مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين

المجلد السادس عشر

صلاة الجمعة
محمد بن صالح العثيمين
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

خصائص صلاة الجمعة ويوم الجمعة
قال فضيلة الشيخ أعلى الله درجته في المهديين:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:
فيوم الجمعة هذا اليوم العظيم يوم جعله الله عيداً للأسبوع، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة باعتبار أيام الأسبوع، وخير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة باعتبار أيام السنة، هذا اليوم يوم العيد منَّ الله به على هذه الأمة، وأضل عنه اليهود والنصارى، فصار لليهود يوم السبت، وصار للنصارى يوم الأحد، وضلوا عن يوم الجمعة الذي فيه ختم الله خلق السموات والأرض؛ لأن الله تعالى خلقها في ستة أيام، وآخرها الجمعة، وفيه ابتداء خلق الله لا"دم، وفيه أخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض، فيكون مبدأ خلق البشر يوم الجمعة،

(16/11)


وفيه تقوم الساعة فيكون منتهى الخلق أيضاً يوم الجمعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة». فهو يوم عظيم ولهذا اختص بأحكام نذكر منها ما تيسر فمن ذلك:
أنه اختص بفرض صلاة الجمعة، هذه الصلاة العظيمة التي لابد من الجماعة فيها، ولو قدر أن الإنسان صلى وحده يوم جمعة، وقال: أريد أن تكون جمعة. قلنا له: إن صلاتك غير صحيحة، ويجب عليك أن تعيد، فهذه الصلاة لابد فيها من جمع ثلاثة فأكثر، وغيرها من الصلاة تنعقد باثنين بإمام ومأموم، أما الجمعة فلابد فيها من جمع ثلاثة فأكثر، واختلف العلماء في العدد الذي لابد منه في صلاة الجمعة:
فمنهم من قال: أربعون رجلاً، فلو كان هناك قرية صغيرة ليس فيها إلا ثلاثون رجلاً فإنهم لا يقيمون الجمعة؛ لأنه لابد أن يكون العدد أربعين.
وقال بعض العلماء: يكفي اثنا عشر رجلاً؛ لأن الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رأوا التجارة لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا

(16/12)


عشررجلاً.، فنزلت هذه الآية التي في الجمعة {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّو"اْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرازِقِينَ } وهذا يدل على أن اثني عشر رجلاً يكفي في عدد الجمعة.
ومنهم من قال: يكفي في عدد الجمعة ثلاثة، فلو فرض أن قرية ليس فيها سوى ثلاثة نفر فإنها تقام الجمعة؛ لأنه يحصل بهم الجمع: إمام يخطب، ومؤذن يدعو، ومأموم يجيب وقد قال الله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }، المنادي المؤذن، ولابد من خطيب، ولابد من مدعو: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }، وهذا القول أرجح الأقوال، أنه يكفي في عدد الجمعة ثلاثة: إمام يخطب، ومؤذن يدعو، ومأموم يجيب.
ولو صلى الإنسان غير الجمعة كالظهر مثلاً صلى وحده تجزئه الصلاة وتبرأ بها ذمته، لكن إن كان ممن تجب عليه الجماعة كان آثماً، وإن كان ممن لا تجب عليه الجماعة كان غير آثم.
ومن خصائص هذه الصلاة العظيمة: أنها لا تصح إلا في الوقت، ولهذا قال العلماء: «من شروط صحة الجمعة الوقت» وفي غيرها قالوا: «من شروط الصلاة دخول الوقت» وحينئذ نسأل

(16/13)


ما الفرق بين قولنا: «من شروط صحة الصلاة الوقت» وبين قولنا: «من شروط صحة الصلاة دخول الوقت»؟.
الفرق هو أننا إذا قلنا «من شروط صحة الصلاة الوقت» أنها لا تصح لا قبله ولا بعده، وإذا قلنا «من شروط صحة الصلاة دخول الوقت» لم تصح قبله وصحت بعده.
ولكن هل تصح الصلاة بعد الوقت لمن أخرها عمداً أو لا؟
لا تصح.
ومن أخرها نوماً أو نسياناً تصح، والصلاة التي غير الجمعة لو أن الإنسان نام ولم يستيقظ وليس عنده من يوقظه فلم ينتبه إلا حين خرج الوقت فإنها تصح، يصليها وصلاته صحيحة لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» هذا للنسيان، وإذا استيقظ فهذا في حال اليقظة، ولهذا لما نام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه عن صلاة الفجر وهم في سفر فلم يستيقظوا إلا عند طلوع الشمس صلاها ولم يدعها، لكن لو أخر الصلاة عمداً عن وقتها بلا عذر شرعي فلا تصح الصلاة والدليل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». ومؤخر الصلاة

(16/14)


عن وقتها بلا عذر عمل عملاً ليس عليه أمر الله ولا رسوله، فيكون عمله مردوداً.
وكذلك يمكن أن يستدل بقول الله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }، والمخرج للصلاة عن وقتها بلا عذر متعد لحدود الله فيكون ظالماً والظالم لا يقبل منه: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }.
ومن خصائص الجمعة أنها لا تكون إلا في الأوطان، في المدن والقرى، وغير الجمعة تقام في أي مكان، والدليل على هذا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسافر الأسفار الطويلة وتمر به الجمعة ولم يكن يقيمها في السفر، ولو كانت واجبة على المسافر لأقامها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعجب أن يوم عرفة في حجة الوداع وافق يوم الجمعة ولم يصلّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجمعة كما في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل في الوادي فخطب الناس خطبة معروفة بليغة، ثم أمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، هكذا قال جابر رضي الله عنه ولقد ضل من قال: إن الجمعة تقام في السفر، وخرج عن هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعليه إذا فعل أن يعيدها إذا كان يريد إبراء ذمته وإقامة حجته عند الله عز وجل؛ لأن هذا ليس موضع اجتهاد حتى

(16/15)


يقال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، هذا السنة فيه واضحة أجلى من النهار في ارتفاع الشمس، ولا عذر لأحد أن يقيم صلاة الجمعة في السفر إطلاقاً، لكن لو صادف أنك في بلد نازل تريد أن تواصل السفر في آخر النهار وجب عليك أن تصلي مع المسلمين لأن الله يقول: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }، والمسافر من المؤمنين فيشمله الخطاب.
ومن خصائص هذه الصلاة أنه لا يجمع إليها ما بعدها والذي بعدها هو العصر، فلا تجمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة، فلو أن إنسان كان مسافراً نازلاً في بلد ويريد أن يواصل السير بعد صلاة الجمعة وصلى مع الناس صلاة الجمعة فإنه لا يضم إليها العصر؛ لأن السنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، وصلاة الجمعة ليست صلاة ظهر بالاتفاق، فلا أحد يقول: إن صلاة الجمعة صلاة ظهر، وعلى هذا فنقول: واصل السفر، وإذا دخل وقت العصر وأنت في السفر فصل حيثما أدركتك الصلاة.
ومن خصائص هذه الصلاة العظيمة أن القراءة فيها جهر وغيرها سر، إلا ما كان مثلها في جمع الناس فيكون جهراً، ولهذا نرى أن صلاة العيدين القراءة فيها جهر، وصلاة الكسوف جهر حتى في النهار، وصلاة الاستسقاء جهر؛ لأن الناس مجتمعون فهذا الاجتماع الموحد جعل القراءة في الصلاة جهراً ولو كانت نهارية.
إذن القراءة في صلاة الجمعة جهر بخلاف الظهر؛ وذلك

(16/16)


من أجل أن يجتمع هذا الجمع الكبير على قراءة واحدة وهي قراءة الإمام.
ومن خصائص صلاة الجمعة أنها تصادف ساعة الإجابة التي قال عنها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه»، وهذه نعمة عظيمة، هذه ليست موجودة في صلاة الظهر مثلاً لكنها في صلاة الجمعة.
وأرجى ساعات الجمعة في الإجابة هي وقت الصلاة لما يأتي:
أولاً: لأن ذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
وثانياً: أن هذا اجتماع من المسلمين على عبادة واحدة، بقيادة واحدة بإمام واحد، وهذا الاجتماع يكون أقرب إلى الإجابة، ولهذا في يوم عرفة حين يجتمع المسلمون على صعيد عرفة يدنو جل وعلا ثم يباهي بهم الملائكة، ويجيب دعائهم.
لذلك احرص على الدعاء في هذا الوقت وقت صلاة الجمعة. لكن متى تبتدىء هذه الساعة ومتى تخرج؟ تبتدىء من دخول الإمام إلى أن تنقضي الصلاة، فلننظر الآن متى ندعو إذا

(16/17)


دخل الإمام وسلم وبعد ذلك شرع المؤذن بالا"ذان، والا"ذان ليس فيه دعاء بل فيه إجابة للمؤذن، وبعد الأذان فيه دعاء أي بين الأذان والخطبة فيه دعاء تقول بعد الأذان: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمد الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته» «إنك لا تخلف الميعاد». هذا يقال بعد متابعة المؤذن ثم تدعو بما شئت مادام الخطيب لم يشرع بالخطبة، كذلك أيضاً بين الخطبتين تدعو الله بما شئت من خيري الدنيا والآخرة، كذلك في أثناء الصلاة في السجود دعاء وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد كما ثبت ذلك عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك لأن هيئة السجود أكمل ذل للإنسان، وأن أشرف عضو وهو الوجه يوضع في السجود على الأرض وهو موطىء الأقدام، فرأسك وجبهتك يساوي أصابع رجليك، بهذا الذل العظيم صار الإنسان أقرب ما يكون من ربه جل وعلا، لأن من تواضع لله رفعه، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فاستغل هذه الفرصة وأكثر من الدعاء من خيري الدنيا والآخرة فلو قال أحدكم في دعائه: اللهم ارزقني سيارة جميلة، فهذا يصلح، لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ليسأل أحدكم ربه حتى شراك نعله»، ثم إن الدعاء

(16/18)


عبادة فإذا دعوت الله بأي غرض لو قال الطالب وهو في أيام الامتحان: اللهم ارزقني نجاحاً إلى درجة الممتاز فهذا يصلح، لأنه دعاء لله تخاطب الله، والممنوع مخاطبة الا"دميين لكن مخاطبة الله بالدعاء ليست ممنوعة، وهناك محل دعاء آخر في الصلاة بعد التشهد كما في حديث ابن مسعود حين ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التشهد ثم قال بعده: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء»، وكلمة «ما شاء» عند علماء الأصول تفيد العموم.
ودليل ذلك: {وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }، {أولئك هم} هذه جماعة {والذي} مفرد، والذي أوجب الإخبار عن المفرد بالجماعة هو أن اسم الموصول يفيد العموم، ومثل ذلك اسم الشرط يفيد العموم والدليل على هذا قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}، فهذه تفيد العموم والدليل على ذلك لما ذكر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخيل وأثنى عليها وما فيها من الأجر قالوا: يا رسول الله فالحمر قال: «لم ينزل علي فيها إلا هذه الآية الشاذة والفاذة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}، وهذه تعم كل شيء.

(16/19)


إذن الاسم الموصول يفيد العموم فقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث ابن مسعود «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء»، يفيد أي دعاء.
وأما قول بعض الفقهاء: إنه لا يجوز للإنسان في دعائه شيء من ملاذ الدنيا. فإنه قول ضعيف يخالف الحديث.
فصار عندنا الآن في ساعة الإجابة وقت صلاة الجمعة عدة مواطن للدعاء فانتهز الفرصة بالدعاء في صلاة الجمعة لعلك تصادف ساعة الإجابة.
القول الثاني: أن الساعة التي ترجى فيها الإجابة هي ما بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، لكن هذا القول أشكل على بعض العلماء وقال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «وهو قائم يصلي» وبعد العصر ليس فيه صلاة، وأجاب عنه العلماء فقالوا: إن منتظر الصلاة في حكم المصلي لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ولايزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة».
ومن خصائص هذه الصلاة أنه يجب الغسل لها كما يغتسل الإنسان للجنابة وجوباً، في الشتاء وفي الصيف والدليل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»، والذي قال

(16/20)


إنه واجب الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أعلم الخلق بشرع الله، ولا يمكن أن يطلق على شيء مستحب أنه واجب، فهو أعلم الخلق بشريعة الله، وهو أفصح الخلق بما ينطق به، وهو أنصح الخلق للخلق، وهو أصدق الخلق خبراً فهو يقول: «غسل الجمعة واجب» ثم قرن الوجوب بما يقتضي التكليف «على كل محتلم» لأن المحتلم هو الذي تجب عليه الواجبات، والمحتلم ليس هو الذي يحتلم بالفعل، فالمحتلم بالفعل يجب عليه الغسل ولو في غير يوم الجمعة، ولكن غسل الجمعة واجب على كل محتلم، أي: بالغ.
وأظن أننا لو قرأنا هذه العبارة في مصنف من مصنفات الفقه لم يبق عندنا شك بأن المؤلف يرى الوجوب، فكيف والناطق به الرسول عليه الصلاة والسلام؟! ثم إن في الغسل فائدة للبدن تنشيطاً وتنظيفاً، ويدل للوجوب ما جرى بين عمر وعثمان رضي الله عنهما كان عمر رضي الله عنه يخطب الناس فدخل عثمان رضي الله عنه في أثناء الخطبة فكأن عمر رضي الله عنه لامه على تأخره قال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن سمعت الأذان فتوضأت ثم أتيت، فقال له عمر رضي الله عنه أمام الناس وهو يخطب: «والوضوء أيضاً» يعني تقتصر على الوضوء وتأتي متأخراً، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل»، فكلمه بنوع من التوبيخ، واستدل لذلك بقول

(16/21)


الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل».
وكذلك من خصائص هذه الصلاة العظيمة: أنه ليس لها راتبة قبلها؛ لأن المؤذن إذا أذن فالخطيب حاضر سوف يبدأ بالخطبة وإنشاء التطوع في الخطبة حرام، ولو فعل لكان آثماً والصلاة غير مقبولة، إلا فيمن دخل والخطيب يخطب فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين لما ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب فجلس فقال: «أصليت؟» قال: لا، قال: «قم فصل ركعتين وتجوز فيهما»، فالجمعة ليس لها راتبة قبلها، ولكن إذا جاء قبل الأذان الثاني فليتطوع بما شاء، ولها راتبة بعدها، فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يصلى بعدها ركعتين وقال: «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً»، فعندنا الآن سنة قولية وسنة فعلية، القولية أربع ركعات، والفعلية ركعتان، فكيف نجمع بينهما؟ هل نأخذ بالسنة الفعلية، أو السنة القولية، أو نأخذ بهما جميعاً، أو نفصل؟
الاحتمالات الآن أربع: هل نأخذ بالسنة القولية فنقول: سنة الجمعة أربع ركعات، أو بالسنة الفعلية فنقول: سنة الجمعة ركعتان أو نجمع بينهما فتكون السنة ست ركعات، أو نفصل:

(16/22)


من العلماء من قال: السنة ركعتان في البيت؛ لأن هذا فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد قال الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الأَْخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً }.
ومن العلماء من قال: السنة أربع سواء صلاها في البيت أو في المسجد، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً»، وقوله مقدم على فعله عند التعارض.
ومنهم من قال: الاحتياط أن يأتي بالسنة القولية والفعلية فيصلي ستًّا.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ففصل قال: إن صلى في بيته فالسنة ركعتان فقط؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزد على ركعتين في بيته، وإن صلى في المسجد فأربعاً.
وهذا تفصيل لا بأس به.
إذن تختص الجمعة أو تفارق الظهر بأنه ليس لها راتبة قبلها، وراتبتها بعدها ركعتان.
أما يوم الجمعة فله خصائص:
منها: أنه يسن للإنسان أن يقرأ فيه سورة الكهف كاملة وليس في فجر يوم الجمعة كما يفعله بعض الأئمة الجهال، بل في غير الصلاة، لأن فجر يوم الجمعة يقرأ فيه بسورتين معروفتين

(16/23)


سورة السجدة، وسورة الإنسان، لكن الكهف يقرأها في غير الصلاة، ويجوز أن يقرأها بعد صلاة الجمعة، أو قبلها فإنه يحصل الأجر، بخلاف الاغتسال فإنه لابد أن يكون قبل الصلاة.
ومنها: أنه يقرأ في فجره {ألم تنزيل}. السجدة في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية {هل أتى على الإنسان}، اقتداء برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما يفعله بعض الجهال من الأئمة حيث يقسم {ألم تنزيل} السجدة بين الركعتين، أو يقتصر على نصفها ويقرأ نصف {هل أتى}، فهو خطأ، ونقول لهذا: إما أن تقرأ بالسورتين كاملتين، وإما أن تقرأ بسورة أخرى لئلا تخالف السنة؛ لأن هناك فرق بين من يقرأ بسورتين أخريين فيقال: هذا فاتته السنة، لكن من قرأ بسورة {ألم تنزيل} السجدة وقسمها بين الركعتين، أو قرأ نصفها ونصف {هل أتى} فهذا خالف السنة، وفرق بين المخالفة، وبين عدم فعل السنة لأن الأول أشد.
ومن خصائص يوم الجمعة: إنه ينبغي فيه إكثار الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه أعظم الخلق حقًّا عليك، أعظم حقًّا من أمك وأبيك، ويجب أن تفديه بنفسك ومالك، فأكثر من الصلاة عليه يوم الجمعة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بذلك.
ومن خصائص هذا اليوم: إنه لا يصام وحده إلا من صادف

(16/24)


عادة فصامه، فلا يمكن أن تفرد يوم الجمعة بصوم، فإما أن تصوم يوم الخميس معه، وإما أن تصوم يوم السبت، إلا من كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فصادف يوم الجمعة يوم صومه فلا بأس أن يصوم ولا حرج، وكذلك لو كان يوم الجمعة يوم عرفة صم ولا حرج، وكذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عاشوراء صم ولا حرج ولكن يوم عاشوراء يختص بصوم يوم قبله، أو يوم بعده مخالفة لليهود، أما يوم السبت فصومه جائز لمن أضاف إليه الجمعة، وأما بدون الجمعة فلا تصم يوم السبت لا تفرده ما لم يصادف عادة أو يوماً مشروعاً صومه كيوم عرفة، أو يوم عاشوراء.
ومن خصائص هذا اليوم: إنه عند بعض العلماء تسن فيه زيارة القبور، لكن هذا ليس بصحيح فإن زيارة القبور مشروعة كل وقت في الليل وفي النهار في الجمعة في الاثنين والثلاثاء والأربعاء في أي وقت تسن أن تزور المقابر، وقد ثبت عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه زار البقيع ليلاً، ولا يختص بيوم الجمعة وزيارة القبور لها فائدة عظيمة فإنها تذكر الآخرة، وتذكر الموت، والمقصود بزيارة القبور تذكر الإنسان لحاله أنه الآن على ظهر الأرض يتمكن من الأعمال الصالحة وغداً من أهل باطن الأرض الذين لا يتمكنون من العمل الصالح.
هذا ما تيسر من خصائص صلاة الجمعة ويوم الجمعة.
بقي هناك مسألة مهمة عظيمة وهي السلام، سلام الناس

(16/25)


بعضهم على بعض أهو سنة، أم حرام، أم مكروه؟
السلام سنة، لكن العجب أنك الآن تسلم على بعض الناس خارجاً من المسجد أو داخلاً فيه ويستنكر كأنه لم يشرع السلام بين المسلمين، وكأنه في غير بلاد المسلمين، مع أن السلام له فضائل عظيمة منها:
أنه سبب لدخول الجنة ودليل ذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا»، ليس فيه إيمان كامل إلا إذا تحاب المؤمنون وأحب بعضهم بعضاً؛ لأنه بدون المحبة لا يمكن أن تجتمع القلوب، لابد من المحبة حتى ولو حصل بينك وبين أخيك المؤمن سوء تفاهم فحاول أن تزيل أثر هذا حتى تعيد المحبة بينك وبين أخيك، وانظر الآن الفرق بين شخص تسلم عليه فتجده مكفهر الوجه وربما يعرض عنك، ورجل تسلم عليه فينطلق وجهه سروراً ويضيء من السرور تجد قلبك ينفتح له.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أوَ لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».
أفشوا بمعنى انشروا ووسعوا السلام بينكم.
فيسلم الصغير على الكبير، ويسلم الراكب على الماشي، ويسلم القليل على الكثير، ولا يسلم الإنسان بمنبه السيارة لأنه إذا نهي عن السلام بالإشارة فهذا من باب أولى لكن بعض الناس ينبه

(16/26)


بمنبه السيارة ثم يقول: السلام عليكم، فيكون للتنبيه وليس للسلام، ومع ذلك الأولى ألا يفعل وأن يسلم بالقول.
وإذا لم يسلم الصغير فسلم أنت أيها الكبير؛ لأنه قد يكون الصغير في تلك الساعة غافلاً لاهياً ساهياً، وقد يكون جاهلاً فأنت سلم لتعلمه، ولهذا كان من هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يسلم على الصبيان إذا مر بهم تواضعاً منه عليه الصلاة والسلام وتعليماً للأمة.
والقليل على الكثير: أنت الآن معك ثلاثة رجال فالجميع أربعة لاقاكم رجلان ولم يسلما، فتسلم عليهما، ولا نترك السنة تضيع لغفلة، أو سهو، أو استكبار، أو غير ذلك، إذن يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، فإذا لم تحصل السنة ممن يطالب بها يسلم الآخر، ومن تواضع لله رفعه الله.
وصيغة السلام: السلام عليك إذا كان واحداً، والسلام عليكم إذا كانوا جماعة، والدليل: أن رجلاً جاء فدخل المسجد فصلى صلاة لا يطمئن فيها ثم جاء إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: السلام عليك يا رسول الله، فرد عليه السلام وقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» وإذا كنت تخاطب اثنين فقل: السلام عليكم؛

(16/27)


لأنه يجوز مخاطبة الاثنين بصيغة الجمع، وإذا كنت تسلم على أمك فتقول: السلام عليكِ؛ لأن الكاف إذا خوطب بها امرأة تكون مكسورة، وإذا دخلت على خالاتك وهن أربع، أو خمس فتقول: السلام عليكن ورحمة الله وبركاته؛ لأن الكاف للخطاب فتكون على حسب المخاطب ويرد المسلم عليه وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ويجوز بدون الواو ولكن بالواو أفضل، وإذا رد رجل على من قال له السلام عليك بقوله: أهلاً ومرحباً، وحياكم الله، وتفضل، على الرحب والسعة، وهذا من أفضل الأيام عندنا، وفقك الله وزادك علماً وتقوى وهدى، فلا يكون هذا رد السلام الواجب، فلو أن الإنسان ملأ الدنيا كلها في رد ليس به عليك السلام فإنه لا يعد ردًّا للسلام، ويكون آثماً؛ لأن رد السلام واجب بالمثل أو أحسن، لقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم

(16/28)


بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً }، فبدأ بالأحسن ثم قال {أو ردوها}.
ولا يجوز أن يُسلم المؤمن على الكافر ابتداءً فلو مررت على إنسان كافر مجوسي أو يهودي أو نصراني فلا يُبدأ بالسلام والدليل على ذلك: قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»، فلا يجوز أن تبدأ اليهودي أو النصراني، أو المشرك، أو الشيوعي بالسلام لكن إذا سلموا يجب الرد عليهم والدليل: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً }، ما قال الله عز وجل إذا حيّا بعضكم بعضاً، أو إذا حياكم المسلمون، أي إنسان يحييك بتحية فإن من عدالة الإسلام أن ترد عليه {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }، سلم عليه فإذا قال النصراني «السلام عليكم» فنرد عليه السلام، وإذا أدغم اللام وقال: «السام عليك». ولا تدري أقال السلام، أم السام عليك فيرد عليه: «وعليك» هكذا أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نقول إذا سلموا علينا وعليكم وقد علم الرسول هذا بقوله: «إن اليهود كانوا يقولون إذا سلموا عليكم: السام عليكم، فقولوا: وعليكم».
قال أهل العلم: إن هذا يدل على أنه لو قالوا: السلام. باللام الواضحة فإنه يقال عليكم السلام ولا بأس، لعموم قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً }، ولكن يبتلى بعض الناس ببلوى يكون رئيسه في عمله نصرانياً فيدخل المكتب يريد أن يتفاهم مع هذا الرئيس لو لم يُسلم عليه يفصل أو يشطب عليه باللون الأحمر،

(16/29)


ولا تظن أنك إذا هجرت الكافر لا يبالي بك، قال الله تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً }، لا تفكر أنك إذا أهنته لا يتأثر لابد أن يتأثر.
لذا فباب التأول واسع، ونقتصر على هذا القدر، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

(16/30)


فصل : درس في فضائل يوم الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:
فيوم الجمعة هو عيد الأسبوع الذي هدى الله سبحانه وتعالى الأمة إليه، وأضل عنه اليهود والنصارى، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد.
وفي يوم الجمعة ابتداء الخلق، وفيه انتهاء الخلق، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه.
ومن خصائص يوم الجمعة: أنه لا يخص يومه بصيام ولا ليلته بقيام، بل ينهى الإنسان أن يصوم يوم الجمعة على وجه التخصيص لهذا اليوم، أما إذا كان من عادته أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يوم صومه يوم الجمعة فلا بأس، وكذلك لو كان عليه قضاء من رمضان ولا يفرغ لصوم القضاء إلا يوم الجمعة فلا بأس؛ لأنه لم يخصصه.
وكذلك نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام، يعني ألا يقوم الليل إلا ليلة الجمعة، بل إن كان من عادته أن يقوم في ليلة

(16/31)


الجمعة وفي غيرها، وإلا فلا يخص ليلة الجمعة بقيام.
ومن خصائص هذا اليوم: أنه يجب على الإنسان أن يغتسل فيه لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. ولكن هذا الغسل الواجب ليس شرطاً في صحة صلاة الجمعة، لأنه ليس غسلاً من حدث حتى يقال إنه شرط، بل من لم يغتسل يوم الجمعة فقد أخل بواجب، ولكنه لو صلى بدون غسل فصلاته صحيحة، بخلاف ما لو كان عليه جنابة وصلى يوم الجمعة أو غيرها ولم يغتسل فصلاته غير صحيحة. فيفرق هنا بين الواجب والشرط. وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غسل الجمعة واجب». وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يخطب فكأنه لامه على تأخره عن التقدم إلى الجمعة، فقال: ما زدت على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضاً، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، فلامه أمام الناس على اقتصاره على الوضوء، ولكنه لم يقل له: إنك لو صليت الجمعة لبطلت صلاتك. ولهذا نقول: غسل الجمعة واجب وليس شرطاً لصحة صلاة الجمعة.
ومن خصائص يوم الجمعة: أن فيه هذه الصلاة التي تخالف غيرها من الصلوات: فهي جهرية مع أنها صلاة نهارية، ولكننا لو تأملنا وجدنا أن الصلاة النهارية إذا كانت صلاة يجتمع الناس إليها

(16/32)


فيشرع فيها الجهر، كما في صلاة العيد وصلاة الكسوف، والأفضل فيها أي صلاة الكسوف أن يجتمع الناس في المساجد الجوامع، وأن يجهر الإمام بالقراءة وأن يخطبهم إذا فرغ من الصلاة خطبة يعظهم فيها، كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومن خصائص هذا اليوم: أن فيه هذه الساعة التي أشرنا إليها: ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه.
واختلف العلماء في تعيين هذه الساعة على أكثر من أربعين قولاً، لكن أقرب الأقوال فيها قولان:
الأول: أنها ما بين أن يخرج الإمام إلى الناس للصلاة حتى انقضاء الصلاة. فإن هذا أرجى الأوقات موافقة لساعة الإجابة، لما رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهي ساعة يجتمع المسلمون فيها على فريضة من فرائض الله ويدعون الله فيها، فهي أقرب ما تكون موافقة لساعة الإجابة، ولهذا ينبغي أن يحرص الإنسان في هذه الساعة على الدعاء، ولاسيما في الصلاة، ومحل الدعاء في الصلاة إما في السجود، وإما في الجلسة بين السجدتين، وإما بعد التشهد فينبغي للإنسان أن يحرص على الدعاء في صلاة الجمعة، وأن يستشعر أن هذا من أرجى أوقات يوم الجمعة إجابة.
القول الثاني: أنها بعد العصر، والإنسان بعد العصر قد يكون قائماً يصلي، كما لو دخل المسجد قبل غروب الشمس فإنه

(16/33)


يصلي ركعتين لعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، وقد سبق أن قلنا: كل صلاة لها سبب فليس عنها نهي.
ومن خصائص هذا اليوم: أنه ينبغي للإنسان أن يبكر في الحضور إلى المسجد، فإن من اغتسل يوم الجمعة ثم جاء إلى المسجد في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، وفي الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، وفي الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، وفي الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، وفي الساعة الخامسة كأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة وطويت الصحف ولم يكتب لأحد أجر التقدم، لأن وقت التقدم انتهى بحضور الإمام.
وأنصح إخواني المسلمين بالتقدم إلى الجمعة لأننا نجد الكثير يضيعون الوقت فيما لا فائدة فيه فيحرمون أنفسهم من هذا الأجر، ولو أنهم تقدموا بعد الاغتسال، ثم صلواما يسر الله لهم، وجلسوا يقرأون القرآن، ويذكرون الله حتى يحضر الإمام، أو يصلون حتى يحضر الإمام لكان خيراً لهم. والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

(16/34)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجب الحضور لسماع الخطبة وإن كان الخطيب يتكلم بغير العربية؟
فأجاب فضيلته بقوله: ظاهر قوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه يجب الحضور وإن كان الخطيب يتكلم بغير العربية، والحاضر لا يعرفها، ولهذا نقول للأصم: احضر الخطبة وإن كنت لا تسمع، وكذلك نقول للحاضر: لا تتكلم والإمام يخطب لعموم النهي عن الكلام والإمام يخطب، وإن كان الحاضر أصم، أو لا يفهم لغة الخطيب.

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما القول الراجح في حضور المرأة لصلاة الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح أنه لا يسن لها الحضور لصلاة الجمعة ولا لغيرها إلا صلاة العيد، فإن صلاة العيد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يخرج لها النساء، وما عدا ذلك فهو

(16/35)


مباح، لكنه ليس بمرغوب، وعلى المرأة إذا خرجت لصلاة العيد، أو للصلوات الأخرى، أو لحاجة في السوق أن تخرج غير متبرجة بزينة، ولا متطيبة وتمشي بحياء.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: أنا أشتغل حارس أمن، وأحياناً يُطلب مني الدوام يوم الجمعة، فلا أستطيع أن أؤدي صلاة الجمعة مع المسلمين فهل يجوز ذلك؟ وهل أصلي الصلاة ظهراً أم أصليها ركعتين؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز لك أن تحرس ولو فاتت الجمعة، مادام المكان محتاجاً إلى الحراسة، وفي هذه الحال يجب عليك أن تصليها ظهراً، ولا يجوز أن تصليها جمعة.
* * *

(16/36)


رسالة
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى
عضو هيئة كبار العلماء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
أود أن أفيدكم بأن مدير مكتبنا في ..... كتب إلينا بأن أحد المستشارين في مجال الموارد البشرية ..... طلب منه أن يستفتي أهل العلم عن مسألة جواز تخلف العاملين المسؤولين عن مواقع حساسة بالمرافق الكبرى مثل مصانع البتروكيماويات ومحطة الطاقة عن أداء فريضة الجمعة، حيث أن توقف آلياتها وإعادة تدويرها للوصول بها إلى مستوى الإنتاج المطلوب ينتج عنه خسارة مادية كبيرة تساوي ملايين الدولارات مما يؤثر على استراتيجيات الصناعات الوطنية في تلك البلاد.
وعليه يرجى التفضل بتزويدنا بفتواكم في هذا الأمر لننقلها لهم حسب طلبهم. أفادكم الله.
وتقبلوا فائق التقدير والاحترام
المحب لكم
فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إذا كان ذهابهم إلى الجمعة يحصل به خسارة كبيرة فإن المباشرين للعمل يُعذرون بترك صلاة الجمعة، ويصلون بدلها

(16/37)


ظهراً؛ لكن ينبغي أن يقتصر على أقل عدد يحصل به المطلوب، وأن يعمل العمال بالتناوب هذا جمعة وهذا جمعة.
أما إذا كان لا يحصل به خسارة ولكن يفوت به ربح، فالواجب أن يصلوا الجمعة، لقول الله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }. حرر في 02/3/9141ه .
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن رجل قطعت قدمه في حادث وأصبح لا يستطيع ثنيها ويشعر بأنه يضايق الناس في صلاة الجمعة بمد رجله فهل له أن يصلي في بيته، علماً بأنه يصلي بقية الصلوات في المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: المنصوص عليه شرعاً أن صلاة الجمعة بالمسجد فرض عين على كل مسلم متى توفرت شروطها. ولا يسقط أداؤها إلا إذا فقد شرط من شروطها. وبما أن السائل يقرر أنه يؤدي الصلاة فعلاً في المسجد في جماعة، وأن الذي جعله يمتنع عن ذلك هو شعوره وشعور بعض المصلين بالضيق من مد رجله لعدم قدرته على ثنيها، فهذا ليس عذراً يمنعه من صلاة الجمعة مع قدرته على أداء الصلاة فعلاً، إذ يستطيع أن يتفادى ذلك بوقوفه بجانب الجدار في آخر الصف أو بأية صورة أخرى. والله أعلم.

(16/38)


* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم....... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم الكريم المؤرخ 32 رمضان 7931ه وصل، سرني صحتكم الحمد لله على ذلك، وأسأله أن يتم نعمته على الجميع ويرزقنا شكرها، كما سرني نبأ وصول جوابي على كتاب الأخ .... حول تأخير صلاة العيد، وأشكر جمعيتكم على عنايتها بذلك، وأسأل الله أن يرزقنا جميعاً البصيرة في دينه والثبات عليه.
كما أفيدكم بأني أحب مواصلة الكتابة والتعرف على أحوال الجمعية لأن هذا يهم الجميع.
وقد تضمن كتابكم المذكور أربع مسائل بل خمساً:
المسألة الأولى: تأسيس مركز إسلامي في مدينة.... وأنا أؤيد فكرة تأسيسه للأسباب التي ذكرها مؤيدوا الفكرة، ولما فيه من ظهور شأن الإسلام، وبيان اعتزاز أهله به وعنايتهم بشؤونه، ثم إنه لابد أن يلفت نظر أهل المدينة فيجتمع إليه من يمكن دعوته إلى الإسلام فيسلم إذا خلصت نية الداعي، وسلك طريق الحكمة في دعوته، ففكرة تأسيسه فكرة جيدة نبيلة نافعة للإسلام والمسلمين إن شاءالله.
والأسباب التي ذكرها المعارضون مدفوعة بكون بعضها غير وارد إطلاقاً وبعضها غير مؤثر.
أ فنقل الأموال المسلمة إلى بلد الكفر ليس لمصلحة بلد الكفر بل لمصلحة المسلمين، وهاهم طلبة المسلمين يفدون للدراسة

(16/39)


إلى بلد الكفر وينفقون أموالاً كثيرة في نفقاتهم الضرورية والكمالية ينتفع بها بلد الكفر، ولكن لما كانت لمصلحة أبناء المسلمين لم يتوجه أحد إليها بالمعارضة، وعلى فرض قلة وجود الطلبة، أو انعدامهم بالكلية ورجوع المركز إلى دولة الكفر فإن انتفاع المسلمين به مدة بقائهم في المدينة كافٍ في تبرير تأسيسه.
ب كون قلة الإعداد لا تستحق المركز مدفوع بأن هذا المركز يقوي هذه القلة ويشجعها على الاجتماع، والعمدة على الكيفية دون الكمية، كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والناس ألف منهم كواحد، وواحد كالألف.
ج والذي يحدث إذا عاد مجلس الإدارة لأوطانهم مجهول، لكن ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بالله، وقد يهيىء الله لهذا المركز من هم أشد حماساً وقوة من مؤسسيه.
ه وجود مناطق أهم من منطقة ..... قد يكون وارد لكنه غير مؤثر إذ ليس هناك تعارض بين فتحه في .... وفتحه في المناطق الأهم لإمكان فتحه في الجميع.
نعم لو فرض أنه دار الأمر بين أن يفتح في ...... وفي المناطق الأهم بحيث لا يفتح في الجميع لكان تقديم الأهم والأنفع أولى.
لكن الأمر لم يكن على هذا الفرض.
و شكهم بأن هذا المشروع يستحق هذا الجهد الكبير لا يمنع من إقامة المشروع؛ لأن هذا الشك شيء قائم في نفوسهم فلا يحكم به على الحقيقة التي يراها غيرهم من أن هذا المشروع

(16/40)


مشروع جيد نبيل نافع يستحق الكثير من الجهد المالي، والبدني، والوقتي، ولا مانع من أن نكون طلاباً للعلم ودعاة إلى الله تعالى مجاهدين في سبيله.
ز وليس في إقامة المركز تشجيع لحضور أبناء المسلمين إلى بلاد الكفر فإنه لن يحضر أحد من أبناء المسلمين إلى بلاد الكفر من أجل أن فيها مركزاً إسلامياً، وإنما يحضر من يحضر لأغراض أخرى تقتضيها مصلحته، أو حاجته سواء كان فيها مركز إسلامي أم لا، وإذا لم تكن تلك الأغراض فلن يحضر سواء كان فيها مركز إسلامي أم لا.
هذا جوابنا على إيرادات المعارضين للفكرة.
المسألة الثانية: إقامتكم الجمعة في البلد التي أنتم فيها، والحكم فيها يتحرر بتحرير الأمور التالية:
أ هل تقام الجمعة في السفر؟
ب هل يشترط لها عدد معين؟
ج هل تقام في غير البلاد الإسلامية؟
فأما الأول: فإن جمهور العلماء على أن الجمعة لا تقام في السفر؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفاءه الراشدين وأصحابه كانوا يسافرون ولا يقيمون الجمعة، فهذه حجة الوداع آخر سفر سافره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصادف يوم الجمعة فيه يوم عرفة، ولم يصلِّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه صلاة الجمعة، قال جابر رضي الله عنه في حديثه الطويل الذي رواه مسلم في صفة حج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما

(16/41)


شيئاً». ولو كانت الجمعة مشروعة في السفر لفعلها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لوجوب إبلاغ الدين عليه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولو فعلها لنقل إلينا؛ لأن الله تكفل بحفظ الدين، فإذا انتفت مشروعية الجمعة في السفر انتفت صحتها وقبولها لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». أي مردود، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة».
وعلى هذا فإذا لم يكن في البلد التي أنتم فيها جماعة من المسلمين مستوطنون فإنها لا تقام فيها الجمعة؛ لأن المقيمين فيها من الطلاب الذين نيتهم تركها بعهد انتهاء دراستهم ليسوا مستوطنين فلهم حكم المسافرين في عدم إقامة الجمعة، بل هم مسافرون على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لهم حكم المسافرين في كل شيء.
أما إن كان في البلد التي أنتم فيها جماعة من المسلمين مستوطنون فإن الجمعة تقام فيهاوتصلونها معهم.
ب وأما الثاني: فإن العلماء، أو أكثرهم إلا من شذّ، مجمعون على اشتراط العدد للجمعة، وأنها لا تصح من المنفرد،

(16/42)


لكنهم مختلفون في قدر العدد المشترط.
فمنهم من قدره بخمسين.
ومنهم من قدره بأربعين.
ومنهم من قدره باثني عشر.
ومنهم من قدره بثلاثة.
ومنهم من قدره باثنين.
وهناك آراء أخرى، وليس في المسألة دليل ظاهر لترجيح هذه الأقوال بعضها على بعض، وأقرب الأقوال تقديرها بثلاثة: خطيب، ومستمعين اثنين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله وقول الأوازعي إمام أهل الشام في عصره رحمه الله .
وعلى هذا فإذا كان في البلد التي أنتم فيها ثلاثة فأكثر من المسلمين مستوطنون فأقيموا الجمعة وإن لم تبلغوا أربعين أما إن كان المستوطنون من المسلمين لا يبلغون ثلاثة فلا تقيموا الجمعة.
ج وأما الثالث: فموضع خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال: لا تقام في غير البلاد الإسلامية؛ لأنها ليس فيها سلطان مسلم ولا نائب عنه؛ ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقم الجمعة في مكة مع استيطانه فيها قبل الهجرة، ومن العلماء من قال: تقام في غير البلاد الإسلامية وليس من شرطها السلطان أو نائبه؛ لأنه لا دليل لذلك، وأما كون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقمها بمكة فالجمهور من أهل العلم على أن الجمعة لم تفرض إلا بعد الهجرة. وعلى تقدير أنها

(16/43)


فرضت قبلها فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة لا يتمكن من إقامتها لما علم من معارضة المشركين له.
وعلى هذا فيكون القول الراجح إقامة الجمعة في غير البلاد الإسلامية إذا أمكن ذلك وكان في البلد جماعة من المسلمين مستوطنون ثلاثة فأكثر. والمستوطن من اتخذ البلد موطناً ومستقرًّا لا من أقام فيه لغرض ونيته أن يفارقه إذا انتهى غرضه سواء كان الغرض دراسة أم غيرها.
المسألة الثالثة: اللحم المذكى. فلا يخفى عليكم فيما أظن أن السمك بجميع أنواعه لا يحتاج إلى ذكاة فهو حلال سواء اصطاده مسلم أم كتابي أم غيرهما، وسواء صيد حيًّا أم ميتاً لعموم قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِى" إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } (المائدة: 69). قال ابن عباس رضي الله عنهما: صيده ما أخذ منه حياً، وطعامه ما لفظه ميتاً.
وأما حيوان البر فلا يحل إلا بذكاة في محل الذبح والنحر وهو الرقبة ينهر فيها الدم بقطع الودجين، وهما العرقان الغليظان المحيطان بالحلقوم، وكمال الذكاة بقطع الحلقوم والمريء معهما، ولابد من قول بسم الله عند الذبح أو النحر، وأن يكون المذكي مسلماً، أو كتابيًّا وهو اليهودي أو النصراني.
وإذا وجدنا لحماً نعلم أن الذي ذكاه مسلم أو كتابي فهو حلال، إلا أن نعلم أنه ذكي على غير الوجه الشرعي، أو أن الذي

(16/44)


ذكاه لم يقل بسم الله عند التذكية، وذلك أننا إذا وجدنا لحماً ذكاه مسلم أو كتابي فلنا ثلاث حالات:
أحدها: أن نعلم أنه ذكاه على الوجه الشرعي وسمى الله، فلا شك في حله.
الثانية: أن نعلم أنه ذكاه على غير الوجه الشرعي، أو لم يسم الله عند الذبح، فلا شك في تحريمه.
الثالثة: أن نجهل كيف وقعت التذكية، فهذا مشكوك فيه، لكن النصوص تدل على حله تسهيلاً على العباد، ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن قوماً يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سموا عليه أنتم وكلوه» قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر. وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أكل من الشاة التي أهدتها له المرأة اليهودية في خيبر، وأجاب دعوة يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة، والإهالة السنخة: ما أذيب من الشحم والألية وتغير.
وعلى هذا فما يجلب في أسواقكم من اللحم الذي ذكاه أهل الكتاب من اليهود والنصارى يكون حلالاً لكم وإن لم تعلموا كيف تذكيتهم له، ولا يكون حراماً إلا أن تعلموا أنهم يذكونه على غير الوجه الشرعي، أو لا يسمون الله عليه، وإذا علمتم ذلك فهو حرام ولا يبرر حله لكم كون الرجل المسلم يتخلف عن الذبح

(16/45)


أحياناً، أو يرفع سعر اللحم الذي عنده، وإني لأسأل ألا يمكن أحدكم أن يذهب إلى المجزرة فيذبح بيده؟
المسألة الرابعة: في زكاة الفطر وزكاة المال حيث لا يوجد في ..... من يستحقها، وحل هذه المشكلة يسير وذلك بأن توكلوا من يخرجهما عنكم إما في بلادكم الأصلية أو غيرها من البلاد التي فيها أحد من أهل الزكاة، ولا يصح صرفها لحساب المركز الإسلامي المزمع إنشاؤه في .... لأنه ليس من مصارف الزكاة، فإن المراد بقوله تعالى: {في سبيل الله} خصوص الجهاد في سبيل الله كما هو قول الجمهور من أهل العلم، وليس المراد به عموم المصالح كما قاله بعض المتأخرين، إذ لو كان كما قال لضاعت فائدة الحصر المستفادة من قوله {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
المسألة الخامسة: في إعفاء اللحية، فإعفاء اللحية من سنن المرسلين السابقين واللاحقين، قال الله تعالى عن هارون أنه قال لأخيه شقيقه موسى: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى" إِسْرا"ءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى } وكان خاتمهم وأفضلهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أعفى لحيته، وكذلك كان خلفاؤه، وأصحابه، وأئمة الإسلام وعامتهم في غير العصور المتأخرة التي خالف فيها الكثير ما كان عليه نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسلفهم الصالح رضوان الله عليهم، فهي هدي الأنبياء والمرسلين

(16/46)


وأتباعهم، وهي من الفطرة التي خلق الله الناس عليها كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، ولهذا كان القول الراجح تحريم حلقها كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإعفائها وتوفيرها.
وأما كون الحكمة من إبقائها مخالفة اليهود وانتفت الآن فغير مسلَّم؛ لأن العلة ليست مخالفة اليهود فقط بل الثابت في الصحيحين خالفوا المشركين، وفي صحيح مسلم أيضاً خالفوا المجوس، ثم إن المخالفة لهؤلاء ليست وحدها هي العلة؛ بل هناك علة أخرى أو أكثر مثل موافقة هدي الرسل عليهم الصلاة والسلام في إبقائها، ولزوم مقتضى الفطرة، وعدم تغيير خلق الله فيما لم يأذن به الله، فكل هذه علل موجبات لإبقائها وإعفائها مع مخالفة أعداء الله من المشركين والمجوس واليهود.
ثم إن ادعاء انتفائها غير مسلم، فإن أكثر أعداء الله اليوم من اليهود وغيرهم، يحلقون لحاهم، كما يعرف ذلك من له خبرة بأحوال الأمم وأعمالهم، ثم على فرض أن يكون أكثر هؤلاء اليوم يعفون لحاهم، فإن هذا لا يزيل مشروعية إعفائها؛ لأن تشبه أعداء الإسلام بما شرع لأهل الإسلام لا يسلبه الشرعية، بل ينبغي أن تزداد به تمسكاً حيث تشبهوا بنا فيه وصاروا تبعاً لنا، وأيدوا حسنه ورجعوا إلى مقتضى الفطرة.

(16/47)


وأما كون بعض الدول الإسلامية يعتبرون اللحية تطرفاً دينياً، فإننا نسأل: ماذا يعنون بالتطرف؟
أيعنون التطرف إلى زاوية الانحراف؟ أم إلى زاوية التمسك والحفاظ على شعار المسلمين، وهدي النبيين، والمرسلين؟
فإن أرادوا الأول فاعتبارهم غير صحيح، وكيف يكون هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفائه وأصحابه، وسلف الأمة تطرفاً إلى زاوية الانحراف؟! ومن اعتبر ذلك تطرفاً إلى زاوية الانحراف فقد طعن في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأتباعه وصار هو المتطرف.
وإن أرادوا الثاني فنحن سنتمسك بديننا، ونحافظ على شعارنا، وهدي الأنبياء والرسل، وليعتبروه ما شاؤوا من تطرف أو توسط، فالحق لا ينقلب باطلاً باعتبار المفاهيم الخاطئة، كما لا ينقلب الماء الزلال زعافاً باعتبار فساد ذوق المريض.
وأما توهم التعرض للخطر بإعفاء اللحية، فهذا من الوساوس التي لا حقيقة لها، وإنما يلقيها الشيطان في القلب، ثم إن قدر لها حقيقة فالواجب على المسلم أن يصبر إذا أوذي في الله وأن لا يجعل فتنة الناس كعذاب الله.
أسأل الله أن يعيننا جميعاً على التمسك بشعائر الإسلام، وهدي خير الأنام، ظاهراً وباطناً، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(16/48)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نحن نعيش خارج البلاد الإسلامية، ونظام الدراسة لا يمكن بعض الطلبة من حضور صلاة الجمعة فهل لهؤلاء إعادة الجمعة في المسجد بعد انقضاء صلاة الجمعة الأولى؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما يفعله الناس من إعادة الجمعة في مسجد واحد بحجة أن النظام في المدرسة لا يمكن المتأخرين من أداء الجمعة مع الأولين، فهذا على مذهب ابن حزم ومن وافقه لا بأس به، حيث يرى أن من فاتته الجمعة ووجد من يصلي معه ولو واحداً فإنه يصلي معه جمعة، أما إن لم يجد أحداً فإنه يصلي ظهراً.
وأما على مذاهب الفقهاء فإنه لا يصح هذا العمل؛ لأنه يفضي إلى تعدد الجمعة بدون حاجة، وليس من الحاجة أن الطائفة الثانية يمنعها نظام الدراسة من أدائها مع الأولين، وإلا لكان كل من فاتته الجمعة لشغل جاز أن يقيمها مع جماعته فيفوت بذلك مقصود الشارع بالجمعة من اجتماع الناس في مكان واحد، على عبادة واحدة، خلف إمام واحد.
نعم لو كان الطائفة الثانية في مكان بعيد عن الأولين وأقاموا الجمعة في مكانهم لكان ذلك جائزاً لحاجة البعد عن مكان الأولين مع اختلاف زمن أدائها.
لكن الفقهاء يشترطون لصحة صلاة الجمعة أن يكون

(16/49)


المقيمون لها مستوطنين في البلد كلهم، أو من يحصل بهم العدد المشترط، على الخلاف بينهم في العدد: هل هو أربعون؟ أو اثنا عشر؟ أو ثلاثة بالإمام أو دونه؟ وعلى هذا فإذا كان الدارسون في بلد ليس فيه مسلمون مستوطنون فإن الجمعة لا تصح منهم، وإنما يصلون ظهراً كغيرها من الأيام.
وفي هذه الحال يمكنهم أن يعينوا وقتاً دورياً، أو طارئاً للاجتماع فيه، ودراسة أحوالهم، وحل مشاكلهم الدينية والدنيوية.
وأما على مذهب ابن حزم ومن وافقه فلا يشترط الاستيطان لصحة الجمعة، فتصح الصلاة جمعة وإن كان المقيميون لها مسافرين، بل تجب عليهم أيضاً.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للمصلي في يوم الجمعة أن يترك المسجد الموجود في منطقته ويذهب إلى مسجد آخر بعيد المسافة، وذلك لكون الخطيب لديه اطلاع واسع. وجيد الإلقاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأحسن أن يصلي أهل الحي في مسجدهم للتعارف والتآلف بينهم، وتشجيع بعضهم بعضاً، فإذا ذهب أحد إلى مسجد آخر لمصلحة دينية كتحصيل علم، أو استماع إلى خطبة تكون أشد تأثيراً، وأكثر علماً فإن هذا لا بأس

(16/50)


به، وكان الصحابة رضي الله عنهم يصلون مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في مسجده لإدراك فضل الإمام، وفضل المسجد، ثم يذهبون ليصلوا في حيهم، كما كان يفعل معاذ رضي الله عنه في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو يعلم، ولم ينكره الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: أنا أحد الطلبة المبتعثين للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المعروف أن يوم الجمعة يوم دراسي، ففي هذا اليوم تتعارض مواد الدراسة مع صلاة الجمعة التي تقام في مسجد المدينة الصغير، الساعة الواحدة والنصف، وليس بإمكاني التوفيق بين هذه المواد والصلاة في وقت واحد، علماً بأنه ليس هناك بديل لهذه المواد، وهي مواد أساسية في التخصص، ولقد تمكنت من الاستئذان من مدرس المادة في أحد أيام الجمعة، ولكن قال لي: لن أسمح لك مرة أخرى؛ لأن ذلك يؤثر في مستواك الدراسي، فماذا أفعل؟ أفيدوني أفادكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرى أنه إذا كان يسمع النداء فإن الواجب عليه الحضور إلى صلاة الجمعة لعموم قوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ

(16/51)


وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } وإذا كان الله تعالى أمر بترك البيع مع أنه قد يكون مما يضطر إليه الإنسان، أوعلى الأصح ما يحتاج إليه الإنسان، كذلك هذه الدراسة يلزمه تركها والحضور إلى الجمعة.
أما إذا كان المسجد بعيداً فإنه لا يلزمه الحضور إذا كان يشق عليه الحضور إلى مكان الجمعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للمقيم أن يسافر ويصلي الجمعة في بلد آخر؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كان قصده تعظيم المكان فهو حرام؛ لأنه لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.
أما إذا كان قصده الانتفاع بخطبة الخطيب؛ لأنها خطبة مفيدة فلا بأس. فهذا سافر للعلم، ولم يسافر للمسجد. ولهذا لو انتقل هذا الخطيب إلى بلد آخر تبعه.

(16/52)


رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.. حفظه الله تعالى
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وإليكم الجواب على ما سألتم عنه:
الأول: سؤالكم عن جواز الجمع والقصر لكم.
وجوابه: أن القصر والجمع جائز لكم، لكن الأفضل ترك الجمع إلا لحاجة، مثل: أن يكون الماء قليلاً، وإن جمعتم بدون حاجة فلا بأس؛ لأنكم مسافرون، فإنكم انتدبتم لعمل مؤقت لا تنوون استيطاناً ولا إقامة مطلقة وإنما إقامتكم لحاجة متى انتهت رجعتم إلى بلادكم، وقد ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقام في تبوك عشرين يوماً يصلي ركعتين، وأقام عام الفتح في مكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، ومازال المسلمون يقيمون في الثغور الأشهر وربما السنة والسنتين ويقصرون الصلاة، ولم يحد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته حدًّا ينقطع به حكم السفر لمن كان مسافراً. هذا هو القول الصحيح.
ويرى بعض العلماء أن من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام لزمه أن يتم.

(16/53)


السؤال الثاني: عن صلاتكم الجمعة:
وجوابه: أنه ليس من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الجمعة في السفر وبناء على ذلك فلا تشرع لكم صلاة الجمعة، وإنما تصلون ظهراً مقصورة.
وقد كتب الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله إلى الملك سعود رحمه الله كتاباً قال فيه: من خصوص فارس أبا العلاء والجنود الذي معه في البرود يصلون الجمعة وهم ليس في حقهم جمعة، ولا يشرع لهم ذلك، فينبغي المبادرة في تنبيههم على ذلك، ومنعهم من التجميع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السؤال الثالث: هل نعتبر مسافرين وعلى ذلك نفطر؟
وجوابه: أنه متى جاز لكم قصر الصلاة جاز لكم الفطر، وقد سبق في الجواب الأول أن القول الصحيح جواز القصر في حقكم، ولكن الصوم للمسافر أفضل إذا لم يشق عليه.
السؤال الرابع: عن ضابط المشقة؟
وجوابه: أن المشقة هي أن يحصل للإنسان شيء من التكلف والتحمل.

(16/54)


وأما موضوع التدخين فتعلمون بارك الله فيكم أن عموميات الكتاب والسنة تدل على تحريمه حيث ثبت ضرره، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان شرب الدخان، وينبغي أن يستغل فرصة شهر رمضان للتخلص منه، فإن الصائم في النهار قد حماه الله منه بالصوم، فليتصبر في الليل عنه حتى يستعين بذلك على التخلص منه، بالإضافة إلى استعانته بالله ودعائه.
السؤال الخامس: هل الأفضل بقاؤكم في عملكم أو استئذانكم للسفر إلى مكة؟
وجوابه: أن الأفضل بقاؤكم في عملكم؛ لأنه عمل مهم وقيام بواجب، وسفركم إلى مكة من قبيل التطوع، والقيام بالواجب أفضل من القيام بالتطوع.
السؤال السادس: هل تصلون التراويح وأنتم تقصرون الصلاة؟
وجوابه: نعم تصلون التراويح، وتقومون الليل، وتصلون صلاة الضحى وغيرها من النوافل لكن لا تصلون راتبة لظهر، أو مغرب، أو عشاء.
السؤال السابع: عن التيمم لصلاة الفجر من الجنابة إذا كان الجو بارداً؟
وجوابه: إذا وجب الغسل على أحدكم وكان الماء بارداً، ولم يكن عنده ما يسخن به الماء، وخاف على نفسه من المرض

(16/55)


فلا بأس أن يتيمم، فإذا تمكن من الغسل بعد دفء الجو والماء، أو وجود ما يسخن به الماء وجب عليه أن يغتسل؛ لأن التيمم إنما يطهر حال وجود العذر، فإذا زال العذر عاد الحدث ووجب استعمال الماء.
كتب هذه الأجوبة السبعة محمد الصالح العثيمين في 03/8/1141ه .
* * *

(16/56)


رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.. حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم غير المؤرخ وصلني يوم الاثنين 41/2/3041ه الجاري وقرأته بمشقة لخفاء حروفه بضعف مداده، وماتضمنه من الأسئلة فإليكم جوابه، سائلين الله تعالى أن يلهمنا فيها الصواب:
ج 1: تعريف السفر عندنا ما سماه الناس سفراً، ولا يتحدد ذلك بمسافة معينة، ولا مدة معينة، وذلك لأنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك تحديد، فمادام الإنسان مفارقاً لمحل إقامته وهو عند الناس مسافر فهو في سفر، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا خرج مسيرة ثلاثة أيام، أو فراسخ صلى ركعتين». وفي صحيح البخاري عنه قال: «خرجنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قيل له: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً»، وكان ذلك في حجة الوداع، وفيه أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين» وكان ذلك عام الفتح. قال في

(16/57)


الفتح ص 765 ج 2 ط السلفية عن حديث أنس الأول: «وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه».
قلت: ولا يصح حمله على أن المراد به المسافة التي يبتدىء منها القصر لا غاية السفر؛ لأن أنس بن مالك رضي الله عنه أجاب به من سأله عن خروجه من البصرة إلى الكوفة أيقصر الصلاة، وأيضاً فقد نقل في الفتح عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته، يعني وإن لم يتجاوز ثلاثة أميال أو فراسخ.
وقد أقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة ولم يكن ذلك تحديداً منه، فلما لم يحدد ذلك لأمته علم أنه ليس فيه تحديد، وأن المسافر مادام لم يعزم على الإقامة المطلقة فإن حكم السفر في حقه باق.
وقد كتبنا في ذلك أجوبة مبسوطة ومختصرة لأسئلة متعددة اخترنا أن نبعث لكم صورة من المتوسط منها نسأل الله أن ينفع بها.
ج 2 وأما من انتقلت وظيفته إلى بلد فانتقل إليها مطمئناً بذلك فإن البلد الثاني هو محل إقامته؛ لأن الأصل بقاء وظيفته وعدم نقله مرة أخرى، وأما إذا لم يطمئن وإنما حدد عمله وإقامته في البلد المنقول إليه، أو كان ذلك لم يحدد ولكن هو يطالب برده إلى وطنه الأول وهو عازم على الرجوع إليه ولو أدى ذلك إلى استقالته فإنه حينئذ مسافر على ما نراه.

(16/58)


ج 3 وأما ظنكم أن المقيم الذي له حكم المسافر لا يشهد الجمعة ولا الجماعة فاعلموا أن من سمع النداء وجبت عليه الإجابة لعموم الأدلة الدالة على ذلك.
ج 4 وأما من له أهلان أحدهم في الرياض، والآخرون في جدة فإن كلا البلدين وطنه، فمتى جاء إلى جدة فقد انقطع سفره، ومتى جاء إلى الرياض فقد انقطع سفره، والفرق بين هذا وبين المبتعثين للدراسة ظاهره، فإن هؤلاء المبعوثين لم يتأهلوا في البلاد التي بعثوا إليها، وإنما هم فيها لحاجة متى انتهت رجعوا.
ج 5 وأما ترك إقامة الجمعة من غير المستوطنين ولو كانوا مقيمين فهذا ما ذكره فقهاء الحنابلة وهو موضع خلاف بين أهل العلم:
فقهاء الحنابلة يرون أنه لا تصح الجمعة من هؤلاء، وهو المشهور عند الشافعية.
وفيه وجه للشافعية بالجواز.
فإن رأيتم أن في إقامتها مصلحة للإسلام والمسلمين فأرجو أن لا يكون في ذلك بأس إن شاءالله تعالى، مع أني والله أرجح عدم إقامتها، إلا إذا كان معهم مستوطنون.
ومصلحة الاجتماع تحصل بدون إقامة الجمعة مثل أن تنظم ندوات شهرية، أو أسبوعية تلقى فيها الخطب، وتحصل المناقشات التي فيها الفائدة الحاصلة بخطبة الجمعة والاجتماع لها.
وأسأل الله لي ولكم العافية، والتوفيق للصواب، وليست هذه الأمور الشرعية تؤخذ بما يبدو من المصالح التي قد تحصل بغيرها بدون تعدٍّ لقواعد الشريعة، والله تعالى أحكم الحاكمين.

(16/59)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا صلت المرأة صلاة الجمعة في المسجد الحرام فهل تجزؤها عن صلاة الظهر؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا صلت المرأة الجمعة في المسجد الحرام أجزأتها عن الظهر، وكذلك لو صلت في غيره من المساجد مع الناس صلاة الجمعة فإنها تجزؤها عن صلاة الظهر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: كم تصلي المرأة الجمعة؟
فأجاب فضيلته قائلاً: المرأة إن صلت الجمعة مع الإمام فإنها تصلي كما يصلي الإمام، وأما إذا صلت في بيتها فإنها تصلي ظهراً أربع ركعات.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للمرأة أن تصلي الجمعة وتجزؤها عن صلاتها الظهر؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمرأة أن تصلي الجمعة مع الإمام، وتجزؤها عن صلاة الظهر، أما في بيتها فتجب عليها صلاة الظهر.

(16/60)


* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن رجل مسافر جاء إلى صلاة الجمعة في المسجد فأدرك معهم التشهد الأخير، فهل يصلي أربعاً أو يصلي كصلاتهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: المسافر لا تلزمه الظهر إلا مقصورة، فإذا أدرك من الجمعة أقل من ركعة وجبت عليه الظهر، والظهر بحقه مقصورة ركعتان فليصل ركعتين فقط، لأنه غير مقيم بل هو مسافر، أما لو أدرك ركعة فإنه يأتي بركعة واحدة، وتكون له جمعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من لم يدرك من صلاة الجمعة إلا أقل من ركعة فهل يقضيها ركعتين أم أربع ركعات؟
أفتونا مأجورين حيث أن كثير من الناس يشتبه عليه الأمر في ذلك وفقكم الله وبارك فيكم.
فأجاب فضيلته بقوله: إذا لم يدرك من صلاة الجمعة إلا أقل من ركعة فإنه يجب عليه أن يصلي الظهر أربعاً؛ لأن الجمعة قد فاتته لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». فإن مفهومه أن من أدرك دون ذلك لم يدرك الصلاة.

(16/61)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يحصل من بعض الناس بل الكثير وهو على الطريق أن يجمع صلاة الجمعة مع صلاة العصر جمع تقديم، معللاً ذلك بأنه يصلي ظهراً وليست نيته صلاة الجمعة بل الظهر، حيث أنه مسافر تسقط عنه الجمعة ثم لو لم يصل الظهر بل أخرها مع صلاة العصر هل يصح فعله أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حضر المسافر الجمعة وجب أن يصليها جمعة، لقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }. والمراد بالصلاة هنا صلاة الجمعة بلا ريب. والمسافر داخل في الخطاب فإنه من الذين آمنوا، ولا يصح أن ينوي بها الظهر، ولا أن يؤخرها إلى العصر لأنه مأمور بالحضور إلى الجمعة.
وأما قول السائل إنه مسافر تسقط عنه الجمعة فصحيح أن المسافر ليس عليه جمعة بل ولا تصح منه الجمعة لو صلاها في السفر؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يقيم الجمعة في السفر، فمن أقامها في السفر فقد خالف هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيكون عمله مردوداً لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

(16/62)


أما إذا مر المسافر ببلد يوم الجمعة وأقام فيه حتى حان وقت صلاة الجمعة وسمع النداء الثاني الذي يكون إذا حضر الخطيب فعليه أن يصلي الجمعة مع المسلمين، ولا يجمع العصر إليها، بل ينتظر حتى يأتي وقت العصر فيصليها في وقتها متى دخل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا صلى المسافر يوم الجمعة الظهر قصراً هل تكون هذه ظهراً يجمع إليها صلاة العصر فما توجيهكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: فضل الجمعة أمر لا ينبغي التهاون به؛ لأن الجمعة يوم واحد في الأسبوع، وأنت إذا نويت صلاة الظهر في هذا الأسبوع فلا تدري هل تدركك الجمعة الثانية أو لا؟! فكونك تفوت هذا الأجر العظيم الذي أضل الله عنه اليهود والنصارى واختاره لهذه الأمة من أجل أن تجمع العصر إلى الظهر، لاشك أنه قصور نظر، فصل الجمعة ولا تجمع إليها العصر، وإذا حان وقت صلاة العصر فصل العصر، والحمد لله.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من صلى الجمعة فهل يصلي الظهر؟

(16/63)


فأجاب فضيلته بقوله: إذا صلى الإنسان الجمعة فإن الجمعة هذه هي فريضة الوقت أي فريضة وقت الظهر وعلى هذا فلا يصلي الظهر، وصلاة الظهر بعد صلاة الجمعة من البدع؛ لأنها لم تأت في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيجب النهي عنها، حتى ولو تعددت الجمع فإنه ليس من المشروع أن يصلي الإنسان صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة، بل هي بدعة منكرة؛ لأن الله تعالى لم يوجب على المرء في الوقت الواحد سوى صلاة واحدة وهي الجمعة، وقد أتى بها.
وأما تعليل من علل ذلك بأن تعدد الجمع لا يجوز، وأنه إذا تعددت فالجمعة لأسبق المساجد، وهنا الأسبق مجهول فيؤدي حينئذ إلى بطلان الجمع كلها وإقامة الظهر بعدها.
فنقول لهؤلاء: من أين لكم هذا الدليل أو هذا التعليل؟! وهل بني على أساس من السنة، أو على صحيح من النظر؟! الجواب «لا» بل نقول: إن الجمعة إذا تعددت لحاجة فكل الجمع صحيح، لقول الله تعالى: {فَاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَِنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } وأهل هذا البلد إذا تباعدت جهات البلد، أو ضاقت المساجد وتعددت الجمع بحسب الحاجة هم قد اتقوا الله ما استطاعوا، ومن اتق الله ما استطاع فقد أتى بما وجب عليه، فكيف يُقال إن عمله فاسد، وإنه يجب أن يأتي ببدله، وهي صلاة الظهر بدلاً عن الجمعة.

(16/64)


وأما إذا أقيمت الجمع في أمكنة متعددة بدون حاجة فلا شك أن هذا خلاف السنة، وخلاف ما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفاؤه الراشدون، وهو حرام عند أكثر أهل العلم، ولكن مع هذا لا نقول إن العبادة لا تصح؛ لأن المسؤولية هنا ليست على العامة، وإنما المسؤولية على ولاة الأمور الذين أذنوا بتعدد الجمعة بدون حاجة، فمن ثمّ نقول:
يجب على ولاة الأمور القائمين بشؤون المساجد أن لا يأذنوا في تعدد الجمع إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وهذا لأن للشارع نظراً كبيراً في اجتماع الناس على العبادات، لتحصل الألفة والمودة، وتعليم الجاهل، وغير ذلك من المصالح الكبيرة الكثيرة. والاجتماعات المشروعة: إما أسبوعية، أو حولية، أو يومية كما هو معروف، فالاجتماعات اليومية تكون في الأحياء في مساجد كل حي؛ لأن الشارع لو أوجبها على الناس أن يجتمعوا كل يوم خمس مرات في مكان واحد لكان في ذلك مشقة عليهم، فلهذا خفف عنهم، وجعلت اجتماعاتهم في مساجدهم كل حي في مسجده.
أما الاجتماع الأسبوعي: فهو يوم الجمعة، فإن الناس يجتمعون كل أسبوع، ولهذا كانت السنة تقتضي أن يكونوا في مسجد واحد لا يتعدد؛ لأن هذا الاجتماع الأسبوعي لا يضرهم إذا قاموا به، ولا يشق عليهم، وفيه مصلحة كبيرة يجتمع الناس على إمام واحد، وعلى خطيب واحد يوجههم توجيهاً واحداً، فينصرفون وهم على عظة واحدة، وصلاة واحدة.

(16/65)


وأما الاجتماع الحولي فمثل صلاة الأعياد فإنها اجتماع حولي، وهي أيضاً لجميع البلد؛ ولهذا لا يجوز أن تتعدد مساجد الأعياد إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك كمساجد الجمعة. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم السفر يوم الجمعة؟ وما الحكم إذا كان وقت إقلاع الطائرة بعد الأذان مباشرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا نودي للصلاة أي صلاة الجمعة فيحرم السفر على من تلزمه الجمعة؛ لقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } فأمر الله عز وجل بالسعي للجمعة وترك البيع، فكذلك يترك السفر؛ لأن السفر مانع من حضور الصلاة، كما أن البيع مانع من حضور الصلاة. لكن لو خاف فوات الرفقة وفوات غرضه لو تأخر فله السفر للضرورة.
أما قبل النداء فهو جائز. وقال بعض العلماء بكراهته لئلا يفوت على الإنسان فضل الجمعة.
وأما إذا كان وقت إقلاع الطائرة بعد الأذان مباشرة فإن كان لا يفوت غرضه لو تأخر فإنه يتأخر، كما لو كان فيه طائرة تقلع بعد الصلاة بزمن لا يفوت به غرضه، وإن لم يكن طائرة إلا بعد زمن يفوت به غرضه فله أن يسافر حينئذ؛ لأنه معذور.
* * *

(16/66)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك بعض الخطباء يدخلون إلى المسجد يوم الجمعة ويشرعون في الخطبة قبل الوقت وربما أقيمت الصلاة ولم يحن وقت الزوال فما صحة ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الشروع في الخطبة والصلاة يوم الجمعة قبل الزول محل خلاف بين العلماء:
فمنهم من قال: إنها لا تجوز حتى تزول الشمس.
ومنهم من قال: إنها تجوز.
والصحيح: أنها تجوز قبل الزوال بساعة، أو نصف ساعة أو ما قارب ذلك.
ولكن الأفضل بعد الزوال، حتى عند القائلين بأنها يجوز أن تتقدم بساعة ونحوها؛ وذلك لأن المؤذن إذا أذن وسمعه من في البيوت فإنهم ربما يتعجلون فيصلون الظهر، فيحصل بذلك غرر للناس، ثم إن زوال الشمس بالاتفاق شرط لإقامة صلاة الجمعة على وجه الأفضلية، ولكن من العلماء من أجاز التقديم على الزوال، ومنهم من لم يجز، ولكنهم متفقون على أن تأخيرها حتى تزول الشمس أفضل.
ولو صلى قبل الزوال على الرأي الذي يقول بجوازها قبل الزوال فلا بأس.
وهنا مسألة بالنسبة لوقتنا الآن لا نحبذ أن أحداً يصلي مبكراً عن الآخرين قبل الزوال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نلاحظ أن بعض أئمة الجوامع في صلاة الجمعة يدخل الخطيب قبل زوال الشمس بوقت، فيؤذن المؤذن، فتقوم بعض النساء المجاورات للمسجد بأداء الصلاة ظانه أن الوقت قد دخل، فتصلي الصلاة في غير وقتها، فنرجو منكم التوجيه في هذا الأمر، وهل تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال؟
فأجاب فضيلته بقوله: جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد رحمهم الله أن الجمعة كالظهر لا تجوز قبل الزوال.
وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أنها تجوز قبل الزوال بساعة.
ورواية أخرى تجوز قبل ذلك أيضاً.
والاحتياط أن لا يأتي الخطيب إلا إذا زالت الشمس.
أولاً: من أجل أن يوافق جمهور العلماء.
وثانياً: من أجل أن لا تحصل هذه المفسدة التي أشار إليها السائل وهي صلاة النساء في البيوت الظهر قبل الزوال.

(16/67)


فنصيحتي لأخواني الأئمة: أن لا يأتوا إلى المسجد إلا إذا زالت الشمس، والحمد لله الأمر ليس فيه مشقة، ليس هناك حر مزعج ولا برد مؤلم، أكثر المساجد فيها المكيف دافئاً في الشتاء، وبارداً في الصيف وليس هناك مشقة إطلاقاً ولله الحمد.

(16/68)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: بعض خطباء الجمعة رغبة في الخير يتقدمون في الحضور ويجلسون في المسجد إلى حين دخول الوقت فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هؤلاء يثابون على نيتهم، ولا يثابون على عملهم، لأنه خلاف هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاة الجمعة إنما يأتي عند الخطبة ولا يتقدم، والخير كل الخير في اتباعه عليه الصلاة والسلام، فبقاؤهم في بيوتهم أفضل حتى يأتي وقت الصلاة عند الزوال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل تقام صلاة الجمعة في البراري؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة الجمعة لا تجوز إقامتها في البراري، ولهذا لم يكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقيم الجمعة في أسفاره، وذكر أهل العلم أن البوادي التي كانت في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تقام فيها الجمعة، وإنما تقام الجمعة في القرى والأمصار، وعليه فإن من سكن البوادي لا تلزمه الجمعة، بل ولا تصح منهم صلاة الجمعة؛ لأن مكانهم لا يصح أن تقام فيه الجمعة، ولو كان مثل هذا المكان تقام فيه الجمعة لأقيمت على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه إذا كان هذا المكان مكاناً للجمعة صارت إقامة الجمعة فيه من شريعة الله، وإذا كانت من شريعة الله فلابد أن تكون قائمة في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

(16/69)


ثم تنقل إلى الأمة؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظ دينه، ولما لم تكن قائمة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام علم أنها ليست من دين الله، ولا من شريعة الله، وإذا لم تكن من دين الله ولا شريعته فقام بها أحد من الناس فإنهامردودة عليه، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وعلى من كانوا في البر أن يقيموا صلاة الظهر قصراً إن كانوا في حكم المسافرين وإتماماً إن كانوا مقيمين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من كان يعمل في مزرعة في الصحراء ولا يستطيع أن يحضر الجمعة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته قائلاً: إن في الشريعة الإسلامية قاعدة هامة نافعة دل عليها عدة آيات من كتاب الله منها قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }، وقوله تعالى: {فَاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَِنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَاذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُواْ الصلاةَ وَءَاتُواْ الزكاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }، فإذا كان المكان بعيداً عن المساجد، وليس هناك مسجد قريب يتمكن الإنسان أن يصلي فيه صلاة الجمعة فإنه ليس عليه جمعة في هذه الحال؛ لأنه معذور بتركها من أجل البعد

(16/70)


والمشقة، فالحمد لله تعالى على تيسيره وعلى تسهيله لهذا الدين الذي تعبدنا به سبحانه وتعالى.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: مزارع يعمل في مزرعة بعيدة عن البلد ولا يستطيع أن يصل إلى المسجد ليصلي الجمعة فهل يصليها ظهراً؟ وهل يأثم صاحب المزرعة لعدم نقل هذا المزارع للبلد ليتمكن من الصلاة مع الناس؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب فضيلته بقوله: له أن يصلي في هذا المكان ظهراً كل جمعة؛ لأن صاحب المزرعة لا يمكنه من صلاة الجمعة بنقله إليها؛ ولأنه بعيد عن مكان المسجد وليس له ما يوصله إلى المسجد، هو معذور ولا حرج عليه أن يصلي في مكانه ظهراً.
ولا يأثم صاحب المزرعة إلا إذا كان قد شرط عليه عند العقد بأنه يمكنه من الصلاة ويقوم بنقله إلى المسجد فيجب عليه الوفاء بما شرط عليه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم صلاة العيدين والجمعة للمجاهدين والمرابطين في سبيل الله؟ وهل هناك فرق بين المجاهد والمرابط؟
فأجاب فضيلته بقوله: المجاهد: من يقاتل العدو، والمرابط: هو الذي يكون على الثغور يحميها من العدو بدون

(16/71)


قتال، هذا هو الفرق بينهما.
وأما الجمعة والأعياد فإنها لا تكون إلا في القرى المسكونة والمدن، ولا تكون في هذه الأماكن، فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخرج في الغزو ويمكث المدة الطويلة ولا يقيم الجمع كما في غزوة تبوك وغيرها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نحن في أرض بادية ونبعد عن أقرب القرى نحو ستين كيلو متراً ويصعب علينا الذهاب إليها لصلاة الجمعة لعدم وجود مواصلات، هل يجوز لنا أن نقيم جمعة في باديتنا ولاسيما نحن حوالي عشرين شخصاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: البوادي لا تقام فيها الجمع؛ لأن الجمع إنما تكون في المدن المسكونة، أما البادية فإن الله تعالى قد وضع عنهم صلاة الجمعة فيصلون بدلها ظهراً، وكانت الأعراب في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حول المدينة قاطنون في أماكنهم ومع ذلك لم يأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإقامة الجمع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم إقامة الجمعة في القرى؟ وهل يشترط أن تكون بالأمصار؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجمعة يصح أن تقام بالقرى ولا يشترط أن تكون بالأمصار؛ لأن اشتراط أن تكون بالأمصار ليس له

(16/72)


دليل لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما لا دليل له فإنه ليس بشيء؛ لأن التشريع والشروط في التشريع ومقتضيات الصحة، ومقتضيات البطلان كلها إنما تتلقى من الشرع، فإذا لم يوجد لها دليل من الشرع فهي مردودة على قائلها، لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }. وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
ومن أثبت شروطاً ليست في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سواء كانت تلك الشروط في العبادات، أو في المعاملات فإنها شروط مردودة عليه، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط».
وهؤلاء الذين في القرى مستوطنين، هؤلاء مخاطبون بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } فيجب عليهم إقامة الجمعة في أماكنهم.
أما المسافرون فإنه لا جمعة عليهم إذا لم يكونوا في بلاد تقام فيها الجمعة، فهم في طريقهم في السفر لا يصلون الجمعة، وكذلك لو مروا ببلد لا تقام فيها الجمعة فلا جمعة عليهم، أما إذا

(16/73)


مر المسافر في بلد تقام فيه الجمعة وأقام يوم الجمعة في ذلك البلد فإنه يجب عليه حضورها، لقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } فهذا المسافر مؤمن فيدخل في الخطاب.
أما العدد المعتبر في الجمعة فأصح المذاهب في ذلك مذهب أبي حنيفة رحمه الله وهو أن العدد المعتبر ثلاثة فقط، وليس اثني عشر، ولا أربعين رجلاً، فإذا وجد في هذه القرية ثلاثة مستوطنون فإن الجمعة تلزمهم وتنعقد بهم وتصح؛ لأنه لا دليل على اشتراط ما زاد على الثلاثة، والأحاديث الواردة في ذلك إنما هي قضايا أعيان وقعت اتفاقاً لا قصداً وما كان كذلك فهي لا تدل على الاشتراط.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: أنا أسكن في قرية يبلغ سكانها من الرجال واحداً ًوعشرين رجلاً بالغين مقيمين بها، ولكنهم لا يقيمون صلاة الجمعة، وقد حاولت فيهم أن نصلي الجمعة وأنا مستعد للخطبة بهم والصلاة بهم فأنا أقرؤهم لكتاب الله ولكنهم يرفضون ذلك بحجة أن صلاة الجمعة يلزم لوجوبها عدد أربعين من أهلها، فما الحكم في مثل هذه الحالة هل هم على حق أم أنا وعليهم طاعتي في هذا؟ أفيدونا بارك الله فيكم.

(16/74)


فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.
الجواب على هذا السؤال يبنى على اختلاف أقوال أهل العلم، وذلك أن العلماء اختلفوا رحمهم الله هل يشترط للجمعة عدد معين أو لا يشترط أن يكون معيناً بالأربعين؟
فمن أهل العلم من يقول: إن الجمعة لا تصح حتى يوجد أربعين من أهل وجوبها مستوطنين بالمكان الذي تقام به، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
ومنهم من يقول: تجب إقامة الجمعة إذا وجد في المكان اثني عشر رجلاً مستوطناً فيه.
ومنهم من يقول: تجب إقامة الجمعة إذا وجد ثلاثة فأكثر مستوطنين في هذا المكان.
والقول الراجح: أنها تقام الجمعة إذا وجد في القرية ثلاثة فأكثر مستوطنين؛ لأن الأدلة التي استدل بها من يشترطون الاثني عشر، أو الأربعين ليست واضحة في الاستدلال، والأصل وجوب الجمعة، فلا يعدل عنه إلا بدليل بيِّن، ذلك أن الذين استدلوا بأنه لابد من اثني عشر استدلوا: بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخطب الناس يوم الجمعة، فقدمت عير من الشام فانصرف الناس إليها وانفضوا، ولم يبق مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا اثني عشر رجلاً.
والذين استدلوا على اشتراط الأربعين استدلوا: بأن أول جمعة جمعت في المدينة كان عدد المقيمين بها أربعين

(16/75)


رجلاً. ومن المعلوم أن العدد في الأول، والعدد في الثاني إنما كان اتفاقاً، بمعنى أنه أقيمت الجمعة فكان الاتفاق أي الذي وافق العدد أربعين رجلاً، وكذلك الذين انصرفوا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان الاتفاق أن يبقى منهم اثنا عشر رجلاً، مثل هذا لا يمكن أن يستدل به على أنه شرط، إذ من الممكن أن يقال: لو أقيمت الجمعة وكان أقل فليس عندنا دليل على أن الجمعة لا تصح، كما أنه لو بقي أكثر من اثني عشر، أو كان عند إقامة الجمعة أكثر من أربعين، لم يمكننا أن نقول أنه يشترط أن يزيدوا على اثني عشر، أو يزيدوا عن أربعين، على هذا فنرجع إلى أقل جمع ممكن وهو للجمعة ثلاثة لأن الله تعالى يقول: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ومعلوم أن المنادي ينادي لحضور الخطيب، فيكون المنادي، والخطيب، والمأمور يسعى إلى الجمعة، وأقل ما يمكن في ذلك ثلاثة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وهو الراجح.
أما قضيتكم المعنية في هذه القرية التي في .... فالذي أرى أن تراجع المسؤولين عن شؤون المساجد لدى الجمهورية ثم تمشوا على ما يوجهونكم إليه.
* * *

(16/76)


سئل فضيلة الشيخ: بعض العمال لا يأذن لهم كفلاؤهم بصلاة الجمعة بحجة أنهم حراس في المزرعة، وقد قالوا لي: تكلم في الجمعة على كفلائهم أن يأذنوا لهم فما رأيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هؤلاء العمال بعيدين عن المسجد بحيث لا يسمعون النداء لولا مكبر الصوت وهم خارج البلد فإن الجمعة لا تلزمهم، ويطمئن العمال بأنه لا إثم عليهم في البقاء في المزرعة، ويصلون ظهراً،ويشار على كفيلهم أن يأذن لهم، لأن في ذلك خيراً له وخيراً لهم، وتطييباً لقلوبهم، وربما يكون ذلك سبباً في نصحهم إذا قاموا بالعمل، بخلاف ما إذا لم يأذن لهم، وكثير من العمال يطلبون صلاة الجمعة من أجل أن يلتقوا بأصحابهم ومعارفهم، ولهذا تجدهم يأتون إلى الجمعة ويتحدثون في السوق يتحدثون إلى أن يحضر الإمام، فإذا حضر الإمام دخلوا المسجد.
والمدار على ما سبق إذا سمعوا النداء لولا مكبر الصوت وهم في البلد فليحضروا، وإذا كانوا خارج البلد فليس عليهم شيء.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للمسلم أن يصلي في بيته الجمعة إذا كان يسمع صوت الإمام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تؤدى صلاة الجمعة إلا مع المسلمين في المسجد، ولكن إذا امتلأ المسجد واتصلت

(16/77)


الصفوف في الشوارع فلا حرج في الصلاة في الشوارع لأجل الضرورة، وأما أن يصلي الإنسان في بيته، أو في دكانه فإنه لا يجوز ولا يحل له ذلك؛ لأن المقصود من الجمعة والجماعة أيضاً أن يحضر المسلمون بعضهم إلى بعض، وأن يكونوا أمة واحدة، فيحصل فيهم التآلف والتراحم، ويتعلم جاهلهم من عالمهم، ولو أنا فتحنا الباب لكل أحد وقلنا: صلِّ على المذياع، أو صل على مكبر الصوت وأنت في بيتك لم يكن لبناء المساجد وحضور المصلين فائدة؛ ولأنه يؤدي إلى ترك الجمعة والجماعة لو فتح هذا الباب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ماذا يفعل الإنسان إذا جاء يوم الجمعة والإمام في التشهد من صلاة الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا جاء الإنسان والإمام في التشهد في صلاة الجمعة فقد فاتته الجمعة فيدخل مع الإمام ويصلي ظهراً أربعاً؛ لأن الجمعة قد فاتته لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»، فإن مفهومه أن من أدرك أقل من ذلك لم يكن مدركاً للصلاة.
وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك». أي:فقد أدرك صلاة الجمعة إذا أتى بالركعة الثانية.

(16/78)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، أفتونا جزاكم الله خيراً في هذه المسألة: حصل أن سها الخطيب وخطب بالناس خطبة واحدة، صلى بعدها بالناس، والسؤال يا فضيلة الشيخ هو: هل هذه الجمعة صحيحة أم لا؟ وهل تلزم الإعادة للإمام والمأمومين، أم الإمام فقط، فيصليها ظهراً؟ وفقكم الله وسدد خطاكم وجزاكم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يجب على الإمام والمأمومين أن يعيدوها ظهراً. 24/3/ 1416ه .
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أنه يشترط لصحة خطبة الجمعة: البداءة بالحمد، والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله، ونرى قلة قليلة من الخطباء لا يتقيدون بذلك مما يحدث بعض البلبلة في صفوف المصلين فما توجيهكم؟
فأجاب فضيلته بقوله:إذا كان جماعة المسجد يرون ذلك فإن من الحكمة مراعاتهم في ذلك؛ لأن ذلك ليس بمحرم،

(16/79)


ومراعاة الناس في مثل ذلك مما جاءت به الشريعة، فقد ترك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام مراعاة لأحوال الناس.
ولا شك أن البداءة بالحمد، والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقراءة آية، والأمر بالتقوى من كمال الخطبة، فكل ما كان من الكمال فهو مطلوب. والله الموفق.
* * *

(16/80)


رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. حفظه الله تعالى
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
قرأت كتابكم المؤرخ في 1/2/1241ه وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تفريق السورة الواحدة بين الركعتين، وهذا جائز ولا منع فيه، وقد جاءت به السنة، وعمل الناس عليه قديماً وحديثاً.
المسألة الثانية: القراءة من أثناء السورة وهذا قد ثبتت به السنة في النافلة (في سنة الفجر) وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، ولهذا لما ذكر الصحابة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي في السفر على راحلته قالوا: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة»، وهذا يدل على أنهم يعتبرون ما ثبت في النفل ثابتاً في الفرض، فذكروا هذا القيد لئلا يلحق أحد الفريضة بالنافلة في هذا الحكم.
المسألة الثالثة: ذكرتم في أثناء كلامكم أن رأيي منع الإمام من قراءة بعض السورة، وأنا لست أرى هذا، بل أرى أن للمصلي

(16/81)


أن يقرأ سورة كاملة، أو بعض سورة من أولها، أو آخرها، أو وسطها لعموم قوله تعالى: {فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَى وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الأَْرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَءَاخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصلاةَ وَءَاتُواْ الزكاةَ وَأَقْرِضُواُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لكن الأفضل أن يقرأ من المفصل حسب التفصيل المعروف، ليسهل حفظه على المأمومين؛ ولأن الغالب أنه محفوظ عند كثير من المصلين فيفتحون على الإمام إذا أخطأ.
المسألة الرابعة: هل القتل بالكهرباء قتل بالنار؟
وجوابه: أنه ليس قتلاً بالنار، ودليل ذلك أنه لا يحترق المقتول ولا ثيابه، وإنما قتل بالصعق صعق الكهرباء فيجمد الدم ويتوقف نهائياً.
المسألة الخامسة: الضابط في الاستشهاد بالشعر في خطبة الجمعة أن لا يكثر منه، وأن يكون مناسباً للموضوع (موضوع الخطبة) وأن لا يكون من شعر من لا خير فيه من شعراء العصر أو غيرهم؛ لأن في إنشاد شعره رفعة له، وتغريراً للناس بالشاعر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 16/4/1412ه .

(16/82)


شرح خطبة الحاجة
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإننا في هذا اللقاء نتكلم عن معاني هذه الخطبة التي ابتدأنا بها حديثنا، التي تسمى: خطبة الحاجة، والتي علمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، كي يبدءوا بها كلامهم وخطبهم.
«إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره». الحمد: وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيماً وإجلالاً، فإذا وصفت ربك بالكمال، فهذا هو الحمد، لكن لابد أن يكون مصحوباً بالمحبة والتعظيم والإجلال، لأنه إن لم يكن مصحوباً بذلك سمي مدحاً لا حمداً، ومن ثم نجد بعض الشعراء يمدحون بعض الناس مدحاً عظيماً بالغاً، لكن لو فتشت عن قلبه لوجد أنه خال من محبة هذا الشخص، ولكنه يمدحه إما لرجاء منفعة، أو لدفع مضرة.
أما حمدنا لله عز وجل فإنه حمد محبة وتعظيم وإجلال، إذ أن محبة الله تعالى فوق كل محبة، ومحبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوق محبة كل مخلوق، ولهذا يجب علينا أن يكون الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(16/83)


أحب إلينا مما سواهما، يجب علينا أن تكون محبة الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوق محبة أنفسنا، وأهلنا، ووالدينا، وأولادنا، أما الله تعالى فلما له من الكمال والإفضال، فنعمه علينا لا تحصى، قال الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ }. وقال عز وجل: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }. وأما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلأنه أعظم الناس حقاً علينا، به هدانا الله، وبه أرشدنا، وبه دلنا على كل خير، به بُين لنا كل شر، به استدللنا على صراط ربنا عز وجل الموصل إلى دار كرامته ورضوانه.
فلهذا من لم يكن قلبه مملوءاً من محبة الله تعالى، ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن لم يكن مقدماً لمحبة الله تعالى، ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على من سواهما، فليعلم أن في قلبه مرضاً، وليحرص على أن يعالج هذا المرض. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين».
إذاً الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم

(16/84)


والإجلال هذا هو الحمد، وإذا كررت هذا الوصف سمي ثناء، وعليه فالثناء تكرار وصف المحمود بالكمال، ويدل على هذا الفرق ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي».
تصور أن الله عز وجل يناجيك وأنت في صلاتك، يسمعك من فوق سبع سموات ويرد عليك، إذا قلت: الحمد لله رب العالمين. قال الله: حمدني عبدي، وإذا قلت: الرحمن الرحيم. قال: أثنى علي عبدي، وإذا قلت: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. والتمجيد: التعظيم. ونقرأ الفاتحة على أنها ركن لا تصح الصلاة إلا بها، لكننا لا نشعر بهذه المعاني العظيمة، لا نشعر أننا نناجي الله سبحانه وتعالى.
من يشعر بهذا يجد لذة عظيمة للصلاة، ويجد أن قلبه استنار بها، وأنه خرج منها بقلب غير القلب الذي دخل فيها به.
«الحمد لله نحمده» جملة نحمده: جملة فعلية، والحمد لله جملة اسمية، فجاءت الجملة الفعلية بعد الجملة الإسمية لتأكيد تكرار الحمد، كأننا مستمرون على حمد الله عز وجل.

(16/85)


و«نستعينه» يعني نطلب منه العون على كل شيء من شؤوننا، وكل أمر من أمورنا، وأول ما يدخل في ذلك ما نحن فيه من الصلاة تقول: «إياك نعبد وإياك نستعين» على كل شيء، ومنها أن نستعينك على أداء الصلاة على الوجه الذي يرضيك عنا، وعندما تبدأ بهذه الخطبة، بين يدي الحاجة فإنك تستعين الله تعالى على هذه الخطبة التي ستقولها، وتسأله العون على الحاجة التي افتتحها بهذه الخطبة.
وفي الحديث: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن». والاستخارة استعانة بالله عز وجل، استعن بالله في كل شيء، إذا أردت أن تقضي حاجتك فاستعن بالله في ذلك، لا تحقرن شيئاً حتى عند الوضوء، عند الخروج إلى المسجد، عند أي عمل، اجعل زادك الاستعانة بالله عز وجل.
و«نستغفره» نسأله المغفرة، والمغفرة هي ستر الذنب مع التجاوز عنه، هذه المغفرة أن يستر الله عن العباد ذنبك، وأن يعفو عنك هذا الذنب.
ومعلوم أن الإنسان له ذنوب بينه وبين الله، ذنوب خفية في القلب، وذنوب خفية في الجوارح، لكن لا يعلم بها الناس، أرأيتم لو أن الله كشفها إذن لكانت محنة عظيمة، ولكن من رحمة الله عز وجل أن سترها عن العباد، فأنت تسأل الله أن يغفر لك، أي أن يستر عليك الذنوب، وأن يتجاوز عنها، فانتبه لهذا المعنى.

(16/86)


أنت عندما تقول: أستغفر الله، تسأل الله شيئين:
الأول: ستر الذنب.
والثاني: التجاوز عنه، بحيث لا يعاقبك الله عليه.
ويدل لهذا ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم».
تنبيه: نجد في بعض كتب العلماء الذين يبدأونها بهذه الخطبة «نستغفره ونتوب إليه» ولكن بعد التحري لم نجد في الحديث «ونتوب إليه».
و«نعوذ بالله من شرور أنفسنا» «نعوذ» بمعنى: نعتصم بالله من شرور أنفسنا، وهل في النفس شر؟ الجواب: نعم، في النفس شر، قال الله تعالى: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى" إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّو"ءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. والنفوس ثلاث:
الأولى: نفس شريرة، وهي الأمارة بالسوء.
الثانية: نفس خيّرة، وهي المطمئنة تأمر بالخير.
الثالثة: نفس لوامة، وكلها مذكورة في القرآن.

(16/87)


فالنفس الشريرة التي تأمر بالسوء مذكورة في سورة يوسف {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى" إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّو"ءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. والنفس المطمئنة الخيرة التي تأمر بالخير مذكورة في سورة الفجر {ياأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِى إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِى فِى عِبَادِى * وَادْخُلِى جَنَّتِى}.
والنفس اللوامة مذكورة في سورة القيامة {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}.
فهل النفس اللوامة غير النفسين الخيرة والسيئة؟ أو هي وصف للنفسين؟
من العلماء من يقول: إنها نفس ثالثة.
ومنهم من يقول: بل هي وصف للنفسين السابقتين، فمثلاً: النفس الخيرة تلومك إذا عملت سوءاً، أو فرطت في واجب، والنفس الشريرة تلومك إذا فعلت خيراً أو تجنبت محرماً تلومك في ذلك؛ كيف تحجر على نفسك؟ لماذا لا تتحرر؟ لماذا لا تنفذ كل ما تريد؟
وأيًّا كان الأمر سواء كانت نفساً ثالثة، أو هي وصف للنفسين الأمارة بالسوء والمطمئنة، فإن للنفس الشريرة علامة تعرف بها وهي أن تأمرك بالشر، تأمرك بالكذب، تأمرك بالغيبة، تأمرك بالغش، تأمرك بالسرقة، تأمرك بالزنا، تأمرك بشرب الخمر ونحو ذلك، هذه هي النفس الشريرة التي تأمر بالسوء.

(16/88)


النفس الخيرة بالعكس تأمرك بالخير، بالصلاة، بالذكر، بقراءة القرآن، بالصدقة، بغير ذلك مما يقرب إلى الله.
ونحن كلنا نجد في نفوسنا مصارعة بين هاتين النفسين، والموفق من عصمه الله ووقاه شر نفسه، ولهذا نقول: نعوذ بالله من شرور أنفسنا، فأنفسنا فيها شر إذا لم يعصمك الله عز وجل من شر نفسك هلكت {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى" إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّو"ءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
«ومن سيئات أعمالنا» أيضاً الأعمال السيئة لها آثار سيئة، كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }. والسيئة تجلب السيئة، وتقود الإنسان إلى السيئة الأخرى، قال الله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن المعاصي بريد الكفر، يعني إذا هانت المعاصي في نفسك، هانت الصغيرة، ثم هانت الكبيرة، ثم هان الكفر في نفسك فكفرت والعياذ بالله.
ولهذا يجب على الإنسان أول ما يشعر بالمعصية أن يستغفر الله منها، وأن يلجأ إلى الله عز وجل بالإنابة والتوبة، حتى تمحى آثار هذه المعصية وحتى لا يختم على القلب، وحتى لا يصل

(16/89)


الإنسان إلى هذه الدرجة، التي أشار الله إليها في قوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.
نسأل الله تعالى أن يصلح لنا ولكم العلانية والسريرة، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
* * *

(16/90)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يسن للخطيب أن يكثر من خطبة الحاجة في افتتاح خطب الجمعة، أو ينوع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأصل أن خطبة الحاجة هي الأفضل، لكن لا حرج أن ينوع، حتى لا يظن الناس أن خطبة الحاجة أمر واجب، ولأنه ربما يمل الناس إذا أخذ يكرر هذه الخطبة في كل جمعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل ورد في خطبة الحاجة «ونستهديه» حيث إننا نسمع بعض الناس يقولها؟ وما صحة الحديث الذي جاء فيه «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به»؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذان سؤالان في سؤال واحد. أما الفقرة الأولى: قوله: «ونستهديه» فهي لم ترد في خطبة الحاجة، لكن بعض الناس يزيدها.
ويقول البعض أيضاً: «من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشداً» ويعدل عن قوله: «ومن يضلل فلا هادي له» وهذا خلاف الوارد في السنة. والأمر في هذا واسع إن شاءالله، لكن الوارد أفضل.
وأما حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما

(16/91)


جئت به» فهو حديث ضعيف، لكن بعض أهل العلم حسنه، وهو في الحقيقة من حيث المعنى صحيح، لأن هوى الإنسان إذا لم يكن تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإيمانه ناقص بلا شك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ذكرتم في تفسير «الحمد» الوارد في الخطبة أنه وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيماً وإجلالاً. فهل يمكن أن نقول بأن تعريف الحمد هو الثناء على الجميل بالجميل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بصحيح، فالثناء على الجميل بالجميل هو معنى الشكر، ثم إننا أيدنا ما ذكرناه بأن الحمد ليس هو الثناء، بل الثناء تكرار الحمد، أيدناه بالحديث الصحيح الذي ذكرناه أثناء كلامنا على هذا.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ذكرتم خطبة الحاجة، ونحن نسمع أن الذين يعقدون النكاح للناس يبدأون بها النكاح، فهل ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها تقرأ عند عقد النكاح؟ وما السر في هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن من أعظم الحوائج حاجة

(16/92)


النكاح، فإن حاجة الإنسان إلى النكاح قد تكون مثل حاجته إلى الطعام والشراب، ولهذا يجب على الإنسان إذا كان له أولاد يحتاجون للنكاح وهو غني أن يزوجهم، كما يجب أن ينفق بالطعام والشراب واللباس والمسكن، فإن لم يفعل وقدروا على أخذ شيء من ماله ولو خفية، ليتزوجوا به فلهم ذلك، كما أذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهند بنت عتبة، حين شكت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوجها الذي لا يعطيها ما يكفيها وولدها، قال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
فإذا كان النكاح من أعظم حوائج الإنسان، فإنه يسن أن تتقدم هذه الخطبة عند عقد النكاح، ولكن ليست شرطاً، فلو أن رجلاً أراد أن يزوج ابنته، وأتى بشاهدين، وقال للخاطب: زوجتك بنتي فلانة، قال: قبلت، بدون خطبة. لكان جائزاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زوج الرجل الذي طلب منه أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بدون أن تتقدم الخطبة.
وفي هذه القصة أن امرأة جاءت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت: يا رسول الله وهبت نفسي لك، فصعَّد فيها النظر وصوَّبه، ولكنه لم يردها، إلا أنه لحسن خلقه لم يقل لا أريدك وإنما سكت، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، وهذا من كمال الأدب في الصحابة، فإن

(16/93)


الرجل لم يقل: مباشرة زوجنيها ولكن قال: إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. قال: «ما تصدقها؟» لأن المرأة لا تحل إلا بصداق، لقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }. قال: «ما تصدقها؟» قال: يا رسول الله أصدقها إزاري، وليس عنده إلا إزار. ما عنده رداء، قال: «إن أعطيتها إياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بدون صداق، التمس ولو خاتماً من حديد»، فذهب الرجل فالتمس، فلم يجد شيئاً، فقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هل معك شيء من القرآن؟» قال: نعم معي سورة كذا وكذا، قال: «زوجتكها بما معك من القرآن» يعني فعلمها ما معك من القرآن فتزوجها الرجل.
إذاً فخطبة الحاجة المتقدمة تقرأ عند عقد النكاح على وجه الاستحباب، فلو لم تقرأ وقال أبو الزوجة: زوجتك ابنتي فقال الزوج: قبلت، صح العقد.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن المناسبات التي تقال فيها هذه الخطبة غير النكاح؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقال هذه الخطبة عند كل حاجة، تقال مثلاً في مجلس الصلح، إذا أردت أن تصلح بين اثنين أو بين زوجين، فاقرأ هذه الخطبة، وتقال أيضاً إذا أردت أن تتكلم في

(16/94)


الناس بأمر هام، فاجعل هذه الخطبة بين يدي كلامك، وكذلك تقال في خطب الجمعة والعيدين، لأنها مشروعة عند كل أمرٍ هام.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم اعتماد الخطيب على عصا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن احتاج إلى ذلك لضعفه فهو سنة؛ لأن القيام سنة، وما أعان على السنة فهو سنة، أما إذا لم يكن هناك حاجة إلى حمل العصا فلا حاجة إليه.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل من السنة أن يلتفت الخطيب يميناً وشمالاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس من السنة؛ لأنه إن اتجه يميناً أضر بأهل اليسار، وإن اتجه إلى اليسار أضر بأهل اليمين، والمستحب أن يقصد تلقاء وجهه، ومن التفت إليه من المستمعين فلا حرج لأنه يروى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفعلونه.

(16/95)


* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل من السنة أن يحرك الخطيب يديه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس من السنة أيضاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ذكر البخاري في كتاب يوم الجمعة حديثاً قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله؟ هل يدل ذلك على مشروعية التحول أو الالتفات إلى الإمام حتى ولو كان في طرف الصف؟
فأجاب فضيلته بقوله: معنى «نحن حوله» أننا نحرص أن نكون قريبين منه، وليس المعنى أنهم يتحوطون عليه، أو يستديرون عليه، وإنما فيه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كان يخطب وكانوا يحرصون أن يكونوا قريبين منه، وإلا فهو يخطب الناس وهم على صفوفهم، بل ورد حديث ينهى عن التحلق يوم الجمعة لما في ذلك من التضييق على المصلين في

(16/96)


المسجد، وفيه أيضاً ما توهمه السائل من أن المراد أنهم يتحوطون حوله ويتحلقون.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم الالتفات بالرأس للنظر إلى الخطيب في الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الالتفات بالرأس لا بأس، يعني أن ينظر الإنسان إلى الخطيب حال الخطبة هذا لا بأس به، بل هذا طيب، لأنه يشد انتباه الإنسان أكثر، وقد روي عن الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان إذا خطب استقبلوه بوجوههم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ: هناك خطيب يكثر في خطبته من قول: «قال حبيب الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حبيب إلى الله ولا شك، ولكن خيرٌ من أن نقول إنه حبيب الله، أن نقول: إنه خليل الله؛ لأن الخلة أعلى أنواع المحبة، فإذا وصفت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحبيب نزَّلت من مرتبة الخلة إلى المحبة، فالأولى أن نقول خليل الله، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً»، ويدلك على أن الخلة أعلى من المحبة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن

(16/97)


إخوة الإسلام ومودته».
مع أن أبا بكر رضي الله عنه حبيب إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أحب الرجال إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعائشة رضي الله عنها حبيبة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وزيد بن حارثة رضي الله عنه حبيب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأسامة بن زيد رضي الله عنه حبيب الرسول عليه الصلاة والسلام، وكل الصحابة رضي الله عنهم أحباء للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكن لم يتخذ واحداً منهم خليلاً؛ لأن الخلة أعلى أنواع المحبة، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد أن تكون خلته لله سبحانه وتعالى، ويدل لذلك أيضاَ أن محبة الله للمؤمنين عامة، فالله يحب المؤمنين، ويحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب الصابرين، ولكن لا نعلم أنه اتخذ خليلاً إلا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبهذا تبين أن الذين يصفون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمحبة ويدعون الخلة أن فيهم نوعاً من التقصير، وأن الأولى أن يصفوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخليل الله، عن حبيب الله.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يشرع رفع اليدين عند الدعاء ومسحهما بعد أداء السنن والرواتب قبل الصلاة وبعدها، وعند دعاء الإمام آخر الخطبة يوم الجمعة؟

(16/98)


فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس من المشروع أن الإنسان إذا أتم الصلاة رفع يديه ودعا، وإذا كان يريد الدعاء فإن الدعاء في الصلاة أفضل من كونه يدعو بعد أن ينصرف منها، ولهذا أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذلك في حديث ابن مسعود رضي الله عنه حين ذكر التشهد قال: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء».
وأما ما يفعله بعض العامة من كونهم كلما صلوا تطوعاً رفعوا أيديهم حتى إن بعضهم تكاد تقول: إنه لم يَدْعُ لأنك تراه تقام الصلاة وهو في التشهد من تطوعه فإذا سلم رفع يديه رفعاً كأنه والله أعلم رفع مجرد، ثم مسح وجهه، كل هذا محافظة على هذا الدعاء الذي يظنون أنه مشروع وهو ليس بمشروع.
فالمحافظة عليه إلى هذا الحد يعتبر من البدع.
وأما رفع الأيدي والإمام يخطب يوم الجمعة فإن ذلك ليس بمشروع أيضاً، وقد أنكر الصحابة رضي الله عنهم على بشر بن مروان حين رفع يديه في خطبة الجمعة.
ولكن يستثنى من ذلك الدعاء بالاستسقاء، فإنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه رفع يديه يدعو الله تعالى بالغيث وهو في خطبة الجمعة، ورفع الناس أيديهم معه، وما عدا

(16/99)


ذلك فإنه لا ينبغي رفع اليدين في حال الدعاء في خطبة يوم الجمعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم رد السلام، والتأمين على دعاء الخطيب، والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حال خطبة الإمام في يوم الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: السلام حال خطبة الجمعة حرام، فلا يجوز للإنسان إذا دخل والإمام يخطب الجمعة أن يسلم، ورده حرام أيضاً، ووجه كون رده حراماً أنه كلام.
وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت»، مع أنك ناه عن منكر، ومع ذلك يلغو، أي يحرم أجر الجمعة.
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند ذكره في الخطبة فلا بأس بذلك، لكن بشرط أن لا يجهر به، لئلا يشوش على غيره، أو يمنعه من الإنصات.
وكذلك التأمين على دعاء الخطيب لا بأس به بدون رفع صوت؛ لأن التأمين دعاء.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم رفع اليدين في دعاء خطبة الجمعة؟

(16/100)


فأجاب فضيلته بقوله: هذا غير مشروع، ولهذا أنكر الصحابة على بشر بن مروان حين رفع يديه في خطبة الجمعة.
ويشرع الرفع في حالين: الاستسقاء، وهو طلب نزول الماء، وكذلك طلب رفع المطر. ودليل ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه من حديث الرجل الذي دخل والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب فقال: «هلكت الأموال...» فرفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعا، وذكر أنس رضي الله عنه أن الرجل جاء في الجمعة التي بعدها وقال: يا رسول الله غرق المال، فرفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» إلى آخر الحديث.
فالخطيب لا يرفع يديه إلا في هذين الموضعين. والناس لا يرفعون أيديهم إلا إذا رفع الخطيب يده؛ لأن الصحابة رفعوا أيديهم حين رفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده. ففي حديث أنس رضي الله عنه المتقدم عند البخاري «فرفع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعون».
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم الدعاء للمسلمين في خطبة الجمعة، والدعاء للأئمة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدعاء بذلك جائز، وفيه حديث عن

(16/101)


النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «للمؤمنين والمؤمنات» لكن فيه مقال.
والدعاء للأئمة حسن؛ لأن صلاحهم من أسباب صلاح الأمة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم رفع اليدين في دعاء القنوت؟ وما حكم رفع اليدين حال دعاء الخطيب؟ وكذلك رفع السبابة عند الدعاء، وعند ذكر الله في الخطبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما رفع اليدين في دعاء القنوت فقد رواه البيهقي بإسناد حسن أو صحيح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأما رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة فقد أنكره الصحابة رضي الله عنهم على بشر بن مروان حين خطب فرفع يديه في دعاء الخطبة، إلا أنه قد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لما دخل الأعرابي والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يوم الجمعة قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه وقال: «اللهم أغثنا، أللهم أغثنا»، فتبين بهذا أن رفع اليدين في خطبة الجمعة جائز في الاستسقاء، والاستصحاء، وهو طلب

(16/102)


الصحو، والناس كانوا قد رفعوا أيديهم مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين دعا بالاستسقاء، وهذا دليل على أن المأمومين الذين يستمعون الخطبة يرفعون أيديهم في الدعاء بالاستسقاء فقط.
وأما إذا دعا الخطيب يوم الجمعة بغير ذلك فإنه لا يرفع يديه، ولا يشرع للمأمومين المستمعين إلى خطبته أن يرفعوا أيديهم أيضاً.،
وأما رفع السبابة عند الدعاء فهذا ورد في الجلوس للتشهد، وفي الجلوس بين السجدتين، وهو أن الإنسان يشير بإصبعه السبابة يحركها يدعو الله عز وجل بها.
وكذلك ورد في خطبة الجمعة عند ذكر الله عز وجل، أو عند دعائه في غير الاستسقاء الإشارة بالسبابة.
وأما ما يفعله بعض العامة إذا مر ذكر اسم الله تعالى في قراءة الإمام رفع اصبعه تعظيماً لله فهذا لا أعلم له أصلاً، والله أعلم.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الزيادة على الأدعية الثابتة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل: «رب أجرني من النار» فهل يجوز أن يزيد ووالدي وإخواني؟

(16/103)


فأجاب فضيلته بقوله: ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأدعية فالأولى المحافظة فيه على الصيغة الواردة بدون زيادة، ثم بعد ذلك تدعو لمن أحببت.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا حضر الإنسان لصلاة الجمعة فهل يجوز له أن يدعو الله أثناء خطبة الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدعاء أثناء خطبة الجمعة لا يجوز؛ لأنه يشغل عن استماع الخطبة، لكن لو ذكر الخطيب الجنة، أو النار وقلت: أسأل الله من فضله، أو أعوذ بالله من النار من غير أن يشغلك عن سماع الخطبة، أو تشوش على غيرك فلا بأس.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثناء الخطبة.
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ذكره عليه الصلاة والسلام في الخطبة إذا لم يشغلك عن سماعها فلا بأس به.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: في بعض الجوامع يقطع المنبر الصف الأول ما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: ينبغي للإمام إذا كان المسجد واسعاً

(16/104)


وكان المنبر يقطع الصف أن يتأخر حتى يكون الصف الذي خلفه متصلاً بعضه ببعض غير مفصول بالمنبر؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتقون الصف بين السواري أي بين الأعمدة لأنها تقطع الصف، فأما إذا لم يمكن بأن كان العدد كثيراً ولابد من تقدم الإمام فحينئذ يكون قطع الصف بالمنبر لحاجة ولا بأس به.
* * *

وسئل فضيلته - رحمه الله تعالى -: هل التأمين عند دعاء الإمام في آخر خطبة صلاة الجمعة من البدع؟ أفتونا جزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هذا من البدع، التأمين على دعاء الخطيب في الخطبة إذا أخذ يدعو للمسلمين فإنه يستحب التأمين على دعائه، لكن لا يكون بصوت جماعي وصوت مرتفع، وإنما كل واحد يؤمِّن بمفرده، وبصوت منخفض، حيث لا يكون هناك تشويش، أو أصوات مرتفعة، وإنما كل يؤمِّن على دعاء الخطيب سرّاً ومنفرداً عن الآخرين.
* * *

(16/105)


وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم رفع اليدين للمأموم حينما يدعو الإمام أثناء خطبة الجمعة؟ وما حكم التأمين بصوت جماعي؟
فأجاب فضيلته بقوله: رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة إنما يشرع في دعاء الاستسقاء فقط، لما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، فإذا دعا الإمام بالاستسقاء أي قال: اللهم اسقنا، اللهم أغثنا، فهنا ترفع الأيدي يرفعها الخطيب والمستمعون كلهم، وفي غير ذلك لا رفع لا للإمام ولا للمأمومين، ولهذا أنكر الصحابة رضي الله عنهم على بشر بن مروان حين رفع يديه بالدعاء في خطبة الجمعة، وإنما يشير الإمام إشارة فقط عند الدعاء إشارة إلى علو المدعو وهو الله تبارك وتعالى.
أما التأمين جهراً فإن ذلك ينافي كمال الاستماع إلى الخطبة، لكن إذا أراد أن يؤمن المأموم فليؤمن سرًّا ولا حرج عليه في ذلك.
* * *

(16/106)


رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.
فنأمل الإفادة عن رفع الأيدي في الدعاء وخاصة في الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد.
سبق منا جواب حول هذه المسألة إليكم صورة منه:
اعلم أن دعاء الله تعالى من عبادته؛ لأن الله تعالى أمر به وجعله من عبادته في قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى" أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }.
وإذا كان الدعاء من العبادة فالعبادة تتوقف مشروعيتها على ورود الشرع بها في: جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
ولا ريب أن الأصل في الدعاء مشروعية رفع اليدين فيه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل رفع اليدين فيه من أسباب الإجابة حيث قال فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً» الحديث، وفيه: ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام،

(16/107)


وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك»، وفي حديث سلمان رضي الله عنه الذي رواه أحمد وغيره أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً».
لكن ما ورد فيه عدم الرفع كان السنة فيه عدم الرفع، والرفع فيه بدعة، سواء ورد عدم الرفع فيه تصريحاً، أو استلزاما.
فمثال ما ورد فيه عدم الرفع تصريحاً: الدعاء حال خطبة الجمعة، ففي صحيح مسلم عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: «قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه السبابة».
ويستثنى من ذلك ما إذا دعا الخطيب باستسقاء فإنه يرفع يديه والمأمومون كذلك، لما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يخطب يوم الجمعة أن يستسقي قال: «فرفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه يدعو ورفع الناس أيديهم معه يدعون». وقد ترجم عليه البخاري: «باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء».

(16/108)


وعلى هذا يحمل حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي رواه البخاري أيضاً عنه قال: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه» فيكون المراد به دعاءه في الخطبة، ولا يرد على هذا رفع يديه في الخطبة للاستصحاء، لأن القصة واحدة، وقد أيد صاحب الفتح (ابن حجر رحمه الله) حمل حديث أنس رضي الله عنه على أن المراد بالنفي في حديث أنس نفي الصفة لا أصل الرفع كما في [ص (715) ج (2) الخطيب].
وأيًّا كان الأمر فإن حديث عمارة يدل على أنه لا ترفع الأيدي في خطبة الجمعة، وإنما هي إشارة بالسبابة، وحديث أنس رضي الله عنه يدل على رفعها في الاستسقاء والاستصحاء، فيؤخذ بحديث عمارة فيما عدا الاستسقاء، والاستصحاء ليكون الخطيب عاملاً بالسنة في الرفع والإشارة بدون رفع.
ومثال ما ورد فيه عدم الرفع استلزاماً: دعاء الاستفتاح في الصلاة، والدعاء بين السجدتين، والدعاء في التشهدين، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يضع يديه على فخذيه في الجلوس، ويضع يده اليمنى على اليسرى في القيام، ولازم ذلك أن لا يكون رافعاً لهما.

(16/109)


وأما الدعاء أدبار الصلوات ورفع اليدين فيه فإن كان على وجه جماعي بحيث يفعله الإمام ويؤمن عليه المأمومون فهذا بدعة بلا شك، وإن كان على وجه انفرادي فما ورد به النص فهو سنة، مثل الاستغفار ثلاثاً، فإن الاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء، ومثل قول: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» عند من يرى أن ذلك بعد السلام، ومثل قول: «رب أجرني من النار»، سبع مرات بعد المغرب والفجر إلى غير ذلك مما وردت به السنة.
أما ما لم يرد في السنة تعيينه بعد السلام فالأفضل أن يدعو به قبل السلام، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث ابن مسعود رضي الله عنه حين ذكر التشهد: «ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو»، رواه البخاري، ولأنه في الصلاة يناجي ربه فينبغي أن يكون دعاؤه قبل أن ينصرف. وإن دعا بعد السلام فلا حرج، لكن لا ينبغي أن يتخذ ذلك سنة راتبة فيلحقه بالوارد، لما سبق في أول الجواب من أن العبادات تتوقف على الوارد عن الشارع: في جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اتبعه في هديه.

(16/110)


* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نرى كثيراً من خطباء المساجد يداومون على إكمال خطبة الجمعة بعد الانتهاء مباشرة من الصلاة، والبعض ينشأ موضوعاً جديداً، بل وبعضهم له درس ثابت. وحجتهم في ذلك انتهاز فرصة تجمع الناس حيث يدخل المسجد أناس لا يدخلونه إلا يوم الجمعة فقط، فهل فعلهم هذا صحيح وموافق لهدي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أفتونا مأجورين جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلن ذلك في خطبته يوم الجمعة أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا شك أن أهدى الناس وأقومهم طريقاً هو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا شك أن أعلم الناس بما يصلح الناس هو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهل شرع خطبتين اثنتين قبل الصلاة وواحدة بعدها؟!
الجواب: كل يعلم بأنه لم يفعل هذا، وإذا كان كذلك فلسنا والله خيراً من محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هداية الخلق، لذلك أرى أن ذلك الفعل الذي ذكرت في السؤال وهو أن الخطيب يكمل موضوع الخطبة بعد الصلاة، أو يأتي بموضوع

(16/111)


جديد أرى أن هذا من البدع المنكرة.
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يستمع لكلمة تقال بعد صلاة الجمعة يعني نهى الناس أن يستمعوا إلا إذا كانت من السلطان، ومعلوم أن السلطان ليس يكتب للناس كل جمعة ولكن في الأمور التي تحدث يكتب وتقرأ بعد صلاة الجمعة، ونصيحتي لإخواني الخطباء أن يتبعوا هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه والله أبرك، وأنفع، وأجدى للخلق، وليس نحن مشرعين نشرع ما تهواه أنفسنا، ونرى أنه الحق ولكننا متبعون نتأسى بأهدى الخلق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فالنصحية.. النصيحة.. النصيحة لهؤلاء الخطباء بأن يدعوا الكلام بعد صلاة الجمعة، وإن كان لديهم موضوع مهم فليجعلوه في الخطبة التي قبل الصلاة.
وأما الجلوس للتدريس بعد صلاة الجمعة فلا أعلم به بأساً أن يقوم المدرس في زاوية من المسجد ويدرس، أو يكون له كرسي في وسط المسجد يجلس عليه ويدرس.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الخطبة بغير اللغة العربية؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح في هذه المسألة أنه يجوز لخطيب الجمعة أن يخطب باللسان الذي لا يفهم الحاضرون غيره، فإذا كان هؤلاء القوم مثلاً ليسوا بعرب ولا يعرفون اللغة العربية فإنه يخطب بلسانهم؛ لأن هذا هو وسيلة البيان لهم،

(16/112)


والمقصود من الخطبة هو بيان حدود الله سبحانه وتعالى للعباد، ووعظهم، وإرشادهم، إلا أن الآيات القرآنية يجب أن تكون باللغة العربية، ثم تفسر بلغة القوم، ويدل على أنه يخطب بلسان القوم ولغتهم قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فبين الله تعالى أن وسيلة البيان إنما تكون باللسان الذي يفهمه المخاطبون. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الحكمة من كون الجمعة ركعتان؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكمة والله أعلم في قصرها هو التيسير على المصلين، فإن منهم من يكون مبكراً ثم الخطبتان تستغرقان وقتاً على المصلين، فلو كانت الجمعة أربعاً لطال عليهم الوقت.
وهناك حكمة ثانية وهي: الفرقان بين الجمعة وبين الظهر.
وهناك حكمة ثالثة وهي: أن الجمعة عيد الأسبوع فمن الحكمة أن تكون صلاتها قريبة من صلاة العيد.
وهناك حكمة رابعة ذكرها بعض العلماء وهي أن الخطبتين بدل عن ركعتين، ولا يجمع بين البدل والمبدل والله أعلم.

(16/113)


* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الحكمة من الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكمة في الجهر بقراءتها أولاً: من الحكم والله أعلم تحقيق الوحدة والاجتماع على إمام واحد، فإن اجتماع الناس على إمام واحد منصتين له أبلغ في الاتحاد من كون كل واحد منهم يقرأ سرًّا بينه وبين نفسه، ولتتميم هذه الحكمة وجب اجتماع الناس كلهم في مكان واحد إلا لضرورة.
والحكمة الثانية: أن تكون قراءة الإمام في الصلاة جهراً بمنزلة تكميل للخطبتين، ومن ثم كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في الجمعة بما يناسب إما بالجمعة والمنافقين، لما في الأولى من ذكر الجمعة والحث عليها، وفي الثانية ذكر النفاق وذم أهله، وإما بسبح والغاشية، لما في الأولى من ذكر إبداء الخلق وصفة المخلوقات وذكر ابتداء الشرائع، وأما في الثانية ذكر القيامة والجزاء.
والحكمة الثالثة: الفرق بين الظهر والجمعة.
والحكمة الرابعة: لتشبه صلاة العيد، لأن الجمعة عيد الأسبوع.
* * *

وسئلة فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا خطب شخص وصلى بالناس آخر فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل صحيح وجائز.
* * *

(16/114)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم القنوت في صلاة الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول العلماء إنه لا يُقنت في صلاة الجمعة؛ لأن الخطبة فيها دعاء للمؤمنين، ويُدعى لمن يُقنت لهم في أثناء الخطبة. هكذا قال أهل العلم، والله أعلم. فالأحسن أن يدعو لمن أراد القنوت لهم في أثناء الخطبة.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل صلاة الجمعة لا تصح إلا بقراءة سورة (الأعلى) وسورة (الغاشية)؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة الجمعة السنة فيها أن يقرأ في الركعة الأولى ب (سبح)، وفي الركعة الثانية ب (الغاشية)، أو يقرأ بعد الفاتحة بسورة الجمعة {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَْرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية يقرأ بسورة (المنافقون)، وإن قرأ غيرهما فلا حرج، وليس في القرآن سورة تجب قراءتها إلا سورة الفاتحة، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، والله الموفق.

