل وعلا : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً فأين في الكتاب أو السنة أن من لبس قميصاً وهو محرم أو سراويل وهو محرم فعليه فدية ؟ أو تطيب وهو محرم فعليه فدية ، أين هذا ؟ ما فيه ، بعضهم قاسه على حلق الرأس وقال الجمع بينهما أو العلة الجامعة أن في كل منهما ترفهاً . فيقال : من قال إن علة منع الحلق هو الترفه ، من قال هذا ؟ فالذي يظهر أن علة المنع في حلق الرأس للمُحرم هو أن يبقى ليتم به النسك ؛ لأن شعر الرأس يتعلق به إيش ؟ نسك يتعلق به نسك إما حلق أو تقصير ، وإذا حلقه سقط هذا النسك وغيره لا يساويه ، ثم نقول أليس يجوز للمحرم أن يدهن ، أليس يجوز أن يغتسل ، أليس يجوز أن يزيل الوسخ ، أليس يجوز أن يبقى في خيمة مكندشة ؟ مكندشة يعني إيش ؟ ذات كوندشان ، كل هذا جائز وفيه ترفه ، فالقول بأن علة تحريم حلق الرأس هو الترفه قول لا دليل عليه ولا ينضبط . فالذي نرى أنه لا فدية في جميع المحظورات إلا ما دل عليه الشرع لأنه لا يمكنا أن نلزم عباد الله شيئاً لم يلزمهم الله عز وجل . لكن إن قال قائل : من باب تربية الناس واحترامهم للشعائر ألا يحسن أن نلزمهم والفدية قليلة والحمد لله الفدية هي صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو إيش؟ أو إكسائه ؛ لأن جميع محظورات الإحرام تنقسم إلى أربعة أقسام :
القسم الأول : لا فدية فيه حتى على المذهب وهو عقد النكاح .
والقسم الثاني : فديته جزاؤه وهو الصيد .
والقسم الثالث : فديته التخيير بين ثلاثة أشياء وهو فدية حلق الرأس .
والقسم الرابع : ما لم يُذكر فيه فدية قالوا يُلحق بفدية الرأس فتكون فديته على التخيير ، يدخل في ذلك تقليم الأظفار على القول بأنها من المحظورات، ويدخل في ذلك المباشرة بغير الجماع .
بقي الخامس الجماع فديته إيش ؟ بدنة .


1438 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَال كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ قَال مَا تَصْنَعُ بِقَوْلهِ حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالتْ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ(1)
__________
(1) يعني كأنه يُنكر الادهان بالزيت فبين له أن ذلك ليس بمنكر فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد الإحرام يُرى وبيص المسك في مفارقه ، وبيصه يعني لمعانه وبريقه ، ولهذا أخذ العلماء رحمهم الله من هذه السنة أن الاستدامة أقوى من الابتداء ، ولهذا تجوز الاستدامة في الطيب في الإحرام ولا يجوز ابتداؤها ، ويجوز أن يراجع الرجل زوجته المطلقة وهو محرم ولا يجوز أن يتزوج ، لماذا ؟ الاستدامة أقوى من الابتداء ، ويجوز أن يستمر ملك الصيد بعد الإحرام ولا يجوز الصيد حال الإحرام ، ولها أمثلة المهم أن بقاء أثر الطيب بعد الإحرام لا يضر .
فإن قال قائل : يلزم من هذا عن كان في الرأس كما في حديث عائشة أن يمسه الإنسان عند مس الرأس . فالجواب : وإن لزم ذلك فإنه لا يضر لأن هذا المحرم لم يبتدئ استعمال الطيب وإنما بقي الطيب الذي تطيب به عند الإحرام وهو لا بد أن يمسح رأسه إذا توضأ ، نعم لو تعمد أن يمس رأسه والطيب له وبيص فيه فهذا لا يجوز لكن إذا توضأ لابد أن يمسه .
وفي هذا الحديث دليل على استدلال السلف الصالح بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الفعلية وأنه لا يمكن أن يقال لعل هذا خاص به ؛ لأن الأصل عدم الخصوصية. فما دام السلف الصالح والأئمة يحتجون بفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون أن يورد الاحتمال أنه خاص به .

وفيه أيضاً بيان أن الإنسان الذي يتخذ شعر الرأس فإنه يجعل له مفارق : واحد مع الوسط ليفرق الناصية لليمين واليسار ، والثاني أعلى الرأس عرضاً من الأذن إلى الأذن من أجل أن يفرق بين شعر الناصية الذي يتجه إلى الوجه وشعر القفا الذي يتجه إلى الرقبة .
لكن هذا بالنسبة لنا يختص بالنساء فهل نقول إن الرجل يفعل ويُفرق هذا التفريق الذي لا يكون إلا للنساء في عرفنا أو نقول ما دام هذا التفريق اختص بالنساء الآن فإنه لا يفعله لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء ، وهذا أمر عادي ليس أمر عبادي حتى نقول نبقى عليه ، يعني ليس من أمور العبادة بل من الأمور العادية ؟ وعليه نقول إذا أراد أن يفرق فليفرق أحد الطرفين إما الناصية وإما أعلى الرأس ؛ لئلا يتشبه بالنساء .


1439 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ قَالتْ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلحِلهِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ (1)
19 ـ بَاب مَنْ أَهَل مُلبِّدًا
__________
(1) قوله : ( زوج النبي ) كيف زوج ؟ مذكر هذا ؟ هي زوج أو زوجة ؟ أسأل هي زوج أو زوجة ؟ هي زوجة لكن اللغة الفصحى زوج للرجل والمرأة ، إلا أن الفرائضيين رحمهم الله اصطلحوا على أن يسموا الأنثى زوجة والذكر زوج لئلا يشتبه الحكم عند قسمة الميراث ، فلو قال هذا تارك عن زوج وبنت وعم . فهو عند الفرائضيين المرأة لا تكن زوجاً ولو كان يراد بها الرجل مات عن زوجته . وهذا لا شك أنه اصطلاح جيد وفيه التبيان والتوضيح .
طيب فيه أيضاً في الحديث دليل على العلاقة الزوجية التامة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وعائشة حيث تباشر تطييبه ، ولا شك أن هذا يدل على كمال المودة والصلة بينهما . لو قال قائل لعل معنى قولها (أطيب) أن أُحضر الطيب له وهو يتطيب بنفسه . فالجواب : هذا خلاف ظاهر اللفظ ولا داعي إليه .
وفيه أيضاً دليل على أن التحلل لا يكون إلا بعد الرمي والحلق ، وجه ذلك قولها : ( لحله قبل أن يطوف بالبيت ) فجعلت الذي يلي الحل هو الطواف بالبيت ، ولم تقل لحله قبل أن يحلق ، قالت ( قبل أن يطوف بالبيت) وهذا القول هو الصحيح من أقوال العلماء . ومن العلماء من يقول يتحلل إذا رمي جمرة العقبة . وهذه فيها خلاف ولكلٍ وجهة وسيأتي إن شاء الله الكلام عليها ، لكن القول الراجح أنه لا حل إلا بعد الرمي والحلق .


1440 حَدَّثَنَا أَصْبَغُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِي الله عَنْه قَال سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ يُهِل مُلبِّدًا(1)
20 ـ بَاب الإِهْلال عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُليْفَةِ
__________
(1) يهل ملبداً رأسه ، قال العلماء : والتلبيد أن يوضع الصمغ ونحوه على الرأس لئلا ينتشر ، ويلزم منه أن يكون الرأس مستتراً بهذا المُلبد عليه. وعلى هذا فنقول : إذا وضعت المرأة على رأسها الحناء فلها أن تمسح على الحناء في الوضوء ولا مدة له ولا يضر هذا لأن الحنة متصلة بالرأس ولأن فرضة الرأس في الطهارة هو المسح ، فهو مخفف فيه أي في تطهير الرأس . وهذا يسأل عنه الناس كثيراً المرأة تضع على رأسها الحناء ويبقى ملبداً فهل تمسح عليه أو لابد أن تغسله حتى يزول ؟ نقول : لا .. لا يلزمها أنت تغسله حتى يزول بل لها أن يبقى حتى ينتهي مراده .
سؤال : ما يستخدمه الإنسان من الصبغة ، المشطة ؟
الجواب : من هذا الجنس ، المشطة هذه اصطلاحات جديدة الظاهر أنها صبغة معينة يصبغ بها الرأس ويكون لها قشرة .
سؤال : جزاك الله خيراً ، بالنسبة للحناء هل تمسح على الخرقة التي تغطي بها شعرها أم تباشر الحنة بيديها ؟
الجواب : الخرقة منفصلة ولا تدخل في الخمار الذي يجوز المسح عليه فتنزعها وتمسح .
سؤال : في بعض المجتمعات فرقة الشعر بالنسبة للرجل والمرأة من عادتهم في فرق الرأس ؟
الجواب : هذا يسمونه المشطة المائلة ، بعض العلماء المعاصرين يرى أن هذا داخل في الحديث الصحيح : (( صنفان من أهل النار لم أرهما)) وذكر أحدهما : (( نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات )) ولا شك أن هذا القول له وجهة نظر .
سؤال : للنساء والرجال ؟
الجواب : إي للرجال والنساء ، الرجال أشد بعد .


1441 حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سَمِعْتُ سَالمَ بْنَ عَبْدِاللهِ قَال سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا . و حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلمَةَ عَنْ مَالكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِاللهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُول مَا أَهَل رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ إِلا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الحُليْفَةِ(1)
__________
(1) اقرأ من الشرح .
تعليق من فتح الباري ج: 3 ص: 400 :

قوله : ( باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة ) أي لمن حج من المدينة أورد فيه حديث سالم أيضا عن أبيه في ذلك من وجهين وساقه بلفظ مالك وأما لفظ سفيان فأخرجه الحميدي في مسنده بلفظ هذه البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد مسجد ذي الحليفة وأخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن موسى بن عقبة بلفظ كان ابن عمر إذا قيل له الإحرام من البيداء قال البيداء التي تكذبون فيها الخ . إلا أنه قال من ثم الشجرة حين قام به بعيره وسيأتي للمصنف بعد أبواب ترجمة من أهل حين استوت به راحلته وأخرج فيه من طريق صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر قال أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة وكان ابن عمر ينكر على رواية ابن عباس الآتية بعد بابين بلفظ ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير قلت لابن عباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلاله فذكر الحديث وفيه فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب من مجلسه فأهل بالحج حين فرغ منها فسمع منه قوم فحفظوه ثم ركب فلما استقلت به راحلته أهل وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا إنما أهل حين استقلت به راحلته ثم مضى فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فنقل كل أحد ما سمع وإنما كان إهلاله في مصلاه وأيم الله ثم أهل ثانيا وثالثا وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء عن ابن عباس نحوه دون القصة فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل .
فائدة : البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي . قاله أبو عبيد البكري وغيره .
الشيخ : هذا الجمع لا شك أنه جمع حسن ؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا ، منهم من قال أهل في مصلاه حين صلى ، ومنهم من قال حين قامت به ناقته ، ومنهم من قال حين استوت به على البيداء يعني بعد ما مشي . وهذا الجمع الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنهما جمع حسن بلا شك . وعلى هذا فبأي هذه الأقاويل نأخذ ؟ بالأول أنه أهل من مصلاه .


21 ـ بَاب مَا لا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ
1442 حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَجُلا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلا الْعَمَائِمَ وَلا السَّرَاوِيلَاتِ وَلا الْبَرَانِسَ وَلا الْخِفَافَ إِلا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَلا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ(1)
__________
(1) قال المؤلف رحمه الله : ( باب ما لا يلبس المحرم من الثياب ) ولم يقل ما يلبس بل قال ( ما لا يلبس ) وإنما قال هذا اتباعاً للحديث ، والحديث سُئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ما يلبس المحرم ، يعني عن الذي يلبس ، فأجاب بما لا يلبس ، فيُفهم منه أنه يلبس ما عدا ذلك فإن قيل : لماذا عدل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جوابه عن مطابقة السؤال ؟ لأنه كان المتوقع أنه لما سُئل قال : يلبس كذا وكذا ، فلماذا عدل ؟ فالجواب : لأن ما لا يلبس أقل مما يُلبس وأقرب إلى الحصر ، وهذا من البلاغة أن يُجاب الإنسان بما لا يتوقع إشارة إلى أنه كان ينبغي له أن يسأل إيش ؟ عن ما لا يلبس لا عن ما يلبس .

أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بجواب مفصل فقال : (( لا يلبس القمص )) وهي المخيطة على قدر البدن كالثياب التي علينا الآن ، الثاني : (( لا يلبس العمائم )) العمائم التي تُدار على الرأس ، والمراد ما يُلبس على الرأس من عمائم أو طاقية أو غترة أو ما أشبه ذلك ، الثالث : ((السراويلات)) مفردها سراويل ، يعني السراويل ما هي بجمع كما يظن بعض الناس ، السراويل مفرد ، ألك سراويل ؟ الأخ لك سراويل ، كم ؟ يعني أنت تفهم من كلامي ألك سراويل ، تفهم أن أسألك عن سروال واحد أو عن جماعة ؟ هذه هي ، الآن أكثر الناس يظنون السراويل أنها جمع ولهذا قال إنسان لآخر يُحدثه بعت على فلان سراويل ماذا يفهم ؟ جماعة ، ولكنه ليس كذلك ، السراويل واحد ، أفهمت يا يحيى ؟ سراويل واحد أو جماعة ؟ واحد . ولهذا قال ابن مالك رحمه الله في الألفية التي أرجو الله تعالى أن تدركوا حفظها عن ظهر قلب ، قال : ( ولسراويل بهذا الجمع ) يعني صيغة منتهى الجموع ( شبه اقتضى عموم المنع ) وإلا هو مفرد لكن شابه الجمع.
ش3 ـ الوجه أ :
وقيل إنه يجوز لغة أن تقول سروال أو سروالاً ، وهذا على لغة العامية عندنا واضح . طيب إذا السراويلات إذا قال إنسان كيف جمعها وهي مجموعة أولاً ؟ نقول : لا هي أول لم تجمع . السراويل معروفة هي ما يُخاط على قدر الرجلين بعزل كل واحدة عن الأخرى ، وإنما قلنا هذا لئلا يرد علينا الإزار فإن الإزار وإن خيط ليس بسروال حتى لو خط الإزار وجعلت له تكة ، تعرفون التكة ؟ الحبل الذي يربط به وجُعلت على الجوانب مخابي جيوب . فلا حرج لأنه لازال اسمه إزار .
(( ولا البرانس )) البرانس يقولون إنها ثياب واسعة ولها ما يغطي الرأس متصلاً بها ، وأكثر من يلبسها المغاربة . يا سبحان الله كأن النبي عليه الصلاة والسلام يشاهدهم ، الظاهر أنهم في ذلك الوقت ما كانوا موجودين . الثاني : (( ولا الخفاف )) الخفاف ما يُلبس على الرجل ساتراً لها ، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( إلا أحد لا يجد )) إلا أحد : بدل من الضمير في قوله ( لا يلبس ) ولهذا جاءت مرفوعة (( إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين )) طيب والنعلين ؟ وإذا وجد النعلين يلبسهما أو لا ؟ يلبسهما على أنهما غير منهي عنهما (( وليقطعهما )) يعني يقطع الخفين (( أسفل من الكعبين )) يعني أنزل ، وكلمة ( أسفل من الكعبين ) يشمل ما إذا لم يكن لهما جدار فوق على العقب أو كان لهما ، المهم أن يكون نازلاً عن الكعبين هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم . ثم أردف قائلاً : (( ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران أو ورس )) الزعفران طيب معروف والورس قيل أنه نبت في اليمن له رائحة طيبة فيكسب الثوب لوناً ورائحة فيكون شبيهاً بإيش ؟ بالزعفران .
في هذا الحديث فوائد منها : أن الأحاديث النبوية تنقسم إلى قسمين : قسم لها سبب ، وقسم لا سبب له . من الأسباب السؤال ، ومن فوائده أن الله عز وجل يقيد لشريعته من يسأل عن شيء لم يكن يتحدث عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ومن فوائده أنه يدل على كمال الشريعة وأنه ما من شيء تحتاج الأمة إليه إلا وقع بيانه إما ابتداء وإما لسبب .
ومنها الإشارة إلى أن ما يلبسه المحرم أكثر مما لا يلبسه ، وجه ذلك أن الرجل سأل عن الذي يُلبس فأُجيب بما لا يُلبس . ومنها أنه ينبغي لنا ونحن نُحدث الناس بألسنتنا أو بأقلامنا أن لا نتجاوز السنة اللفظ النبوي . هذه خمسة معروفة محصورة ولهذا لما تكلم بعض التابعين وأول من تكلم في ذلك إبراهيم النخعي رحمه الله فقال : المخيط حرام على المُحرم . صار هذا اللفظ فيه اشتباه ، فيه تضييق لجهة وفيه اشتباه .
أولاً : النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر المخيط إطلاقاً فما بالنا نُشرع ونقول لا تلبس المخيط .
ثانياً : أن هذا التعبير يقتضي أنك لا تلبس الإزار إذا كان فيه خياط ، وهذا صحيح أو لا صحيح ؟ أسألكم الآن الإزار يجوز لبسه وهو مخيط ؟ يجوز ، لكن لو أخذنا ظاهر العبارة ما يجوز . أيضاً يوجب إيهام في النعلين المخروزة ، وما أكثر السؤال عن هذا ، يقول : هل يجوز للمحرم أن يلبس النعلين المخروزات ؟ ليش ما يجوز ؟ قال لأنه مخيط .
زاد بعض الناس ، قال : لا يلبس المخيط ولا المحيط . إيش المحيط ؟ الخاتم ! لا يلبسه . المهم أدعوكم إلى اتباع لفظ النص لأنكم مسؤولون عن هذا وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ولا نضيق على عباد الله نقول البس الإزار ولو فيه ألف رقعة ، وكذلك الرداء .
طيب نمشي مع الحديث ( لا يلبس القميص ) القميص لا يُلبس على أي حال كان حتى لو فُرض أنه ليس فيه أدنى خيط ؛ لأنه لو نُسج نسيجاً ما فيه خياطة هل يُلبس أو لا يُلبس ؟ لا يُلبس ، ولو أخذنا بكلمة المخيط لقلنا هذا يُلبس لأنه ما فيه خياطة ، ولكن لا .. القميص بجميع أنواعه لا يُلبس . يُشبهه الكوت لأنه قميص لكنه قصير ، الفانيلة كذلك قميص كثير فلا تُلبس هذه الأشياء .
من فوائد هذا الحديث أن الإنسان لو لف على صدره ثوباً دون أن يلبسه لبساً جائز أو غير جائز ؟ جائز ، لماذا ؟ لأنه يقول : ( لا يلبس ) هذا ما لبسه هذا تلفت فيه . وبناء على ذلك لو أن الإنسان في الطائرة وكان إزاره ورداؤه في الشنطة مع العفش ويعرف أنه سيحاذي الميقات فماذا يصنع ورداؤه وإزاره في جوف الطائرة ؟ نقول اخلع الثوب وتلفلف فيه والسروال يبقى لأنك لم تجد إزاراً ، واضح ؟ إذا قال : أخشى من الناس إذا رأوا هذا قاموا ينظرون إليّ . فالجواب : وليكن ذلك أنت إذا فعلت هذا شرعت لأخوانك المسلمين ما يخفى عليهم ، وكثيراً ما يقع السؤال أن إزاره ورادءه في داخل الطائرة وأخَّر الإحرام حتى وصل إلى جدة لأنه لا يدري. فيقال له الحمد لله الأمر سهل اخلع القميص وتلفلف فيه وتُبقي السروال . طيب الغترة ؟ الغترة ما هو لازم اخلعها ويبقى رأسك مكشوفاً ، واضح ؟ فإذا قال قائل : لماذا لا تقولون يلزمه أن يخلع السروال وأن يتلفلف إزاره بالغترة ؟ فالجواب : أولاً : إن بعض الغتر خفيف ما يستر العورة ، ثانياً : أنها ليست واسعة بحيث يديرها مرتين أو ثلاثة ، وإذا كان كذلك فإنه يُخشى أن تبدو عورته ؛ لأن الغترة معروفة ما تلم على شيء كثير ، ما أدري إذا كان عبد الله الشريف ، ما تكلم عليه ، على كل حال نقول : الحمد لله هذا مُيسر .
طيب وإذا لبس السراويل بدل الإزار هل عليه فدية ؟ فالجواب : لا .. ليس عليه فدية لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر أن عليه فدية ، وهذا من الرخصة والحمد لله .
( ولا يلبس العمائم ) العمائم لا يلبسها ولا يلبس كذلك ما كان بمعناها مثل الطاقية والغترة والقبعة لا يلبسها ، بل إن الرأس له خاصية غير بقية البدن وهو أنه لا يُغطى بأي شيء ، دليل هذا قصة الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( لا تُخمروا رأسه )) يعني لا تغطوها . إذاً الرأس فيها حديثان :
الحديث الأول أن لا يلبس الإنسان ما اُعتيد لبسه على الرأس وهو العمامة ، هذا الذي في الحديث العمامة وما شابهها .
الثاني أن لا يُغطى ولو لم تجر العادة بلبسه ، أن لا يُغطى بشيء ولو لم تجر العادة بلبسه ، فإن قال قائل : ما تقولون فيما لو حمل عفشه على رأسه ـ والمراد بالعفش المتاع ـ هل يجوز أو لا يجوز؟ منهم من قال لا يجوز، ومنهم من قال يجوز ، ومنهم من فصل قال إن قصد الستر فهو غير جائز لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات )) ومثال ذلك إنسان معه علاقية صغيرة يحملها بيده بدون مشقة ووضعها على رأسه ، هل يحتاج على وضعها على الرأس ؟ لا يحتاج ، إذاً إنما قصد تغطية الرأس وهذا لا يجوز ، إذاً حمل المتاع على الرأس لا يضر لأنه لا يقصد به التغطية غالباً وقد جرت العادة به .
طيب تغطية الرأس بغير ملاصق ، نقول هذا نوعان :
النوع الأول : ما لم يكن متصلاً بالمحرم بل هو ثابت في الأرض فهذا جائز بالإجماع ، مثل الخيمة الشجرة يضع عليها كساءً وما أشبه ذلك . هذا لا أحد يخالف فيه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ضُربت له قبة بنمرة وهو ذاهب إلى عرفة مُحرماً وبقي فيها .
الثاني : أن يكون متصلاً بالمحرم لكن لاحظوا أنه منفصل عن الرأس، متصل بالمحرم لكنه منفصل عن الرأس ، مثل الشمسية والسيارة أو رجل مثلاً معه عصا بيديه وفوقه رداء يحمله على رأسه عن الشمس . فهذه للعلماء فيها قولان : القول الأول أن ذلك ليس بجائز ، وعلى هذا فجميع السيارات الجيمس لا يجوز للمحرمين أن يركبوا فيها إذا كانوا رجالاً إلا أن يكشفوا سطحها ، وهذا هو المشهور من المذهب ، مذهب الحنابلة يرحمهم الله ، لكنه قول ضعيف ، والصحيح أنه لا بأس به .
مثل ذلك أيضاً الشمسية ، المشهور من مذهب الحنابلة أن ذلك غير جائز لأنه اتصل بالمحرم ، ولكن الصحيح خلاف ذلك وأنها جائزة ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُظلل في طريقه من مزدلفة إلى منى صباح العيد ، وهذا يدل على إيش؟ على الجواز . ثم هل هذا تغطية رأس؟ التظليل للرأس هل هو تغطية ؟ لا .. ليس تغطية لأن الرأس ظاهر ما غُطي . فالصواب جوازها . فصارت الأقسام كم ؟ ثلاثة : الملاصق ولا إشكال في منعه ، وغير الملاصق وهو متصل بالمحرم وهو موضع خلاف، وغير ملاصق لكنه منفصل عن المحرم كالخيمة والشجرة وما أشبه ذلك فلا بأس بها بالاتفاق .
سؤال : إذا وصل الحدود السعودية ما ما في ةقت ، ثانياً أنه إذا ركب الطيارة ما يعرف الوقت وما يعرف متى الوصول للمحل؟
الجواب : هذا لبداية إحرامك ، هذا أحسن شيء تلبس الإزار في بيتك بعد ما تغتسل ثم تلبس فوقه الثياب المعتادة ، وإذا كنت في الطائرة قوم حسب العادة والطيران المعتاد أنه خمس وثلاثين دقيقة أو أربعين دقيقة تكون قد حاذيت الميقات ، ذا الحليفة ، فأنت إذا مرت نصف ساعة مثلاً اخلع الثياب والبس الرداء . على أن المضيفين جزاهم الله خيراً ينبهون قبل ثلث ساعة أو عشر دقائق ، فإذا خفت من هذا كله الحمد لله أحرم من حين ما تركب ولا حرج .
سؤال : أحسن الله إليكم ، لبس الفروة بغير إدخال اليدين فيها ؟
الجواب : في مثل هذه القضية هذا ما يجوز لأنها تُلبس على هذا الوجه أحياناً أما لو لبسها وجعل الأكمام أسفل فلا بأس .
سؤال : أحسن الله إليك ، كيف نجمع بين أن السنة أن الإنسان يتطيب قبل الإحرام وبين ما ترجمه المؤلف في باب غسل الخلوق ثلاث مرات ، مع أنه يعني العادة إنه يتطيب بيده ؟
الجواب : هذا لأن الخلوق مر علينا .. لأنه كان في إحرامه ، ربما يصيب لكنه نقول أصلاً لا تلبس الثياب التي فيها طيب، وسيأتيك بعد قليل .
طيب لبس أيضاً السراويلات ، وهو معروف السراويل وسبق أن عائشة رضي الله عنها كانت تُرخص لخدمها بلباس التبان ، وهو سروال قصير ، والصحيح أنه لا يجوز ، وجه ما ذهبت به عائشة أن هذه لا تُسمى سراويل ولكن ظاهر النص العموم وأنه لا فرق بين كون السروال قصير الكمين أو طويل الكمين . ( ولا البرانس ) البرانس هي ثياب واسعة لها شيء يتصل بها يُغطى بها الرأس ، ونص عليها لأنه لا يُطلق عليها اسم القميص فنص عليها لئلا تشتبه . طيب المشلح تُشبه القميص أو تُشبه البرانس ؟ الظاهر أنها للبرانس أقرب لكن لو أنه قلب المشلح وتلفلف به فلا بأس لأنه لا يُعد لابساً له .
( ولا الخفاف ) معروف ( إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين ) اللام في مقابلة ( فليلبس ) للإباحة ؛ لأنها في مقالة للمنع ، وإلا فلا يجب على المحرم أن يلبس لا نعلين ولا خفين ، لكن لما ذكر منع الخفين ذكر الإباحة في هذه الحال ، وقوله : ( من لم يجد نعلين ) يعني لا يجدهما أو لا يجد ثمنهما ؛ لأنه قد يجد النعلين في الأسواق عند المحرم لكن ليس معه ثمن هذا لم يجدها ، أو أنه معه ثمن لكنه لم يجد شيئاً عند المحرم عند الميقات (فليلبس الخفين ) قال : ( وليقطعهما أسفل من الكعبين ) اللام في قوله (فليقطعهما ) للأمر ، وهذا الأمر للوجوب ليس كالأمر في قوله (فليلبس) الأمر في قوله ( فليلبس ) لإيش ؟ ... ( فليقطع ) للوجوب .
إذا قال قائل : لماذا لم تجعلونها لغير الوجوب ؟ قلنا : لأن قطعهما إفساد لهما وإفساد الأموال مُحرم ولا يُمكن أن يُنتهك المحرم إلا بإيش ؟ إلا بواجب . وبناءً على هذه القاعدة استدل بعض العلماء على وجوب الختان لهذه القاعدة ، وقال : الأصل أن قطع شيء من بني آدم إيش ؟ محرم ، فلا يستباح المحرم إلا بواجب . على كل حال هذه القاعدة لا بأس بها .
( وليقطعهما أسفل من الكعبين ) لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين لم يكونا خفين على الإطلاق ، بمعنى لا يقال خُفين بل يُقال خفان مقطوعان .
الآن نحن شرحنا الحديث أظن ، طيب الفوائد :
من فوائد هذا الحديث : تحريم لبس البرانس وما شابهها والخفاف إلا في هذه الصورة .
ومن فوائده أنه إذا جاز لبس الخفين لعدم النعلين وجب قطعهما أسفل من الكعبين ، هكذا دل عليه حديث ابن عمر ، لكن حديث ابن عمر رضي الله عنهما كان في المدينة قبل أن يسافر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة. ورد حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في عرفة وقال : (( من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ولم يجد إزاراً فليلبس السراويل )) في عرفة ولم يذكر القطع ، ومعلوم أن حديث ابن عباس رضي الله عنهما بعد حديث ابن عمر ، صحيح هذا ؟ ليش بعده ؟ لأن هذا قبل أن يسافر وهذا بعد أن سافر . ومعلوم أيضاً أن الحاضرين في عرفة أكثر من الحاضرين في المدينة وأنه لا يُمكن سماع جميعهم قوله وليقطعهما في هذه المدة الوجيزة . وعلى هذا فيكون حديث عبد الله بن عمر منسوخاً بحديث عبد الله بن عباس ؛ لأنه آخر الأمرين . فإن قال قائل : لماذا لا تقولون بحمل المطلق على المقيد ؟ أي حمل حديث ابن عباس على حديث ابن عمر ، كما يجري العادة أن المُطلق يُحمل على المُقيد . فالجواب : أنه لا يُمكن الحمل هنا ؛ لأن حديث ابن عباس متأخر والحاضرون لهذه الخطبة أكثر بكثير والناس سينقلون حديث ابن عباس أكثر من الذين نقلوا حديث ابن عمر لأنهم كل الحجاج ، فلا يمكن أن يكون القطع واجباً ثم لا يُذكر مع دعاء الحاجة إليه في خطبة عرفة . وهذا هو القول الراجح أنه إذا جاز لبس الخفين لعدم النعلين لم يجب القطع .
ومن فوائد هذا الحديث تحريم لبس الثياب المطيبة ، فلو طيب الإنسان إحرامه قبل أن يُحرم ، يعني ثوب الإحرام قبل أن يُحرم قلنا حرام عليك أن تلبسه بعد الإحرام ، واضح ؟ لأنه يمكن أن تغسله ، يغسله ثم يلبسه . وأما قول بعض أهل العلم رحمهم الله إنه يُكره تطييب ثوب الإحرام ويجوز لبسه بعد ذلك . ففيه نظر فالحديث صريح والحديث في سياق الثياب التي لا تُلبس .
ومن فوائد هذا الحديث جواز صبغ الثياب بالورس في غير الإحرام ؛ لأن الأصل في الثياب هو إيش ؟ هو الحل ، فإذا مُنع عن شيء منها في حال معينة بقيت الأحوال الأخرى على الأصل وهو الحل . لكن قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الثوب الأحمر بالنسبة للرجال ، الأحمر الخالص الذي ليس فيه بياض ولا سواد ولا شيء من الألوان ، فإن قال أحدكم أليس قد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في مكة وعليه حلة حمراء ؟ فالجواب : أن هذا اللون المخطط فيها لون أحمر وليست كلها حمراء . وهذا عليه الناس يقولون عليه شماغ أحمر عليه شماغ أسود ، والشماغ ما هو كله أحمر ولا كله أسود .
ومن فوائد هذا الحديث أيضاً تحريم استعمال الزعفران للمحرم ، بمعنى أنه لا يجوز أن يتطيب به ولا بالورس الطيب هذا ، فهل يُقال إن شُرب القهوة التي فيها الزعفران بالنسبة للمحرم حرام أو نقول إذا ذهبت الريح جازت ؟ الجواب الثاني ، يعني إذا طُبخت القهوة التي فيها زعفران حتى ذهب ريح الزعفران نهائياً فإنه يجوز أن يشربها لأنها أصبحت غير طيب ، بمعنى تحولت إلى شراب غير مُطيب .
من فوائد الحديث أنه ينبغي للإنسان المفتي أن يُقلل من الألفاظ ما استطاع ؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم وأقرب إلى الحفظ . وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر ما لا يلبسه المحرم مع أن السؤال على الذي يلبسه ، فاختصر القول في الفتوى لا تطول خصوصاً إذا كان الذي يستفتيك عامياً لا تطول ، لو استفتاك عامي قل : والله المسألة فيها خلاف ، نعم سؤالك إيش كذا وكذا ، هذه مسألة فيها شيء وقول ، فقال الإمام أحمد كذا ، وقال فلان كذا ، وقال فلان كذا ، وقال فلان كذا ، وبعضهم فصل باعتبار حال السائل ، وبعضهم فصل باعتبار الركب ، وبعضهم فصل باعتبار المكان . يروح ما عنده شيء أبداً ويشوش أكثر .
العامي لا تذكر عنده أقوال ، قل هذا حرام هذا حلال ، فيما دلت السنة، ما أجمع الكتاب والسنة على تحليله وعلى تحريمه . نعم لو فُرض أنه قد شاع في البلد قول خلاف الصواب عندك فهنا إذا أفتيته بما ترى أنه صواب فقل : وقال بعض العلماء كذا وكذا ولكن الراجح ما ذكرت لك . لماذا؟ حتى لا يشوش عليه القول الثاني المشتهر في البلد ؛ لأن كثير من العوام إذا سأل العالم وأفتاه بما عنده ثم جلس في مجلس وسمع فتوى خلافها يبقى شاكاً في فتوى العالم ، فإذا أشار إلى أن هناك خلافاً ولكن الراجح ما ذكر زال الإشكال . وهذه كلها من آداب الإفتاء .
إذاً نأخذ من هذا الحديث أنه ينبغي للمفتي أن يُقرب الفتوى للسائل فيقلل الألفاظ ما دام يحصل بها المقصود .
طيب هنا مسائل : ما تقولون في لبس الخاتم ، جائز ؟ جائز لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس الخاتم ، ولم يُذكر أنه كان يضعه عند الإحرام ، وقد نص الفقهاء على جواز لبس الخاتم . لبس السوار جائز أو غير جائز ؟ أما بالنسبة للمرأة فلا يرد عليها هذا السؤال ؛ لأن المرأة لا يحرم عليها هذا اللباس ، بالنسبة للرجل لا يرد لأن الرجل لا يجوز أن يلبس سوار امرأة لكن هنا شيء يشبه السوار وهو الساعة هل يلبسها المحرم أو لا يلبسها ؟ أول ما خرجت هذه الساعات التي تُجعل في اليد حرمها بعض العلماء وما أجازوا للمحرم أن يبلسها ، وهو واضح على قول من يقول إنه يحرم على المحرم لبس المخيط والمحيط . ثم تناقل العلماء رحمهم الله هذه المسألة تراجعوا فيها فقال بعضهم إنها حلال ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لا يلبس كذا ، وهذا ليس مما حذر منه الرسول ، فتكون السنة دالة على الجواز .
ولقد قدموا الحجاج في سنة من السنوات إلى هنا وقالوا لنا إن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يرى إن لبس الساعة حرام ولبس النظارات حرام . تعجبت الشيخ عبد العزيز رحمه الله معروف ليس من الجامدين على المذهب ، فكتبت له كتاباً وقلت له إن الحجاج قدموا إلينا وذكروا عنكم كذا وكذا ، فكتب إليّ كتاباًً قال : وما آفة الأخبار إلا رواتها ونحن لا نقول بهذا وإنما قلنا نظراً للاختلاف الاحتياط أن الإنسان لا يلبسها ، الاحتياط ألا يلبسها الإنسان . هذا من زمان. العامي هو يعرف الاحتياط وغير الاحتياط؟ ما يعرف ، العامي ما قيل في ذهنه هو صواب ليس الأعوج من كل شيء . ولكن لا بأس أن العالم يقول بالاحتياط كما يُفتي به الإمام أحمد وغيره في الشيء الذي لا يرى أنه مباح .
طيب نظارة العين لباس ، ولهذا نقول الناس يلبس نظارة ، هل تحرم على المُحرم أو لا ؟ السؤال ليحيى ويش هي نظارة العين ؟ مثل هذه على كل حال نظارة العين يقولون إنها لباس ، طيب النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يبلس كذا ، هل هي من هذا ؟ لا .. إذاً لا بأس بها ولا نقول الاحتياط تركها بل نقول الاحتياط هو ما دل عليه الكتاب والسنة . طيب سماعة الأذن ماذا تقولون فيها ؟ في من الناس ـ الله يعافينا وإياكم ـ له سماعة داخل الأذن ترفع الأصوات عنده ، تجوز أو لا تجوز ؟ تجوز ، سماعة الأذن هل هذا الحديث دل عليها أو لا ؟ دل عليها ، وجه الدلالة أن الممنوع ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فما عدا ذلك فهو حلال .
وهذا من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الممنوع لأجل أن يقول لأمته كل ما سوى ذلك فهو حلال والحمد لله ، فلا ينبغي للإنسان أن يُضيق على عباد الله ما وسع الله عليهم ، وأنت إذا أخطأت في التوسعة أهون مما إذا أخطأت في التضييق ، أليس كذلك يا جماعة ؟ لأن التوسعة مناسبة لروح الدين الإسلامي . لهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لأن أُخطئ ـ يعني في العقوبة التعزيرية ـ لأن أُخطئ في العفو أحب إلي مما لو أُخطئ في العقوبة . فما دام الأمر واسع يسر على الناس ما استطعت حتى يأخذ الناس الدين عن انشراح صدر وعن طمأنينة قلب ، أما أن تضيق عليهم شيئاً لم يضيقه الله ولا رسوله ، ونحن نعلم أن الله لم يضيق على عباده { ما جعل عليكم في الدين من حرج } احرص على التوسعة ، أما أن تضيق يعني سمعنا واحداً يُفتي الناس بمنى كلما جاءه إنسان وقال له إني أمشي وجزت رجلي ... صغير صغير ... قال : عليك دم . كلما جاءه إنسان قال عليك دم . والله لو أخذوا بهذا القول لبقيت أودية منى كلها دماء تسيل . هذا غلط ، مع أن الناس الآن يفتون مثلاً في الطيب وفي لبس القميص وما أشبه ذلك بأن عليه دم عليه دم ، وهذا غلط ، ويش الذي عليه ؟ إذا قلت يوجب الفدية ويش عليه ؟ فدية أذى يُخير بين صيام ستة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو ذبح شاة .
سؤال : ذكرت أنه لا يجوز شرب القهوة المطيبة بالزعفران ؟
الجواب : هذه تعرفها أنت ؟
السائل : لا .. ما أعرفها .
الجواب : الحكم على الشيء فرع عن تصوره .
السائل : ما أظن أحد يقول إنه يطيب فمه بشرب القهوة بالزعفران ونحن نستخدم الصابون المطيب ، إيش الفرق بين الصابون المطيب والقهوة بالزعفران .
الجواب : الظاهر إنك إما أنك ما تشم أو ما تعرف الزعفران ، تعرفه؟ هل له رائحة الطيب أو لا ؟
السائل : تذهب رائحته بالطبخ ؟
الجواب : لا .. بالطبخ ما يبقى لكن أحياناً يذرون الطيب على القهوة بدون أن يفوحوها فتبقى رائحته ، والصابون المطيب ما يجوز لكن نقول الرائحة التي في الصابون ليست طيباً ، هذا هو الفرق ، وإلا لو ثبت إنها طيب قلنا لا يجوز ، عرفت ؟ ما تعرف ، طيب أين سكنك ؟ خلاص لا بد تجيبوا له قلة قهوة من الزعفران إن شاء الله حتى يشوف ، ولكن تجيبوا المطبوخ الذي ذهب رائحته ، جيب من الذي انتهت ذروا عليها وخليه يشوف ، بعد ما أدري يجيه زكام أو لا ، أخاف ما تشم الليلة .
?????
بسم الله الرحمن الرحيم ، قبل أن نبدأ نبين الآن محظورات الإحرام ، معروفة عند الفقهاء ولا حاجة لتعدادها لكن هذه المحظورات تنقسم إلى أربعة أقسام :
الأول : قسم لا فدية فيه أصلاً .
والثاني : ما فيه جزاء ، يعني ليس فدية معينة بل جزاء .
والثالث : ما فديته بدنة .
والرابع : ما فديته التخيير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة .
هذه أقسام محظورات الإحرام ، أما ما لا فدية فيه فهو عقد النكاح ، عقد النكاح محرم لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ، ولكن يقول الفقهاء إنه لا فدية فيه ، وما فديته جزاؤه الصيد ، قال الله تعالى : { ومن قتله منكم متعمداً فجزاؤه مثل ما قتل من النعم } أي فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم ، وما فديته بدنة الجماع في الحج قبل التحلل الأول ، وما فديته التخيير بقية المحظورات وتُسمى هذه الفدية فدية الأذى أخذاً من قول الله تعالى : { فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } فاضبطوا هذه الضوابط حتى تعرفوها . لو قيل هل على هذا التقسيم دليل ؟ نقول فيه تفصيل : أما عقد النكاح الذي ليس فيه فدية فعليه دليل وهو أن الأصل براءة الذمة والسنة دلت على أنه محرم ولكنها لم تأت له بفدية ، هذا هو، إذا هذا دليلة عدم أو وجود؟ عدم. ما فديته جزاء ثبت في القرآن والسنة. ما فديته البدنة هذا لم يرد في الكتاب والسنة ولكن الصحابة رضي الله عنهم يكادون يجمعون على ذلك وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول. الرابع ما فديته التخيير هل فيه دليل ؟ نقول أما حلق الرأس ففيه دليل بنص القرآن { فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } بقية المحظورات التي فيها هذه الفدية بالقياس على حلق الرأس . وهذا القياس فيه نظر ، وجه النظر : أن حلق الرأس إنما حرُم لأنه يتعلق به نُسك فإن الحلق واجب من واجبات الحج ولو حلقه المحرم لأسقط هذا الواجب ، فلذلك أمر الله تعالى أو أوجب الله عز وجل الفدية فيه ، وهذا مُسلم { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } ما قيس على ذلك ففيه نظر ؛ لأنه لا يتعلق به نُسك . والتعليل بأن حلق الرأس إنما حرُم لأنه ترفه تعليل عليل لأن الترفه في الإحرام ليس حراماً ، أليس المحرم يغتسل ؟ يغتسل ويلبس ثياب الإحرام الجميلة ويجوز أن يبقى في الحجرة المكيفة ويسير في السيارات المكيفة ويجلس في الخيام الناعمة ، وهذا كله ترف فمن قال إن العلة ترف يحتاج إلى أن يثبت هذا ، ثم بعض المحظورات التي ألحقوها بحلق الرأس فيها ترف ظاهر وما فيها ترف ، فالعلة منتقدة .
ولهذا نقول : إنه لا فدية إلا فيما جاء في القرآن أو السنة ، وإلا فليس لنا الحق أن نُلزم عباد الله بإضاعة شيء من أموالهم أو بإنفاق شيء من أموالهم بلا دليل ، وكما ترون هذا تعليل قوي لا مناص منه ، فكما أنه لا يجوز أن نُسقط ما أوجب الله من جزاء الصيد مثلاً فلا يجوز أن نُلزم بما لم يُلزم الله به في مثل لبس القميص والعمامة وما أشبه ذلك . لكن لو قال قائل : ما دام جمهور العلماء على هذا وفيه حماية لهذه المحظورات من أن يتجرأ عليها الحجاج أليس القول به متجهاً ؟ الجواب : بلى القول به متجهاً ، والشرع قد يُتلف المال تعزيراً ، فالغال من الغنيمة يُحرق رحله وما معه ، وكاتم الضالة يُلزم بدفع قيمتها مرتين تنكيلاً له ، ومن سرق ثمراً أو كثراً ضوعفت عليه القيمة ، فالتعزير بالمال أو حماية المحرمات بالمال أمر جاءت به السنة . فلنا أن نقول للناس من فعل شيئاً من هذه المحظورات فعليه فدية ، وكذلك في عقد النكاح الفدية ما لم يكن إجماع على عدمها فالإجماع مسلم وإلا فبدون الإجماع نقول لا فرق بينه وبين المحظورات ، فنحن نتكلم عن هذه المسألة مسألة الفدية في المحظورات من وجهين :
الوجه الأول : من الناحية النظرية . إذا تكلمنا فيها من الناحية النظرية فلا نرى بإيجابها دليلاً إلا بما جاء به الدليل ، أما من الناحية التربوية وحماية الحجاج من انتهاك المحظورات ولاسيما أن أكثر العلماء على هذا الأصل فإنه يسوغ لنا أن نُفتي الناس بوجوب الفدية ، والحمد لله الفدية ما هي صعبة ، صيام ثلاثة أيام متفرقة أو متتابعة في مكة أو في بلده ، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع هذا أيضاً سهل ، كم يكون عنده صاع كم ؟ ثلاثة أصواع سهلة ، ذبح شاة يعني ما فيها صعوبة . لكن أنت إذا قلت للعامي عليك فدية هيبته إنه يفعل المحظورات ولو هي قليلة ، لكن لو تقول له ما عليك إلا التوبة والاستغفار ملأ لك أجواء مكة وجدة والطائف استغفاراً ولكن لا تأخذ منه قرش أو لا ؟
ش 3 ـ وجه ب :
ولهذا لما عثر عامي من العوام وتدمت إصبعه وسلمت النعلة قال الحمد لله إشوّي ولا بالنعلة . لأن النعل عنده أغلى من البدن ، البدن يمشي ويطيل لكن المال مشكل .
على كل حال ما دام في هذا مصلحة وحماية للمحظورات وتهييب للعوام فإنه يسوغ القول به ، وإذا أحب الإنسان أن يحتاط لنفسه وأن لا يقول على الله ما لم ير أنه من شريعة الله فليقل إيش ؟ قال العلماء عليك كذا وكذا. وأرجو أنه بهذه العبارة يسأل من اتبعه لأنه عزاه إلى غيره من أجل هذه المصلحة العظيمة .
وهكذا يقال في ترك الواجب من واجبات الحج والعمرة ، الفقهاء يرون أنه يجب عليه دم ولا فيه تخيير ، فإن لم يجد صام عشرة أيام . ونحن نقول : لا دليل على هذا ، ثم لا دليل على أنه إذا لم يجد فعليه صيام عشرة أيام . غاية ما في ذلك حديث ابن عباس : ( من نسى شيئاً من نسكه أو تركه فليهرق دماً ) . زعم أن بعض العلماء أن مثل هذا القول عن ابن عباس لا مجال للاجتهاد فيه . وعندي أن فيه نظراً وللاجتهاد فيه مجال وهو أن ابن عباس رضي الله عنهما رأى أن حلق الرأس الذي فيه إسقاط واجب فيه فدية لكن على التخيير ، فيكون إذاً ترك الواجب كفعل المحذور الذي يكون فيه إسقاط الواجب فيجب فيه دم . فللرأي فيه مجال ، ومع ذلك ابن عباس رضي الله عنهما يقول : ( شيئاً من نسكه ) وشيئاً نكرة في سياق الشرط ، ولو أخذنا بعمومها لقلنا على الإنسان دم إذا ترك الإشارة إلى الحجر وإذا ترك الهرولة عن عمد الرمل يعني وإذا ترك الاضطباع وما أشبه ذلك ، وما علمت أحداً يقول بهذا أن عليه دم . لكن كما قلت لكم كل شيء يكون به حماية الشعائر ولم يخالف الإجماع بل وافق الأكثر فإنه ينبغي إيش ؟ الأخذ به أو على الأقل الإفتاء به . وهذه من السياسة في تربية العالم للأمة .
مر عليّ أن أحد التابعين سأله ابنه عن مسألة من المسائل نسيتها لأني بطيء العهد بها فأفتاه ، فكأن الابن تصاعب هذا ، فقال : إن لم تفعل وإلا أفتيتك بقول فلان أشد من هذا القول . شوف كيف ؟ تربية ، مع أنه لما أفتاه بالقول الأول يعتقد أنه صواب ، لكن أراد أن يلزم ابنه بالقول الثاني الذي هو أشد إذا لم يفعل .
وربما يكون لهذا شاهد من فعل أمير المؤمنين رضي الله عنه ، الرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً فقال أنت طالق ثلاثاً أو أنت طالق أنت طالق أنت طالق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر فله أن يراجع ، حق شرعي له أن يراجع لأنها لا تبين زوجته بهذا ، فلما كثر الطلاق الثلاث في عهد عمر قال : ( أرى الناس قد تسارعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم ) أمضاه عليهم منع الرجل من حق ثابت له في السنة النبوية والسنة البكرية والسنة العمرية أولاً ، منعه من هذا الحق الثابت له من أجل أن لا يتجرأ الناس على الطلاق ثلاث .
فهذه مسائل ينبغي للعالم والمفتي أن ينتبه لها ، والحمد لله مدح الله عز وجل الربانيين وبين أنهم هم الأحق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال العلماء : الربانيين هم الذين يربون الأمة بالعلم . وهذا منهم ، فلذلك فيما أرى أن إيجاب شيء لم يوجبه الله ورسوله لا يجوز ، لكن إذا كان فيه مصلحة فإنه يسوغ القول به لاسيما إذا كان إيش ؟ إذا كان هو قول الجمهور جمهور العلماء .
أما المحظورات فمنها ما ورد علينا في حديث ابن عمر : لبس الأشياء الخمسة كله من المحظورات . الطيب ابتداءً إيش ؟ من المحظورات ، شم الطيب سبق لنا أنه لا باس به وهو القول الراجح لاسيما عند الحاجة كرجل يريد أن يشتري طيباُ فوقف عند العطار فجعل يشم القارورات لينظر أيها أطيب ، فالصواب أنه لا بأس به ؛ لأن المحرم لم يتلبس به .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، الدليل على أن فعل المحظور الذي فيه فدية خص الرأس بالخصوص ، اقتصر على الرأس ، مع أن يا شيخ من تفيد الحصر على الدليل ؟
الجواب : من تفيد الحصر بس الليلة هذه تفيد الحصر بس الليلة هذه .
السائل : الرأس يا شيخ ؟
الجواب : إي نعم صحيح هذا سؤال أو تقرير ؟
السائل : سؤال يا شيخ ، لكن الآن أقول أستفهم .
الجواب : لا .. قصدي هل تقرر ما قلنا وتؤكده أو تسأل ؟
السائل : أقول إن الذي قلته في الأول هو الذي يدور في خاطري
الجواب : الحمد لله جزاك الله خيراً .
السائل : لأنه خص الرأس بالخصوص ما قال في المحظورات كلها .
الجواب : تمام ، صدقت هذا استدلال طيب .
سؤال : بارك الله فيك ، أشكل عليّ مسألة الزعفران إذا شُرب في القهوة ، ومثله الآن يوجد بعض المشروبات مثل ماء الورد الذي يوضع في المشروبات ؟
الجواب : ومثله أيضاً .............
السائل : لكن يا شيخ أحسن الله إليكم الذي ورد فيه النهي التطييب ، والشرب أو وضعه في الأكل لا يُسمى تطييباً ؟
الجواب : لكن يسمى استعمال مطيب ، ثم هذا الطيب الذي يعلق بالشفتين وإذا كان الإنسان له شارب يعلق بالشارب .
السائل : لو إن واحد مصه مصاً ؟
الجواب : الله المستعان هذه محل نظر ، يعني مثلاً لو أن واحداً جاء بلي وأدخله حتى استقر في المعدة ثم صب من فوقه قهوة فيها زعفران فهذا محل نظر ، هل نقول إن الرجل لم يُطيب كما قال وليد في البارحة ؟ أو نقول هذا تكلف ؟ وأحسن من هذا نقطع الذي أدخله ولا يعود إليه .
سؤال : تركه من باب الاحتياط أو أنه لا يجوز ؟
الجواب : والله أنا أرى أنه صريح ما يجوز أبداً وإلا إذا طُبخت حتى زالت الرائحة .
سؤال : غفر الله لك يا شيخ ، عندي إشكال في إيجاب الفدية في باقي المحظورات غير الرأس من وجهين يا شيخ حفظك الله :
الأول : أن العلم الشرعي يراد تطبيقه في الواقع ، ونحن نرى نظرياً أن هذه المحظورات ليست محظورات ؟
الجواب : لا .. هي محظورات ما فيه إشكال ، المحظور معلوم لكن هل كله فيه فدية ؟ هذا هو موضوع الخلاف . عقد النكاح محظور ومع ذلك ليس فيه فدية عند الفقهاء .
السائل : أقصد غيره مما لا نرى أن فيه محظور ؟
الجواب : إي نعم ، غيره نثبت .
سؤال : يا شيخ إننا نرى أصلاً نظراً أنه لا يوجب فيها فدية فلماذا نوجبها؟
الجواب : كما قلت لك حماية للمحرمات ، وذكرنا مثال عمر رضي الله عنه ، لأنه يشبهه ، لأن الناس لو قيل لهم عليكم التوبة والاستغفار سهل عليهم الأمر وصار هذا يلبس ثوباً جميلاً وهذا يلبس بشت زين ، وصار الناس في الحج كأنهم في يوم العيد كلٌ يتجمل بما شاء .
السائل : إن كان محظوراً نقول محظور لكن ليس فيه فدية .
الجواب : لا .. الفدية أنا قلت لا .. تردع العوام ، بعض العوام لا يهمهم ، إذا سألوا عن شيء نقول عليكم التوبة قالوا بس التوبة ! قال استعن بالله ، وإذا قلنا عليك كذا وكذا ................
سؤال : أحسن الله إليك ، ترك الواجب يا شيخ هو أشد من ارتكاب المحظور ؟
الجواب : لا .. يختلف ، هو من جهة جملة العبادة لا شك ؛ لأن ترك الواجب تختل به البنية بنية العبادة وذات العبادة بخلاف المحظور ، لكن قد يكون فعل المحظور أشد ، مثلاً إذا وطأ في الحج قبل التحلل الأول ترتب عليه الإثم وفساد النسك والفدية ووجوب القضاء والمضي فيه . لكن لو ترك واجباً قلنا عليك الدم وبس .
سؤال : يا شيخ ، إذا ارتكب محظوراً نسياناً أو مُكرهاً ليس عليه شيء ، ولو ترك واجباً ؟
الجواب : يعني الواجبات من مركبات العبادة من هيئة العبادة ، بعض العوام مساكين يظنون أن الإنسان مُخير بين فعل الواجب وبين الفدية ، بين ترك الواجب أو فعل الواجب والفدية ، وهذا غلط ما هو بالخيار ؛ لأن الواجب فعل الواجب لكن لو فات الإنسان بدون تعمد فعليه الفدية على رأي الجمهور . يقول البعض وافق شخصاً في الدوادمي آخر نهار العيد حاجاً من بلد قريب من السعودية ، قال الله يعزيه الله يخلف عليك أنت إن شاء الله على نيتك فاتك الحاج، قال : لا .. أنا حجيت أو ... ، قال لا .. أنا حجيت. كيف حجيت ؟ الحج عرفة ووقفت في عرفة . طيب والباقي عليك ؟ قال الباقي كله وصيت صاحبي يذبح عن كل واجب شاة ! يظن أنه مخير . هذا الرجل وقف بعرفة ثم طاف طواف الإفاضة وسعى يوم العيد ومشى .يا رجل ؟ قال : لنا عن نسائنا شهر الآن ، مساكين إي نعم .
بالنسبة لإتيان المحظورات نقول فاعل المحظور ينقسم أيضاً على ثلاثة أقسام :
الأول : أن يفعله متعمداً بلا عذر ولا حاجة ، فهذا عليه ما سمعتم .
الثاني : أن يفعله متعمداً لحاجة إليه ، فهذا لا إثم عليه لكن عليه الفدية كمن حلق رأسه من أذى فعليه الفدية .
الثالث : أن يفعله ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فهذا لا إثم عليه ولا فدية . كل المحظورات هذه ، والأدلة والحمد لله واضحة .
سؤال : يا شيخ أحسن الله إليك ، عائشة رضي الله عنها كانت ترحل على هودج هل يصح هذا دليلاً على جواز تغطية الرأس للمرأة ؟
الجواب : إي ما يخالف ، المرأة تغطي رأسها .
السائل : والرجل كذلك يكون في السيارة .......؟
الجواب : لا .. الرجل ما يجوز أن يغطي رأسه . الفقهاء ناصين أنه ما يجوز أن الرجل يركب الهودج .
سؤال : بارك الله فيك ، الذي يقرأ في كلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين يرى أنهم يقولون لفظة الإهلال ، والعلماء يقولون الإحرام ؟
الجواب : كيف الإهلال ؟
السائل : مثلاً الحديث : أهَلَّ النبي صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب : إي أهَلَّ يعني لبى ، الإهلال يعني رفع الصوت بالتلبية .
سؤال : يا شيخ بارك الله فيك ، ما حكم وضع كمامات على الفم للمحرم ؟
الجواب : لا بأس به .
السائل : والقطن في الأذن ؟
الجواب : لا بأس به أيضاً ؛ لأن حديث ابن عباس : (( لا تخمروا رأسه ولا وجهه )) الزيادة هذه ذكر كثير من العلماء إنها شاذة ، فمن صححها قال لا يُغطى الوجه ، ومن قال إنها شاذة لم يعمل بها .
سؤال : أحسن الله إليكم ، قلتم لمنع الناس من المحظورات إذا رأى المفتي من نفسه أو من المستفتي أنه ليس مهملاً إنما وقع جهلاً أو غير الجهل والنسيان ........؟
الجواب : لا .. ليس له ذلك لأنه لو أفتاه وجاء شخص آخر حاله كحاله وأفتاه بلزوم الفدية نقول له ليس إيش الفرق بيني وبين زيد ؟
السائل : للعلة يا شيخ ؟
الجواب : لا .. العلة خفية هذه ما هي بواضحة .
سؤال : حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، بعض العلماء يقول ( الخلفاء ) هذه عامة ، فلماذا لا تقولون السنة المتبعة هي سنة جميع الخلفاء وتحملوها على لفظ الحديث عام فلماذا تخصصون هذه السنة في خليفة واحد ؟
الجواب : لم نخصها بخليفة واحد .
السائل : لماذا تخصصون السنة على فعل خليفة واحد ؟
الجواب : لم نخصصها بخليفة واحد الرسول ما أراد بهذا الجمع أن يجتمعوا عليها ، أراد سنتهم أي سنة الواحد منهم ، ما أراد لا بد أن يجتمعوا عليها .
سؤال : هناك بعض القبعات تكون مثل العصابة عرضها على قدر الإصبع .....؟
الجواب : هذا سير ؟ ما يجوز ، لا يجوز تغطية الرأس لا بسير ولا بطاقية ولا شماغ ولا شيء .
سؤال : أشكل عليّ أن الإنسان لا يلزمه أن يلبس الإحرام وهو مُطيب فكيف يجوز له أن يضعه على بدنه وإذا وضعه على بدنه ولبس الإحرام سيصبه من الطيب ؟
الجواب : أشكل عليك ؟
السائل : أحد الأخوة نقل لي أنكم تقولون إن الإنسان لا يتطيب إلا في رأسه ولحيته فقط ؟
الجواب : ما دامت السنة جاءت بالفرق فيكفي ، السنة تأتي بالفرق بين تطييب البدن وتطييب الثياب ، لكن إذا قُدر أنه بعد أن لبس الرداء ووضعه على كتفه لابد أن يمس لحيته وفيها طيب هذا لايضر .
السائل : يجوز له أن يتطيب في جميع البدن ؟
الجواب : إي نعم .
سؤال : على قول جمع ابن عباس بأن النبي صلى الله عليه وسلم لبى ثلاث مرات ، ما الحكمة من ذلك ؟
الجواب : إيش الحكمة ؟ أصلاً التلبية تُكرر من حين لبى الإنسان إلى أن يبتدئ الطواف في العمرة أو يرمي جمرة العقبة .
سؤال : الحجاج في الخيام إذا كان العدد كبير البعض ما يستطيع أن ينام في إضاءة فيغطي وجهه ؟
الجواب : إذا غطى الوجه فلا بأس ، يغطي وجهه فقط .
السائل : ولو جاء الغطاء على رأسه ؟
الجواب : إذا جاء في حال النوم ما يضر لأنه نائم فليس عليه حرج لكن أنا أشك في أنه يغطي الوجه بدون رأسه .
السائل : بعضهم يضع الإحرام نفسه نفس الرداء .
الجواب : إي لكن ما يغطي الرأس . طيب ما يمكن يحط نظارة سوداء ؟! ... ما يمكن .
السائل : في قماشات الآن يا شيخ مثل الكمامة .
الجواب : في ظني إذا غطى وجهه بغير منديل سيغطي الرأس ، والمنديل أيضاً أي حركه تزول.
سؤال : من احتاج تغطية الرأس مدة طويلة فماذا عليه ؟
الجواب : إذا قلنا بالقول الذي ليس فيه فدية فليس عليه فدية ، جائز أن يغطي رأسه ولا فدية عليه كما ذكرنا لكن المفتى به أن عليه فدية أذى .
السائل : واحدة ؟
الجواب : إي واحدة . ما دام إنه يفدي لهذه العلة ، أما لو برئ وقد فدى برأت ثم احتاج مرة ثانية فعليه فدية ثانية وإن لم يفد عن الأولى كفاه فدية واحدة عن الثنتين لأن الموجب واحد .
سؤال : أثابكم الله إذا فعل محظورين ولم يفدي في الأول هل يفدي ؟
الجواب : إذا كانا من جنس الأول كفاه فدية واحدة ، وإن اختلفا كالجماع مثلاً والطيب فلكل فديته .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، تغطية الرأس عند الحاجة كثل من عنده مرض في رأسه أو مطر أو برد ؟
الجواب : الحاجة تختلف ، يعني إما برد أو وجع أو شمس ، المهم أن يضطر يغطي رأسه .
السائل : من احتاج يا شيخ يغطي رأسه لحاجة تختلف يا شيخ ، ضرورية وغير ضرورية ؟
الجواب : لا .. الحاجة غير ضرورية .
سؤال : إن أصاب الطيب بيده من الكعبة أثناء الطواف هل نأمره بالخروج ليغسل يديه ثلاثاً ؟
الجواب : لا .. أحسن شيء نقول له امسح الطيب في كسوة الكعبة .
السائل : حديث يعلى بن أمية ما يدل على وجوب الغسل ؟
الجواب : لا .. بس هذا عن عمد وربما تختلف الأطياب بعضها يكفيه المسح ، وبعضها لا بد أن يُغسل ، تختلف .
سؤال : إذا كان الشخص في حال النوم غطى رأسه هل يخلى أم يُرفع عنه اللحاف ؟
الجواب : ارفعه عنه لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى ، مثل ما لو رأيت صائماً يأكل ويشرب ناسياً ذكره .
سؤال : يا شيخ أحسن الله إليك ، انتشر بين الواعظين يقولون إذا حج الإنسان بمال حرام حين يقول لبيك اللهم لبيك يناديه مناد أن لا لبيك ولا سعديك وحجك هذا مردود عليك ؟
الجواب: فيه حديث لكنه ضعيف. والصواب أن الحج صحيح مع الإثم
?????
طيب إذا كان يحتاج على إتيان محظور فعله وعليه الفدية واستدل بالقرآن في قصة حلق الرأس ، لكن لو احتاج إلى أكل وبين يديه غزال هل يجوز أن يذبح الغزال ليُنقذ حياته أو لا يجوز ؟ نعم يجوز لأن الإنسان إذا اضطر إلى المحرم جاز له ، طيب إذا جاز هل عليه جزاؤها أو لا ؟ من العلماء من يقول عليه جزاؤها لأنه إنما صادها لنفسه فعليه الجزاء ، ومنهم من يقول لا جزاء عليه لأن الله أحلها فصارت الآن لا حرمة لها . وهذا أقرب على الصواب والأول أحوط .
طيب إنسان عنده أرنب حية وأرنب ميتة وهو محرم فماذا يصنع هل يأكل الميتة أو يأكل الحية ؟ الصحيح أنه يأكل الحية ، وبعض العلماء يقول يأكل الميتة خصوصاً عند من يرى أنه إذا أكل الحية وجب عليه الفدية أو واجب عليه الجزاء ، ولكن الصحيح أنه يأكل الحية . طيب إنسان عنده أرنب حية وأرنب ميتة وهرة حية أيهما يأكل؟ الأرنب الحية صح ، بارك الله فيكم .


21 ـ بَاب الرُّكُوبِ وَالارْتِدَافِ فِي الحَجِّ
1443 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ الأَيْليِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا أَنَّ أُسَامَةَ رضي الله عنه كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ مِنْ عَرَفَةَ إِلى المُزْدَلفَةِ ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْل مِنَ المزْدَلفَةِ إِلى مِنًى قَال فَكِلاهُمَا قَال لمْ يَزَل النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ يُلبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ(1)
__________
(1) قال المؤلف رحمه الله : ( باب الركوب والارتداف في الحج ) كأنه يرى والله أعلم إلى أن المشي أفضل ، الحج ماشياً أفضل ، والمسألة فيها خلاف بين العلماء هل الأفضل أن يحج راكباً أو الأفضل أن يحج ماشياً ؟ وهذا الخلاف في زمنهم رحمه الله الذي يركب الإنسان فيه براحة وينزل براحة وكذلك في المشي ، لكن في وقتنا الحاضر أيهما أصعب المشي أو الركوب ؟ أحياناً الركوب ، أحياناً يدفع الناس من عرفة إلى مزدلفة لا يصلونها إلا الصباح وهذا وقع قبل خمس سنوات ، الآن والحمد لله خفت لأن الحكومة وفقها الله فتحت طرقاً كثيرة . فهنا الركوب أصعب وأحياناً بالعكس ، فهل نقول الأفضل الركوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكباً أو الأفضل المشي لأن الإنسان حر في نفسه ويتصرف كما شاء ؟ نرى أن الركوب والمشي في حد ذاته ليس بينهما تفوات لكن الكلام على راحة الحاج فما كان أيسر له وأقوم لعبادته فهو أفضل .

وقوله : ( الارتداف ) أيضاً الارتداف على الدابة في الحج وغيره إذا كانت تطيق هذا فلا بأس به فقد ردف معاذ بن جبل رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على حمار ، وهذه قصة في الحج أردف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسامة بن زيد مولى من الموالي من عرفة إلى مزدلفة ، وأردف من ؟ الفضل بن عباس وهو من صغار أهل البيت حين دفع من مزدلفة إلى منى ، وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام ، لم يُردف كبار القوم مع أن كل واحد يتمنى أن يكون رديفه لكن من تواضعه أردف في الأول مولى من الموالي وفي الثاني صغير من الصغار . وقد كان عليه الصلاة والسلام لا يُقال بين يديه إليك إليك ولا طرد ولا ضرب ، وحج على جمل غث صلوات الله وسلامه عليه ، ولهذا أدرك الناس كيف حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .


22 ـ بَاب مَا يَلبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ
وَلبِسَتْ عَائِشَةُ رضي الله عَنْهَا الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ وَقَالتْ لا تَلثَّمْ وَلا تَتَبَرْقَعْ وَلا تَلبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلا زَعْفَرَانٍ . وَقَال جَابِرٌ لا أَرَى المُعَصْفَرَ طِيبًا وَلمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالحُليِّ وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ وَالمُوَرَّدِ وَالخُفِّ للمَرْأَةِ وَقَال إِبْرَاهِيمُ لا بَأْسَ أَنْ يُبْدِل ثِيَابَهُ(1)
__________
(1) كل هذا آثار واضحة ، من أين يكون قول إبراهيم النخعي رحمه الله لا بأس أن يبدل المحرم ثيابه سواء لوسخ أو لتمزق أو لغير ذلك . وما اشتهر عند العامة أن المحرم لا يُغير الثياب سواء كان رجلاً أو امرأة فلا أصل له ، ما دام الإنسان غيّر الثوب الأول إلى ثوب آخر يجوز لبسه في الإحرام فلا حرج .


1444 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُليْمَانَ قَال حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَال أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا قَال انْطَلقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّل وَادَّهَنَ وَلبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ تُلبَسُ إِلا المُزَعْفَرَةَ التِي تَرْدَعُ عَلى الجِلدِ (1) فَأَصْبَحَ بِذِي الحُليْفَةِ رَكِبَ رَاحِلتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلى البَيْدَاءِ أَهَل هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلدَ بَدَنَتَهُ(2) وَذَلكَ لخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ(3)
__________
(1) قوله : ( ولم ينه عن شيء من الأردية والأزر ) يدل هذا على أن الإزار وإن خيط بدلاً من أن يُلف خيط فإنه يجوز؛ لأنه لا زال يُسمى إزاراً، ولا دليل على المنع، وكما أسلفنا لكم أن قول إنه يتجنب لبس المخيط ليس بصحيح؛ لأنه أُثر عن إبراهيم النخعي رحمه الله وليس بمضطرد .
(2) قلد بدنته ) قلدها يعني جعل عليها قلادة تدل على أنها هدي ، هذه القلادة يقيدون فيها النعال المتقطعة آذان القرب البالية وما أشبه ذلك ، إشارة إلى أن هذه هدي للفقراء ، والتقليد هذا سنة لما فيه من إظهار الشعائر حتى تمر هذه الإبل وهي قد عُرف أنها هدي .
(3) وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ) متى تكون ؟
طالب : خمس وعشرين .

الشيخ : لكن بأي يوم ؟ الجمعة تسع من ذي الحجة ، هو خرج من المدينة يوم السبت عليه الصلاة والسلام .


فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ ليَالٍ خَلوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ(1) فَطَافَ بِالبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَلمْ يَحِل مِنْ أَجْل بُدْنِهِ لأَنَّهُ قَلدَهَا ثُمَّ نَزَل بِأَعْلى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالحَجِّ وَلمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ(2) وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ(3) ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا وَذَلكَ لمَنْ لمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلدَهَا وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لهُ حَلالٌ وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ(4)
__________
(1) القعدة ) الأفصح الفتح ، و( الحجة ) الأفصح الكسر ، ويجوز كسرهما ورفعهما ولكن الكلام على الأفصح . متى الرابع من ذي الحجة ؟ يوم الأحد ، صار مسيره تسعة أيام صلى الله عليه وسلم .
(2) عند الحجون ) معروف الآن تسمى عند العامة هي الحجول باللام وتسمى الأبطح ، نزل هناك ، يقول رضي الله عنه : ( ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة ) ففيه دليل على أنه ينبغي للحاج أن لا يطوف بالكعبة إلا طواف النسك فقط تأسياً بمن ؟ برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولمصلحة أخرى وهي إخلاء المطاف لمن احتاج إليه من القادمين . وهكذا يقال أيضاً في العمرة إذا كثر الناس فالأفضل أن لا يُكرر الطواف يقتصر على طواف النسك فقط .
(3) قوله : ( بين الصفا والمروة ) أفاد أنه لا يجب صعود الصفا ولا المروة ؛ لأن البينية بين الشيئين تقتضي خروجهما عن المسافة ، وهو كذلك لا يجب الصعود لا على الصفا ولا على المروة ولكن الأفضل الصعود حتى يرى الكعبة كما جاءت به السنة .
(4) قال : ( ثم يقصروا رءوسهم ) أمر بالتقصير هنا مع أن الحلق أفضل وذلك من أجل أن يبقى الحلق للحج ؛ لأنهم قدموا في اليوم الرابع ، لو حلقوا رءوسهم ما بقي شيء للحج . وعليه فيقال : الأفضل في العمرة الحلق إلا المتمتع إذا قدم متأخراً فالأفضل أن يُقصر لأجل أن يبقى للحج . ويؤخذ من هذا فائدة عظيمة وهو أن ترك الفاضل لما هو أفضل منه جائز ، ومن ذلك لو نذر الإنسان أن يصلي في مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم صلى في المسجد الحرام يجوز أو لا يجوز ؟ يجوز .


23 ـ بَاب مَنْ بَاتَ بِذِي الحُليْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ
قَالهُ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ
1445 حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكٍ رضي الله عنه قَال صَلى النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَبِذِي الحُليْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُليْفَةِ فَلمَّا رَكِبَ رَاحِلتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَل(1)
1446 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُالوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وَسَلمَ صَلى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَصَلى العَصْرَ بِذِي الحُليْفَةِ رَكْعَتَيْنِ قَال وَأَحْسِبُهُ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ(2)
24 ـ بَاب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإِهْلال
__________
(1) تعليق من فتح الباري ج: 3 ص: 407 :
قوله حدثني بن المنكدر كذا رواه الحفاظ من أصحاب بن جريج عنه وخالفهم عيسى بن يونس فقال عن بن جريج عن الزهري عن أنس وهي رواية شاذة . قوله وبذي الحليفة ركعتين فيه مشروعية قصر الصلاة لمن خرج من بيوت البلد وبات خارجا عنها ولو لم يستمر سفره واحتج به أهل الظاهر في قصر الصلاة في السفر القصير ولا حجة فيه لأنه كابتداء سفر لا المنتهى وقد تقدم البحث في ذلك في أبواب قصر الصلاة وتقدم الخلاف في ابتداء إهلاله صلى الله عليه وسلم قريبا .
الشيخ : لهذا يبدو أنه صلى الظهر يوم السبت في المدينة ثم خرج وصلى العصر ركعتين ، هذا ما يظهر لي ولكن يحتاج إلى المراجعة .
(2) هو قد جزم في السياق الأول بأنه بات حتى أصبح .


1447 حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَال صَلى النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالعَصْرَ بِذِي الحُليْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا(1)
__________
(1) بهما ) أي بالحج والعمرة . وفي هذا دليل على أن الإنسان يرفع صوته عالياً بالتلبية وأنه يسمي نسكه فيقول لبيك عمرة إن كان في عمرة أو لبيك حجاً إن كان في حج أو لبيك حجاً وعمرة إن كان في حج وعمرة . ومن المؤسف أنه تمر بك القوافل الكثيرة لا تسمع أحداً يلبي مع العلم أنه من الشعائر وإذا لبيت فإنه لا يسمع تلبيتك شجر ولا حجر إلا شهد لك . فأحثكم أنتم طلاب العلم على رفع الصوت بالتلبية وأن تبينوا للناس أن هذا من السنة التي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعلها وأصحابه يفعلونها ويقرهم .
سؤال : بارك الله فيك ، تسمية النسك يعني المعتاد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ، فكيف يدخل هذا فيها ؟
الجواب : إذا انتويت تقول لبيك عمرة .
السائل : وإذا تكرر ؟
الجواب : نعم كررها كما تكرر التلبية .
سؤال : المتمتع إذا حلق ماذا يفعل يوم العاشر ؟
الجواب : حلق للعاشر ؟
السائل : لا .. حلق للعمرة والأفضل أنه يُقصر ، فإذا حلق ؟
الجواب : الأفضل للمتع أن يُقصر فإذا حلق يحلق يوم العيد .
السائل : يوم العيد ما يجد شيئاً .

الجواب : لكن فيه لا بد أنه ينبت ، الشعر تراه يتبين خلال يوم وليلة ، فهمت ؟ يكفي أن يمر الموسى على هذا ، صحيح الأصلع الذي ما له شعر أصلاً ماذا يفعل عند الحلق ؟ قال بعض العلماء : يمر الموسى على رأسه . وإيش يقعد يكشع الرأس ، أو يعتبر هذا القول من الأقوال الغريبة ، ما الفائدة ؟ قالوا : وعلى ذلك يُحرك الأخرس لسانه عند القراءة بالفاتحة . الأخرس ما يتكلم ، يقولون هذا يُحرك لسانه وشفتيه . وإيش الفائدة من هذا؟ المهم أن بعض العلماء رحمهم الله يقول أقوالاً تكون بعيدة من الصواب .
ش4 ـ وجه أ :
سؤال : أحسن الله إليك يا شيخ ، الدليل على تكرار الإهلال بنوع النسك مع التلبية ؟
الجواب : هذا الحديث حديث أنس .
السائل : الحديث الذي في التلبية أنه ما يسمعه شجر ولا حجر إلا شهد له يؤخذ من هذا على أن المشي أفضل من الركوب لأن السيارة تمر بسرعة في الوقت الحاضر ؟
الجواب : لا .. إذا صارت السيارة مفتوحة أشد صوتاً ، جرب هذا إن شاء الله ، وإن حججت هذه السنة علمنا بالنتيجة ، السيارة تروح أبعد من ما يروح الماشي .


25 ـ بَاب التَّلبِيَةِ
1448 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهمَا أَنَّ تَلبِيَةَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ لبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لبَّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لكَ وَالمُلكَ لا شَرِيكَ لكَ(1)
__________
(1) طيب الآن التلبية تعرفون معناها ولا حاجة لتفسيرها ؟ ( لبيك ) بمعنى إجابة لك ، والمراد بالتثنية هنا التكرار لا حقيقة التثنية فيقول أجبت إجابة بعد إجابة ، وقوله ( اللهم ) يعني يا الله ( لبيك ) تكرار لكن تكرار لفائدة وهو تكرار إجابة الله عز وجل ( لبيك لا شريك لك لبيك ) هذا فيه الإخلاص لله عز وجل وأنك تلبي لله لا لغرض آخر ( إن الحمد والنعمة ) (إِن) وقيل (أَن) ، والصواب (إِن) ، لأن (إِن) أعم إذا أن المفتوحة يكون التقدير لبيك لأن النعمة لك ، وإذا كسرت صارت (إن) استنادية فتكون أعم ( إن الحمد والنعمة لك والملك ) الحمد : يعني الوصف الجميل مع المحبة والتعظيم ، وقوله ( النعمة ) يشمل نعمة الدين والدنيا ومنها أن الله أنعم عليك بإيصالك إلى هذه الأماكن الشريفة ، ( والملك ) يعم كل ما في السماوات والأرض كل الملك لله عز وجل ، وقوله ( لك والملك لا شريك لك ) كقوله في الأول ( لبيك لا شريك لك ) لكن في الأول من باب توحيد الألوهية والثاني من باب توحيد الربوبية ، ولهذا سمى جابر رضي الله عنه هذا بالتوحيد فقال رضي الله عنه : ( أهل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتوحيد لبيك اللهم لبيك ) .


1449 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عَنْهَا قَالتْ إِنِّي لأَعْلمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ يُلبِّي لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ لبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لبَّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لكَ تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ . وَقَال شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا سُليْمَانُ سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عَنْهَا(1)
26 ـ بَاب التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ قَبْل الإِهْلال
عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلى الدَّابَّةِ
__________
(1) هذا كحديث ابن عمر إلا أنه فيه نقص كقوله هنا مثلاً ( لا شريك لك ) .


1450 حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَال صَلى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالعَصْرَ بِذِي الحُليْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلى البَيْدَاءِ حَمِدَ اللهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَهَل بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَل النَّاسُ بِهِمَا فَلمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالحَجِّ قَال وَنَحَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا وَذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلحَيْنِ قَال أبو عَبْد اللهِ قَال بَعْضُهُمْ هَذَا عَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَنَسٍ(1)
__________
(1) بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا الحديث فيه زيادة على التلبية أنه بين يد التلبية يسبح الله تبارك وتعالى ويُكبر ثم يُهل فيقول : سبحان الله ، الله أكبر ، لبيك اللهم لبيك . وسبق هل يُلبي من حين أن يصلي إذا كان يصلي ، أو إذا استوى على راحلته ، أو إذا استوى على البيداء بالنسبة لذي الحليفة ؟ وقلنا الراجح أنه يلبي من حين ما يغتسل ويصلي إذا كان هناك صلاة ثم يلبي ، ويليه أن يلبي إذا ركب ، وأما الانتظار إلى البيداء فقد وردت الأحاديث الصحيحة بأنه يلبي قبل ذلك . فأنت من حين ما تُحرم لب.
وفي هذا الحديث عدة مسائل ذكرها الراوي ، منها :

أنه أهلَّ بحج وعمرة ، أي قارناً ، قال الإمام أحمد رحمه الله : ( لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً والمتعة أحب إلي ) والأحاديث الواردة في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم مختلفة في اللفظ لكنها متفقة في المعنى ، وقد جمع بينها العلماء رحمهم الله قالوا : فالأحاديث التي فيها أنه أفرد يعني أنه فَعَل فِعْل المفرد لم يأت بعمرة مستقلة بينها وبين حجه إحلال . ومن قال إنه تمتع أراد أنه أجزأه ما يُجزئ المتمتع من العمرة والحج في سفر واحد. ومن قال إنه كان قارناً فهذا هو الواقع أنه كان قارناً كما قال الإمام أحمد رحمه الله إمام أهل السنة : ( لا أشك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حج قارناً والمتعة أحب إلي ) .
والمتعة أن يُحرم أولاً بالعمرة ثم يُحل منها إحلالاً كاملاً ثم يُحرم بالحج يوم التروية . وورد في حديث أنس بقوله : ( فَلمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالحَجِّ ) ومراده بالناس هنا الذين لم يسوقوا الهدي وأما الذين ساقوا الهدي فإنهم لم يحلوا ، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( لولا أنني معي الهدي لأحللت معكم )) .
ومن فوائد الحديث أيضاً أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نحر بدنات بيده قياماً ولم يبين عددها ، لكن في صحيح مسلم من حديث جابر أن عددها كان ثلاثاً وستين بعيراً وكان الذي أهداه مائة فنحر ثلاثاً وستين بعيراً وأعطى علي أبي طالب ونحر الباقي . قال أهل العلم : وفي هذا أمر نفيسه وهو أنه كانت الإبل التي نحرها بقدر سنين عمره عليه الصلاة والسلام ؛ لأن عمره كان ثلاثاً وستين سنة .
وقوله ( قياماً ) هذا هو الأفضل في الإبل أن تُنحر قياماً ، فإن لم يُحسن كما هو حال غالب الجزارين ذبحها باركة مقيدة .
وقوله ( ذبح النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة كبشين أملحين ) يعني هذا في عيد الأضحى .


27 ـ بَاب مَنْ أَهَل حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلتُهُ
1451 حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَال أَخْبَرَنِي صَالحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهمَا قَال أَهَل النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلتُهُ قَائِمَةً
28 ـ بَاب الإِهْلال مُسْتَقْبِل القِبْلةِ
وَقَال أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُالوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ قَال كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهمَا إِذَا صَلى بِالغَدَاةِ بِذِي الحُليْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلتِهِ فَرُحِلتْ ثُمَّ رَكِبَ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَل القِبْلةَ قَائِمًا ثُمَّ يُلبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الحَرَمَ ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ فَإِذَا صَلى الغَدَاةَ اغْتَسَل وَزَعَمَ أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ فَعَل ذَلكَ تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ فِي الغَسْل(1)
__________
(1) قوله رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لا يوجب بهذا جميع ما سبق ؛ لأنه من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل يلبي حتى رمي الجمرة يوم العيد وأنه لم يقطع التلبية لأنه كان قارناً . وأما استقبال القبلة قائماً فهذا يحتاج إلى كلام في الشرح
تعليق من فتح الباري ج: 3 ص: 413 :

قوله باب الإهلال مستقبل القبلة زاد المستملي الغداة بذي الحليفة وسيأتي شرحه . قوله إذا صلى بالغداة أي صلى الصبح بوقت الغداة وللكشميهني إذا صلى الغداة أي الصبح قوله فرحلت بتخفيف الحاء قوله استقبل القبلة قائما أي مستويا على ناقته أو وصفه بالقيام لقيام ناقته وقد وقع في الرواية الثانية بلفظ فإذا استوات به راحلته قائمة وفهم الداودي من قوله استقبل القبلة قائما أي في الصلاة فقال في السياق تقديم وتأخير فكأنه قال أمر براحلته فرحلت ثم استقبل القبلة قائما أي فصلى صلاة الإحرام ثم ركب حكاه بن التين قال وإن كان ما في الأصل محفوظا فلعله لقرب إهلاله من الصلاة انتهى ولا حاجة إلى دعوى التقديم والتأخير بل صلاة الإحرام لم تذكر هنا والاستقبلال إنما وقع بعد الركوب وقد رواه بن ماجه وأبو عوانة في صحيحه من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ كان إذا أدخل رجله في الغرز واستوت به ناقته قائما أهل قوله ثم يمسك الظاهر أنه أراد يمسك عن التلبية وكأنه أراد بالحرم المسجد والمراد بالإمساك عن التلبية التشاغل بغيرها من الطواف وغيره لا تركها أصلا وسيأتي نقل الخلاف في ذلك وأن ابن عمر كان لا يلبي في طوافه كما رواه بن خزيمة في صحيحه من طريق عطاء قال كان ابن عمر يدع التلبية إذا دخل الحرم ويراجعها بعد ما يقضي طوافه بين الصفا والمروة وأخرج نحوه من طريق القاسم بن محمد عن ابن عمر قال الكرماني ويحتمل أن يكون مراده بالحرم منى يعني فيوافق الجمهور في استمرار التلبية حتى يرمي جمرة العقبة لكن يشكل عليه قوله في رواية إسماعيل بن علية إذا دخل أدنى الحرم والأولى أن المراد بالحرم ظاهره لقوله بعد ذلك حتى إذا جاء ذا طوى فجعل غاية الإمساك الوصول إلى ذي طوى والظاهر أيضا أن المراد بالإمساك ترك تكرار التلبية ومواظبتها ورفع الصوت بها الذي يفعل في أول الإحرام لا ترك التلبية رأسا والله أعلم .
قوله ذا طوى بضم الطاء وبفتحها وقيدها الأصيلي بكسرها واد معروف بقرب مكة ويعرف اليوم ببئر الزاهر وهو مقصور منون وقد لا ينون ونقل الكرماني أن في بعض الروايات حتى إذا حاذى طوى بحاء مهملة بغير همز وفتح الذال قال والأول هو الصحيح لأن اسم الموضع ذو طوى لا طوى فقط قوله وزعم هو من إطلاق الزعم على القول الصحيح وسيأتي من رواية بن علية عن أيوب بلفظ ويحدث قوله تابعه إسماعيل هو بن علية قوله عن أيوب في الغسل أي وغيره لكن مقصود الترجمة لأن هذه المتابعة وصلها المصنف كما سيأتي بعد أبواب عن يعقوب بن إبراهيم حدثنا بن علية به ولم يقتصر فيه على الغسل بل ذكره كله إلا القصة الأولى وأوله كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية والباقي مثله ولهذه النكتة أورد المصنف طريق فليح عن نافع المقتصرة على القصة الأولى بزيادة ذكر الدهن الذي ليست له رائحة طيبة ولم يقع في رواية فليح التصريح باستقبال القبلة لكنه من لازم الموجه إلى مكة في ذلك الموضع أن يستقبل القبلة وقد صرح بالاستقبال في الرواية الأولى وهما حديث واحد وإنما احتاج إلى رواية فليح للنكتة التي بينتها والله أعلم وبهذا التقرير يندفع اعتراض الإسماعيلي عليه في إيراده حديث فليح وأنه ليس فيه للاستقبال ذكر قال المهلب استقبال القبلة بالتلبية هو المناسب لأنها إجابة لدعوة إبراهيم ولأن المجيب لا يصلح له أن يولي المجاب ظهره بل يستقبله قال وإنما كان بن عمر يدهن ليمنع بذلك القمل عن شعره ويجتنب ما له رائحة طيبة صيانة للإحرام .
الشيخ : المشكل يكون إذا أراد يلبي أن يستقبل القبلة ، هل نقول إذا أردت أن تُحرك اتجه إلى القبلة ويكون هذا مشروعاً أو نقول هي مصادفة لأن الذي يتجه إلى مكة من أي مكان يكون مستقبل القبلة ؟ فإذا استوت به راحلته وأراد ينطلق فقد استقبل القبلة ، وهذه لم أعلمها مكتوبة عند الفقهاء .


1452 حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا فُليْحٌ عَنْ نَافِعٍ قَال كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهمَا إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ ليْسَ لهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الحُليْفَةِ فَيُصَلي ثُمَّ يَرْكَبُ وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ ثُمَّ قَال هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وَسَلمَ يَفْعَلُ(1)
29 ـ بَاب التَّلبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي
1453 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَال حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَال كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا فَذَكَرُوا الدَّجَّال أَنَّهُ قَال مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ لمْ أَسْمَعْهُ وَلكِنَّهُ قَال أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِليْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلبِّي(2)
__________
(1) يعني ولم يذكر صفاته .
(2) وادي ذي الحليفة أو وادي إيش ؟ اقرأ في الفتح .
تعليق من فتح الباري ج: 3 ص: 414 :

قوله باب التلبية إذا انحدر في الوادي أورد فيه حديث بن عباس أما موسى كأني أنظر إليه إذا انحدر إلى الوادي يلبي وفيه قصة وسيأتي بهذا الإسناد بأتم من هذا السياق في كتاب اللباس وقوله أما موسى كأني أنظر إليه قال المهلب هذا وهم من بعض رواته لأنه لم يأت أثر ولا خبر أن موسى حي وأنه سيحج وإنما أتى ذلك عن عيسى فاشتبه على الراوي ويدل عليه قوله في الحديث الآخر ليهلن ابن مريم بفج الروحاء انتهى وهو تغليط للثقات بمجرد التوهم فسيأتي في اللباس بالإسناد المذكور بزيادة ذكر إبراهيم فيه أفيقال أن الراوي غلط فزاده وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أبي العالية عن ابن عباس بلفظ كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية واضعا أصبعيه في اليسرى مارا بهذا الوادي وله جؤار إلى الله بالتلبية قاله لما مر بوادي الأزرق واستفيد منه تسمية الوادي وهو خلف أمج بينه وبين مكة ميل واحد وأمج بفتح الهمزة والميم وبالجيم قرية ذات مزارع هناك وفي هذا الحديث أيضا ذكر يونس .
الشيخ : الدجال فإنه لا يدخل مكة والمدينة كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة ، وهو أيضاً مكتوب بين عينيه كافر يقرأه المؤمن وإن كان جاهلاً في القراءة ، ويخفى على المنافق وإن كان يعرف القراءة .


29 ـ بَاب كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ
أَهَلَّ تَكَلمَ بِهِ وَاسْتَهْللنَا وَأَهْللنَا الهِلال كُلُّهُ مِنَ الظُّهُورِ وَاسْتَهَل المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ ( وَمَا أُهِل لغَيْرِ اللهِ بِهِ ) وَهُوَ مِنِ اسْتِهْلال الصَّبِيِّ
1454 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلمَةَ حَدَّثَنَا مَالكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ قَالتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَأَهْللنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَليُهِل بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ ثُمَّ لا يَحِل حَتَّى يَحِل مِنْهُمَا جَمِيعًا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ ذَلكَ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ فَقَال انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلي بِالحَجِّ وَدَعِي العُمْرَةَ فَفَعَلتُ فَلمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ أَرْسَلنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ مَعَ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ فَقَال هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ قَالتْ فَطَافَ الذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا(1)
__________
(1) في هذا الحديث من الفوائد أن الحائض إذا قدمت مكة وهي حائض لا تطوف ولا تسعى ؛ لأنها رضي الله عنها قالت : ( لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ) .

وفيه دليل على ما ذكر الفقهاء رحمهم الله من أن السعي لا يصح إلا بعد طواف نسك ، وإلا لقدمت السعي لأن السعي يجوز للحائض . وفيه أيضاً دليل على أن القارن لا يحل إلا يوم النحر ، يحل من العمرة والحج جميعاً . وفيه أيضاً دليل على القول الراجح أن المتمتع لا يكفيه سعي واحد بل لا بد من طوافين وسعيين : طواف وسعي للعمرة ، وطواف وسعي للحج ، لقولها رضي الله عنها : ( فَطَافَ الذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ) تريد بذلك السعي لأن الذين جمعوا بين العمرة والحج طافوا طوافين طواف القدوم وطواف الإفاضة ، لكن مرادها بالطواف هنا يعني بين الصفا والمروة .


30 ـ بَاب مَنْ أَهَل فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ
كَإِهْلال النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ
قَالهُ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ
1455 حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَال عَطَاءٌ قَال جَابِرٌ رضي الله عنه أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ عَليًّا رضي الله عنه أَنْ يُقِيمَ عَلى إِحْرَامِهِ وَذَكَرَ قَوْل سُرَاقَةَ.(1)
__________
(1) كان علي رضي الله عنه قد أهل بما أهل به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فبقي على إحرامه قارناً ، وأما أبو موسى فأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجعل إحرامه بالحج عمرة لأنه لم يسق الهدي .
وفيه دليل على سعة النسك وأنه يصح الإحرام بالشيء المجهول ؛ لأنك إذا قلت أحرمت بما أحرم به فلان فهو مجهول لا تدري أكان أحرم بعمرة أم بحج وعمرة ، لكن الحج واسع في النية .
طيب ، هل من قال الآن : أحرمت بما أحرم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هل يصح أو لا يصح ؟ البخاري رحمه الله قال : ( من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كإهلال النبي ) فهل هذا القيد من البخاري يدل على أن الإنسان لو قال : أحرمت بما أحرم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، اليوم هل يصح أو لا يصح ؟ ظاهر كلام البخاري أنه لا يصح ، ولكن الظاهر أنه يصح ؛ لأن مراد القائل قوة التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقول أحرمت بما أحرم به النبي . فنقول له : إن كنت عالماً فمعنى قولك هذا أنك أحرمت قارناً وإن كنت جاهلاً فتُعلم فيُقال إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان قارناً . شوف الترجمة ، قيد البخاري هذا فيه إشكال .
تعليق من فتح الباري ج3 ص 416 :

قوله : ( باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ) أي فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فجاز الإحرام على الإبهام ، لكن لا يلزم منه جواز تعليقه إلا على فعل من يتحقق أنه يعرفه كما وقع في حديثي الباب ، وأما مطلق الإحرام على الإبهام فهو جائز ثم يصرفه المحرم لما شاء لكونه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك وهذا قول الجمهور . وعن المالكية لا يصح الإحرام على الإبهام وهو قول الكوفيين .
الشيخ : يعني أصحاب أبي حنيفة رحمه الله .
متابعة التعليق : قال ابن المنير : وكأنه مذهب البخاري لأنه أشار بالترجمة إلى أن ذلك خاص بذلك الزمن ؛ لأن عليا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام فأحالاه على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الآن فقد استقرت الأحكام وعرفت مراتب الإحرام فلا يصح ذلك والله أعلم . وكأنه أخذ الإشارة من تقييده بزمن النبي صلى الله عليه وسلم .
الشيخ : هذا الفتح أو العيني ؟
القارئ : هذا فتح الباري ، العيني غير هذا .
الشيخ : نعم إيش يقول ؟
القارئ : يقول : أي هذا باب في بيان من أهل أي أحرم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، وأشار بهذا إلى جواز الإحرام على الإبهام ثم يصرفه المحرم لما شاء لكون ذلك وقع في زمنه صلى الله عليه وسلم ولم ينه عن ذلك . وقيل : كأن البخاري لما لم ير إحرام التقييد ولا الإحرام المطلق ثم يعين بعد ذلك أشار بهذه الترجمة بقوله : ( باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلاله ) إلى أن هذا خاص بذلك الزمن فليس لأحد أن يُحرم بما أحرم به فلان بل لابد أن يُعين العبادة التي يراها ودعت الحاجة إلى إطلاق والحوالة على إحرامه صلى الله عليه وسلم لأن علياً وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام فأحالا على النبي صلى الله عليه وسلم . فأما الآن وقد استقرت الأحكام وعُرفت مراتب وكيفيات الإحرام . ا.هـ.
قلت : هذا الذي قاله سلمناه في بعضه ولم نسلم في قوله : كأن البخاري لم ير إحرام التقييد ولا الإحرام المطلق أشار بهذه الترجمة إلى أن هذا خاص بهذا الزمن ؛ لأنه ذكر في الترجمة مطلقاً من أهل بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن أين تأتي هذه الإشارة إلى ما ذكره ؟ فالترجمة ساكتة عن ذلك ولا يُعلم رأي البخاري في هذا الحكم ما هو فافهم .
الشيخ : الظاهر أن كلام ابن حجر أصح ، ووجهه أنه إذا كان الإنسان جاهلاً لا يدري أي الأنساك أفضل فعلقه بما أحرم به فلان لأنه يثق به ، وهذا له وجه لكن لو أن أحداً قال : أحرمت بما أحرم به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهل هذا صحيح ؟ نقول : أما إن كان عالماً بما أحرم به فكأنه قال أحرمت قارناً ، وإن لم يكن عالماً فلمحبته للتأسي قال هذا ويسأل كيف كان حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . طيب وإذا سأل وقيل كان قارناً فهل يبقى على أنه قارن ؟ لا .. نقول : اجعله متعة إلا أن تكون قد سقت الهدي ، إن كنت قد سقت الهدي فاستمر في قرانك وإلا فاجعله عمرة لتصير متمتعاً .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، المتمتع بالعمرة إلى الحج له أحكام والقارن له أحكام ؟
الجواب : على كل حال نقول : إذا قال أحرمت بما أحرم به فلان قلنا صحيح ، واسأل فلان بماذا أحرم ، إن كان أحرم بعمرة متمتعاً فصحيح ، إن قال أحرمت قارناً أو مفرداً قلنا لهذا الذي قال أحرمت بما أحرم به فلان قلنا له اجعلها عمرة ؛ لأن أبا موسى رضي الله عنه كان مع علي بن أبي طالب ومع ذلك قال أحرمت بما أحرم به النبي ، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( اجعلها عمرة )) لأنه لم يسق الهدي ، أما علي فكان قد ساق الهدي لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشركه في هديه .
سؤال : إذاعلق إهلاله راح الحج كله ،وأنا لا أدري ماذا صنع هو ؟
الجواب : الحمد لله له أن يصرفها إلى ما يشاء ، إذا لم يعلم حال الرجل الذي علق إحرامه بصفة إحرامه فيصرفه لما شاء .


1456 حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَليٍّ الخَلالُ الهُذَليُّ حَدَّثَنَا عَبْدُالصَّمَدِ حَدَّثَنَا سَليمُ بْنُ حَيَّانَ قَال سَمِعْتُ مَرْوَانَ الأَصْفَرَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكٍ رضي الله عنه قَال قَدِمَ عَليٌّ رضي الله عنه عَلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ مِنَ اليَمَنِ فَقَال بِمَا أَهْللتَ قَال بِمَا أَهَل بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ فَقَال لوْلا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْللتُ ، وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَال لهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ بِمَا أَهْللتَ يَا عَليُّ قَال بِمَا أَهَل بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ قَال فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ.


1457 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَال بَعَثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ إِلى قَوْمٍ بِاليَمَنِ فَجِئْتُ وَهُوَ بِالبَطْحَاءِ فَقَال بِمَا أَهْللتَ قُلتُ أَهْللتُ كَإِهْلال النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ قَال هَل مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ قُلتُ لا فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْللتُ فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي أَوْ غَسَلتْ رَأْسِي فَقَدِمَ عُمَرُ رضي الله عنه فَقَال إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ قَال اللهُ ( وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ ) وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ فَإِنَّهُ لمْ يَحِل حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ.(1)
__________
(1) قوله رضي الله عنه : ( فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي ) هذا مشتبه هل هي محرم أو غير محرم ، فماذا نعمل ؟ نحملها على المحكم وأنه كان محرماً لها ؛ لأنه لا يجوز لإنسان أن يمكن امرأة غير محرم أن تمشط رأسه .

وفيه أيضاً قوله : ( فَقَدِمَ عُمَرُ رضي الله عنه فَقَال إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ قَال اللهُ تعالى : { وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ } وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ فَإِنَّهُ لمْ يَحِل حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ ) يريد رضي الله عنه منع المتعة ، وكان رضي الله عنه يمنع الناس من المتعة بحجة أنه لو تمتع الناس بعمرة تامة ثم أحرموا بالحج في اليوم الثامن اقتصروا على هذا العمل وقالوا حصل لنا عمرة وحج والحمد لله نبقى في بيوتنا ، فرأى رضي الله عنه أن يمنع الناس من المتعة من أجل أن يأتوا بعمرة في غير أشهر الحج فيكون البيت دائماً معموراً بالعمار ، لكن قوله رضي الله عنه مرجوح ، بماذا ؟ بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويقال في الاستدلال بالآية : { وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ } أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيَّن بالسنة كيف إتمامها ، فإتمام الحج والعمرة إذا كان قارناً أن يتمتع ويفسخ القرآن إلا إذا كان معه هدي ولا ينافي الآية الكريمة ؛ لأن الذي يأتي بعمرة أولاً ثم بحج ثانياً أتم الحج وأتم العمرة . وأما قوله : (وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ فَإِنَّهُ لمْ يَحِل حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ ) فنعم ، إذا كان الإنسان معه هدي لا يمكن أن يحل .


31 ـ بَاب قَوْل اللهِ تَعَالى ( الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَال فِي الحَجِّ )
وَقَوْلهِ ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلةِ قُل هِيَ مَوَاقِيتُ للنَّاسِ وَالحَجِّ )
وَقَال ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهمَا أَشْهُرُ الحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو القَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحَجَّةِ وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَكَرِهَ عُثْمَانُ رضي الله عنه أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ .


1458 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَال حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الحَنَفِيُّ حَدَّثَنَا أَفْلحُ بْنُ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عَنْهَا قَالتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَليَاليَ الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ فَنَزَلنَا بِسَرِفَ قَالتْ فَخَرَجَ إِلى أَصْحَابِهِ فَقَال مَنْ لمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلهَا عُمْرَةً فَليَفْعَل وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلا قَالتْ فَالآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لهَا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالتْ فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْل قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ فَلمْ يَقْدِرُوا عَلى العُمْرَةِ قَالتْ فَدَخَل عَليَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ وَأَنَا أَبْكِي فَقَال مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهُ قُلتُ سَمِعْتُ قَوْلكَ لأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ قَال وَمَا شَأْنُكِ قُلتُ لا أُصَلي قَال فَلا يَضِيرُكِ إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللهُ عَليْكِ مَا كَتَبَ عَليْهِنَّ فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا قَالتْ فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالبَيْتِ قَالتْ ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الآخِرِ حَتَّى نَزَل المُحَصَّبَ وَنَزَلنَا مَعَهُ فَدَعَا عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَال اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ فَلتُهِل بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا ثُمَّ ائْتِيَا هَا هُنَا فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي قَالتْ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ وَفَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ فَقَال هَل فَرَغْتُمْ فَقُلتُ نَعَمْ فَآذَنَ


بِالرَّحِيل فِي أَصْحَابِهِ فَارْتَحَل النَّاسُ فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلى المَدِينَةِ . ضَيْرِ مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا وَيُقَالُ ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا(1)
__________
(1) شوف الآثار التي في الترجمة .
تعليق من فتح الباري ج: 3 ص: 419 :
قوله : ( باب قول الله تعالى الحج أشهر معلومات إلى قوله في الحج وقوله يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) قال العلماء : تقدير قوله : { الحج أشهر معلومات } أي الحج حج أشهر معلومات أو أشهر الحج أو وقت الحج أشهر معلومات فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه . وقال الواحدي : يمكن حمله على غير إضمار وهي أن الأشهر جُعلت نفس الحج اتساعا لكون الحج يقع فيها كقولهم ليل نائم . وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب : المراد وقت إحرام الحج لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر فدل على أن المراد وقت الإحرام به . وأجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة أولها شوال ولكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكاملها ، وهو قول مالك ونقل عن الإملاء للشافعي أو شهران وبعض الثالث وهو قول الباقين ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون عشر ليال من ذي الحجة .

وهل يدخل يوم النحر أو لا ؟ قال أبو حنيفة وأحمد نعم ، وقال الشافعي في المشهور المصحح عنه لا وقال بعض أتباعه تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذ ، واختلف العلماء أيضا في اعتبار هذه الأشهر هل هو على الشرط أو الاستحباب ؟ فقال ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين هو شرط فلا يصح الإحرام بالحج إلا فيها وهو قول الشافعي ، وسيأتي استدلال ابن عباس لذلك في هذا الباب ، واستدل بعضهم بالقياس على الوقوف وبالقياس على إحرام الصلاة وليس بواضح ؛ لأن الصحيح عند الشافعية أن من أحرم بالحج في غير أشهره انقلب عمرة تجزئه عن عمرة الفرض وأما الصلاة فلو أحرم قبل الوقت انقلب نفلا بشرط أن يكون ظاناً دخول الوقت لا عالما فاختلفا من وجهين .
قوله : ( وقال بن عمر رضي الله عنهما أشهر الحج ... إلخ ) وصله الطبري والدارقطني من طريق ورقاء عن عبد الله بن دينار عنه قال : (الحج أشهر معلومات شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ) وروى البيهقي من طريق عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله والإسنادان صحيحان ، وأما ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : ( من اعتمر في أشهر الحج شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة قبل الحج فقد استمتع ) فلعله تجوز في إطلاق ذي الحجة جمعاً بين الروايتين والله أعلم .
ش4 ـ وجه ب :
قوله : ( وقال ابن عباس وصله ابن خزيمة والحاكم والدارقطني من طريق الحاكم عن مقسم عنه قال لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج ) ورواه بن جرير من وجه آخر عن ابن عباس قال : ( لا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج ) قوله : ( وكره عثمان رضي الله عنه أن يحرم من خراسان أو كرمان ) وصله سعيد بن منصور : ( حدثنا هشيم حدثنا يونس بن عبيد أخبرنا الحسن هو البصري أن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه ) وقال عبد الرزاق : ( أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال أحرم عبد الله بن عامر من خراسان فقدم على عثمان فلامه وقال غزوت وهان عليك نسكك ) وروى أحمد بن سيار في تاريخ مرو من طريق داود بن أبي هند قال : ( لما فتح عبد الله بن عامر خراسان قال لأجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرما فأحرم من نيسابور فلما قدم على عثمان لامه على ما صنع ) وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضا وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق محمد بن إسحاق أن ذلك كان في السنة التي قُتل فيها عثمان . ومناسبة هذا الأثر للذي قبله أن بين خراسان ومكة أكثر أشهر الحج فيستلزم أن يكون أحرم أشهر الحج فكره ذلك عثمان ، وإلا فظاهره يتعلق بكراهة الإحرام قبل الميقات فيكون من متعلق الميقات المكاني لا الزماني .
ثم أورد المصنف في الباب حديث عائشة في قصة عمرتها وسيأتي الكلام عليه مستوفى في الباب الذي بعده .
الشيخ : أقرب ما يقال قول مالك رحمه الله أنها ثلاثة أشهر وليس المعنى أنه يمكن أن يؤتى الحج بعد عرفة ، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( الحج عرفة )) لكن المراد أنه يجوز أن يؤخر أفعال النسك التي لم تُقيد بوقت معين إلى آخر الشهر ، فمثلاً الطواف طواف الإفاضة ليس مخصوصاً بوقت معين فلك أن تؤخره إلى آخر الشهر ولا يجب أن تؤخره إلى ما بعده إلا بعذر كامرأة نفساء مثلاً لا تستطيع أن تطوف . كذلك السعي لك أن تؤخره إلى آخر الشهر شهر ذي الحجة ، كذلك الحلق لك أن تؤخره إلى آخر ذي الحجة ، وأما الرمي والمبيت فهو مُقيد بزمن معين فيختص به .
ولا يستقيم القول بأنه إلى العاشر من ذي الحجة لأنه مشكل ؛ لأن بعد عاشر ذي الحجة تقع أعمال من الحج من أعمال النسك كالرمي والمبيت ولا يصح الإحرام بالحج من بعد عرفة على كل الأقوال، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( الحج عرفة )).
وقوله : (ضَيْرِ مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا وَيُقَالُ ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا ) هذا يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم : (( فلا يضير)) ، وفي هذا الحديث حسن خُلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع أهله وتسلية الإنسان بما يكون مع غيره لأن الإنسان يتسلى إذا وقع الضر عليه وعلى غيره ، وإلى هذا يشير قوله تبارك وتعالى : { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } مع أنه في الدنيا ينفع يهون عليه الأمر . وأيضاً المعذب في النار ـ آجارنا الله وإياكم منها ـ يرى أنه لا أحد أشد من تعذيبه ، ولو رأى أن أحداً أشد من تعذيبه لهان عليه الأمر .
سؤال : ما هو الصواب في أن من أهل بالحج قبل أشهر الحج ؟
الجواب : أحرم، يعني أحرم بالحج ؟ الأقرب قول الشافعي رحمه الله أنه لا يصح الإحرام بالحج قبل اشهر الحج وأنه لو فعل انقلب عمرة .
سؤال : قول عائشة رضي الله عنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم ( ما يبكيك ) لم تقل له أنا حائض ؟
الجواب : على كل حال الرواية اختلفوا فيها ، لكن إذا ذكر الإنسان شيئاً من لوازم شيء آخر اكتفى به ، وما زال الناس حتى إلى اليوم هذا تُسأل المرأة مثلاً لماذا ما صمتي ؟ تقول لا أُصلي ، فيُعرف . فإذا ذكر الإنسان الشيء الذي من لوازم غيره اكتفى به .
سؤال : هذا رجل ـ أثابك الله يا شيخ ـ أحرم بالعمرة لوالده ثم عندما قربت أيام الحج أحرم بالحج لنفسه على أن يكون مفرداً في حجه ؟
الجواب : أدخل حج نفسه على حج أبيه ؟
السائل : الأولى عمرة لوالده لكن في أشهر الحج ، ثم أحرم بالحج ونوى الإفراد ؟
الجواب : إذا أحرم الإنسان بالعمرة في أشهر الحج عن شخص ثم أحرم في نفس السنة لنفسه بالحج فهو متمتع ، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله : ولا يُعتبر في التمتع وقوع النسكين عن واحد ، فلو اعتمر عن شخص وحج عن آخر فهو متمتع . انتبه لذلك لأن العبرة لتمتعه بين العمرة والحج سواء كان النسكان لنفسه أو لآخر أو أحدهما لنفسه والثاني لآخر .


32 ـ بَاب التَّمَتُّعِ وَالإِقْرَانِ وَالإِفْرَادِ بِالحَجِّ وَفَسْخِ الحَجِّ
لمَنْ لمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ
1459 حَدَّثَنَا عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عَنْهَا خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ وَلا نُرَى إِلا أَنَّهُ الحَجُّ فَلمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالبَيْتِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ مَنْ لمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ أَنْ يَحِل فَحَل مَنْ لمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ وَنِسَاؤُهُ لمْ يَسُقْنَ فَأَحْللنَ قَالتْ عَائِشَةُ رضي الله عَنْهَا فَحِضْتُ فَلمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ فَلمَّا كَانَتْ ليْلةُ الحَصْبَةِ (1) قَالتْ يَا رَسُول اللهِ يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ قَال وَمَا طُفْتِ ليَاليَ قَدِمْنَا مَكَّةَ قُلتُ لا قَال فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلى التَّنْعِيمِ فَأَهِلي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا قَالتْ صَفِيَّةُ مَا أُرَانِي إِلا حَابِسَتَهُمْ قَال عَقْرَى حَلقَى أَوَ مَا طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ قَالتْ قُلتُ بَلى قَال لا بَأْسَ انْفِرِي قَالتْ عَائِشَةُ رضي الله عَنْهَا فَلقِيَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَليْهَا أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا (2)
__________
(1) ليلة الحصبة في ليلة الرابع عشر من شهر ذي الحجة وسميت بذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نزل فيها بالمحصب وهو مكان معروف فسُميت ليلة الحصبة .
(2) هذا شك ، سياق الحديث يعارض المعروف من أن عائشة رضي الله عنها حاضت بسرف وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل عليها وهي تبكي وأمرها أن تُدخل الحج على العمرة وتكون قارنة . قم أنها فيها أيضاً من الشيء الغريب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن حالها بعد قدومها مكة هل طافت أو لا ؟ ومثل هذا لا يخفى عليه غالباً ، ففيه إشكال .


1460 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِالحَجِّ وَأَهَل رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ بِالحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَل بِالحَجِّ أَوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ(1)
__________
(1) هذا واضح هذا أقسام النسك ثلاثة: إحرام بالعمرة، إحرام بالحج، إحرام بهما جميعاً . ولكن قولها رضي الله عنها : ( أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ) يُحمل على أنه ابتدأ الإحرام بالحج ثم قيل له قل حجاً وعمرة فقرنهما بعد أن أحرم بالحج ، وهذا جائز على مذهب بعض أهل العلم أن يُدخل العمرة على الحج ، كما أنه يجوز بالاتفاق أن يُدخل الحج على العمرة . وعلى هذا فيكون صفة القران على هذا القول الذي هو ظاهر حديث عائشة يكون صفة القران كم ؟ ثلاث صفات :
الصفة الأولى : أن يحرم بهما جميعاً ، يقول لبيك عمرة وحج .
والثانية : أن يُحرم أولاً بالحج ثم يُدخل العمرة عليه ليصير متمتعاً . وهذا انفسخ الحج .
والثالثة : أن يُحرم أولاً بالعمرة ثم يُدخل الحج عليها ، وهذا ما فعلته عائشة رضي الله عليها .
الرابع من أقسام النسك : أن يحرم أولاً بالحج ثم يدخل العمرة عليه ويبقى في إحرامه يعني لا يتحلل ، وإلى هذا ذهب الشافعي رحمه الله وجماعة من العلماء .


1461 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ عَنْ عَليِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ قَال شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَليًّا رضي الله عنهمَا وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَلمَّا رَأَى عَليٌّ أَهَل بِهِمَا لبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ قَال مَا كُنْتُ لأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ لقَوْل أَحَدٍ(1)
__________
(1) لكن قول علي رضي الله عنه ليس بحجة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهل بحج وعمرة ولم يتمتع حيث كان معه الهدي ، ولا شك أن من كان معه الهدي الأفضل أن يكون قارناً وأما من ليس معه هدي فالأفضل أن يكون متمتعاً ، وأما نهي عثمان رضي الله عنه عن المتعة فكما أسلفت أنه رضي الله عنه وعمر وأبا بكر نهوا عن ذلك من أجل أن يعمر البيت الحرام بالزائرين لأن الناس في ذلك الوقت إذا كان تهيأ لهم أن يأتوا بعمرة وحج في سفر واحد كان سهلاً عليهم ، وإذا أُنشئ السفر من بلاد بعيدة على الإبل ففيه صعوبة ، فخاف هؤلاء الخلفاء أن يتهاون الناس في زيارة البيت . ولكن لا شك أن الأولى ما دلت عليه السنة وهو الأمر بالمتعة وأن الأفضل أن يتمتع الإنسان على كل حال إلا إذا ساق الهدي فالأفضل القران.


1462 حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا قَال كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا وَيَقُولُونَ إِذَا بَرَأ الدَّبَرْ وَعَفَا الأَثَرْ وَانْسَلخَ صَفَرْ حَلتِ العُمْرَةُ لمَنِ اعْتَمَرْ(1)
قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلينَ بِالحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَتَعَاظَمَ ذَلكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُول اللهِ أَيُّ الحِل قَال حِلٌّ كُلُّهُ(2)
__________
(1) هذا استنتاج باطل ( إذا برأ الدبر ) يعني دبر الإبل الذي يكون بسبب التحميل عليها تكون جروح على ظهورها ، يكون إذا برأ الدبر ، ومتى يبرأ ؟ بعد أشهر أو شهر أو شهرين . الثاني يقول : ( إذا برأ الدبر وعفا الأثر ) عفا الأثر يعني انمحى ، والمراد أثر الإبل ؛ لأنه كان في الأول هناك ما يسمونه بالطرق والجواب من آثار خفاف الإبل وحوافر الحمير والخيل . والثالث : ( وانسلخ صفر ) المراد صفر محرم ، انسلخ محرم ( حلت العمرة لمن اعتمر ) فيقال هذا كلام باطل والعمرة تحل في أشهر الحج وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم للتمتع بالحج .
(2) يعني هو حل كله حتى أوردوا عن النبي صلى الله عليه وسلم إيراداً وقالوا : يا رسول الله نخرج إلى منى وذكر أحدنا يقطر منياً ؟ ماذا أُريد بهذا ؟ جماع الإماء ، كيف نجامع بين العمرة والحج ونخرج إلى منى وذكر أحدنا يقطر منياً ؟ قال : (( افعلوا ما أمرتكم به )) وهذا يدل على أن الحل بين العمرة والحج للتمتع حلٌ كامل تحل به النساء ويحل به الطيب واللباس وكل المحظورات .
سؤال : أحسن الله إليكم ، أمره عليه الصلاة والسلام الصحابة بالحل هل يقال هو أمر للإباحة أو أمر للوجوب ؟

الجواب : لعلك تقول هل يقال إنه أمر سنة أو وجوب ، الصحيح أنه أمر سنة ، ولكنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يجب على الصحابة أن ينفذوا ؛ لأن مجاهرة الصحابة بمخالفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها فساد كبير ، فيقول من بعدهم : إذا كان الصحابة خالفوا الرسول فكيف لا نخالف ؟ ثم إن فعلهم لهذا تطبيق لهذه السنة عملياً ، والتطبيق العملي قد يكون أبلغ من المثال القولي ، وهذا الذي ذكرته الآن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، هل فسخ الحج إلى العمر بالتمتع هل هو واجب أو سنة أو فيه تفصيل ؟ أكثر العلماء على أنه سنة ، وأعني بأكثر العلماء الذين يجوزون الفسخ ؛ لأن من العلماء من منع الفسخ وقال لا يمكن أن يفسخ الإنسان حجه إلى عمرة أبداً . لكن هذا القول ضعيف جداً ولا معول عليه . ومنهم من قال هو سنة مطلقاً . ومنهم من قال هو واجب مطلقاً . ومنهم من فصَّل قال : هو واجب في حق الصحابة رضي الله عنهم من أجل تثبيت السنة وتطبيقها .
ولا يخفى علينا جميعاً أن هناك فرقاً بين أن يعصي الإنسان أوامر أبيه مجابهةً وبين أن يعصي ذلك في وقت آخر ، بينهما فرق عظيم . فالصواب ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله أن ذلك واجب في حق الصحابة رضي الله عنهم سنة في حق غيرهم . ولهذا قال أبو ذر رضي الله عنه ، قال : إنها ليست عامة ولكنها لنا خاصة. يعني الصحابة ، ومراده بذلك الوجوب ، أفهمت ؟


1463 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَال قَدِمْتُ عَلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ فَأَمَرَهُ بِالحِل .
1464 حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَال حَدَّثَنِي مَالكٌ ح ، وحَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنهمْ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ أَنَّهَا قَالتْ يَا رَسُول اللهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلمْ تَحْلل أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَال إِنِّي لبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلدْتُ هَدْيِي فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ(1)
__________
(1) وهكذا من ساق الهدي لا يمكن أن يجعلها عمرة يجب أن يبقى على إحرامه إلى يوم العيد . وقوله : ( لبدت رأسي ) إنما لبده لطول المدة لأنه لن يقصره ولن يحلقه إلا يوم العيد وهو قدم في اليوم الرابع ، بقي على العيد كم ؟ ستة أيام ، وهو قد خرج في آخر ذي القعدة فلبد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأسه لأجل أن لا يحتاج إلى حلق أو إلى تقصير .


1465 حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا أَبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ قَال تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ فَسَأَلتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا فَأَمَرَنِي فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَجُلاً يَقُولُ لي حَجٌّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلةٌ فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَال سُنَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ فَقَال لي أَقِمْ عِنْدِي فَأَجْعَل لكَ سَهْمًا مِنْ مَالي قَال شُعْبَةُ فَقُلتُ لمَ فَقَال للرُّؤْيَا التِي رَأَيْتُ(1)
__________
(1) في هذا دليل على أن ما أفتاه به عبد الله بن عباس هو الصواب لأنه رأى في المنام أن رجلاً دعا له بقبولها ، ولو كانت غير صواب لكانت مردودة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) . وفي هذا دليل على مكافأة من بشرك بما يسرك ؛ لأن ابن عباس كافأه بأن يقيم عنده فيجعل له سهماً من ماله ، وفيه دليل على أن الرؤيا قد تكون ضرب أمثال وقد تكون باللازم بلازم الشيء وقد تكون بالصريح ، وهذه التي حصلت لهذه الرجل باللازم لأن من لازم القبول أن يكون العمل صحيحاً .
سؤال : قوله عليه الصلاة والسلام : (( إِنِّي لبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلدْتُ هَدْيِي فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ )) هل يقال للقارن إنه ما يحل حتى ينحر ؟
الجواب : إذا ساق الهدي ، إي نعم نقول هذا .
السائل : لو طاف ورمى الجمرة ما يحل ؟
الجواب : ظاهر الحديث إنه ما يحل ، أفهمت ؟ هذا ظاهر الحديث أنه لا يحصل التحلل برمي جمرة العقبة يوم العيد والحلق وأنه لا بد من النحر إذا كان قد ساق الهدي . وهذا القول ليس ببعيد أنه إذا ساق الهدي ينتظر حتى ينحره ، وقد يُرد بهذه الآية : { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } لكن أكثر العلماء على أن الحكم واحد فيمن ساق الهدي وغيره أنه إذا رمى وحلق حل .


1466 حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ قَال قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فَدَخَلنَا قَبْل التَّرْوِيَةِ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَقَال لي أُنَاسٌ مِنْ أَهْل مَكَّةَ تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً فَدَخَلتُ عَلى عَطَاءٍ أَسْتَفْتِيهِ فَقَال حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللهِ رضي الله عنهمَا أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ يَوْمَ سَاقَ البُدْنَ مَعَهُ وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا فَقَال لهُمْ أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَقَصِّرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلالا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ وَاجْعَلُوا التِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً فَقَالُوا كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ فَقَال افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ فَلوْلا أَنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لفَعَلتُ مِثْل الذِي أَمَرْتُكُمْ وَلكِنْ لا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلهُ فَفَعَلُوا . قَال أبو عَبْد اللهِ أَبُو شِهَابٍ ليْسَ لهُ مُسْنَدٌ إِلا هَذَا(1)
__________
(1) هذا فيه من الفوائد بيان ضرر المفتين بغير علم حيث قالوا : إن حجتك حجة مكية ، يعني ليست متمتعاً ، فدخل على عطاء رحمه الله وهو من أفقه الناس في علم المناسك وسأله فذكر هذا الحديث .

وفيه جواز الاستفهام من العالم إذا أبان علماً لقولهم رضي الله عنهم : ( كيف نجعلها بمتعة وقد سمينا الحج ) يعني أحرمنا بالحج ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( افعلوا ما أمرتكم )) وهذا مما يؤيد وجوب التمتع على الصحابة رضي الله عنهم الذين وجههم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر (( فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم )) وفي هذا دليل على أن سوق الهدي يمنع من الحل لقول الله تعالى : { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } (( ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله )) ففعلوا .


1467 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَال اخْتَلفَ عَليٌّ وَعُثْمَانُ رضي الله عنهمَا وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي المُتْعَةِ فَقَال عَليٌّ مَا تُرِيدُ إِلا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ فَلمَّا رَأَى ذَلكَ عَليٌّ أَهَل بِهِمَا جَمِيعًا(1)
__________
(1) في هذا دليل على أن اختلاف الكبار في العلم والمرتبة ، يجري بينهما اختلاف ولكن هذا لا يؤثر اختلافاً في القلوب ، خلاف ما كان عليه بعض الناس اليوم تجده إذا خالفه صاحبه في شيء من الأشياء ثأر في قلبه عليه وهذا من نزغات الشيطان ، والواجب أن أخاك إذا خالفك في شيء أن تناقشه وتنظر ما عنده فقد يكون عنده من العلم ما ليس عندك ، ثم إذا توصلتم إلى اتفاق فهذا المطلوب . يعني اتفقت معه على اتفقا في الرأي فهذا المطلوب وإلا فلكل رأي وفي هذه الحال لا يقال إنكما اختلفتما لأن كلاً منكما سلك طريقاً ظنه الحق فليعذر كل واحد منكما الآخر .
سؤال : بارك الله فيكم ، اختلاف القلوب هل هذا يكون مع اختلاف المنهج ، يعني منهج معروف لاسيما إذا عُرف أن الشخص المخالف أنه عنده علم وعنده ورع لكن خالف منهج السلف مثلاً ؟
الجواب : تعصب ؟
السائل : لا .. ما ندري هو خالف .. لكن يظهر أنه صاحب علم وأنه صاحب ورع ؟
الجواب : لا شك أن هذا لا يؤدي إلى اختلاف القلوب ، لكن إذا عُلم أنه صاحب مبدأ وصاحب حزب ويريد أن يُفرق الأمة بتحزبه فهذا يكرهه الإنسان لا لأنه خالف لكن لمنهجه ومبدأه .
سؤال : هل نقابله البشاشة والقبول أو نهجره ؟
الجواب : هذا حسب الحال إن رأيت أنك إذا بششت في وجهه وأكرمته لان قلبه ورجع إلى الحق فافعل وإلا فاهجره .
سؤال : عفا الله عنك ، الصحابة رضي الله عنهم ليس بينهم ضغينة في القلوب ؟

الجواب : وهذا هو الواجب ، الواجب إذا عرفت أن صاحبك يريد الحق وخالفك في رأيك أن تحبه لا أن تكرهه ؛ لأنه مما يدل على ورعه أنه خالفك لأجل الحق ولم يداهنك .
سؤال: ما موقف طالب العلم من العلماء الذين يختلفون في المسائل؟
الجواب : هذا سبق الكلام عليه وقلنا إن الإنسان يقلد من يرى أنه أقرب إلى الصواب لكثرة علمه وأمانته وثقته .


33 ـ بَاب مَنْ لبَّى بِالحَجِّ وَسَمَّاهُ
1468 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ قَال سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللهِ رضي الله عنهمَا قَال قَدِمْنَا مَعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ وَنَحْنُ نَقُولُ لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ بِالحَجِّ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ فَجَعَلنَاهَا عُمْرَةً(1)
__________
(1) في هذا دليل على أن الإنسان يسمي نسكه في حال التلبية ، إن كان في عمرة قال لبيك اللهم عمرة، وإن كان في حج قال لبيك اللهم حجاً، وإن كان في حج وعمرة قال لبيك اللهم حجاً وعمرة ، لكن هل يكرر هذا مع تكرار التلبية أو أحياناً وأحياناً ؟ الأمر في هذا واسع فيما أرى إن كرر مع كل تلبية فهذا خير وإن صار يقول ذلك أحياناً فالأمر واسع .
طيب ، فإذا قال قائل : أليس الله تعالى يقول : { وأتموا الحج والعمرة والعمرة لله } وهذا أحرم بالحج ، كيف نقول حوله إلى عمرة ؟ نقول : هذا من كمال الحج ؛ لأنك إذا كنت محرماً بالحج ماذا يحصل لك من نسك ؟ حج فقط ، لكن إذا حولته إلى عمرة حصل لك عمرة وحج . هذه واحدة .
ثانياً : إذا قال قائل : وإذا كان محرماً بحج وعمرة قارناً أتقولون إنه يحوله إلى عمرة ليصير متمتعاً ؟ فالجواب : نقول نعم . فإذا قال هذا إذاً ما استفاد شيئاً لأن حجه وعمرته قد أتى بهما بنية واحدة ؟ فالجواب : لكن التمتع يحصل على عمرة كاملة وعلى حج كامل ، وأما القارن فإن فعله كفعل المفرد تماماً لا يزيد . يؤخذ من هذا أن انتقال الإنسان من الفاضل إلى المفضول ولو كان الفاضل واجباً فإنه لا حرج إذا انتقل إليه من جنسه ، ولهذا لو أنه أحرم بحج مفرداً ثم لما رأى الزحام وشدة الحج حوله إلى عمرة ليتحلل ، هل يجوز أو لا يجوز ؟ لا يجوز لأن هذا تحيل على إبطال النسك الذي شرع فيه لا إلى ما هو أفضل منه .

ولهذا قيَّد الفقهاء هذه المسألة فقالوا : يسن لقارن ومفرد أن يجعلا ذلك عمرة ليصيرا متمتعين . بهذا القيد ( ليصيرا متمتعين ) أما إذا حوله إلى عمرة ليطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ثم ينصرف إلى أهله فهذا لا يجوز. فصار تحويل الإقران والإفراد إلى تمتع من إتمام الحج والعمرة لأن الرجل انتقل من فاضل إلى أفضل .


34 ـ بَاب التَّمَتُّعِ عَلى عَهْدِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ
1469 حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَال حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ عِمْرَانَ رضي الله عنه قَال تَمَتَّعْنَا عَلى عَهْدِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ فَنَزَل القُرْآنُ قَال رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ(1)
35 ـ بَاب قَوْل اللهِ تَعَالى : ( ذَلكَ لمَنْ لمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ )
__________
(1) قيل إنه عمر رضي الله عنه ( قال برأيه ما شاء ) وهو أنه كان ينهى عن التمتع ، وسر نهيه من أجل أن يكون البيت معموراً في كل السنة فتكون العمرة في وقت آخر غير أشهر الحج ، والمتمتع متى تكون عمرته؟ في أشهر الحج وفي سفر واحد ، فرأى رضي الله عنه أن يمنع التمتع ونهى عنه ، وهذا عكس رأي ابن عباس ، ابن عباس رضي الله عنه يرى وجوب التمتع ، بل قال : إن الرجل إذا طاف وسعى وقصَّر حل شاء أو أبى . لكن رأيه رضي الله عنه في قوله : ( شاء أم أبى ) فيه نظر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة ولم يقل انقلب إحرامكم عمرة ولو كان ينقلب عمرة شاء أو أبى لم يكن لأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بجعلها عمرة ولم يكن لغضبه عليهم حين تأخروا لم يكن له معنى .
فالصواب أن تحويل الحج المفرد أو الحج المقرون بالعمرة إلى تمتع أفضل فقط ، وأما الوجوب ففيه نظر .


وَقَال أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ البَصْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ البَرَّاءُ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا أَنَّهُ سُئِل عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ فَقَال أَهَل المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَأَهْللنَا فَلمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ اجْعَلُوا إِهْلالكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً إِلا مَنْ قَلدَ الهَدْيَ فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلبِسْنَا الثِّيَابَ وَقَال مَنْ قَلدَ الهَدْيَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لهُ ( حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلهُ ) ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِل بِالحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَليْنَا الهَدْيُ كَمَا قَال اللهُ تَعَالى ( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَنْ لمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) إِلى أَمْصَارِكُمُ الشَّاةُ تَجْزِي فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالى أَنْزَلهُ فِي كِتَابِهِ وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ صلى الله عليه وَسَلمَ وَأَبَاحَهُ للنَّاسِ غَيْرَ أَهْل مَكَّةَ قَال اللهُ ( ذَلكَ لمَنْ لمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ ) وَأَشْهُرُ الحَجِّ التِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالى فِي كِتَابهِ شَوَّالٌ وَذُو القَعْدَةِ وَذُو الحَجَّةِ فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ فَعَليْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ وَالرَّفَثُ الجِمَاعُ وَالفُسُوقُ المَعَاصِي وَالجِدَالُ المِرَاءُ(1)
__________
(1) هذا من أجمع السياقات في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، ولنتكلم عليه ، قال الله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَنْ لمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تلك عشرة كاملة ذَلكَ لمَنْ لمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ } المشار إليه هل هو وجوب الهدي أو هو التمتع ؟ في هذا قولان للعلماء ، فقيل إنه الهدي أو بدله ، وعلى هذا فيكون لأهل مكة تمتع ، وقيل إنه عائد على التمتع ووجوب الهدي فرع منه ، وعلى هذا فليس على أهل مكة تمتع . وهذا هو الصواب أن أهل مكة ليس لهم تمتع لكن لو فُرض أن المكي قدم من المدينة إلى مكة فهنا يمكن أن يتمتع فيُحرم بالعمرة من ذي الحليفة وإذا أتى مكة طاف وسعى وقصر ويُحرم بالحج يوم التروية وليس عليه هديه ؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام . أما أن يخرج من مكة ويأتي بعمرة ثم يقول أنا متمتع فلا ، وقد استدل بهذا الحديث من قال : إن أهل مكة لا عمرة لهم ولا تصح منهم العمرة لأن العمرة هي الزيارة ، والزيارة لابد أن تكون من مكان غير المزور فلا بد أن يأتي بها من الحل ، ولم يُعهد في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الرجل من أهل مكة يخرج إلى الحل ويأتي بعمرة إلا قصة عائشة وقد عرفتم ما فيها .
وفيه أيضاً يقول : ( أَهَل المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَأَهْللنَا ) قوله المهاجرون والأنصار هذا من باب التوكيد على الإجماع لأن المهاجرون الذين هاجروا من مكة إلى المدينة إلى الله ولرسوله ، والأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ، وأزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معروفات .
( فَلمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ اجْعَلُوا إِهْلالكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً إِلا مَنْ قَلدَ الهَدْيَ ) يعني ساقه مقلداً إياه ، والمهم السوق بالقطيع ، بمعنى لو أنه ساق الهديه ولم يقلده فإنه يمتنع أن يحل ، ( فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لهُ حتى يبلغ لمحله ) وفي قول : ( { حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلهُ } ) .
في هذا الحديث والذي قبله دليل على أن قوله صلى الله عليه وسلم : (( فلا أحل حتى أنحر )) أي حتى يبلغ الهدي محله ، وعليه فيحل إذا رمى وحلق وإن لم ينحر .
( ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِل بِالحَجِّ ) سمى ذلك عشية التروية ، أولاً التروية : معنى التروية يعني تروية الماء ، وكانو في ذلك الوقت يترون الماء من منابعهم إلى منى من أجل شرب الحجاج ، ويسمى ذلك اليوم يوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية ، والتاسع يوم عرفة ، والعاشر يوم النحر ، والحادي عشر يوم القر لأن الناس قارين في منى لا أحد ينفر ، والثاني عشر يوم النفر الأول ، والثالث عشر يوم النفر الثاني ، هذه الأيام الخمسة كل واحد له اسم . وقوله : ( عشية التروية ) ظاهره أنه أمرهم أن يحرموا بعد الزوال لأن العشي يكون بعد الزوال ، والأمر ليس كذلك فإن الناس يحرمون بالحج يوم التروية قبل الزوال ويخرجون إلى منى ويصلون فيها الظهر لكن أطلق على ما قبل الزوال عشية لقربه من الزوال .
ش5 ـ وجه أ :
يقول : (عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِل بِالحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَليْنَا الهَدْيُ ) وهذا صريح في وجوب السعي للمتمتع بمعنى أن المتمتع يلزمه طوافان وسعيان ، الطواف الأول والسعي الأول للعمرة ، والطواف الثاني والسعي للحج ، وهذا هو المتعين ؛ لأن العمرة منفصلة عن الحج تماماً بينها وبين الحج حل تام . وأما قول شيخ الإسلام رحمه الله : إن المتمتع يكفيه سعي واحد السعي الأول فقول ضعيف غير سديد ، وما دام النص رقي يستدل على وجوب السعي في الحج فلا عبرة بقول أحد كائن من كان .
يقول : (فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَليْنَا الهَدْيُ كَمَا قَال اللهُ تَعَالى : { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَنْ لمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } ) طيب صيام ثلاثة أيام في الحج متى ؟ قال أهل العلم : يبتدئ صيام الثلاثة من أول يوم يحرم بالعمرة من حين العمرة إلى أيام التشريق ولا يؤخر عن أيام التشريق ، فمثلاً لو أحرم بالعمرة في عشرين من ذي القعدة وهو متمتع يجوز أن يصوم الثلاثة في ذي القعدة ؟ نعم يجوز . فإن قال قائل : إن الله تعالى قال : { فِي الحَجِّ } وهذا إلى الآن ما شرع في الحج ؟ فالجواب على هذا من أحد وجهين أو منهما جميعاً : أولاً أن العمرة عمرة متمتع داخلة في الحج لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( دخلت العمرة في الحج )) ، وثانياً : أن قوله في الحج أي في سفر الحج وسفر الحج يبتدئ قبل أن يتلبس به . فإن قال قائل : على قولك هذا على هذا التقدير تُجَوِّز أن يصوم الثلاثة في سفره من بلده إلى مكة قبل أن يصل الميقات ؟ فالجواب : لا أُجوِّز ، لماذا ؟ لأن السبب لم يوجد فلو صام الإنسان قبل أن يُحرم بالعمرة فقد صام قبل وجود سبب الصوم، وتقدير الشيء قبل سببه لاغي كما لو أراد الإنسان أن يحلف على شيء وقدم الكفارة قبل أن يحنث أيجزئه ؟ لا يجزئه . إذاً يبتدئ وقت صيام الثلاثة من وقت إحرامه بالعمرة .
وقوله : { إذا رجعتم } قال ابن عباس رضي الله عنهما : إلى أمصاركم ، والآية مطلقة { إذا رجعتم } ، هل المراد إذا رجعتم من الحج بمعنى أتممت أفعاله ولو كنتم في مكة أو المراد إذا رجعتم إلى أهليكم ؟ الأفضل إلى أهليكم ، الأفضل أن لا يصوم السبعة إلا إذا وصل إلى أهله لأن بذلك يكون تمام الرخصة ، وإن صامها بعد فراغ جميع أفعال الحج ولو في مكة فلا حرج .
قال : ( الشَّاةُ تَجْزِي ) سبع البدنة والبقرة يجزئ أو لا ؟ يجزئ ، فإذاً الهدي في قوله تعالى : { ما استيسر من الهدي } يشمل الشاة الواحدة أو سبع البدنة أو سبع البقرة .( فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ ) يعني جمعوا بين الحج والعمرة في عام واحد ، بل أخص من هذا في سفر واحد . ( فَإِنَّ اللهَ تَعَالى أَنْزَلهُ فِي كِتَابِهِ وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ صلى الله عليه وَسَلمَ وَأَبَاحَهُ للنَّاسِ غَيْرَ أَهْل مَكَّةَ ) ثم استدل بقوله : { ذَلكَ لمَنْ لمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ } الآية واضحة والاستدلال واضح .
قال رضي الله عنه : ( وَأَشْهُرُ الحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو القَعْدَةِ وَذُو الحَجَّةِ ) قاله ابن عباس الذي يُلقب بترجمان القرآن . وقد سبق إن هذا هو القول الراجح أن أشهر الحج ثلاثة شوال وذو الحجة وذو القعدة ، لكن متى يُفعل الحج هل يفعل من أول شوال إلى آخر ذي الحجة ؟ لا لأنه وقت معين فلا يتعدى الوقت لكن هذه محله. (فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ فَعَليْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ). أو هدي ليس للتخيير ولكنها للتنويع ، دم إن وجد ، أو صوم إن لم يجد ، إن لم يجد ماذا ؟ إن لم يجد هدي أو لم يجد الدراهم ؟ هذا أو هذا ، إذا كان الإنسان عنده دراهم لكن ما وجد شاة لأن ليس في السوق شيء يصوم ، إذا كان السوق مملوءاً بالمواشي لكن ليس معه دراهم يصوم أيضاً. ولهذا حذف الله عز وجل المفعول في قوله : { فمن لم يجد } إشارة إلى العموم أي لم يجد الهدي أو ثمنه . شوف الترجمة في الشرح .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب قول الله تعالى { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } ) أي تفسير قوله وذلك في الآية إشارة إلى التمتع ؛ لأنه سبق فيها { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } إلى أن قال : {ذلك} واختلف السلف في المراد بحاضري المسجد فقال نافع والأعرج : هم أهل مكة بعينها ، وهو قول مالك واختاره الطحاوي ورجحه .
الشيخ : مكة فقط إن صغيرة فهي صغيرة وإن واسعة فهي واسعة ، وعلى هذا فما خرج عن حدود مكة ولو كان داخل الحرم أي داخل حدود الحرم فليس من حاضري المسجد الحرام .
متابعة التعليق :
وقال طاوس وطائفة : هم أهل الحرم وهو الظاهر .
الشيخ : أهل الحرم يعني ما كان داخل حدود الحرم وتسمى الأميال ، فهذا من حرم المسجد الحرام ولو كان خارج مكة ، وما وراءه ليس من حاضري المسجد الحرام . طيب التنعيم الآن متصل بمكة تماماً والبيوت متصلة إلى خارج الحرم إلى الحل ، فهل نقول إن الذي في التنعيم خارج الحرم من أهل المسجد الحرام أو لا ؟ على الخلاف ، إن قلنا حاضري المسجد الحرام أهل مكة قلنا مكة لو تصل إلى الطائف يعني لو تعدت الحل فمن كان فيها فهو من حاضر المسجد الحرام ، وإذا قلنا إنهم أهل الحرم صار الذين في التنعيم خارج حدود الحرم ليسوا من حاضر المسجد الحرام.
متابعة التعليق : وقال مكحول : من كان منزله دون المواقيت ، وهو قول الشافعي في القديم ، وقال في الجديد : من كان من مكة على دون مسافة القصر ، ووافقه أحمد .
الشيخ : الآن عندنا قولين أخيران :
الأول يقول : حاضر المسجد الحرام من كان دون المواقيت ، وعلى هذا فأهل البدو من حاضر المسجد الحرام ، وكل من كان دون ذي الحليفة من طريق المدينة فهم من حاضر المسجد الحرام .
القول الرابع : من كان بينه وبين مكة مسافة القصر يعني يومين ، ما دون ذلك فهو من حاضر المسجد الحرام وما وراء ذلك فليس من حاضر المسجد الحرام .
وأقرب الأقوال القولان الأولان إما أن نقول هم أهل مكة سواء اتسعت مكة أو تقلصت أو نقول ممن كان داخل حدود الحرم ، والمسألة عندي متعادلة بالنسبة للأدلة ؛ لأنك إذا نظرت أو تأملت من كان داخل الأميال لكن خارج مكة قلت هذا حاضر المسجد الحرام لأنه في حدوده فيكون من حاضره ، وإذا تأملت أن المقصود هو أن يأتي الإنسان إلى مكة من خارج مكة قلت الأولى أن نجعل حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة ، فالمسألة عندي متعادلة وفي هذا يُفتي الإنسان بما يرى أنه أحوط .
متابعة التعليق : وقال مالك أهل مكة ومن حولها سوى أهل المناهل كعسفان وسوى أهل منى وعرفة .
الشيخ : أما أهل عرفة خارج حدود الحرم وخارج مكة أيضاً ، أما أهل منى فهم داخل حدود الحرم لكن هل هم خارج مكة ؟ في وقتنا الحاضر قد تقول إنهم ليسوا خارج مكة لأن المباني متصلة ، فيكون أهل منى من حاضري المسجد الحرام بلا شك .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( التي ذكر الله ) أي بعد آية التمتع حيث قال الحج أشهر معلومات وقد تقدم نقل الخلاف في ذي الحجة هل هو بكماله أو بعضه ؟
الشيخ : طيب ما تقولون في رجل أحرم بالعمرة آخر يوم من رمضان وأتمها أول يوم من شوال ، هل يكون متمتعاً أو لا ؟ ليس متمتعاً لأنه لابد أن يأتي بالعمرة من أولها إلى آخرها بعد دخول شهر شوال .
متابعة التعليق : وأجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة أولها شوال ولكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكاملها وهو قول مالك ونقل عن الإملاي للشافعي أو شهران وبعض الثالث وهو قول الباقين ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون عشر ليال من ذي الحجة ، وهل يدخل يوم النحر أو لا ؟ قال أبو حنيفة وأحمد نعم ، وقال الشافعي في المشهور المصحح عنه لا ، وقال بعض أتباعه تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذ . واختلف العلماء أيضا في اعتبار هذه الأشهر هل هو على الشرط أو الاستحباب فقال ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين هو شرط فلا يصح الإحرام بالحج إلا فيها وهو قول الشافعي ، وسيأتي استدلال ابن عباس لذلك في هذا الباب . واستدل بعضهم بالقياس على الوقوف وبالقياس على إحرام الصلاة وليس بواضح ؛ لأن الصحيح عند الشافعية أن من أحرم بالحج في غير أشهره انقلب عمرة تجزئه عن عمرة الفرض وأما الصلاة فإن أحرم قبل الوقت انقلب نفلا بشرط أن يكون ظانا دخول الوقت لا عالما فاختلفا من وجهين .
الشيخ : القول بأنه لا يجزئ الإحرام بالحج قبل أشهره قول قوي جداً لأنه حصر { الحج أشهر معلومات } فمن قال في آخر رمضان لبيك اللهم حجاً . قلنا هذا عمرة ولا يمكن أن تحرم بالحج قبل أشهره كما أنه لا يمكن أن تحرم بالصلاة قبل دخول وقتها .
سؤال : إذا نظرنا لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية ؟
الجواب : يعني أنك ترجح حاضري المسجد الحرام من كان داخل حدود الحرم .
السائل : أنا ودي هذا لكن ..........؟
الجواب : أنت ودك ما يخالف .
السائل : لكن هل هذا مما يرجح هذا ؟
الجواب : نعم هذا من أسباب الترجيح لا شك .
سؤال : أحسن الله إليك ، من ساق الهدي ليس له أن يفسخ إلى العمرة ، والذي أخذ معه الدراهم ليشتري الهدي هناك هل يعتبر أنه ساق الهدي ؟
الجواب : إي نعم إذا ساقها يعني وضع الدراهم على الأرض وقال لها برجله هيا، إيش تقول ؟ ماذا تقول ؟
السائل : ما يكون .
الجواب : لا يكون .. هذه ما هي مشكلة ، المشكل بعض الناس الآن يعطي شركات دراهم للهدي الراجحي أو غير الراجحي ، فهل يقال إنه ساق الهدي ؟ الجواب : لا .. لكن وكل من يذبح الهدي عنه فقط .
سؤال : النية هل هي التكلم بالتلبية ؟
الجواب : كيف ؟
السائل : هل النية تُعقد قبل التلبية أو هم مقترنان ؟
الجواب : النية تكفي عن التلبية لكن التلبية أفضل لا شك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيل له صلي بهذا الوادي المبارك وقل عمرة وحجاً .
السائل : يقول سراً ؟
الجواب : لا .. يلبي يرفع صوته بها .
سؤال : تكفي إذا قالها سراً ؟
الجواب : إذا نوى يكفي ، النية تكفي على القول الراجح ، ومذهب الظاهرية لا يكفي لابد من التلبية وجعلوا التلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام .
سؤال : بالنسبة للذي لم يعتمر في حياته ثم أراد الحج هل نقول يجب عليك أن تأتي بعمرة قبل أن تحج ؟
الجواب : لا .. ما يجب إلا إذا قلنا بأن العمرة على الفور كما هو المشهور ، نقول يجب أن تبدأ بالعمرة أو تجعل قران .
سؤال : إذا قلنا إنه ليس في حق أهل مكة التمتع ، يشكل علي أمر النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة بفسخ الحج إلى عمرة هل هو خاص بالأفاقين أو عام .
الجواب : إي هو في الأفاقين لأن أهل مكة أصلاً ما أحرموا إلا يوم ثمانية .
سؤال : لو قال قائل ما هو الدليل على أن المتمتع يوم التروية يحرم بالحج قبل الزوال ؟
الجواب : الدليل حديث جابر صرح بهذا ، حديث جابر صريح ، وأحسن سياق انساق في الحج حديث جابر ، قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر .
سؤال : القارن من أهل مكة هل له أن يحرم من مكة أو يخرج إلى الحل ؟
الجواب : لا .. من مكة .
سؤال : الذي وكل من يشتري له الهدي في مكة وأُخبر أن الهدي اُشتري له قبل أن يذهب من هنا إلى مكة ، هل هو متمتع ؟
الجواب : إي متمتع ما في إشكال متمتع ، مشتري لكن ما سيق ، هل سيق ؟ يشتريه ويضعه في حوش .
سؤال : تقليد الهدي هل هو خاص بالإبل أم يشمل الغنم والبقر ؟
الجواب : لا .. يشمل كل الثلاثة ، لكن الإبل تمتاز بأنها تُشعر .
سؤال : من لا يملك الهدي هل الأفضل له أن يفرد أم يقرن بعمرة ويصوم ... ؟
الجواب: الأفضل أن يتمتع ويصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع


36 ـ بَاب الاغْتِسَال عِنْدَ دُخُول مَكَّةَ
1470 حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُليَّةَ أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ قَال كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهمَا إِذَا دَخَل أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طِوًى ثُمَّ يُصَلي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وَسَلمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلكَ(1)
37 ـ بَاب دُخُول مَكَّةَ نَهَارًا أَوْ ليْلا
بَاتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ بِذِي طِوًى حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ دَخَل مَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهمَا يَفْعَلُهُ.
1471 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِاللهِ قَال حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهمَا قَال بَاتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وَسَلمَ بِذِي طُوًى حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ دَخَل مَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهمَا يَفْعَلُهُ(2)
38 ـ بَاب مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ مَكَّةَ
__________
(1) قوله رضي الله عنه : ( كَانَ يَفْعَلُ ذَلكَ ) يعني الاغتسال لا الإمساك عن التلبية ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ، وفيه دليل يعني في سياق الحديث أن الإشارة قد ترجع إلى بعض المشار إليه ، وإلا لو أخذنا بظاهرها لقلنا إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقطع التلبية إذا دخل الحرم .
(2) يقولون إن ذا طوى هي بئر مطوية ، وتسمى الآن في مكة الزاهر ، حي الزاهر . عندك تكرار ؟
القارئ : يقول : بذي طوى بضم الطاء وفتحها .
الشيخ : فقط .
القارئ : موجودة ومكتوب عليها لوحة بئر طوى .


1472 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَال حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَال حَدَّثَنِي مَالكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما قَال كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُليَا وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلى(1)
39 ـ بَاب مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ
1473 حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ البَصْرِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِاللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ دَخَل مَكَّةَ مِنْ كَدَا مِنَ الثَّنِيَّةِ العُليَا التِي بِالبَطْحَاءِ وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلى قَال أبو عَبْد اللهِ كَانَ يُقَالُ هُوَ مُسَدَّدٌ كَاسْمِهِ قَال أبو عَبْد اللهِ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ لوْ أَنَّ مُسَدَّدًا أَتَيْتُهُ فِي بَيْتِهِ فَحَدَّثْتُهُ لاسْتَحَقَّ ذَلكَ وَمَا أُبَالي كُتُبِي كَانَتْ عِنْدِي أَوْ عِنْدَ مُسَدَّدٍ(2)
__________
(1) وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد المخالفة كما خالف الطريق في صلاة العيد إظهاراً للشعائر وليشهد له الطريقان يوم القيامة بأنه مر بهما في طاعة الله عز وجل . والعليا هي الثنية ريع الحجون وهي مشهورة معروفة، كما قال الشاعر :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسْمُر بمكة سامرٌ
وأما السفلى فهي التي من طريق الجعر ، ويقال : كَدا وكُدا أو كُدي فافتح وادخل وضم واخرج ، مناسبة تماماً ، الإنسان إذا بغى يدخل يفتح ويقال كدى ، وإذا انصرف يغلق الباب فيضم ، يعني إذا أشكل عليك انتبه لهذا المعنى .
(2) الله أكبر ، ثناء عظيم .


1474 حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ لمَّا جَاءَ إِلى مَكَّةَ دَخَل مِنْ أَعْلاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلهَا .
1475 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ المَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ دَخَل عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَا وَخَرَجَ مِنْ كُدًا مِنْ أَعْلى مَكَّةَ(1)
1476 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ دَخَل عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَا أَعْلى مَكَّةَ قَال هِشَامٌ وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ عَلى كِلتَيْهِمَا مِنْ كَدَا وَكُدًا وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَا وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلى مَنْزِلهِ .
__________
(1) بينهما فرق واضح ، الأول كدا بالمد والفتح ، والثانية كُدى بالضم والقصر ، هي مناسبة أيضاً القصر كأن المسافر قصر إقامته في مكة أو ما أشبه ذلك .
سؤال : دخول الرسول صلى الله عليه وسلم وخروجه من مكة هل يعتبر سنة يا شيخ أو يعتبر غير مقصود ؟
الجواب : هذا الذي قلنا لأنه فعل ذلك كما خالف في يوم العيد لإظهار الشعائر ، ولكن يبقى أن يقال : هل هذا متيسر في الوقت الحاضر ؟ ما هو متيسر إلا من جاء على قدميه يمكن ، أما من جاء على سيارة فتعرفون أن السيارات الآن لها اتجاه منظم لراحة الناس فلا بد من السير على هذا الاتجاه ، وحينئذٍ يقال إنك إذا سرت على هذا الاتجاه بناءً على النظام الذي سنه ولي الأمر فأنت مطيع لله عز وجل بهذا فلك أجر على اتباع النظام .


1477 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ عَبْدِالوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ دَخَل النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَا مِنْ أَعْلى مَكَّةَ وَكَانَ عُرْوَةُ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَا وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلى مَنْزِلهِ .
1478 حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ دَخَل النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَا وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِليْهِمَا وَكَانَ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَا أَقْرَبِهِمَا إِلى مَنْزِلهِ قَال أبو عَبْد اللهِ كَدَا وَكُدًا مَوْضِعَانِ(1)
__________
(1) شوف الفتح ما تكلم على الحكم ، يعني فعل عروة ؟
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( من كدا ) بفتح الكاف والمد ، قال أبو عبيد : لا يصرف وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلا مقبرة أهل مكة وهي التي يقال لها الحجون بفتح المهملة وضم الجيم ، وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي ، ثم سُهل في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع ، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة ، وكل عقبة في جبل أو طريق عال فيه تسمى ثنية .
قوله : ( الثنية السفلى ) ذكر في ثاني حديثي الباب وخرج من كُدا وهو بضم الكاف مقصور وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع .
الشيخ : الحكم لعله في الباب الذي قبله ( من أين يدخل ) . هو عادة يستنبط الأحكام في آخر .
تعليق من فتح الباري :

قوله : ( وكانت أقربهما إلى منزله ) فيه اعتذار هشام لأبيه لكونه روى الحديث وخالفه ؛ لأنه رأى أن ذلك ليس بحتم لازم وكان ربما فعله وكثيرا ما يفعل غيره بقصد التيسير ، قال عياض والقرطبي وغيرهما اختلف في ضبط كَدا وكُدا فالأكثر على أن العليا بالفتح والمد والسفلى بالضم والقصر ، وقيل بالعكس ، قال النووي وهو غلط ، قالوا واختلف في المعنى الذي لأجله خالف صلى الله عليه وسلم بين طريقيه فقيل ليتبرك به كل من في طريقه فذكر شيئا مما تقدم في العيد وقد استوعبت ما قيل فيه هناك وبعضه لا يتأتى اعتباره هنا والله أعلم . وقيل الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان وعكسه الإشارة إلى فراقه ، وقيل لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها ، وقيل لأنه صلى الله عليه وسلم خرج منها مختفيا في الهجرة فأراد أن يدخلها ظاهرا عاليا ، وقيل لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلا للبيت . ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح فاستمر على ذلك والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعباس لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كدا فقلت ما هذا قال شيء طلع بقلبي وأن الله لا يطلع الخيل هناك أبدا . قال العباس فذكرت أبا سفيان بذلك لما دخل .
الشيخ : ما أشار إلى أنه أسهل للدخول والخروج .


40 ـ بَاب فَضْل مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا
وَقَوْلهِ تَعَالى : ( وَإِذْ جَعَلنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلى وَعَهِدْنَا إِلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا بَلدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ رَبَّنَا وَاجْعَلنَا مُسْلمَيْنِ لكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلمَةً لكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَليْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )(1)
__________
(1) قوله : ( بَاب فَضْل مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا ، وَقَوْلهِ تَعَالى : { وَإِذْ جَعَلنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وَأَمْنًا ... } ) أي اذكر ( إذ جعلنا البيت ) أي صيرناه (مثابة للناس) يثوبون إليه ( وأمناً ) يأمنون فيه ؛ لأن هذا البيت فيه إقامة المناسك، ولولا إلقاء الأمن عليه لكان فيه الفوضى والنزاع والقتال ، لاسيما في وقتنا هذا أمم مختلفة في أجناسها وأحوالها وعاداتها ولكن الله تعالى جعله آمناً .

{ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلى } قيل إن المراد بمقام إبراهيم كل موضع وقف فيه فيشمل عرفة ومزدلفة ومنى ، وقالوا المراد بالمصلى هنا الدعاء لأن الصلاة في اللغة الدعاء . ولا شك أن أول ما يدخل في ذلك هو المقام المعروف وأول ما يدخل في معنى المصلى الصلاة { وَعَهِدْنَا إِلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل } أي أوصيناهما { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } الطائف بدأ به أولاً لأن الطواف لا يمكن إلا في هذا المكان ، ( العاكفين ) ثنى به لأن الاعتكاف لا يمكن إلا في المساجد ، (الركع السجود ) أخره لأن الركوع والسجود يكون في كل الأرض ((جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) فبدأ بالأخص فالأخص .
ويُذكر أن ملكاً من الملوك نذر أن يقوم بعبادة لله عز وجل لا يشاركه فيه أحد من البشر ، واستفتى العلماء قال أفتوني في هذا النذر ، قالوا : كيف نفتيك ؟ إن كنت تصلي فربما تصادف ناس يصلون، إن صمت كذلك، إن تصدقت كذلك ، فقال أحد العلماء : أخلوا له المطاف ، يعني امنعوا الناس من الطواف وخلوه يطوف هو وحينئذٍ يوفي بنذره . صحيح هذا أو غير صحيح ؟ صحيح لأن ما في مكان يطاف به إلا هذا ، وربما يكون هذا الملك قد وقع في قلبه هذا أو لا يكون الله أعلم لكن هذا حل واضح .
بدأ بالطائفين لأنه أخص ما يكون عند هذا المسجد ، العاكفين على جميع المساجد ، الركع السجود على الأرض كلها، ثم قال عز وجل : { وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا بَلدًا آمِنًا ) وفي الآية الثانية : { هَذَا البَلدَ آمِنًا } والثانية تدل على أنه قام هذا البد وتكون ، ( آمناً ) وصفه البلد بالأمن ليأمن كل من فيه فالبلد نفسه آمن وما فيه آمن حتى الأعجم بمعنى حتى البهائم العجم ، حتى الأشجار ، حتى اللقطة الضائعة آمنة لأنها لا تحل إلا لمنشد . فاستجاب الله دعاءه .
{ وَارْزُقْ أَهْلهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ } ارزق أهله أي أعطهم من الثمرات ، ولا يلزم من هذا أن تكون الثمرات في نفس مكة ، يُجبى إليه كل شيء ، ولكن إبراهيم علية الصلاة والسلام قيَّد قال : {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ } وهذا من تمام أدبه صلى الله عليه وسلم لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما سأل الإمامة في أول الآيات : { قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي } فقيد الله الإجابة فقال : { لا ينال عهدي الظالمين } يعني أجعل من ذريتك إماماً لكن بشرط ألا يكون ظالماً . في الدعاء الثاني تأدب إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال : { وَارْزُقْ أَهْلهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ } لكن الله قال: { وَمَنْ كَفَرَ } فصارت إجابة الله في السؤال الثاني أعم وإجابة الله في السؤال الأول أخص. { قال وَمَنْ كَفَرَ } فهذا الواقع أهل الجاهلية كلهم كفار إلا من شاء الله ومع ذلك هذا البلد آمن ومرزوق أهله من الثمرات ، لكن الكافر قال فيه : { فَأُمَتِّعُهُ قَليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ } أعوذ بالله ، وعلى هذا فيمكن أن يكون الكفار في مكة يرزقون كما يُرزق المسلمون ولكن مآلهم إلى النار . بعد هذا يعني هذه الشريعة الإسلامية مُنع الكافر من دخول الحرم قال الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } .
ثم قال : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ } يعني اذكر يا محمد لهذه الأمة { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } سبحان الله القرآن في غاية البلاغة { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } لم يقل عز وجل وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت ، إشارة إلى أن مشاركة إسماعيل تبع ما هي أصل ، والأصل إبراهيم عليه الصلاة والسلام . {القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} في كلمة القواعد من البيت إشارة إلى عمل هندسي وهو أنه يجب أن يكون للبناء إذا أُريد بقاؤه قواعد تثبته ما يُبنى على سطح الأرض { رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ } هما يرفعان القواعد ويقولان هذا { رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ } لأن الله إذا لم يتقبل من العبد صار عمله خساراً وصار سعيه تعباً . ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائماً قبول العمل . وقول : { إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ } أي المجيب كقوله تعالى : { إن ربي لسميع الدعاء } والعليم ذو العلم الواسع . { رَبَّنَا وَاجْعَلنَا مُسْلمَيْنِ لكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا } الله أكبر ، إبراهيم وإسماعيل يسألان الله عز وجل أن يجعلهما مسلمين له عز وجل لأن الإسلام له سبحانه وتعالى هو العزة والكرامة والعلو والرفعة ، واجعل من ذريتنا {أُمَّةً مُسْلمَةً لكَ } وحصل والحمد لله كان من ذرية إبراهيم وإسماعيل هذا النبي الكريم وهذه الأمة المسلمة { وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلمَةً لكَ } وهل المراد من ذرية أمة مسلمة لك يعني العرب فقط الذين هم بني إسماعيل أم من ذريتنا أمة مسلمة لك العرب في الأصالة وغيرهم بالتبع ؟ هذا هو المتعين ، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يحمل أحد هذا الدين مثلما يحمله العرب بنو إسماعيل وإن كان يوجد من غيرهم من يحمله لكن الأصل العرب ، لا شك في هذا ، وإلا فقد حمله غيرهم كما قال الله تبارك وتعالى : { وآخرين من دونهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم } على أحد التفاسير .
يقول : { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أرنا يعني بينها لنا حتى نراها ، والمناسك جمع منسك وهو مكان النسك أي العبادة ، وأراهم الله عز وجل ذلك : عرفة ، مزدلفة ، منى ، مكة ، أراهم الله ذلك { وَتُبْ عَليْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } أي تب علينا توفيقاً أو تب علينا تجاوزاً أو الأمران ؟ الأمران كما قال الله عز وجل : { ثم تاب عليهم ليتوبوا } هذه تاب عليهم أي توبة توفيق ، والمراد بقوله : { تُبْ عَليْنَا } توبة التوفيق يعني وفقنا للتوبة التي هي توبة التوفيق وللتوبة التي هي توبة التجاوز { إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } وهذا لا يخفى أنه من باب التوسل بأسماء الله تعالى المناسبة للدعاء .
سؤال : ...............؟
الجواب : الأنساك ثلاثة أنواع : إفراد وقران وتمتع وأن أفضلها التمتع إلا من ساق الهدي فالأفضل القران ، بل يتعين القران لأنه لا يمكن أن يحل كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وما هو الذي فيه الهدي من هذه الثلاثة ؟ التمتع بنص القرآن والقران على رأي أكثر العلماء ، ولكنه ليس كالتمتع في وجوب الدم كما قال الإمام أحمد رحمه الله بأنه ليس مثله لكنه يجب الهدي . والذي ليس فيه هدي الإفراد ، وسبق لنا أن القول الراجح أن المتمتع عليه طوافان وسعيان : طواف وسعي للعمرة وطواف وسعي للحج ، وأما القول بإجزاء سعي واحد ضعيف ؛ لأن حديث عائشة وابن عباس صريح في هذا والمعنى يقتضي ذلك لأن العمرة منفردة عن الحج تماماً مستقلة وبينهما حلٌ كامل ، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( دخلت العمرة في الحج )) فمراده أن الصحابة لما سموا الحج وأحرموا بالحج ثم أمرهم أ يجعلوها عمرة أشكل عليهم فقال : (( دخلت العمرة في الحج )) يعني أنها ليست بعيدة منه حتى تستنكروا هذا الشيء .


