مجالس شهر رمضان

ص -21-         المجلس الخامس: في فضل تلاوة القرآن وأنواعه
الحمد لله الداعي إلى بابه، الموفق من شاء لصوابه، أنعم بإنزال كتابه، يشتمل على محكم ومتشابه، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به. أحمده على الهدى وتيسير أسبابه،.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها النجاة من عقابه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أكمل الناس عملاً في ذهابه وإيابه، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر أفضل أصحابه، وعلى عمر الذي أعز الله به الدين واستقامت الدنيا به، وعلى عثمان شهيد داره ومحرابه، وعلى علي المشهور بحل المشكل من العلوم وكشف نقابه، وعلى آله وأصحابه ومن كان أولى به، وسلم تسليماً.
إخواني: قال الله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}.
تلاوة كتاب الله على نوعين:
تلاوة حكمية، وهي: تصديق أخباره وتنفيذ أحكامه، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وسيأتي الكلام عليها في مجلس آخر إن شاء الله.
والنوع الثاني: تلاوة لفظية، وهي قراءته.
وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضلها، إما في جميع القرآن وإما في سور أو آيات معينة منه: ففي الصحيحين عن عثمان بن عفان  رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وفيهما عن عائشة  رضي الله عنها  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" والأجران أحدهما على التلاوة والثاني على مشقتها على القارئ. وفي الصحيحين أيضاً عن

 

ص -22-         أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة، ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو". وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه". وفي صحيح مسلم أيضاً عن عقبة بن عامر  رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل". وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". وقال صلى الله عليه وسلم: "تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلِها" متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقل أحدكم نسيت آية كَيْتَ وكَيْتَ وَكَيْتَ، بل هو نُسِّيَ" رواه مسلم. وذلك أن قوله: "نسيت" قد يشعر بعدم المبالاة بما حفظ من القرآن حتى نسيه، وعن عبد الله ابن مسعود  رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول  {أَلم} حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" رواه الترمذي. وعنه رضي الله عنه أيضاً أنه قال: "إن هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الترداد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول {أَلم} حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" رواه الحاكم.
إخواني: هذه فضائل قراءة القرآن، وهذا أجره لمن احتسب الأجر من الله والرضوان، أجور كبيرة لأعمال يسيرة، فالمغبون من فرط فيه، والخاسر من

 

ص -23-         فاته الربح حين لا يمكن تلافيه. وهذه الفضائل شاملة لجميع القرآن.
وقد وردت السنة بفضائل سور معينة مخصصة:
من تلك السور: سورة الفاتحة. ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:
"لأعلّمنّك أعظم سورة في القرآن: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". ومن أجل فضيلتها كانت قراءتها ركنا في الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خَداج" يقولها ثلاثاً. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك. الحديث، رواه مسلم.
ومن السور المعينة: سورة البقرة، وآل عمران. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما. اقرؤا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة" يعني: السحرة. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان" رواه مسلم. وذلك لأن فيها آية الكرسي، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح".
وعن ابن عباس  رضي الله عنهما  أن جبريل قال وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم:
"هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته" رواه مسلم.
ومن السور المعينة في الفضيلة:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: "والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن". وليس معنى كونها تعدله في الفضيلة أنها

 

ص -24-         تجزئ عنه، ولذلك لو قرأها في الصلاة ثلاث مرات لم تجزئه عن الفاتحة، ولا يلزم من كون الشئ معادلاً لغيره في الفضيلة أن يجزئ عنه، ففي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" وفي رواية للطبراني: "كن له كعدل عشر رقاب من ولد إسماعيل" ومع ذلك فلو كان عليه أربع رقاب كفارة فقال هذا الذكر لم يجزئه عن هذه الرقاب وإن كان يعادلها في الفضيلة.
ومن السور المعينة في الفضيلة: سورتا المعوذتين:
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}. فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}" رواه مسلم. وللنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عقبة أن يقرأ بهما، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما سأل سائل بمثلها، ولا استعاذ مستعيذ بمثلها".
فاجتهدوا إخواني في كثرة قراءة القرآن المبارك، لا سيما في هذا الشهر الذي أنزل فيه، فإن لكثرة القراءة فيه مزية خاصة: كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيداً وتثبيتاً.
وكان السلف الصالح  رضي الله عنهم  يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، كان الزهري  رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: "إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام".
وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف.
وكان قتادة  رحمه الله  يختم القرآن في كل سبع ليال دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأخير منه في كل ليلة.
وكان إبراهيم النخعي  رحمه الله  يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليال، وفي العشر الأواخر في كل ليلتين.
وكان الأسود رحمه الله يقرأ القرآن كله في ليلتين في جميع الشهر.
فاقتدوا رحمكم الله بهؤلاء الأخيار، واتبعوا طريقهم تلحقوا بالبررة الأطهار، واغتنموا ساعات الليل والنهار بما يقربكم إلى العزيز الغفار، فإن الأعمار

 

ص -25-         تطوى سريعاً، والأوقات تمضي جميعاً، وكأنها ساعة من نهار.
اللهم ارزقنا تلاوة كتابك على الوجه الذي يرضيك عنا، واهدنا به سبل السلام، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، واجعله حجه لنا لا علينا يا رب العالمين.
اللهم ارفع لنا به الدرجات، وأنقذنا به من الدركات، وكفر عنا به السيئات، واغفر لنا ولوالدِينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين