مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين

اليوم الآخر

( 137 ) سئل فضيلة الشيخ : هل أشراط الساعة الكبرى تأتي بالترتيب؟ وهل الحيوانات تشعر بعلامات القيامة دون الإنس والجن؟ .

فأجاب بقوله : أشراط الساعة الكبرى بعضها مرتب ومعلوم، وبعضها غير مرتب ولا يعلم ترتيبه، فمما جاء مرتبا : نزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، فإن الدجال يبعث، ثم ينزل عيسى ابن مريم فيقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج .

وقد رتب السفاريني - رحمه الله- في عقيدته هذه الأشراط، لكن بعض هذا الترتيب تطمئن إليه النفس، وبعضها ليس كذلك . والترتيب لا يهمنا، وإنما يهمنا أن للساعة علامات عظيمة إذا وقعت فإن الساعة تكون قد قربت، وقد جعل الله للساعة أشراطا ؛ لأنها حدث هام، يحتاج الناس إلى تنبيههم لقرب حدوثه .

ولا ندري هل تشعر البهائم بذلك، ولكن البهائم تبعث يوم القيامة، وتحشر، ويقتص من بعضها لبعض، فيقتص للشاة الجلحاء من القرناء .

( 138 ) سئل فضيلة الشيخ : عن أحاديث خروج المهدي، هل هي صحيحة أو لا؟

فأجاب بقوله : أحاديث المهدي تنقسم إلى أربعة أقسام :

القسم الأول : أحاديث مكذوبة .

القسم الثاني : أحاديث ضعيفة .

(2/11)


القسم الثالث : أحاديث حسنة ، لكنها بمجموعها تصل إلى درجة الصحة ، على أنها صحيح لغيره .
وقال بعض العلماء : إن فيها ما هو صحيح لذاته ، وهذا هو القسم الرابع .
ولكنه ليس المهدي المزعوم ، الذي يقال : إنه في سرداب في العراق ، فإن هذا لا أصل له ، وهو خرافة ، ولا حقيقة له ، ولكن المهدي الذي جاءت الأحاديث بإثباته رجل كغيره من بني آدم ، يخلق ويولد في وقته ، ويخرج إلى الناس في وقته ، فهذه هي قصة المهدي ، وإنكاره مطلقا خطأ ، وإثباته مطلقا خطأ ، كيف ذلك ؟
إثباته على وجه يشمل المهدي المنتظر ، الذي يقال : إنه في السرداب هذا خطأ ؛ لأن اعتقاد هذا المهدي المختفي خبل في العقل ، وضلال في الشرع ، وليس له أصل ، وإثبات المهدي الذي أخبر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتكاثرت فيه الأحاديث ، والذي سيولد في وقته ، ويخرج في وقته هذا حق .
( 139 ) وسئل فضيلة الشيخ : من هم يأجوج ومأجوج ؟
فأجاب- حفظه الله تعالى - بقوله : يأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم موجودتان ، قال الله - تعالى - في قصة ذي القرنين : ( { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا }

(2/12)


{ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا } .
ويقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « يقول الله يوم القيامة : يا آدم ، قم فابعث بعث النار من ذريتك » ، إلى أن قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أبشروا فإن منكم واحدا ، ومن يأجوج ومأجوج ألفا » . وخروجهم الذي هو من أشراط الساعة وجدت بوادره في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ففي حديث أم حبيبة - رضي الله عنها - قالت : « خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوما فزعا محمرا وجهه ، يقول : " لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها » .
( 140 ) وسئل فضيلة الشيخ : عن الدجال ؟ ولماذا حذر الأنبياء أقوامهم منه مع أنه لا يخرج إلا في آخر الزمان ؟
فأجاب قائلا : أعظم فتنة على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة هي فتنة الدجال ، كما قال ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولهذا ما من نبي من نوح إلى محمد - صلوات الله عليهم وسلامه - إلا أنذر قومه به تنويها بشأنه ، وتعظيما له ، وتحذيرا منه ، وإلا فإن الله يعلم أنه لن يخرج إلا في آخر الزمان ، ولكن أمر الرسل أن ينذروا قومهم إياه من أجل أن تتبين عظمته وفداحته ، وقد صح ذلك عن النبي - عليه الصلاة والسلام - وقال : « إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم - صلوات الله وسلامه عليه ؛ يعني أكفيكم إياه- وإلا فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم » .

(2/13)


نِعْمَ الخليفة ربنا - جل وعلا- .
فهذا الدجال شأنه عظيم ، بل هو أعظم فتنة ، كما جاء في الحديث منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة ، فكان حريّا بأن يخص من بين فتن المحيا بالتعوذ من فتنته في الصلاة : « أعوذ بالله من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال » .
وأما الدجال فهو مأخوذ من الدجل وهو التمويه ؛ لأن هذا مموه بل أعظم مموه ، وأشد الناس دجلا .
( 141 ) وسئل فضيلته : عن وقت خروج المسيح الدجال .
فأجاب بقوله : خروج المسيح الدجال من علامات الساعة ، ولكنه غير محدد ؛ لأنه لا يعلم متى تكون الساعة إلا الله ، فكذلك أشراطها ما نعلم منها إلا ما ظهر ، فوقت خروجه غير معلوم لنا ، لكننا نعلم أنه من أشراط الساعة .
( 142 ) وسئل عن مكان خروج الدجال .
فأجاب بقوله : يخرج من المشرق من جهة الفتن والشر كما ، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « الفتنة هاهنا » وأشار إلى المشرق ، فالمشرق : منبع الشر والفتن ، يخرج من المشرق من خراسان ، مارّا بأصفهان ، داخلا الجزيرة من بين الشام والعراق ، ليس له هم إلا المدينة ؛ لأن فيها البشير النذير - عليه الصلاة والسلام - فيحب أن يقضي على أهل المدينة ، ولكنها محرمة عليه ، كما ثبت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « على كل باب منها ملائكة يحفظونها » . هذا الرجل يخرج خلة بين الشام والعراق ، ويتبعه من يهود أصفهان سبعون ألفا ؛ لأنهم جنوده ، فاليهود من أخبث عباد الله ، وهو

(2/14)


أضل عباد الله ، فيتبعونه ويؤوونه وينصرونه ، ويكونون مسالح له - أي جنودا مجندين- هم ، وغيرهم ممن يتبعهم ، قال النبي - عليه الصلاة والسلام - : « "يا عباد الله ، فاثبتوا . يا عباد الله ، فاثبتوا » . يثبتنا عليه الصلاة والسلام ؛ لأن الأمر خطير ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : « من سمع بالدجال فلينأ عنه ، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات » . يأتيه الإنسان ، ويقول : لن يضلني ، ولن أتأثر به ، ولكن لا يزال يلقي عليه من الشبهات حتى يتبعه والعياذ بالله .
( 143 ) وسئل عن : دعوة الدجال وما يدعو إليه .
فأجاب بقوله : ذكر أنه أول ما يخرج يدعو إلى الإسلام ، ويقول : إنه مسلم ، وينافح عن الإسلام ، ثم بعد ذلك يدعي النبوة ، وأنه نبي ، ثم بعد ذلك يدعي أنه إله ، فهذه دعوته نهايتها بداية فرعون ، وهي ادعاء الربوبية .
( 144 ) وسئل عن : فتنة الدجال .
فأجاب بقوله : من حكمة الله - عز وجل أنه - سبحانه وتعالى - يعطي الدجال آيات فيها فتن عظيمة ، فإنه يأتي إلى القوم يدعوهم فيتبعونه ، فيصبحون وقد نبتت أراضيهم ، وشبعت مواشيهم ، فتعود إليهم أطول ما كانت ذرى ، وأسبغ ضروعا ، وأمد خواصر ؛ يعني أنهم يعيشون برغد ؛ لأنهم اتبعوه .
ويأتي القوم فيدعوهم فلا يتبعونه ، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم ، وهذه فتنة عظيمة ، لا سيما في الأعراب ، ويمر بالخربة ، فيقول : أخرجي كنوزك ، فتخرج كنوزها تتبعه كيعاسيب النحل من ذهب وفضة ، وغيرها بدون آلات ، وبدون أي شيء ، فتنة من الله - عز وجل- فهذه

(2/15)


حاله ، ومعاملته مع أهل الدنيا لمن يريد التمتع بالدنيا ، أو يبأس فيها .
ومن فتنته أن الله - تعالى - جعل معه جنة ونارا بحسب رؤيا العين ، لكن جنته نار ، وناره جنة ، فمن أطاعه أدخل هذه الجنة فيما يرى الناس ، ولكنها نار محرقة والعياذ بالله ، ومن عصاه أدخله النار فيما يراه الناس ، ولكنها جنة وماء عذب طيب .
إذن يحتاج الأمر إلى تثبيت من الله - عز وجل - إن لم يثبت الله المرء هلك وضل ، فيحتاج إلى أن يثبت الله المرء على دينه ثباتا قويا .
ومن فتنته أنه يخرج إليه رجل من الناس ممتلئ شبابا ، فيقول له : أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيدعوه ، فيأبى أن يتبعه فيضربه ، ويشجه في المرة الأولى ، ثم يقتله ، ويقطعه قطعتين ، ويمشي بينهما تحقيقا للمباينة بينهما ، ثم يدعوه فيقوم يتهلل وجهه ، ويقول : أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثم يأتي ليقتله فلا يسلط عليه ، يعجز عن قتله ، ولن يسلط على أحد بعده ، فهذا من أعظم الناس شهادة عند الله ؛ لأنه في هذا المقام العظيم الرهيب الذي لا نتصوره نحن في هذا المكان ، لا يتصور رهبته إلا من باشره ، ومع ذلك يصرح على الملأ إعذارا وإنذارا ، بأنك أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، هذه حاله ، وما يدعو إليه .
( 145 ) وسئل فضيلته : عن مقدار لبث الدجال في الأرض .
فأجاب بقوله : مقدار لبثه في الأرض : أربعون يوما فقط ، لكن يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامنا ، هكذا حدث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، « قال الصحابة - رضي الله عنهم - : يا رسول الله ، هذا اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد ؟ قال : " لا ، اقدروا »

(2/16)


« له قدره" » ، انظروا إلى هذا المثال لنأخذ منه عبرة ، كيف كان تصديق أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لرسول الله ، ما ذهبوا يحرفون ، أو يؤولون ، أو يقولون : إن اليوم لا يمكن أن يطول ؛ لأن الشمس تجري في فلكها ، ولا تتغير ، ولكنه يطول لكثرة المشاق فيه وعظمها ، فهو يطول ؛ لأنه متعب - بكسر العين - ما قالوا هكذا ، كما يقول بعض المتحذلقين ، ولكن صدقوا بأن هذا اليوم سيكون اثني عشر شهرا حقيقة ، بدون تحريف ، وبدون تأويل .
وهكذا حقيقة المؤمن ينقاد لما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب ، وإن حار فيها عقله ، لكن يجب أن تعلم أن خبر الله ورسوله لا يكون في شيء محال عقلا ، لكن يكون في شيء تحار فيه العقول ؛ لأنها لا تدركه ، فالرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أن أول يوم من أيام الدجال كسنة ، لو أن هذا الحديث مر على المتأخرين ، الذين يدعون أنهم هم العقلاء لقالوا : إن طوله مجاز ، عما فيه من التعب والمشقة ؛ لأن أيام السرور قصيرة ، وأيام الشرور طويلة ، ولكن الصحابة - رضي الله عنهم- من صفائهم وقبولهم سلموا في الحال ، وقالوا بلسان الحال : إن الذي خلق الشمس ، وجعلها تجري في أربع وعشرين ساعة في اليوم والليلة قادر على أن يجعلها تجري في اثني عشر شهرا ؛ لأن الخالق واحد - عز وجل - فهو قادر ، ولذلك سلموا . وقالوا : كيف نصلي ؟
ما سألوا عن الأمر الكوني ؛ لأنهم يعلمون أن قدرة الله فوق مستواهم ، سألوا عن الأمر الشرعي الذين هم مكلفون به وهو الصلاة ، وهذا والله حقيقة الانقياد والقبول ، قالوا : « يا رسول الله ، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال : " لا ، اقدروا له قدره » . وسبحان الله العظيم ، إذا تأملت تبين لك أن هذا الدين تام كامل ، لا يمكن أن تكون مسألة يحتاج الناس إليها إلى يوم القيامة إلا وجد لها أصل ، كيف أنطق الله

(2/17)


الصحابة أن يسألوا هذا السؤال ؟
أنطقهم الله حتى يكون الدين كاملا ، لا يحتاج إلى تكميل ، وقد احتاج الناس إلى هذا الآن في المناطق القطبية ، يبقى الليل فيها ستة أشهر ، والنهار ستة أشهر ، فنحتاج إلى هذا الحديث ، انظر كيف أفتى الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذه الفتوى قبل أن تقع هذه المشكلة ؛ لأن الله - تعالى - قال في كتابه : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } . والله لو نتأمل الكلمة { أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } لعلمنا أنه لا يوجد شيء ناقص في الدين أبدا ، فهو كامل من كل وجه ، لكن النقص فينا ؛ إما قصور في عقولنا ، أو في أفهامنا ، أو في إرادات ليست منضبطة ، يكون الإنسان يريد أن ينصر قوله ، فيعمى عن الحق - نسأل الله العافية - .
فلو أننا نظرنا في علم ، وفهم ، وحسن نية لوجدنا أن الدين ولله الحمد لا يحتاج إلى مكمل ، وأنه لا يمكن أن تقع مسألة صغيرة ولا كبيرة ، إلا وجد حلها في الكتاب والسنة ، لكن لما كثر الهوى ، وغلب على الناس صار بعض الناس يعمى عليهم الحق ، ويخفى عليهم ، وتجدهم إذا نزلت فيهم الحادثة التي لم تكن معروفة من قبل بعينها ، وإن كان جنسها معروفا تجدهم يختلفون فيها أكثر من أصابعهم ، إذا كانت تحتمل قولين وجدت فيها عشرة ، كل هذا ؛ لأن الهوى غلب على الناس الآن ، وإلا فلو كان القصد سليما والفهم صافيا ، والعلم واسعا لتبين الحق .
على كل حال ، أقول : إن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أن الدجال يبقى أربعين يوما ، وبعد الأربعين يوما ينزل المسيح عيسى ابن مريم ، الذي رفعه الله إليه ، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة : « أنه ينزل عند المنارة البيضاء ، شرقي دمشق ، واضعا كفيه على أجنحة ملكين ، إذا طأطأ رأسه »

(2/18)


« قطر ، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ، فلا يحل لكافر يجد ريحه إلا مات » .
وهذه من آيات الله ، فيلحق الدجال عند باب لد في فلسطين ، فيقتله هناك ، وحينئذ يقضي عليه نهائيا ، ولا يقبل عيسى - عليه الصلاة والسلام - إلا الإسلام لا يقبل الجزية ، ويكسر الصليب ، ويقتل الخنزير فلا يعبد إلا الله ، وعلى هذا فالجزية التي فرضها الإسلام جعل الإسلام لها أمدا تنتهي إليه عند نزول عيسى ، ولا يقال : إن هذا تشريع من عيسى - عليه الصلاة والسلام - ؛ لأن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر بذلك مقرا له ، فوضع الجزية عند نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - ، من سنة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لأن سنة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قوله ، وفعله ، وإقراره ، وكونه يتحدث عن عيسى ابن مريم مقرا له فهذا من سنته ، وإلا فإن عيسى لا يأتي بشرع جديد ، ولا أحد يأتي بشرع جديد ، ليس إلا شرع محمد - عليه الصلاة والسلام - إلى يوم القيامة ، هذا ما يتعلق بالدجال نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من فتنته .
( 146 ) وسئل فضيلة الشيخ : هل الدجال من بني آدم ؟
فأجاب قائلا : الدجال من بني آدم . وبعض العلماء يقول : إنه شيطان . وبعضهم يقول : إن أباه إنسي ، وأمه جنية ، وهذه الأقوال ليست صحيحة ، فالذي يظهر : أن الدجال من بني آدم ، وأنه يحتاج إلى الأكل والشرب ، وغير ذلك ، ولهذا يقتله عيسى قتلا عاديا كما يقتل البشر .
( 147 ) وسئل فضيلته : هل الدجال موجود الآن ؟
فأجاب بقوله : الدجال غير موجود ؛ لأن الرسول ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب الناس في آخر حياته ، وقال : " « إنه على رأس مائة سنة لا يبقى »

(2/19)


« على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد » .
وهذا خبر ، وخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لا يدخله الكذب ، وهو متلقى من الوحي ؛ لأن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يعلم مثل هذا الغيب فهو غير موجود ، ولكن الله يبعثه متى شاء .
( 148 ) سئل فضيلة الشيخ : ذكرتم في الفتوى السابقة رقم "147" : أن الدجال غير موجود الآن ، وهذا الكلام ظاهره يتعارض مع حديث فاطمة بنت قيس في الصحيح ، عن قصة تميم الداري ، فنرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح ذلك ؟ .
فأجاب بقوله : ذكرنا هذا مستدلين بما ثبت في الصحيحين ، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، قال : « إنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد » .
فإذا طبقنا هذا الحديث على حديث تميم الداري صار معارضا له ؛ لأن ظاهر حديث تميم الداري أن هذا الدجال يبقى حتى يخرج ، فيكون معارضا لهذا الحديث الثابت في الصحيحين ، وأيضا فإن سياق حديث تميم الداري في ذكر الجساسة في نفسي منه شيء ، هل هو من تعبير الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو لا ؟ .
( 149 ) وسئل فضيلته : عن قول بعض أهل العلم : إن الرسل الذين أنذروا أقوامهم الدجال لم ينذروهم بعينه ، وإنما أنذروهم بجنس فتنته ؟ .
فأجاب بقوله : هذا القول الضعيف ، بل هو نوع من التحريف ؛ لأن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر بأنه ما من نبي إلا أنذر به قومه بعينه

(2/20)


كما في صحيح مسلم ، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : « ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب » ، وسبق لنا بيان الحكمة من إنذار الرسل به ، ولكن يجب علينا أن نعلم أن جنس هذه الفتنة موجود حتى في غير هذا الرجل ، يوجد من بني آدم الآن من يضل الناس بحاله ، ومقاله ، وبكل ما يستطيع ، وتجد أن الله - سبحانه وتعالى - بحكمته أعطاه بيانا وفصاحة : { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } . فعلى المرء إذا سمع مثل هذه الفتن التي تكون لأهل البدع من أناس يبتدعون في العقائد ، وأناس يبتدعون في السلوك ، وغير ذلك ، يجب عليه أن يعرض هذه البدع على الكتاب والسنة ، وأن يَحْذَرَ ويُحَذِّرَ منها ، وأن لا يغتر بما تكسى به من زخارف القول ، فإن هذه الزخارف ، كما قيل فيها :
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور
فالدجال المعين لا شك أن فتنته أعظم شيء يكون ، لكن هناك دجاجلة يدجلون على الناس ، ويموهون عليهم ، فيجب الحذر منهم ، ومعرفة إراداتهم ونياتهم ، ولهذا قال الله تعالى في المنافقين : { هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ } . مع أنه قال : { وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } . يعني بيانه ، وفصاحته ، وعظمه ، يجرك جرّا إلى أن تسمع ، لكن كأنهم خشب مسندة ، حتى الخشب ما هي قائمة بنفسها ، مسندة تقوم على الجدار فهي لا خير فيها .
فهؤلاء الذين يزينون للناس بأساليب القول سواء في العقيدة ، أو

(2/21)


في السلوك ، أو في المنهج يجب الحذر منهم ، وأن تعرض أقوالهم ، وأفعالهم على كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فما خالفهما فهو باطل مهما كان ، ولا تقولن : إن هؤلاء القوم أعطوا فصاحة وبيانا لينصروا الحق ، فإن الله تعالى قد يبتلي فيعطي الإنسان فصاحة وبيانا ، وإن كان على باطل ، كما ابتلى الله الناس بالدجال وهو على باطل بلا شك .
( 150 ) سئل فضيلة الشيخ : عن حكم من أنكر حياة الآخرة ، وزعم أن ذلك من خرافات القرون الوسطى ؟ وكيف يمكن إقناع هؤلاء المنكرين ؟
فأجاب بقوله : من أنكر حياة الآخرة ، وزعم أن ذلك من خرافات القرون الوسطى فهو كافر ، لقول الله - تعالى - : { وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } . وقال - تعالى - : { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } ، وقال-تعالى- : { بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا } وقال - تعالى- : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

(2/22)


وأما إقناع هؤلاء المنكرين فبما يأتي :
أولا : أن أمر البعث تواتر به النقل عن الأنبياء والمرسلين في الكتب الإلهية ، والشرائع السماوية ، وتلقته أممهم بالقبول ، فكيف تنكرونه ، وأنتم تصدقون بما ينقل إليكم عن فيلسوف ، أو صاحب مبدأ أو فكرة ، وإن لم يبلغ ما بلغه الخبر عن البعث ، لا في وسيلة النقل ، ولا في شهادة الواقع ؟ !!
ثانيا : أن أمر البعث قد شهد العقل بإمكانه ، وذلك من وجوه :
1 - كل أحد لا ينكر أن يكون مخلوقا بعد العدم ، وأنه حادث بعد أن لم يكن ، فالذي خلقه وأحدثه بعد أن لم يكن ، قادر على إعادته بالأولى ، كما قال الله - تعالى - : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } ، وقال تعالى : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } .
2 - كل أحد لا ينكر عظمة خلق السماوات والأرض لكبرهما ، وبديع صنعتهما ، فالذي خلقهم قادر على خلق الناس وإعادتهم بالأولى ؛ قال الله تعالى : { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } . وقال تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . وقال

(2/23)


تعالى- : { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .
3 - كل ذي بصر يشاهد الأرض مجدبة ميتة النبات ، فإذا نزل المطر عليها أخصبت ، وحيي نباتها بعد الموت ، والقادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى وبعثهم ، قال الله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
ثالثا : أن أمر البعث قد شهد الحس والواقع بإمكانه ، فيما أخبرنا الله تعالى به من وقائع إحياء الموتى ، وقد ذكر الله - تعالى - من ذلك في سورة البقرة خمس حوادث ، منها قوله : { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
رابعا : أن الحكمة تقتضي البعث بعد الموت ؛ لتجازى كل نفس بما كسبت ، ولولا ذلك لكان خلق الناس عبثا لا قيمة له ، ولا حكمة منه ، ولم يكن بين الإنسان ، وبين البهائم فرق في هذه الحياة . . قال الله - تعالى - :

(2/24)