ش5 ـ وجه ب :
1479 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَال أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَال أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَال سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ رَضِي الله عَنْها قَال لمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلانِ الحِجَارَةَ فَقَال العَبَّاسُ للنَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ اجْعَل إِزَارَكَ عَلى رَقَبَتِكَ فَخَرَّ إِلى الأَرْضِ وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلى السَّمَاءِ فَقَال أَرِنِي إِزَارِي فَشَدَّهُ عَليْهِ(1)
__________
(1) في هذا دليل على أن أحجار الكعبة أحجار عادية من مكة وأما الحجر الأسود فقيل إنه حجر عادي وقيل إنه نزل من الجنة أشد بياضاً من اللبن وأنه سودته خطايا بني آدم ، فإن صح هذا فليس بغريب وإن لم يصح فالأصل أن الأحجار الأرضية بعضها من بعض ولا نجزم بشيء إلا بيقين في مثل هذه الأمور العظيمة الهامة .
وفيه حياء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، شدة حيائه حتى أنه لما جعل إزاره على كتفه من أجل أن يهون عليه نقل الحجارة خر عليه الصلاة والسلام إلى الأرض ، لم يتحمل هذا ، وكانوا في الجاهلية لا يهتمون كثيراً بستر العورة ولهذا يطوفون عراة ليس عليهم شيء والمرأة الحيية التي فيها الحياء كامل تجعل يدها على فرجها وتقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله . إذا كانت يدها صغيرة فيبدوا منه كثيرٌ ، وإن كانت كبيرة لا يبدو منه ، الله أعلم ، المهم أنها تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أُحله
تمشي أمام الناس عارية وتقول لا أحله ؟! كل الناس بينظر، هذا من جهلهم . وجه مناسبة هذا الحديث للباب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شارك في بناء الكعبة .


1480 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلمَةَ عَنْ مَالكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِاللهِ أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْه زَوْجِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال لهَا أَلمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لمَّا بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَقُلتُ يَا رَسُول اللهِ أَلا تَرُدُّهَا عَلى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ قَال لوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لفَعَلتُ فَقَال عَبْدُاللهِ رَضِي الله عَنْه لئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مَا أُرَى رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ تَرَكَ اسْتِلامَ الرُّكْنَيْنِ اللذَيْنِ يَليَانِ الحِجْرَ إِلا أَنَّ البَيْتَ لمْ يُتَمَّمْ عَلى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ(1)
__________
(1) هذا واضح أن قريشاً لما أرادوا بناء الكعبة قصرت بهم النفقة لم يستطيعوا أن يبنوها كاملة على قواعد إبراهيم فرأوا أن يُخرجوا بعضها وحجروها من أجل أن يتم الطواف على الكعبة في الأصل وتركوا الجانب اليمين لأن فيه الحج فصار حد الكعبة في قواعد إبراهيم من جهة اليمن هو حدها الآن ، من جهة الشام حدها دون الحجر . والحجر قيل إنه كله من الكعبة قيل إن أكثره من الكعبة ، وهو المشهور عن العلماء أن أكثره من الكعبة نحو ستة أذرع أو نحوها .

ويقول : عائشة رضي الله عنها عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم أن يردها على قواعد إبراهيم ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر مانعاً وهو خوف الفتنة لأن قومها ـ أي قريشاً ـ كانوا حديثي عهد بكفر ، فلو هدمها ثم أعادها على قواعد إبراهيم وهي من بنائهم حصل بذلك فتنة ، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح إذا لم تتعين المصالح ، وهنا ليست متعينة لأنهم والحمد لله جعلوا هذا الحجر .
وفي هذا الحديث دليل على ترك الأفضل إلى المفضول خوفاً من المفسدة ، وهذه قاعدة عظيمة قعدها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي مأخوذة من قوله تعالى : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } فنهى عن سب آلهتهم مع أنها جديرة بالسب خوفاً من أن يسبوا من هو منزه عن السب وهو الله عز وجل .
وفي هذا دليل على إضافة الشيء إلى سببه دون ذكر الله عز وجل ((لوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ)) ما قال لولا الله ثم ، وهذا نسبة صحيحة ، إذا نسب الإنسان الشيء إلى سببه الصحيح دون ذكر الله عز وجل فهو حق وصحيح وجائز ، وها هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في عمه أبي طالب ، قال : (( لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار )) مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم سبب وليس هو المنجي له أن يكون في الدرك الأسفل . وفي هذا دليل على كذب ما اشتهر عند العوام أن هذا الحجر حجر إسماعيل ، إسماعيل بنى الكعبة على قواعد أصلية ، وهذا مما أخرجه قريش ، حتى غالى بعضهم وقال : إن إسماعيل دُفن تحت الميزاب يعني أن قبره في هذا الحجر ، وهذا أكذب وأكذب وأشد خطراً على الأمة ؛ لأن العوام إذا اعتقدوا هذا وصاروا يصلون في هذا المكان اعتقدوا أنهم يصلون على القبر ، وهذا خطير ، ولذلك يجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس مثل هذه الأشياء، حتى لو قال لك يا فلان أنا والله طفت من دون حجر إسماعيل. صحح كلامه أولاً ثم أجيبه في ذلك . والتصحيح قبل الجواب هو دأب الرسل عليهم الصلاة والسلام . يوسف لما سأله الرجلان عن الرؤيا التي رآها كل واحد منهما ذكر التوحيد قبل أن يجيبهما ، دعاهما إلى التوحيد قبل أن يجيبهما ، وهذه مسألة هامة أيضاً أنه إذا جاء إنسان يسألك فاعلم أنه جاء مفتقراً إليك سيقبل ما فيك فابدأه أولاً بنصيحة إذا كان على وجه يجب الإنكار عليه ، إذا كان متلبساً إلى شيء يجب إنكاره ؛ لأنه محتاج الآن وقابل للموعظة .
وفي هذا صحة استنباط عبد الله بن عمر رضي الله عنه حيث قال : ما أرى ترك استلام الركنين الشامي والغربي إلا أنهما ليسا على قواعد إبراهيم . وهذا استنتاج صحيح .
سؤال : أحسن الله إليكم ، الذي طاف البيت وفي شوط واحد من الأشواط طاف من خارج الحجر هل يصح طوافه ؟
الجواب : شوط واحد فقط ؟ يكون طاف سبعة أشواط إلا ست فما رأيك ؟
السائل : رأيي غير تام .
الجواب : ولهذا تجد المسألة واضحة ، فإن كان طواف الوداع فعليه دم ، وإن كان طواف الإفاضة فهو الآن لم يحل التحلل الثاني ، وإن كان طواف القدوم فالأمر سهل لأنه إذا حج بعده صار قارناً حيث أدخل الحج على العمرة قبل الطواف . أفهمت الآن ؟ صارت ثلاثة أحوال إن كان طواف الوداع فعليه دم ، وإن كان طواف القدوم صار قارناً حيث أدخل الحج على العمرة قبل طوافها لأن هذا الطواف لا يُعتد به ، وإن كان طواف الإفاضة فهو لا يزال الآن على ما بقي من إحرامه فعليه أن يتجنب وأن لا يتزوج إن لم يكن له زوجة حتى يرجع إلى مكة ويطوف طواف الإفاضة .
سؤال : يا شيخ بارك الله فيكم ، قوله : (( قواعد إبراهيم )) هل يُفهم من هذا أن إبراهيم هو أول من بنى الكعبة ؟
الجواب : هذا فيه قولان : القول الأول : أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أول من بنى الكعبة ، وهذا ظاهر القرآن ، والقول الثاني : أنه جدد البناء ، والأول أقرب . وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( فهو حرام كحرمة الله منذ خلق السموات والأرض )) فالمراد : الله كتب حرمته في اللوح المحفوظ .
سؤال : بارك الله فيك ، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح إذا لم تكن متعينة فكيف هذا ؟
الجواب : إي نعم ، يعني مثلاً إذا كانت هذه المصلحة متعينة كالصلاة مثلاً ما يمكن نقول تتركها محاباة لقوم لأنك لو صليت أمامهم حصل في هذا مفسدة .


1481 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالتْ سَأَلتُ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ عَنِ الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ قَال نَعَمْ قُلتُ فَمَا لهُمْ لمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ قَال إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ قُلتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَال فَعَل ذَلكَ قَوْمُكِ ليُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالجَاهِليَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِل الجَدْرَ فِي البَيْتِ وَأَنْ أُلصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ(1)
__________
(1) ظاهر هذا الحديث أن جميع الحجب من البيت ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما سألته عائشة أمن البيت ؟ قال : (( نعم )) فنحتاج إلى بيانه في الشرح .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( عن الجدر ) بفتح الجيم وسكون المهملة كذا للأكثر وكذا هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه وفي رواية المستملي ( الجدار ) قال الخليل : الجدر لغة في الجدار . اهـ. ووهم من ضبطه بضمها لأن المراد الحجر ، ولأبي داود الطيالسي في مسنده عن أبي الأحوص شيخ مسدد فيه ( الجدر أو الحجر ) بالشك ولأبي عوانة من طريق شيبان عن الأشعث (الحجر) بغير شك . قوله : ( أمن البيت هو قال نعم ) هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت ، وكذا قوله في الطريق الثانية ( أن أُدخل الجدر في البيت ) وبذلك كان يفتي ابن عباس كما رواه عبد الرزاق عن أبيه عن مرثد بن شرحبيل قال سمعت ابن عباس يقول لو وليت من البيت ما ولى ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البيت فلم يطاف به إن لم يكن من البيت.

وروى الترمذي والنسائي من طريق علقمة عن أمه عن عائشة قالت : كنت أحب أن أصلي في البيت فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني الحجر فقال صلي فيه فإنما هو قطعة من البيت ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت . ونحوه لأبي داود من طريق صفية بنت شيبة عن عائشة ولأبي عوانة من طريق قتادة عن عروة عن عائشة ولأحمد من طريق سعيد بن جبير عن عائشة وفيه أنها أرسلت إلى شيبة الحجبي ليفتح لها البيت بالليل فقال ما فتحناه في جاهلية ولا إسلام بليل . وهذه الروايات كلها مطلقة وقد جاءت روايات أصح منها مقيدة منها لمسلم من طريق أبي قزعة عن الحارث بن عبد الله عن عائشة في حديث الباب : ( حتى أزيد فيه من الحجر ) وله من وجه آخر عن الحارث عنها : ( فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع ) وله من طريق سعيد بن ميناء عن عبد الله بن الزبير عن عائشة في هذا الحديث : ( وزدت فيها من الحجر ستة أذرع ) وسيأتي في آخر الطريق الرابعة قول يزيد بن رومان الذي رواه عن عروة أنه أراه لجرير بن حازم فحزره ستة أذرع أو نحوها . ولسفيان بن عيينة في جامعه عن داود بن شابور عن مجاهد أن ابن الزبير زاد فيها ستة أذرع مما يلي الحجر وله عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن الزبير ستة أذرع وشبر وهكذا ذكر الشافعي عن عدد لقيهم من أهل العلم من قريش كما أخرجه البيهقي في المعرفة عنه . وهذه الروايات كلها تجتمع على أنها فوق الستة ودون السبعة ، وأما رواية عطاء عند مسلم عن عائشة مرفوعا لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع فهي شاذة والرواية السابقة أرجح لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه وهو أنه أريد بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر فتجتمع مع الروايات الأخرى فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء ولهذا وقع عند الفاكهي من حديث أبي عمرو بن عدي بن الحمراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة في هذه القصة : ( ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع ) فيحمل هذا على إلغاء الكسر ورواية عطاء على جبره ويجمع بين الروايات كلها بذلك ولم أر من سبقني إلى ذلك وسأذكر ثمرة هذا البحث في آخر الكلام على هذا الحديث .
الشيخ : من ثمرات هذا البحث شيء مهم أن الإنسان لو استقبل طرف الحجر مما يلي الشام ، فإن قلنا إن الحجر كله من البيت فاستقباله صحيح ، وإن قلنا إنه ليس من البيت إلا ستة أذرع وشيء فاستقباله غير صحيح ، واضح ؟ واضح .
طيب الآن إذا نظرنا إلى البلاط الموضوع وجدنا أنه دون ذلك متجه إلى نصف البناء القائم ولهذا تجد الذي يصلي حسب اتجاه البلاط تكون الكعبة قريباً عن يمينه إذا كان قريباً من الكعبة ، رأينا ذلك ، ورأينا الذي يكون في الصف الثاني أقرب من الإمام الذي يكون في الصف الأول لأنها تنحني ، فجعلوا قلب البناية القائمة جعلوه هو نقطة الاستقبال وعلى فيكون الحجر كله عن اليمين فيكون في هذا ترك شيء من الكعبة لا يُستقبل . وقد نُبه المسؤولون لكن بعد أن فات الأوان على هذا الذي يعتبره بعض الناس خطئاً لكنه فات الأوان والأمر إن شاء الله واسع وكلما اتسعت الدائرة هان الانحراف . الآن نراجع آخر البحث الذي وعد به رحمه الله .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( ستة أذرع أو نحوها ) قد ورد ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الطريق الثانية وأنها أرجح الروايات وأن الجمع بين المختلف منها ممكن كما تقدم وهو أولى من دعوى الاضطراب والطعن في الروايات المقيدة لأجل الاضطراب كما جنح إليه ابن الصلاح وتبعه النووي لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذر الترجيح أو الجمع ولم يتعذر ذلك هنا فيتعين حمل المطلق على المقيد كما هي قاعدة مذهبهما ويؤيده أن الأحاديث المطلقة والمقيدة متواردة على سبب واحد وهو أن قريشا قصروا عن بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن ابن الزبير أعاده على بناء إبراهيم وأن الحجاج أعاده على بناء قريش ولم تأت رواية قط صريحة أن جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت .
قال المحب الطبري في شرح التنبيه له والأصح أن القدر الذي في الحجر من البيت قدر سبعة أذرع والرواية التي جاء فيها أن الحجر من البيت مطلقة فيحمل المطلق على المقيد فإن إطلاق اسم الكل على البعض سائغ مجازا وإنما قال النووي ذلك نصرة لما رجحه من أن جميع الحجر من البيت وعمدته في ذلك أن الشافعي نص على إيجاب الطواف خارج الحجر ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه ونقل غيره أنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة ولا عن أحد من الصحابة ومن بعدهم أنه طاف من داخل الحجر وكان عملا مستمرا ، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت .
الشيخ : هذا التقييد فيه نظر لأن إيجاب الطواف من وراء الحجر إلزام للناس بما لا يلزم ؛ لأن الطواف إنما يكون بالبيت ، فالزائد لماذا يلزم الناس به لولا أنه من البيت ؟ اللهم إلا أن يكون تغير البناء بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فنعم ، وإلا فقد يقال : لماذا لم يضعوا طرف الحجر أو جدار الحجر مما يلي الشام على حد الكعبة ؟
متابعة التعليق : وهذا متعقب فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت فقد نص الشافعي أيضا كما ذكره البيهقي في المعرفة أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش لقيهم كما تقدم . فعلى هذا فلعله رأى إيجاب الطواف من وراء الحجر احتياطا وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب فلعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده فعلوه استحبابا للراحة من تسور الحجر لاسيما والرجال والنساء يطوفون جميعا فلا يؤمن من المرأة التكشف .
الشيخ : تخفيفاً لئلا يتسوروا الحجر ؟ أسهل من هذا إيش ؟ أن يُهدم الزائد ويُجعل على حد الكعبة الأصلية ، ومن يتصور أن أحداً يطوف وإذا انتهى إلى حد الكعبة الأول قفز مع الجدار ، ما أحد يتصور هذا .
متابعة التعليق : فلعلهم أرادوا حسم هذه المادة وأما ما نقله المهلب عن ابن أبي زيد أن حائط الحجر لم يكن مبنيا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى كان عمر فبناه ووسعه قطعا للشك وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت ففيه نظر ، وقد أشار المهلب إلى أن عمدته في ذلك ما سيأتي في باب بنيان الكعبة في أوائل السيرة النبوية بلفظ لم يكن حول البيت حائط كانوا يصلون حول البيت حتى كان عمر فبنى حوله حائطا جدره قصيرة فبناه ابن الزبير .ا.هـ. وهذا إنما هو في حائط المسجد لا في الحجر فدخل الوهم على قائله من هنا .
ولم يزل الحجر موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به كثير من الأحاديث الصحيحة نعم في الحكم بفساد طواف من دخل الحجر وخلى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظر وقد قال بصحته جماعة من الشافعية كإمام الحرمين ومن المالكية كأبي الحسن اللخمي وذكر الأزرقي أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعا وثلث ذراع منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعا فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت فلا يفسد طواف من طاف دونه والله أعلم .
وأما قول المهلب إن الفضاء لا يسمى بيتا وإنما البيت البنيان لأن شخصا لو حلف لا يدخل بيتا فانهدم ذلك البيت فلا يحنث بدخوله فليس بواضح فإن المشروع من الطواف ما شرع للخليل بالاتفاق فعلينا أن نطوف حيث طاف ولا يسقط ذلك بانهدام حرم البيت لأن العبادات لا يسقط المقدور عليها منها بفوات المعجوز عنه فحرمة البقعة ثابتة ولو فقد الجدار وأما اليمين فمتعلقة بالعرف ويؤيده ما قلناه أنه لو انهدم مسجد فنقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها ولا حرمة لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد فدل على أن البقعة أصل للجدار بخلاف العكس أشار إلى ذلك ابن المنير في الحاشية .
وفي حديث بناء الكعبة من الفوائد غير ما تقدم ما ترجم عليه المصنف في العلم وهو ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس والمراد بالاختيار في عبارته المستحب وفيه اجتناب ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة ، وحديث الرجل مع أهله في الأمور العامة وحرص الصحابة على امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وسلم .
الشيخ : حديث الرجل مع أهله في الأمور العامة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحدث إلى عائشة في هذا الأمر العام .
المهم أن نقول الطواف لابد أن يكون بجميع الحجر ، لا إشكال في هذا لأنه أمر يسير ، وأما الرجل لو قفز وطاف على جدار الحجر لا يصح طوافه. وأما الصلاة فإنا نقول : نعمل فيها باحتياط ونقول : استقبال الحجر من الناحية الشمالية يعني استقبال طرفه غير صحيح احتياطاً ، فنحتاط للطواف ونحتاط للاستقبال .
سؤال : إذا كان الحجر كله من البيت فلا يصير من جهة الشام ركنان مثل الجهة الثانية لأن الحجر نصف دائرة فكيف يكون ؟
الجواب : هو السبب في هذا أنه لو جعلوه مربعاً يعني له زاوية لاستلمه الناس ولم يتفطنوا إلى أنه على غير قواعد إبراهيم ، هذه الزيادة هذه من أجل أن لا يتمسح الناس به .
سؤال : استلام الحجر الأسود والركن اليماني هل يستلم من الجزء المخصوص الذي يسمى الحجر الأسود أو كل الركن ؟
الجواب : يعني من فوق ومن تحت قصدك ؟ أما الحجر واضح إنه الحجر الأسود الذي عليه الطوق .
السائل : الطوق هذا لما جُعل ؟
الجواب : الظاهر أصلاً إنه جُعل لحفظ الحجر وتثبيته .


1482 حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالتْ قَال لي رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ لوْلا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لنَقَضْتُ البَيْتَ ثُمَّ لبَنَيْتُهُ عَلى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ عَليْهِ السَّلام فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ وَجَعَلتُ لهُ خَلفًا قَال أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ خَلفًا يَعْنِي بَابًا .
1483 حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا يَزِيدُ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال لهَا يَا عَائِشَةُ لوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِليَّةٍ لأَمَرْتُ بِالبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلزَقْتُهُ بِالأَرْضِ وَجَعَلتُ لهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ فَذَلكَ الذِي حَمَل ابْنَ الزُّبَيْرِ رَضِي الله عَنْها عَلى هَدْمِهِ قَال يَزِيدُ وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَل فِيهِ مِنَ الحِجْرِ وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِل قَال جَرِيرٌ فَقُلتُ لهُ أَيْنَ مَوْضِعُهُ قَال أُرِيكَهُ الآنَ فَدَخَلتُ مَعَهُ الحِجْرَ فَأَشَارَ إِلى مَكَانٍ فَقَال هَا هُنَا قَال جَرِيرٌ فَحَزَرْتُ مِنَ الحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا(1)
__________
(1) هذا صريح في أن قواعد إبراهيم دون استكمال الحجر المطوق ، وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم أن البيت الواقع الآن على الأكثر ، لأن ستة أذرع ونحوها أكثر من الباقي .

ابن الزبير رضي الله عنه حينما تولى على الحجاز وعاصمة ولايته مكة أخذ بحديث خالته ، فهدم البيت وبناه على قواعد إبراهيم وأتى بالناس حين هدمه وقال : اشهدوا على القواعد الأصلية ، وجعل له بابين شرقياً وغربياً . ثم لما تولى بنو أمية بعد قتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما هدموا ما بناه وأعادوه إلى ما هو عليه الآن . وهذا هو والحمد لله عين المصلحة ؛ لأن الكعبة لو بقيت كما بناها ابن الزبير لحصل في ذلك ضرر وهو أن الناس يدخلون فيها مع هذا الباب إلى الباب الآخر وهي ـ أي الكعبة ـ مقفلة ما فيها فُرَج ولا شيء ، ويحصل في هذا من الاختناق والمزاحمة ما هو ظاهر . الآن والحمد لله لها بابان باب شرقي وباب غربي وهو ما بينها وبين الحجر ، فمن أراد أن يصلي في الكعبة يدخل من أحد البابين ويصلي في الحجر مما يلي الكعبة . ولهذا كان الواقع والحمد لله هو ، يعني كانت المصلحة فيما حصل . ولما تولى أحد الخلفاء من بني أمية ـ وأظنه هارون الرشيد ـ استشار مالكاً رحمه الله أيرد البيت إلى ما بناه ابن الزبير أو لا ؟ فأشار عليه مالك أن لا يفعل وقال له : لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك كلما جاء ملك غيره ، فصار الخير في الواقع والحمد لله .


41 ـ بَاب فَضْل الحَرَمِ
وَقَوْلهِ تَعَالى ( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلدَةِ الذِي حَرَّمَهَا وَلهُ كُل شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلمِينَ ) وَقَوْلهِ جَل ذِكْرُهُ ( أَوَلمْ نُمَكِّنْ لهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِليْهِ ثَمَرَاتُ كُل شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلمُونَ )(1)
1484 حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِالحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْها قَال قَال رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِنَّ هَذَا البَلدَ حَرَّمَهُ اللهُ لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا(2)
__________
(1) قول الله تعالى : { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلدَةِ الذِي حَرَّمَهَا } يعني جعلها حرماً آمناً { وَلهُ كُل شَيْءٍ } هذه الجملة من أحسن ما يكون ؛ لأنه لما قال : { أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلدَةِ الذِي حَرَّمَهَا } قد يفهم فاهم أن ملك الله مقتصر عليها ، فقال : { وَلهُ كُل شَيْءٍ } وهذا يسموه في البلاغة الاحتراس .
{ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلمِينَ } وَقَوْلهِ جَل ذِكْرُهُ : { أَوَلمْ نُمَكِّنْ لهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِليْهِ ثَمَرَاتُ كُل شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لدُنَّا } نمكن لهم أي نهيئ لهم على وجه التمكين ، ( حرماً آمناً ) هو ما كان داخل حدود الحرم المعروفة ، ( يُجبى إليه ) أي يُساق إليه ( ثَمَرَاتُ كُل شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لدُنَّا ) وهذا بيان امتنان الله عز وجل على قريش بهذا الحرم الآمن حتى إن الرجل في الجاهلية الجهلاء لو وجد قاتل أبيه في الحرم لم يقتله لاحترامه عندهم .
(2) واضح ما يحتاج تعليق .


42 ـ بَاب تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا
وَأَنَّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً لقَوْلهِ تَعَالى ( إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الذِي جَعَلنَاهُ للنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلحَادٍ بِظُلمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَليمٍ ) البَادِي الطَّارِي ( مَعْكُوفًا ) مَحْبُوسًا(1)
__________
(1) يريد بهذا رحمه الله { سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ } أي المقيم الذي لا يخرج منه كالمحبوس يعني هو يرى أن المقيم كالمحبوس ، وأما البادي فهو الطاري ويسمى عند الفقهاء الآفاقي نسبة إلى الآفاق . هذه المسألة في الواقع اختلف فيها العلماء ( توريث دور مكة وبيعها وشرائها وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة ) يعني بالمسجد الذي هو المسجد ، ( توريثها ) يعني أنها تورث ، ( بيعها وشراؤها ) بناء على أنها تُملك ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله ، فمنهم من قال : إنه لا يجوز بيعها ولا شراؤها ولا تأجيرها لقوله تعالى : { سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ } ، ومنهم من قال : يجوز بيعها وشراؤها وتأجيرها لأنه إذا ثبت التوريث ثبت الملك وإذا ثبت الملك صار شاملاً لملك العين وملك الانتفاع ، ومنهم من فصَّل قال : أما ملكها وبيعها وشراؤها عيناً فلا بأس به فهو ثابت ، وأما تأجيرها فلا يجوز، وأما من عنده فضل مساكن في مكة يجب عليه فتحها للحجاج فلا يختص به وعللوا ذلك بأن مكة حرم كالمساجد . وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يجري فيها ملك العين من بيع وشراء وهبة وتوريث وغير ذلك ولا يجري فيها ملك المنفعة بل يكون صاحب البيت أحق به من غيره وإذا استغنى عنه وجب فتحه للناس يسكنونه بدون أجره .

لكن العمل الآن على أنه ملكٌ تام يملك فيه المالك العين والمنفعة ، ولهذا يجري فيه التبايع ويجري فيه التأجير والرهن والارتهان والإيقاف وغير هذا . انظر الخلاف في الشرح .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة لقوله تعالى : { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء ... } الآية ) أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن . أخرجه ابن ماجه ، وفي إسناده انقطاع وإرسال ، وقال بظاهره ابن عمر ومجاهد وعطاء قال عبد الرزاق عن ابن جريج كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم فأخبرني أن عمر نهى أن تبوب دور مكة لأنها ينزل الحاج في عرصاتها ، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو واعتذر عن ذلك لعمر .
وروى الطحاوي من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد أنه قال : مكة مباح لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها وروى . عبد الرزاق من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر : لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها . وبه قال الثوري وأبي حنيفة وخالفه صاحبه أبو يوسف واختلف عن محمد ، وبالجواز قال الجمهور واختاره الطحاوي .
ويجاب عن حديث علقمة على تقدير صحته بحمله على ما سيجمع به ما اختلف عن عمر في ذلك واحتج الشافعي بحديث أسامة الذي أورده البخاري في هذا الباب قال الشافعي : فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه وبقوله صلى الله عليه وسلم عام الفتح : (( من دخل در أبي سفيان فهو آمن )) فأضاف الدار إليه . واحتج ابن خزيمة بقوله تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } فنسب الله الديار إليهم كما نسب الأموال إليهم ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دور ليست بملك لهم .
قال ولو كانت الدور التي باعها عقيل لا تملك لكان جعفر وعلي أولى بها إذ كانا مسلمين دونه . وسيأتي في البيوع أثر عمر أنه اشترى دارا للسجن بمكة ولا يعارض ما جاء عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه كان ينهى أن تغلق دور مكة في زمن الحاج أخرجه عبد بن حميد ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد إن عمر قال : يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء .
وقد تقدم من وجه آخر عن عمر فيجمع بينهما بكراهة الكراء رفقا بالوفود ، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء وإلى هذا جنح الإمام أحمد وآخرون . واُختلف عن مالك في ذلك قال القاضي إسماعيل ظاهر القرآن يدل على أن المراد به المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر دور مكة ، وقال الأبهري : لم يختلف قول مالك وأصحابه في أن مكة فتحت عنوة واختلفوا هل مَنَّ بها على أهلها لعظم حرمتها أو أُقرت للمسلمين ومن ثم جاء الاختلاف في بيع دورها والكراء ، والراجح عند من قال أنها فتحت عنوة أن النبي صلى الله عليه وسلم مَنَّ بها على أهلها فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك ذكره السهيلي وغيره .
وليس الاختلاف في ذلك ناشئاً عن هذه المسألة فقد اختلف أهل التأويل في المراد بقوله هنا المسجد الحرام هل هو الحرم كله أو مكان الصلاة فقط، واختلفوا أيضا هل المراد بقوله سواء في الأمن والاحترام أو فيما هو أعم من ذلك وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضا . قال ابن خزيمة : لو كان المراد بقوله تعالى : { سواء العاكف فيه والباد } جميع الحرم وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر ولا التغوط ولا البول ولا إلقاء الجيف والنتن .
الشيخ : ليس هذا من لازم القول ، يقول لو قلنا بهذا ما كان لأحد أن يبول في مكة ولا يتغوط لأنها مسجد !
متابعة التعليق : قال ولا نعلم عالما منع من ذلك ولا كره لحائض ولا لجنب دخول الحرم ولا الجماع فيه ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة وحوانيتها ولا يقول بذلك أحد والله أعلم .
قلت : والقول بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ورد عن ابن عباس وعطاء ومجاهد أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم والأسانيد بذلك كلها إليهم ضعيفة وسنذكر في باب فتح مكة من المغازي الراجح من الخلاف في فتحها صلحا أو عنوة إن شاء الله تعالى .
الشيخ : ما ذكر كلام شيخ الإسلام رحمه الله إلا أن ذكره أثر عمر أنه أمر بأن لا يكون عليها أبواب أيام الحج يؤيد ما قاله الشيخ رحمه الله .


1485 حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَال أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَليِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِي الله عَنْهما أَنَّهُ قَال يَا رَسُول اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ فَقَال وَهَل تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالبٍ هُوَ وَطَالبٌ وَلمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلا عَليٌّ رَضِي الله عَنْهما شَيْئًا لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلمَيْنِ وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالبٌ كَافِرَيْنِ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِي الله عَنْه يَقُولُ لا يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ(1)
قَال ابْنُ شِهَابٍ وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْل اللهِ تَعَالى ( إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيل اللهِ وَالذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْليَاءُ بَعْضٍ ) الآيَةَ(2)
43 ـ بَاب نُزُول النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مَكَّةَ
1486 حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَال حَدَّثَنِي أَبُو سَلمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنْه قَال قَال رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلى الكُفْرِ(3)
__________
(1) يقوله معللاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور )) وإلا فالحديث ثابت : (( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم )) .
(2) يعني يتأولونه ينزلونه على اختلاف الذين لا ميراث بينهم .
(3) اقرأ الشرح في الفتح .
تعليق من فتح الباري :

قوله : ( باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم مكة ) أي موضع نزوله ووقع هنا في نسخة الصغاني قال أبو عبد الله : ( نسبت الدور إلى عقيل وتورث الدور وتباع وتشترى ) قلت والمحل اللائق بهذه الزيادة الباب الذي قبله لما تقدم تقريره والله أعلم .
قوله : ( حين أراد قدوم مكة ) بيَّن في الرواية التي بعدها أن ذلك كان حين رجوعه من منى ، قوله : ( إن شاء الله تعالى ) هو على سبيل التبرك والامتثال للآية .
الشيخ : قوله من التبرك ، خطأ بل هو للتعليل ولو شاء الله تعالى ما حصل لهم نزول ، وقد قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله } .


1487 حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الوَليدُ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَال حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنْه قَال قَال النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مِنَ الغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلى الكُفْرِ يَعْنِي بذَلكَ المُحَصَّبَ وَذَلكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ تَحَالفَتْ عَلى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِالمُطَّلبِ أَوْ بَنِي المُطَّلبِ أَنْ لا يُنَاكِحُوهُمْ وَلا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلمُوا إِليْهِمُ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ .
وَقَال سَلامَةُ عَنْ عُقَيْلٍ وَيَحْيَى بْنُ الضَّحَّاكِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ وَقَالا بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلبِ قَال أبو عَبْد اللهِ بَنِي المُطَّلبِ أَشْبَهُ(1)
__________
(1) هذا التقاسم يعني التحالف ، تحالفهم مع بعضهم ، لكن أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُبدل شعائر الكفر بشعائر الإسلام فينزل في هذا المكان الذي تقاسمت فيه قريش يعني تحالفت على مهاجرة بني هاشم وبني عبد المطلب ، يقول : ( وبنو المطلب أشبه ) . واحد أو بعضه متصل بالثاني ؟
سؤال : هل نزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة بعد خروجه من منى؟
الجواب : لا .. لا .. بعد أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من منى نزل بالمحصب .
السائل : المحصب بين مكة ومنى الآن ؟
الجواب : إي نعم في ذلك الوقت بين مكة ومنى ، الآن في وسط مكة ولا يمكن أن يُنزل فيه الآن ، على أن النزول في المحصب بعد النفر من منى مختلف فيه ، فقيل إنه سنة ، وقالت عائشة إنما نزله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أسهل لخروجه .
سؤال : هل يجوز استلام الركن بدون طواف ؟

الجواب : والله ما أعرف الآن إلا أن استلام الركن يعني الحجر الأسود من مستحبات الطواف فقط ، يعني حتى الآن ما بلغني ولم أصل إلى أن استلامه مطلقاً سنة .
سؤال : أحسن الله إليكم ، يعني ( إن شاء الله ) متى يكون للتبرك ؟
الجواب : في شيء محقق ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور : (( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون )) وهذه المسألة في الشيء المحقق إذا ورد التعليق بالمشيئة فقيل إنها للتبرك ، وقيل إنها للتعليل ، وقيل إنها شرط للوصف لا لأصل الفعل ، فمثلاً ( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ) نقول للتبرك ، أو إنها للتحقيق وأن ذلك واقع بمشيئة الله ، أو أن المعنى وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يعني في الموت على الإيمان . ومن ذلك إذا قال الإنسان أنا مؤمن إن شاء الله . هل يجوز أو لا يجوز ؟ اختلف في هذا العلماء ، منهم من قال إنه لا يجوز وأن الإنسان إذا قال أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر . بناءً على أن التعليق للشك والتردد ، ونحن نقول : إنه إذا قال أنا مؤمن إن شاء الله فعلى حسب النية إن كان متردداً ، إن كان الذي حمله على ذلك التردد والشك فلا إشكال أنه كافر ؛ لأن الإيمان يجب أن يكون جزماً ، وإن كان قصده أنا مؤمن إن شاء الله يعني بمشيئة الله فهذا حق يعني لا إيمان إلا بمشيئة الله . وإن قال أن مؤمن إن شاء الله تبركاً لا تعليلاً فهذا أيضاً لا بأس به .
فصارت ثلاثة أقسام : إن قالها تردداً فهو كافر ، إن قالها تبركاً فهو جائز ، إن قالها تعليلاً فهو أن إيمانه وقع بمشيئة الله فهو أيضاً جائز .
طيب ، هل تُقال في الأمور المحققة ؟ مثل إنسان صلى وسلم ، فقلت له أصليت ؟ قال إن شاء الله . فهذا إن أراد الفعل فهو لغو ، وإن أراد الثواب فهو حق . طيب إنسان أعطيته خبزة فأكلها ، قلت أكلت الخبزة ؟ قال إن شاء الله . يحتاج إلى هذا ؟ لا يحتاج ، هذا لغو ، وما أشبه ذلك . المهم أن التعليق بالمشيئة له أحكام مختلفة .


44 ـ بَاب قَوْل اللهِ تَعَالى : { وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا البَلدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْللنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا ليُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَل أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِليْهِمْ } الآيَةَ (1)
__________
(1) ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب آيات فقط وكأنه لم يكن حديث على شرطه . ( بَاب قَوْل اللهِ تَعَالى : { وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا البَلدَ آمِنًا } أي واذكر إذ قال ، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء { رَبِّ اجْعَل هَذَا البَلدَ } وهذا دعاء بعد أن تم البلد {هَذَا البَلدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ } ، { وَاجْنُبْنِي } أي اجعلني أبتعد أنا وبني عن عبادة الأصنام ، والأصنام : كل ما عبد من دون الله فهو صنم سواء كان حجر أو شجر أو قمر أو شمس أو غير ذلك .
وقوله : {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ } هل أجاب الله دعاءه ؟ نقول : أما من جهة بنيه من صلبه فقد أجاب الله دعاءه وأما ذريته من بعد ذلك فإن منهم من عبد الأصنام ، فقريش تعبد الأصنام ، والله عز وجل حكيم يجيب بعض الدعوات دون بعض ويجيب في الدعوة الواحدة بعضها دون بعض .

{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْللنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ } يعني الأصنام أضلت أي صارت سبباً لضلال كثير من الناس { فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } لأنه ابتدأ بهديه { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وهذه دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعوة رؤوفة رحيمة لم يقل من عصاني فأنزل به بأسك ، قال : {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ليس على المعصية إلا إذا كانت المعصية دون الشرك فإن الله قد يغفرها أما الشرك فلا يُغفر ، ولكن الدعاء بالمغفرة للمشرك يعني أن يوفق للإسلام والتوحيد فيُغفر له { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ... } إلى آخرها ، { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ } أي جعلتهم يسكنون { مِنْ ذُرِّيَّتِي } من هنا للتبعيض والمراد بهم إسماعيل وبنوه ، وأما إسحق وبنوه ففي الشام { مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ... } نعم بوادي لأن مكة شرفها الله وادي بين الجبال { غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } يعني لا يُزرع { عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ } وهذا فضل للبيت أنه محرم يعني تحريم تعظيم فهو بمعنى محترم وقوله : { رَبَّنَا ليُقِيمُوا الصَّلاةَ } يعني أني أسكنتهم بهذا ليقيموا الصلاة ، وفيه دليل على أهمية الصلاة ولاسيما في مكة عند بيت الله الحرام { فَاجْعَل أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِليْهِمْ } اجعل بمعنى صيِّر و ( أفئدة ) مفعولها الأول ومفعولها الثاني : ( تهوي إليهم ) أي تميل إليهم . قال : { أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ } ولم يقل أفئدة الناس لأن الحج لا يجب على كل أحد إنما يجب على من كان قادراً .
قال بعض العلماء : لو قال أفئدة الناس تهوي إليهم وأجابه الله لوجب على جميع الناس أن يحجوا ، وفي هذا من المشقة ما هو ظاهر ، لكن الله ألهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يقول : { مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِليْهِمْ } وهذا هو الواقع فما من مسلم مؤمن إلا وقلبه يميل إلى البيت الحرام ويود أن يحج كل عام ويعتمر كل شهر ، وهذا شيء ألقاه الله عز وجل في قلوب العباد ليس لأحد فيه صُنع . { وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون } أي أعطهم من الثمرات لعلهم يشكرون . وقد أجاب الله تعالى دعوته فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ورزقهم من الثمرات كما قال عز وجل : { أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يُجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } .
سؤال : يا شيخ بارك الله فيكم ، قول إبراهيم عليه السلام : {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } هل هذا خوف حقيقي أم هو من باب التمثيل للغير ؟
الجواب : لا .. هذا خوف حقيقي ، ولهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قال : باب الخوف من الشرك ، ثم ذكر الآية ، ثم ذكر في المسائل أنه إذا كان إبراهيم الخليل إمام الحنفاء يخاف من الشرك فما بالك بمن دونه ؟ ومن المعلوم أنه من لم يعصمه الله فلا عاصم له . فيؤخذ من هذا ما أشار إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أنه يجب على الإنسان أن يخاف من الشرك ، يخاف من الرياء ، يخاف من العجب ، وما أشبه ذلك من أنواع الشرك. قد يقول قائل: إن قوله ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) إن قوله أن نعبد الأصنام عائد على بنيه فقط لأنهم هم الذين يتصور منهم أن يعبدوا الأصنام . ويقال : إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع كونه إمام الحنفاء وإمام الموحدين لا يأمن من الشرك كل إنسان لا يأمن
سؤال : أحسن الله إليكم ، قوله ( اجنبني ) يفسره بعضهم اجعلني في جانب وعبادة الأصنام في جانب ؟
الجواب : نعم ، هذه هي .
السائل : ومثله قوله سبحانه : { ومن يحاد الله ورسوله } قال الله ورسوله في جانب وعبادة الأصنام في جانب } ؟
الجواب : لا .. ومن عصى الله ورسوله في جانب لأن من يحاد الله ورسوله أعم من كونها شرك .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، هل صحيح أنه كلما ازداد العبد الطاعة ازداد خوفاً ، وكلما ازداد غفلة زاد أمناً ؟
الجواب : صدقت ، يقولون : من كان بالله أعرف كان منه أخوف ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى السحاب مقبلاً جعل يُقبل ويُدبر ويتغير وجهه حتى تُمطر ، ولما قالت له عائشة يا رسول الله كيف هذا ؟ قال : (( يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب )) لقد عُذب قوم بالريح وهم عاد ، لما أجدبت أرضهم وجاء هذا الهواء العاصف يحمل من الرمال والأتربة ما جعله أسود كأنه سحاب عظيم قالوا { هذا عارض ممطرنا } فقال الله تعالى : { بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها } وقال الحسن ـ فيما أظن أنه الحسن ـ : ما أمن النفاق إلا منافق وما خاف النفاق إلا مؤمن . اللهم أعذنا من النفاق والشرك .


45 ـ بَاب قَوْل اللهِ تَعَالى ( جَعَل اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا للنَّاسِ وَالشَّهْرَ الحَرَامَ وَالهَدْيَ وَالقَلائِدَ ذَلكَ لتَعْلمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُل شَيْءٍ عَليمٌ )(1)
__________
(1) قال الله تعالى : { جَعَل اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا للنَّاسِ } (الكعبة) اسم و (البيت) كذلك اسم ، (الحرام) وصف ، الحرام يعني ذا الحرمة والتعظيم ، (قياماً للناس) في دينهم ودنياهم ، فهو قياماً للناس في دينهم يؤدون فيه المناسك التي هي أحد أركان الإسلام الحج ، وفي دنياهم ما يحصل فيه من الرزق والمكاسب ، كما قال الله عز وجل : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم } أي تجارة وتكسباً كما قال عز وجل في الجمعة إذا قُضيت الصلاة : { فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } فهو قيام للناس في دينهم ودنياهم . كذلك أيضاً (الشهر الحرام) والشهر الحرام واحد يراد به الجنس ، يعني الأشهر الحرم ، وهي يا يحيى الأشهر الحرم ما هي ؟
الطالب : ذو القعدة وذو الحجة والذي قبل ذو القعدة .
الشيخ : لا .. شوال الذي قبل ذو القعدة لكنه ليس منها ، هو من أشهر الحج لكن ليس من الأشهر الحرم . ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، هذه الأشهر الحرم يحرم فيها القتال ، حتى الكفار لا يجوز أن تقاتلهم في هذه الأشهر إلا إن اعتدوا عليك .

واختلف العلماء رحمهم الله هل نُسخ تحريم القتال فيها أو لا ؟ والصحيح أنه لم يُنسخ وأنه لا يجوز قتال الكفار فيها ابتداءً إلا إن ابتدءوا بالقتال أو كان امتداداً لحرب سابقة. طيب ، الشهر الحرام قلت إنه مفرد والمراد الجنس ، إذاً يشمل الأربعة كلهم : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، جعلها الله تعالى قياماً للناس ، لأن الناس في هذه الأشهر الحرم يأمنون حتى في الجاهلية ، يمر الرجل بعدوه في الفلاة في هذه الأشهر لا يقتله، أشهر محترمة معظمة. إذاً تكون قياماً للناس بأي شيء ؟ بالأمن الذي يتمكنون به من السفر للتجارة وغير التجارة .
والهدي قياماً للناس أيضاً ( الهدي والقلائد ) الهدي معروف ، والقلائد ما يُقلد به الهدي جعله الله قياماً للناس ، كيف ذلك ؟ بالنسبة للفقراء الذين ينتفعون به ، واضح أو ما هو بواضح ؟ واضح يأكلون وينعمون ، بالنسبة للأغنياء واضح أيضاً ؛ لأنه يتحرك السوق ، سوق المواشي والبهائم فيكون في ذلك قيام للناس .
ثم قال عز وجل : { ذَلكَ لتَعْلمُوا } يعني بلغناكم ذلك لتعلموا { أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُل شَيْءٍ عَليمٌ } يعلم عز وجل ما في السماوات وما في الأرض من دقيق وجلي وظاهر وخف حتى ما يخفيه الإنسان في قلبه ، قال الله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } بل يعلم عز وجل ما تؤول إليه حالك وأنت لا تعلم كما قال عز وجل : { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} طيب ، وهل هناك علم وراء السماوات والأرض ؟ نعم ، ولهذا قال : {وأن الله بكل شيء عليم } هذا تعميم بعد تخصيص ، السماوات والأرض بالنسبة لكل شيء بعض من كل ، فيكون قوله : { وأن الله بكل شيء عليم} من باب عطف إيش يا أخ ؟ .. ما تعرف ؟ أنت أمامي الآن من أقرب الناس إليَّ ، إذا قلت جاء محمد والطلبة ؟
الطالب : من باب عطف الخاص على العام .
الشيخ : لا .
الطالب : العام على الخاص .
الشيخ : لا .. قلت الخاص على العام ، قلت : لا .. يعني أنت قلت من باب عطف العام على الخاص الظاهر هكذا من دون علم . أيهم أعم إذا قلت جاء محمد وهو من الطلبة ، والطلبة ، أيهما أعم ؟ الثاني ، إذاً { وأن الله بكل شيء عليم } أعم من قوله : { ما في السماوات والأرض } .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، قال الله تعالى : { جَعَل اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قياماً للناس } هذا خاص بالكعبة من دون الحرم كله أو يعم كل الحرم ؟
الجواب : لأن الحرم تبع لها .


1488 حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ(1)
__________
(1) قوله : ( يُخرب الكعبة ) أي يهدمها وينقضها حجراً حجراً ( ذو السويقتين ) تصغير ساقين ، يعني أنه رجل له ساق ضعيفة هزيلة ، وقوله : ( من الحبشة ) بيان لأصل هذا الرجل أنه من الحبشة ومعه جنوده ينقضها حجراً حجراً ، كل واحد منهم يمد الحجر لصاحبه حتى يرميه في البحر . إذاً فهم جنود كثيرة يتمدون الأحجار من مكة إلى جدة .
فإن قال قائل : كيف يمكن الله عز وجل هؤلاء من نقض الكعبة حجراً حجراً ولم يمكن أصحاب الفيل من هدمها ؟ فالجواب : لأن الأمر ظاهر ، هدم الكعبة في وقت الفيل ليس من الحكمة لأنه سيُبعث من هذا المكان مكان الكعبة نبي يقوم به الإسلام وتُحج به الكعبة وتُعظم فيه الكعبة ، فلذلك حماها الله عز وجل لأنه يعلم سبحانه وتعالى أنها ستُعمر ، أما تسليط ذي السويقتين فلأن أهل مكة يمتهنونها ولا يبقى في قلوبهم حرمة لها ويكون الحج إليها كالحج إلى الآثار لا لعبادة الرحمن ، فإذا وصلت الحال بهذا البيت المعظم إلى هذه الإهانة صار بقاؤه بينهم إهانة له ، فسُلط عليه ذو السويقتين . كما أن القرآن الكريم كلام الله عز وجل إذا أعرض الناس عنه إعراضاً كلياً نُزع من المصاحف والصدور أصبح الناس وليس في المصاحف حرف من القرآن وليس في الصدور حرف من القرآن ، لماذا ؟ لأنهم امتهنوه وهو أعظم من أن يبقى بين قوم يمتهنونه . ولهذا يجب على طلبة العلم الآن أن يحموا هذا القرآن العظيم بقدر ما يستطيعون لئلا يُمتهن فيُنزع ، وهذا معنى قول السلف في القرآن : منه ـ أي من الله ـ بدا وإليه يعود .

سؤال : أحسن الله إليكم ، شخص مستطيع بماله وبدنه لكنه كل سنة يقول أحج السنة القادمة بخلاً وتهاوناً ومات على هذه الحال ، هل يجب على ورثته أن يحجوا عنه بماله ؟
الجواب : أما المشهور عند أكثر العلماء فهو يجب أن يُحج عنه من ماله لأن الحج دين في ذمته ، وأما على ما اختاره ابن القيم رحمه الله وهو قوي جداً فإنه لا يُحج عنه ، لماذا ؟ لأنه أخره عمداً ، وذكر رحمه الله أن قواعد الشريعة تقتضي هذا أنه لا يُحج عنه ، فإن قيل هذا ينتقد عليكم في الزكاة لو أخرها تهاوناً حتى مات فيجب إخراجها . فالجواب أن الزكاة يتعلق بها حق آدمي لها طلاب فلا تسقط تُخرج للآدمي لمستحقها والميت يعامل معاملة من لم يُخرجها .
سؤال : بارك الله فيك ، هل نفهم من الآية الأولى استغفار إبراهيم عليه السلام للمشركين أنه يجوز لنا الاستغفار لهم بنية الهداية ؟
الجواب : هذه الآية نسخها قول الله عز وجل : { ما كان للنبي والذين آمنوا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } لكن ادعو الله لهم بالهداية .
سؤال : ما مدى صحة ما يذكرونه في ضابط السلامة من الشرك الأصغر بقولهم : أن تعبد الله وكأن أحداً ليس على وجه أرض الله من عباد الله يراك ؟
الجواب : كيف ؟
السائل : اعبد الله على أرض الله وكأنه ليس أحد من خلق الله يراك ليسلم من الشرك الأصغر إذا قام بعبادة الله ؟
الجواب : لا .. هذا الإحسان يقصدون أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
السائل : من أجل أن يسلم من الشرك الأصغر يستشعر هذا المعنى ؟
الجواب : لا .. اعبد الله وإن كان عندك الناس كلهم وإذا كنت إماماً في العلم فاعبد الله ليراك الناس فيقتدوا بك .
السائل : هم لا يقصدون أن يختفي عن الناس وإنما يستشعر أنه ليس أحد من الخلق يراه فيخلص العبادة لله ؟
الجواب : لا .. غلط ، كيف يستشعر والناس جنبه ؟ لكن نعم يعبده يقول إني أنا سأعبد الله سواء عندي أحد أو ما عندي أحد .


1489 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا الليْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا ح .
وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَال أَخْبَرَنِي عَبْدُاللهِ هُوَ ابْنُ المُبَارَكِ قَال أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالتْ كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْل أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الكَعْبَةُ فَلمَّا فَرَضَ اللهُ رَمَضَانَ قَال رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَليَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَليَتْرُكْهُ(1)
__________
(1) الشاهد من هذا قوله : ( كان يوماً تستر فيه الكعبة ) تعظيماً لها واحتراماً لها لئلا تتلوث بالأمطار والرياح وما أشبه ذلك .


1490 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال ليُحَجَّنَّ البَيْتُ وَليُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ . تَابَعَهُ أَبَانُ وَعِمْرَانُ عَنْ قَتَادَةَ وَقَال عَبْدُالرَّحْمَنِ عَنْ شُعْبَةَ قَال لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُحَجَّ البَيْتُ وَالأَوَّلُ أَكْثَرُ سَمِعَ قَتَادَةُ عَبْدَاللهِ وَعَبْدُاللهِ أَبَا سَعِيدٍ (1)
__________
(1) هذا فيه الحديث الأول قال : ( ليُحَجَّنَّ البَيْتُ وَليُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) خروج يأجوج ومأجوج يكون بعد الدجال وهو من آخر علامات الساعة الكبرى ، ويأجوج ومأجوج قبيلتان عظيمتان كثيرتان من بني آدم ، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما حدَّث أن الله تعالى يقول لآدم يوم القيامة : يا آدم . فيقول : لبيك وسعديك ، فيقول : أخرج من ذريتك بعث النار . قال : يا رب وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعين . من بني آدم كلهم إلى النار والباقي في الجنة. فعظم هذا على الصحابة وقالوا : يا رسول الله أين هذا الواحد ؟ فقال : ((أبشروا إنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج )) .