(16/115)


بسم الله الرحمن الرحيم
9/9/1396ه

رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم وجماعة مسجد وفقهم الله وبعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فبناء على ما أوجب الله على المؤمنين من التناصح وطلب ما يوجب اجتماع كلمتهم، وجمع قلوبهم وأبدانهم على ذكر الله ودعائه، اللذين أهمهما جمع ذلك على أحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان به وهي الصلاة، بناء على ذلك رأيت من الواجب أن أكتب إليكم بهذه الكتابة راجياً أن تكون خالصة لله، وأن يكون رائد الجميع الحق والإصلاح إنه قريب مجيب.
لقد سمعت اليوم بعد صلاة الجمعة خبراً أساءني جداً وهو أن بعض جماعتكم قد سعى بطلب إقامة الجمعة في مسجدكم، وأنتم تعلمون بارك الله فيكم ما للشارع من مقصد حكيم في اجتماع الناس يوم الجمعة، حتى قصرت الصلاة إلى ركعتين لئلا تطول على الجمع الكثير مع الخطبتين الصادرتين عن خطيب واحد، ليكون توجيه الناس واحد، ولله الحكمة البالغة في شرعه وقدره.
وتعلمون أن أهل العلم نصوا على تحريم تعدد الجمعة في البلد بدون حاجة من بُعد، أو ضيق، أو خوف فتنة، وكل هذه

(16/117)


منتفية في مسجد الجامع، فليس بعيداً على جماعتكم، ولا ضيقاً بهم، ولا فتنة بين أهل البلد فكلهم أخوة في الإيمان، واجب عليهم المودة بينهم، والتآلف والاجتماع، وأن يبتعدوا عن وساوس الشيطان ونزغاته من الجنة والناس.
وتعلمون بارك الله فيكم أن أهل العلم نصوا على أن الرجل إذا كان داخل البلد وجب عليه السعي إلى الجمعة وإن كان بينه وبين موضع إقامتها فراسخ، ومعنى ذلك أنهم لم يعذروا بهذا البعد، فكيف بمن لم يكن بينه وبين موضع إقامتها إلا ربع ميل أو أقل؟!
وتعلمون بارك الله فيكم أن أهل العلم نصوا على أن الرجل يجب عليه حضور الجمعة وإن لم يقدر إلا راكباً، أو محمولاً؛ لأنها لا تتكرر، بخلاف الجماعة إلا أن يكون عليه ضرر.
وتؤمنون بارك الله فيكم بأن خير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه الخلفاء الراشدين، ومعلوم أن هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهدي خلفائه الراشدين أنهم لا يصلون الجمعة إلا في مسجد واحد، مع أن لهم مساجد في كل حي يصلون فيها الصلوات الخمس، حتى كانوا يأتون إلى الجمعة من أقصى المدينة من العوالي وغيرها.
قال ابن المنذر: لم يختلف الناس أن الجمعة لم تكن تصلى في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي عهد الخلفاء الراشدين إلا في مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: وفي تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة واجتماعهم في مسجد واحد أبين البيان بأن الجمعة خلاف سائر

(16/118)


الصلوات، وأنها لا تصلى إلا في مكان واحد.
وسئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى: هل جمع جمعتان في مصر؟ قال: لا أعلم أحداً فعله.
وذكر الخطيب في تأريخ بغداد أن أول جمعة أحدثت في بلد في الإسلام مع قيام الجمعة القديمة كانت في أيام المعتضد سنة 208 ه .
فإذا كان هذا هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفائه الراشدين، وسلف الأمة فإن الواجب على المؤمن أن يسعه ما وسعهم، وأن لا يسعى فيما فيه تفريق المؤمنين، والإضرار بجمعهم واجتماعهم؛ لأنه مسؤول عن ذلك أمام الله عز وجل.
وليس من المبرر أن يكون نفر قليل من الجماعة كبار السن، أو قليلي الصحة، فقد علمتم أن العلماء قالوا: بحمل هؤلاء، أو يركبون، فإن تضرروا سقطت عنهم وكانوا ممن عذرهم الله، على أن كثيراً من هؤلاء يذهبون إلى السوق القريب من الجامع كل يوم صباحاً ومساء، أو أحد الوقتين، فما بالهم لا يشق عليهم ذلك، ويشق عليهم إذا جاؤا إلى الجامع في الأسبوع مرة واحدة؟!
وتعلمون بارك الله فيكم ما في فضل بعد المسجد من كثرة الخطا، التي في كل واحدة منها رفع درجة، وحط خطيئة، إذا خرج من بيته متطهراً لا يريد إلا الصلاة، وأن أعظم الناس

(16/119)


أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى.
وتعلمون بارك الله فيكم ما في كثرة الجمع من محبة الله لها، وعظم أجرها عند الله، وفي الحديث الصحيح: وما كان أكثر فهو أحب إلى الله. وما ذكر العلماء رحمهم الله من فضيلة المسجد العتيق لتقدم الطاعة فيه.
وتعلمون بارك الله فيكم ما يحصل بكثرة المسلمين واجتماعهم على العبادة والتأمين خلف الإمام، والذكر خلف الصلوات، وضجيجهم بالدعاء مما يكون أقرب إلى الإجابة، وأعظم في الهيبة والوقار، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح الجمة الكثيرة التي ضاق بنا الوقت عن تعدادها، وكلها تفوت بتفريق المؤمنين وتعداد جمعهم.
فنصيحتي لكم ولجماعتكم العدول عن هذه الفكرة والتمشي على ما كان أسلافكم، واحتساب الأجر من الله بكثرة الخطا إلى المساجد، واجتماع المسلمين، وما هي إلا نحو خمس وخمسين مرة في السنة الكاملة، ثم الإنسان لا يعلم مقامه في الدنيا فقد لا يدرك هذه المدة، ثم يذهب يسعى لما قد يجر الوبال عليه.
أسأل الله لي ولكم التوفيق لما يحب ويرضى، وأن يجمع

(16/120)


قلوبنا على المحبة والقيام بحقه، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

(16/121)


رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
فمن مدينة (....) في مقاطعة (....) في (.....) نحييكم وننقل إليكم تحيات إخوانكم أبناء الجالية المسلمة الكبيرة والموحدة بفضل الله تعالى في إطار الوقف الإسلامي الذي منّ الله تعالى به علينا أخيراً، وتم شراؤه بتظافر الجهود، إن الوقف عندنا ينظم العمل الإسلامي بأنشطته الدعوية، والثقافية والاجتماعية، والتي تنطلق كلها من مسجد الوقف ولجانه المختلفة، ولقد درجنا ومنذ أكثر من ست سنوات ولازلنا على رفع أذان واحد يوم الجمعة، وذلك اقتداء بالسنة النبوية الشريفة، واستضفنا خلال هذه المدة علماء عديدين، ومن مناطق مختلفة، وألقوا محاضرات، ودروساً، وأقاموا فينا صلوات الجمعة التي يرفع فيها أذان واحد، وفي الا"ونة الأخير بدأ بعض الأخوة المصلين عندنا يطلبون برفع أذانين يوم الجمعة بدل الأذان الواحد، على اعتبار أن ذلك أيضاً سنة عمل بها الصحابة منذ زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكما هو الحال في الحرم المكي، والمدني، والمسجد الأقصى والأزهر، بل في كافة البلاد الإسلامية باستثناء عدد محدود من المساجد التي تقيم أذاناً واحداً في بعض البلاد، إن إدارة الوقف وحرصاً منها على عدم توسع

(16/123)


الخلاف في هذا الأمر قررت التوجه إلى أهل العلم لبيان رأيهم في الموضوع، ولذلك نتوجه إلى فضيلتكم بالسؤال التالي:
هل الأفضل والأقرب إلى السنة أذان واحد للجمعة أم أذانين؟ وماذا ترون بناء على المعطيات السابقة؟ نرجو ترجيح رأي من الرأيين؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الأفضل أن يكون للجمعة أذانان اقتداء بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ لأنه أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم باتباع سنتهم؛ ولأن لهذا أصلاً من السنة النبوية حيث شرع في رمضان أذانين أحدهما من بلال، والثاني من ابن أم مكتوم رضي الله عنهما، وقال: «إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم، فكلواواشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر». ولأن الصحابة رضي الله عنهم لم ينكروا على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فيما نعلم، وأنتم محتاجون للأذان الأول لتتأهبوا للحضور.
فاستمروا على ما أنتم عليه من الأذانين، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وتكونوا فريسة للقيل والقال بين أمم تتربص بكم الدوائر والاختلاف.

(16/124)


أسأل الله تعالى أن يجمع قلوبكم، وكلمتكم على الهدى، ويعيذكم من ضلالات التفرق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 15/6/ 1418ه .

(16/125)


رسالة
فضيلة الشيخ العلامة: محمد بن صالح العثيمين سلمه الله.
نتقدم لفضيلتكم بهذا السؤال:
اختلفت طائفتان من المسلمين في المركز الإسلامي والثقافي ب (....) حول حكم النداء الأول لصلاة الجمعة والحكمة منه، وثار جدال حاد بينهما، يخشى أن يصل إلى درجة الفتنة والفرقة، فطائفة تقول: إن الأذان الأول مشروع، وقد سنه عثمان رضي الله عنه حتى يجتمع الناس لصلاة الجمعة، وقد استمر عليه العمل في كثير من بلاد المسلمين إلى يومنا هذا، فنحن نعمل بهذه السنة المأثورة عن ذلك الخليفة الراشد، والعمل بها عمل بسنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما هو معلوم .
وطائفة أخرى تقول: إن الحكمة من العمل بهذا النداء غير قائمة الآن في مسجد المركز، فالأذان الأول في مسجد المركز غير مسموع خارجه، وصوت المؤذن لا يتجاوز أسوار المسجد، فالحكمة منه منتفية، ومن ثم يكون العمل به بدعة، فيكتفى بالأذان عند دخول الإمام وسلامه على المأمومين، ولا داعي للأذان الأول لانتفاء موجبه، واختفاء علته، فما الحكم الشرعي في هذه المسألة في ضوء هذا الاختلاف حتى يعمل به ويصار إليه؟

(16/127)


فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: لا يخفى علينا جميعاً أن الله تعالى قال في كتابه العظيم: {إِنَّ هَاذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ فَاعْبُدُونِ }. وفي الآية الثانية: {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ }. ولا يخفى علينا جميعاً أن من مقاصد الشريعة الإسلامية الاجتماع وعدم التفرق، والائتلاف وعدم الاختلاف، وهذا أمر لا يحتاج إلى أدلة لوضوحه، ومن المعلوم أن المجتهد من هذه الأمة لا يخلو من أجر، أو أجرين، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، ولا يخفى أن مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها إذا كان الاجتهاد فيها سائغاً، ومثل هذه المسألة التي ذكرها السائل من مسائل الاجتهاد، إذ تعارض فيها أصلان:
أحدهما: الاقتداء بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، لأنه من الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم فيما نعلم.
والأصل الثاني: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه إنما فعل ذلك لعلة غير موجودة في مصلى المركز الذي أشار إليه السائل.
فقد تنازعها أصلان، وحينئذ نقول: إن القول قول أمير

(16/128)


هؤلاء الإخوة، لقوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }. فما قاله الأمير في هذه المسألة يجب أن يتبع، ولا يجوز الاختلاف في هذا، فإذا قال الأمير: يؤذن فليؤذن، وإذا قال لا يؤذن فلا يؤذن، والأمر والحمد لله واسع لأن هذا الأذان لم يقل أحد من الناس إنه واجب، لكن الفرقة بين المسلمين لا يقول أحد إنها غير حرام، فإذا كان يتعارض ترك سنة أو وقوع في محرم فلا شك أن ترك السنة أهون من الوقوع في المحرم.
هذا ما أراه في هذه المسألة، ثم إني أنصح إخواني في (....) وغيرها من التفرق من أجل هذا النزاع، وأشكرهم إذ وكلوا الأمر إلى عالم يتحاكمون إليه، ليأخذوا برأيه، فإن هذا من علامات التوفيق، كما قال الله تعالى: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }، فجزاهم الله خيراً على هذا التحكيم، وأسأل الله تعالى أن يوفقهم للعمل به. 02/5/8141ه .
* * *

(16/129)


رسالة
فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد
نتقدم لفضيلتكم بهذا السؤال: من العادات المعروفة التي يعمل بها معظم المسلمين في (....) وفي المركز الإسلامي (....) يوم الجمعة أنه بعد النداء الأول يتولى أحد المقرئين تلاوة القرآن الكريم من خلال مكبر الصوت حتى قرب صعود الإمام على المنبر لأداء الخطبة، وقد وقع خلاف مؤخراً حول هذا العمل، فطائفة العوام يقولون: إن هذا العمل قد ألفناه، ونحن نستفيد منه، ونتعلم تلاوة القرآن، ونخشع له من خلال ما نسمع في هذا الوقت الذي قد لا يتسنى لنا مثله في غيره، فبقاؤه واستمراره ظاهر الفائدة لنا.
وطائفة المتعلمين يقولون: إن هذا أمر محدث ولا أصل له، بل يشغل المصلين عن الذكر والاستغفار، وتلاوة القرآن، وصلاة التطوع، فلابد من العدول عنه لكونه مبتدعاً، فما الحكم الشرعي في هذه المسألة حتى يعمل به ويسار في ضوئه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أن هذا بدعة كما قاله ذووا

(16/131)


العلم من إخواننا في (....)، لأن ذلك لم يعهد في عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفائه الراشدين والصحابة، بل إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج ذات يوم على أصحابه وهم يقرأون ويجهرون بالقراءة، ويصلون، فقال: «لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن» أو قال: «في القراءة» وعليه فالواجب العدول عنه، والعامة لا يؤخذ بقولهم إثباتاً ولا نفياً، المرجع للعامة وغير العامة إلى كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }. ولكن ينبغي أن يبين للعوام أن هذا شيء لم يكن في عهد السلف الصالح، وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ثم يقال لهؤلاء العوام: بقاء الأمر متروكاً للناس هذا يقرأ، وهذا يصلي، وهذا يحدث أخاه بما ينفعه، وهذا يذكر، خير من كونهم ينصتون إلى قراءة قارىء يكون بعضهم نائماً، وبعضهم يفكر في أمور أخرى، حتى يقتنعوا بذلك، ولست أقول هذا بمعنى أننا لا نترك هذا الفعل إلا إذا اقتنع العامة، لكن أريد أن يطمئن العامة لترك هذا الشيء، وإلا فتركه أمر لابد منه. 20 /5/1418ه .
* * *

(16/132)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن النافلة بعد الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً». وورد أنها ست لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي بعد الجمعة ستًّا، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإنسان إن صلى في المسجد صلى أربعاً، وإن صلى في البيت صلى ركعتين.
والأولى أن يصلي أربعاً سواء كان في البيت، أم في المسجد لعموم أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بها.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ: - رحمه الله تعالى -: هل للجمعة سنة قبلية وبعدية؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة الجمعة ليس لها سنة قبلها، ولكن المشروع لمن جاء إلى المسجد أن يصلي إلى حضور الإمام، وقد ثبت في السنة الحث على التبكير إلى صلاة الجمعة وأن من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما

(16/133)


قرب كبشاً أقرن، ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة.
وهؤلاء الذين يأتون إلى الجمعة ينبغي لهم أن يشتغلوا بالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وغير ذلك مما يقرب إلى الله عز وجل.
وأما السنة بعدها فإنه ثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي في بيته ركعتين بعد صلاة الجمعة، فهذه هي السنة بعدها أن يصلي ركعتين في بيته، وإن صلى أربعاً في مكانه في المسجد فهو خير أيضاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ: عن غسل الجمعة والتجمل لها هل هو عام للرجال والنساء؟ وما حكم الاغتسال قبلها بيوم أو يومين؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الأحكام خاصة بالرجل لكونه هو الذي يحضر الجمعة، وهو الذي يطلب منه التجمل عند الخروج، أما النساء فلا يشرع في حقهن ذلك، ولكن كل إنسان ينبغي له إذا وجد في بدنه وسخاً ينبغي له أن ينظفه، فإن ذلك من الأمور المحمودة التي ينبغي للإنسان أن لا يدعها.
وأما الاغتسال للجمعة قبلها بيوم أو يومين فلا ينفع؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك تخصه بيوم الجمعة، وهو ما بين طلوع

(16/134)


الفجر أو طلوع الشمس إلى صلاة الجمعة، هذا هو محل الاغتسال الذي ينبغي أن يكون، وأما قبلها بيوم أو يومين فلا ينفع، ولا يجزىء عن غسل الجمعة.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل آثم إذا تركت غسل الجمعة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قلنا بوجوب غسل الجمعة فإن من تركه يأثم، وإذا قلنا بأنه سنة وليس بواجب فإن تاركه لا يأثم، والصحيح أن غسل الجمعة واجب على كل بالغ يحضر الجمعة، لما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي رواه البخاري وغيره، بل أخرجه جميع الأئمة المخرج لهم وهم السبعة قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» وهذه العبارة لو وجدناها في كتاب فقه عبر به العلماء لكنا لا نشك بأن هذه العبارة تدل على الوجوب الذي هو اللزوم والإثم بالترك، فكيف إذا كان الناطق بها أفصح الخلق، وأعلم الخلق بما يقول، وأنصح الخلق فيما يرشد عليه الصلاة والسلام فكيف يقول لأمته «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» ثم نقول: معنى واجب أي متأكد؟!
إذاً فغسل الجمعة واجب على كل بالغ محتلم.

(16/135)


* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ذكرتم أن «غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، وجاء في الحديث: «من توضأ فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، ألا يصرف هذا الحديث الأول من الوجوب إلى الاستحباب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحديث الثاني حديث مرسل، وفي صحته إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر، ثم إن أسلوبه ليس عليه طلاوة الكلام النبوي، فهذا الحديث ضعيف، ولا يمكن أن يقاوم حديث أبي سعيد رضي الله عنه الذي أخرجه السبعة بلفظ صريح واضح «غسل الجمعة واجب على كل محتلم».
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجزىء الغسل للجمعة في ليلة الجمعة أي قبل طلوع فجر يوم الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجزىء؛ لأن الغسل للجمعة لا يجزىء إلا إذا كان بعد طلوع الشمس، أي ما بين طلوع الشمس وطلوع الفجر. وأما إذا اغتسل بعد طلوع الفجر وقبل طلوع

(16/136)


الشمس فأنا أتردد فيه، وذلك لأن النهار شرعاً ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. وفلكاً: ما بين طلوع الشمس وغروبها، فيحمل اليوم على اليوم الشرعي وليس اليوم الفلكي، لكن يعكر على ذلك أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وقت لصلاة الفجر لا يُندب للإنسان فيه أن يتقدم لصلاة الجمعة بل هو وقت صلاة الفجر.
فمن اغتسل بعد طلوع الشمس فقد أصاب السنة وامتثل الأمر ولا إشكال، وأما ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فهو محل نظر فعلى هذا فالاحتياط أن لا يغتسل إلا بعد طلوع الشمس.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الجمع بين غسل الجمعة وغسل الجنابة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بذلك فإذا كان الإنسان جنباً واغتسل ونوى بذلك رفع الجنابة والاغتسال للجمعة فلا حرج في هذا، كما لو أن الإنسان دخل المسجد وصلى ركعتين ينوي بهما الراتبة وتحية المسجد فلا بأس.
وهذه المسألة لا تخلو من أقسام ثلاثة:
القسم الأول: أن ينوي الجنابة فقط.
القسم الثاني: أن ينوي غسل الجنابة والجمعة.
القسم الثالث: أن ينوي غسل الجمعة فقط.
بقي قسم رابع وهو لا يمكن أن يرد وهو أن لا ينويهما وهذا غير وارد.

(16/137)


فإذا نوى غسل الجنابة أجزأ عن غسل الجمعة إذا كان بعد طلوع الشمس، وإذا نواهما جميعاً أجزأ ونال الأجر لهما جميعاً، وإذا نوى غسل الجمعة لم يكفه عن غسل الجنابة؛ لأن غسل الجمعة واجب عن غير حدث، وغسل الجنابة واجب عن حدث فلابد من نية ترفع هذا الحدث.
وبعض العلماء قال: يغتسل مرتين، ولكن هذا لا وجه له لأن السنة جاءت «من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام ولم يلغو».
فقوله: «غسل واغتسل» بعض العلماء يقول: غسل الأذى ونظف بدنه، واغتسل غسل الجنابة المعروف. وبعضهم يقول: «من غسل» أي من جامع زوجته؛ لأن جماعه إياها يستلزم أن تغتسل، وهذا يدل على أن الغسل الواحد يكفي.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن السنن التي ينبغي فعلها لمن خرج لصلاة الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يسن له أن يتنظف ويتطيب لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس طيباً من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا

(16/138)


تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى».
ويسن له أيضاً: أن يلبس أحسن ثيابه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعد أحسن ثيابه للوفد والجمعة.
ويسن أيضاً: أن يبكر للجمعة لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» الحديث.
ويسن أيضاً: أن يخرج ماشياً لقوله عليه الصلاة والسلام: «ومشى ولم يركب» ولأن بالمشي يرفع له بكل خطوة درجة، ويحط عنه بها خطيئة.
ويسن: أن يدنو من الإمام لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى».
ويسن: أن يغتسل كما يغتسل من الجنابة.
وقيل: يجب الغسل، وهو الصحيح، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم».

(16/139)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: متى تبدأ الساعة الأولى من يوم الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الساعات التي ذكرها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس: فقال: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة». فقسم الزمن من طلوع الشمس إلى مجيء الإمام خمسة أقسام، فقد يكون كل قسم بمقدار الساعة المعروفة، وقد تكون الساعة أقل أو أكثر؛ لأن الوقت يتغير، فالساعات خمس ما بين طلوع الشمس ومجيء الإمام للصلاة.
وتبتدي من طلوع الشمس، وقيل: من طلوع الفجر، والأول أرجح؛ لأن ما قبل طلوع الشمس وقت لصلاة الفجر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل غسل الجمعة يجزىء عن الوضوء إذا نوى به رفع الحدث أم لا؟ وإذا كان لا يجزىء فما الحكم فيمن صلى بالغسل فقط هل عليه شيء؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب فضيلته بقوله: غسل الجمعة واجب، ولكن وجوبه ليس عن حدث، ولهذا لا يجزىء عن الحدث لا الجنابة ولا

(16/140)


الوضوء، يعني لو أن شخصاً صار عليه جنابة ونسيها ثم اغتسل للجمعة فقط بدون نية غسل الجنابة، فإن الجنابة لا ترتفع؛ لأن غسل الجمعة ليس عن حدث، وكذلك لا يرتفع الحدث الأصغر بغسل الجمعة، لأن غسل الجمعة ليس عن حدث، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما الأعمال بالنيات»، ولكننا نقول ينبغي لمن يغتسل للجمعة أن يأتي بالغسل على الوجه الأكمل، وإذا أتى على الوجه الأكمل ناوياً رفع الحدث ارتفع، ويكون على الوجه الأكمل إذا سبقه وضوء؛ لأن الغسل ينبغي أن يسبقه وضوء.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: متى يبدأ غسل الجمعة؟ هل هو من بعد صلاة الفجر أو قبل هذا الوقت؟
فأجاب فضيلته بقوله: غسل صلاة الجمعة يبتدىء من يوم الجمعة، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، واليوم يدخل من طلوع الفجر، يعني لو اغتسل الإنسان بعد طلوع الفجر للجمعة فإن ذلك جائز، لكن العلماء رحمهم الله قالوا: إن غسل الجمعة عند المضي إليها أفضل، فإذا كنت تريد أن تذهب إلى الجمعة مثلاً في الساعة العاشرة،

(16/141)


فالأفضل أن تؤخر الغسل إلى الساعة العاشرة، ثم تغتسل وتخرج إلى المسجد.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: متى يبدأ وقت غسل الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: غسل الجمعة يبدأ من طلوع الفجر، لكن الأفضل أن لا يغتسل إلا بعد طلوع الشمس؛ لأن النهار المتيقن من طلوع الشمس، لأن ما قبل طلوع الشمس من وقت صلاة الفجر، فوقت صلاة الفجر لم ينقطع بعد، فالأفضل أن لا يغتسل إلا إذا طلعت الشمس، ثم الأفضل أن لا يغتسل إلا عند الذهاب إلى الجمعة فيكون ذهابه إلى الجمعة بعد الطهارة مباشرة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة سنة؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة سنة ورد فيها فضل بأنه يضيء له من النور ما بينه وبين الجمعتين، وفي رواية: سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين.

(16/142)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؟ وهل هناك فرق بين من يقرأ من المصحف أو عن ظهر قلب؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة سورة الكهف يوم الجمعة عمل مندوب إليه، وفيه فضل، ولا فرق في ذلك بين أن يقرأها الإنسان من المصحف أو عن ظهر قلب.
واليوم الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وعلى هذا فإذا قرأها الإنسان بعد صلاة الجمعة أدرك الأجر، بخلاف الغسل ليوم الجمعة، فإن الغسل يكون قبل الصلاة؛ لأنه اغتسال لها فيكون مقدماً عليها، ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل».