{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } ، وقال الله - تعالى - : ( { إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } ، وقال- تعالى- : { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } ، وقال - تعالى - : { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } .
فإذا بينت هذه البراهين لمنكري البعث ، وأصروا على إنكارهم ، فهم مكابرون معاندون ، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } .
( 151 ) وسئل فضيلة الشيخ : هل عذاب القبر على البدن ، أو على الروح ؟ .
فأجاب بقوله : الأصل أنه على الروح ؛ لأن الحكم بعد الموت للروح ، والبدن جثة هامدة ، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه ، فلا يأكل ولا يشرب ، بل تأكله الهوام ، فالأصل أنه على الروح ، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن الروح قد تتصل بالبدن فيعذب أو ينعم معها ، وأن لأهل السنة قولا آخر بأن العذاب ، أو النعيم يكون للبدن دون الروح ، واعتمدوا في

(2/25)


ذلك على أن هذا قد رئي حسّا في القبر ، فقد فتحت بعض القبور ورئي أثر العذاب على الجسم ، وفتحت بعض القبور ورئي أثر النعيم على الجسم .
وقد حدثني بعض الناس أنهم في هذا البلد هنا في عنيزة كانوا يحفرون لسور البلد الخارجي ، فمروا على قبر فانفتح اللحد فوجد فيه ميت أكلت كفنه الأرض ، وبقي جسمه يابسا لكن لم تأكل منه شيئا حتى إنهم قالوا : إنهم رأوا لحيته ، وفيها الحنا وفاح عليهم رائحة كأطيب ما يكون من المسك ، فتوقفوا ، وذهبوا إلى الشيخ وسألوه ، فقال : دعوه على ما هو عليه واجنبوا عنه ، احفروا من يمين أو من يسار .
فبناء على ذلك قال العلماء : إن الروح قد تتصل في البدن ، فيكون العذاب على هذا وهذا ، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه » ، فهذا يدل على أن العذاب يكون على الجسم ؛ لأن الأضلاع في الجسم ، والله أعلم .
( 152 ) وسئل فضيلة الشيخ : ما المراد بالقبر ، هل هو مدفن الميت أو البرزخ ؟ .
فأجاب : أصل القبر مدفن الميت ، قال الله - تعالى - : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } ، قال ابن عباس : أي أكرمه بدفنه . وقد يراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة ، وإن لم يدفن ، كما قال - تعالى - : { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } . يعني من وراء الذين ماتوا ؛ لأن أول الآية يدل

(2/26)


على هذا : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } .
ولكن هل الداعي إذا دعا « أعوذ بالله من عذاب القبر » ، يريد عذاب مدفن الموتى ، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة ؟ .
الجواب : يريد الثاني ؛ لأن الإنسان في الحقيقة لا يدري هل يموت ويدفن ، أو يموت وتأكله السباع ، أو يحترق ، ويكون رمادا ما يدري ! { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } ، فاستحضر أنك إذا قلت : من عذاب القبر ، أي من العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة .
( 153 ) وسئل فضيلته : هل عذاب القبر ثابت ؟ .
فأجاب بقوله : عذاب القبر ثابت بصريح السنة ، وظاهر القرآن ، وإجماع المسلمين هذه ثلاثة أدلة :
أما صريح السنة ، فقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام - : « تعوذوا بالله من عذاب القبر ، تعوذوا بالله من عذاب القبر ، تعوذوا بالله من عذاب القبر » .
وأما إجماع المسلمين ، فلأن جميع المسلمين يقولون في صلاتهم : " أعوذ بالله من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر" ، حتى العامة الذين ليسوا من أهل الإجماع ، ولا من العلماء .

(2/27)


وأما ظاهر القرآن ، فمثل قوله- تعالى- في آل فرعون : { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } ، ولا شك أن عرضهم على النار ليس من أجل أن يتفرجوا عليها ، بل من أجل أن يصيبهم من عذابها ، وقال - تعالى - : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ } . الله أكبر إنهم لشحيحون بأنفسهم ما يريدون أن تخرج { الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } . فقال : ( اليوم ) و" ال " هنا للعهد الحضوري ، اليوم يعني : اليوم الحاضر ، الذي هو يوم وفاتهم ، { تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } .
إذن فعذاب القبر ثابت بصريح السنة ، وظاهر القرآن ، وإجماع المسلمين ، وهذا الظاهر من القرآن يكاد يكون كالصريح ؛ لأن الآيتين اللتين ذكرناهما كالصريح في ذلك .
( 154 ) وسئل فضيلته : هل عذاب القبر يشمل المؤمن العاصي ، أو هو خاص بالكفار ؟ .
فأجاب فضيلته : عذاب القبر المستمر يكون للمنافق والكافر . وأما المؤمن العاصي فإنه قد يعذب في قبره ؛ لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - « أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بقبرين ، فقال : " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من »

(2/28)


« البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة » . وهذا معروف أنهما كانا مسلمين .
( 155 ) وسئل الشيخ : إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع ، أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر ؟ .
فأجاب قائلا : نعم ، ويكون العذاب على الروح ؛ لأن الجسد قد زال وتلف وفني ، وإن كان هذا أمرا غيبيا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب ، ولو كان قد فني واحترق ؛ لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا .
( 156 ) سئل فضيلة الشيخ : كيف نجيب من ينكر عذاب القبر ، ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجد لم يتغير ، ولم يضق ، ولم يتسع ؟ .
فأجاب - حفظه الله - بقوله : يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها :
أولا : أن عذاب القبر ثابت بالشرع ، قال الله - تعالى - في آل فرعون : { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } ، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع ، ثم أقبل بوجهه ، فقال : تعوذوا بالله من عذاب النار ، قالوا : نعوذ بالله من عذاب النار ، فقال : تعوذوا بالله من عذاب القبر قالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر » . وقول النبي - صلى الله

(2/29)


عليه وسلم - في المؤمن : « يفسح له في قبره مد بصره » إلى غير ذلك من النصوص ، فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول ، بل الواجب التصديق والإذعان .
ثانيا : أن عذاب القبر على الروح في الأصل ، وليس أمرا محسوسا على البدن ، فلو كان أمرا محسوسا على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب ، ولم يكن للإيمان به فائدة ، لكنه من أمور الغيب ، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا .
ثالثا : أن العذاب ، والنعيم ، وسعة القبر ، وضيقه ، إنما يدركه الميت دون غيره ، والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم ، وذاهب وراجع ، وضارب ومضروب ، ويرى أنه في مكان ضيق موحش ، أو في مكان واسع بهيج ، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به .
والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول : سمعنا وأطعنا ، وآمنا وصدقنا .
( 157 ) وسئل فضيلته : هل عذاب القبر دائم أو منقطع ؟ .
فأجاب بقوله : أما إن كان الإنسان كافرا - والعياذ بالله - فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبدا ، ويكون عذابه مستمرا .
وأما إن كان عاصيا وهو مؤمن ، فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه ، وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة ، وحينئذٍ يكون منقطعا .
( 158 ) وسئل فضيلة الشيخ : هل يخفف عذاب القبر عن المؤمن العاصي ؟ .

(2/30)


فأجاب قائلا : نعم ، قد يخفف ؛ لأن « النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بقبرين ، فقال : " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، بلى إنه كبير ؛ أما أحدهما : فكان لا يستبرئ " ، أو قال : " لا يستتر من البول ، وأما الآخر : فكان يمشي بالنميمة " ، ثم أخذ جريدة رطبة ، فشقها نصفين ، فغرز في كل قبر واحدة ، وقال : " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا » ، وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب ، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذبين ؟ .
1 - قيل : لأنهما أي الجريدتين تسبحان ما لم تيبسا ، والتسبيح يخفف من العذاب على الميت ، وقد فرعوا على هذه العلة المستنبطة - التي قد تكون مستبعدة - أنه يسن للإنسان أن يذهب إلى القبور ، ويسبح عندها من أجل أن يخفف عنها .
2 - وقال بعض العلماء : هذا التعليل ضعيف ؛ لأن الجريدتين تسبحان سواء كانتا رطبتين أم يابستين ؛ لقوله تعالى- { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } . وقد سمع تسبيح الحصى بين يدي الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع أن الحصى يابس ، إذن ما العلة ؟ .
العلة : أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ترجى من الله - عز وجل - أن يخفف عنهما من العذاب ما دامت هاتان الجريدتان رطبتين ؛ يعني أن المدة ليست طويلة ، وذلك من أجل التحذير عن فعلهما ؛ لأن فعلهما كبير ، كما جاء في الرواية : " بلى إنه كبير " ، أحدهما : لا يستبرئ من البول ، وإذا لم يستبرئ من البول صلى بغير طهارة ، والآخر : يمشي بالنميمة ، يفسد بين عباد الله - والعياذ بالله - ويلقي بينهم العداوة ، والبغضاء ، فالأمر كبير ، وهذا

(2/31)


هو الأقرب أنها شفاعة مؤقتة ؛ تحذيرا للأمة لا بخلا من الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشفاعة الدائمة .
ونقول استطرادا : إن بعض العلماء - عفا الله عنهم - قالوا : يسن أن يضع الإنسان جريدة رطبة ، أو شجرة ، أو نحوها على القبر ليخفف عنه ، لكن هذا الاستنباط بعيد جدا ، ولا يجوز أن نصنع ذلك لأمور :
أولا : أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
ثانيا : أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت ؛ لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب ، وما يدرينا فلعله ينعم ، لعل هذا الميت ممن مَنَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته ؛ لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة ، فمات وقد عفا رب العباد عنه ، وحينئذ لا يستحق عذابا .
ثالثا : أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلم الناس بشريعة الله ، فما فعل هذا أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - فما بالنا نحن نفعله .
رابعا : أن الله - تعالى - قد فتح لنا ما هو خير منه ، « فكان النبي - عليه الصلاة والسلام - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه ، وقال : " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل » .
( 159 ) وسئل فضيلته : هل عذاب القبر من أمور الغيب ، أو من أمور الشهادة ؟ .
فأجاب قائلا : عذاب القبر من أمور الغيب ، وكم من إنسان في هذه المقابر يعذب ونحن لا نشعر به ، وكم جار له منعم مفتوح له باب إلى الجنة ، ونحن لا نشعر به ، فما تحت القبور لا يعلمه إلا علام الغيوب ، فشأن

(2/32)


عذاب القبر من أمور الغيب ، ولولا الوحي الذي جاء به النبي - عليه الصلاة والسلام - ما علمنا عنه شيئا ، ولهذا لما دخلت امرأة يهودية إلى عائشة ، وأخبرتها أن الميت يعذب في قبره فزعت ، حتى جاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأخبرته ، وأقر ذلك عليه الصلاة والسلام ، ولكن قد يطلع الله - تعالى - عليه من شاء من عباده ، مثل ما أطلع نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الرجلين اللذين يعذبان ؛ أحدهما : يمشي بالنميمة ، والآخر : لا يستنزه من البول .
والحكمة من جعله من أمور الغيب هي :
أولا : أن الله - سبحانه وتعالى - أرحم الراحمين ، فلو كنا نطلع على عذاب القبور لتنكد عيشنا ؛ لأن الإنسان إذا أطلع على أن أباه ، أو أخاه ، أو ابنه ، أو زوجه ، أو قريبه يعذب في القبر ، ولا يستطيع فكاكه ، فإنه يقلق ولا يستريح ، وهذه من نعمة الله -سبحانه - .
ثانيا : أنه فضيحة للميت ، فلو كان هذا الميت قد ستر الله عليه ، ولم نعلم عن ذنوبه بينه وبين ربه - عز وجل- ثم مات ، وأطلعنا الله على عذابه ، صار في ذلك فضيحة عظيمة له ففي ستره رحمة من الله بالميت .
ثالثا : أنه قد يصعب على الإنسان دفن الميت ، كما جاء عن النبي - عليه الصلاة والسلام - « لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر » . ففيه أن الدفن ربما يصعب ، ويشق ، ولا ينقاد الناس لذلك ، وإن كان من يستحق عذاب القبر عذب ، ولو على سطح الأرض ، لكن قد يتوهم الناس أن العذاب لا يكون إلا في حال الدفن فلا يدفن بعضهم بعضا .
رابعا : أنه لو كان ظاهرا لم يكن للإيمان به مزية ؛ لأنه يكون مشاهدا