يأجوج ومأجوج في عهد ذي القرنين كانوا في الشرق ، في شرق آسيا، وطلب منه من دونهم أن يجعل بينهم وبينهم سداً فأجاب وقال : {آتوني زبر الحديد } وأتوا به { فلما ساوى بين الصدفين } أي بين الجبلين جمعوا حديداً عظيماً حتى ساوى الجبلين ، قال : {انفخوا } يعني انفخوا عليه بالنار ، وهذا يقتضي حطباً عظيماً ، فلما جعله ناراً قال : { آتوني أُفرغ عليه قطراً } يعني نحاساً ، هذا الحديث المجمع العظيم الذي ساوى بين الصدفين صار ناراً ثم أُفرغ عليه النحاس المذاب ؛ لأن قوله : { أُفرغ عليه } معناه أنه ذائب حتى يتخلل هذا الحديد ويكون قوياً . قال الله عز وجل : { فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً } أن يظهروه يعني يصعدوا فوقه ويأتون إلى هؤلاء القوم { وما استطاعوا له نقباً } إذاً لا يمكنهم التجاوز لا من فوق ولا من النقب .
ولكن استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة محمراً وجهه وهو يقول : (( لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فُتح اليوم من سد يأجوج ومأجوج مثل هذه هكذا )) وأشار بأصبعه السبابة والإبهام . إذاً شرهم وفسادهم قد انفتح بهذا القدر من عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
هؤلاء القوم يُبعثون البعث الأخير ويخرجون إلى الناس بعد قتل الدجال ، فيوحي الله عز وجل إلى عيسى وهو في ذلك الوقت موجود : (( إني قد أخرجت عباداً لا يدان لأحد بقتالهم )) يعني مأجوج ومأجوج ، يعني ما أحد يقدرهم لأنهم كثير جداً (( فحرز عبادي إلى الطور )) يعني اجعلهم يحترزون إلى الجبل ، فصعد الجبل وحُصر هو ومن معه من المؤمنين ، ثم إن الله تعالى بلطفه أنزل على هؤلاء ـ يأجوح ومأجوج ـ النغف في رقابهم ، دودة تأكل المخ فأصبحوا صرعى في ليلة واحدة ـ سبحان الله ـ حتى أنتن بهم الهواء فرغب عيسى عليه السلام ومن معه إلى الله أن يسد هذا النتن ، فقيل إن الله بعث طيوراً تحمل الرجل ، الطير الواحد يحمل الرجل ويلقيه في البحر . وهذه رواية ، رواية أخرى أن الله بعث عليهم أمطاراً عظيمة اجتثتهم وألقتهم في البحر . ولا منافاة يمكن أن يكون هذا وهذا .
( سيُحج هذا البيت بعد خروج يأجوج ومأجوج ) يحجه عيسى ومن معه ، يحجون البيت الحرام بعد خروج يأجوج ومأجوج ، وأما قوله : ( لا تقوم الساعة حتى لا يُحج البيت ) يقول البخاري رحمه الله والأول أكثر . ولكن عندي أنه لا حاجة للترجيح ، لماذا ؟ لإمكان الجمع ، يعني بعد أن يحج عيسى عليه الصلاة والسلام والمؤمنون معه يموتون ثم بعد ذلك لا يُحج البيت لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق . نشوف هذا البحث من البخاري .
ش6 ـ وجه ب :
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت ) وصله الحاكم من طريق أحمد بن حنبل عنه قال البخاري : ( والأول أكثر ) أي لاتفاق من تقدم ذكره على هذا اللفظ ، وانفراد شعبة بما يخالفهم وإنما قال ذلك لأن ظاهرهما التعارض ؛ لأن المفهوم من الأول أن البيت يحج بعد أشراط الساعة ومن الثاني أنه لا يحج بعدها ، ولكن يمكن الجمع بين الحديثين فإنه لا يلزم من حج الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج في وقت ما عند قرب ظهور الساعة ، ويظهر والله أعلم أن المراد بقوله : ( ليحجن البيت ) أي مكان البيت لما سيأتي بعد باب أن الحبشة إذا خربوه لم يعمر بعد ذلك .
الشيخ : هذا إذا ثبت أن تخريب الحبشة قبل يأجوج ومأجوج ، لكن يحتاج إلى دليل قاطع .
سؤال : يقول الله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً } هل يأجوج ومأجوج لهم نبي ؟
الجواب : نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام .
السائل : هل بلغهم ؟
الجواب : ما ندري هل بلغهم أو لا، لكنهم مفسدين في الأرض.
سؤال : بارك الله فكم ، ما هي آخر العلامات التي تدل على خروج الساعة ؟
الجواب : ما أدري ، ما ظهر لي ترتيب العلامات إلا الدجال ويأجوج ومأجوج ، هذا الحديث فيها صريح ، وإلا طلوع الشمس من مغربها مثلاً ولا يبقى في الأرض مؤمن وما أشبه ذلك ما ظهر لي فيها ترتيب .
السائل : يعيش بعض الناس بعد آخر العلامات أم لا تكون مباشرة ؟
الجواب : لا .. تأتي بغتة لا شك والناس غافلون عنها .


46 ـ بَاب كِسْوَةِ الكَعْبَةِ
1491 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ عَبْدِالوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالدُ بْنُ الحَارِثِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَال جِئْتُ إِلى شَيْبَةَ ح .
وحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَال جَلسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَال لقَدْ جَلسَ هَذَا المَجْلسَ عُمَرُ رَضِي الله عَنْه فَقَال لقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلا بَيْضَاءَ إِلا قَسَمْتُهُ قُلتُ إِنَّ صَاحِبَيْكَ لمْ يَفْعَلا قَال هُمَا المَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا(1)
__________
(1) عمر رضي الله عنه رأى أن هذه المعلق في الكعبة من الذهب والفضة يُقسم بين المسلمين ، يعني أولى به بيت المال ، يقول إنه هم بهذا ، وعمر رضي الله عنه هو الخليفة إذا هم بشيء من يمنعه ؟ لا أحد يمنعه ، فقال له أبو واصل : ( إن صاحبيك لم يفعلا ) يعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، فقال : ( هما المرءان أقتدي بهما ) فامتنع رضي الله عنه . اقرأ الشرح .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب كسوة الكعبة ) أي حكمها في التصرف فيها ونحو ذلك .
الشيخ : ما ذكر أول من كساها ؟
القارئ : قال : فصل في بدء كسوة الكعبة .
الشيخ : اقرأ .
متابعة التعليق من فتح الباري :
قوله حدثنا سفيان هو الثوري في الطريقين وإنما قدم الأولى مع نزولها لتصريح سفيان بالتحديث فيها وأما ابن عيينة فلم يسمعه من واصل بل رواه عن الثوري عنه أخرجه ابن خزيمة من طريقه .

قوله جلست مع شيبة هو ابن عثمان بن طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الله بن عبد الدار بن قصي العبدري الحجبي بفتح المهملة والجيم ثم موحدة نسبة إلى حجب الكعبة يكنى أبا عثمان ، قوله على الكرسي في رواية عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الشيباني عند ابن ماجه والطبراني بهذا السند بعث معي رجل بدراهم هدية إلى البيت فدخلت البيت وشيبة جالس على كرسي فناولته إياها فقال لك هذه فقلت لا ولو كانت لي لم آتك بها قال أما إن قلت ذلك فقد جلس عمر بن الخطاب مجلسك الذي أنت فيه فذكره قوله فيها أي الكعبة قوله صفراء ولا بيضاء أي ذهبا ولا فضة قال القرطبي غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة وإنما أراد الكنز الذي بها وهو ما كان يهدى إليها فيدخر ما يزيد عن الحاجة وأما الحلي فمحبسه عليها كالقناديل فلا يجوز صرفها في غيرها وقال ابن الجوزي كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال تعظيما لها فيجتمع فيها قوله إلا قسمته أي المال وفي رواية عمر بن شبة في كتاب مكة عن قبيصة شيخ البخاري فيه إلا قسمتها وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند المصنف في الاعتصام إلا قسمتها بين المسلمين وعند الإسماعيلي من هذا الوجه لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين ومثله في رواية المحاربي المذكورة ، قوله قلت إن صاحبيك لم يفعلا في رواية بن المهدي المذكورة قلت ما أنت بفاعل قال لم قلت لم يفعله صاحباك وفي رواية الإسماعيلي من هذا الوجه وكذا المحاربي قال ولم ذاك قلت لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى مكانه وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال فلم يحركاه .
قوله : هما المرءان تثنية مرء بفتح الميم ويجوز ضمها والراء ساكنة على كل حال بعدها همزة أي الرجلان ، قوله اقتدى بهما في رواية عمر بن شبة تكرير قوله المرءان اقتدى بهما وفي رواية ابن مهدي في الاعتصام يقتدي بهما على البناء للمجهول وفي رواية الإسماعيلي والمحاربي فقام كما هو وخرج ودار نحو هذه القصة بين عمر أيضا وأبي بن كعب أخرجه عبد الرزاق وعمر بن شبة من طريق الحسن أن عمر أراد أن يأخذ كنز الكعبة فينفقه في سبيل الله فقال له أبي بن كعب قد سبقك صاحباك فلو كان فضلا لفعلاه لفظ عمر بن شبة وفي رواية عبد الرزاق فقال له أبي بن كعب والله ما ذاك لك قال ولم قال أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن بطال أراد عمر لكثرته إنفاقه في منافع المسلمين ثم لما ذُكر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض له أمسك وإنما تركا ذلك والله أعلم لأن ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف فلا يجوز تغييره عن وجهه وفي ذلك تعظيم الإسلام وترهيب العدو .
قلت أما التعليل الأول فليس بظاهر من الحديث بل يحتمل أن يكون تركه صلى الله عليه وسلم لذلك رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ويؤيده ما وقع عند مسلم في بعض طرق حديث عائشة في بناء الكعبة لأنفقت كنز الكعبة ولفظه لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض الحديث فهذا التعليل هو المعتمد ، وحكى الفاكهي في كتاب مكة أنه صلى الله عليه وسلم وجد فيها يوم الفتح ستين أوقية فقيل له لو استعنت بها على حربك فلم يحركه وعلى هذا فإنفاقه جائز كما جاز لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم لزوال سبب الامتناع ولولا قوله في الحديث في سبيل الله لأمكن أن يحمل الإنفاق على ما يتعلق بها فيرجع إلى أن حكمه حكم التحبيس ويمكن أن يحمل قوله في سبيل الله على ذلك لأن عمارة الكعبة يصدق عليه أنه في سبيل الله . واستدل التقي السبكي بحديث الباب على جواز تعليق قناديل الذهب والفضة في الكعبة ومسجد المدينة فقال هذا الحديث عمدة في مال الكعبة وهو ما يهدى إليها أو ينذر لها قال وأما قول الرافعي لا يجوز تحلية الكعبة بالذهب والفضة ولا تعليق قناديلها فيها حكى الوجهين في ذلك أحدهما الجواز تعظيما كما في المصحف والآخر المنع إذ لم ينقل من فعل السلف فهذا مشكل لأن للكعبة من التعظيم ما ليس لبقية المساجد بدليل تجويز سترها بالحرير والديباج وفي جواز ستر المساجد بذلك خلاف .
ثم تمسك للجواز بما وقع في أيام الوليد بن عبد الملك من تذهيبه سقوف المسجد النبوي قال ولم ينكر ذلك عمر بن عبد العزيز ولا أزاله في خلافته ثم استدل للجواز بأن تحريم استعمال الذهب والفضة إنما هو فيما يتعلق بالأواني المعدة للأكل والشرب ونحوهما قال وليس في تحلية المساجد بالقناديل الذهب شيء من ذلك .
وقد قال الغزالي من كتب القرآن بالذهب فقد أحسن فإنه لم يثبت في الذهب إلا تحريمه على الأمة فيما ينسب للذهب وهذا بخلافه فيبقى على أصل الحل ما لم ينته إلى الإسراف انتهى ، وتعقب بأن تجويز ستر الكعبة بالديباج قام الإجماع عليه وأما التحلية بالذهب والفضة فلم ينقل عن فعل من يقتدي به والوليد لا حجة في فعله وترك عمر بن عبد العزيز النكير أو الإزالة يحتمل عدة معان فلعله كان لا يقدر على الإنكار خوفا من سطوة الوليد ولعله لم يزلها لأنه لا يتحصل منها شيء ولاسيما إن كان الوليد جعل في الكعبة صفائح فلعله رأى أن تركها أولى لأنها صارت في حكم المال الموقوف فكأنه أحفظ لها من غيره وربما أدى قلعه إلى إزعاج بناء الكعبة فتركه ومع هذه الاحتمالات لا يصلح الاستدلال بذلك للجواز .
وقوله إن الحرام من الذهب إنما هو استعماله في الأكل والشرب إلخ هو متعقب بأن استعمال كل شيء بحسبه واستعمال قناديل الذهب هو تعليقها للزينة وأما استعمالها للإيقاد فممكن على بعد وتمسكه بما قاله الغزالي يشكل عليه بأن الغزالي قيده بما إذا لم ينته إلى الإسراف والقنديل الواحد من الذهب يكتب تحلية عدة مصاحف وقد أنكر السبكي على الرافعي تمسكه في المنع بكون ذلك لم ينقل عن السلف وجوابه أن الرافعي تمسك بذلك مضموما إلى شيء آخر وهو أنه قد صح النهي عن استعمال الحرير والذهب فلما استعمل السلف الحرير في الكعبة دون الذهب مع عنايتهم بها وتعظيمها دل على أنه بقي عندهم على عموم النهي وقد نقل الشيخ الموفق الإجماع على تحريم استعمال أواني الذهب والقناديل من الأواني بلا شك واستعمال كل شيء بحسبه والله أعلم .
فصل في معرفة بدء كسوة البيت : روى الفاكهي من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه أنه سمعه يقول زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سب أسعد وكان أول من كسا البيت الوصائل ورواه الواقدي عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعا أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عنه ومن وجه آخر عن عمر موقوفا وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال بلغنا أن تبعا أول من كسا الكعبة الوصائل فسترت بها قال وزعم بعض علمائنا أن أول من كسا الكعبة إسماعيل عليه السلام وحكى الزبير بن بكار عن بعض علمائهم أن عدنان أول من وضع أنصاب الحرم وأول من كسا الكعبة أو كسيت في زمنه وحكى البلاذري أن أول من كساها الأنطاع عدنان بن أد ، وروى الواقدي أيضا عن إبراهيم بن أبي ربيعة قال كُسي البيت في الجاهلية الأنطاع ثم كساه رسول الله صلى الله عليه وسلم الثياب اليمانية ثم كساه عمر وعثمان القباطي ثم كساه الحجاج الديباج وروى الفاكهي بإسناد حسن عن سعيد بن المسيب قال لما كان عام الفتح أتت امرأة تجمر الكعبة فاحترقت ثيابها وكانت كسوة المشركين فكساها المسلمون بعد ذلك وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن حسن هو ابن صالح عن ليث هو ابن أبي سليم قال كانت كسوة الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم المسوح والأنطاع ليث ضعيف والحديث معضل .
وقال أبو بكر أيضا حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عجوز من أهل مكة قالت أصيب ابن عثمان وأنا بنت أربع عشرة سنة قالت ولقد رأيت البيت وما عليه كسوة إلا ما يكسوه الناس الكساء الأحمر يطرح عليه والثوب الأبيض وقال ابن إسحاق بلغني أن البيت لم يكسى في عهد أبي بكر ولا عمر يعني لم يجدد له كسوة وروى الفاكهي بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكسو بدنه القباطي والحبرات يوم يقلدها فإذا كان يوم النحر نزعها ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان فناطها على الكعبة زاد في رواية صحيحة أيضا فلما كست الأمراء الكعبة جللها القباطي ثم تصدق بها .
وهذا يدل على أن الأمر كان مطلقا للناس ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت سألت عائشة أنكسو الكعبة قالت الأمراء يكفونكم .
الشيخ : قوله : ( الأمراء يكفونكم ) في هذا دليل على أن الأمور العامة لا يتولاها أفراد الناس إنما يُرجع فيها إلى ولاة الأمور ؛ لأننا لو قلنا يتولاها الناس لحصلت فوضى كل إنسان يريد أن يكون هو المتقدم ، فالأمور العامة لا توكل إلى أفراد الناس إنما يتولاها من يلي الأمر العام .
متابعة التعليق من فتح الباري :
فحصلنا في أول من كساها مطلقا على ثلاثة أقوال إسماعيل وعدنان وتبع وهو أسعد المذكور في الرواية الأولى ولا تعارض بين ما روي عنه أنه كساها الأنطاع والوصائل لأن الأزرقي حكى في كتاب مكة أي تبعا أُرى في المنام أن يكسو الكعبة فكساها الأنطاع ثم أري أن يكسوها فكساها الوصائل وهو ثياب حبرة من عصب اليمن ثم كساها الناس بعده في الجاهلية ، ويجمع بين الأقوال الثلاثة إن كانت ثابتة بأن إسماعيل أول من كساها مطلقا وأما تبع فأول من كساها ما ذكر وأما عدنان فلعله أول من كساها بعد إسماعيل .
وسيأتي في أوائل غزوة الفتح ما يشعر أنها كانت تكسى في رمضان وحصلنا في أول من كساها الديباج على ستة أقوال خالد أو نتيلة أو معاوية أو يزيد أو ابن الزبير أو الحجاج ويجمع بينها بأن كسوة خالد ونتيلة لم تشملها كلها وإنما كان فيما كساها شيء من الديباج وأما معاوية فلعله كساها في آخر خلافته فصادف ذلك خلافة ابنه يزيد وأما ابن الزبير فكأنه كساها ذلك بعد تجديد عمارتها فأوليته بذلك الاعتبار لكن لم يداوم على كسوتها الديباج فلما كساها الحجاج بأمر عبد الملك استمر ذلك فكأنه أول من داوم على كسوتها الديباج في كل سنة .
وقول ابن جريج أول من كساها ذلك عبد الملك يوافق القول الأخير فإن الحجاج إنما كساها بأمر عبد الملك وقول ابن إسحاق إن أبا بكر وعمر لم يكسيا الكعبة فيه نظر لما تقدم عن ابن أبي نجيح عن أبيه أن عمر كان ينزعها كل سنة لكن يعارض ذلك ما حكاه الفاكهي عن بعض المكيين أن شيبة بن عثمان استأذن معاوية في تجريد الكعبة فأذن له فكان أول من جردها من الخلفاء وكانت كسوتها قبل ذلك تطرح عليها شيئا فوق شيء .
وقد تقدم سؤال شيبة لعائشة أنها تجتمع عندهم فتكثر وذكر الأزرقي أن أول من ظاهر الكعبة بين كسوتين عثمان بن عفان وذكر الفاكهي أن أول من كساها الديباج الأبيض المأمون بن الرشيد واستمر بعده وكسيت في أيام الفاطميين الديباج الأبيض وكساها محمد بن سبكتكين ديباجا أصفر وكساها الناصر العباسي ديباجا أخضر ثم كساها ديباجا أسود فاستمر إلى الآن ولم تزل الملوك يتداولون كسوتها إلى أن وقف عليها الصالح إسماعيل بن الناصر في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة قرية من نواحي القاهرة يقال لها بياسوس كان اشترى الثلثين منها من وكيل بيت المال ثم وقفها كلها على هذه الجهة فاستمر ولم تزل تكسى من هذا الوقف إلى سلطنة الملك المؤيد شيخ سلطان العصر فكساها من عنده سنة لضعف وقفها ثم فوض أمرها إلى بعض أمنائه وهو القاضي زين الدين عبد الباسط بسط الله له في رزقه وعمره فبالغ في تحسينها بحيث يعجز الواصف عن صفة حسنها جزاه الله على ذلك أفضل المجازاة .
وحاول ملك الشرق شاه روخ في سلطنة الأشرف برسباي أن يأذن له في كسوة الكعبة فامتنع فعاد راسله أن يأذن له أن يكسوها من داخلها فقط فأبى فعاد راسله أن يرسل الكسوة إليه ويرسلها إلى الكعبة ويكسوها ولو يوما واحدا واعتذر بأنه نذر أن يكسوها ويريد الوفاء بنذره فاستفتى أهل العصر فتوقفت عن الجواب وأشرت إلى أنه إن خشي منه الفتنة فيجاب دفعا للضرر وتسرع جماعة إلى عدم الجواز ولم يستندوا إلى طائل بل إلى موافقة هوى السلطان ومات الأشرف على ذلك .
الشيخ : الله أكبر، أمم، تلك أمة قد خلت، ملوك، خلفاء. قيض الله لهذا البيت من يكرمه ويعظمه ويتسابقون إلى ذلك . اللهم زده تشريفاً وتعظيماً .
سؤال : تزيين الذهب في المصاحف لكن بعض المصاحف تصل أسعارها إلى أسعار مرتفعة جداً ذلك لوضع فيها زينة ، والمصاحف هذه عادة ما يُقرأ فيها ، يعني تُتخذ حلية وما شابه ذلك ؟
الجواب : هذا نتيجة الإسراف لأنه يسرف فيها من الذهب على جلدتها وعلى هوامشها ، وهذه النتيجة لأنهم لا يريدون أن يقرءوا فيها فتتلف عليهم فيبقونها تحف .
سؤال : أحسن الله إليكم يا شيخ ، بعض الأشياء من حاجات المساجد توقف في المساجد فمع الزمن تبلى قد تباع بسعر المستعمل ، فإذا بيعت كيف تُصرف بعد هذا هل تباع ويرد ثمنها للمسجد نفسه ؟
الجواب : إي نعم تباع ويُشترى بدلها في مكانها ، يُشترى شيء يكون بدلها في مكانها .
سؤال : هل من هجر القرآن هجر طلاب العلم لتفسير القرآن ؟
الجواب : قوله تعالى : { وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً } يشمل هجر اللفظ وهجر المعنى وهجر العمل ، قد يكون الإنسان يتلوه ليلاً ونهاراً في كل آن ويكون هاجره لأنه لم يعمل به ، وقد يكون يقرأه لفظاً ولكنه لا يفهمه معنى فيكون هجراً ؛ لأن الله تعالى قال : {كتاب أنزلناه إليك مباركاً ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب } فإذا لم يكن تدبر ولا تذكر فهذا هجر .


47 ـ بَاب هَدْمِ الكَعْبَةِ
قَالتْ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا قَال النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ(1)
1492 حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَليٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ الأَخْنَسِ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُليْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلعُهَا حَجَرًا حَجَرًا(2)
1493 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا الليْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنْه قَال قَال رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ.
48 ـ بَاب مَا ذُكِرَ فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ
__________
(1) هؤلاء القوم يأتون من جهة الشمال يريدون غزو الكعبة حتى إذا كانوا في بيداء من الأرض خسف الله بهم ، حماية للكعبة أن يكون فيها قتال بعد القتال الأول الذي أُحل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(2) يعني كأنه ينظر إليه ، وهذا مما أوحى الله تعالى إليه من صفة هذا الرجل ( أفحج ) يعني بعيد ما بين الفخذين ، وثانياً ( أسود ) يعني أسود اللون ، وسبق أنه ذو السويقتين .


1494 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُمَرَ رَضِي الله عَنْه أَنَّهُ جَاءَ إِلى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلهُ فَقَال إِنِّي أَعْلمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلتُكَ(1)
__________
(1) هذا الحديث هو الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وفيه دليل على أن تقبيل الحجر مجرد اتباع ليس للتبرك به خلافاً لما يظنه كثير من العامة ، حتى إن بعضهم يقف ومعه صبيه فيمسح الحجر ثم يمسح بيده على صبيه يتبرك به ، بل بعضهم حتى في الركن اليماني ، وهذا غلط فتقبيل الحجر واستلام الحجر مجرد اتباع ، ولهذا قال عمر ما قال : ( إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ) يعني لا تضر من عارضك ولا تنفع من وافقك ، ولكن اتباع للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم . قال : ( لولا أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ) . الترجمة فيها شيء في الحديث ؟
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب ما ذكر في الحجر الأسود ) أورد فيه حديث عمر في تقبيل الحجر ، وقوله : (لا تضر ولا تنفع ) وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك ، وقد وردت فيه أحاديث منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا : ( إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب ) أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان وفي إسناده رجاء أبو يحيى وهو ضعيف ، قال الترمذي حديث غريب ويروي عن عبد الله بن عمرو موقوفا وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وقفه أشبه والذي رفعه ليس بقوي .

الشيخ : يعني هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهذا الرجل الذي فيه ، وإذا صح موقوفاً عن عبد الله بن عمرو ، فعبد الله بن عمرو عند المحدثين ممن أخذ عن بني إسرائيل ، وعليه فلا يكون مثل هذا في حكم المرفوع . فالحمد لله .
متابعة التعليق : ومنها حديث ابن عباس مرفوعا نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم أخرجه الترمذي وصححه وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق لكنه اختلط وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه لكن له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة فيقوى بها وقد رواه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن عطاء مختصرا ولفظه الحجر الأسود من الجنة وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط وفي صحيح ابن خزيمة أيضا عن ابن عباس مرفوعا إن لهذا الحجر لسانا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق . وصححه أيضا ابن حبان والحاكم وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضا .
الشيخ : هذا أيضاً لا يُستبعد ؛ لأن الله تعالى قال في الأرض عموماً : { يومئذٍ تُحدث أخبارها } .
سؤال : أحسن الله إليكم ، يلزم من ها كان حجراً أبيض ثم تغير الاسم الحجر الأسود ؟
الجواب : لكن متى اسود ؟ سودته خطايا بني آدم من زمان .
السائل : أشكل علي نسميه الحجر الأسود وقد كان أبيض ؟
الجواب : في ذلك الوقت قبل أن يسود نسميه الحجر الأبيض ، الآن نسميه الحجر الأسود ، والعجيب أن بعض الجهلة لا يسميه الحجر الأسود يسميه الحجر الأسعد ، وهذا غلط ، الصحابة يسمونه الحجر الأسود وأنتم أشد تعظيماً له من الصحابة ؟ نقول الأسود ولا فيه مانع ، حتى هو بنفسه لو قارنت بين أحجار الكعبة التي بُنيت بها وجدته أسود .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، لو كان نازل من الجنة لنظرنا في المعنى إنه لا ينافي كلام عمر ؛ لأنه له حرمة في نفسه ولا ينفع إلا بإذن الله؟
الجواب : إي نعم لا شك ، لكن هل نؤمن ونعتقد بأنه نزل من الجنة ؟ هذا هو محل البحث .
سؤال : الجيش الذي يأتي لغزو الكعبة ألا يكون هو الجيش الذي يخرج لقتال المهدي من الشام فيُخسف به ويبقى منه رجل لأنه سيخرج يبايع عند الكعبة ؟
الجواب : الله أعلم .
السائل : لأنه سيبايع عند الكعبة ؟
الجواب : الحديث مطلق ومثل هذه المطلقات ما يستطيع بها الإنسان الحكم على أي شيء ، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون في أمته كذابون ثلاثون كلهم يدعي أنه نبي ، ما نستطيع أن نقول إنه فلان أو فلان وفلان وبهم تم العدد ، الأشياء هذه الأحسن تبقى مطلقة .


49 ـ بَاب إِغْلاقِ البَيْتِ وَيُصَلي فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شَاءَ
1495 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الليْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَال دَخَل رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ البَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلحَةَ فَأَغْلقُوا عَليْهِمْ فَلمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّل مَنْ وَلجَ فَلقِيتُ بِلالا فَسَأَلتُهُ هَل صَلى فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال نَعَمْ بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ(1)
__________
(1) قوله رحمه الله : ( باب إغلاق البيت ويصلي في أي نواحي البيت شاء ) أراد المؤلف رحمه الله أن يبين أن إغلاق المساجد والكعبة والمساجد للحاجة لا بأس به ، ولا يُقال إن هذا من منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه ؛ لأن هذا لمصلحة أو لحاجة أو لضرورة أحياناً فلا حرج . وقوله : ( ويصلي في أي نواحي البيت شاء ) يعني يصلي داخل البيت في أي نواحيه سواء في الشمال في الجنوب في الشرق في الغرب ، ولكن إلى أين يتجه ؟ يتجه إلى أقرب الجدران إليه ، فمثلاً إذا كان في الجانب الشمالي يتجه إلى الجدار الشمالي ، وإذا كان في الجنوب إلى الجدار الجنوبي ، وإن عكس وصار في الجنوب واتجه إلى الشمال فلا بأس لأنه ولى وجهه شطر المسجد الحرام لكن هذا فيه نوع من إساءة الأدب ؛ لأن الأقرب أولى بالمراعاة من الأبعد .

وظاهر كلام البخاري أنه لا بأس أن يتوجه إلى باب الكعبة ، وهذا محل خلاف ، يعني هل إذا كنت في داخل الكعبة واتجهت إلى الباب هل يُجزئ أو لا ؟ فمن العلماء من قال لا يجزئ ؛ لأن الذي بين يديه فضاء ، ومنهم من قال إنه يجزئ واستدل لذلك بأن الصلاة تجوز في جبل أبي قبيس وهو عال فوق الكعبة لكنه متجه لهواها هوى الكعبة ، قالوا وهذا مثله . والقياس فيه شيء من النظر ؛ لأنه يقال الذي على الجبل ليس له مكان سوى هذا لكن هذا الذي في وسط الكعبة كيف يتجه إلى الباب وهو فضاء ويدع الجدار ؟ شوف الترجمة إيش يقول عليه .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب إغلاق البيت ويصلي في أي نواحي البيت شاء ) أورد فيه حديث ابن عمر عن بلال في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين العمودين وتعقب بأنه يغاير الترجمة من جهة أنها تدل على التخيير والفعل المذكور يدل على التعيين وأجيب بأنه حمل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموضع بعينه على سبيل الاتفاق لا على سبيل القصد لزيادة فضل في ذلك المكان على غيره ويحتمل أن يكون مراده أن ذلك الفعل ليس حتما وإنما كانت الصلاة في تلك البقعة التي اختارها النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من غيرها ويؤيده ما سيأتي في الباب الذي يليه من تصريح ابن عمر بنص الترجمة مع كونه كان يقصد المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي فيه لفضله .
وكأن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى أن الحكمة في إغلاق الباب حينئذ وهو أولى من دعوى ابن بطال الحكمة فيه لئلا يظن الناس أن ذلك سنة وهو مع ضعفه منتقض بأنه لو أراد إخفاء ذلك ما اطلع عليه بلال ومن كان معه وإثبات الحكم بذلك يكفي فيه فعل الواحد وقد تقدم بسط هذا في باب الغلق للكعبة من كتاب الصلاة وظاهر الترجمة أنه يشترط للصلاة في جميع الجوانب إغلاق الباب ليصير مستقبلا في حال الصلاة غير الفضاء والمحكي عن الحنفية الجواز مطلقا وعن الشافعية وجه مثله لكن يشترط أن يكون للباب عتبة بأي قدر كانت ووجه يشترط أن يكون قدر قامة المصلي ووجه يشترط أن يكون قدر مؤخر الرحل وهو المصحح عندهم وفي الصلاة فوق ظهر الكعبة نظير هذا الخلاف والله أعلم .
وأما قول بعض الشارحين إن قوله ويصلي في أي نواحي البيت شاء يعكر على الشافعية فيما إذا كان البيت مفتوحا ففيه نظر لأنه جعله حيث يغلق الباب وبعد الغلق لا توقف عندهم في الصحة .
الشيخ : وفي هذا الحديث تواضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث أغلق على نفسه ومعه أسامة وبلال أما عثمان بن طلحة فهذا لأنه من سدنة البيت ، أسامة بن زيد مولى ، وبلال مولى أيضاً ، أما قصد المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهذا ينبني على أن ما فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتفاقاً هل يُستن به فيه أو لا ؟ فابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه يرى أنه يُستن به فيه ، ولكن ابن عمر رضي الله عنه خالف في فعله هذا سائر الصحابة ، فالصحابة يرون أن ما وقع اتفاقاً بلا قصد ليس بمشروع ، ولا شك أن هذا هو الصواب ، ولكن محبة القلب للنبي صلى الله عليه وسلم تؤدي إلى أن الإنسان يقتدي به حتى في هذا العمل لا تعبداً ولكن من أجل إيش ؟ قوة المحبة ، وهذا مًسلم .
ولهذا لو قال لنا قائل : هل تتبع الدباء في الطعام هل هو سنة أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشتهيه ويتتبعه ؟ الجواب هو الثاني ، لكن لو أن إنساناً من شدة محبته للرسول صلى الله عليه وسلم رأى أن يتأسى به حتى في هذه الحال لا تعبداً فلا حرج ، وتكون العبادة في هذا الحال هي عبادة المحبة لا عبادة التأسي بالفعل . انتبه لهذا الفرق لأن كثيراً من الناس يختلط عليهم الأمر ، فنقول : ما فعله اتفاقاً أو لشهوة نفسية فقط هذا ليس بسنة ، ولكن من كان محباً للرسول صلى الله عليه وسلم محبة تامة وأحب أن يتأسى به في هذا لا تعبداً ولكن من قوة المحبة فهذا إيش ؟ لا بأس به ويثاب على المحبة لا على التأسي .
ش7 ـ وجه أ :
سؤال : المحبة في مسألة تتبعه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ..؟
الجواب : لا فرق يعني في المكان الذي يصلي فيه .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، الذي يظهر من فعل ابن عمر رضي الله عنهما أنه فعل هذا والصحابة رضي الله عنهم لم يحرصوا على ما حرص عليه ، فهو فعله من باب السنة ؟
الجواب : جزاك الله خيراً ، لكن شيخ الإسلام رحمه الله نص على أن ابن عمر خالف أصل جموع الصحابة في هذا ، ويمكن أن يقال ـ أنا قلت ـ إن ابن عمر لا يفعله تعبداً ولكن لقوة محبته وزيادة محبته يفعل هذا ، فيقال: ليس هو أشد محبة للرسول من أبي بكر. على كل حال فيها احتمال .


50 ـ بَاب الصَّلاةِ فِي الكَعْبَةِ
1496 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَل الكَعْبَةَ مَشَى قِبَل الوَجْهِ حِينَ يَدْخُلُ وَيَجْعَلُ البَابَ قِبَل الظَّهْرِ يَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الذِي قِبَل وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلاثِ أَذْرُعٍ فَيُصَلي يَتَوَخَّى المَكَانَ الذِي أَخْبَرَهُ بِلالٌ أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ صَلى فِيهِ وَليْسَ عَلى أَحَدٍ بَأْسٌ أَنْ يُصَليَ فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شَاءَ .
51 ـ بَاب مَنْ لمْ يَدْخُل الكَعْبَةَ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما يَحُجُّ كَثِيرًا وَلا يَدْخُلُ
1497 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالدُ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالدٍ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَال اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَطَافَ بِالبَيْتِ وَصَلى خَلفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَقَال لهُ رَجُلٌ أَدَخَل رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ الكَعْبَةَ قَال لا(1)
__________
(1) قوله : ( وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ ) يعني يحجبه عن الناس لئلا يتزاحموا عليه فيشوشوا عليه صلاته ، ولا يمكن أن نقول إن في هذا حجة لأولئك القوم الذين يتحجرون على من يصلون من جماعتهم خلف المقام لأن الفرق ظاهر ، الناس يتزاحمون على إيش في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووقتنا الحاضر الناس يتزاحمون على الطواف ، يعني المطاف مملوء فلا يحل لأحد أن يعوق الناس ويبقى حجراً على صاحبه .

سؤال : أحسن الله إليكم ، في الحديث الذي قبل هذا قوله : ( وَليْسَ عَلى أَحَدٍ بَأْسٌ أَنْ يُصَليَ فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شَاءَ ) هذا كلام من ؟
الجواب : هذا كلام نافع .
سؤال : بارك الله فيكم ، هل يُسن للإنسان أن يتقصد الصلاة داخل الكعبة في حجر الكعبة ؟
الجواب : يعني هذه من السنة يكفي الحجر .
سؤال : يا شيخ حفظك الله ، من صلى الآن في الحجر من البيت وكان ظهره للبيت كان وجهه إلى الجهة الأخرى الشمالية للجهة الأخرى ؟
الجواب : ما يصح ؛ لأن الجهة الشمالية جدارها خارج الكعبة .
السائل : قلنا ستة أذرع من الحجر من البيت ؟
الجواب : هذه الستة أذرع ليس عليها جدار ؛ لأن الجدار من ورائه فيكون توجه إلى غير الكعبة، على أن هذا مسألة فرضية وإلا من يفعل هذا؟ أعتقد أني لو رأيت أحداً يفعل هذا لأمسكت بيديه وذهبنا به هذا جنون .
سؤال : من أراد أن يخبر الناس أن هذا من البيت لأن الناس الآن تعتقد إن الكعبة هي المبنية ؟
الجواب : ما يخالف ، ما يضر اعتقادهم إن الكعبة هي المبنية ولا يتوجهوا لغير الجهة الصحيحة .


52 ـ بَاب مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الكَعْبَةِ
1498 حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُالوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما قَال إِنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ لمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُل البَيْتَ وَفِيهِ الآلهَةُ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلامُ فَقَال رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَاتَلهُمُ اللهُ أَمَا وَاللهِ لقَدْ عَلمُوا أَنَّهُمَا لمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ فَدَخَل البَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلمْ يُصَل فِيهِ(1)
53 ـ بَاب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَل(2)
__________
(1) في هذا دليل على أنه يجوز أن يدخل البيت ولا يصلي فيه ، وفيه أيضاً تعظيم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لله تبارك وتعالى حيث لم يدخل والأصنام في الكعبة ، وفيه أنه لما دخل الكعبة بعد أن أُخرجت الأصنام أنه كبَّر الله وعظمه وأن الله تعالى أكبر من كل شيء .
سؤال : بارك الله فيك ، هل نقول من دخل الكعبة يسن له أن يكبر إذا دخل ؟
الجواب : لا .. إلا إذا كان لسبب مثل لو أُزيل منها صنم أو نحو ذلك يكبر هذا طيب ، والدليل على هذا أنه في قصة أسامة بن زيد وبلال لم يكبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
(2) الرمل هو سرعة المشي مع مقاربة الخطى بمعنى أن لا تمد الخطوة ، طبيعية لكن أسرع ، وليس المراد به هز الأكتاف كما نشاهد من بعض الحجاج والمعتمرين تجده هكذا هكذا .. لا يسرع ولا شيء يهز كتفه فقط ، هذا ليس بمشروع وإذا رأيت أحداً يفعله فانصحه .


1499 حَدَّثَنَا سُليْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما قَال قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ وَأَصْحَابُهُ فَقَال المُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَليْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَلمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَليْهِمْ (1)
__________
(1) هذا ابتداء الرمي ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما اعتمر عمرة القضية التي جرى عليها الصلح في الحديبية اجتمعت قريش يريدون أن يشمتوا في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه اجتمعوا من الناحية الشمالية ، وقال بعضهم لبعض يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب ، معنى وهنتهم أي أضعفتهم ، لأن المدينة شرفها الله اشتهرت بالحمى حتى دعا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه أن ينقلها منها إلى الجحفة ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود فإنهم يمشون مشياً عادياً لأنهم في هذه الناحية لا تشاهدهم قريش ، والمقصود من الرمل في تلك السنة هو إغاظة المشركين ، هذا هو السبب . فإذا قال قائل : إذا زال هذا السبب فهل تزول مشروعية الرمل ؟ فالجواب : لا .. لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع أمرهم أن يرملوا كل الأشواط حتى ما بين الركنين ، وهذا الأخير ـ أعني الرمل ما بين الركنين ـ هو الذي زال سببه لأن حكمه في الأول أن يُمشى فيه مشياً معتاداً من أجل أن قريش لا يشاهدونهم ، فزال هذا السبب ، فأُمروا أن يكملوا الأشواط الثلاثة من الركن إلى الركن ، فصارت هذه المسألة مركبة من شيئين : شيء بقي الرمل ، وشيء آخر نُسخ هو مشي ما بين الركنين .
السبب لأن مشي ما بين الركنين قد زال سببه أما مشروعية الرمل في الأشواط كلها فسببه لم يزل حقيقة لم يزل ؛ لأن هذا يُذكر المسلمين بالقوة وأن يروا عدوهم أنهم أقوياء ، لولا هذا الرمل ما ذكرنا قصة الرمل في عمرة القضية ولا خطر على البال . فحقيقة الأمر أن السبب باقٍ وهو أن يتذكر المسلمون القوة والجلد والشجاعة .
سؤال : جزاك الله خيراً ، الركعتين بعد الطواف هل هي مقصودة لذاتها أو تجزئ عنها غيرها ؟
الجواب : الظاهر إنها مقصودة لذاتها فلو كانت وقت صلاة وأُقيمة الصلاة صلى الفريضة ثم صلى ركعتين .
سؤال : الرمل يا شيخ أحسن الله إليك لو هناك زحام في المطاف هل يقال يرمل ولو في مكانه مثلاً ؟
الجواب : كيف يرمل وهو في زحام ؟
السائل : وهو في مكانه مثلاً ؟
الجواب : كيف في مكانه ؟
السائل : وهو يمشي ؟
الجواب : الرمل سرعة المشي . يعني معناه أنه يبعد لكي يرمل ؟
السائل : لا يا شيخ وهو في مكانه قد يكون في .......
الجواب : قم أرنا كيف ، قم أمرتك أن تقوم أرنا كيف يرمل وهو في مكانه .
السائل : يعني هو أمامه مثلاً شيء بسيط ولكن الذي أمامه يمشي عادي فهو يرمل مكانه هكذا ....
الجواب : صار حجل ، يحجل هذا ، هذا لا يصلح ، لازم من السرعة لكن لو فرضنا أن في المطاف فجوات أحياناً يستطيع الرمي وأحياناً لا يستطيع ، الأقرب ما يستطيع ولكن لو فُرض أنه لو أبعد عن الكعبة لاستطاع الرمل ولو دنا لم يستطع فما الحكم ؟ قال العلماء : يرمل ولو بعيداً وعللوا هذا بأن المحافظة على فضل يتعلق بذات العبادة أولى من المحافظة على شيء يتعلق بزمانها أو مكانها . وهذه قاعدة نافعة يدل لها أن الإنسان لو دخل وقت الصلاة وهو في حاجة إلى بول أو غائط فهل الأولى أن يصلي الصلاة في وقتها لأنه الأفضل أو أن الأفضل أن يذهب ويقضي حاجته ثم يقبل على صلاته ؟ الثاني ، فهنا المحافظة على ذات العبادة أولى من المحافظة على زمنها .
على مكانها : مثلاًَ إنسان دخل الوقت وهو في مكان كله موشم كله نقوش لو صلى لالتهى بهذه النقوش ، ولكنه إذا خرج من هذا المكان وجد مكاناً ليس فيه ما يلهيه أيهما أولى أن يصلي في المكان الذي فيه ما يلهيه أو أن يخرج ؟ أن يخرج .


54 ـ بَاب اسْتِلامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ
أَوَّل مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلاثًا
1500 حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِي الله عَنْه قَال رَأَيْتُ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّل مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ(1)
55 ـ بَاب الرَّمَل فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ
__________
(1) شوف الترجمة .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول ما يطوف ويرمل ثلاثا ) أورد فيه حديث ابن عمر في ذلك وهو مطابق للترجمة من غير مزيد وقوله ( يخب ) بفتح أوله وضم الخاء المعجمة بعدها موحدة أي يسرع في مشيه ، والخبب بفتح المعجمة والموحدة بعدها موحدة أخرى العدو السريع ، يقال خبت الدابة إذا أسرعت وراوحت بين قدميها ، وهذا يشعر بترادف الرمل والخبب عند هذا القائل وقوله : ( أول ) منصوب على الظرف وقوله : ( من السبع ) بفتح أوله أي السبع طوفات وظاهره أن الرمل يستوعب الطوفة وهو مغاير لحديث ابن عباس الذي قبله لأنه صريح في عدم الاستيعاب وسيأتي القول فيه في الباب الذي بعده في الكلام على حديث عمر إن شاء الله تعالى .
الشيخ : ظاهر كلام البخاري رحمه الله أنه ( أول ما يطوف ) يعني أول ... هل المراد أول طواف يطوفه أو أول ما يبتدئ الطواف ؟ فيه احتمال ، وعلى الاحتمال الثاني يكون استلام الحجر في أول شيء ولو .... لكن الظاهر خلاف ذلك ولكن معنى قوله رحمه الله ( أول ما يكون ) يعني أول طواف يطوفه ، فيكون الاستلام في كل الأشواط ، وفي قوله ( أول ما يطوف ) دليل على أن الاستلام في أول الشوط . وبناء على ذلك إذا انتهى من السبعة فإنه لا يستلم ولا يشير ولا يُكبر ؛ لأنه انتهى الشوط والاستلام والتكبير في أول الشوط .


1501 حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا فُليْحٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما قَال سَعَى النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ تَابَعَهُ الليْثُ قَال حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ .
1502 حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَال أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الخَطَّابِ رَضِي الله عَنْه قَال للرُّكْنِ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَعْلمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ اسْتَلمَكَ مَا اسْتَلمْتُكَ فَاسْتَلمَهُ ثُمَّ قَال فَمَا لنَا وَللرَّمَل إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلكَهُمُ اللهُ ثُمَّ قَال شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَلا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ(1)
__________
(1) فعل عمر رضي الله عنه لا يقال إنه متناقض بل هو جواب عن سؤال قد يرد على النفوس وهو أن الرمل لمراءات المشركين ومراغمتهم وقد زال هذا ، فأراد أن يبين رحمه الله أننا نتمسك بالسنة وإن زال السبب الأول حيث فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك في حجة الوداع . وفي هذا دليل على أن اتباع النص مقدم على القياس وعلى العلة لأن النص هو المعتمد .


1503 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِاللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما قَال مَا تَرَكْتُ اسْتِلامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلا رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَسْتَلمُهُمَا قُلتُ لنَافِعٍ أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ قَال إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي ليَكُونَ أَيْسَرَ لاسْتِلامِهِ(1)
56 ـ بَاب اسْتِلامِ الرُّكْنِ بِالمِحْجَنِ
1504 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالحٍ وَيَحْيَى بْنُ سُليْمَانَ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَال أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما قَال طَافَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلى بَعِيرٍ يَسْتَلمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ(2)
__________
(1) لأن هناك زحام وهو مصمم على أن يستلم لا يمكن أن يرمل ، وفعل ابن عمر رضي الله عنه شاذ منه وإلا فإن الصواب اتباع السنة في هذا وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا لم يتمكن من استلامه بيسر يستلمه بمحجن ويقبل المحجن ، فإن لم يمكن أشار إليه ، الصواب خلاف رأي ابن عمر في هذه المسألة أي في المزاحمة على استلام الحجر .
(2) يُحمل هذا على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شق عليه أن يطوف ماشياً أو أنه أراد أن يُري الناس كيف يطوفون ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء هل يجوز الطواف راكباً لغير عذر أو لا يجوز ؟ فمنهم من أجازه واستدل بهذا الحديث ومنهم من منعه وقال الأصل أن الإنسان يفعل النسك بنفسه وهو إذا كان على البعير لا يتحرك ، الذي يتحرك ويمشي هو البعير . ولننظر إلى الشرح في هذه المسألة .
القارئ : الركوب ؟
الشيخ : نعم الركوب .

القارئ : سيأتي بعد خمسة عشر باب .
الشيخ : طيب ، عد خمسة عشر باباً .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب المريض يطوف راكبا ) أورد فيه حديث ابن عباس وحديث أم سلمة .
حديث ابن عباس : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ طَافَ بِالبَيْتِ وَهُوَ عَلى بَعِيرٍ كُلمَا أَتَى عَلى الرُّكْنِ أَشَارَ إِليْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ ) .
حديث أم سلمة : ( قَالتْ شَكَوْتُ إِلى رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَال طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يُصَلي إِلى جَنْبِ البَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) .
الشيخ : هذا في صلاة الفجر بعد طواف الوداع ورحل إلى المدينة .
متابعة التعليق : أورد فيه حديث ابن عباس وحديث أم سلمة والثاني ظاهر فيما ترجم له لقولها فيه إني أشتكي وقد تقدم الكلام عليهما في باب إدخال البعير المسجد للعلة في أواخر أبواب المساجد وأن المصنف حمل سبب طوافه صلى الله عليه وسلم راكبا على أنه كان عن شكوى وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس أيضا بلفظ ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته ) ووقع في حديث جابر عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكبا ليراه الناس وليسألوه ، فيحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبا لغير عذر ، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيها ، والذي يترجح المنع لأن طوافه صلى الله عليه وسلم وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد ، ووقع في حديث أم سلمة طوفي من وراء الناس وهذا يقتضي منع الطواف في المطاف وإذا حوط المسجد أمتنع داخله إذ لا يؤمن التلويث فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي ، وعلى هذا فلا فرق في الركوب إذا ساغ بين البعير والفرس والحمار .
الشيخ : والحمار ؟ خطأ عظيم ، الفرس نعم لأن روثه وبوله طاهر والحمار نجس ، ولا يؤمن أبداً أن يروث أو يبول ، فجمع الحمار مع الفرس والبعير غلط .
متابعة التعليق : وأما طواف النبي صلى الله عليه وسلم راكبا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها واحتمل أيضاً أن تكون راحلته عُصمت من التلويث حينئذ كرامة له .
الشيخ : عُصمت ؟! عجائب ! هذا احتمال بعيد .
فلا يقاس غيره عليه ، وأبعد من استدل به على طهارة بول البعير وبعره وقد تقدم حديث ابن عباس قبل أبواب .
الشيخ : قوله ( أبعد ) رحمه الله هذا بناء على مذهب الشافعي رحمه الله أن البول والروث من الحيوان نجس ، وهو ضعيف بلا شك ؛ لن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها ولم يأمرهم بالتخلي عن البول . فالصواب أن بول وروث كل ما يؤكل لحمه طاهر ، وما لا يؤكل لحمه فبوله نجس إلا ما يشق التحرز منه مثل الذباب ، الذبابة لها بول أليس كذلك ؟ لها بول لا شك ، واضح ، وقد قيل إنها إذا بالت على أبيض صار أسود وإذا بالت على أبيض صار أسود.
طالب : بيض هذا ؟
الشيخ : لا لا .. ما هو بيض ، ليس بيضاً فلا ندري عن هذا هل هو صحيح أو لا لكنه يُعفى عنها لمشقة التحرز منها ، وعفا بعض العلماء عن بعر الفار إذا كثر وقال إن التحرز منه شاق ، وبعر الفار نجس في الأصل لأن الفار نجس لا يؤكل . لكن أحياناً ـ ولاسيما فيما سبق ـ لما كانت البيوت مفتوحة تجد الفار يكون له جعة على الكتب وتلوث الكتب ، لكن الحمد لله الآن خف لأن البيوت صارت محصنة .
المهم الذي يظهر لي أنه لا يجوز الركوب في الطواف سواء على بعير أو على الأكتاف أو في العربيات إلا إذا كان هناك حاجة ، الحاجة : كمرض الإنسان وكبره والزحام الشديد الذي لا يتحمله ، لأن مع الزحام بعض الناس يتحمله وبعض الناس لا يتحمله ، فالمهم إذا كان لعذر فلا بأس وإذا لم يكن لعذر فلا يجوز ؛ لأن الراكب حقيقة لم يطف ولم يتحرك ، الذي طاف هو البعير .
سؤال : أحسن الله إليكم ، علة الرمل قلنا غير موجودة الآن وهي إظهار القوة ، بعض الناس يقول في الوقت الحاضر الكفار يشاهدون المسلمين بواسطة القنوات فالعلة باقية ، هل القول هذا وجيه ؟
الجواب : هل الكفار الآن يهتمون بالمسلمين ؟ أجب ؟
السائل : لا .
الجواب : أبداً ولا يهمهم شيء حتى لو أظهروا القوة ما يهمهم شيء ؛ لأن كثيراً من حكام المسلمين لا يقومون بالواجب في معاداة المشركين وفي إراءتهم القوة أبداً ، بل بعضهم واضح إنه تبع الكفار . على كل حال إذا رجعنا إلى الأصل قلنا ما قاله عمر رضي الله عنه : شيء فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد لنا من فعله .
سؤال : معلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يكون البيت على اليسار ، وأحياناً يكون الإنسان في طوافه إما لكون النساء معه أو يكون يحمل العربة التي يُحمل فيها الكبار فيلتفت ويجعل البيت على يمينه ، ومادام المسألة ليست فيها عمد فلماذا يقال ببطلان طواف هذا ؟
الجواب : يقال ببطلانه لأن هذا هو الذي جرى عليه المسلمون وهو فعل مجمع عليه ولا خالف فيه أحد فلابد من هذا ، لكن هل مثلاً لو أن الإنسان انحرف قليلاً لإصلاح شيء أو مثلاً للالتفات إلى صاحبه هل نقول إن هذا الشوط يُلغى أو نقول لا يُلغى لأن الانحراف يسير والزمن قليل والحاجة قد تدعو إلى ذلك ، أحياناً مع الزحام قد لا تستطيع أن تتجه اتجاهاً ثانياً ، فهذا أرجو أن لا يكون فيه بأس إذا كان قليلاً الانحراف قليل والزمن قليل نرجو أن لا يكون فيه بأس أن يجعلها خلف ظهر أو أمام وجهه أو عن يمينه .
سؤال: من طاف وهو حامل شخصاً هل يجزئ الطواف عن الاثنين ؟
الجواب : لا يجزئ عن الاثنين إلا إذا كان المحمول مميزاً يقال له انو الطواف فينوي ، أما الغير مميز لا يمكن أن يكون طواف واحداً على نيتين.
سؤال : يا شيخ أحسن الله إليك ، من كان يرمل عادة .... ومع سيره فإنه يقارب الخطى ويسير بسرعة ، هل ينوي في بعض الطواف أنه يرمل في الأشواط الثلاثة وفي الباقي أن هذا عادته أم يجزئ فعله هذا وهو يمشي ؟
الجواب : أفهمتم سؤاله ؟ هذا سؤال معقد كلهم الآن لو سألتهم ما فهموا مرادك .
طالب : لا .. واضح يا شيخ لأنه ما نوى الرمل في الثلاث الأوائل .
الجواب : هذا معناه ؟ يعني كأنه يسرع بغير اختياره ؟ هذا ينوي في الأشواط الثلاثة أنه يرمل ، مثل الأحدب إذا جاء الركوع ينوي إنه راكع إذا ما نوى ما يكون راكع . إنما الأعمال بالنيات يكون هذا على العادة .
سؤال : يا شيخ بارك الله فيك ، الحيوانات التي لا يؤكل لحمها ويصعب التحرز منها هل كونها روثها نجس يعتبر غير نجس مطلقاً مثل الكلاب مثلاً ؟
الجواب : لا .. لا .. الكلب وحتى الهر ، الهر بوله وروثه نجس مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال إنها طاهر إنها من الطوافين عليكم ، البول والروث من كل ما لا يؤكل هذا نجس ، هذا هو الأصل ، لكن إذا كان يسيراً يشق التحرز منه هذا هو محل الخلاف ، فبعضهم عفا عن هذا وقال إن هذا أمر لا يمكن التحرز منه .
سؤال : يا شيخ بارك الله فيكم ، بالنسبة لبعض العوام أحياناً يطوف بالبيت ما يعرف يدعو بالدعاء الوارد ، شخص يأخذ كتاب ويقرأ على هؤلاء ويؤمنون ، هل يجوز هذا يا شيخ ؟
الجواب : وهم يعرف إيش معناه ؟
السائل : بس العوام الذين معه لا يعرفون شيء .
الجواب : ما يجوز ، لابد أن يعلمهم المعنى ، يبدأ يدعو اللهم كذا وكذا أتفهم المعنى ـ يقول للعامي ـ قال له إيش معناه ؟ قال معناه كذا وكذا مشتق من كذا . عرفت ؟
السائل : صعب يا شيخ .
الجواب : صعب ! هذا يدعو بما لا يدري ؟
السائل : الحجاج العجم الذين يأتون ما يدرون ؟
الجواب : هذا هو البلاء ولذلك نقول : لو أن الحجاج وجهوا إلى أن يقال لهم مثلاً عند ابتداء الطواف : الآن يبتدئ الطواف وقل ما شئت ما تريد بلغتك أنت أو باللغة العربية أو ما تريد . لكان أحسن وأنفع ، لكن يأخذ الكتاب وكأنه قرآن يتعبد بتلاوته فقط . عرفت ؟
سؤال : يا شيخ ، بعضهم في الرمل ضبطه بأنه يجري بحيث تكون أحد رجليه في الأرض ؟
الجواب : حتى لو يمشي المشي المعتاد لا يمكن نقل القدم إلى مكان آخر إلا بارتفاع عن الأرض .
السائل : يكون الثاني موجود .
الجواب : إي ما يخالف ، ولو كان هكذا ، الحين إن شاء الله تعالى نروح في الشارع وأرنا ، بالنسبة للطيب بالنسبة للحجاج لا شيء عليهم لأنهم جهال ، لكن بالنسبة لهذا الذي يستلم هذا أرى أنها لا تطيب أما المواضع التي لا تستلم فليطيبها ويكون الذي استلمها استلامه غير مشروع أصلاً . إذا كان فيه طيب يتأكد إنه يعلق بيده أما مجرد رائحة فلا بأس .
في مسألة نود أن نبينها : الطواف والسعي لابد فيهما من نية ، أليس كذلك ؟ ولا أحد يطوف أو يسعى إلا بنية ، كما قال بعض العلماء : لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يُطاف ، لكن تعيين الطواف والسعي هل يشترط أن ينوي أنه يطوف للعمرة أو أنه يطوف للحج أو يسعى للعمرة أو يسعى للحج ؟ المشهور من كلام العلماء أنه لابد من التعيين وأنه إذا نسى وطاف وسعى ولم يختر بباله أنها للعمرة أو للحج وجب عليه إعادة الطواف والسعي ؛ لأن لابد أن يُعين ، وقال كثير من العلماء أو أكثر العلماء أنه لا يُشترط التعيين ، وقالوا إن الطواف والسعي بالنسبة للنسك عموماً كالركوع والسجود في الصلاة فكما أن الإنسان في الركوع والسجود لا يجدد النية خاصة فكذلك هذا جزء من النسك . وهذا الحقيقة في سعة للناس ـ القول الثاني ـ لأن كثيراً ما ينسى الإنسان يجيء نعم دخل بنية الطواف لكن غفل عن كونه للحج أو للعمرة . فعلى هذا القول إذا نسي الإنسان أن يعين فإن طوافه صحيح وسعيه صحيح .
في حديث ( أنه يأتي عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب ) فيه دليل على أن المشركين يحبون ضعف المسلمين وعدم قوتهم ، وهذا أمر لا يحتاج إلى إقامة دليل ، كما أنهم يودون من المسلمين أن يكفروا { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً } ، { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم } .
وسبق لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يطوف على بعيره في حجة الوداع أي الأطوفة ؟ القدوم ما طاف على بعيره ، الظاهر أنه في طواف الإفاضة ؛ لأن طواف الوداع صلى بهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة الفجر بعد الطواف ، وظاهره أن الراحلة ليست معه .


57 ـ بَاب مَنْ لمْ يَسْتَلمْ إِلا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَال وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلمُ الأَرْكَانَ فَقَال لهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما إِنَّهُ لا يُسْتَلمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ فَقَال ليْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِي الله عَنْهما يَسْتَلمُهُنَّ كُلهُنَّ.
1505 حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ حَدَّثَنَا ليْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِاللهِ عَنْ أَبِيهِ رَضِي الله عَنْهما قَال لمْ أَرَ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَسْتَلمُ مِنَ البَيْتِ إِلا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ(1)
58 ـ بَاب تَقْبِيل الحَجَرِ
__________
(1) الحديث لم يتم سياقه عند البخاري وذلك لأن ابن عباس لما قال له معاوية رضي الله عنه ( ليس شيء من البيت مهجوراً ) قال له عبد الله بن عباس : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، وما رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستلم إلا الركنين اليمانين ) فرجع معاوية إلى قول ابن عباس .
وسبق لنا أن الحكمة في أنهما لا يستلمان أنهما ليسا على قواعد إبراهيم ، و الظاهر منه أن تقويس الحجر كان أخيراً ؛ لأنه لو بقي زاويتين لاستلمهما الناس ، فإذا كان هكذا مقوساً فلا شيء يُستلم ويكون هذا من باب الاحتراز عن ما لا ينبغي أن يُفعل ، وإن كان سيطول المطاف على الطائفين لكن لمصلحة ، انتبه لهذا الظاهر أنه والله أعلم أنهم اختاروا أن يكون مقوساً لئلا يكون له أركان فتُستلم .


1506 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلمَ عَنْ أَبِيهِ قَال رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِي الله عَنْه قَبَّل الحَجَرَ وَقَال لوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَبَّلكَ مَا قَبَّلتُكَ .
1507 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَال سَأَل رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما عَنِ اسْتِلامِ الحَجَرِ فَقَال رَأَيْتُ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَسْتَلمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَال قُلتُ أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلبْتُ قَال اجْعَل أَرَأَيْتَ بِاليَمَنِ رَأَيْتُ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَسْتَلمُهُ وَيُقَبِّلُهُ(1)
__________
(1) أهل اليمن عندهم يعني إيرادات ، وهذا نص صريح في أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستلم الحجر ويقبله ، والاستلام هو المسح باليمن اليمنى ، والتقبيل معروف وضع الشفتين على الحجر . وقول القائل : ( أرأيت ) كأن ابن عمر رضي الله عنه لشدة محبته للتمسك بالسنة وبخه هذا التوبيخ وقال له : ( أرأيت اجعلها في اليمن ) وأنت الآن في مكة ما في أرأيت ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل هذا فإن تيسر لك فافعل وإن لم يتيسر فلا حرج .
سؤال : يا شيخ بارك الله فيكم ، التقبيل لو تيسر في كل شوط ؟
الجواب : نعم إذا تيسر مع الاستلام .
سؤال : يا شيخ حفظك الله ، هل يُشرع للنساء التقبيل خصوصاً في الزحام ؟
الجواب : المرأة لا ينبغي لها أن تقرب من الحجر في أوقاتنا هذه ؛ لأنه لا يمكن تصل للحجر إلا بزحام شديد .

سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، إذا حافظنا على الحدود لمكة والمشاعر ، مثل حدود الكعبة وحدود عرفة وحدود منى وحدود مزدلفة ، كيف يكون عندنا شك في الحدود التي وضعها إبراهيم وأقرها محمد صلى الله عليه وسلم وتعدت ........ محل الأميال ..........؟
الجواب : من قال هذا ، أبداً نثق يعني بيتك إذا صار واسعاً ويعضه داخل الأميال وبعضه خارج الأميال صار هذا بعضه حرم وبعضه حل . نعم قلنا مكة لكن ما قلنا إنها حرم ، مكة لو تصل إلى الطائف هي مكة ، والحرم كما ذكرت محدد من زمن إبراهيم إلى زمننا هذا والحمد لله . الآن الذي بالتنعيم خارج الحرم ما هم حل مع أن البناء متصل .
ش7 ـ وجه ب :


59 ـ بَاب مَنْ أَشَارَ إِلى الرُّكْنِ إِذَا أَتَى عَليْهِ
1508 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُالوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما قَال طَافَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ بِالبَيْتِ عَلى بَعِيرٍ كُلمَا أَتَى عَلى الرُّكْنِ أَشَارَ إِليْهِ(1)
60 ـ بَاب التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْنِ
1509 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا خَالدُ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا خَالدٌ الحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما قَال طَافَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ بِالبَيْتِ عَلى بَعِيرٍ كُلمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِليْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ خَالدٍ الحَذَّاءِ(2)
__________
(1) قوله : ( كلما أتى على الركن ) يدل على أن الركن اليماني لا يشار إليه ، فالركن اليماني ليس في التقبيل وليس فيه الإشارة عند العجز عن الاستلام ، ما فيه إلا استلام إن تيسر وبدون تكبير ، وإن لم يتيسر يمشي الإنسان على عادته .
(2) شوف الترجمة .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب التكبير عند الركن ) أورد فيه حديث بن عباس المذكور وزاد ( أشار إليه بشيء كان عنده وكبر ) والمراد بالشيء المحجن الذي تقدم في الرواية الماضية قبل بابين وفيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة . قوله : ( تابعه إبراهيم بن طهمان عن خالد ) يعني في التكبير وأشار بذلك إلى أن رواية عبد الوهاب عن خالد المذكورة في الباب الذي قبله الخالية عن التكبير لا تقدح في زيادة خالد بن عبد الله لمتابعة إبراهيم ، وقد وصل طريق إبراهيم في كتاب الطلاق ، وسيأتي الكلام في طواف المريض راكبا في بابه إن شاء الله تعالى .
سؤال : بالنسبة للإشارة إلى الحجر الأسود هل يلزم الوقوف ؟

الجواب : ما يلزم ، لكن ورد حديث عن عمر لكن فيه ضعف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له إن وجدت فرجة فاستلمه وإلا فلا تزاحم . استقبله وكّبِّر .
سؤال : يا شيخ ، بالنسبة للمشير قد يغير اتجاهه ؟
الجواب : إي لابد من استقبال الحجر سواء وقفت أو وأنت ماشي .
سؤال : في بعض الأحيان عندما يرى الإنسان في الطواف البدع التي تحصل يكون في قلبه احتقار لهؤلاء وقد تشمئز نفسه وقد يأتي إليه العجب ، فهل الاحتقار يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم )) ؟
الجواب : أولاً يجب عليك أن تعلم أن المخالفين للشريعة لك فيهم نظران : النظر الأول نظر شرعي فتلومهم وتُنكر عليهم ، والثاني نظر قدري فترحمهم وترق عليهم وتحمد الله أنه عافاك مما ابتلاهم به ؛ لأن هذا حقيقة رجل مثلاً كهل قوي يأتي ببدع عظيمة ترق له ، مسكين هذا اُبتلي بهذه البلوى ، ولهذا لنا نظران في كل معصية بدعة قلبية أو فعلية أو قولية لنا نظران : النظر الأول شرعي نُنكر ، والنظر الثاني قدري نرحم ، ولكن القدري لا يزاحم الشرعي ، الشرعي مُقدم ، ولهذا لما قال الإمام الشافعي رحمه الله : حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال ويُطاف بهم في العشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام. هذا كلام الشافعي في أهل الكلام ، قال شيخ الإسلام : وهم مستحقون لما قاله الشافعي ـ يعني هذا التعذير ـ ولكنك إذا نظرت إليهم بعين القدر رحمتهم ورققت لهم . وهذا هو العدل أما أن تتخذهم سخرية بشيء اُبتلوا به بالجهل أو التقصير فهذا لا ينبغي ، وربما يصيبك ما جاء في الأثر : من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله .
سؤال : ذكرنا البارحة في كون النبي صلى الله عليه وسلم يطوف على الدابة وحمانا هذا على التعليم أن النبي صلى الله عليه وسلم يُعلم الناس ، والعلماء لهم قول في هذه المسألة ، ما هو ضابط المنع يا شيخ ؟
الجواب : المانع أنك إذا صرت على بعير لم تتطف في الواقع ولزمك حرج .
السائل : الدابة تطوف .
الجواب: الدابة هي التي تتحرك، له احتمالات سنأتيها في فتح الباري.


61 ـ بَاب مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبْل أَنْ يَرْجِعَ إِلى بَيْتِهِ
ثُمَّ صَلى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلى الصَّفَا
1510 حَدَّثَنَا أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ ذَكَرْتُ لعُرْوَةَ قَال فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّ أَوَّل شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ ثُمَّ لمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِي الله عَنْهما مِثْلهُ ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ رَضِي الله عَنْه فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ بِعُمْرَةٍ فَلمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلوا(1)
__________
(1) وهذا واضح أنك تبدأ أول ما تبدأ بالنسك لأنك ما أتيت إلى مكة إلا لهذا ، والنبي صلى الله عليه وسلم أناخ بعيره عند باب المسجد ثم طاف، لكن في الوقت الحاضر هذا متعذر أو متعسر لأنه لا يمكن إيقاف السيارات حول المسجد فلابد أن تذهب إلى محلك وتنزل متاعك ثم تأتي بما يتيسر لك { ولا يُكلف الله نفساً إلا وسعها } كانوا في الأول أدركناهم تقف السيارات عند المسعى ، والمسعى قبل أن يُبنى عليه البناء ، كان المسعى في الأول سوق تجارة دكاكين وبيع وشراء ما فيه أحد ، فكانت السيارات تقف عند المسعى وعليها العفش وكل شيء ، فيدخل الإنسان ويأتي عمرته ثم يرجع إلى سيارته ويذهب إلى بيته ، لكن في الوقت الحاضر هذا صعب جداً .


1511 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوَّل مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ.
1512 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِاللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ كَانَ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّل يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيل إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ(1)
__________
(1) بطن المسيل ) يعني الوادي الذي عليه الآن علامة ، الأعمدة الخضراء فيه علامة ابتداء السعي ، والسعي يكون بشدة إذا تيسر ، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم من شدة سعيه تدور به إزاره ، وسبب ذلك أن أصل السعي من أجل سعي أم إسماعيل ، أم إسماعيل أنزلها إبراهيم الخليل عليه السلام هي وابنها في مكان عند الكعبة الآن ، ثم ذهب وجعل عندهما قربة ماء وجراب تمر ، نفذ التمر والماء وعطشت الأم ، ولازم ذلك أن ينقص لبنها فجاع الولد وجعل يتلوى من الجوع والأم ليس عندها أحد ، فرأت أقرب جبل إليها هو الصفا ، ذهبت إليه وصعدت وجعلت تتحسس تتسمع ما رأت أحداً ولا سمعت أحداً ، نزلت متجهة إلى الجبل الثاني المقابل وهو المروة ، لما هبطت في بطن الوادي غابت عن ولدها فجعلت تسعى سعياً شديداً ، سعي أم مشفقة خائفة على طفلها أن يفوت عليه أحد ذئب أو غيره ، حتى تمت سبعة أشواط ، فأمر الله جبريل فنزل وضرب بجناحه أو رجله الأرض حتى نبع الماء ماء زمزم بدون معاول ولا مكاين ولا شيء ، بإذن الله نبع وجعل يذهب يميناً وشمالاً ، فجعلت هي تحجره من شفقتها عليه .
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ((يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً )) ونحن نقول : رحم الله أم إسماعيل ورحمنا أيضاً لو كانت نهراً ما يكون مسجد ، نهر يمشي في وسط المسجد صعب ، لكن من نعمة الله أن هذه المرأة سخرها الله عز وجل فحجرته حتى بقي في مكانه . والعجب أن هذا البئر لا يمكن أن ينضب أبداً ، ما نضب لا في قديم الزمان ولا في حديثه ، ولما صارت البناية الأخيرة للمسجد في التعديل يقولون رأوا نهراً عظيماً يصب في البئر يأتي من قِبل الصفا ، شيء عجيب من شدته ، والله على كل شيء قدير .
وقوله رضي الله عنه : ( كن يسعى بطن المسيل ) هذا السعي سنة للرجال لا إشكال فيه لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهل يُسن للنساء ؟ الجواب : لا يسن ، حكاه بعضهم إجماعاً أنه لا يُسن ؛ لأن المرأة مطلوب منها الستر لا أن تسعى حتى يدور بها إزارها ، فلا يُسن أن تسعى، فإن قال قائل : أليس السعي من أجل أم إسماعيل ؟ فالجواب : بلى لكن أم إسماعيل كانت تسعى وليس عندها أحد ، والآن لا يمكن أن تسعى المرأة إلا عندها أحد ، ولو فُرض أن المسعى خلا من الرجال مطلقاً ليس فيه أحد فقد يقول قائل إنها تسعى المرأة تركض يعني ، لكن الآن لا يمكن .
وكذلك صعودها الصفا والمروة لا يُستحب ، حكاه بعض العلماء إجماعاً أيضاً ؛ لأن الصعود يُظهر منها أكثر مما لو كانت على الأرض ، فلا يُسن لها أن تصعد ، وحينئذٍ يسقط عنها سنتان : سنة السعي وسنة الصعود، كما سقط عنها سنة الرمل في الطواف فإنها لا ترمل في الطواف.
سؤال : أحسن الله إليك ، قوله : ( فما مسحوا الركن حلوا ) كيف هذا ؟
الجواب : مسحوا الركن يعني أتموا الطواف .
سؤال : أحسن الله إليك ، في بعض الأيام يكون المسعى في الدور الأول فاضي ما فيه أحد ، هل يسن للمرأة أن تصعد فوق وتسعى ويكون هذا أفضل أو تسعى مع الرجال ؟
الجواب : لا .. الأولى سد الباب ، الأولى أن لا تصعد .
سؤال: الدور الثاني كون مستوياً على الأرض فما فيه مكان للمصعد؟
الجواب : على كل حال منتهى السعي الواجب حد الجدار ، الجدار الدائري هذا حده مما يلي المسعى هو الحد ، يعني ما هو لازم تدور عليه ؛ لأن حد المسعى الأصلي الذي يجب حد الشباك الموضوع للعربات ، فمن وقف على حده من جهة المروة أو الصفا فقد استكمل السعي .


62 ـ بَاب طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَال
1513 و قَال لي عَمْرُو بْنُ عَليٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَال ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا قَال أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَال قَال كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مَعَ الرِّجَال قُلتُ أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ قَال إِي لعَمْرِي لقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الحِجَابِ قُلتُ كَيْفَ يُخَالطْنَ الرِّجَال قَال لمْ يَكُنَّ يُخَالطْنَ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَال لا تُخَالطُهُمْ فَقَالتِ امْرَأَةٌ انْطَلقِي نَسْتَلمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ قَالتِ انْطَلقِي عَنْكِ وَأَبَتْ يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِالليْل فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَال وَلكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلنَ البَيْتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ قُلتُ وَمَا حِجَابُهَا قَال هِيَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ لهَا غِشَاءٌ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلكَ وَرَأَيْتُ عَليْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا(1)
__________
(1) طواف النساء مع الرجال لا باس به ، ولا يمكن منعه خصوصاً في أوقاتنا هذه ؛ لأن كل امرأة مع محرمها ، ولو مُنع النساء من الاختلاط مع الرجال لضاعت النساء وحصل من الشر أكثر ، ولكن لو جُعلن كما تفعل عائشة حجرة ، يعني بعيدات عن الرجال لكان هذا طيب ، وكانوا هنا يفعلونه في الأيام التي ليس فيها زحام شديد ، يجعلون النساء على الجانب ، وهو عمل طيب ويقال لهن لا تطفن إلا في الليل مثلاً فهذا صعب ، وفي وقتنا هذا الأمر أصعب ، لو قلنا الرجال وحدهم والنساء وحدهم لحصل فتنة كبيرة كل إنسان يستطيع أن يصيد المرأة بدون من يعارضه ، ولكن على الإنسان أن يتقي الله عز وجل ويتجنب زحام النساء بقدر المستطاع ، وعلى المرأة أيضاً أن تنتبه لأولئك الفجار الذين يتصيدون النساء في المطاف ـ والعياذ بالله ـ وتجد الرجل يلتصق بها من أول الطواف إلى آخر الطواف ـ نسأل الله العافية ـ وكم ضُبط من قضية ؟
وفي هذا أيضاً لما ( إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَال قَال كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ ) في هذا دليل على الاحتجاج بالفعل ، أي فعل الصحابة لاسيما مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن الفعل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم ينكره الرسول ولا الله عز وجل فإنه يعتبر جائزاً إن كان من غير العبادة ومشروعاً إن كان من العبادة . تقرأ علينا من فتح الباري ( إذ منع ابن هشام ) :
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( إذ منع ابن هشام ) هو إبراهيم أو أخوه محمد بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي وكانا خالي هشام بن عبد الملك فولى محمدا إمرة مكة وولي أخاه إبراهيم بن هشام إمرة المدينة وفوض هشام لإبراهيم إمرة الحج بالناس في خلافته فلهذا قلت يحتمل أن يكون المراد ، ثم عذبهما يوسف بن عمر الثقفي حتى ماتا في محنته في أول ولاية الوليد بن يزيد بن عبدالملك بأمره سنة خمس وعشرين ومائة قاله خليفة بن خياط في تاريخه . وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك ، لكن روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء قال فرأى رجلا معهن فضربه بالدرة وهذا إن صح لم يعارض الأول لأن ابن هشام منعهن أن يطفن حين يطوف الرجال مطلقا فلهذا أنكر عليه عطاء واحتج بصنيع عائشة وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر . قال الفاكهي ويذكر عن ابن عيينة أن أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله القسري . ا.هـ.
وهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتا ثم تركه فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة ، قوله : ( كيف يمنعهن ) معناه أخبرني ابن جريج بزمان المنع قائلا فيه كيف يمنعهن ، قوله : ( وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال ) أي غير مختلطات بهن ، قوله : ( بعد الحجاب ) في رواية المستملي : ( أبعد ) بإثبات همزة الاستفهام وكذا هو للفاكهي ، قوله : ( إي لعمري ) هو بكسر الهمزة بمعنى نعم .
الشيخ : قوله ( إي لعمري ) وضع ( لعمري ) موضع والله ، بدل ما يقول إي والله قال إي لعمري ، والقسم بلعمري هذا جائز وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووقع من غيره أيضاً ، وليس هو القسم الممنوع لأن أداة القسم غير موجودة فيه وهي الواو والباء والتاء .
متابعة التعليق : قوله : ( لقد أدركته بعد الحجاب ) ذكر عطاء هذا لرفع توهم من يتوهم أنه حمل ذلك عن غيره ودل على أنه رأى ذلك منهن والمراد بالحجاب نزول آية الحجاب وهي قوله تعالى : { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب } وكان ذلك في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش كما سيأتي في مكانه ولم يدرك ذلك عطاء قطعا . قوله : ( يخالطن ) في رواية المستملي : ( يخالطهن ) في الموضعين والرجال بالرفع على الفاعلية ، قوله : ( حَجرة ) بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها راء أي ناحية ، قال القزاز هو مأخوذ من قولهم نزل فلان حجرة من الناس أي معتزلا ، وفي رواية الكشميهني : ( حجزة ) بالزاي وهي رواية عبد الرزاق فإنه فسره في آخره فقال يعني محجوزا بينها وبين الرجال بثوب ، وأنكر بن قرقول حُجرة بضم أوله وبالراء وليس بمنكر فقد حكاه ابن عديس وابن سيده فقالا يقال قعد حجرة بالفتح والضم أي ناحية . قوله : ( فقالت امرأة ) زاد الفاكهي : ( معها ) ولم أقف على اسم هذه المرأة ويحتمل أن تكون دقرة بكسر المهملة وسكون القاف امرأة روى عنها يحيى بن أبي كثير أنها كانت تطوف مع عائشة بالليل فذكر قصة أخرجها الفاكهي ، قوله : ( انطلقي عنك ) أي عن جهة نفسك قوله : (يخرجن ) زاد الفاكهي : ( وكن يخرجن الخ ) قوله : ( متنكرات ) في رواية عبد الرزاق : ( مستترات ) واستنبط منه الداودي جواز النقاب للنساء في الإحرام وهو في غاية البعد . قوله : ( إذا دخلن البيت قمن ) في رواية الفاكهي : ( سترن ) قوله : ( حين يدخلن ) في رواية الكشميهني : ( حتى يدخلن ) وكذا هو للفاكهي والمعنى إذا أردن دخول البيت وقفن حتى يدخلن حال كون الرجال مخرجين منه .
الشيخ : وعلى هذا فقوله : ( وأُخرج الرجال ) أي لقد أُخرج الرجال .
متابعة التعليق : قوله : ( وكنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير ) أي الليثي والقائل ذلك عطاء وسيأتي في أول الهجرة من طريق الأوزاعي عن عطاء قال : ( زرت عائشة مع عبيد بن عمير ) قوله : ( وهي مجاورة في جوف ثبير ) أي مقيمة فيه ، واستنبط منه ابن بطال الاعتكاف في غير المسجد لأن ثبيرا خارج عن مكة وهو في طريق منى .ا.هـ.
وهذا مبني على أن المراد بثبير الجبل المشهور الذي كانوا في الجاهلية يقولون له أشرق ثبير كيما نغير ، وسيأتي ذلك بعد قليل وهذا هو الظاهر وهو جبل المزدلفة لكن بمكة خمسة جبال أخرى يقال لكل منها ثبير ذكرها أبو عبيد البكري وياقوت وغيرهما فيحتمل أن يكون المراد لأحدها لكن يلزم من إقامة عائشة هناك أنها أرادت الاعتكاف سلمنا ، لكن لعلها اتخذت في المكان الذي جاورت فيه مسجدا اعتكفت فيه وكأنها لم يتيسر لها مكان في المسجد الحرام تعتكف فيه فاتخذت ذلك .
قوله : ( وما حجابها ) زاد الفاكهي : ( حينئذ ) قوله : ( تركية ) قال عبد الرزاق هي قبة صغيرة من لبود تضرب في الأرض ، قوله : ( درعا موردا ) أي قميصا لونه لون الورد ،ولعبد الرزاق : ( درعا معصفرا وأنا صبي ) فبين بذلك سبب رؤيته إياها ويحتمل أن يكون رأي ما عليها اتفاقا وزاد الفاكهي : ( في آخره ) قال عطاء وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة أن تطوف راكبة في خدرها من وراء المصلين في جوف المسجد وأفرد عبد الرزاق هذا ، وكأن البخاري حذفه لكونه مرسلا فاغتنى عنه بطريق مالك الموصولة فأخرجها عقبة .


1514 حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلمَةَ عَنْ أُمِّ سَلمَةَ رَضِي الله عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَالتْ شَكَوْتُ إِلى رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَال طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ حِينَئِذٍ يُصَلي إِلى جَنْبِ البَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ(1)
63 ـ بَاب الكَلامِ فِي الطَّوَافِ
__________
(1) هذا طواف الوداع وكان يقرأ بالطور وكتاب مسطور في صلاة الفجر بعد أن طاف الوداع ودخل وقت الفجر صلى الفجر ثم ركب إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه .
سؤال : كيف يفتي بعض المشايخ بالوداع والرسول صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة رضي الله عنها وقال لها طوفي من وراء الرجال؟
الجواب : ما له وجه ، ليس له وجه .
سؤال : أحسن الله إليكم ، يحكي بعض الناس : أن رجلاً معه امرأة من محارمه ومعه نساء أجنبيات ، الرجل إذا معه نساء من محارمه أحياناً يصحبها امرأة أجنبية أو نساء أجنبيات معها ، فيطوف بهن سوياً يكون معهن وعلى مذهبهم أن الاختلاط حرم وسيلة لغيرة وما حرم وسيلة لغيره تبيحه الحاجة ، هل هذا الاستدلال صحيح ؟
الجواب : لا .. حديث الرجل الذي قال خرجت حاجة ، خليه معك دائماً ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يستفصل مع دعاء الحاجة إلى استفصال ، الرجل مكتوب في الغزوة ، خلي هذا أمامك دائماً .
سؤال : هل يؤخذ من الحديث أن المرأة لا يجب عليها صلاة الجماعة ولو كانت في المسجد ؟
الجواب : نعم وهو كذلك .


1515 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَال أَخْبَرَنِي سُليْمَانُ الأَحْوَلُ أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلكَ فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَال قُدْهُ بِيَدِهِ(1)
64 ـ بَاب إِذَا رَأَى سَيْرًا أَوْ شَيْئًا يُكْرَهُ فِي الطَّوَافِ قَطَعَهُ
__________
(1) في هذا دليل على حكمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث يحصل المطلوب بلا ضرر ، هذان رجلان يطوفان قد ربط أحدهما يده إلى يد الآخر بسير أو بحبل أو بأي شيء ، فقطعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : (( قده بيده )) لأنه إذا قاده بيده أمكن عند الحاجة أن يطلقه بسهولة ، لكن إذا كان قد ربط يده بيده بخيط صعب إطلاقه وحصل عليهما وعلى غيرهما مشقة . وأمره أن يمسك بيده لأن ذلك قد تدعو الحاجة إليه والأفضل أن لا يمسك ولا بيده إلا عند الحاجة ، وإذا اُحتيج إلى احتكاكهما فلينفكا .
والشاهد من هذا قوله : ( قده بيده ) فقد تكلم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يطوف .
سؤال : أحسن الله إليك ، الجماعات الذين يحجون بشكل جماعي يربطن النساء بحبل حتى لا يضعن النساء في الطواف أو في السعي فهل مثل هذا يُنهى عنه ؟
الجواب : نعم يُنهى عن هذا لا شك لأنه إذا سبق ضيق عليهن ، بل كل واحد يأخذ أهله والحمد لله .
سؤال : الوارد في الحديث يقتضيه العمل والكلام في الطواف للحاجة ولغير الحاجة ؟
الجواب : إي نعم لأنه لا حاجة إلى الكلام يستطيع أن يشير بيده ويمسك أحدهما ويدخلها في يد الآخر لو كان الكلام حراماً لأمكن بالإشارة .


1516 حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُليْمَانَ الأَحْوَل عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ رَأَى رَجُلا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ(1)
65 ـ بَاب لا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ وَلا يَحُجُّ مُشْرِكٌ
__________
(1) وهذا إذا كان للإنسان أُمرة وسلطان فليقطعه ، فإن لم يكن له أُمرة ولا سلطان فلا يقطعه لأنه لو قطعه لحصل بذلك شر كثير وخصام ونزاع عند بيت الله عز وجل ، أما الذي له إمرة وسلطة فلا أحد ينازعه .


1517 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا الليْثُ قَال يُونُسُ قَال ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِي الله عَنْه بَعَثَهُ فِي الحَجَّةِ التِي أَمَّرَهُ عَليْهَا رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَبْل حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أَلا لا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ(1)
__________
(1) لا يطوف بالبيت عريان ) وهذا أمر منكر شرعاً وعرفاً ومروءة ، ولكن لو كان فيه ثقب يسير على فخذه أو على أسفل بطنه وطاف أو كان إزاره نازلاً عن صرته فهل طوافه غير صحيح أو طوافه صحيح ؟ الجواب ينبني على هل هذا عريان أو غير عريان ؟ الجواب : ليس بعريان، ولذلك نقول : ليست العورة في الطواف كالعورة في الصلاة ؛ لأن حديث الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يستقيم على عمومه لا سلباً ولا إيجاباً ، فكم من أشياء في الصلاة تحرم وتجوز في الطواف ، وكم من أشياء في الصلاة تجب ولا تجب في الطواف ، فالطواف يفارق الصلاة في أكثر من موافقته إياها ، وعلى هذا فلا يمكن أن نقول إن ستر العورة في الطواف كسترها في الصلاة ، نعم أن يطوف عرياناً لا شك أن هذا محرم لكشف العورة وتحت بيت الله الحرام والإنسان متلبس بعبادة ، هذا غير جائز عقلاً ولا جائز مروءة ولا شرعاً .
وقوله : ( لا يحج بعد العام مشرك ) حتى غير المشرك إذا كان كافراً فإنه لا يحج ، وبناء على ذلك فمن لا يصلي لا يحل له أن يحج ولو حج لن يقبل منه فيكون آثماً ، ولعل هذا يُذكر الذين اُبتلوا بترك الصلاة حتى يصلوا ليتمكنوا من الحج .
سؤال : إذا قال الإنسان كشف العورة محظور عام وليس خاص بالطواف فعلى هذا القول ..... ؟

الجواب : أولاً ما هي العورة التي يجب سترها ويحرم كشفها ؟
السائل : من الصرة إلى الركبة .
الجواب : لا ليس كذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخرج فخذه في حديث أنس بن مالك في خيبر ، فالعورة هي السوءة التي يجب سترها عن كل أحد ، وأما الفخذ فلا يجب ستره إلا إذا خيفت الفتنة كأفخاذ الشباب مثلاً أو الفخذ عند امرأة أجنبية ، فهذا معلوم وهو لازم لأن الفتنة حاصلة به .
سؤال : ما هي أدلة وجوب الوضوء في الطواف ؟
الجواب : ما في دليل . القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام والذي نختاره نحن أنه لا يجب لاسيما إذا دعت الحاجة إلى هذا ، أرأيت لو أن إنساناً انتقد وضوؤه أثناء الطواف في الزحام الشديد وقلنا انقطع الطواف اذهب فتوضأ ، متى يخرج من المطاف ؟ إلا بعد تعب شديد ، ثم إذا وصل إلى الحمامات متى يحصل له أن يتوضأ ؟ يحتاج إلى انتظار طويل ، ثم إذا رجع وقلنا ابدأ بالطواف من الأول ، ابتدأ وفي أثناء الطواف انتقض وضوؤه أو احتاج إلى خروج ففعل ، بكل مشقة خرج من المسجد ، وبطول زمان انتظر الحمامات ، وبالرجوع أيضاً قلنا له ابتدئ من الأول ففعل ، وفي أثناء الطواف أحدث ، مشكل معناه يبقى طول النهار متيقظاً لأن يصح طوافه . ولو كان هناك نص صريح مثل الشمس في وجوب الوضوء للطواف لقلنا في هذه الأحوال الضنكة الصعبة يحل التيمم ، لكن ما في نصح صريح والحمد لله ، هذا من نعمة الله .
سؤال : يا شيخ بارك الله فيكم ، هل يُشرع الإفتاء بذلك ؟
الجواب : لا .. لا .. هذه قاعدة خذوها بارك الله فيكم : إذا كان الناس على شيء احتياطي فلا تتحير له، لكن هذا ينفعك في الضنك ، لو جاءك إنسان بعد أن انتهى من الطواف والسعي وقال لك إنه أحدث في أثناء الطواف لا تأمره بالإعادة لأنك ستكلفه مشقة شديدة بدون علم ، وهذه اجعلوها أمام أعينكم ، كل شيء الناس فيه ماشون على الاحتياط وليس حراماً دعهم ، لكن إذا اُستفتيت في حال الضنك والضيق في تلك الساعة أفتي بما تراه .
سؤال : في أثناء مثلاً لو واحد ألقى كلمة أو ما شابه ذلك ثم تكلم عن السنن والواجبات في الطواف هل يأتي بعبارة موهمة بحيث العوام يفهمون إنه واجب ؟
الجواب : أنا أرى لا تفتحون الباب ، ما دام الناس ماشيين على الاحتياط خلهم ماشيين عليه .
السائل : الآن يا شيخ بدأت كتب كثيرة أخذت هذا القول تنشره وبدأ الناس يسألون عنه ، وكلما تكلم إنسان كيف تقولون وفلان يقول كذا ؟
الجواب : على كل حال هذا شيء ثاني .
السائل : هذا اشتهر يا شيخ ؟
الجواب : اشتهر إيش ؟
السائل : أن الوضوء لا يجب في الطواف ؟
الجواب : طيب ، الحمد لله إذا اشتهر من غير وضوء أحمد الله أن الله ينشره ، لكن أنا ولاسيما الإنسان المعتبر الذي تؤخذ فتواه ما نفتي بهذا ، لو سُئلنا الآن ونحن نرى الوضوء غير واجب أيهما أفضل الوضوء أو عدمه ؟ الوضوء ، طيب هل نفتح لهم باب يتنازلون عن الأفضل ؟ لا .. لكن إذا وقعت الواقعة فلها من الله كاشفة إن شاء الله .
سؤال : بعض العوام يقول هو لازم أو ما هو بلازم ، هو حرام أو ما هو بحرام ؟
الجواب : أحسنت ، هذه يسألونها دائماً ، إذا قلنا له افعل قال هو حرام؟ أقول له لا تفعل ، كلما قال هو حرام قل لا تفعل . هو بلازم إنه حرام ؟! نعم إذا علمت إن رجل وقع في المسألة حينئذٍ أفتي بما أرى ، هذا إذا كان الناس سائرين على الاحتياط . أما إذا كانوا سائرين على خلاف الاحتياط فحينئذٍ لا بد أن تبين . عرفت الفرق ؟ مثلاً الآن بعض الناس يرون جواز الربا في الأوراق ربا النسيئة وربا الفضل واشتهر عند الناس وأنت تعلم أن هذا حرام وعندك دليل ، بين أنه حرام وعندك دليلك . كذلك اشتهر عند الناس أنه يجوز للإنسان أن يشتري سبعة معينة ويقول للتاجر يا فلان أنا أريد السلعة المعينة وأنا ما عندي فلوس ، فيقول التاجر أنا أشتريها ثم أبيعها عليك بالزيادة ، اشتهر عند الناس أن هذه مرابحة حلال ، هذه يجب أن نبينها ؛ لأن الناس في هذا سلكوا طريق الاحتياط أو طريق التساهل ؟ طريق التساهل ، نقول هذه خلوها على بالكم ، ولما ظهرت الفتوى من بعد العلماء المعتبرين بأن وجه المرأة لا يجب ستره قال بعض العلماء الذين درسونا ونعتبرهم رحمهم الله من أشياخنا ، قال : عجباً لهذا المفتي أن يفتي بهذا والناس سائرون على ستر وجوههن ، وستر الوجوه أفضل حتى الذي أفتى بجواز كشف الوجه يقول الستر أفضل ، فيقول عجباً له كيف يحول الناس من شيء ماشيين عليه بالاحتياط وعلى الأفضل حتى يتحولوا ؟ وهذا في الحقيقة تربية وما ضرنا إلا أن بعض الناس يعامل المسلمين في العموم حسب النظر فقط دون التربية ، مع أن الإنسان إذا تأمل القرآن والسنة وهدي السلف يجد أنهم يلاحظون التربية ملاحظة عظيمة ، فهمت ؟
سؤال : عفا الله عنك ، الذي يرخص بكشف الوجه ويعمل بتغطية الرجل هل هذا معه فك ونظر ؟
الجواب : لله درك من الليلة إن شاء الله سأسميك ابن حزم ، على كل حال أنا مع الأخ السائل ، في أنه سبحان الله كيف يُعقل أن نقول للمرأة اكشفي هذا الوجه الجميل الجذاب واستري الرجل ؟ الرجل القبيحة التي لو شفتها تجري ونقول استريها ؟ وهذا الوجه الجميل الذي كالبدر اكشفيه، من يقول هذا؟ يعني هل يمكن أن تأتي الشريعة بهذا ؟ والله لا تأتي به ، أكبر استنادهم على حديث ضعيف أو على رأي ابن عباس رضي الله عنه .
ش8 ـ وجه أ :
الحديث الضعيف أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعليها ثياب رقاق شفافة فأعرض وقال : (( إن المرأة إذا بلغت سن المحيض لم يصح أن يُرى منها إلا هذا وهذا )) وأشار إلى وجهه وكفيه ، هل هذا معقول ؟ أولاً الحديث ضعيف السند وفيه انقطاع ، والثاني : هل يعقل أسماء بنت أبي بكر من أفضل النساء تدخل على النبي صلى الله عليه وسلم بثياب رقاق يرى من ورائها الجلد ؟ هذا غير معقول . فهو منكر متناً وضعيف سنداً ، أما ابن عباس فإنه لما فسَّر قوله تعالى : {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال الوجه والكفان . والذين رووا عنه هذا قالوا يحتمل أنه أراد تفسير الآية قبل نزول الحجاب ، ومعلوم أن مسألة ستر الوجه له حالان حال قبل نزول الحجاب وحال بعده . وبعضهم قال : أراد التمثيل بما لا يظهر ليشير إلى أن الوجه والكفان يجب سترهما . وعلى كل حال عندنا أحاديث كثيرة تدل على الوجوب ، والدليل العقلي الذي ذكره الأخ سليم نوافق عليه ، الشريعة حكيمة ما هي هينة { من لدن حكيم خبير} وإذا قيل رُخص لها بالوجه من أجل أن تستدل بالنظر على الطريق . قلنا : الحمد لله يُغني عن هذا النقاب ، ثم ما للكفين ؟ فإذا قالوا إن الكفين آلة الأخذ والعطاء وما أشبه ذلك . قلنا : هذا في البيت ، والأمر والحمد لله واضح والآن الأمم التي أباحت الكشف للوجه الآن هي تئن وتحن إلى العادات الأولى ، تئن من حالها اليوم وتحن إلى حالها الأولى ؛ لأن النساء ما اقتصرن على الوجه ولا اقتصرن على الوجه الطبيعي ، بدأت تكشف الرأس والرقبة وإلى المرفق ، وليتها تبقي الوجه على حاله تضفي عليه شيئاً من التجميل ، مكياج تحمير شفاه وتسويد أجفان وتزجيج حواجب وما أشبه ذلك . نسأل الله أن يوفق أمة المسلمين لما فيه الخير والصلاح .
سؤال : في المسألة هذه يا شيخ أقول العامي لا يصدق كالعالم في مثل هذه المسألة ؟
الجواب : العامي الذي ما له هوى ، وإلا الذي له هوى يحتج .
سؤال: أثابك الله يا شيخ، بعض الناس إذا سافر البلاد خارج المملكة إذا غطت المرأة وجهها يكون عليها رقابة ويكون عليها شيء ، وبعض الناس أيضاً يحتار أيتبع العلماء الذين هنا أو يتبع العلماء الذين هناك ؟
الجواب : هل رأيت هذا؟ هل رأيته .. أسألك هل رأيته، قل نعم أو لا.
السائل : ما رأيته .
الجواب : طيب ، لا تصدقه ، أجل أنا حدثني من أثق به أنه كان يدرس في ألمانيا مدة طويلة حسب الدراسة ومعه امرأته تحتجب كما تحتجب في بلده ، قال : وكان الناس إذا رأوها يتميزون عنها حتى تعبر احتراماً لها . هذا في ألمانيا ما أدري عن بقية البلاد . أفهمت ؟
سؤال : رأيت هذا بعيني .
الجواب : رأيت هذا بعينك ؟ فرنسا وبريطانيا أكبر دولتين أوربيتين .
السائل : مدرسة في بريطانيا بالحجاب الإسلامي كامل يا شيخ .
الجواب: لكن بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ له هوى وعنده ضعف إذا رأى الناس يشوفون المرأة هذه قال هذا معناه يريدون يفعلون بها الأفاعيل .
السائل : يا شيخ انتشر والحمد لله في كل مكان الآن الحجاب .
الجواب : الحجاب ؟ الحمد لله .
السائل : لا إشكال هذا لضعف شخصية .
الجواب : أي نعم ، أنا حدثني ، سمعت في الإذاعة والله ما أدري عدد كبير من النساء تظاهرن عند بيت الرئيس الأمريكي البيت الأبيض يردن الحجاب ، والحمد لله عندنا شهادة رجلين من جهتين متفرقتين لا يمكن التواطؤ بينهما ، هذا أكبر دليل .


66 ـ بَاب إِذَا وَقَفَ فِي الطَّوَافِ
وَقَال عَطَاءٌ فِيمَنْ يَطُوفُ فَتُقَامُ الصَّلاةُ أَوْ يُدْفَعُ عَنْ مَكَانِهِ إِذَا سَلمَ يَرْجِعُ إِلى حَيْثُ قُطِعَ عَليْهِ فَيَبْنِي ، وَيُذْكَرُ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِي الله عَنْهم(1)
__________
(1) قال البخاري : ( إذا وقف الطواف ) يعني إذا قطعه أو وقف .... فماذا يصنع ؟ ( وَقَال عَطَاءٌ فِيمَنْ يَطُوفُ فَتُقَامُ الصَّلاةُ أَوْ يُدْفَعُ عَنْ مَكَانِهِ إِذَا سَلمَ يَرْجِعُ إِلى حَيْثُ قُطِعَ عَليْهِ فَيَبْنِي وَيُذْكَرُ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِي الله عَنْهم ) هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله عن قطع الطواف ، إذا قطع الطواف فهل يعود ويُكمل أو يستأنف ، أو يُفرق بين طول الزمن وقِصره ؟ والصحيح أنه إذا قطعه لغرض شرعي كصلاة الجماعة وجنازة حضرت وما أشبه ذلك وخصام وقع حوله فذهب يصلح بينهم ، المهم لغرض شرعي فلا بأس به ، ثم هل يستأنف الشوط الذي قطع فيه الطواف أو يُكمل من حيث وقع ؟ فيه خلاف أيضاً ، منهم من قال لابد أن يعيد الشوط من أوله ، فإذا قُدر أنه قطع الطواف من الباب الغربي للحجر أو من عند الركن اليماني فإنه إذا زال العارض يعود إلى الحجر ويستأنف الشوط ، إن شاء عاد وإن شاء استمر ماشياً من مكانه إذا كان الحجر أقرب إليه استمر ماشياً من مكانه بغير نية الشوط ، فإذا وصل الحجر نوى الشوط الذي قطعه . ولكن القول الراجح الذي لا شك فيه أنه لا يستأنف الشوط بل يبتدئ من حيث قطع ، ولا حاجة إلى أن يستأنف الشوط لأنه لم يبطل ، ولو قلنا ببطلانه لقلنا يبطل السبع كله، ولكنه لا يبطل لا السبع كله ولا الشوط .

أما إذا قطعه بحدث مثلاً فعلى قول من يقول يُشترط الطهارة ينقطع ويتطهر ويستأنف السبع من جديد ، وعلى القول الراجح أنه إذا أحدث في أثناء الطواف استمر ولا حاجة أن يخرج ، يستمر ويُكمل لأنه ليس هناك دليل يدل على إبطال الطواف بالحدث أو على أنه يُشترط الوضوء للطواف. فهو ذكرها بصيغة التعريض ، وهو إذا ذكر الشيء معلقاً بصيغة التعريض يدل على أنه ضعيف عنده لكنه يذكره لعل أحداً يطلع على طرق أخرى تكون صحيحة .


67 ـ بَاب صَلى النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ لسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ
وَقَال نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما يُصَلي لكُل سُبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ وَقَال إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ قُلتُ للزُّهْرِيِّ إِنَّ عَطَاءً يَقُولُ تُجْزِئُهُ المَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ فَقَال السُّنَّةُ أَفْضَلُ لمْ يَطُفِ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ سُبُوعًا قَطُّ إِلا صَلى رَكْعَتَيْنِ .


1518 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَأَلنَا ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلى امْرَأَتِهِ فِي العُمْرَةِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ قَال قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلى خَلفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَقَال ( لقَدْ كَانَ لكُمْ فِي رَسُول اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) قَال وَسَأَلتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ رَضِي الله عَنْهما فَقَال لا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ(1)
__________
(1) هذه المسألة الطواف هل يسن له ركعتان في كل أسبوع أو له أن يجمع عدة أسابيع ، يعني مثلاً سبع ثم سبع ثم سبع ثم يصلي ركعتين ؟ كلام المؤلف رحمه الله يدل على أنه لكل سبوع ركعتين ، ولا فرق بين طواف النسك وطواف التطوع ولا بين طواف الإفاضة وطواف الوداع ، كلها يسن أن يصلي ركعتين خلف المقام ، وهل تجزئ عنه المكتوبة ؟ نستمع : ( قُلتُ للزُّهْرِيِّ إِنَّ عَطَاءً يَقُولُ تُجْزِئُهُ المَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ ) مثل أن يفرغ من طوافه ثم تقام صلاة الفجر فيصلي الفجر ، هل تُجزئ أو لا ؟ عطاء يقول إنها تُجزئ وقاس ذلك على تحية المسجد تُجزئ عنها المكتوبة لأن المقصود أن يصلي بعد الطواف وقد حصل . لكن الزهري رحمه الله يقول : (السُّنَّةُ أَفْضَلُ ) يعني أن تأتي بركعتين خاصة للطواف . ولا شك أنه أفضل كما قال الزهري رحمه الله ، لكن إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة لابد أن تصلي المكتوبة أولاً ثم تصلي ركعتي الطواف ثانياً ، حتى ولو كانت المكتوبة الفجر لأن ركعتي الطواف من ذوات الأسباب وذوات الأسباب على القول الراجح تُصلى في وقت النهي . ثم استدل قال : ( لمْ يَطُفِ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ سُبُوعًا قَطُّ إِلا صَلى رَكْعَتَيْنِ ) وهذا عام ، والزهري من أتقى التابعين ، يقول : ( ما طاف سبوعاً إلا صلى ركعتين ) وهذا يشمل طواف الفرض والواجب والسنة . طواف الفرض مثل طواف الإفاضة وطواف العمرة ، الطواف المسنون : التطوع وطواف القدوم لمن كان مفرداً أو قارناً ، وطواف الواجب : طواف الوداع .
ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر : ( أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلى امْرَأَتِهِ فِي العُمْرَةِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ قَال قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلى خَلفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) وجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل العمرة شيئاً واحداً له أجزاء : الطواف والصلاة خلف المقام والطواف بين الصفا والمروة ، فهذه أجزاء العمرة فلا يصح أن يقع الرجل على زوجته بين أجزائها ، وقال رضي الله عنه : { لقَدْ كَانَ لكُمْ فِي رَسُول اللهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌْ} سبحان الله استدلال الأولين مبارك وواضح وثلج على القلب ، هو ما ذهب يعلل ويدلل ويقول حل التحلل أو ما حل .. لا ، ذكر السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم طاف وصلى ركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة ، فجعل العمرة مكونة من أجزاء ، وإذا كان كذلك فلا يصح أن الإنسان يقع بين الطواف بالبيت والطواف بالصفا والمروة ، لكن لو فعل ماذا يكون ؟ إن فعل إن كان ناسياً أو جاهلاً فالقول الراجح أنه لا شيء عليه ؛ لأن جميع المحظورات إذا فعلها الإنسان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه . أما إذا كان متعمداً عالماً فهل تفسد العمرة أو لا تفسد ؟ نقول : العمرة تفسد . وماذا يجب ؟ هل نقول اقطعها الآن لأنها فسدت كسائر العبادات إذا فسدت فسدت لا يجوز المضي في فاسد وهذا رأي ابن حزم رحمه الله ، يرى أن الحج إذا فسد ما يمكن يستمر فيه فسد خلاص ، ولكن أهل العلم على خلاف قوله رحمه الله يقولون إنه يفسد بمعنى أنه يلزم قضاؤه ولكن يستمر فيه ويكمله ويلزمه الفدية والقضاء .
طيب الآن في هذه المسألة نقول استمر واسعى وقصر ثم أعد العمرة أحرم من الميقات الذي أحرمت منه أولاً لا من التنعيم أو أدنى الحل بل من الميقات الذي أحرمت منه أولاً ولو كان ذا الحليفة ، ثم اقضها طف واسعى وقصر . طيب وماذا عليه من الفدية ؟ الفدية على المذهب يقولون ما عدا الجماع وما عدا جزاء الصيد فالفدية فيه فدية أذى ، معنى فدية أذى أنه يُخير بين صيام وصدقة ونسك ، صيام ثلاثة أيام ، صدقة إطعام ثلاثة مساكين لكل مسكين نصف صاع ، والثالث النسك . ولكن هل لنا أن نسوس الناس ونلزم من تعمد بالشاة أولاً ؟ الجواب : نعم لنا هذا لأن بعض الناس يقول إذا كانت المسألة صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين المسألة هينة ولا يبقى للإحرام عنده حرمة . لكن إذا جاءنا تائباً نادماً حزيناً وعلمنا صدقه فهنا نقول بالتخيير .
وقَال : ( وَسَأَلتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ رَضِي الله عَنْهما فَقَال لا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ) وظاهر أثر جابر أنه يجوز قبل أن يحلق ويقصر ، لقوله : ( حتى يطوف ) وهذا مبني على أن الحلق أو التقصير ليس نسكاً ولكنه إطلاق من محظور ، ومعنى إطلاق من محظور أنه يتبين به الإنسان أنه تحلل ، لكن هذا القول ضعيف والصواب أن الحلق أو التقصير نسك في الحج والعمرة لأن الله تعالى أشار إليه في القرآن : {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين } ولم يقل طائفين ساعين ، وهذا يدل على أهمية التقصير أو الحلق . ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا للمحلقين والمقصرين وكرر الدعاء للمحلقين مما يدل على أهمية ذلك ، فالصواب أن الحلق أو التقصير نسك وليس مجرد إطلاق المحظور ، لو كان مجرد إطلاق المحظور لقلنا لا تحلق ولا تقصر وجامع زوجتك لأن الجماع يدل على الحل .
سؤال : بارك الله فيك ، الفدية وكل مستلزمات المحظور تسقط بالجهل والنسيان والخطأ ؟
الجواب : لا .. الخطأ هو الجهل والإكراه .
السائل : لماذا فسدنا عقد زواج الناس إذا عقد الإنسان وهو ناسي ؟
الجواب : ناسي إيش ؟
السائل : أنه مثلاً محرم أو جاهلاً ؟
الجواب : لأن النكاح وقع في غير محله وإن كان هو ناسياً ليس عليه كفارة لكن يلزمه أن يُتمم النُسك .
سؤال : هل يُطلق الدم على من ترك واجباً أو فعل محظوراً ؟
الجواب : ما معنى يُطلق ؟
السائل : بعض المفتين يقول عليك دم ؟
الجواب : كل شيء ؟
السائل : نعم .
الجواب : من جهلهم ، في شيء ما أصلاً ما فيه فدية كعقد النكاح ، هذا ما فيه فدية أصلاً أو الخطبة خطبة المحرم .
السائل : ترك الواجب يقول في دم على رأي الفقهاء ، والمحظور يقول عليك فيه فدية ؟
الجواب : نحن نعرف أن المحظورات أربعة أنواع .
سؤال : أحسن الله إليك ، من عليه فدية أذى فذبح بقرة ، هل له أن يتصرف فيما زاد عن سبع البقرة ؟
الجواب : هل نوى البقرة كلها أو السبع ؟ أسألك هل نوى أنه إنما ذبح الواجب فقط السبع ، فالباقي يتصرف فيه كيف يشاء ، أو نواها عن الواجب كله فإنه تكون كلها فدية ، فهمت ؟ بقي أن العلماء قالوا : هل يثاب على كل البقرة ثواب الواجب أو يثاب على سبعها ثواب الواجب والباقي ثواب تطوع؟ فهمت أو لا ؟ فهمت الفرق ؟ طيب منهم من يقول إنه يثاب ثواب الواجب على ما كان للواجب فقط وهو السبع ، ومنهم من قال يجري حكم الواجب عليها جميعاً لأن الواجب هنا لم يتميز ، وليس كمن أخرج صاعين عن الفطرة . لو أخرج صاعين عن الفطرة أُثيب عن الصاع ثواب الواجب والثاني التطوع لأنه متميز ، لكن هذا غير متميز مشاع . والأقرب أن نقول فضل الله واسع هو إذا نوى عن الواجب أُثيب ثواب الواجب .
سؤال : أحسن الله إليك ، هكذا يقال في جزاء النسك ؟
الجواب : جزاء الصيد ؟
السائل : يعني إذا ذبح شيئاً كبيراً عن الصغير ؟
الجواب : إذا كان في جزاء الصيد لابد من المماثلة ، يعني لو ذبح بقرة عن شيء آخر لا يماثلها ما أجزأ ، أفهمت ؟ وبعضهم يقول مجزئ ومن ذلك مثلاً لو ذبح عن النعامة سبع شياه ، ما هي النعامة بدنة ؟ بعضهم يقول مجزئ وبعضهم يقول لا يجزئ لأنه المماثلة فاتت ، وهذا أحوط .