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل هناك سور وآيات يجب أن يركز عليها وتقرأ دائماً، أفيدونا أفادكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، وأن من قرأ قل هو الله أحد فإنها تعدل ثلث

(16/143)


القرآن، وأن من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، وأن قراءة سورة الكهف مفضلة يوم الجمعة. وأنه ينبغي قراءة المعوذات عند النوم، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يدع قراءة بقية القرآن.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا حضر الإنسان سواء كان ذكر أو أنثى المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب وجلس حتى إذا ما انتهى الإمام من خطبته الأولى قام وصلى ركعتين خفيفتين فهل هذه الصلاة جائزة في هذا الوقت أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: عمله هذا ليس بصحيح ولا بصواب؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» وهذا الرجل جلس فقد أخطأ وعصى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الأمر، ولكن إذا دخل المسجد والإمام يخطب فليبادر قبل أن يجلس وليصل ركعتين خفيفتين لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخطب

(16/144)


الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أصليتَ»؟ قال: لا، قال: «قم فصلِّ ركعتين وتجوز فيهما» فهذا هو المشروع أن الإنسان إذا دخل والإمام يخطب لا يجلس حتى يصلي ركعتين خفيفتين ثم ينصت للخطبة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل تكون قراءة القرآن في المسجد وكذلك التسبيح والتهليل والتكبير سرًّا أو جهراً إذا أمن الأذى، وما حكم الاجتماع يوم الجمعة قبل الخطبة على مقرىء واحد والاستماع له وترك القراءة الفردية كما يفعل في بعض البلدان؟ وهل له أصل في الشرع؟ وهل هناك ما يمنع من وضع المصحف في المخباة أثناء الذهاب إلى المسجد أو في الصلاة؟ وهل هذا ينافي احترامه؟
فأجاب فضيلته بقوله: ينبغي أن ينظر في ذلك إلى المصلحة فإذا كان الجهر بذلك أنشط له، وأحضر لقلبه، وأنفع لغيره ممن يحب الاستماع فالأفضل الجهر إذا لم يشوش على غيره من المصلين، والقارئين، والذاكرين، وإذا كان الإسرار بذلك أخشع له، وأبعد عن الرياء فالأفضل الإسرار.
وأما الاجتماع على قاريء واحد فينظر فيه أيضاً إلى المصلحة فإذا كان في نطاق ضيق بحيث يختار جماعة من الناس

(16/145)


أن يسمعوا قارئاً يجلسون حوله، ولا يؤذون أحداً، ولا تشوش قراءته على أحد، ورأوا أن استماعهم لقراءته أخشع لقلوبهم، وأفهم للمعاني فلا بأس بذلك، وقد طلب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه فقال: يا رسول الله أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: «نعم إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأ عليه سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤلاء شَهِيداً } قال: «أمسك» فرأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عيناه تذرفان.
أما إذا كانت القراءة عامة كما يفعل في بعض البلدان فليس بجائز؛ لأنه يشوش على المصلين، والقارئين، والذاكرين، وليس كل الناس يرغبون ذلك، وهو أيضاً بدعة لم يكن معروفاً عند السلف وفيه مدعاة لإعجاب القاريء بنفسه، والكسل والخمول عن الطاعة، حيث أن المستمعين يركنون إلى الاستماع ويتركون القراءة بأنفسهم، ولأن الناس لا يستطيعون التعبد مع هذا الصوت القوي، وليس لهم شوق إلى استماعه، فيبقون لا متعبدين ولا مستمعين، ويحصل لهم الكسل والنعاس.
وليس في وضع المصحف في المخباة امتهان له إذا لم يدخل به الأماكن التي يجب تنزيهه عنها.

(16/146)


* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم تخطي الرقاب يوم الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: تخطي الرقاب حرام حال الخطبة وغيرها، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: «اجلس فقد آذيت» ويتأكد ذلك إذا كان في أثناء الخطبة؛ لأن فيه أذية للناس، وإشغالاً لهم عن استماع الخطبة، حتى وإن كان التخطي إلى فرجة؛ لأن العلة وهي الأذية موجودة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الواجب نحو من يتخطى الصفوف يوم الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب إجلاس المارين بين الصفوف أثناء خطبة الجمعة بدون كلام، ولكن يجر ثوبه أو يشير، والأولى أن يتولى ذلك الخطيب نفسه كما كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل، حيث رأى رجلاً يتخطى رقاب الناس وهو يخطب يوم الجمعة فقال: «اجلس فقد آذيت».

(16/147)


* * *

سئل فضيلة الشيخ: إذا مر السائل أمام الصفوف يوم الجمعة قبل الخطبة أو في أثنائها هل يجوز رده أو إعطاؤه؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب إجلاس المار من بين الصفوف أثناء خطبة الجمعة بدون كلام، ولكن بالإشارة إليه، والأولى أن يتولى ذلك الخطيب كما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل حيث رأى رجلاً يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة فقال: «اجلس فقد آذيت».
وأما إعطاؤه في هذه الحال فلا يجوز؛ لأنه إغراء له وإعانة على الاستمرار في هذا العمل المحرم.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم حجز المكان في المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجز الأماكن إذا كان الذي حجزها خرج من المسجد فهذا حرام عليه ولا يجوز؛ لأنه ليس له حق في هذا المكان، فالمكان إنما يكون للأول فالأول، حتى إن بعض فقهاء الحنابلة يقول: إن الإنسان إذا حجز مكاناً وخرج من المسجد فإنه إذا رجع وصلى فيه فصلاته باطلة؛ لأنه قد غصب هذا المكان؛ لأنه ليس من حقه أن يكون فيه وقد سبقه أحد إليه، والإنسان إنما يتقدم ببدنه لا بسجادته، أو منديله، أو عصاه، ولكن إذا كان الإنسان في المسجد ووضع هذا وهو في المسجد

(16/148)


لكن يحب أن يكون في مكان آخر يسمع درساً، أو يتقي عن الشمس ونحو ذلك فهذا لا بأس به، بشرط أن لا يتخطى الناس عند رجوعه إلى مكانه، فإن كان يلزم من رجوعه تخطي الناس وجب عليه أن يتقدم إلى مكانه إذا حاذاه الصف الذي يليه لئلا يؤذي الناس.
* * *

سئل فضيلة الشيخ: إذا أخطأ الخطيب في الخطبة فهل يرد عليه المستمع؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أخطأ الخطيب في خطبة الجمعة خطأ يغير المعنى في القرآن خاصة، فإن الواجب أن يرد عليه لأنه لا يجوز أن يغير كلام الله عز وجل إلى ما يتغير به المعنى، فلا يجوز الإقرار عليه فليرد على الخطيب.
أما إذا كان خطأ في كلامه فكذلك يرد عليه مثل لو أراد الخطيب أن يقول: هذا حرام، فقال: هذا واجب فيجب أن يرد عليه؛ لأنه لو بقي على ما قال: إنه واجب لكان في ذلك إضلال الخلق، ولا يجوز أن يقر الخطيب على كلمة تكون سبباً في ضلال الخلق.
أما الخطأ المغتفر الذي لا يتغير به المعنى فلا يجب عليه أن يرد، مثل لو رفع منصوباً، أو نصب مرفوعاً على وجه لا يتغير به المعنى فإنه لا يجب أن يرد عليه، سواء كان ذلك في القرآن، أو في غير القرآن.
* * *

(16/149)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم رد السلام؟ وتشميت العاطس أثناء خطبة الجمعة؟ وما حكم مصافحة من مد يده أثناء خطبة الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: رد السلام وتشميت العاطس أثناء خطبة الجمعة لا يجوز؛ لأنه كلام، والكلام حينئذ محرم؛ ولأن المسلم لا يشرع له السلام في هذه الحال، فسلامه غير مشروع فلا يستحق جواباً.
والعاطس غير مشروع له حال الخطبة أن يجهر بالحمد فلا يستحق أن يشمت.
وأما مصافحة من مد يده فهو أهون، والأولى عدمه؛ لأنه مشغل إلا أن يخشى من ذلك مفسدة فلا بأس أن يصافح اتقاء للمفسدة لكن بدون كلام، وتبين له بعد الصلاة أن الكلام حال الخطبة حرام.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا دخل الإنسان المسجد والمؤذن يؤذن فماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجيب المؤذن أولاً، ثم يصلي إلا إذا كان الأذان أذان الجمعة الذي بعد حضور الخطيب فيصلي ولا يجيب المؤذن؛ ليتفرغ لاستماع الخطبة؛ لأن استماع الخطبة أهم من إجابة المؤذن.

(16/150)


* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا دخل الرجل المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن الأذان الثاني فهل يصلي تحية المسجد أو يتابع المؤذن ثم يصلي تحية المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر أهل العلم أن الرجل إذا دخل المسجد وهو يسمع الأذان الثاني فإنه يصلي تحية المسجد ولا يشتغل بمتابعة المؤذن وإجابته، وذلك ليتفرغ لاستماع الخطبة؛ لأن استماعها واجب، وإجابة المؤذن سنة، والسنة لا تزاحم الواجب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: لاحظت في صلاة الجمعة وأثناء جلوس الإمام بين الخطبتين أن بعض المصلين قاموا فصلوا ركعتين ثم جلسوا فما حكم هذه الصلاة؟ وهل يجوز أن يقوم الرجل للصلاة بعد جلوسه إذا دخل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الصلاة غير مشروعة؛ لأن المشروع بعد دخول الإمام أن يستمع الناس إلى الخطبة وأن يتابعوا إمامهم، وبين الخطبتين أن ينتظروا الإمام في الخطبة الثانية، وإن دعوا بين الخطبتين بدعاء يختارونه فهذا حسن، لأن هذا الوقت من الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعاء، فإن في يوم

(16/151)


الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه الله تعالى ما دعا به.
نعم يقوم الرجل لصلاته بعد جلوسه ليؤدي تحية المسجد إذا لم يؤدها فإن رجلاً دخل يوم جمعة والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أصليت؟» قال: لا. قال: «قم فصل ركعتين». أما إذا جلس وطال الفصل فلا يصلي هذه التحية؛ لأن السنة إذا فات محلها سقط الطلب بها.
* * *

وسئل فضيلته - رحمه الله تعالى -: يلاحظ على بعض المصلين إذا دخلوا المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب أداء ركعتين، ثم يقومون لأداء ركعتين أخريين بين الخطبتين، فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل الإنسان يوم الجمعة والإمام يخطب فإنه يصلي ركعتين خفيفتين، لما ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رجلاً دخل يوم الجمعة والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب فقال له: «أصليت؟» قال: لا، فقال: «قم فصلِّ ركعتين، وتجوز فيهما»، ولا يصلي غيرهما لا في أثناء الخطبة، ولا بين الخطبتين، بل الذي يجب الإنصات للخطبة.
وإن اشتغل بين الخطبتين بالدعاء فحسن، لأنه وقت ترجى

(16/152)


فيه إجابة الدعاء، فقد ثبت في الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، ومنتظر الصلاة في المسجد في صلاة فلعله أن يصادف ساعة الإجابة فيستجيب الله دعاءه. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا صلى المسافر الجمعة، هل تسقط عنه الراتبة؟ وهل يجمع معها العصر؟
فأجاب فضيلته بقوله: المسافر إذا كان في بلد تقام فيه الجمعة فإنه يجب عليه أن يصلي الجمعة، لقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُو"اْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }، والمسافر من المؤمنين فيدخل في العموم، ولا يقول أنا مسافر سأقصر، فإذا صلى الجمعة فإنها ليس لها راتبة قبلها. ولكن لها راتبة بعدها فهل يصلي الراتبة أم لا؟ الظاهر أنه لا يصلي الراتبة، ولكن يصليها نفلاً مطلقاً، وإنما قلنا الظاهر أنه لا يصلي؛ لأن العلة من ترك الراتبة ليس القصر، بدليل أن المغرب للمسافر ليست مقصورة ومع ذلك لا يصلي لها الراتبة.
فنقول: ليست للجمعة راتبة في حقك، ولكن إن صليت تطوعاً مطلقاً بغير قصد الراتبة فلا بأس.

(16/153)


والجمعة لا يجمع إليها العصر؛ لأن الجمعة صلاة مستقلة لا يجمع إليها ما بعدها، ولا تجمع هي أيضاً إلى ما بعدها فتأخر؛ فإن السنة الواردة هي الجمع بين الظهر والعصر، فقط لا بين الجمعة والعصر، والجمعة تخالف الظهر في مسائل كثيرة.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى - : عن رجل توضأ بعد عصر الجمعة ليصلي لأجل الدعاء، فما رأيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يجوز، إذا كان ليس من عادة الإنسان أنه يصلي إذا توضأ، لكن توضأ لأجل أن يصلي فهذا إن توضأ حرام عليه أن يصلي، لأن الصلاة التي ليس لها سبب في هذا الوقت حرام.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك إمام جامع يقوم بالصلاة الإبراهيمية قبل خطبة الجمعة، هو وجماعة المسجد بصوت جماعي فما الحكم؟ أفتونا مغفوراً لكم؟
وما حكم حضور الخطيب مبكراً للمسجد وجلوسه فيه إلى حين وقت الخطبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة الإبراهيمية كما يسميها بعض المتأخرين هي: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما

(16/154)


صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وهذه الصلاة إذا أتى بها الإنسان كما وصف السائل قبل الخطبة بصوت جماعة فقد فعل بدعة، فلم يفعلها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أصحابه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام محذراً أمته: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، والمشروع لأهل المسجد قبل مجيء الإمام أن يشتغلوا بالصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، كل على انفراده بدون أن يجتمعوا على ذلك.
وأما الإمام فالمشروع في حقه إذا دخل أن يسلم أول ما يدخل على من حول الباب، ثم يصعد المنبر ويتوجه إلى الناس ويسلم عليهم عامة، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم فيخطب الخطبة الأولى، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية، ثم ينزل فيصلي بالناس هذا هو المشروع للإمام في يوم الجمعة، ولا ينبغي للإمام أن يتقدم إلى المسجد قبل حلول وقت الخطبة والصلاة، كما يفعله بعض الناس المحبين للخير الذين يرغبون في السبق إلى الطاعات، وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يفعل هذا، فلم يكن عليه الصلاة والسلام يتقدم إلى المسجد في يوم الجمعة ينتظر الخطبة والصلاة، وخير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالذي ينبغي للإنسان أن يكون متحرياً لهدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه خير الهدي.
وأما الجماعة الذين ينتظرون الإمام فإنهم كلما تقدموا إلى

(16/155)


الجمعة كان ذلك أفضل كما ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة».
* * *

وسئل فضيلة الشيخ: إذا كان الخطيب يخطب الناس في صلاة الجمعة، فدخل رجل فجلس دون أن يصلي ركعتين، فأنكر عليه، هل يشرع في حقه تكرار الإنكار على الأشخاص الآخرين الذين يدخلون بعده، ولم يعلموا، أرجو توضيح هذه المسألة وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل الإنسان والإمام يخطب يوم الجمعة ثم جلس، فالخطيب لا ينكر عليه مباشرة، بل يقول كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أصليت؟» فإن قال: لا، فيقول له: «قم فصل ركعتين» وإن قال: صليت، انتهى الأمر، وكذلك لو دخل ثان وثالث فإنه يقول لهم هذا، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قال قولاً، أو فعل فعلاً في حادثة فهو لجميع الحوادث المماثلة.

(16/156)


* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: النهي عن التحلق يوم الجمعة هل يقصد به قبل الصلاة مباشرة أو بعد صلاة الفجر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أن التحلق قبل أن يحضر الناس إلى المسجد لا بأس به، وإنما نهى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن التحلق، لئلا يضيقوا على الناس الذين يأتون إلى الصلاة، وغالباً بعد الفجر لا يوجد ناس.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الاجتماع يوم الجمعة قبل الخطبة على مقرىء واحد؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاجتماع على قارىء واحد ينظر فيه إلى المصلحة فإذا كان في نطاق ضيق بحيث يختار جماعة من الناس أن يسمعوا قارئاً يجلسون حوله ولا يؤذون أحداً، ولا تشوش قراءته على أحد، ورأوا أن استماعهم لقراءته أخشع لقلوبهم، وأفهم للمعاني فلا بأس بذلك، وقد طلب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه فقال: يا رسول الله: أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: «نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأ عليه سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤلاء

(16/157)


شَهِيداً شَهِيداً } فقال: «حسبك الآن» فإذا عيناه تذرفان، متفق عليه.
أما إذا كانت القراءة عامة كما يفعل في بعض البلدان فليس بجائز؛ لأنه يشوش على المصلين والقارئين والذاكرين، وليس كل الناس يرغبون ذلك، وهو أيضاً بدعة لم يكن معروفاً عند السلف، وفيه مدعاة لإعجاب القارىء بنفسه، وللكسل والخمول عن الطاعة، حيث إن المستمعين يركنون إلى الاستماع ويتركون القراءة بأنفسهم؛ ولأن الناس لا يستطيعون التعبد مع هذا الصوت القوي، وليس لهم شوق إلى استماعه فيبقون لا متعبدين ولا مستمعين ويحصل لهم الكسل والنعاس.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة القرآن جماعة بصوت واحد من أجل الحفظ وعدم النسيان؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الجماعة يقرؤون القرآن بصوت واحد من أجل الاستعانة على الحفظ لا من أجل التعبد بذلك فلا بأس بشرط أن لا يحصل منهم تشويش على المصلين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: أغلب المساجد في ... يقام فيها بين أذاني الجمعة درس فما حكم هذا العمل؟ وما حكم الصلاة بين السواري؟

(16/158)


فأجاب فضيلته بقوله: الأولى أن لا تقام الدروس قبل صلاة الجمعة في المسجد؛ لأن ذلك يشغل الحاضرين عن الصلاة وقراءة القرآن.
وأما الصلاة بين السواري فهي جائزة عند الضيق، أما في حال السعة فلا يصلى بين السواري لأنها تقطع الصفوف.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم التحلق في المسجد قبل صلاة الجمعة؟ وعن حكم صلاة النافلة في السيارة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن التحلق يوم الجمعة، وذلك لأن التحلق يوم الجمعة يؤدي إلى تضييق المسجد على المصلين القادمين إليه، لاسيما إذا كانت الحلق قريباً من كثرة الحضور وكان المسجد ضيقاً، فإن ضررها واضح جداً، أما إذا لم يكن فيها محذور فإنه لا محظور فيها؛ لأن الشرع إنما ينهى عن أشياء لضررها الخالص أو الغالب.
وأما قول السائل: هل تجوز صلاة النافلة في السيارة؟ فجوابه: إذا كان الإنسان مسافراً وصلى على السيارة إلى جهة سيره فلا حرج عليه سواء كان راكباً أم سائقاً إلا إذا كان اشتغاله بالصلاة في حال سياقته يؤثر فإنه يجب عله تجنب الخطر، وإذا نزل صلى التطوع إن لم يفت وقته، فإن فات وقته كما لو كان من عادته أن يصلي

(16/159)


صلاة الضحى ولم يقف إلا بعد أذان الظهر فإنها سنة فات محلها فلا تقضى. والله أعلم.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم رد السلام حال الخطبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان أن يرد السلام على من سلم عليه والإمام يخطب، ولكن إزالة لما قد يقع في نفسه من عدم الرد فإنه إذا انتهى الخطيب من الخطبة ينبغي أو يجب أن يرد عليه السلام، ويقول له: إن الخطبة ليست محلاً للسلام لا ابتداء ولا ردًّا، ولهذا يحرم في أثناء الخطبة ابتداء السلام ورد السلام، لأن الإنسان مأمور بالإنصات، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت. يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت»، ومعنى اللغو: أن الإنسان لا يكتب له أجر الجمعة، وإن كانت تجزئه. ولكنه لا يكتب له أجرها وفضلها، ويحرم من هذا الفضل بسبب أنه اشتغل بكلمة واحدة وهي قوله لصاحبه: «أنصت» فما بالك بقوم يتخذون من الخطبة مكاناً للتحدث فيما بينهم.

(16/160)


* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى - : هل يجوز رد السلام والإمام يخطب يوم الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان أن يسلم على أحد والإمام يخطب يوم الجمعة ولا يجوز لأحد أن يرد عليه سلامه، لكن إذا انتهت الخطبة ينبغي أن يرد أو يجب أن يرد عليه السلام، ثم يقول له نصيحة لئلا يقع في قلبه شيء يقول له: إن السلام وقت الخطبة محرم، وإن رده محرم، وذلك إما بين الخطبتين، أو بعدهما أو بعد الصلاة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: في يوم الجمعة دخلت المسجد للصلاة وفي أثناء الخطبة دخل المسجد واحد من المصلين فصلى تحية المسجد ثم جلس بجانبي وسلم عليّ باليد مصافحاً والإمام يخطب، فهل من حقي أن أصافحه باليد وأرد السلام عليه أو أعمل بحديث الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من مسَّ الحصى فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له»، لذا أومأت له برأسي. وبعدما فرغ الإمام من الخطبة سلمت عليه واعتذرت وأخبرته بالحديث، فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإنسان إذا جاء والإمام يخطب يوم الجمعة فإنه يصلي ركعتين خفيفتين ويجلس ولا يسلم على أحد، فالسلام على الناس في هذه الحال محرم، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد

(16/161)


لغوت»، وكذلك قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من مس الحصى فقد لغا»، واللاغي، معناه الذي أتى شيئاً من اللغو، وربما يكون هذا الذي حصل منه مفوتاً لثواب الجمعة، ولهذا جاء في الحديث: «ومن لغى فلا جمعة له»، وإذا سلم عليك أحدٌ فلا ترد عليه السلام باللفظ، لا تقل: وعليك السلام. حتى لو قاله باللفظ، لا تقل وعليك السلام.
أما مصافحته فإنه لا بأس بها وإن كان الأولى أيضاً عدم المصافحة، وغمزه ليشعر بأن هذا ليس موضع مصافحة؛ لأن في المصافحة نوعاً من العبث الذي قد يخرج الإنسان عن تمام الاستماع للخطبة. وما صنعت في كونك نبهته حين انتهت الخطبة على أن هذا أمر لا ينبغي فهو حسن وليت مثلك كثير. فإن بعض الناس يكون جاهلاً في الأمر فيرد السلام. أو ربما يحرجه ويتركه ويهجره، ولا يخبره إذا انتهى الخطيب لماذا صنع هذا، على أن من أهل العلم من قال: له رد السلام، ولكن الصحيح أن ليس له أن يرد السلام؛ لأن واجب الاستماع مقدم على واجب الرد، ثم إن المسلم في هذه الحال ليس له حق أن يسلم والإمام يخطب؛ لأن ذلك يشغل الناس عن ما يجب استماعهم إليه، وأنه لا رد ولا ابتداء في السلام والإمام يخطب.
* * *

(16/162)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يتحدث بعض المأمومين مع الإمام أثناء خطبة الجمعة أو مثلاً يصلح جهاز مكبر الصوت فيما لو حصل فيه عطل أثناء الخطبة لكي تعم الفائدة؟ هل يدخل هذا في المنع؟
فأجاب فضيلته بقوله: التحدث مع الإمام بما فيه المصلحة، أو الحاجة لا بأس به فللإمام مثلاً أن يقول لمن دخل وجلس: قم فصل ركعتين، وله أن يقول لمن يتردد بين الصفوف أو يتخطى الرقاب: اجلس فقد آذيت، وله أيضاً أن يتكلم مع من يصلح جهاز مكبر الصوت إذا حصل فيه عطل، أو يتكلم مع إنسان ليفتح النوافذ إذا حصل على الناس غمّ، أو ضيق تنفس من حر أو ما أشبه ذلك.
المهم أن الخطيب له أن يكلم من شاء للمصلحة، أو للحاجة، وكذلك لغيره أن يكلمه للمصلحة، أو للحاجة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: في بعض المساجد يتكلم بعض من لا يحسن العربية أثناء خطبة الجمعة، هل يحق للخطيب المداومة على التنبيه عليهم لأنهم يتغيرون؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كثر الذين يتكلمون أثناء الخطبة يوم الجمعة فإن الخطيب نفسه يتكلم يقول: بلغنا أن أناساً يتكلمون وهذا حرام عليهم، ويأتي بالحديث الدال على ذلك،

(16/163)


ولكن المشكلة أنه ربما يقع الكلام من قوم لا يفهمون اللغة العربية فتقع المشكلة وحينئذ لا بأس أن يشير من حولهم بالإشارة ليسكتهم لا بالقول؛ لأن تسكيتهم بالقول محرم لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت».
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نرى بعض الناس يتساهلون في الكلام أثناء خطبة الجمعة فما حكم من يتكلم والإمام يخطب؟ وما واجبنا نحوهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الكلام يوم الجمعة والإمام يخطب حرام، وبه يفوت أجر الجمعة وثوابها الخاص، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» لكن يجوز أن يتكلم الخطيب مع غيره لمصلحة فقد دخل رجل والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب يوم الجمعة فجلس فقال: «أصليت؟» قال: لا، قال: «قم فصل ركعتين». ودخل رجل والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يديه وقال: «اللهم أغثنا». وفي الجمعة الأخرى دخل رجل وقال: يا رسول الله، غرق المال،

(16/164)


وتهدم البناء، فادع الله يمسكها عنا، فرفع يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» الحديث.
وبهذا يتبين أن من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو آثم، محروم من أجر الجمعة وثوابها، وإن كانت تجزىء عنه وتبرأ بها ذمته.
وأن من تكلم مع الخطيب، أو تكلم معه الخطيب لمصلحة فلا إثم عليه.
وأما واجبنا نحو من يتكلم والإمام يخطب فهو نصيحته وتحذيره من ذلك، لكن بعد انتهاء الخطبة، أما في أثناء الخطبة فيمكن تسكيته بالإشارة.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم رد السلام وتشميت العاطس أثناء خطبة الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: رد السلام وتشميت العاطس أثناء خطبة الجمعة لا يجوز؛ لأنه كلام والكلام حينئذ محرم؛ ولأن المسلم لا يشرع له السلام في هذه الحال فسلامه غير مشروع فلا يستحق جواباً.
والعاطس غير مشروع له حال الخطبة أن يجهر بالحمد فلا يستحق أن يشمت.
* * *

(16/165)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا كان الإمام يخطب يوم الجمعة فهل لمستمع الخطبة أن يرد السلام على من سلم عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يرد السلام عليه، ولكنه يشير إليه بيده حتى لا يكرر السلام مرة أخرى وحتى لا يكون في نفسه شيء، فإذا انتهى الإمام من الخطبة أخبره أنه لا يجوز له هو أن يسلم، ولا يستحق الرد.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل لمستمع الخطبة أن يشمت العاطس ويصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر الخطيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس له أن يشمت العاطس، والعاطس لا ينبغي له أن يحمد الله بصوت مسموع.
أما إذا ذكر الخطيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يصلي عليه سراً حتى لا يشوش على من حوله.
* * *

وسئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا دعا الإمام هل يؤمن على دعائه؟ ويقرن ذلك برفع اليدين؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يؤمن على دعائه؛ لأن الإمام يدعو لنفسه ولمن يستمع إليه.
أما رفع اليدين فلا ترفع إلا في موضعين:

(16/166)


الأول: إذا دعا الإمام بالغيث فإنه يرفع يديه ويرفع الناس أيديهم، وأعني بالإمام الخطيب، إذا دعا الإمام بالغيث قال: «اللهم أغثنا» فإنه يرفع يديه ويرفع المستمعون أيديهم كذلك.
ثانياً: الاستصحاء إذا دعا الله بالصحو: «اللهم حوالينا ولا علينا» فليرفع يديه وكذلك المستمعون، لما تقدم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، وما عدا ذلك فينهى عنه أي عن رفع اليدين حال الخطبة لا الخطيب ولا المستمع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل التسوك والإمام يخطب يعد من اللغو؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يعد من اللغو، إلا إذا دعت الحاجة إليه مثل أن يصيبه النعاس فيستاك ليطرد النعاس فلا بأس.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إننا نصلي مع جماعتنا في المسجد، ونلاحظ بعد صلاة الجمعة كثيراً من الجماعة يتنازعون ويتشاجرون، ما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: ينبغي للمسلم أن لا يشاجر إخوانه، ولا ينازعهم، وكل شيء يحدث العداوة والبغضاء فإن الشرع ينهى عنه، ولهذا نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب على خطبة أخيه، لما في ذلك من العداوة والبغضاء.