(2/33)


لا يمكن إنكاره ، ثم إنه قد يحمل الناس على أن يؤمنوا كلهم ؛ لقوله تعالى : { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } ، فإذا رأى الناس هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون آمنوا ، وما كفر أحد ؛ لأنه أيقن بالعذاب ، ورآه رأي العين ، فكأنه نزل به ، وحكم الله - سبحانه وتعالى - عظيمة ، والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزم بخبر الله أكثر مما يجزم بما شاهده بعينه ؛ لأن خبر الله - عز وجل - لا يتطرق إليه احتمال الوهم ولا الكذب ، وما تراه بعينيك يمكن أن تتوهم فيه ، فكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال ، وإذا هي نجمة ، وكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه وهذا وهم ، وكم من إنسان يرى شبحا ، ويقول : هذا إنسان مقبل ، وإذا هو جذع نخلة ، وكم من إنسان يرى الساكن متحركا والمتحرك ساكنا ، لكن خبر الله لا يتطرق إليه الاحتمال أبدا .
نسأل الله لنا ولكم الثبات ، فخبر الله بهذه الأمور أقوى من المشاهدة ، مع ما في الستر من المصالح العظيمة للخلق .
( 160 ) وسئل فضيلته : هل سؤال الميت في قبره حقيقي ، وأنه يجلس في قبره ويناقش ؟ .
فأجاب فضيلته بقوله : سؤال الميت في قبره حقيقي بلا شك ، والإنسان في قبره يجلس ، ويناقش ويسأل .
فإن قال قائل : إن القبر ضيق فكيف يجلس ؟ !
فالجواب : أولا : أن الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدق ،

(2/34)


ولا يسأل كيف ؟ ولم ؟ ؛ لأنه لا يسأل عن كيف ولم إلا من شك ، وأما من آمن وانشرح صدره لأخبار الله ورسوله فيسلم ، ويقول : الله أعلم في كيفية ذلك .
ثانيا : أن تعلق الروح بالبدن في الموت ليس كتعلقها به في حال الحياة ، فللروح مع البدن شئون عظيمة لا يدركها الإنسان ، وتعلقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يقاس بتعلقها به في حال الحياة ، وها هو الإنسان في منامه يرى أنه ذهب ، وجاء ، وسافر ، وكلم أناسا ، والتقى بأناس ؛ أحياء وأموات ، ويرى أن له بستانا جميلا ، أو دارا موحشة مظلمة ، ويرى أنه راكب على سيارة مريحة ، ويرى مرة أنه راكب على سيارة مقلقة كل هذا يمكن مع أن الإنسان على فراشه ما تغير ، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغير ، ومع ذلك فإننا نحس بهذا إحساسا ظاهرا ؛ فتعلق الروح بالبدن بعد الموت يخالف تعلقها به في اليقظة ، أو في المنام ، ولها شأن آخر لا ندركه نحن ، فالإنسان يمكن أن يجلس في قبره ، ويسأل ، ولو كان القبر محدودا ضيقا .
هكذا صح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمنه البلاغ ، وعلينا التصديق والإذعان ، قال الله تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .
( 161 ) سئل فضيلة الشيخ : كيف تدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق مقدار ميل ، ولا تحرقهم ، وهي لو دنت عما هي عليه الآن بمقدار شبر واحد لاحترقت الأرض ؟ .

(2/35)


فأجاب بقوله : إن وظيفة المؤمن - وهذه قاعدة يجب أن تبنى عليها عقيدتنا - فيما ورد من أخبار الغيب القبول والتسليم ، وأن لا يسأل عن كيف ؟ ولم ؟ ؛ لأن هذا أمر فوق ما تتصوره أنت ، فالواجب عليك أن تقبل وتسلم وتقول : آمنا وصدقنا ، آمنا بأن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل ، وما زاد على ذلك من الإيرادات فهو من البدع ، ولهذا لما سئل الإمام مالك - رحمه الله - عن استواء الله كيف استوى ؟ قال : " السؤال عنه بدعة " . هكذا أيضا كل أمور الغيب السؤال عنها بدعة ، وموقف الإنسان منها القبول والتسليم .
جواب الشق الثاني : بالنسبة لدنو الشمس من الخلائق يوم القيامة فإننا نقول :
إن الأجسام تبعث يوم القيامة لا على الصفة التي عليها في الدنيا من النقص ، وعدم التحمل ، بل هي تبعث بعثا كاملا تاما ، ولهذا يقف الناس يوم القيامة يوما مقداره خمسون ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون ، وهذا أمر لا يحتمل في الدنيا ، فتدنو الشمس منهم وأجسامهم قد أعطيت من القوة ما يتحمل دنوها ، ومن ذلك ما ذكرناه من الوقوف خمسين ألف سنة ، لا يحتاجون إلى طعام ، ولا شراب ، فالأجسام يوم القيامة لها شأن آخر غير شأنها في هذه الدنيا .
( 162 ) سئل فضيلة الشيخ : قلتم في الفتوى السابقة رقم "161" : إن الأجسام تبعث يوم القيامة لا على الصفة التي هي عليها في الدنيا ، والله - عز وجل - يقول : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }

(2/36)


، فنأمل من فضيلتكم توضيح ذلك ؟ .
فأجاب فضيلته : هذا لا يشكل على ما قلنا ؛ لأن المراد بقوله : { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } من حيث الخلق ، فهو كقوله : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } ، فالمعنى : أنه كما بدأ خلقكم ، وقدر عليه فإنكم تعودون كذلك بقدرة الله - عز وجل - .
( 163 ) سئل فضيلة الشيخ : كيف نجمع بين قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « من نوقش الحساب عذب » . رواه البخاري من حديث عائشة ، ومناقشة المؤمن في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إن الله يدني المؤمن ، فيضع عليه كنفه ويستره ، فيقول : أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : نعم ، أي رب ، حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى في نفسه أنه هلك قال : سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم ، فيعطى كتاب حسناته » . الحديث رواه البخاري ؟ .
فأجاب - رعاه الله وحفظه - بقوله : ليس في هذا إشكال ؛ لأن المناقشة معناها : أن يحاسب ، فيطالب بهذه النعم التي أعطاه الله إياها ؛ لأن الحساب الذي فيه المناقشة معناه : أنك كما تأخذ تعطي ، ولكن حساب الله لعبده المؤمن يوم القيامة ليس على هذا الوجه ، بل إنه مجرد فضل من الله - تعالى - إذا قرره بذنوبه ، وأقر واعترف قال : "سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك

(2/37)


اليوم " ، وكلمة نوقش تدل على هذا ؛ لأن المناقشة الأخذ والرد في الشيء ، والبحث على دقيقه وجليله ، وهذا لا يكون بالنسبة لله - عز وجل - مع عبده المؤمن ، بل إن الله - تعالى - يجعل الحساب للمؤمنين مبنيا على الفضل والإحسان ، لا على المناقشة والأخذ بالعدل .
( 164 ) وسئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته - : كيف يحاسب الكافر يوم القيامة ، وهو غير مطالب بالتكاليف الشرعية ؟ .
فأجاب بقوله : هذا السؤال مبني على فهم ليس بصحيح ، فإن الكافر مطالب بما يطالب به المؤمن ، لكنه غير ملزم به في الدنيا ، ويدل على أنه مطالب قوله - تعالى - : { إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ } .
فلولا أنهم عوقبوا بترك الصلاة ، وترك إطعام المساكين ما ذكروه ؛ لأن ذكره في هذه الحال لا فائدة منه ، وذلك دليل على أنهم يعاقبون على فروع الإسلام ، وكما أن هذا هو مقتضى الأثر ، فهو أيضا مقتضى النظر ، فإذا كان الله تعالى يعاقب عبده المؤمن على ما أخل به من واجب في دينه فكيف لا يعاقب الكافر ؟ ، بل إني أزيدك أن الكافر يعاقب على كل ما أنعم الله به عليه من طعام وشراب وغيره ، قال تعالى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }

(2/38)


، فمنطوق الآية رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموه ، ومفهومها وقوع الجناح على الكافرين فيما طعموه ، وكذلك قوله- تعالى- : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، فإن قوله : { قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } . دليل على أن غير المؤمن ليس له حق في أن يستمتع بها في الدنيا .
أقول : ليس له حق شرعي ، أما الحق بالنظر إلى الأمر الكوني وهو أن الله - سبحانه وتعالى- خلقها ، وانتفع بها هذا الكافر ، فهذا أمر لا يمكن إنكاره ، فهذا دليل على أن الكافر يحاسب حتى على ما أكل من المباحات وما لبس ، وكما أن هذا مقتضى الأثر فإنه مقتضى النظر ، إذ كيف يحق لهذا الكافر العاصي لله الذي لا يؤمن به كيف يحق له عقلا أن يستمتع بما خلقه الله - عز وجل - وما أنعم الله به على عباده ، وإذ تبين لك هذا ، فإن الكافر يحاسب يوم القيامة على عمله ، ولكن حساب الكافر يوم القيامة ليس كحساب المؤمن ؛ لأن المؤمن يحاسب حسابا يسيرا ، يخلو به الرب - عز وجل - ويقرره بذنوبه حتى يعترف ، ثم يقول له -سبحانه وتعالى- : « قد سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم » .
أما الكافر - والعياذ بالله - فإن حسابه أن يقرر بذنوبه ، ويخزى بها على رءوس الأشهاد : { وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } .

(2/39)


( 165 ) سئل فضيلة الشيخ : هل يوم الحساب يوم واحد ؟ .
فأجاب قائلا : يوم الحساب يوم واحد ، ولكنه يوم مقداره خمسون ألف سنة ، كما قال الله - تعالى- : { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } أي أن هذا العذاب يقع للكافرين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " « ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ، وأحمي عليها في نار جهنم ، فيكوى بها جنبه ، وجبينه ، وظهره ، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد » .
وهذا اليوم الطويل هو يوم عسير على الكافرين ، كما قال- تعالى - : { وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } ، وقال - تعالى- : { فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } ، ومفهوم هاتين الآيتين : أنه على المؤمن يسير وهو كذلك ، فهذا اليوم الطويل بما فيه من الأهوال ، والأشياء العظيمة ييسره الله - تعالى - على المؤمن ، ويكون عسيرا على الكافر . وأسأل الله - تعالى - أن يجعلني وإخواني المسلمين ممن يسره الله عليهم يوم القيامة .
والتفكير والتعمق في مثل هذه الأمور الغيبية هو من التنطع ، الذي قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه : « هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون » .
ووظيفة الإنسان في هذه الأمور الغيبية

(2/40)


التسليم ، وأخذ الأمور على ظاهر معناها ، دون أن يتعمق ، أو يحاول القياس بينها وبين الأمور في الدنيا ؛ فإن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا ، وإن كانت تشبهها في أصل المعنى ، وتشاركها في ذلك ، لكن بينهما فرق عظيم ، وأضرب لك مثلا ، بما ذكره الله - سبحانه وتعالى - في الجنة من النخل ، والرمان ، والفاكهة ، ولحم الطير ، والعسل والماء ، واللبن ، والخمر ، وما أشبه ذلك مع قوله - عز وجل - : { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
وقوله في الحديث القدسي : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » ، فهذه الأسماء التي لها مسميات بها في هذه الدنيا لا تعني أن المسمى كالمسمى ، وإن اشتركا في الاسم وفي أصل المعنى ، فكل الأمور الغيبية التي تشارك ما يشاهد في الدنيا في أصل المعنى لا تكون مماثلة له في الحقيقة ، فينبغي للإنسان أن ينتبه لهذه القاعدة ، وأن يأخذ أمور الغيب بالتسليم على ما يقتضيه ظاهرها من المعنى ، وألا يحاول شيئا وراء ذلك .
ولهذا لما سئل الإمام مالك - رحمه الله - عن قول الله تعالى - : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } كيف استوى ؟
أطرق - رحمه الله- برأسه حتى علاه الرحضاء - أي العرق -وصار يتصبب عرقا ، وذلك لعظم السؤال في نفسه ، ثم رفع رأسه وقال قولته الشهيرة ، التي كانت ميزانا لجميع ما وصف الله به نفسه - رحمه الله - : " الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة " ا هـ .
فالسؤال المتعمق في مثل هذه الأمور بدعة ؛ لأن الصحابة - رضي الله

(2/41)


عنهم - وهم أشد منا حرصا على العلم ، وعلى الخير لم يسألوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثل هذه الأسئلة ، وكفى بهم قدوة ، وما قلته الآن بالنسبة لليوم الآخر يجرى بالنسبة لصفات الله - عز وجل - التي وصف بها نفسه من العلم ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والكلام وغير ذلك ، فإن مسميات هذه الألفاظ بالنسبة إلى الله - عز وجل - لا يماثلها شيء مما يشاركها في هذا الاسم بالنسبة للإنسان ، فكل صفة فإنها تابعة لموصوفها ، فكما أن الله - سبحانه وتعالى - لا مثيل له في ذاته فلا مثيل له في صفاته .
وخلاصة الجواب : أن اليوم الآخر يوم واحد ، وأنه عسير على الكافرين ، ويسير على المؤمنين ، وأن ما ورد فيه من أنواع الثواب والعقاب أمر لا يدرك كنهه في هذه الحياة الدنيا ، وإن كان أصل المعنى فيه معلوما لنا في هذه الحياة الدنيا .
( 166 ) سئل الشيخ : كيف نجمع بين قول الله - تعالى- : { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ } ، وقوله : { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } ؟ .
فأجاب قائلا : الجمع بينهما أن يقال : يأخذه بشماله ، لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره ، والجزاء من جنس العمل ، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره ، أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره جزاء وفاقا .

(2/42)


( 167 ) وسئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيرا - : كيف نجمع بين القول القاضي بأن الذي يوزن يوم القيامة هو العمل ، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عندما انكشفت ساق عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - : « والله إنها لأثقل في الميزان من جبل أحد » ؟ .
فأجاب قائلا : الجواب على هذا أن يقال : إما أن يكون هذا خاصا بعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- ، أو يقال : إن بعض الناس يوزن عمله ، وبعض الناس يوزن بدنه ، أو يقال : إن الإنسان إذا وزن فإنما يثقل ، ويرجح بحسب عمله ، والله أعلم .
( 168 ) سئل الشيخ : هل الميزان واحد أو متعدد ؟ .
فأجاب بقوله : اختلف العلماء في الميزان ، هل هو واحد ، أو متعدد على قولين ؛ وذلك لأن النصوص جاءت بالنسبة للميزان مرة بالإفراد ، ومرة بالجمع ، مثال الجمع قوله - تعالى - : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ } ، وكذلك في قوله : { مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } ، ومثال الإفراد قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ، خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان » .
فقال بعض العلماء : إن الميزان واحد ، وإنه جمع باعتبار الموزون ، أو باعتبار الأمم ، فهذا الميزان توزن به أعمال أمة محمد ، وأعمال أمة موسى ، وأعمال أمة عيسى ، وهكذا ، فجمع الميزان باعتبار تعدد الأمم .

(2/43)


والذين قالوا : إنه متعدد بذاته قالوا : لأن هذا هو الأصل في التعدد ، ومن الجائز أن الله -تعالى- يجعل لكل أمة ميزانا ، أو يجعل للفرائض ميزانا ، وللنوافل ميزانا .
والذي يظهر - والله أعلم - أن الميزان واحد ، لكنه متعدد باعتبار الموزون .
( 169 ) سئل فضيلة الشيخ : كيف توزن الأعمال ، وهي أوصاف للعاملين ؟ .
فأجاب بقوله : القاعدة في ذلك ، كما أسلفنا : أن علينا أن نسلم ونقبل ، ولا حاجة لأن نقول : كيف ؟ ولم ؟ ومع ذلك فإن العلماء - رحمهم الله - قالوا في جواب هذا السؤال : إن الأعمال تقلب أعيانا ، فيكون لها جسم يوضع في الكفة فيرجح أو يخف ، وضربوا لذلك مثلا ، بما صح به الحديث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أن الموت يجعل يوم القيامة على صورة كبش ، فينادى أهل الجنة ، يا أهل الجنة ، فيطلعون ويشرئبون . وينادى يا أهل النار فيطلعون ويشرئبون ما الذي حدث ؟ فيؤتي بالموت على صورة كبش ، فيقال : هل تعرفون هذا ، فيقولون : نعم ، هذا الموت فيذبح الموت بين الجنة والنار ، فيقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت » .
ونحن نعلم جميعا أن الموت صفة ، ولكن الله - تعالى - يجعله عينا قائما بنفسه ، وهكذا الأعمال تجعل أعيانا فتوزن ، والله أعلم .
( 170 ) سئل فضيلة الشيخ : عن الشفاعة ؟ وأقسامها ؟ .
فأجاب : الشفاعة : مأخوذة من الشفع ، وهو ضد الوتر ، وهو جعل

(2/44)


الوتر شفعا ، مثل أن تجعل الواحد اثنين ، والثلاثة أربعة ، وهكذا هذا من حيث اللغة .
أما في الاصطلاح : فهي " التوسط للغير بجلب منفعة ، أو دفع مضرة " ؛ يعني أن يكون الشافع بين المشفوع إليه ، والمشفوع له واسطة لجلب منفعة إلى المشفوع له ، أو يدفع عنه مضرة .
والشفاعة نوعان :
النوع الأول : شفاعة ثابتة صحيحة ، وهي التي أثبتها الله - تعالى - في كتابه ، أو أثبتها رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص ؛ لأن « أبا هريرة - رضي الله عنه - قال : يا رسول الله ، من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال : " من قال : لا إله إلا الله خالصا من قلبه » .
وهذه الشفاعة لها شروط ثلاثة :
الشرط الأول : رضا الله عن الشافع .
الشرط الثاني : رضا الله عن المشفوع له .
الشرط الثالث : إذن الله- تعالى - للشافع أن يشفع . وهذه الشروط مجملة في قوله تعالى- : { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } ، ومفصلة في قوله : { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } ، وقوله : { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } .

(2/45)


وقوله : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } ، فلا بد من هذه الشروط الثلاثة حتى تتحقق الشفاعة .
ثم إن الشفاعة الثابتة ذكر العلماء - رحمهم الله تعالى - أنها تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : الشفاعة العامة ، ومعنى العموم : أن الله - سبحانه وتعالى - يأذن لمن شاء من عباده الصالحين أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم ، وهذه الشفاعة ثابتة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولغيره من النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وهي أن يشفع في أهل النار من عصاة المؤمنين أن يخرجوا من النار .
القسم الثاني : الشفاعة الخاصة : التي تختص بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأعظمها الشفاعة العظمى التي تكون يوم القيامة ، حين يلحق الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله - عز وجل - أن يريحهم من هذا الموقف العظيم ، فيذهبون إلى آدم ، ثم نوح ، ثم إبراهيم ، ثم موسى ، ثم عيسى وكلهم لا يشفع حتى تنتهي إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقوم ويشفع عند الله - عز وجل- أن يخلص عباده من هذا الموقف العظيم ، فيجيب الله - تعالى - دعاءه ، ويقبل شفاعته ، وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله - تعالى - به في قوله : { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } .
ومن الشفاعة الخاصة بالرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة ، فإن أهل الجنة إذا عبروا الصراط أوقفوا على

(2/46)


قنطرة بين الجنة والنار ، فتمحص قلوب بعضهم من بعض حتى يهذبوا وينقوا ، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة ، فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
النوع الثاني : الشفاعة الباطلة التي لا تنفع أصحابها ، وهي ما يدعيه المشركون من شفاعة آلهتهم لهم عند الله - عز وجل - ، فإن هذه الشفاعة لا تنفعهم ، كما قال الله - تعالى - : { فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } ، وذلك ؛ لأن الله - تعالى - لا يرضى لهؤلاء المشركين شركهم ، ولا يمكن أن يأذن بالشفاعة لهم ؛ لأنه لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله - عز وجل - ، والله لا يرضى لعباده الكفر ، ولا يحب الفساد ، فتعلق المشركين بآلهتهم يعبدونها ، ويقولون : { هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } . تعلق باطل غير نافع ، بل هذا لا يزيدهم من الله - تعالى- إلا بعدا ، على أن المشركين يرجون شفاعة أصنامهم بوسيلة باطلة ، وهي عبادة هذه الأصنام ، وهذا من سفههم أن يحاولوا التقرب إلى الله - تعالى - بما لا يزيدهم منه إلا بعدا .
( 171 ) وسئل - حفظه الله - عن : قول النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « يقول الله - تعالى- : شفعت الملائكة ، وشفع النبيون ، وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط » . رواه مسلم ، ما معنى قوله : " لم يعملوا خيرا قط " ؟ .

(2/47)


فأجاب فضيلته بقوله : معنى قوله : " لم يعملوا خيرا قط " أنهم ما عملوا أعمالا صالحة ، لكن الإيمان قد وقر في قلوبهم ، فإما أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبل التمكن من العمل ؛ آمنوا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل ، وحينئذ يصدق عليهم أنهم لم يعملوا خيرا قط .
وإما أن يكون هذا الحديث مقيدا بمثل الأحاديث الدالة على أن بعض الأعمال الصالحة تركها كفر ، كالصلاة مثلا ؛ فإن من لم يصل فهو كافر ، ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله ، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة ، وهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين - والعياذ بالله - .
فالمهم أن هذا الحديث إما أن يكون في قوم آمنوا ولم يتمكنوا من العمل ، فماتوا فور إيمانهم ، فما عملوا خيرا قط .
وإما أن يكون هذا عاما ، ولكنه يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية ، على أنه لا بد أن يعمل كالصلاة ، فمن لم يصل فهو كافر لا تنفعه الشفاعة ، ولا يخرج من النار .
( 172 ) سئل فضيلة الشيخ : عن مصير أهل الفترة ؟ .
فأجاب بقوله : الصحيح أن أهل الفترة قسمان :
القسم الأول : من قامت عليه الحجة ، وعرف الحق ، لكنه اتبع ما وجد عليه آباءه ، وهذا لا عذر له فيكون من أهل النار .
القسم الثاني : من لم تقم عليه الحجة ، فإن أمره لله - عز وجل - ، ولا نعلم عن مصيره ، وهذا ما لم ينص الشارع عليه . أما من ثبت أنه في النار بمقتضى دليل صحيح فهو في النار .

(2/48)


( 173 ) وسئل : عن مصير أطفال المؤمنين ، وأطفال المشركين الذين ماتوا صغارا ؟
فأجاب فضيلته قائلا : مصير أطفال المؤمنين الجنة ؛ لأنهم تبع لآبائهم قال - تعالى- : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } .
وأما أطفال غير المؤمنين ؛ يعني الطفل الذي نشأ من أبوين غير مسلمين ، فأصح الأقوال فيهم أن نقول : الله أعلم بما كانوا عاملين ، فهم في أحكام الدنيا بمنزلة آبائهم ، أما في أحكام الآخرة ، فإن الله - تعالى - أعلم بما كانوا عاملين ، كما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والله أعلم بمصيرهم هذا ما نقوله ، وهو في الحقيقة أمر لا يعنينا كثيرا ، إنما الذي يعنينا هو حكمهم في الدنيا ، وأحكامهم في الدنيا - أعني أولاد المشركين - أحكامهم في الدنيا أنهم كالمشركين لا يغسلون ، ولا يكفنون ، ولا يصلى عليهم ، ولا يدفنون في مقابر المسلمين . والله أعلم .
( 174 ) وسئل فضيلته : إذا كانت الجنة عرضها كعرض السماوات والأرض ، فأين تكون النار في هذا الكون الذي ليس فيه إلا السماوات والأرض ؟ .
فقال حفظه الله - تعالى - : قبل الجواب على هذا يجب أن نقدم مقدمة ، وهي أن ما جاء في كتاب الله ، وما صح عن رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنه حق ، ولا يمكن أن يخالف الأمر الواقع ، فإن الأمر الواقع المحسوس لا يمكن إنكاره ، وما دل عليه الكتاب والسنة فإنه حق لا يمكن إنكاره ، ولا

(2/49)


يمكن تعارض حقين على وجه لا يمكن الجمع بينهما ، وقد ثبت في القرآن أن الجنة عرضها كعرض السماء والأرض ، قال الله - تعالى - : { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } . وفي الآية الأخرى : { عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ } ، وهذا حق بلا ريب .
وفي مسند الإمام أحمد : « أن هرقل كتب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض فأين تكون النار ؟ . فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إذا جاء الليل فأين يكون النهار » ؟ فإن صح هذا الحديث ، فوجهه أن السماوات والأرض في مكانهما والجنة في مكانها في أعلى عليين ، كما أن النهار في مكان والليل في مكان ، وإن لم يصح الحديث ، فإن في كون الجنة عرضها السماوات والأرض لا يعني أنها قد ملأتهما ، ولكن يعني : أن الجنة عظيمة السعة ، عرضها كعرض السماوات والأرض .
ثم إن قول السائل : " إن هذا الكون ليس فيه إلا السماوات والأرض" ليس بصحيح ، فهذا الكون فيه السماوات والأرض ، ، وفيه الكرسي والعرش ، وقد كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يقول بعد رفعه من ركوعه : « ملء السماوات ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد » ، فهناك عالم غير السماوات والأرض لا يعلمه إلا الله ، كذلك نحن نعلم منه ما علمنا الله- تعالى - مثل العرش والكرسي ، والعرش هو أعلى المخلوقات والله - سبحانه وتعالى - قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته .

(2/50)


( 175 ) وسئل : ما الجنة التي أسكنها الله - عز وجل - آدم وزوجه؟ .

فأجاب بقوله : الصواب أن الجنة التي أسكنها الله- تعالى - آدم وزوجه هي الجنة التي وعد المتقون ؛ لأن الله - تعالى - يقول لآدم : { اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ }، والجنة عند الإطلاق هي جنة الخلد التي في السماء، ولهذا ثبت في الحديث عن النبي - « أن آدم، وموسى تحاجا، فقال له موسى :" لم أخرجتنا ونفسك من الجنة؟" » . والله أعلم .

( 176 ) وسئل فضيلة الشيخ : ذكر للرجال الحور العين في الجنة فما للنساء؟ .

فأجاب بقوله : يقول الله - تبارك وتعالى - في نعيم أهل الجنة : { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ }، ويقول - تعالى - : { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

ومن المعلوم أن الزواج من أبلغ ما تشتهيه النفوس، فهو حاصل في الجنة لأهل الجنة ذكورا كانوا أم إناثا، فالمرأة يزوجها الله - تبارك وتعالى - في الجنة بزوجها الذي كان زوجا لها في الدنيا، كما قال الله - تبارك وتعالى - : { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }

(2/51)


.
( 177 ) وسئل - رعاه الله بمنه وكرمه - : إذا كانت المرأة من أهل الجنة ، ولم تتزوج في الدنيا ، أو تزوجت ولم يدخل زوجها الجنة فمن يكون لها ؟ .
فأجاب قائلا : الجواب يؤخذ من عموم قوله - تعالى - : { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } ، ومن قوله - تعالى - : { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ، فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة ، ولم تتزوج ، أو كان زوجها ليس من أهل الجنة فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال وهم -أعني من لم يتزوجوا من الرجال- لهم زوجات من الحور ، ولهم زوجات من أهل الدنيا إذا شاءوا ، واشتهت ذلك أنفسهم .
وكذلك نقول بالنسبة للمرأة إذا لم تكن ذات زوج ، أو كانت ذات زوج في الدنيا ، ولكنه لم يدخل معها الجنة : إنها إذا اشتهت أن تتزوج فلا بد أن يكون لها ما تشتهيه لعموم هذه الآيات .
ولا يحضرني الآن نص خاص في هذه المسألة ، والعلم عند الله -- تعالى - .

(2/52)


( 178 ) وسئل فضيلته : إذا كانت المرأة لها زوجان في الدنيا فمع من تكون منهما ؟ .
ولماذا ذكر الله الزوجات للرجال ، ولم يذكر الأزواج للنساء ؟ .
فأجاب بقوله : إذا كانت المرأة لها زوجان في الدنيا فإنها تخير بينهما يوم القيامة في الجنة ، وإذا لم تتزوج في الدنيا فإن الله - تعالى - يزوجها ما تقر به عينها في الجنة ، فالنعيم في الجنة ليس مقصورا على الذكور ، وإنما هو للذكور والإناث ، ومن جملة النعيم الزواج .
وقول السائل : " إن الله - تعالى - ذكر الحور العين ، وهن زوجات ، ولم يذكر للنساء أزواجا " .
فنقول : إنما ذكر الزوجات للأزواج ؛ لأن الزوج هو الطالب ، وهو الراغب في المرأة ؛ فلذلك ذكرت الزوجات للرجال في الجنة ، وسكت عن الأزواج للنساء ، ولكن ليس مقتضى ذلك أنه ليس لهن أزواج ، بل لهن أزواج من بني آدم .
( 179 ) وسئل فضيلة الشيخ : كيف رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحوال أهل الجنة ، وأحوال أهل النار ليلة الإسراء والمعراج ، مع أن الساعة لم تقم بعد ؟ .
فأجاب بقوله : إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبرنا بذلك وأنه رأى الجنة والنار ، ورأى أقواما يعذبون وأقواما ينعمون ، والله أعلم بكيفية ذلك ؛ لأن أمور الغيب لا يدركها الحس ، فمثل هذه الأمور إذا جاءت يجب علينا أن نؤمن بها كما جاءت ، وأن لا نتعرض لطلب الكيفية . ولم ؟ ؛ لأن عقولنا أقصر وأدنى من أن تدرك هذا الأمر ، فقد أخبر النبي ، - صلى الله عليه

(2/53)


وسلم - عن أمور لا يمكن إدراكها بالعقل ، أخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بأن الله عز وجل - ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة ، ومعلوم الآن أن ثلث الليل يدور على الكرة الأرضية ، فإذا انتقل من جهة حل في جهة أخرى ، فقد تقول : كيف ذلك ؟
فنقول : عليك أن تؤمن بما أخبرك به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا تقل : كيف ؟ ؛ لأن عقلك أدنى ، وأقصر من أن يحيط بمثل هذه الأمور الغيبية ، فعلينا أن نستسلم ، ولا نقول : كيف ؟ ولم ؟ ، ولهذا قال بعض العلماء كلمة نافعة قال : " قل : بم أمر الله ؟ ولا تقل : لم أمر الله ؟ " والله ولي التوفيق .
( 180 ) سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته- : هل الجنة والنار موجودتان الآن ؟ .
فأجاب بقوله : نعم ، الجنة والنار موجودتان الآن ، ودليل ذلك من الكتاب والسنة .
أما الكتاب : فقال الله - تعالى - في النار : { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } ، والإعداد بمعنى التهيئة ، وفي الجنة قال الله - تعالى - : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } ، والإعداد أيضا التهيئة .
وأما السنة : فقد ثبت في الصحيحين ، وغيرهما في قصة كسوف الشمس ، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قام يصلي ، فعرضت عليه الجنة والنار ، وشاهد الجنة حتى هم أن يتناول منها عنقودا ، ثم بدا له أن

(2/54)


لا يفعل عليه الصلاة والسلام ، وشاهد النار ، ورأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي ، يجر قصبه في النار - والعياذ بالله - يعني أمعاءه قد اندلقت من بطنه فهو يجرها في النار ؛ لأن الرجل أول من أدخل الشرك على العرب ، فكان له كفل من العذاب الذي يصيب من بعده ، ورأى امرأة تعذب في النار في هرة حبستها حتى ماتت ؛ فلا هي أطعمتها ، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض ، فدل ذلك على أن الجنة والنار موجودتان الآن .
( 181 ) وسئل فضيلته : هل النار مؤبدة أو تفنى ؟ .
فأجاب بقوله : المتعين قطعا أنها مؤبدة ، ولا يكاد يعرف عند السلف سوى هذا القول ، ولهذا جعله العلماء من عقائدهم ، بأن نؤمن ونعتقد بأن النار مؤبدة أبد الآبدين ، وهذا الأمر لا شك فيه ؛ لأن الله - تعالى - ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن :
الأول : في سورة النساء في قوله - تعالى - : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } .
والثاني : في سورة الأحزاب { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } .
والثالث : في سورة الجن { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } .

(2/55)


ولو ذكر الله - عز وجل - التأبيد في موضع واحد لكفى ، فكيف وهو قد ذكره في ثلاثة مواضع ؟ ! ومن العجب أن فئة قليلة من العلماء ذهبوا إلى أنها تفنى بناء على علل عليلة ؛ لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسنة ، وحرفوا من أجلها الكتاب والسنة ، فقالوا : إن " خالدين فيها أبدا " ما دامت موجودة فكيف هذا ؟ !!!
إذا كانوا خالدين فيها أبدا ، لزم أن تكون هي مؤبدة " فيها " هم كائنون فيها ، وإذا كان الإنسان خالدا مؤبدا تخليده ، لزم أن يكون مكان الخلود مؤبدا ؛ لأنه لو فني مكان الخلود ما صح تأبيد الخلود ، والآية واضحة جدا ، والتعليلات الباردة المخالفة للنص مردودة على صاحبها ، وهذا الخلاف الذي ذكر عن فئة قليلة من أهل العلم خلاف مطرح ؛ لأنه مخالف للنص الصريح الذي يجب على كل مؤمن أن يعتقده ، ومن خالفه لشبهة قامت عنده ، فيعذر عند الله ، لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة عرف أن القول بتأبيدها هو الحق ، الذي لا يحق العدول عنه .
والحكمة تقتضي ذلك ؛ لأن هذا الكافر أفنى عمره ، كل عمره في محاربة الله - عز وجل - ومعصية الله ، والكفر به ، وتكذيب رسله مع أنه جاءه النذير وأعذر وبين له الحق ، ودعي إليه ، وقوتل عليه ، وأصر على الكفر والباطل فكيف نقول : إن هذا لا يؤبد عذابه ؟ ! والآيات في هذا صريحة كما تقدم .
( 182 ) وسئل فضيلة الشيخ : هل هناك ناران ؛ نار لأهل الكفر ، ونار لأهل المعاصي الذين يعذبون فيها ، ثم يخرجون ؟
فأجاب بقوله : زعم بعض العلماء ذلك ، وقال : إن النار ناران : نار لأهل الكفر ، ونار لأهل المعاصي من المؤمنين ، وبينهما فرق ، ولكن هذا لا

(2/56)


أعلم له دليلا ، لكن عذابهما يختلف ، لا شك أنها على عصاة المؤمنين ليست ، كما هي على الكافرين ، وكوننا نقول بالتقسيم بناء على استبعاد عقولنا أن تكون نار واحدة ، تؤثر تأثيرين مختلفين لا ينبغي ؛ لأن هذا الاستبعاد لا وجه له لأمرين :
الأمر الأول : أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قادر على أن يجعل النار الواحدة لشخص سلاما ، ولآخر عذابا .
الأمر الثاني : أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا أبدا لظهور الفرق العظيم بينهما ، فلا يجوز أن تقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا لتنفي ما لا يتسع له عقلك ، بل عليك بالنسبة لأحوال الآخرة أن تسلم ، وتقبل ، وتصدق ، أليست هذه الشمس ستدنو من الخلائق قدر ميل يوم القيامة ؟
ولو كانت أحوال الناس يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتهم ؛ لأن هذه الشمس في أوجها لو أنها نزلت ولو يسيرا أحرقت الأرض ، ومحتها عن آخرها ، ونحن نحس بحرارتها الآن ، وبيننا وبينها مسافات عظيمة ، لا سيما في أيام الصيف حين تكون عمودية ، ومع ذلك تدنو من الخلائق يوم القيامة على قدر ميل ، ولا يحترقون بها .
كذلك أيضا في يوم القيامة الناس في مقام واحد ، المؤمنون لهم نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، والكفار في ظلمة ، لكن في الدنيا لو كان بجانبك واحد على يمينه نور ، وبن يديه نور فإنك تنتفع به ، أما في الآخرة فلا .
وفي الآخرة أيضا يعرق الناس فيختلف العرق اختلافا عظيما بينهم ، وهم في مكان واحد ، فمن الناس من يصل العرق إلى كعبيه ، ومنهم من يصل إلى ركبتيه ، ومنهم من يصل إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه العرق ، وهم في مكان واحد .
فالمهم : أنه لا يجوز أن نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا ، ثم نذهب ،

(2/57)


ونحدث أشياء لم تأت في الكتاب والسنة ، كتقسيم النار إلى نارين : نار للعصاة ، ونار للكافرين ، فالذي بلغنا ، ووصل إليه علمنا : أنها نار واحدة ، لكنها تختلف .
( 183 ) سئل فضيلة الشيخ : هل نار جهنم لها اسم واحد ، أو أسماء متعددة ؟ .
فأجاب قائلا : نار جهنم لها أسماء متعددة ، وهذا التعدد في الأسماء لاختلاف صفاتها ، فتسمى الجحيم ، وتسمى جهنم ، ولظى ، والسعير ، وسقر ، والحطمة ، والهاوية ، بحسب اختلاف الصفات والمسمى واحد ، فكل ما صح في كتاب الله أو سنة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدق به ويثبته .
( 184 ) وسئل فضيلة الشيخ : إذا استعاذ الإنسان من عذاب جهنم ، فهل المراد أنه يعوذ بالله من المعاصي المؤدية إلى جهنم ، أو يتعوذ بالله من جهنم ؟ .
فأجاب بقوله : يشمل الأمرين فهو يستعيذ بالله من عذاب جهنم ، أي من فعل الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم ، ومن عذاب جهنم ، أي من عقوبة جهنم إذا فعل الأسباب التي توجب ذلك ؛ لأن الإنسان بين أمرين : إما عصمة من الذنوب ، فهذه إعاذة من فعل السبب ، وإما عفو عن الذنوب ، وهذه إعاذة من العذاب ، وقولنا : العصمة من الذنوب ليس معناه العصمة المطلقة ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال : « كل بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون » . وقال : « لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم » .

(2/58)


( 185 ) وسئل فضيلة الشيخ : هل عذاب النار حقيقي ، أو أن أهلها يكونون فيها كأنهم حجارة لا يتألمون ؟
فأجاب فضيلته : عذاب أهل النار حقيقي بلا ريب ، ومن قال خلاف ذلك فقد أخطأ ، وأبعد النجعة ، فأهلها يعذبون فيها ، ويألمون ألما عظيما شديدا ، كما قال - تعالى - في عدة آيات : { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } حتى إنهم يتمنون الموت ، والذي يتمنى الموت هل يقال : إنه يتألم ، أو إنه تأقلم ؟ !
لو تأقلم ما تألم ، ولا دعا الله أن يقضي عليه { وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } . إذن هم يتألمون بلا شك ، والحرارة النارية تؤثر على أبدانهم ظاهرها وباطنها ، قال الله - تعالى - في كتابه العزيز : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } .
وهذا واضح أن ظاهر أبدانهم يتألم وينضج ، وقال - تعالى - : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ } . وشيُّ الوجوه ، واللحم معروف فهم إذا استغاثوا ( { يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } بعد مدة طويلة ، وهذا الماء إذا أقبل على وجوههم شواها ، وتساقطت والعياذ بالله ، فإذا شربوه قطع أمعاءهم { وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } . وهذا عذاب الباطن ، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أهون أهل النار عذابا : « إنه في ضحضاح من نار ، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه » . أعوذ بالله الدماغ يغلي !

(2/59)


فما بالك بما دونه مما هو أقرب إلى النعلين ! وهذا دليل واضح على أنهم يتألمون ، وأن هذه النار تؤثر فيهم ، وكذلك قال - تعالى - : { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } أي المحرق ، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة واضحة ، تدل على بطلان قول : من قال " إنهم يكونون كالحجارة لا يتألمون" .
( 186 ) وسئل فضيلة الشيخ : هل النار في السماء أو في الأرض ؟
فأجاب قائلا : هي في الأرض ، ولكن قال بعض أهل العلم : إنها هي البحار ، وقال آخرون : هي في باطن الأرض ، والذي يظهر أنها في باطن الأرض ، ولكن ما ندري أين هي من الأرض ؟ نؤمن بأنها في الأرض ، وليست في السماء ، ولكن لا نعلم في أي مكان هي على وجه التعيين . والدليل على أن النار في الأرض ما يلي :
قال الله - تعالى - : { كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ } . وسجين هي الأرض السفلى ، كذلك جاء في الحديث فيمن احتضر ، وقبض من الكافرين فإنها لا تفتح لهم أبواب السماء ، ويقول الله - تعالى - : « اكتبوا كتاب عبدي في سجين ، وأعيدوه إلى الأرض » ولو كانت النار في السماء لكانت تفتح لهم أبواب السماء ليدخلوها ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى أصحابها يعذبون فيها ، وإذا كانت في السماء لزم من دخولهم في النار التي في السماء أن تفتح أبواب السماء .
لكن بعض الناس استشكل ، وقال : كيف يراها الرسول - صلى الله

(2/60)


عليه وسلم - ليلة عرج به وهي في الأرض ؟ !
وأنا أعجب لهذا الاستشكال ، إذا كنا ونحن في الطائرة نرى الأرض تحتنا بعيدة ، وندركها ، فكيف لا يرى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النار وهو في السماء ؟ !
فالحاصل : أنها في الأرض ، وقد روي في هذا أحاديث لكنها ضعيفة ، وروي آثار عن السلف كابن عباس ، وابن مسعود ، وهو ظاهر القرآن { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } . والذين كذبوا بالآيات ، واستكبروا عنها لا شك أنهم في النار .
( 187 ) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله- : هل ما يذكر من أن أكثر أهل النار النساء صحيح ؟ ولماذا ؟ .
فأجاب بقوله : هذا صحيح ، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لهن وهو يخطب فيهن : « يا معشر النساء ، تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار » ، وقد أورد على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذا الإشكال الذي أورده السائل ، قلن : وبم يا رسول الله ؟ قال : « تكثرن اللعن ، وتكفرن العشير » . فبين النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أسباب كثرتهن في النار ؛ لأنهن يكثرن السب ، واللعن ، والشتم ، ويكفرن العشير ، الذي هو الزوج ، فصرن بذلك أكثر أهل النار .

(2/61)


( 188 ) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله - : عن أسماء القيامة ، وسبب تعددها ؟ .
فأجاب - حفظه الله - بقوله : الأسماء لا يمكنني الآن حصرها ، لكن سبب تعددها أنها أسماء تدل على أوصاف ، فهي : الساعة ، وكلمة الساعة تقال في اللغة العربية ؛ لما يقع فيه الأمر العظيم الشديد الشاق ، وتسمى الحاقة ؛ لكونها حقا ، ووصفها الله - جل جلاله - أن زلزلتها شيء عظيم ؛ لما فيها من الأهوال ، ووصفت بالقارعة إلى غير ذلك من الأوصاف التي كل وصف منها يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر ، أو الوصف الآخر ، فهذه هي الحكمة من تعدد أوصافها ، وذكرها حتى يكون ذلك أبلغ في الإيمان بها ، وأقوم للاستعداد لها .
( 189 ) سئل فضيلته - حفظه الله - : هل صح حديث خروج السفياني في علامات الساعة ؟ وكذا هل صحت أيضا أحاديث خروج الرايات السود ؟ .
فأجاب - حفظه الله- بقوله : حديث السفياني أخرجه الحاكم في مستدركه ، وقال : حديث صحيح الإسناد ، ولكن الحاكم - رحمه الله - معروف بالتساهل بالتصحيح ، فالله أعلم ، وأما الرايات السود فلا أدري .

(2/62)


رسالة

(2/64)


لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما .
أما بعد : فإن الله - تعالى - قال في كتابه المبين : { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ } ، وقال : { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } . وقال جل ذكره : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ } .
وأمر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يعلن للملأ قوله : { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } . وقوله : { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } ، وقوله : { قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا }

(2/65)


{ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا } .
فبين الله - تعالى - في هذه الآيات الكريمة أن غيب السماوات والأرض لله - تعالى - وحده لا يشركه فيه غيره ، ولا يظهر سبحانه أحدا على هذا الغيب إلا من ارتضاه من الرسل الكرام .
وكل علم يتعلق بالمستقبل فإنه من علم الغيب ، كما قال - تعالى - : { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } .
ومن ذلك علم قيام الساعة ، فإنه من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، ولم يطلع الله عليه أحدا من خلقه ، حتى أشرف الرسل من الملائكة والبشر لا يعلمونه ، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : « أن جبريل أتى إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، في صورة رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه أحد من الصحابة ، فسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الإسلام ، والإيمان ، والإحسان ، فبينها له ، ثم قال : أخبرني عن الساعة ؟ فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " ، قال فأخبرني عن أماراتها ؟ فأخبره بشيء منها . » .
فقوله - صلي الله عليه وسلم - : « ما المسئول عنها بأعلم من السائل » ؛ يعني أن علمي ، وعلمك فيها سواء ، فلست أعلم بها منك حتى أخبرك ، فإذا كنت لا تعلمها فأنا لا أعلمها ، فإذا انتفى علمها عن أفضل الرسل من الملائكة ، وأفضل الرسل

(2/66)


من البشر فانتفاء علمها عمن سواهما أولى .
وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بنفي علم الخلق بوقت الساعة بخصوصه .
فالآية الأولى قوله - تعالى - في سورة الأعراف : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } أي لا يعلمون أن علمها عند الله - تعالى - فهم يسألون عنها .
وقد أكد الله - تعالى - أن علمها عنده وحده في جمل أربع ، وهي قوله :
{ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ) . ( إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ } . وهذه الجمل أفادت اختصاص علمها بالله - عز وجل - بدلالة الحصر التي هي من أقوى دلالات الاختصاص .
أما الجملة الرابعة ، فهي قوله : { لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً } . فإن الناس لو أمكنهم العلم بها ما جاءتهم بغتة ؛ لأن المباغتة لا تكون في الشيء المعلوم .
فإن قال قائل : ألا يحتمل أن يكون في قوله - تعالى - : { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } دليل على أن بعض الناس يعلمون متى تقوم ؟ .
قلنا : لا يحتمل ذلك ؛ لأنه ينافي التأكيد الوارد في هذه الجمل ، ويناقضه ، فكيف يؤكد الله - تعالى - أن علمها عنده وحده ، ثم يشير إلى أن بعض الناس يعلمون ذلك ؟ وهل هذا إلا من العبث المعنوي الذي ينزه الله - تعالى - عنه ومن

(2/67)


الركاكة والعي الذي تأباه بلاغة القرآن العظيم .
ولو قدر - على الفرض الممتنع - أن أحدا من الناس قد يعلمه الله - تعالى - به ، فإن ذلك من علم الغيب الذي لا يظهر الله - تعالى - عليه إلا من ارتضى من رسول ، وقد سبق أن الرسول البشري محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، والرسول الملكي جبريل لا يعلمان ذلك ، فمن ذا يمكن أن يعلمه من سواهما من الخلق ؟ .
والآية الثانية قوله في سورة لقمان : { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } . وهذه الخمس هي مفاتح الغيب التي قال الله عنها : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ } ، كما فسرها به أعلم الخلق بمراد الله - عز وجل- رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ففي صحيح البخاري ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : « مفاتح الغيب خمس : { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } » .
فثبت بذلك أن علم الساعة مما يختص الله - تعالى - به ؛ لأنه من علم الغيب ولا يظهر الله - تعالى - أحدا من خلقه على غيبه إلا من ارتضاه من الرسل ، فمن ادعى علم شيء منه غير الرسل فهو كاذب ، مكذب لله - تعالى - .
فإن قال قائل : ما تقولون عما قيل : إنهم يطلعون على الجنين قبل وضعه

(2/68)


فيعلمون أذكر هو أم أنثى ، وإنهم يتوقعون نزول المطر في المستقبل ، فينزل كما توقعوا .
قلنا : الجواب عن الأول أنهم لا يعلمون أنه ذكر أم أنثى إلا بعد أن يخلق ، فتبين ذكورته ، أو أنوثته ، وحينئذ لا يكون من الغيب المحض المطلق ، بل هو غيب نسبي ؛ ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أنس ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قصة الملك الموكل بالرحم ، أنه يقول عند تخليق الجنين : " يا رب ، أذكر أم أنثى ؟ يا رب ، أشقي أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب كذلك في بطن أمه .
وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الملك الموكل بالرحم قال : « يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك » . فقد علم الملك أن الجنين ذكر أو أنثى ، وهو في بطن أمه ، لكنه قبل أن يخلق لا يعلم الملك ، ولا غيره أنه ذكر أو أنثى .
والجواب عن الثاني : أن هذه التوقعات إنما تكون بوسائل حسية ، وهي الأرصاد الدقيقة التي يعلم بها تكيفات الجو ، وتهيؤه لنزول المطر بوجه خفي ، لا يدرك بمجرد الحس ، وهذا التوقع بهذه الأرصاد ليس من علم الغيب الذي يختص به الله - عز وجل- فهو كتوقعنا أن ينزل المطر حين يتكاثف السحاب ، ويتراكم ، ويدنو من الأرض ، ويحصل فيه رعد وبرق .
والآية الثالثة قوله في سورة الأحزاب : { يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا } .

(2/69)


والآية الرابعة : قوله في سورة الزخرف : { وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، فتقديم الخبر في قوله : { وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } يفيد الاختصاص ، كما هو معلوم .
والآية الخامسة : قوله - تعالى - في سورة النازعات : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا } . فقدم الخبر في قوله : { إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا } ؛ ليفيد اختصاص ذلك به تبارك وتعالى .
هذه خمس آيات من كتاب الله - تعالى - كلها صريحة في أن علم الساعة خاص بالله - تعالى - لا يطلع عليه ملك مقرب ، ولا نبي مرسل .
وأما السنة : فمنها ما سبق في حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - .
فإن قيل : ما تقولون في قوله - تعالى - في سورة طه : { إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } حيث إن ظاهرها أنه - تعالى - لم يخفها ، فالجواب من ثلاثة أوجه :
الأول : أن كثيرا من المفسرين ، أو أكثرهم قال : معنى الآية أكاد أخفيها على نفسي ، وهو من المبالغة في الإخفاء ، كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المتصدق يخفي صدقته : " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " .
الثاني : أن يقال : هب أن ظاهر الآية أن الله - تعالى - لم يخفها على الناس ، ولكن لغموض وسائل العلم بها صار كمن كاد يخفيها ، فإن هذا الظاهر

(2/70)


مدفوع بالنصوص الصحيحة الصريحة ، بأنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله - تعالى - .
وطريق الراسخين في العلم : أن يحملوا النصوص المتشابهة على النصوص المحكمة ؛ لتكون النصوص كلها محكمة متفقة ، غير متنافية ولا متناقضة { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ } .
الثالث : أن يقال : إن أبى آب إلا أن يتمسك بالظاهر ، ويقول : إن المراد أكاد أخفيها على الخلق ، فالجواب أن يقال :
الإخفاء ثلاثة أنواع : إخفاء ذكر ، وإخفاء قرب ، وإخفاء وقوع .
فأما إخفاء الذكر فهو : أن لا يذكر الله الساعة للخلق ، ولا يبين لهم شيئا من أحوالها ، وهذا محال ، تأباه حكمة الرب جل وعلا ، ويكذبه الواقع ، فإن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة ، فالعلم به من ضروريات الإيمان ؛ ولهذا لم يخف الله - تعالى - ذكر الساعة ، بل أعلم عباده بها ، وبين من أحوالها وأهوالها ، وما يشفي ويكفي فيما أوحاه إلى رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الكتاب والسنة .
وأما إخفاء القرب فهو أن لا يذكر الله - تعالى - للخلق شيئا من علاماتها الدالة على قربها ، وهي أشراطها ، ولكن رحمة الرب الواسعة اقتضت أن يبين للخلق قرب قيامها بما يظهره من العلامات الدالة عليه ليزدادوا بذلك إيمانا ، ويستعدوا لها بالعمل الصالح المبني على الإخلاص لله - تعالى - والمتابعة لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أشراط الساعة ما يتبين به قربها إجمالا تارة وتفصيلا تارة أخرى .

(2/71)


وأما إخفاء الوقوع فهو أن لا يذكر الله - تعالى - للخلق وقتا محدودا تقوم فيه الساعة ، وهذا هو ما دل عليه الكتاب والسنة فليس في الكتاب والسنة تحديد لوقت قيام الساعة ، بل فيهما النص الصريح الذي لا يحتمل التأويل بأن علم ذلك موكول إلى الله - تعالى - لا يعلم به ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، وكل ما قيل في توقع وقت قيام الساعة فهو ظن ، وتخمين باطل مردود على قائله لمخالفته كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - تعالى - " ص 189 ج35 مجموع الفتاوى أثناء جواب له عن المنجمين " ، قال : ووافقهم على ذلك من زعم أنه استخرج بقاء هذه الملة من حساب الجمل الذي للحروف ، التي في أوائل السور ، وهي مع حذف التكرير أربعة عشر حرفا ، وحسابها في الجملة الكثير ( كذا في الكتاب ) ستمائة وثلاثة وتسعون .
ومن هذا أيضا ما ذكر في التفسير : أن الله - تعالى - لما أنزل { الم } قال بعض اليهود : بقاء هذه الملة إحدى وثلاثون ، فلما أنزل بعد ذلك { الر } و{ المر } قالوا : خلط علينا ، فهذه الأمور التي توجد في ضلال اليهود والنصارى ، وضلال المشركين ، والصابئين من المتفلسفة ، والمنجمين مشتملة من هذا الباطل على ما لا يعلمه إلا الله - تعالى - ، وهذه الأمور وأشباهها خارجة عن الإسلام محرمة فيه ، فيجب إنكارها والنهي عنها على المسلمين ، على كل قادر ؛ بالعلم ، والبيان ، واليد ، واللسان فإن ذلك من أعظم ما أوجبه الله - تعالى - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل ، وسوس الملل ، ولا ينفق الباطل إلا بثوب من الحق ا هـ . كلام الشيخ رحمه الله تعالى .
وعلى هذا فينزل قوله - تعالى - : { أَكَادُ أُخْفِيهَا } على النوع الثاني إخفاء

(2/72)


القرب فإنه سبحانه لم يخفها الإخفاء المطلق بترك ذكرها ، ولم يبينها البيان المطلق بذكر متى قيامها ، وإنما بين لهم علاماتها ، وهي أشراطها ، وأخفى عليهم علم قيامها ، وهذا مقتضى حكمته ورحمته ، فإنه - تعالى - لو أبانه للناس لحصل لهم من الشر والفساد ، وتعطل المصالح ما لا يعلمه إلا الله ؛ خصوصا من كانوا قريبين من النهاية ، ولكن الرب جل وعلا أخفى ذلك ، كما أخفى علم كل إنسان بنهاية حياته ؛ لئلا يستحسر ، ويدع العمل خصوصا عند قرب حلول أجله .
ومن تأمل ما أبانه الله - تعالى - لخلقه من أمور الغيب ، وما أخفاه عليهم تبين له من حكمة الله ، ورحمته ما يبهر عقله ، ويعلم به أن لله الحكمة البالغة ، والرحمة الواسعة فيما أبان ، وما أخفى ، { فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } . وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله ، وصحبه أجمعين .
حرره الفقير إلى الله - تعالى - كاتبه محمد الصالح العثيمين في شهر رجب عام 1405 هـ .

(2/73)