68 ـ بَاب مَنْ لمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ وَلمْ يَطُفْ حَتَّى يَخْرُجَ إِلى عَرَفَةَ وَيَرْجِعَ بَعْدَ الطَّوَافِ الأَوَّل
1519 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما قَال قَدِمَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مَكَّةَ فَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَلمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ(1)
__________
(1) يعني معناه ( باب من لم يقرب ) جعله على الشك ، ولكن استدل بالحديث مما يدل على أنه لا بأس ، فهو يقول لا بأس أن لا يطوف ولا طواف القدوم ، يعني لو أنه أحرم من الميقات واتجه إلى منى فلا بأس ، ودليله حديث عروة بن المضرس رضي الله عنه أنه قدم من طي محرماً فما وترك جبل إلا وقف عنده حتى أدرك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة الصبح في مزدلفة وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما جرى له فقال : (( من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه )) ولم يذكر طواف القدوم . وهو كذلك لأن طواف القدوم سنة ، فلو ذهب من الميقات إلى منى رأساً فلا بأس . والنبي صلى الله عليه وسلم بقي في الأبطح قبل الحج ثلاثة أيام ولم يطف بعدها مع تيسر الطواف له ، لكنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد أن يدع المكان لمن هو أولى به وهم الذين جاءوا بالنسك .
سؤال : لماذا لا نسوي بين الحج والعمرة بإيجاب بدنة على المجامع مع أن هذا المحظور يفسد الحج ويفسد العمرة ؟
الجواب : لكن يكون في العمرة أهون ، العمرة نسك حج أصغر فليس كالحج . واقتصاراً عن ما ورد عن الصحابة .

سؤال : ذكرنا تخطئة عالم من العلماء الذي أفتى أميراً من الأمراء حين جامع زوجته في نهار رمضان بأن عليه صيام ولم يبدأ بالكفار ، قال ترضية له وتأديباً له ، وذكرنا خطأه ، ومنذ قيل ـ أحسن الله إليك ـ ذكرنا بأننا لنا أن نؤدب الناس بأن نقول من جامع في العمرة فعليه الدم مباشرة ولا نخيره ، فما الفرق ؟
الجواب : الفرق واضح ـ سبحان الله ـ فدية الأذى على التخيير الإنسان مخير ، وهناك على الترتيب . ولا يمكن أن نتعدى ما رتبه الله .
السائل : وهذا يا شيخ أيضاً مُخيَّر ؟
الجواب : لا ما هو مُخير .
السائل : وهنا .....
الجواب : مخير لأن الفدية أصلها التخيير فنحن ألزمناها بأشد الأمور الثلاثة وكلها جائزة هذه وهذه وهذه ، لكن في نسك العتق والصيام ما خُير الإنسان .
سؤال : أحسن الله إليك ، بعض الناس يرون أن طواف القدوم هو الواجب وطواف الوداع سنة ، هل يُتركون على ما يعتقدون أم لابد أن يُبين لهم ؟
الجواب : إذا كان الإنسان مقبول القول فلا بد أن يبين الحق ، وأما إذا لم يكن مقبولاً فليترك الناس على مذهبهم ، كذلك عند الاستفتاء إذا استفتاك إنسان وأنت تعرف أن مذهبه مالكي مثلاً فهنا قل له هل أفتاك أحد ؟ إذا قال نعم أفتوني بأن طواف الوداع سنة وطواف القدوم واجب . نتركه ولا نلزمه بشيء فيه خلاف وقد استفتى عالماً يعتقد أنه مصيب .
أما ما يفعله بعض المفتين إذا جاءه يستفتيه واحد ، قال : تعال ما مذهبك ؟ إذا قال : مذهبي مثلاً حنفي . أفتاه على المذهب الحنفي . هذا ما يجوز ، لكن إذا كان الإنسان قد فعل الشيء وقال إنما فعل هذا تقليداً للمذهب الفلاني نتركه . واضح ؟


69 ـ بَاب مَنْ صَلى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ
وَصَلى عُمَرُ رَضِي الله عَنْه خَارِجًا مِنَ الحَرَمِ
1520 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّ سَلمَةَ رَضِي الله عَنْهَا شَكَوْتُ إِلى رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ ح .
وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الغَسَّانِيُّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ سَلمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ رَضِي الله عَنْهَا صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الخُرُوجَ وَلمْ تَكُنْ أُمُّ سَلمَةَ طَافَتْ بِالبَيْتِ وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ فَقَال لهَا رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ إِذَا أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلونَ فَفَعَلتْ ذَلكَ فَلمْ تُصَل حَتَّى خَرَجَتْ(1)
__________
(1) في هذا دليل على أن صلاة الجماعة ليست واجبة على النساء لأنها لو وجبت لأمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تصلي ثم تطوف ، وهو كذلك فصلاة الجماعة غير واجبة على النساء في المساجد . لكن هل تجب عليهن في البيوت ؟ لا تجب ، وهل تُسن أو لا تُسن ؟ فيه خلاف ، فالمشهور من مذهبنا الحنابلة أنها تُسن للنساء منفردات عن الرجال، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أم ورقة أن تؤم أهل دارها ، يعني أهل حيها ، ومنهم من قال إنها لا تُسن للنساء لأن هذا هو الغالب على نساء الصحابة . والأمر في هذا سهل إن صلين جماعة رأين أن هذا أنشط لهن وأقوم فهذا خير ، وإن كانت كل امرأة مشتغلة بما تشتغل به من البيت فكل واحدة تصلي وحدها .

وقوله : ( فلم تصل حتى خرجت ) هل المعنى لم تصل الفجر أم المعنى لم تصل ركعتين ؟ إن كان الأول فلا شاهد في الحديث الترجمة ، وإن كان الثاني فنعم . ولكن ظاهر السياق أنها لم تصل صلاة الفجر حتى خرجت . ولنرجع إلى الباب في فتح الباري .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب من صلى ركعتي الطواف خارجاً من المسجد ) هذه الترجمة معقودة لبيان إجزاء صلاة ركعتي الطواف في أي موضع أراد الطائف وإن كان ذلك خلف المقام أفضل وهو متفق عليه إلا في الكعبة أو الحجر ، ولذلك عقبها بترجمة : ( من صلى ركعتي الطواف خلف المقام ) .
قوله : ( وصلى عمر خارجا من الحرم ) سيأتي شرحه في الباب الذي يلي الباب بعده ، قوله : ( عن أم سلمة قالت شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثني محمد بن حرب ... الخ ) هكذا عطف هذه على التي قبلها وساقه هنا على لفظ الرواية الثانية وتجوز في ذلك فإن اللفظين مختلفان وقد تقدم لفظ الرواية الأولى في باب طواف النساء مع الرجال ويأتي بعد بابين أيضا . قوله : ( يحيى بن أبي زكريا الغساني ) هو يحيى بن يحيى اشتهر باسمه واشتهر أبوه بكنيته والغساني بغين معجمة وسين مهملة مشددة نسبة إلى بني غسان . قال أبو علي الجياني وقع لأبي الحسن القابسي في هذا الإسناد تصحيف في نسب يحيى فضبطه بعين مهملة ثم شين معجمة ، وقال ابن التين قيل هو العشاني بعين مهملة ثم معجمة خفيفة نسبة إلى بني عشانة ، وقيل هو بالهاء يعني بلا نون نسبة إلى بني عشاه . قلت : وكل ذلك تصحيف والأول هو المعتمد .
قال ابن قرقول : رواه القابسي بمهملة ثم معجمة خفيفة وهو وهم .
قوله: ( عن هشام ) هو بن عروة ، قوله : ( عن عروة عن أم سلمة ) كذا للأكثر ، ووقع للأصيلي عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة وقوله : ( عن زينب ) زيادة في هذه الطريق فقد أخرجه أبو علي بن السكن عن علي بن عبد الله بن مبشر عن محمد بن حرب شيخ البخاري فيه ليس فيه زينب . وقال الدارقطني في كتاب التتبع في طريق يحيى بن أبي زكريا هذه هذا منقطع فقد رواه حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة ولم يسمعه عروة عن أم سلمة .ا.هـ.
ويحتمل أن يكون ذلك حديثا آخر فإن حديثها هذا في طواف الوداع كما بيناه قبل قليل ، وأما هذه الرواية فذكرها الأثرم قال : ( قال لي أبو عبد الله ) يعني أحمد بن حنبل ( حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة ) قال أبو عبد الله : هذا خطأ فقد قال وكيع عن هشام عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة . قال وهذا أيضا عجيب ما يفعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بمكة وقد سألت يحيى بن سعيد يعني القطان عن هذا فحدثني به عن هشام بلفظ ( أمرها أن توافى ) ليس فيه هاء . قال أحمد وبين هذين فرق فإذا عرف ذلك تبين التغاير بين القصتين فإن إحداهما صلاة الصبح يوم النحر والأخرى صلاة صبح يوم الرحيل من مكة .
وقد أخرج الإسماعيلي حديث الباب من طريق حسان بن إبراهيم وعلي بن هاشم ومحاضر بن المورع وعبدة بن سليمان وهو عند النسائي أيضا من طريق عبدة كلهم عن هشام عن أبيه عن أم سلمة وهذا هو المحفوظ ، وسماع عروة من أم سلمة ممكن فإنه أدرك من حياتها نيفا وثلاثين سنة وهو معها في بلد واحد ، وقد تقدم الكلام على حديث أم سلمة في باب طواف النساء مع الرجال وموضع الحاجة منه هنا قوله في آخره : ( فلم تصل حتى خرجت ) أي من المسجد أو من مكة فدل على جواز صلاة الطواف خارجا من المسجد إذ لو كان ذلك شرطا لازما لما أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك .
وفي رواية حسان عند الإسماعيلي : ( إذا قامت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك من وراء الناس وهم يصلون قالت ففعلت ذلك ولم أصل حتى خرجت ) أي فصليت وبهذا ينطبق الحديث مع الترجمة وفيه رد على من قال يحتمل أن تكون أكملت طوافها قبل فراغ صلاة الصبح ثم أدركتهم في الصلاة فصلت معهم صلاة الصبح ورأت أنها تجزئها عن ركعتي الطواف وإنما لم يبُت البخاري الحكم في هذه المسألة لاحتمال كون ذلك يختص بمن كان له عذر لكون أم سلمة كانت شاكية ولكون عمر إنما فعل ذلك لكونه طاف بعد الصبح وكان لا يرى التنفل بعده مطلقا حتى تطلع الشمس كما سيأتي واضحا بعد باب . واستُدل به على أن من نسي ركعتي الطواف قضاهما حيث ذكرهما من حل أو حرم وهو قول الجمهور ، وعن الثوري يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم ، وعن مالك إن لم يركعهما حتى تباعد ورجع إلى بلده فعليه دم ، قال ابن المنذر ليس ذلك أكثر من صلاة المكتوبة وليس على من تركها غير قضائها حيث ذكرها .
الشيخ : الإشكال في قوله : ( لم تصل حتى خرجت ) .
القارئ : ذكرناه يا شيخ .
الشيخ : في الفتح ؟
القارئ : أعيد يا شيخ ؟
الشيخ : طيب .
القارئ : قوله : وموضع الحاجة منه هنا قوله في آخره : ( فلم تصل حتى خرجت ) أي من المسجد أو من مكة فدل على جواز صلاة الطواف خارجاً من المسجد إذ لو كان ذلك شرطا لازما لما أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك . وفي رواية حسان عند الإسماعيلي : ( إذا قامت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك من وراء الناس وهم يصلون قالت ففعلت ذلك ولم أصل حتى خرجت ) أي فصليت وبهذا ينطبق الحديث مع الترجمة.
الشيخ : ما هو بظاهر . في شيء يدل على هذا ؟
القارئ : هذا العيني ، يقول : مطابقته للترجمة في قوله : ( فلم تصل حتى خرجت ) أي لم تصل ركعتي الطواف حتى خرجت من الحرم أو من المسجد ثم صلت ، فدل هذا على جواز تأخير ركعتي الطواف إلى خارج الحرم وأن تعيينها بموضع غير لازم لأن التعين لو كان شرطاً لازماً لأقرها النبي صلى الله عليه وسلم .
الشيخ : بس الحديث ما فيه دليل .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، المسألة ما تحتاج دليل لأنها لازمة عليها وعلى غيرها لأنها ولو كان يحتاج دليلاً لكان هو ركعتي الطواف ؟
الجواب : يعني ما جرى لها ذكر ركعتي الطواف ما جرى لها ذكر . على كلٍ يراجع في الأمهات .


70 ـ بَاب مَنْ صَلى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَلفَ المَقَامِ
1521 حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَال سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما يَقُولُ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا وَصَلى خَلفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إِلى الصَّفَا ، وَقَدْ قَال اللهُ تَعَالى : ( لقَدْ كَانَ لكُمْ فِي رَسُول اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .
71 ـ بَاب الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما يُصَلي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مَا لمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ وَطَافَ عُمَرُ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ فَرَكِبَ حَتَّى صَلى الرَّكْعَتَيْنِ بِذِي طُوًى
1522 حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عُمَرَ البَصْرِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّ نَاسًا طَافُوا بِالبَيْتِ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ قَعَدُوا إِلى المُذَكِّرِ حَتَّى إِذَا طَلعَتِ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلونَ فَقَالتْ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا قَعَدُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ التِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاةُ قَامُوا يُصَلونَ(1)
__________
(1) كأنها أنكرت ورأتهم يصلون قضاء ، وهذا هو الصواب متى وُجِد سبب صلاة التطوع في أي وقت فصليها لأنها قُيدت بسبب واحتمال أن يكون الإنسان سجد للشمس بعيد مع وجود السبب الظاهر . ولهذا كما قلنا القول الراجح في هذه المسألة أن جميع ذوات الأسباب ليس عنها نهي في أي وقت وُجِد السبب فصلي .


1523 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَاللهِ رَضِي الله عَنْه قَال سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَنْهَى عِنِ الصَّلاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا(1)
1524 حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُالعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ قَال رَأَيْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِي الله عَنْهما يَطُوفُ بَعْدَ الفَجْرِ وَيُصَلي رَكْعَتَيْنِ قَال عَبْدُالعَزِيزِ وَرَأَيْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ وَيُخْبِرُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ لمْ يَدْخُل بَيْتَهَا إِلا صَلاهُمَا .
72 ـ بَاب المَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا
1525 حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالدٌ عَنْ خَالدٍ الحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ طَافَ بِالبَيْتِ وَهُوَ عَلى بَعِيرٍ كُلمَا أَتَى عَلى الرُّكْنِ أَشَارَ إِليْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ .
__________
(1) صدق ، والمراد الصلاة التي ليس لها سبب .


1526 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلمَةَ حَدَّثَنَا مَالكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلمَةَ عَنْ أُمِّ سَلمَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالتْ شَكَوْتُ إِلى رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَال طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يُصَلي إِلى جَنْبِ البَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ(1)
__________
(1) ش8 ـ وجه ب :
قوله : ( بَاب المَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا ) يشير إلى أن الطواف راكباً لا يجوز إلا لعذر كالمريض والكبير والأعرج والأشل وضعيف البنية الذي لا يستطيع المزاحمة وما أشبه ذلك ، المهم أنه لا يكون إلا لعذر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاف على البعير خشية التأذي فكيف بمن لا يستطيع ؟ وعلى هذا فنقول : يشترط في الطواف أن يكون الطائف ماشياً ولا يجوز أن يطوف محمولاً ولا على بعير ولا على عربية إلا لعذر . يجب أن يكون ماشياً ولا يجوز راكباً إلا لعذر .
فإن قال قائل : أرأيتم لو أن هذا الطائف ابتدأ الطواف ثم مع اللين والهدوء نام ولم يستيقظ إلا قيل له يا فلان صلي ركعتين خلف المقام ، ما الحكم ؟ الحكم أنه يجزئه ، إذا قلنا بأنه لا تُشترط الطهارة واضح ، وإذا قلنا تُشترط نظرنا هل نام نوماً عميقاً بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فالطواف غير صحيح ؛ لأنه انتقض الوضوء ، وإن كان نوماً خفيفاً يعني ينعس ويسمع الكلام ويسمع لو حدث منه شيء فإن طوافه صحيح .
سؤال : إذا قال قائل النبي صلى الله عليه وسلم طاف راكباً والزحام الآن أكثر زحاماً فهل يطوف راكباً في الزحام ؟

الجواب : لو قلنا إن الزحام يجوز معه ـ الزحام المعتاد يعني ـ يجوز أن يركب معه الإنسان ويكون على عربية لامتلأ المسجد عربيات وامتلأ من هؤلاء القوم الذين كسروا رؤوس الناس وخشب خشب وصار فيه تعب عظيم ، لكن نقول إذا خرج الإنسان عن المعتاد كما قلت لكم لمرض أو شلل أو عرَّض أو ضعف قلنا لا بأس أن يُحمل .
سؤال : حفظك الله ، من قال الحج والعمرة تامة تامة تامة بعد صلاة الصبح أن يجلس في المكان الذي صلى فيه ثم يسبح ثلاثاً وثلاثين ويكبر ثلاثاً وثلاثين؟
الجواب : أولاً أن هذا الحديث فيه نظر بعض العلماء ضعفه ، وثانياً الذي يظهر أنه ليس المراد أن يبقى في المسجد مكانه وأنه إذا قام عن مكانه إما لأنه أريح له أو لاستماع ذكر فلا بأس .
سؤال : أحسن الله إليكم ، مداومة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه على ركعتي بعد صلاة العصر سبق أن هذه من خصائص ابن الزبير .
الجواب : اقرأ أثر عبد الله بن الزبير .
السائل : قَال عَبْدُالعَزِيزِ وَرَأَيْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ وَيُخْبِرُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ لمْ يَدْخُل بَيْتَهَا إِلا صَلاهُمَا .
الجواب : ما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ذلك فقال لا وأن الدوام عليهما من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
سؤال : بارك الله فيك كيفية المسح والتقبيل للحجر الأسود؟
الجواب : المسح يمر يده عليه .
السائل : كل الحجر ؟
الجواب : لا .. يكفي على أدنى جزء منه .
السائل : وكذلك اليماني ؟
الجواب : وكذلك اليماني . وأما التقبيل معروف أن يضع شفتيه عليه، وأيضاً يُقبل بلا صوت ، العلماء يقولون : يضع شفتيه عليه بلا صوت .
سؤال : من أحرم من الميقات ثم ذهب إلى عرفة ولم يطف طواف القدوم هل يرمل في طواف الإفاضة أو لا يرمل ؟
الجواب : لا يرمل لأن بعد الوقوف بعرفة والرمي والنحر والحلق يتحلل فلا يرمل .


73 ـ بَاب سِقَايَةِ الحَاجِّ
1527 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما قَال اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِالمُطَّلبِ رَضِي الله عَنْه رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ ليَاليَ مِنًى مِنْ أَجْل سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لهُ(1)
__________
(1) وقوله : ( استأذن من أجل سقايته ) يدل على أن المسجد الحرام فيه أُناس يحتاجون للسقاية ، وهؤلاء إما أن لا يكونوا حجاجاً ، وإما أن يكونوا معذورين ، وإما أن يكونوا في أول الليل في مكة وفي آخره في منى أو بالعكس . وفي قوله : ( استأذن فأذن له ) استدل به بعض العلماء على أن المبيت في منى ليالي أيام التشريق واجب ، ولكنه ليس صريحاً في هذا لأن الاستئذان قد يكون على الشيء المشروع الذي ليس بواجب لئلا يقال إن الرجل تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهذا لا يمكن أن يكون دالاً على الوجوب ؛ لأن الإذن قد يكون في الأمر المستحب بل قد يكون في الأمر المباح . وهذه المسألة اختلف فيها العلماء ـ أعني المبيت بمنى ـ المبيت بمنى قبل عرفة سنة لا إشكال فيه دليله حديث عروة بن المضرس رضي الله عنه ، ليالي منى اختلف فيها العلماء ، منهم من قال إن المبيت سنة ، ومنهم من قال إنه ليس بسنة . وليس هناك دليل واضح يدل على الوجوب إلا أن يتعلق متعلق بقوله تعالى : { واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } لأن قوله من تعجل في يومين فلا إثم معناه أن من ترك فهو آثم ، ولكن هل إذا ترك ليلة من الليالي يجب عليه دم ؟ الجواب : لا .. وإن كان بعض العلماء قال به لكن الصحيح أنه لا يجب فيه دم . الليلة الواحدة يجب فيها كما روي عن الإمام أحمد قبضة من طعام أو ما أشبه ذلك ، أما لو ترك الليلتين كلتيهما فهنا يقال إنه ترك نسكاً تاماً فعليه دمٌ على قول من يرى وجوب الدم في ترك الواجب .
سقاية العباس ، هل هو يسقي بثمن أو تطوعاً ؟ الثاني ، وكانوا يفتخرون أن يخدموا الحجاج فهم يتطوعون ، كان الناس فيما سبق أدركناهم يبيعون الماء ماء زمزم في وقت الحر ، تجده يدور على الناس ومعه إناء من خزف يصب بالكأس فإذا شرب قال سلم ! يأخذ عليك قرشاً أو قرشين حسب ما تشرب . لكن الحمد لله الآن الحكومة وفقها الله وفرت ماء زمزم توفيراً تاماً ولم يكن هناك أجرة ولا شيء . وإلا فقد أشكل على أهل العلم في ذلك الوقت هل يجوز للإنسان أن يشرب وهو يعلم أن الساقي يحتاج إلى أجرة ؟ كصاحب الذي يغسل الثياب ، تعطيه ثوبك وأنت تعرف أنه سيأخذ عليه أجرة لأنه معتاد ، هذا أيضاً يصب عليك الماء وأنت تعرف أنه سيأخذ عليك أجره ، فمن العلماء من قال : لا يجوز لأن هذا أجرة في وسط المسجد ، ومنه من قال إنه جائز للضرورة لأن الإنسان قد يكون عطشاناً .


1528 حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا خَالدٌ عَنْ خَالدٍ الحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ جَاءَ إِلى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى فَقَال العَبَّاسُ يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا فَقَال اسْقِنِي قَال يَا رَسُول اللهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ قَال اسْقِنِي فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا فَقَال اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلى عَمَلٍ صَالحٍ ثُمَّ قَال لوْلا أَنْ تُغْلبُوا لنَزَلتُ حَتَّى أَضَعَ الحَبْل عَلى هَذِهِ يَعْنِي عَاتِقَهُ وَأَشَارَ إِلى عَاتِقِهِ(1)
__________
(1) في هذا فوائد : أولاً : منها جواز طلب الماء ، يعني جواز طلب الاستسقاء ، ولا يُعد هذا من المسائل المذمومة لأنه جرى به العرف أنه أمر يسير ، وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استسقى أي طلب السقيا . ومنها تعظيم العباس رضي الله عنه وهو عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؛ لأنه ـ أي العباس ـ تابع له ، فإمامه هو ابن أخيه .

ومنها أنه لا ينبغي للإنسان أن يستنكف عن ما شرب الناس به ؛ لأن فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سنة بمعنى أنه يدل على أنه لا ينبغي للإنسان الاستنكاف وأن يقول لا أشرب من الكأس الذي شرب منه الناس ولا أشرب من الكأس الذي يضع الناس فيه أيديهم وما أشبه ذلك . وهذا لا شك أنه أنفع بكثير وأصح ؛ لأن الأطباء قالوا إن الإنسان إذا تحرز من كل شيء في مأكله ومشربه لم يكن عنده المناعة لاستقبال الجراثيم وغيرها ، وإذا كان لا يهمه فإنه يكون عنده مناعة ، ولهذا سمعت أنهم في الدول المتقدمة في دنياها بدءوا بدلاً من المناشف هذه بدءوا يتمسحون بالمناشف التي يتمسح منها كل الناس ويقولون إن هذا أولى لما في ذلك من المقاومة . وهذا ليس ببعيد لأن الداء الباطن كالداء الظاهري ، فالإنسان إذا عود قدميه على الممشى على الحصى والجنادل صارت أقوى مما لو عودها على لباس الكندرة وما أشبه ذلك ، ولهذا تجد الذي يعتاد الكنادر تجده جلده ضعيفاً ما يستطيع أن يمشي على الأرض ولو مسفلتة .
ومن فوائد هذا الحديث جواز تخزين ماء زمزم لأن العباس طلب من الفضل أن يأتي بماء من عندها ، وهذا يدل على أنه كان عندهم ماء يخزنونه في بيوتهم . ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر إلى المستقبل وليس ممن ينظر إلى الحاضر بدليل أنه كان يرغب أن يشارك في السقاية ولكن يخشى أن يغلب الناس بني العباس على سقايتهم ، لماذا ؟ لأنهم يقتدون به ويريدون أن يفعلوا فعله وحينئذٍ يحولون بين بني المطلب وسقايتهم .
وهذا ينبغي للإنسان طالب العلم أن يكون له نظرة بعيد ة وأن لا يزن الأمور بالحاضر ، بمعنى أن لا يُفتي في شيء يكون يترتب عليه أشياء ضارة حتى وإن كانت تظهر في الوقت الحاضر لكن في المستقبل .
سؤال : أحسن الله إليك ، بيع ماء زمزم بماء آخر مفاضلة ، عنده كاس ماء عادي ويبادله بكأس ماء زمزم ؟
الجواب : يعني في نفس الحرم ؟
السائل : لا .. خارج الحرم .
الجواب : يعني كأنه يقول هل يجري ربا الفضل في بيع ما يزيد منها؟ هذا لا يجري ربا الفضل ، خذ مائة كأس بعشرة كاسات ، أفهمت ؟ كما لو اشتريت ماءً عذباً كأساً منه بعشرة كاسات من المالح .
سؤال : ما حكم ما يقدمه الإنسان لآخر إذا نزل به ضيف لو يعلم أن هذا الطعام على هذه الصفة ما أكله لكن ليس ضاراً به ؟
الجواب : يقول هذا رجل نزل به ضيف وقدم له شراباً أو طعاماً يعلم أن الضيف لو علم ما حصل في هذا الطعام لم يأكل ولم يشرب ، فهل له أن يقدمه بدون أن يعلمه مع العلم بأنه لن يضره ؟ الظاهر أنه لا يلزمه ما دام لا يضره وليس هذا متضمناً لشيء محرم ، بخلاف ما لو أعطيته شيئاً مختلفاً في حله فهذا لابد أن تعلمه .
سؤال : بارك الله فيكم ، الذي عنده نية إتمام الحج وترك المبيت في منى الليلتين ، هل يعتبر ترك النسك كاملاً ؟
الجواب : نعم النسك من هذا النوع ، ليس الحج كله لا .


74 ـ بَاب مَا جَاءَ فِي زَمْزَمَ
وَقَال عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَال أَنَسُ بْنُ مَالكٍ كَانَ أَبُو ذَرٍّ رَضِي الله عَنْه يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَل جِبْرِيلُ عَليْهِ السَّلام فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ إِلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَال جِبْرِيلُ لخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا افْتَحْ قَال مَنْ هَذَا قَال جِبْرِيلُ(1)
__________
(1) هذه من آيات الله عز وجل أنه شق صدره شقاً حقيقاً وغسله بماء زمزم لبركته ثم أطبقه ، عملية في أقل من ليلة ، وعملية صعبة وبدون بنج لكن الظاهر والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يحس بألم، لا يُقال إن هذا من جنس الرؤيا وأنه لا حقيقة له لأن الأصل أنه حقيقة .

وفي هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أُسري به من المسجد الحرام نفسه ، وما ورد من بعض الطرق أنه من بيت أم هانئ فإن صح فالمعنى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان نائماً في أول الليل في بيت أم هانئ ثم قيل له أن يذهب إلى المسجد الحرام وينام فيه ، فنام وأُسري به من الحجر كما صح ذلك في رواية البخاري . وإنما قررنا هذا لأن بعض أهل العلم رحمهم الله قال إن تضعيف الصلاة بمائة ألف صلاة عام في جميع مكة وفي جميع ما أدخل حدود الحرم واستدلوا بقوله : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام } وقالوا إنه أُسري به من بيت أم هانئ ، فيقال : الأمر ليس كذلك ، أُسري به من نفس المسجد . والتضعيف بمائة ألف صلاة جاء صريحاً في أنه خاص بالمسجد الذي فيه الكعبة كما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة )) فالتضعيف بمائة ألف خاص بمسجد الكعبة . ولكن إذا قال قائل : إن حضرت إلى مسجد الكعبة تعبت وأتعبت وصارت صلاتي في تشويش وإن صليت في المساجد الأخرى صليت بطمأنينة ، فأيهما أفضل ؟ الثاني أفضل ، نقول صلي في المساجد الأخرى بالطمأنينة خير من أن تأتي إلى المسجد الحرام وتتأذى وتؤذي وربما لا يحصل لك الركوع والسجود ؛ لأن المحافظة على ذات العبادة أفضل من المحافظة على مكانها .
سؤال : بارك الله فيكم ، استدلالهم بقاعدة ما يدل على قوله من المسجد الحرام ، والحرم ليس مسجد ؟
الجواب : لا .. هم على قول إن الحرم مسجد مثل قوله : (( جُعلت لي الأرض مسجداً )) الأرض كلها مسجد ، وهذه ينكرها بعض الأخوة إنكاراً شديداً أن يخصص التضعيف بنفس المسجد مع أنه في الحديث صحيح ، وصاحب الفروع رحمه الله يقول : هذا ظاهر كلام أصحابي ـ أصحاب الإمام أحمد ـ إن التضعيف خاص بنفس المسجد .
سؤال : أحسن الله إليكم ، كم عدد المرات التي شُق فيها صدره صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب : هذه نرجع للترجمة إذا كان ابن حجر ذكرها .
سؤال : ما فضل الصلاة في المسجد الأقصى ؟
الجواب : خمسمائة صلاة .


1529 حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما حَدَّثَهُ قَال سَقَيْتُ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ قَال عَاصِمٌ فَحَلفَ عِكْرِمَةُ مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلا عَلى بَعِيرٍ(1)
__________
(1) سبحان الله، وظاهر الحديث أنه ليس على بعير وإنما شرب قائماً، فإذا قال قائل : ما الجمع بن شربه قائماً وبين نهيه عن الشرب قائماً ؟ فقيل الجواب : إنه كان في مكان ضيق والناس حوله ويشق عليه أن يجلس على الأرض ثم يتناول الدلو ويشرب ، وهذا كما شرب من شن معلق في بيته ؛ لأن الشن المعلق رفيع فيكون شربه قائماً من أجل الحاجة . وزعم بعضهم أنه شرب قائماً من أجل أن يشرب كثيراً لأن الإنسان إذا شرب قاعداً انضغط بطنه ولم يشرب كثيراً وإذا كان قائماً شرب كثيراً . ولكن في هذا نظر فالأقرب أنه شرب قائماً للحاجة . شوف الأثر .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير ) عند ابن ماجه من هذا الوجه : ( قال عاصم فذكرت ذلك لعكرمة فحلف بالله ما فعل ) أي ما شرب قائما لأنه كان حينئذ راكبا .ا.هـ. وقد تقدم أن عند أبي داود من رواية عكرمة عن ابن عباس أنه أناخ فصلى ركعتين فلعل شربه من ماء زمزم كان بعد ذلك ولعل عكرمة إنما أنكر شربه قائما لنهيه عنه لكن ثبت عن علي عند البخاري أنه صلى الله عليه وسلم شرب قائما فيحمل على بيان الجواز .
القارئ : ذكره في الأشربة .
الشيخ : الباب ؟
القارئ : نعم .
الشيخ : على كل حال الصحيح إنه ما هو لبيان الجواز ، كيف يكون لبيان الجواز وقد أمر من شرب قائماً أن يستقي ، لكن على سبيل الحاجة .
في شيء فيه بحث ؟
القارئ : في المسألة هذه ؟
الشيخ : نعم .
القارئ : لا في الأشربة يا شيخ .
الشيخ : هذه ما هي في الأشربة ؟
القارئ : لا .

الشيخ : أجل وإيش الكتاب الذي أخذته ؟
القارئ : العيني .
الشيخ : يا عبد الله بأكرر ، أنت تبي ساقي ، اسقني أو اسقني ؟
الطالب : واسقني .
الشيخ : أو أسقني ؟
الطالب : الله أعلم .
الشيخ : الله أعلم ، أليس الله قال في القرآن : { وأسقيناكم ماءً فراتاً } وقال : { وسقاهم ربهم } ؟ ماذا تقول ؟ يعني فيه لغتان : أسقى والأمر منه أسقي ، وسقى والأمر منه اسق .
تعليق من شرح العيني :
ويستفاد منه فيه الرخصة بالشرب قائماً ، فقيل إن الشرب من ماء زمزم من غير قيام يشق لارتفاع ما عليها من الحائط ، وقال ابن بطال : أراد البخاري إن الشرب من ماء زمزم من سنن الحج ، فإن قلت روى ابن جرير عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يشرب منها في الحج ، قلت : لعله إنما تركه لئلا يُظن أنه شربه من الفرض اللازم ، وقد فعله أولاً مع أنه كان شديد الاتباع للآثار بل لم يكن أحداً أتبع لها منه ، وقد نص أصحاب الشافعي على شربه ، وقال وهب بن منبه : نجدها في كتاب الله شراب الأبرار وطعام طعم وشفاء سقم لا تنزح ولا تزم ، من شرب منها حتى يتولى أحدثت له شفاءً وأخرجت عنه داءً .
واعلم أنه قد روي في الشرب قائماً أحاديث كثيرة ، منها النهي عن ذلك ، وبوب عليه مسلم بقوله باب الزجر عن الشرب قائماً وحدثنا هداب بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً . وفي لفظ له عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً . قال قتادة : فالأكل ، قال ذاك أشد وأخبث . وفي رواية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً . وفي لفظ نهى عن الشرب قائماً . وفي رواية له عن أبي هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يشربن أحدكم قائماً فمن نسي فليستقي )) . وروى الترمذي من حديث الجارود بن المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائماً .
ومنها إباحة الشرب قائماً فإن ذلك ما رواه البخاري وبوب عليه : باب الشرب قائماً ـ على ما يأتي ـ قال حدثنا أبو نعيم حدثنا مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن النزار قال : أتى علي رضي الله عنه على باب رحبة بماء فشرب قائماً فقال : إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم وإني فعلت النبي صلى الله عليه وسلم فعله كما رأيتموني فعلت . ورواه أبو داود أيضاً . وروى الترمذي من حديث ابن عمر قال : كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام . وقال هذا حديث حسن صحيح غريب .
الشيخ : في فائدة : جواز الأكل ماشياً ، والإنسان قد يحتاج إليه أحياناً يكون معه كسرة خبز يريد أن يكملها ويأكلها وهو يمشي .
متابعة التعليق : وروى أيضاً من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائماً وقاعداً . وقال هذا حديث حسن . وروى الطحاوي وقال : حدثنا ربيع الجيزي حدثنا إسحق بن أبي فروة المدني حدثتنا عبيدة بنت نابل عن عائشة بنت سعد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب قائماً . ورواه البزار أيضاً في مسنده نحوه ، وروى الطحاوي أيضاً فقال : حدثنا ابن منذور حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم بن مالك أخبرني البراء بن زيد أن أم سليم حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب وهو قائم من قربة . وفي لفظ له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وفي بيتها قربة معلقة فشرب من القربة قائماً . وأخرجه أحمد والطبراني أيضاً .
قال النووي : اعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالاً باطلة ، والصواب منها أن النهي محمول على كراهة التنزيه ، وأما شربه قائماً فلبيان الجواز ، ومن زعم نسخاً فقد غلط فكيف يكون النسخ مع إمكان الجمع ؟ وإنما يكون نسخاً لو ثبت التاريخ ، فأنى له ذلك ؟ وقال الطحاوي ما ملخصه : إنه صلى الله عليه وسلم أراد بهذا النهي الإشفاق على أمته لأنه يخاف من الشرب قائماً الضرر وحدوث الداء كما قال لهم : (( أما أنا فلا آكل متكئاً )) .ا.هـ.
قلت : اختلفوا في هذا الباب بحسب اختلاف الأحاديث فيه فذهب الحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة إلى كراهة الشرب قائماً ، ورُوي ذلك عن أنس رضي الله عنه ، وذهب الشعبي وسعيد بن المسيب وزادان وطاووس وسعيد بن جبير ومجاهد إلى أنه لا بأس به ، ويُروى ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وسعد وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابن الزبير وعائشة رضي الله عنهم .
الشيخ : الذي يظهر أنه مكروه لكن للحاجة لا بأس به ، هذا الأقرب .
سؤال : في الوقت الحاضر الثلاجات في الطرق في بعض الأحيان تصير مثل ماء زمزم هذه بهاماءوهذه بها ماء وليس هناك كوب ليشرب نته ويشرب بيده ، فهل فيها كراهة ؟
الجواب : لا ما فيها كراهة للحاجة ، أحياناً يصير فيها كوب لكن مربوط بسلسلة قصيرة لو جلست ما ينفع .
سؤال : الماء الماء فقط أو أي شيء ؟
الجواب : أي شيء لكن كما قلت لكم للحاجة لا بأس ، يعني مثل الآن بعض الناس عندما تنتهي الوليمة ويخرج الناس يقف واحد ويصب القهوة يصب للناس وهو قائم ، إن جلست فهو غير مناسب ، أنت تجلس وهو واقف ؟ ما هو مناسب ، فتجد بعض الناس يشرب وهو واقف يقول هذا للحاجة . قد يقول قائل : ليش تشرب ما هو لازم . نقول صحيح لكن بعض الناس ما يتأتى له ذلك لو لم يشرب قالوا هذا متكبر . لكل مقام مقال والدين والحمد لله في غير الأشياء التي نص على تحريمها الأصل في ذلك الإباحة ما عدا العبادات فالأصل فيها التحريم .
سؤال : في الحديث : ( ماء زمزم لما شرب له ) هذا خاص بالحرم أو عام ؟
الجواب : عام في كل شيء ، لكن هل لما شرب له يعني هل المعنى إن شربته للعطش أزال عنك العطش وللأكل أزال عنك الجوع أو حتى للأمراض ؟ من العلماء من يقول عام حتى إن بعضهم شربه ليحفظ صحيح البخاري فماء زمزم لما شُرب له ، وعلى هذا الطالب عنده امتحان يشربه علشان ينجح ، والذي يطلب الزوجة يشربه ليسهل له الزواج . وعندي أنه ما يكون العموم إلى هذا الحد ، فالظاهر ـ والله أعلم ـ أنه لما شرب له مما ينتفع به البدن خاصة غما شبع من جوع وإما ري من عطش وإما دواء من مرض ، أما الشيء الخارج ففي نفسي من هذا شيء .
سؤال : أنا جربته أنا تقريباً حليب الناقة وماء زمزم له مزاق خاص.
الجواب : على كل حال الذي يظهر لي لما شرب له إنه ما يتعلق بالجسد فقط . والله أعلم .
السائل : حتى الذكاء يا شيخ ؟
الجواب : لا من الأمور المعنوية الذكاء ما هو من الأمور الحسية .


75 ـ بَاب طَوَافِ القَارِنِ
1530 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَأَهْللنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَال مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَليُهِل بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ ثُمَّ لا يَحِل حَتَّى يَحِل مِنْهُمَا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلنِي مَعَ عَبْدِالرَّحْمَنِ إِلى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ فَقَال صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ فَطَافَ الذِينَ أَهَلوا بِالعُمْرَةِ ثُمَّ حَلوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا(1)
__________
(1) طواف واحد يعني السعي لأن الذين جاءوا بالحج والعمرة مع الرسول طافوا طوافين طواف القدوم وطواف الإفاضة ، لكن مرادها الطواف بين الصفا والمروة .


1531 حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُليَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما دَخَل ابْنُهُ عَبْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ فَقَال إِنِّي لا آمَنُ أَنْ يَكُونَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ فَيَصُدُّوكَ عَنِ البَيْتِ فَلوْ أَقَمْتَ فَقَال قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَحَال كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنهُ وَبَيْنَ البَيْتِ فَإِنْ حِيل بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفْعَلُ كَمَا فَعَل رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ ( لقَدْ كَانَ لكُمْ فِي رَسُول اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ثُمَّ قَال أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا قَال ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا(1)
__________
(1) في هذا دليل على أن ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى وجوب التمتع بخلاف قرينه ابن عباس فإنه يرى وجوب التمتع إلا لمن ساق الهدي، والصواب أن التمتع ليس بواجب وإنما هو سنة مؤكدة إلا للذين واجههم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالخطاب وهم الصحابة ، ولهذا قال أبو ذر رضي الله عنه : ( إنها لنا خاصة ) يعني الصحابة ، ويريد بذلك الوجوب . ولا يخفى أن هناك فرقاً بين من لا ينفذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاً لوجه وهم أول القرون والأمة ستقتدي بهم وبين من يأتي بعد ذلك ، أيهما أشد ؟ الأول أشد مخالفة ، ولهذا اختار شيخ الإسلام رحمه الله أن فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي واجب على الصحابة فقط وسنة في حق غيرهم .

ومراده رضي الله عنه في قوله : ( افعل كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ) أنه يحل إذا أُحصر ، حل ووجب عليه الهدي إن استطاع، لقول الله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي } وكان رضي الله عنه ـ أعني ابن عمر ـ كان لا يرى الاشتراط وينكره غاية الإنكار ، فتأمل ـ سبحان الله ـ ابن عمر ينكره غاية الإنكار ومن العلماء من يرى أنه مستحب على كل حال ، والصواب أن الاشتراط سنة إذا خاف الإنسان أن لا يتم نسكه ، غير سنة إذا لم يخف . فالرجل الصحيح مثلاً نقول أحرم ولا تشترط والمريض الذي يخشى أن لا يُتم نقول اشترط ، وبهذا تجتمع الأدلة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بضاعة بنت الزبير أن تشترط وهي شاكية وهو لم يشترط ولا أصحابه الذين معه لأنهم ليسوا على خوف من عدم إتمام النسك .
سؤال : بالنسبة للمحصر إذا أُحصر وليس معه مال في ذاك الوقت لكي يشتري الهدي ، ويستطيع إذا رجع لبلده أن يحصل المال ، هل له أن يرسل المال لأحد ليشتري له الفدية ؟
الجواب : يعني بعد ما رجع ؟
السائل : نعم .
الجواب : لا .. إذا لم يجد فقيل إنه يصوم عشرة أيام قياساً على هدي التمتع ، وقيل لا يجب عليه شيء . وهو الصحيح لقول الله تعالى : { فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي } ولم يذكر شيئاً آخر .
سؤال : بارك الله فيكم ، هل ماء زمزم إذا خُلط بماء آخر هل يكون له حكم ماء زمزم ؟
الجواب : أيهما أكثر ؟
السائل : يأتون الحجاج لمدة سنة أو سنتين يخلطون كل وقت ويغسلون به أولادهم ؟
الجواب : إذا غلب ماء زمزم لا بأس ، وإن لا فلا .
سؤال : بارك الله فيكم ، أشكل عليَّ جداً قول العلماء أنه إن قال عند الاشتراط إن حصل لي كذا وكذا فلي أن أحل، مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (حجي واشترطي فمحلي حيث حبستني) وقلنا إن حصل شيء حلت، بينما قول بعض العلماء إن حصل شيء حل إن شاء . ولو قلنا بقول العلماء اقتضى هذا أن لفظهم أوسع من اللفظ النبوي ، وهذا ما يُسن ؟
الجواب : لا .. العلماء ما قالوا هذا ، العلماء يقولون الاشتراط له صيغتان : الأولى أن يقول إن حبسنى حابس فمحلي حيث حبستني . كما جاء في الحديث ، فهذا يحل بمجرد وجود الحابس ، والصيغة الثانية أن يقول فلي أن أحل . وهذا يُخير إن شاء حل وإن شاء بقي مع المشقة .
السائل : من أين أخذوا الأخير ؟
الجواب : لأنه جاز قطعه جاز الاستمرار فيه .
السائل : لكن النبي صلى الله عليه وسلم ما أرشدها للثاني وأرشدها للأول ؟
الجواب : نعم أرشدها لأن هذا أسهل عليها .
السائل : على هذا من قال بالأخير فإنه يخالف لفظ النبي ؟
الجواب : لا .. الذي يقول لي أن أحل . لا نقول حرام ، وإلا فلا شك أن اللفظ النبوي فمحلي حيث حبستني ، لكنه ليس بحرام .


ش9 ـ وجه أ :
1532 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا الليْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَل الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقِيل لهُ إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ فَقَال ( لقَدْ كَانَ لكُمْ فِي رَسُول اللهِ أسوة حَسَنَةٌ ) إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ قَال مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ وَلمْ يَزِدْ عَلى ذَلكَ فَلمْ يَنْحَرْ وَلمْ يَحِل مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ وَلمْ يَحْلقْ وَلمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلقَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّل وَقَال ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما كَذَلكَ فَعَل رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ(1)
__________
(1) في هذا دليل على أن الإنسان لا باس أن يستعمل الألفاظ المؤكدة؛ لأنهم لما قالوا له هذا أعلن إعلاناً وأشهدهم أنه أوجب عمرة حتى لا يبقى لأحد كلام أو مشورة . وفيه أيضاً دليل على جواز إدخال الحج على العمرة بدون ضرورة لأن إدخال الحج على العمرة للضرورة جائز في قصة من ؟ في قصة عائشة ، لكن بدون ضرورة هذا قد يقول قائل لا يجوز ، ولكن العلماء أجمعوا على جواز ذلك ، اللهم من قال بوجوب التمتع . والصواب أن هذا جائز يعني أن يدخل الحج على العمرة قبل أن يشرع في الطواف ويكون قارناً . وفيه دليل على أن القارن يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة ويكفيه أيضاً طواف واحد لكن الطواف الذي قبل السعي طواف قدوم سنة . طيب لو أن القارن سعى قبل أن يخرج إلى عرفة بدون أن يطوف طواف القدوم ؟ فلا يجوز ؛ لأن السعي لابد أن يسبقه طواف نسك كطواف القدوم أو طواف الإفاضة .


76 ـ بَاب الطَّوَافِ عَلى وُضُوءٍ
1533 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَال أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ القُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَل عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَال قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ لمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِي الله عَنْه فَكَانَ أَوَّل شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ ثُمَّ لمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ عُمَرُ رَضِي الله عَنْه مِثْلُ ذَلكَ ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ رَضِي الله عَنْه فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ ثُمَّ لمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ فَكَانَ أَوَّل شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ ثُمَّ لمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلكَ ثُمَّ لمْ تَكُنْ عُمْرَةً ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَل ذَلكَ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ لمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلا يَسْأَلُونَهُ وَلا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ ثُمَّ لا يَحِلونَ وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالتِي حِينَ تَقْدَمَانِ لا تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّل مِنَ البَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُمَا لا تَحِلانِ وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ بِعُمْرَةٍ فَلمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلوا(1)
__________
(1) الشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ للطواف ، لكن هل مجرد الفعل يدل على الوجوب ؟ المعروف أنه لا يدل على الوجوب ؛ لأنه لم يأمر به ، ما قال لمن أراد أن يطوف توضأ لكنه فعل ، ثم إنه يفعله أيضاً من أجل ركعتي الطواف لأن ركعتي الطواف لابد فيهما من وضوء . هل تكلم على هذه في الفتح ؟
القارئ : مسألة الطهارة ؟
الشيخ : الترجمة .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب الطواف على وضوء ) أورد فيه حديث عائشة : ( إن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم أنه توضأ ثم طاف ) الحديث بطوله وليس فيه دلالة على الاشتراط إلا إذا انضم إليه قوله صلى الله عليه وسلم : (( خذوا عني مناسككم )) .
الشيخ : حتى لو انضم قوله : (( خذي عني مناسككم )) لأن هذا ليس على إطلاقه بالاتفاق ، وإلا لقلنا إن كل شيء فعله الرسول في الحج يكون واجباً ولا قائل به . فهذا الظن لا يفيد .
متابعة التعليق : وباشتراط الوضوء للطواف قال الجمهور وخالف فيه بعض الكوفيين .
الشيخ : الكوفيون من ؟ أصحاب أبي حنيفة .
متابعة التعليق : ومن الحجة عليهم قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة لما حاضت : (( غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري )) وسيأتي بيان الدلالة منه بعد بابين .
الشيخ : لكن هذا ليس حجة لأنه قال : (( حتى تطهري )) وطهارتها انقطاع حيضها ، بدليل قول الله تعالى : { فلا تقربوهن حتى يطهرن } يعني ينقطع الحيض { فإذا تطهرن } أي اغتسلن ، فليس فيه دليل ، والحائض فرق بينها وبين الطاهر ، الحائض لا تمكث في المسجد ، نعم تعبره لا بأس أما تمكث فلا ، وهذا وجه نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عائشة عن الطواف بالبيت ، وكذلك قوله لصفية لما قيل إنها حائض ، قال : (( أحابستنا هي )) لأنها لا يمكن أن تطوف .
متابعة التعليق : ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث عائشة وفيه : ( افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) وهو بفتح التاء والطاء المهملة المشددة وتشديد الهاء أيضا أو هو على حذف إحدى التاءين وأصله تتطهري ، ويؤيده قوله في رواية مسلم : (حتى تغتسلي ) والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته وفي معنى الحائض الجنب والمحدث وهو قول الجمهور وذهب جمع من الكوفيين إلى عدم الاشتراط قال ابن أبي شيبة حدثنا غندر حدثنا شعبة سألت الحكم وحمادا ومنصورا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة فلم يروا به بأسا وروي عن عطاء إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدا ثم حاضت أجزأ عنها وفي هذا تعقب على النووي حيث قال في شرح المهذب انفرد أبو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط في الطواف واختلف أصحابه في وجوبها وجبرانه بالدم إن فعله.اهـ
ولم ينفردوا بذلك كما ترى فلعله أراد انفرادهم عن الأئمة الثلاثة لكن عند أحمد رواية أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم وعند المالكية قول يوافق هذا .
الشيخ : انتهى ؟ غريب إنه ما ذكر قول شيخ الإسلام مع أن شيخ الإسلام رحمه الله نصره نصراً عظيماً وذكر له أدلة وشواهد أعني عدم وجوب الوضوء للطواف .
سؤال : بارك الله فيكم ، هل يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم منع عائشة من الطواف وهي حائض لأجل ركعتي الطواف لأنها يلزمها إذا طافت أن تصلي ركعتين ؟
الجواب : لا ما هو بلازم الصلاة ركعتين ليس بلازم .
السائل : يعني تسقط عنها ؟
الجواب : إي نعم ، لكن لا نرى جواز طواف الحائض ، لكن إذا طافت وهي طاهر على غير وضوء أو طاف الرجل على غير وضوء هذا محل الخلاف .
سؤال : عمرة الفرض واجبة على الفور ، فمن حج الفريضة فهل يجب عليه التمتع أو القران أو له أن يفرد ؟
الجواب : الظاهر أنه يجب عليه إما التمتع أو القران للفورية .
شوف عنده يقول لم تكن عمرة هل مراده أنهم لم يتمتعوا ؟
القارئ : ما ذكر شيئاً .
الشيخ: الظاهر إن قوله: (لم تكن عمرة) أنهم قرنوا لأن معهم الهدي .
سؤال : أشكل علي أن الصحابة رضي الله عنهم أن منهم من أفرد ؟
الجواب : أليسوا اعتمروا بالحديبية ؟ لكن كثير منهم أيضاً تمتعوا وقرنوا ، أكثرهم تمتع لأن الرسول لما أمرهم أن يجعلوها عمرة جعلوها عمرة .
تعليق من شرح العيني : قوله ( ثم لم تكن عمرة ) بالرفع والنصب على تقدير كون لم تكن تامة أو ناقصة .