(16/167)


لاسيما وأن هؤلاء قد خرجوامن صلاة الجمعة، وصلاة الجمعة كما ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكفر ما قبلها إلى الجمعة الأخرى، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر». والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: بعض الأئمة في فجر الجمعة يقرأ سورة فيها سجدة عوضاً عن {آلم تنزيل} السجدة فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع في فجر يوم الجمعة أن يقرأ الإنسان {آلم تنزيل} السجدة، في الركعة الأولى، و{هل أتى على الإنسان} في الركعة الثانية.
وليس المقصود بقراءة {آلم تنزيل} السجدة التي فيها، بل المقصود نفس السورة، فإن تيسر له أن يقرأ هذه السورة في الركعة الأولى، و{هل أتى على الإنسان} في الركعة الثانية فهذا هو المطلوب والمشروع، وإلا فلا يتقصد أن يقرأ سورة فيها سجدة عوضاً عن {آلم تنزيل} السجدة.
* * *

(16/168)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من المعلوم أنه إذا وفق العيد يوم الجمعة سقطت الجمعة عمن صلى العيد، فهل تجب الظهر أم أنها تسقط كلية؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب في ذلك أنه يجب عليه إما صلاة الجمعة مع الإمام، لأن الإمام سوف يقيم الجمعة، وإما صلاة الظهر؛ لأن عموم قوله تعالى: {أَقِمِ الصلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } (يعني لزوالها) {إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } يتناول يوم العيد الذي وافق يوم الجمعة. وعلى هذا فيجب على المرء إذا صلى مع الإمام يوم العيد الذي وافق يوم الجمعة، يجب عليه إما أن يحضر إلى الجمعة التي يقيمها الإمام، وإما أن يصلي صلاة الظهر، إذ لا دليل على سقوط صلاة الظهر، والله تعالى يقول: {أَقِمِ الصلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } والظهر فرض الوقت وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وقت الظهر إذا زالت الشمس».
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: لا تخفى علينا أهمية الجمعة وفضلها، وأن من حضر صلاة العيد سقطت عنه الجمعة وصلاها ظهراً، فهل هذا محل إجماع بين العلماء رحمهم الله، وما حكمة الشارع من ذلك؟ ومن حضر صلاة العيد ولم يتمكن من سماع الخطبتين هل يجب

(16/169)


عليه حضور الجمعة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة ليست إجماعية ولا منصوصة من قبل الشارع نصًّا صحيحاً، بل النصوص الواردة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سقوط الجمعة ضعيفة، ولذلك كان مذهب كثير من العلماء أن الجمعة لا تسقط عن أهل البلد وتسقط عمن هو خارج البلد، وعللوا ذلك بأنهم إن بقوا بعد العيد إلى وقت الجمعة شق عليهم، وإن ذهبوا إلى محلهم شق عليهم الرجوع، وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى وجوب الجمعة على أهل البلد وغيرهم، وذهب عطاء بن أبي رباح رحمه الله إلى سقوط الجمعة عن كل أحد ولا يصلون بعد العيد إلا العصر، قال ابن المنذر: روينا نحوه عن علي بن أبي طالب وابن الزبير. والمشهور من مذهب أحمد أن الجمعة تسقط عمن صلى العيد مع الإمام ولا تسقط عن الإمام، وتجب الظهر على من لم يصل الجمعة.
ولكن قد صح عن ابن الزبير رضي الله عنه أنه اقتصر على العيد ولم يصل الجمعة بعدها، وقال ابن عباس: أصاب السنة، وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب {سبح اسم ربك الأعلى} و{هل أتاك حديث الغاشية} قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين، وصح عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه رخص لأهل

(16/170)


العوالي فقط في ترك الجمعة، فأنت ترى الآن اختلاف الأدلة واختلاف العلماء في هذه المسألة، ولكن على القول بسقوط الجمعة تكون الحكمة هو أنه حصل الاجتماع العام الذي شرعه الشارع كل أسبوع بصلاة العيد فاكتفى فيه بتلك الصلاة كما يكتفى بصلاة الفريضة عن تحية المسجد.
أما بالنسبة للسؤال الثاني فنقول: نعم، من حضر الصلاة مع الإمام أجزأته عن صلاة الجمعة، وإن لم يسمع الخطبة على القول بسقوطها كما تقدم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الحكم لو صادف يوم العيد يوم الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا صادف يوم الجمعة يوم العيد فإنه لابد أن تُقام صلاة العيد، وتُقام صلاة الجمعة، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، ثم إن من حضر صلاة العيد فإنه يعفى عنه حضور صلاة الجمعة، ولكن لابد أن يصلي الظهر، لأن الظهر فرض الوقت، ولا يمكن تركها.

(16/171)


* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن قراءة سورة السجدة والإنسان فجر الجمعة هل هو عام للرجال والنساء؟ وحكم القراءة من المصحف لمن لم يحفظ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول في الجواب على هذا السؤال: ينبغي أن يعلم أن ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته من أفعال، أو قاله من أقوال فهو مشروع للرجال والنساء وللمنفرد وللإمام أيضاً، حتى يقوم دليل على التخصيص لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صلواكما رأيتموني أصلي»، فهذا الحديث عام وشامل، فكل ما قاله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو أقره، أو فعله في صلاته فإن الأصل فيه المشروعية لكل أحد إلا أن يقوم دليل على التخصيص.
أما القراءة من المصحف في حق من لم يحفظ فإن هذا لا بأس به، فيجوز للإنسان أن يقرأ في المصحف عند خوف نسيان آية أو غلط فيها ولا حرج عليه. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل من السنة المواظبة على قراءة سورة السجدة والإنسان في الجمعة دائماً؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ بهما «

(16/172)


ويديم على ذلك»، وهذه اللفظة ليست في الصحيحين، ولكن لا تنافي ما في الصحيحين، لكن لو أنه خشي أن يظن العامة أن قراءتهما فرض فلا بأس أحياناً أن يقرأ بغيرهما مثل في الشهر مرة، أو في الشهر مرتين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يوجد بعض أئمة المساجد يقرأون في صلاة فجر يوم الجمعة بسورة الإنسان في الركعة الأولى والثانية، وبعضهم يقرأ سورة السجدة في الركعة الأولى والثانية، وبعضهم يقرأ نصف سورة السجدة في الركعة الأولى، ونصف سورة الإنسان في الركعة الثانية، فهل عملهم هذا صحيح؟ وهل نقول لهم بأن عملهم هذا بدعة جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا نقول إن عملهم بدعة، لكننا نقول أن عملهم تلاعب بالسنة، إذا كانوا صادقين في اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام فليفعلوا ما فعل، ولهذا وصف ابن القيم رحمه الله أمثال هؤلاء بالأئمة الجهال فنحن نقول: إذا كان لديك قوة على أن تقرأ {ال"م". تنزيل} السجدة في الركعة الأولى و{هل أتى} في الركعة الثانية فافعل، وإن لم يكن لديك قوة فاقرأ سورة أخرى لئلا تشطر السنة وتلعب بها، فالسنة محفوظة كان الرسول

(16/173)


عليه الصلاة والسلام في فجر يوم الجمعة يقرأ في الركعة الأولى: {ال"م. تنزيل) السجدة، وفي الركعة الثانية: {هل أتى على الإنسان}، فإما أن تفعل ما فعله الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، وإما أن تقرأ سوراً أخرى، أما أن تشطر ما فعله الرسول وتقسم ما فعله الرسول فهذا خلاف السنة ولا شك أنه تلاعب بالسنة، فافعل هدي نبيك محمد عليه الصلاة والسلام، وكن شجاعاً؛ لأن بعض الأئمة يقول: إذا قرأت: {ال"م". تنزيل} السجدة في الركعة الأولى و{هل أتى على الإنسان} في الركعة الثانية قالوا: ليش تطول علينا؟ ليش تفعل؟ ثم صاروا فقهاء وهم عوام، يقولون كيف تطول بنا والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضب على معاذ رضي الله عنه وعاتبه.
لكن نقول: كل ما فعله الرسول فهو تخفيف، حتى لو قرأ: {ال"م. تنزيل). و{هل أتى على الإنسان}. ولهذا قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم».
* * *

(16/174)


سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يتبع بعض الناس طريقة لمحاسبة أنفسهم في أداء الصلوات المفروضة والسنن الرواتب، وهي أن يضع جدولاً، هذا الجدول عبارة عن محاسبة لأدائه الصلوات خلال أسبوع واحد، بحيث يضع أمام كل وقت صلاة مربعين، أحدهما للفرض والآخر للسنة الراتبة، فإذا صلى الفرض مع الجماعة وضع لصلاته تلك درجة، وإذا صلى الراتبة وضع لها درجة أيضاً، وإذا لم يصل لم يضع درجة.. وهكذا، ثم في آخر الأسبوع يخرج مجموع الدرجات، وتشتمل الورقة على أربعة جداول لشهر واحد، ويقول هؤلاء: إن مثل هذه الوسيلة تعين على المحافظة على أداء الفرائض والسنن، فما رأي فضيلتكم في هذه الطريقة؟ هل هي مشروعة أم لا؟ وما رأيكم في نشرها أثابكم الله؟ وهذه صورة الجدول.

(16/175)


فأجاب فضيلته بقوله: هذه الطريقة غير مشروعة فهي بدعة، وربما تسلب القلب معنى التعبد لله تعالى، وتكون العبادات كأنها أعمال روتينية كما يقولون، وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: «ما هذا»؟ قالوا: حبل لزينب تصلي فإذا كسلت، أو فترت أمسكت به فقال: «حلوه، ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل، أو فتر فليقعد». ثم إن الإنسان قد يعرض له أعمال مفضولة في الأصل ثم تكون فاضلة في حقه لسبب فلو اشتغل بإكرام ضيف نزل به عن راتبة صلاة الظهر لكان اشتغاله بذلك أفضل من صلاة الراتبة.
وإني أنصح شبابنا من استعمال هذه الأساليب في التنشيط على العبادة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حذر من مثل ذلك حيث حث على اتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين، وحذر من البدع، وبين أن كل بدعة ضلالة. يعني وإن استحسنها مبتدعوها، ولم يكن من هديه ولا هدي خلفائه وأصحابه رضي الله عنهم مثل هذا.
* * *

(16/176)


رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
تسائلنا مع بعض العمال والوافدين إلى بلادنا في موضوع الأهلة التي توضع على المآذن (المنائر) كيف وضعها في بلادهم فأجابوا قائلين: إنها توضع في بلادنا على معابد النصارى وقباب القبور المعظمة، أفتونا جزاكم الله خيراً والحالة هذه عن وضعها على مآذن مساجد المسلمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أما وضع الهلال على القبور المعظمة فقد ذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى 01/342 من الدرر السنية ما نصه:
«وعمار مشاهد المقابر يخشون غير الله، ويرجون غير الله، حتى إن طائفة من أرباب الكبائر الذين لا يتحاشون فيما يفعلونه من القبائح إذا رأى أحدهم قبة الميت، أو الهلال الذي على رأس القبة خشي من فعل الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحك هذا هلال القبة. فيخشون المدفون تحت الهلال، ولا يخشون الذي خلق السموات والأرض، وجعل أهلة السماء مواقيت للناس والحج» اهـ .

(16/177)


وأما وضع الهلال على معابد النصارى فليس ببعيد، لكن قد قيل: إنهم يضعون على معابدهم الصلبان والله أعلم.
لكن وضع الأهلة على المنائر كان حادثاً في أكثر أنحاء المملكة وقد قيل: إن بعض المسلمين الذين قلدوا غيرهم فيما يصنعونه على معابدهم وضعوا الهلال بإزاء وضع النصارى الصليب على معابدهم، كما سمو دور الإسعافات للمرضى (الهلال الأحمر) بإزاء تسمية النصارى لها ب (الصليب الأحمر) وعلى هذا فلا ينبغي وضع الأهلة على رؤوس المنارات من أجل هذه الشبهة، ومن أجل ما فيها من إضاعة المال والوقت.
* * *

(16/178)


فصل في مسألة جمع العصر إلى الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فقد كثر السؤال عن جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة في الحال التي يجوز فيها جمع العصر إلى الظهر.
فأجيب مستعيناً بالله سائلاً منه الهداية والتوفيق:
لا يجوز جمع العصر إلى صلاة الجمعة في الحال التي يجوز فيها الجمع بين الظهر والعصر، فلو مر المسافر ببلد وصلى معهم الجمعة، لم يجز أن يجمع العصر إليها، ولو نزل مطر يبيح الجمع وقلنا بجواز الجمع بين الظهر والعصر للمطر لم يجز جمع العصر إلى الجمعة.
ولو حضر المريض الذي يباح له الجمع إلى صلاة الجمعة فصلاها، لم يجز أن يجمع إليها صلاة العصر.
ودليل ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الصلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً } أي مفروضاً لوقت معين وقد بين الله تعالى هذا الوقت إجمالاً في قوله تعالى: {أَقِمِ الصلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }.
فدلوك الشمس زوالها، وغسق الليل اشتداد ظلمته، وهذا منتصف الليل، ويشمل هذا الوقت أربع صلوات: الظهر،

(16/179)


والعصر، والمغرب، والعشاء جمعت في وقت واحد؛ لأنه لا فصل بين أوقاتها، فكلما خرج وقت صلاة كان دخول وقت الصلاة التي تليها، وفصل صلاة الفجر؛ لأنها لا يتصل بها صلاة العشاء، ولا تتصل بصلاة الظهر.
وقد بينت السنة هذه الأوقات بالتفصيل في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وجابر رضي الله عنهما وغيرهما وهو أن الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، ووقت العصر من حين أن يصير ظل كل شيء مثله إلى غروب الشمس، لكن ما بعد اصفرارها وقت ضرورة، ووقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر،ووقت العشاء من غروب الشفق الأحمر إلى نصف الليل، ووقت الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، هذه حدود الله تعالى لأوقات الصلوات في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فمن صلى صلاة قبل وقتها المحدد في كتاب الله وسنة رسوله فهو آثم، وصلاته مردودة لقوله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وكذلك من صلاها بعد الوقت لغير عذر شرعي، فمن صلى الظهر قبل زوال الشمس فصلاته باطلة

(16/180)


مردودة، وعليه قضاؤها.
ومن صلى العصر قبل أن يصير ظل كل شيء مثله فصلاته باطلة مردودة، وعليه قضاؤها، إلا أن يكون له عذر شرعي يبيح له جمعها تقديماً إلى الظهر.
ومن صلى المغرب قبل غروب الشمس فصلاته باطلة مردودة، وعليه قضاؤها.
ومن صلى العشاء قبل مغيب الشفق الأحمر فصلاته باطلة مردودة، وعليه قضاؤها، إلا أن يكون له عذر شرعي يبيح له جمعها تقديماً إلى المغرب.
ومن صلى الفجر قبل طلوع الفجر فصلاته باطلة مردودة، وعليه قضاؤها.
هذا ما يقتضيه كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وعلى هذا فمن جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة فقد صلاها قبل أن يدخل وقتها وهو أن يصير ظل كل شيء مثله فتكون باطلة مردودة.
فإن قال قائل: أفلا يصح قياس جمع العصر إلى الجمعة على جمعها إلى الظهر؟
فالجواب: لا يصح ذلك لوجوه:
الأول: أنه لا قياس في العبادات.
الثاني: أن الجمعة صلاة مستقلة منفردة بأحكامها تفترق مع الظهر بأكثر من عشرين حكماً، ومثل هذه الفروق تمنع أن تلحق إحدى الصلاتين بالأخرى.

(16/181)


الثالث: أن هذا القياس مخالف لظاهر السنة، فإن في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر، فسئل عن ذلك فقال: أراد أن لا يحرج أمته. وقد وقع المطر الذي فيه المشقة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يجمع فيه بين العصر والجمعة كما في صحيح البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استسقى يوم الجمعة وهو على المنبر، فما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته، ومثل هذا لا يقع إلا من مطر كثير يبيح الجمع لو كان جائزاً بين العصر والجمعة، قال: وفي الجمعة الأخرى دخل رجل فقال: يا رسول الله غرق المال، وتهدم البناء، فادع الله يمسكها عنا، ومثل هذا يوجب أن يكون في الطرقات وحل يبيح الجمع لو كان جائزاً بين العصر والجمعة.
فإن قال قائل: ما الدليل على منع جمع العصر إلى الجمعة؟
فالجواب: أن هذا سؤال غير وارد لأن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل، فلا يطالب من منع التعبد لله تعالى بشيء من الأعمال الظاهرة، أو الباطنة، وإنما يطالب بذلك من تعبد به لقوله تعالى منكراً على من تعبدوا لله بلا شرع: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ

(16/182)


لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وعلى هذا:
فإذا قال القائل: ما الدليل على منع جمع العصر مع الجمعة؟
قلنا: ما الدليل على جوازه؟ فإن الأصل وجوب فعل صلاة العصر في وقتها، خولف هذا الأصل في جمعها إلى الظهر عند وجوب سبب الجمع، فبقي ما عداه على الأصل، وهو منع تقديمها على وقتها.
فإن قال قائل: أرأيتم لو نوى بصلاة الجمعة صلاة الظهر ليتم له الجمع؟
فالجواب: إن كان ذلك إمام الجمعة في أهل البلد أي أن أهل البلد نووا بالجمعة صلاة الظهر فلا شك في تحريمه وبطلان الصلاة؛ لأن الجمعة واجبة عليهم، فإذا عدلوا عنها إلى الظهر فقد عدلوا عما أمروا به إلى ما لم يؤمروا به، فيكون عملهم باطلاً مردوداً لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
وأما إن كان الذي نوى بالجمعة الظهر كمسافر صلى الجمعة وراء من يصليها، فنوى بها الظهر ليجمع إليها العصر فلا يصح أيضاً؛ لأنه لما حضر الجمعة لزمته، ومن لزمته الجمعة فصلى الظهر قبل سلام الإمام منها لم تصح ظهره.

(16/183)


وعلى تقدير صحة ذلك فقد فوت على نفسه خيراً كثيراً وهو أجر صلاة الجمعة.
هذا وقد نص صاحبا المنتهى والإقناع رحمهما الله على أن الجمعة لا يصح جمع العصر إليها، ذكرا ذلك في أول باب صلاة الجمعة.
وإنما أطلت في ذلك للحاجة إليه، والله أسأل أن يوفقنا للصواب ونفع العباد إنه جواد كريم.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 12/6/1419 ه .

(16/184)


بسم الله الرحمن الرحيم

فصل
قال فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء :الفروق بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر:
1 صلاة الجمعة لا تنعقد إلا بجمع على خلاف بين العلماء في عدده.
وصلاة الظهر تصح من الواحد والجماعة.
2 صلاة الجمعة لا تقام إلا في القرى والأمصار.
وصلاة الظهر في كل مكان.
3 صلاة الجمعة لا تقام في الأسفار فلو مر جماعة مسافرون ببلد قد صلوا الجمعة لم يكن لهؤلاء الجماعة أن يقيموها.
وصلاة الظهر تقام في السفر والحضر.
4 صلاة الجمعة لا تقام إلا في مسجد واحد في البلد، إلا لحاجة.
وصلاة الظهر تقام في كل مسجد.
5 صلاة الجمعة لا تقضى إذا فات وقتها، وإنما تصلى ظهراً؛ لأن من شرطها الوقت.
وصلاة الظهر تقضى إذا فات وقتها لعذر.
6 صلاة الجمعة لا تلزم النساء، بل هي من خصائص الرجال.
وصلاة الظهر تلزم الرجال والنساء.
7 صلاة الجمعة لا تلزم الأرقاء، على خلاف في ذلك وتفصيل.
وصلاة الظهر تلزم الأحرار والعبيد.

(16/185)


8 صلاة الجمعة تلزم من لم يستطع الوصول إليها إلا راكباً.
وصلاة الظهر لا تلزم من لا يستطيع الوصول إليها إلا راكباً.
9 صلاة الجمعة لها شعائر قبلها كالغسل، والطيب، ولبس أحسن الثياب ونحو ذلك.
وصلاة الظهر ليست كذلك.
01 صلاة الجمعة إذا فاتت الواحد قضاها ظهراً لا جمعة.
وصلاة الظهر إذا فاتت الواحد قضاها كما صلاها الإمام إلا من له القصر.
11 صلاة الجمعة يمكن فعلها قبل الزوال على قول كثير من العلماء.
وصلاة الظهر لا يجوز فعلها قبل الزوال بالاتفاق.
21 صلاة الجمعة تسن القراءة فيها جهراً.
وصلاة الظهر تسن القراءة فيها سرًّا.
31 صلاة الجمعة تسن القراءة فيها بسورة معينة، إما سبح والغاشية، وإما الجمعة والمنافقون.
وصلاة الظهر ليس لها سور معينة.
41 صلاة الجمعة ورد في فعلها من الثواب، وفي تركها من العقاب ما هو معلوم.
وصلاة الظهر لم يرد فيها مثل ذلك.
51 صلاة الجمعة ليس لها راتبة قبلها، وقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صلاها أن يصلي بعدها أربعاً.

(16/186)


وصلاة الظهر لها راتبة قبلها، ولم يأت الأمر بصلاة بعدها، لكن لها راتبة بعدها.
61 صلاة الجمعة تسبقها خطبتان.
وصلاة الظهر ليس لها خطبة.
71 صلاة الجمعة لا يصح البيع والشراء بعد ندائها الثاني ممن تلزمه.
وصلاة الظهر يصح البيع والشراء بعد ندائها ممن تلزمه.
81 صلاة الجمعة إذا فاتت في مسجد لا تعاد فيه ولا في غيره.
وصلاة الظهر إذا فاتت في مسجد أعيدت فيه وفي غيره.
91 صلاة الجمعة يشترط لصحتها إذن الإمام على قول بعض أهل العلم.
وصلاة الظهر لا يشترط لها ذلك بالاتفاق.
02 صلاة الجمعة رتب في السبق إليها ثواب خاص مختلف باختلاف السبق، والملائكة على أبواب المسجد يكتبون الأول فالأول.
وصلاة الظهر لم يرد فيها مثل ذلك.
12 صلاة الجمعة لا إبراد فيها في شدة الحر.
وصلاة الظهر يسن فيها الإبراد في شدة الحر.
22 صلاة الجمعة لا يصح جمع العصر إليها في الحال التي يجوز فيها جمع العصر إلى الظهر.
وصلاة الظهر يصح جمع العصر إليها حال وجود العذر المبيح.

(16/187)


صلاة الكسوفصلاة الكسوفصلاة الكسوفصلاة الاستسقاءعضها أي الزائد عما ذكرنا فيه نظر، أو داخل في بعض ما ذكرناه. والله أعلم.
كتبه محمد الصالح العثيمين وتم ذلك في 15/6/ 1419ه .

(16/188)