77 ـ بَاب وُجُوبِ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَجُعِل مِنْ شَعَائِرِ اللهِ
1534 حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَال عُرْوَةُ سَأَلتُ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا فَقُلتُ لهَا أَرَأَيْتِ قَوْل اللهِ تَعَالى ( إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَليْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) فَوَاللهِ مَا عَلى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ قَالتْ بِئْسَ مَا قُلتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ هَذِهِ لوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلتَهَا عَليْهِ كَانَتْ لا جُنَاحَ عَليْهِ أَنْ لا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا وَلكِنَّهَا أُنْزِلتْ فِي الأَنْصَارِ كَانُوا قَبْل أَنْ يُسْلمُوا يُهِلونَ لمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ التِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلل فَكَانَ مَنْ أَهَل يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَلمَّا أَسْلمُوا سَأَلُوا رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ عَنْ ذَلكَ قَالُوا يَا رَسُول اللهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَأَنْزَل اللهُ تَعَالى ( إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ ) الآيَةَ .


قَالتْ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَليْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِالرَّحْمَنِ فَقَال إِنَّ هَذَا لعِلمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ وَلقَدْ سَمِعْتُ رِجَالا مِنْ أَهْل العِلمِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إِلا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِل بِمَنَاةَ كَانُوا يَطُوفُونَ كُلهُمْ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَلمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالى الطَّوَافَ بِالبَيْتِ وَلمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ فِي القُرْآنِ قَالُوا يَا رَسُول اللهِ كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَإِنَّ اللهَ أَنْزَل الطَّوَافَ بِالبَيْتِ فَلمْ يَذْكُرِ الصَّفَا فَهَل عَليْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَأَنْزَل اللهُ تَعَالى ( إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ ) الآيَةَ .


قَال أَبُو بَكْرٍ فَأَسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلتْ فِي الفَرِيقَيْنِ كِليْهِمَا فِي الذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالجَاهِليَّةِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَالذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الإِسْلامِ مِنْ أَجْل أَنَّ اللهَ تَعَالى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالبَيْتِ وَلمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ (1)
__________
(1) الذي يقرا آية { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } يفهم أن الطواف بهما ينتفي به الجناح وكان بصدد أن يأثم ، ولكن من عرف سبب النزول زال سبب الإشكال ، وسبب النزول أنهم كانوا يتحرجون الطواف بهما لأنهم يهلون من مناة الطاغية بالمشلل ، فتحرجوا . وفيه أيضاً سبب آخر لم يذكره البخاري ولعله ليس على شرطه أنه كان على الصفا والمروة صنمان وكانوا في الجاهلية يطوفون بهما ، فلما جاء الإسلام تحرجوا أن يطوفوا بهما لأنهما كان فيهما الصنمان .
هناك السبب الثالث وهو أن الأصل في العبادات المنع ، فلما ذكر الله الطواف بالبيت وسكت عن الطواف بالصفا والمروة تحرجوا وقالوا إذا لم يُذكر الطواف بالصفا والمروة فالأصل في العبادات المنع والتحريم فيكون من طاف بهما عليه جناح . فنفى الله ذلك وقال : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فهذه ثلاثة أسباب .
ثم يُقال : إن قوله عز وجل : { من شعائر الله } يدل على أن قوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ليس على ظاهره ؛ لأن كونهما من شعائر الله يقتضي الندب للطواف بهما ، ولهذا قالت عائشة لابن أختها قالت : بئس ما فعلت أو ما فهمت ، لو أراد الله ما فهمه عروة لقال فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما لا أن يدعهما .
على كل حال هي رضي الله عنها أقسمت في محل آخر أنه ما أتم الله حج إنسان ولا عمرة حتى يطوف بالصفا والمروة .

سؤال : أحسن الله إليكم ، قال بعض الناس العمرة ليست واجبة على الإنسان ولكن الله سبحانه وتعالى قال : ( ولله على الناس حج البيت ) وفي الحديث ( بني الإسلام على خمس ) ذكر الحج ولم يذكر العمرة ، ولم يرد دليل نصي من الرسول صلى الله عليه وسلم أو آية على وجوبها ، فبماذا نجيب على هذا ؟
الجواب : نجيبهم بأشياء :
أولاً : أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمى العمرة حجاً أصغر فتدخل في عموم الحج .
ثانياً : أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أعلى النساء جهاد؟ قال: (( عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة )) وعلى تفيد الوجوب .
ثالثاً : أن الله قال : { فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فجعل حكم الحج والعمرة واحداً في السعي ، ومن قال إنه سنة فنعم له وجهة نظر لكن الواضح أنها واجبة إلا أنها ليست كفريضة الحج ، يعني ليست من أركان الإسلام .
سؤال : يا شيخ آخر وقت لطواف القدوم متى ؟ بالنسبة للخروج إلى عرفة ؟
الجواب : ما له وقت إذا دخل وقت الحج خلاص ما في شيء في مكة لا طواف قدوم ولا عمرة ولا شيء ، ولهذا الذين يأتون في اليوم الثامن ويتمتعون ليس لتمتعهم وجه ، نقول إما أن تقرنوا أو تفردوا لأن الله قال : {من تمتع بالعمرة إلى } وإلى للغاية فيفيد أن بين العمرة والحج في هذه الحال زمن له أول وله غاية .
السائل : ومن طاف طواف القدوم بعد ذهاب الناس لعرفة ؟
الجواب : أرى أن لا يطوف ، إذا دخل وقت الحج يخرج للمناسك .
القارئ : قوله ( ثم لم تكن عمرة ) تكلم عليها يا شيخ .
الشيخ : من ، العيني ؟
القارئ : لا .. ابن حجر في الفتح ، يقول : وبذلك احتج عروة في حديث الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالطواف ولم يحل من حجه ولا صار عمرة ، وكذا أبو بكر وعمر فمعنى قوله : ( ثم لم تكن عمرة ) أي لم تكن الفعلة عمرة هذا إن كان بالنصب على أنه خبر كان ويحتمل أن تكون كان تامة والمعنى ثم لم تحصل عمرة وهي على هذا بالرفع ، وقد وقع في رواية مسلم بدل عمرة غيره بغين معجمة وياء ساكنة وآخره هاء قال عياض وهو تصحيف وقال النووي لها وجه أي لم يكن غير الحج وكذا وجهه القرطبي .
الشيخ : يعني ( لم تكن عمرة ) عمرة تمتع لأنهم قد ساقوا الهدي .
سؤال : هل هناك تغير في المعنى أو لا لأنها زوالي أو غروبي ؟
الجواب : لها حافظ ورقيب وعتيد ، ولهذا شوفوا إن تقدمت أو تأخرت لا تطالبوا غيرها .
سؤال : هذه الساعة هل هي على الزوال ؟
الجواب : لا .. الغروب ، لكن كيف نعرف الغروب ؟ عندنا الساعة العصرية الآن ساعة العصر توقيت أم القرى ، ساعة العصر فيها ثلاثة اصطلاحات : توقيت أم القرى وتوقيت الرابطة ، وتوقيت الرابطة أضبط من أم القرى ، في توقيت ثالث ما أدري إيش اسمه .


78 ـ بَاب مَا جَاءَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ
وَقَال ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلى زُقَاقِ بَنِي أَبِي حُسَيْنٍ.
1535 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما قَال كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّل خَبَّ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيل إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَقُلتُ لنَافِعٍ أَكَانَ عَبْدُاللهِ يَمْشِي إِذَا بَلغَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَ قَال لا إِلا أَنْ يُزَاحَمَ عَلى الرُّكْنِ فَإِنَّهُ كَانَ لا يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلمَهُ(1)
__________
(1) قوله رحمه الله : ( باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة ) يشمل السعي كله ويخص السعي بين العلمين يعني في بطن الوادي ، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسعى شديداً في بطن الوادي حتى إن إزاره لتدور به من شدة السعي . وأما سؤال ابن عمر رضي الله عنهما (هل كان يمشي إذا بلغ الركن اليماني ) يعني بناء على الطواف الذي كان في عمرة القضاء ، فيقول : لا .. إنه يرمل إذا زوحم على الحجر ؛ لأنه رضي الله عنه متمسك باستلام الحجر لابد أن يستلمه ، وحينئذٍ لا يمكن أن يرمل وهو يحاول أن يصل إلى الحجر الأسود .
فإن قال قائل : هل الأفضل اتباع ابن عمر في هذا بمعنى أن لا نرمل من أجل أن نصل إلى استلام الحجر أو الأفضل أن نرمل ؟ فالجواب : الثاني هو الأفضل لأن الرمل صفة في كيفية الطواف فهو أولى للمراعاة من سنة في نفس الطواف ليست في كيفيته .


1536 حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَال سَأَلنَا ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْه عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ وَلمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ فَقَال قَدِمَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا وَصَلى خَلفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا ( لقَدْ كَانَ لكُمْ فِي رَسُول اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) وَسَأَلنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ رَضِي الله عَنْهما فَقَال لا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ(1)
1537 حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَال أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَال سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما قَال قَدِمَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ صَلى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ تَلا ( لقَدْ كَانَ لكُمْ فِي رَسُول اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .
1538 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ قَال قُلتُ لأَنَسِ بْنِ مَالكٍ رَضِي الله عَنْه أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ قَال نَعَمْ لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِليَّةِ حَتَّى أَنْزَل اللهُ ( إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَليْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) .
__________
(1) هذا سبق الكلام عليه .


1539 حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهما قَال إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ليُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ زَادَ الحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو سَمِعْتُ عَطَاءً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلهُ(1)
79 ـ بَاب تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلهَا إِلا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ
وَإِذَا سَعَى عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ
__________
(1) شوف الكلام على الحديث هذا .
تعليق من فتح الباري : الحديث الرابع حديث ابن عباس إنما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوته والمراد بالسعي هنا شدة المشي وقد تقدم القول فيه في باب بدء الرمل.
الشيخ : نعم بالنسبة للرمل في الطواف مُسلم ، لكن بالنسبة للسعي بين الصفا والمروة في نفسي منه شيء لأن الظاهر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سعى من أجل أن أم إسماعيل سعت في بطن الوادي ، ومن أجل ذلك سعى الناس .
سؤال : عفا الله عنك يا شيخ ، بعض الصحابة يرد عليه سؤال فيقول لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، فيسأل أو المسؤول يعرف أن هناك بعض الناس لا يعرفون ، كيف يرد عليهم ؟
الجواب : يرد عليهم أنهم يعرفون ، بمعنى أنك لا تحل ولا تحل لك امرأتك حتى تطوف بالصفا ، هذا مرادهم .


1540 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالتْ قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ قَالتْ فَشَكَوْتُ ذَلكَ إِلى رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال افْعَلي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي(1)
__________
(1) هي ذكرت أنها لم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة لأن السعي لا يصح إلا بعض طواف ، وإلا فاشتراط الطهارة له ليس بواجب ، يعني الطهارة غير واجبة للسعي لكن لا يمكن أن تسعى إلا بعد طواف ، فلهذا لم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ، وقال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري )) وإذا قال : (( غير أن لا تطوفي بالبيت )) يعني ولا بين الصفا والمروة كما ورد ذلك صريحاً في موطأ مالك رحمه الله .
تعليق من شرح العيني :
وقول ابن عباس : ( ليري المشركين قوته ) فيه حصر السبب فيما ذكره على ما هو المشهور في ( إنما ) من إفادة الحصر ، وقد جاء عن ابن عباس سبب آخر وهو سعي أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فيجوز أن يكون هو المقتضي لمشروعية الإسراع على ما رواه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس .

قوله : ( قال إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أُمر بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسبقه فسابقه إبراهيم عليه السلام ) وقد ورد أيضاً سبب آخر وهو سعي هاجر عليها السلام على ما صرح به البخاري عن ابن عباس : ( جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ... ) الحديث ، وفيه : ( فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها وسعت سعي إنسان مجهود حتى إذا جاوزت الوادي ... ) الحديث ، وفيه ( ففعلت ذلك سبع مرات ) قال ابن عباس : ( قال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس بينهما ) فإن كان المراد في قوله ( فلذلك سعى الناس بينهما ) الإسراع في المشي فهذه العلة من نص الشارع فهي أولى ما يُعلل به السعي، وإن أراد بالسعي مُطلق الذهاب فلا ، ويدل عليه رواية الأزرقي : (فلذلك طاف الناس بين الصفا والمروة ) والله أعلم .
الشيخ : الصواب ( ولذلك سعى الناس ) يشمل السعي بين الصفا والمروة عموماً وكذلك السعي في الوادي الذي هو الركض الشديد .


1541 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُالوَهَّابِ قَال ح .
وَقَال لي خَليفَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُالوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَبِيبٌ المُعَلمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ رَضِي الله عَنْهما قَال أَهَل النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ وَليْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ وَطَلحَةَ وَقَدِمَ عَليٌّ مِنَ اليَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ فَقَال أَهْللتُ بِمَا أَهَل بِهِ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلوا إِلا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَقَالُوا نَنْطَلقُ إِلى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلغَ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقَال لوِ اسْتَقْبَلتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ وَلوْلا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْللتُ وَحَاضَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله عَنْهَا فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلهَا غَيْرَ أَنَّهَا لمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ فَلمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالبَيْتِ قَالتْ يَا رَسُول اللهِ تَنْطَلقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلقُ بِحَجٍّ فَأَمَرَ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ(1)
__________
(1) إلا أن الذين ساقوا الهدي كانوا قليلين لأنه لم يسق الهدي إلا الأغنياء وعامة الصحابة فقراء ، فيكون عامتهم فسقوا الحج إلى عمرة وفسقوا القران إلى عمرة ليصيروا متمتعين . فإن قلت : هل يجوز أن يفسخ الإنسان الحج إلى العمرة ليتحلل منها وينصرف على أهله؟ فالجواب : لا .. لأنه إنما أُمر بفسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً والتمتع أفضل ، ولم يُرخص له أن يفسخ الحج إلى عمرة ليتحلل عن قرب ويرجع إلى أهله .


1542 حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالتْ كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلتْ قَصْرَ بَنِي خَلفٍ فَحَدَّثَتْ أَنَّ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَدْ غَزَا مَعَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ قَالتْ كُنَّا نُدَاوِي الكَلمَى وَنَقُومُ عَلى المَرْضَى(1) فَسَأَلتْ أُخْتِي رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقَالتْ هَل عَلى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لمْ يَكُنْ لهَا جِلبَابٌ أَنْ لا تَخْرُجَ قَال لتُلبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلبَابِهَا وَلتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ فَلمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِي الله عَنْهَا سَأَلنَهَا أَوْ قَالتْ سَأَلنَاهَا فَقَالتْ وَكَانَتْ لا تَذْكُرُ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَبَدًا إِلا قَالتْ بِأَبِي فَقُلنَا أَسَمِعْتِ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا قَالتْ نَعَمْ بِأَبِي فَقَال لتَخْرُجِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ أَوِ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ وَالحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلمِينَ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلى فَقُلتُ الحَائِضُ فَقَالتْ أَوَليْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا(2)
__________
(1) الكلمى) يعني الجرحى .
(2) هذا الحديث فيه فوائد على ما سبق وفيه إشارة إلى أن منع الحائض من الطواف لا لاشتراط الطهارة ولكن لكونها حائضاً والحائض لا تدخل المسجد على وجه المكث فيه ، والداخل للمسجد الحرام ليطوف سيمكث مدة الطواف قد تطول وقد تقصر . ففي هذا إشارة إلى ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أن منع الحائض من الطواف ليس لأنها غير طاهر ولكن لأنها سوف تمكث بالمسجد والحائض ممنوعة من المكث في المسجد.
وفي هذا الحديث من الفوائد جواز غزو النساء مع الرجال ولكن لا يباشرن القتال اللهم إلا عند الدفاع عن النفس فهذا شيء آخر ، وإلا فلا يباشرن القتال ابتداءً لقلة صبر المرأة ولاستعلاء الرجل عليها ، فإذا استعلى عليها رجل من العدو ثم قتلها صار في هذا كسر لقلوب المجاهدين ، نعم لو هاجمها أحد فيجب عليها أن تدافع عن نفسها .
وفي هذا الحديث دليل على جواز مداواة النساء للجرحى والمرضى لقولها : ( كنا نداوي الكلمى ونقوم على المرضى ) . فإذا قال قائل : يلزم من هذا أن تباشر المرأة علاج الرجل ؟ فالجواب : وإن لزم لأن هذا حاجة أو ضرورة . ولهذا لو رأت المرأة رجلاً غريقاً وهي تعرف أن تسبح وجب عليها أن تنزل وتخرجه ، وكذلك العكس ، ولكل مقام مقال .
وفي التفريق بين الرجال والنساء في القتال دليل على أن المرأة إنما تُمكن من العمل الذي يليق بها لا أن تشارك الرجل في كل أعماله ومسؤولياته ، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : (( لن يُفلح قوم ولوا أمرهم امرأة )) وهذا الحديث سواء كان المراد بهم الفرس الذين ولوا عليهم ابنة كسرى أو إنه عام ، فإن قال الأول فيقال ما الفرق بين هذه وغيرها ؟ المرأة لا تتولى ولاية عامة في الحكومة الإسلامية أبداً ، ومن ولاها فقد خالف لأنها قاصرة التفكير والعقل وإذا وُجد نابغة من النساء فهذا نادر ، والنادر لا حكم له .فإن قال قائل : أرأيت لو كان هناك طبيب وطبيبة فأيهما الذي يداوي الرجل ؟ الطبيب الرجل لا شك في هذا لأن مداواة المرأة للرجل إنما تكون عند الحاجة والضرورة ولابد من قيد في مداواة المرأة للرجل وهو أن لا يخلو بها فإن خلا بها فهو حرام . فإن قال قائل : التهمة هنا بعيدة لأن الرجل مريض قد انشغل بنفسه فهو بعيد أن يحصل منه تحرك شهوة ؟ فالجواب : لا تسلم ، إذا خلت امرأة ممرضة برجل ولو كان مريضاً فإنها لاشك إذا قامت تمس جلده سوف تحرك شهوته، ولا تقل إن هذا مريض فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فلا يجوز أن تخلو المرأة بالرجل لمداواته ولا أن يخلو الرجل بالمرأة لمداواتها .
سؤال : هل من ذلك للحاجة أو للضرورة ما نقع فيه اليوم من وجود الممرضات المستشفيات وهل الخلوة تنفك بفتح الباب ؟
الجواب : أما ما نحن فيه اليوم ما نستطيع نحكم لأن في بعض المستشفيات فيها رجال ومع ذلك يجعلون النساء هي التي تعالج وبالعكس ، حتى قيل لي إن بعض المستشفيات يرسلون النساء للرجال والرجال للنساء. وهذا والعياذ بالله مُحرم لا شك ، أما الباب المفتوح فإن كانت الحجرة كلها باب فنعم ما في خلوة ، أو كان الباب في جانب ولكن الباقي زجاج فهذا أيضاً لا خلوة ، وأما إذا كان باب وحجرة عليها جدران لا يُرى من ورائها فهذا خلوة .
سؤال : أحسن الله إليك ، قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : (( افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت )) هل يُفهم من ذلك أن الآن أن تسعي بين الصفا والمروة وهي داخل سور المسجد الآن ؟
الجواب : لا .. ولا يمكن تسعى بين الصفا والمروة حتى لو كان خارج السور ، وذكرنا ذلك من قريب يا جماعة وقلنا إنها هي تقول لم أطف ولم اسعى ، وقلنا في رواية مالك صريحة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لها (( غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري )) .
السائل : لكن الحديث الذي معنا هذا ....؟
الجواب : الذي معك حديث ما هو ؟ هي قالت قدمت مكة ولم أطف بالبيت ولم أطف بين الصفا والمروة . هي قالت هذا ، وقلت لك إن رواية مالك يقول لها : (( غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري )) أين أنت ؟ ولا يمكن أن يصح سعي إلا إذا سبقه طواف ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال : (( لا حرج )) في سعي الحج إذا قدمه على طواف الإفاضة . على أن بعض أهل العلم قال : ولا سعي الحج لا يُقدم على طواف الإفاضة ، وأن معنى قول السائل : سعيت قبل أن أطوف يعني بذلك القارن الذي سعى عند طواف القدوم ، فهنا يكون سعى قبل طواف الإفاضة ، لكن عندي هذا التأويل بعيد مستبعد لأن مثل هذا لا يُسأل عنه وقد جرى من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه سعى بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم قبل طواف الإفاضة . أفهمت الآن أو لا ؟
سؤال : في رواية جابر يا شيخ يقول : ( قدم علي من اليمن ومعه هديه ) وفي رواية رأينا النبي صلى الله عليه وسلم أشركه معه في هديه كيف الجمع ؟
الجواب : معه الهدي من النبي صلى الله عليه وسلم وتشريكه إياه في الهدي يحتمل أنه مشاع ويحتمل أنه خص له شيئاً معيناً .
بقي أن نزيد فوائد ، يقول : ( فَقَالتْ هَل عَلى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لمْ يَكُنْ لهَا جِلبَابٌ أَنْ لا تَخْرُجَ قَال لتُلبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلبَابِهَا ) هذا في صلاة العيد أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء أن يخرجن حتى الحُيَّض وذوات الخدور ، فسألن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا لم يكن لها جلباب، الجلباب هو الذي يغطي الجسم كله، قال: (( لتلبسها صاحبتها من جلبابها )) يعني تعيرها ، وهذا يدل على أن المرأة لا تخرج بلا جلباب ، بمعنى لا تخرج بالدرع الذي هو القميص ولا بشيء لا يسترها جميعاً .


80 ـ بَاب الإِهْلال مِنَ البَطْحَاءِ وَغَيْرِهَا للمَكِّيِّ
وَللحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلى مِنًى
وَسُئِل عَطَاءٌ عَنِ المُجَاوِرِ يُلبِّي بِالحَجِّ قَال وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما يُلبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلى الظُّهْرَ وَاسْتَوَى عَلى رَاحِلتِهِ وَقَال عَبْدُالمَلكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِي الله عَنْه قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَأَحْللنَا حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ لبَّيْنَا بِالحَجِّ وَقَال أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَهْللنَا مِنَ البَطْحَاءِ وَقَال عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لابْنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَل النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلال وَلمْ تُهِل أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَقَال لمْ أَرَ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يُهِل حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلتُهُ(1)
__________
(1) ش9 ـ وجه ب :
هذه آثار ليس فيها حديث مرفوع ، الإحلال : الإهلال يوم التروية ، يكون قبل الظهر لمن كان متمتعاً ، وأما القارن والمفرد فهو أحرم من الميقات لكن إذا نزل القارن والمُحرم في مكة فمتى يُهل ؟ نقول : يُهل إذا ركب راحلته متجهاً إلى منى . وظاهر أثر ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه أنه كان يصلي الظهر ثم يخرج إلى منى ، وظاهر حديث جابر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى منى قبل صلاة الظهر ، حيث قال : ( فلما كان يوم التروية توجه إلى منى فصلى بها النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ) فعلى هذا يكون الإحرام بالحج للمتمتع قبل الظهر ويكون خروج القارن والمفرد قبل الظهر فيصلي بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء . إيش الكلام على أثر ابن عمر في الفتح ؟
القارئ : وقت الإهلال ؟
الشيخ : نعم .
تعليق من فتح الباري :

واختلفوا في الوقت الذي يهل فيه فذهب الجمهور إلى أن الأفضل أن يكون يوم التروية وروى مالك وغيره بإسناد منقطع وابن المنذر بإسناد متصل عن عمر أنه قال لأهل مكة ما لكم يقدم الناس عليكم شعثا وأنتم تنضحون طيباً مدهنين إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج وهو قول ابن الزبير ومن أشار إليهم عبيد بن جريج بقوله لابن عمر أهل الناس إذا رأوا الهلال وقيل أن ذلك محمول على الاستحباب وبه قال مالك وأبو ثور . وقال ابن المنذر الأفضل أن يهل يوم التروية إلا المتمتع الذي لا يجد الهدي ويريد الصوم فيعجل الإهلال ليصوم ثلاثة أيام بعد أن يحرم . واحتج الجمهور بحديث أبي الزبير عن جابر وهو الذي علقه المصنف في هذا الباب .
وقوله في الترجمة : ( للمكي ) أي إذا أراد الحج ، وقوله : ( الحاج ) أي الآفاقي إذا كان قد دخل مكة متمتعا .
الشيخ : والصواب أن لا يُهل إلا يوم الثامن ، ومن قال من العلماء إنه يُهل يوم السابع إذا لم يجد الهدي ليصوم السابع والثامن والتاسع فقوله ضعيف ؛ لأن قوله تعالى : { ثلاثة أيام في الحج } يشمل من ابتداء العمرة إلى أيام التشريق حتى لو كان محلاً ، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( دخلت العمرة في الحج )) . وعلى هذا فالصحيح في هذه المسألة أن من لم يجد الهدي من متمتع وقارن فالمتمتع لا يُحرم إلا يوم التروية والقارن لا يخرج إلى منى إلا يوم التروية .
أنا أريد حديث ابن عمر أنه صلى الظهر ثم خرج .
القارئ : قوله : ( باب الإهلال من البطحاء وغيرها للمكي والحاج إذا خرج من منى ) كذا في معظم الروايات وفي نسخة معتمدة من طريق أبي الوقت ( إلى منى ) وكذا ذكره ابن بطال في شرحه والإسماعيلي في مستخرجه ولا إشكال فيها ، وعلى الأول فلعله أشار إلى الخلاف في ميقات المكي قال النووي ميقات من بمكة من أهلها أو غيرهم نفس مكة على الصحيح وقيل مكة وسائر الحرم اهـ .
والثاني مذهب الحنفية واختلف في الأفضل فاتفق المذهبان على أنه من باب المنزل وفي قول للشافعي من المسجد ، وحجة الصحيح ما تقدم في أول كتاب الحج من حديث ابن عباس : ( حتى أهل مكة يهلون منها ) وقال مالك وأحمد وإسحاق يهل من جوف مكة ولا يخرج إلى الحل إلا محرما واختلفوا في الوقت الذي يهل فيه فذهب الجمهور إلى أن الأفضل أن يكون يوم التروية وروى مالك وغيره بإسناد منقطع وابن المنذر بإسناد متصل....
الشيخ : هذا الذي قرأته من قبل ؟
القارئ : نعم هذا الذي قرأته .
الشيخ : الإشكال الإهلال قبل صلاة الظهر أو بعدها ، هذا الإشكال والصحيح أنه قبل صلاة الظهر وأنه يُحرم إن كان متمتعاً أو كان من أهل مكة وأراد الحج يُحرم يوم ثمانية قبل الظهر ويخرج إلى منى ويصلي بها.
القارئ : سيأتي في الباب الذي بعده .


81 ـ بَاب أَيْنَ يُصَلي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ
1543 حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِالعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَال سَأَلتُ أَنَسَ بْنَ مَالكٍ رَضِي الله عَنْه قُلتُ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلتَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَيْنَ صَلى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَال بِمِنًى قُلتُ فَأَيْنَ صَلى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ قَال بِالأَبْطَحِ ثُمَّ قَال افْعَل كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ(1)
__________
(1) شوف الترجمة .
تعليق من فتح الباري :
قوله : ( باب أين يصلي الظهر يوم التروية ) أي يوم الثامن من ذي الحجة وسمي التروية بفتح المثناة وسكون الراء وكسر الواو وتخفيف التحتانية لأنهم كانوا يُروون فيها إبلهم ويرتوون من الماء لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون وأما الآن فقد كثرت جدا واستغنوا عن حمل الماء . وقد روى الفاكهي في كتاب مكة من طريق مجاهد قال قال عبد الله بن عمر يا مجاهد إذا رأيت الماء بطريق مكة ورأيت البناء يعلو أخاشبها فخذ حذرك وفي رواية فاعلم أن الأمر قد أظلك .
وقيل في تسميته التروية أقوال أخرى شاذة منها أن آدم رأى فيه حواء واجتمع بها ومنها أن إبراهيم رأى في ليلته أنه يذبح ابنه فأصبح متفكرا يتروى ومنها أن جبريل عليه السلام أرى فيه إبراهيم مناسك الحج ومنها أن الإمام يُعلم الناس فيه مناسك الحج . ووجه شذوذها أنه لو كان من الأول لكان يوم الرؤية أو الثاني لكان يوم التروي بتشديد الواو أو من الثالث لكان من الرؤيا أو من الرابع لكان من الرواية .

قوله : ( حدثني عبد الله بن محمد ) هو الجعفي ( وإسحاق الأزرق ) هو ابن يوسف ( وسفيان ) هو الثوري ، قال الترمذي بعد أن أخرجه صحيح يستغرب من حديث إسحاق الأزرق عن الثوري يعني أن إسحاق تفرد به . وأظن أن لهذه النكتة أردفه البخاري بطريق أبي بكر بن عياش عن عبد العزيز ورواية أبي بكر وإن كان قصر فيها كما سنوضحه لكنها متابعة قوية لطريق إسحاق وقد وجدنا له شواهد .
الشيخ : الأحاديث متابعة كما هو المصطلح .
القارئ : من كان قصر ؟
الشيخ : لا أنا قصدي متابعة قوية .
متابعة التعليق : منها ما وقع في حديث جابر الطويل في صفة الحج عند مسلم فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر الحديث . وروى أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم من حديث بن عباس قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمنى خمس صلوات وله عن ابن عمر أنه كان يحب إذا استطاع أن يصلي الظهر بمنى يوم التروية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمنى وحديث ابن عمر في الموطأ عن نافع عنه موقوفا ولابن خزيمة والحاكم من طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير قال من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر وما بعدها والفجر بمنى ثم يغدون إلى عرفة قوله يوم النفر بفتح النون وسكون الفاء يأتي الكلام عليه في أواخر أبواب الحج .
قوله : ( حدثنا علي ) لم أره منسوبا في شيء من الروايات والذي يظهر لي أنه ابن المديني وقد ساق المصنف الحديث على لفظ إسماعيل بن أبان وإنما قدم طريق علي لتصريحه فيها بالتحديث بين أبي بكر وهو ابن عياش وعبد العزيز وهو ابن رفيع ، قوله : ( فلقيت أنسا ذاهبا ) في رواية الكشميهني ( راكبا ) ، قوله : ( انظر حيث يصلي أمراؤك فصل ) هذا فيه اختصار يوضحه رواية سفيان وذلك أنه في رواية سفيان بين له المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية وهو بمنى كما تقدم ، ثم خشي عليه أن يحرص على ذلك فينسب إلى المخالفة أو تفوته الصلاة مع الجماعة فقال له صل مع الأمراء حيث يصلون . وفيه إشعار بأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمكان معين فأشار أنس إلى أن الذي يفعلونه جائز وإن كان الاتباع أفضل .
ولما خلت رواية أبي بكر بن عياش عن القدر المرفوع وقع في بعض الطرق عنه وهم فرواه الإسماعيلي من رواية عبد الحميد بن بيان عنه بلفظ أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر هذا اليوم قال صلي حيث يصلي أمراؤك قال الإسماعيلي قوله صلي غلط قلت ويحتمل أن يكون كانت صل بصيغة الأمر كغيرها من الروايات فأشبع الناسخ اللام فكتب بعدها ياء فقرأها الراوي بفتح اللام وأغرب الحميدي في جمعه فحذف لفظ فصل من آخر رواية أبي بكر بن عياش فصار ظاهره أن أنسا أخبر أنه صلى حيث يصلي الأمراء وليس كذلك فهذا بعينه الذي أطلق الإسماعيلي أنه غلط .
وقال أبو مسعود في الأطراف جود إسحاق عن سفيان هذا الحديث ولم يجوده أبو بكر بن عياش ، قلت وهو كما قال .
وفي الحديث أن السنة أن يصلي الحاج الظهر يوم التروية بمنى وهو قول الجمهور وروى الثوري في جامعه عن عمرو بن دينار قال رأيت ابن الزبير صلى الظهر يوم التروية بمكة . وقد تقدمت رواية القاسم عنه أن السنة أن يصليها بمنى فلعله فعل ما نقله عمرو عنه لضرورة أو لبيان الجواز . وروى ابن المنذر من طريق بن عباس قال إذا زاغت الشمس فليرح إلى مني . قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير أن من السنة أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى قال به علماء الأمصار ، قال ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئا ، ثم روى عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه . قال ابن المنذر والخروج إلى منى في كل وقت مباح إلا أن الحسن وعطاء قالا لا بأس أن يتقدم الحاج إلى منى قبل يوم التروية بيوم أو يومين وكرهه مالك وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي إلا إن أدركه وقت الجمعة فعليه أن يصليها قبل أن يخرج .
الشيخ : هذا الذي أوصى به العلماء رحمهم الله في وقت السعة ، يعني كرهوا أن يخرج الإنسان إلى منى قبل يوم التروية لأنهم يشغلون مكاناً فيما ليس مشروعاً فيه في ذلك الوقت ، كما كرهوا أن يتأخر عن يوم التروية أن يتأخر عن الخروج إلى منى ، فالسنة أن تخرج ضحى إلى منى وتصلي الظهر هناك ، وإن تأخرت إلى أن تزول الشمس ثم تخرج قبل صلاة الظهر وتصلي في منى فلا بأس . وكانت منى فيما عهدنا ونحن قريبو عهد كان بينها وبين مكة مسافة طويلة صحراء وأودية لكن الآن اتصلت .
وفي هذا الحديث دليل على ورع الصحابة وحسن سيرتهم ومنهجهم حيث بينوا السنة ونهوا عن المخالفة . بينوا السنة أن تُصلى الظهر في منى، ونهوا عن المخالفة مخالفة الأمراء أمراء الحجيج ، فصلي حيث صلوا إن صلوا في منى فصلي في منى وإن صلوا في مكة صلي في مكة ؛ لأن المخالفة شر ، ولكن من يفقه هذا من بعض الناس اليوم حيث يريدون أن يطبقوا السنة لو كان فيها مشاقة ، وهذا غلط عظيم لاسيما من يؤبه له أو من يسعى بين الناس بأعلى صوته : خَالَفوا السنة ، السنة كذا . يترتب على هذا من المفاسد أكثر مما يترتب على المصلحة . هذا أحد الصحابة يبين لنا السنة ويقول لا تخالف أميرك .
متابعة التعليق : وفي الحديث أيضا الإشارة إلى متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة. ا.هـ.
الشيخ : سبقناه بالتعليل .


1544 حَدَّثَنَا عَليٌّ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ لقِيتُ أَنَسًا ح و حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَبْدِالعَزِيزِ قَال خَرَجْتُ إِلى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلقِيتُ أَنَسًا رَضِي الله عَنْه ذَاهِبًا عَلى حِمَارٍ فَقُلتُ أَيْنَ صَلى النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ هَذَا اليَوْمَ الظُّهْرَ فَقَال انْظُرْ حَيْثُ يُصَلي أُمَرَاؤُكَ فَصَل(1)
82 ـ بَاب الصَّلاةِ بِمِنًى
1545 حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَال صَلى رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلافَتِهِ(2)
__________
(1) كأن أنس رضي الله عنه فهم من هذا السائل أنه يريد المخالفة ولهذا لم يبين له أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى في منى بل قال : ( صلي حيث يصلي أمراؤك ) فالسؤال ليس سؤال استشكال بل لعله سؤال إثارة ، لماذا يصلي الأمير مثلاً في مكة ثم يخرج ؟ ولهذا لم يُخبره بل قال : ( صلي حيث يصلي أمراؤك ) .
سؤال : قلنا إنهم كانوا في الجاهلية يهلون من عند أصنامهم على الصفا لهذا أنزل الله عز وجل قوله في الصفا ، هل هذا هو العلة أو غير ذلك ؟
الجواب : يجوز أن تتعدد العلل في حكم واحد .

(2) هذا الباب في قوله ( بمنى ) بمعنى في ، ومن المعلوم أن الحروف المعاني لها معاني متعددة تأتي بمعنى كذا وبمعنى ومعنى كذا . قال الله تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل } أي وفي الليل . كما تأتي في بمعنى الباء مثل قوله صلى الله عليه وسلم : (( عُذبت امرأة في هرة حبستها )) أي بسبب .


1546 حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيِّ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الخُزَاعِيِّ رَضِي الله عَنْه قَال صَلى بِنَا النَّبِيُّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ(1)
__________
(1) هذا فيه يبين أن قول الله تبارك وتعالى : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } هذا الشرط أُلغي والحمد لله كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : (( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته )) وهنا يقول : ( وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ) .


1547 حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِاللهِ رَضِي الله عَنْه قَال صَليْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِي الله عَنْه رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ عُمَرَ رَضِي الله عَنْه رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ فَيَا ليْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلتَانِ(1)
83 ـ بَاب صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ
__________
(1) رضي الله عنه ، وهذا يدل على أنه كان يصلي أربع مع أنه ذكر أن صلاة الأربع مما تفرقت فيه الطرق ، وكان يُنكر هذا حتى أنه استرجع لما بلغه أن عثمان يصلي أربعاً ومع ذلك يصلي خلفه أربعاً . فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما هذا كيف تنكر على عثمان ثم تصلي خلفه أربعاً ؟ فقال رضي الله عنه الخلاف شر . وصدق ، فانظر كيف يتابع الصحابة في الزيادة التي يرونها خلاف السنة . وهو المتبع عند بعض العلماء الذين يرون أن القصر واجب ، ومن الناس من يُنكر متابعة الإمام في رمضان في صلاة التراويح إذا صلى ثلاث وعشرين فتجده جالساً والناس يصلون ولا يُتابع ، فيُقال له : يا أخي اتق الله لا تفرق المسلمين وانظر إلى هدي الصحابة رضي الله عنهم كيف يتقون الخلاف اتقاءً بالغاً .


1548 حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا سَالمٌ قَال سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلى أُمِّ الفَضْل عَنْ أُمِّ الفَضْل شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَبَعَثْتُ إِلى النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ(1)
84 ـ بَاب التَّلبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ إِذَا غَدَا مِنْ مِنًى إِلى عَرَفَةَ
__________
(1) في هذا دليل على أن ما يفعله بعض الناس من صوم يوم عرفة استدلالاً بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه إنه يُكفر السنة التي قبله والتي بعده فتجده يصوم في يوم عرفة ، فيُقال له : كيف تفعل هذا وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصومه ؟ ادعى أن الرسول ترك صومه رفقاً بالأمة ، فيُقال : سبحان الله يترك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صومه مع أنه مستحب رفقاً بالأمة ؟ الأمة ليس عليها مشقة إذا صامت ، وإذا قُدر أن فيه مشقة فالأمة كلها تعلم أن صوم هذا اليوم سنة ليس بواجب ، فالصواب أن صوم يوم عرفة للحجاج مكروه ، أدنى ما يكون أن يكون مكروهاً لمخالفته هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه ورد أحاديث كثيرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة .


1549 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَل أَنَسَ بْنَ مَالكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلى عَرَفَةَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا اليَوْمِ مَعَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقَال كَانَ يُهِل مِنَّا المُهِل فَلا يُنْكِرُ عَليْهِ وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلا يُنْكِرُ عَليْهِ(1)
__________
(1) لأن كله ذكر الإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية والتكبير ، وفي هذا نص صريح على أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يجتمعون على التلبية أي التلبية الجماعية بل كل إنسان يلبي بنفسه ويذكر بنفسه ، وفي أيضاً إشارة أيضاً من البخاري من الحديث إلى أن التلبية إنما تكون في حالة السير بين المشاعر من مكة إلى منى ومن منى إلى عرفة ومن عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى إلى رمي جمرة العقبة ، وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال لا تكون التلبية لحال . يعني ما دمت مستقراً في منى أو عرفة فلا تلبي إنما تلبي إذا توجهت ومشيت ، فالتلبية تحتاج إلى حركة ، كيف تقول لبيك اللهم لبيك وأنت جالس ؟ فشيخ الإسلام رحمه الله يستدل بمثل هذه الأحاديث وبالمعنى على أن التلبية إنما تكون لمن؟ للذي يسير .
وذهب بعض العلماء إلى أنه يلبي ولو كان جالساً ولو كان قاراً ، واستدلوا بعموم : (فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ) لكن هذا الذي قاله يحكي سير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مزدلفة إلى منى ، فيقول : ( لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة . لكن مع ذلك لا يُنكَر من سُمِع يلبي وهو مقيم مستقر .

سؤال : أحسن الله إليك ، بعض طلبة العلم إذا رأوا أحد من الناس خالف السنة مثل إذا شرب قائماً مثلاً قالوا : ( ومن يشاق الرسول من بعد ما تبين له من الهدى ) وقالوا إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (من رغب عن سنتي فليس مني ) هل يصح هذا يا شيخ ؟
الجواب : لا ما هو بصحيح ، إذا رغب رغبة مطلقة عن سنة الرسول فنعم يكون كافراً أما في بعض الجزئيات فلا يكون كافراً . وهذا رأيته في جماعة من الإفريقيين متشادين جداً جداً كل واحد يقول أنتم كفار ، ما هي العلة ؟ نراهم مختلفين هل المصلي يضع يديه على صدره أو يرسل ؟ الذين يقولون يرسل يقولون هذه السنة وأنت إذا ضممت خرجت عن السنة فلست من الرسول ومن ليس من الرسول فهو كافر . سبحان الله ، والجماعة الثانية كذلك بالعكس مشاجرة قوية في منى حتى جاء مدير التوعية وتكلم معهم وخوفهم بالله وقال هذه المسألة سنة إن فعلها الإنسان فهو يثيب وإن تركها فلا إثم عليه . واستدلوا بهذا بحديث : ( من رغب عن سنتي فليس مني ) . وهذا غلط عظيم .
سؤال : بارك الله فيكم ، الأحاديث التي فيها اتباع الصحابة للأمراء مع مخالفتهم للسنة كيف يجمع بينها وبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ؟
الجواب : ما هي معصية ، يرون صلاتهم في مكة أو في منى ليست بمعصية .
سؤال : أثابكم الله ، بعض الحجاج يضع على بطنه خيطاً وعلى خصره ويتدلى من وسط الخيط خرقة تستر السوأتين ، هل هذا يُعد من السراويلات المنهي عنها ؟
الجواب : يلبس الإزار ؟
السائل : إي نعم يلبس الإزار ثم يضع الخيط .
الجواب : الخيط أين ؟
السائل : على خصره .
الجواب : يتحزم به وكذا ؟
السائل : إي نعم ، وفي وسط الخيط هذا تُدلى خرقة تستر السوأتين.
الجواب : يعني معه الإزار قصير ما ينضم ؟
السائل : لا .. الإزار قصير لكن تحت .
الجواب : يعني عريض ممكن يلويه مرتين أو ثلاث ؟
السائل : لا الإزار عادي لكن من تحت الإزار يضع خيطاً على الخصر يتدلى من هذا الخيط خرقة تستر السوأتين .
الشيخ : السوأتين مستورة بالإزار .
السائل : لا .. يعني حتى إذا جلس ما تنكشف العورة وإذا نام أو كذا فيستر السوأة تماماً .
الشيخ : تصورتم هذا ؟
طالب : نعم ، يعني من تحت الصرة حتى يرجع إلى الخلف .
الشيخ : يعني مثل الحفاضة . والله ما أعرف هذا ، أرى هذا من التكلف والتعمق ، والحمد لله أن تحرص على أن لا تبين منك العورة .
سؤال : إذا وافق يوم التروية يوم الجمعة والحاج في مكة هل الأولى أن يصلي في المسجد الحرام ؟
الجواب : لا .. الأولى أن يذهب إلى منى لأن هذا متعلق بالنسك .


85 ـ بَاب التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ
1550 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالمٍ قَال كَتَبَ عَبْدُالمَلكِ إِلى الحَجَّاجِ أَنْ لا يُخَالفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الحَجِّ فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْه وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالتِ الشَّمْسُ فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ فَخَرَجَ وَعَليْهِ مِلحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَال مَا لكَ يَا أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ فَقَال الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ قَال هَذِهِ السَّاعَةَ قَال نَعَمْ قَال فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ فَنَزَل حَتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَقُلتُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّل الوُقُوفَ فَجَعَل يَنْظُرُ إِلى عَبْدِاللهِ فَلمَّا رَأَى ذَلكَ عَبْدُاللهِ قَال صَدَقَ(1)
__________
(1) انظر للأمراء كيف طاعتهم للخلفاء ، وانظر للخلفاء أيضاً كيف رجوعهم إلى أهل العلم ؛ لأنه كتب عبد الملك بن مروان رحمه الله إلى الحجاج بن يوسف الثقفي ـ المعروف بالجبروت والظلم ولا حاجة إلى ذكر ما يفعل ـ أن لا يُخالف ابن عمر رضي الله عنه في الحج ، وحصل ما سمعتم وتوقف ابن عمر حتى خرج الحجاج وسار ، وهذا كله مما يدل على حرص الصحابة رضي الله عنهم على عدم مخالفة الأمراء إلا أن يأمروا بمعصية فلا طاعة لهم فيما أمروا به .

وفيه أيضاً دليل على جواز نصح الابن مع وجود أبيه ، وجه الدلالة أن سالم تكلم على الحجاج مع وجود أبيه ، ولعل أباه رضي الله عنه سكت عن هذه المسألة لأنها مسألة سهلة وخاف أن يشق على الحجاج فيأمره بكل شيء . وإلا فلا يخفى علينا جميعاً قوة وغيرة ابن عمر رضي الله عنه . وفيه أيضاً الدليل على العمل بالقرائن لأن الحجاج جعل ينظر إلى ابن عمر ولكن إذا قال قائل : لماذا لم يقل الحجاج لابن عمر أصدق سالم ؟ فالظاهر لم يقل هذا احتراماً لأبيه ابن عمر وكفاه النظر .
سؤال: بارك الله فيك، هل نقول لتارك الصلاة لا تحج مع أن في نيته أنه إذا حج سيصلي باعتبار الحج يُكفر ما قبله ، أو نقول صلي ثم حج ؟
الجواب : نعم نقول صلي ثم حج ؛ لأنه لا يمكن أن يحج وهو كافر ، تارك الصلاة كافر ولا يمكن أن يحج وهو كافر فنقول إن كنت تريد الحج فصلي أولاً .
سؤال : أثابكم الله ، هل هذا الذي لا يصلي نقول إذا صلى فرضاً واحداً يكون دخل في الإسلام ؟
الجواب : هذا فيه خلاف ، من العلماء السابقين واللاحقين من يرى أنه إذا ترك صلاةً واحدة بلا عذر كفر .
السائل : لا .. هو ما يصلي لكن لما أراد الحج صلى مثلاً الظهر وراح يحج ؟
الجواب : من حين صلى رجع عن الكفر .
سؤال : بارك الله فيك ، بعض الفقهاء يذكر الغسل يوم عرفة ، يعني من المستحبات هل هذا صحيح ؟
الجواب : ابن عمر أقر الحجاج على هذا ، وهو فيما نرى من الأمور التي إذا احتاج الإنسان إليها اغتسل ، يعني إذا كان ينشطه اغتسل ، أما إذا كان لا يحتاج إليه فلا يغتسل .
سؤال : استدل بعض أهل العلم أن المراد الإحرام بأشهر الحج قبل أشهر الحج أي أن الإحرام قد يقع قبل أشهر الحج ؟
الجواب : أنت ما سألتني عن هذا من قبل ؟ على أي حال يمكن واحد غيرك ، على كل حال هذه الآية تدل على أنه لا يصح الحج في غير أشهر الحج ؛ لأنه رتب أحكام النسك على من فرض فيهن ، قال : { من فرض فيهن الحج فلا رفث} ومفهوم الشرط أن من فرض في غيرهن الحج فإنه لا يصح إحرامه، ضرورة أنه إذا انتفت الأحكام المبنية على الإحرام فقد انتفى الإحرام .
السائل : من أحرم من خراسان أليس قد أحرم قبل الميقات كما فعل الصحابي ؟
الجواب : قبل الميقات لا شك ، لكن أولاً نقول : فعل الصحابي ليس حجة إذا خالف النص ، هذه واحدة ، وثانياً : لعله أحرم من خراسان أي نوى الإحرام من خراسان . المهم القول الراجح في هذه المسألة قول الشافعي أنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره انعقد عمرة .


86 ـ بَاب الوُقُوفِ عَلى الدَّابَّةِ بِعَرَفَةَ
1551 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلمَةَ عَنْ مَالكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلى عَبْدِاللهِ بْنِ العَبَّاسِ عَنْ أُمِّ الفَضْل بِنْتِ الحَارِثِ أَنَّ نَاسًا اخْتَلفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقَال بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقَال بَعْضُهُمْ ليْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلتُ إِليْهِ بِقَدَحِ لبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ(1)

87 ـ بَاب الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِعَرَفَةَ
__________
(1) هذه المسألة اختلف العلماء رحمهم الله هل الأولى أن يقف راكباً أو أن يقف ماشياً ؟ والصحيح أن هذا يرجع إلى حال الإنسان ، إذا كان أخشع لقلبه وأفضل أن يكون راكباً على السيارة سواء فوق السطح أو في جوفها فليفعل ، وإن كان الأفضل أن ينفرد بمكان ويدعو الله عز وجل إن كان هذا أخشع لقلبه فليفعل . والصواب أن هذا يختلف باختلاف حال الحاج.


وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَقَال الليْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال أَخْبَرَنِي سَالمٌ أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ عَامَ نَزَل بِابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِي الله عَنْهما سَأَل عَبْدَاللهِ رَضِي الله عَنْه كَيْفَ تَصْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَال سَالمٌ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَال عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ صَدَقَ إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السُّنَّةِ فَقُلتُ لسَالمٍ أَفَعَل ذَلكَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقَال سَالمٌ وَهَل تَتَّبِعُونَ فِي ذَلكَ إِلا سُنَّتَهُ(1)
__________
(1) الجمع بين الصلاتين يعني صلاة الظهر والعصر ، فالجمع بينهما ثابت بالسنة وهو جمع تقديم ، مع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان مقيماً بعرفة لكن هذا الجمع له أسباب ، منها : أن الناس مجتمعون وسيتفرقون إلى مواقفهم وصلاتهم جماعة مجتمعين أفضل من كونهم يصلون الظهر مجتمعين والعصر متفرقين ، ولهذا جاز الجمع في المطر يعني في البلدان مع إمكان أن يصلي كل واحد في بيته للعذر ، لكن الجمع للمطر هو من أجل تحصيل الجماعة وإلا لقيل صلوا المغرب ثم قل صلوا في رحالكم . ومنها أن يتسع وقت الوقوف لأن الناس لهم أغراض من غداء أو نوم أو غير ذلك فقُدمت صلاة العصر حتى يأتي وقت الدعاء وهم متفرغون .

وفي هذا الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصلي جمعة مع أن اليوم كان يوم الجمعة ؛ لأن المسافر لا يصلي الجمعة ، ولو صلى المسافر الجمعة لأمرناه بإعادتها ، يعيدها إيش ؟ ظهراً ، هذا إذا كان على ظهر سير أونازل في البر ، أما إذا نزل في البلد فإنه يلزمه أن يحضر الجمعة ويصلي مع المسلمين ، وأما في حال خروجه خارج البلاد فإنه لا يجوز أن يصلي جمعة وإن صلى فصلاته باطلة وعليه أن يعيدها ظهراً . ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصل جمعة أنه خطب الناس بعد أن صلى الظهر والعصر ، وخطبة الجمعة تكون قبل الصلاة ، ويدل لهذا أيضاً أن الجمعة لا تُجمع إليها العصر فتعين أن تكون صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عرفة هي صلاة الظهر .
وقال: (كان ابن عمر إذا فاتته الصلاة جمع بينهما) كأن ابن عمر رضي الله عنه يرى أن الجمع سنة على كل حال في عرفة، حتى إذا فاتته مع الإمام وصلى في خيمته فإنه يجمع، وهذا هو الأقرب أن الإنسان يجمع في عرفة سواءً صلى مع الإمام في مسجد عرنة أو صلى في خيمته.