شرح رياض الصالحين

كتاب الأدب


باب الحياء وفضله والحث على التخلق به


681 - عن ابن عمر رضي الله عنه أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن الحياء من الإيمان متفق عليه


682 - وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير متفق عليه وفي رواية لمسلم: الحياء خير كله أو قال: الحياء كله خير

الشَّرْحُ

قال المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين ( كتاب الأدب ) ( باب الحياء وفضله والحث عليه ) الأدب: الأخلاق التي يتأدب بها الإنسان، وله أنواع كثيرة منها: الكرم والشجاعة وطيب النفس وانشراح الصدر وطلاقة الوجه وغير ذلك كثير فالأدب هو عبارة عن أخلاق يتخلق بها الإنسان يمدح عليها ومنها الحياء والحياء صفة في النفس تحمل الإنسان على فعل ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين، فتجده إذا فعل شيئا يخالف المروءة استحيا من الناس، وإذا فعل شيئا محرما استحيا من الله عز وجل وإذا ترك واجبا استحيا من الله وإذا ترك ما ينبغي فعله استحيا من الناس فالحياء من الإيمان، ولهذا ذكر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء يعني أنه يحثه عليه ويرغبه فيه فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الحياء من الإيمان وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان وإذا كان عند الإنسان حياء وجدته يمشي مشيا مستقيما ليس بالعجلة التي يذم عليها وليس بالتماوت الذي يذم عليه أيضا كذلك إذا تكلم تجده لا يتكلم إلا بالخير وبكلام طيب وبأدب وبأسلوب رفيع ما يقدر عليه وإذا لم يكن حييا فإنه يفعل ما شاء كما جاء في حديث الصحيح إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وكان النبي صلى الله عليه وسلم اشد حياء من العذراء في خدرها العذراء المرأة التي لم تتزوج وعادتها أن تكون حيية فالرسول عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في خدرها ولكنه لا يستحي من الحق يتكلم بالحق ويصدع به لا يبالي بأحد فأما ما لا تضع به الحقوق فإنه صلى الله عليه وسلم كان أحيى الناس فعليك يا أخي باستعمال الحياء والأدب والتخلق بالأخلاق الطيبة التي تمدح بها بين الناس


683 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان متفق عليه .
البضع بكسر الباء ويجوز فتحها وهو من الثلاثة إلى العشرة والشعبة القطعة والخصلة والإماطة الإزالة و والأذى ما يؤذي كحجر وشوك وطين ورماد وقذر ونحو ذلك

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة شك من الراوي هل قال النبي صلى الله عليه وسلم بضع وسبعون أو قال بضع وستون فأفضلها وفي لفظ فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وهذا هو الشاهد لهذا الباب باب الحياء وفضله وفي هذا الحديث: بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الإيمان شعب كثيرة بضع وستون أو بضع وسبعون ولم يبينها الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل أن يجتهد الإنسان بنفسه ويتتبع نصوص الكتاب والسنة حتى يجمع هذه الشعب ويعمل بها وهذا كثير أي أنه يكون في القرآن والسنة أشياء مبهمة يبهمها الله ورسوله من أجل امتحان الخلق ليتبين الحريص من غير الحريص فمثلا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان أو في السبع الأواخر من رمضان لكن لا تعلم في أي ليلة هي من أجل أن يحرص الناس على العمل في كل الليالي رجاء هذه الليلة ولو علمت بعينها لاجتهد الناس في هذه الليلة وكسلوا عن بقية الليالي ومن ذلك ساعة الإجابة في يوم الجمعة فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله إلا أعطاه إياه هذه أيضا مبهمة من أجل أن يحرص الناس على التحري والعمل كذلك في كل ليلة ساعة إجابة لا يوافقها أحد يدعو الله سبحانه وتعالى إلا استجاب له كذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن لله تسعة وتسعون اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ولم يعدها والحديث الوارد في سردها حديث ضعيف لا تقوم به حجة وعلى هذا فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ترك تعيينها من أجل أن نحرص نحن على تتبعها في الكتاب والسنة حتى نجمع هذه الشعب ثم نقوم بالعمل بها وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التي أتاه الله تعالي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الشعب أفضلها أو أعلاها قول لا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة لو وزنت السماوات السبع والأرضين السبع وجميع المخلوقات لرجحت بهن لأنها أعظم كلمة وهي كلمة التوحيد التي إذا قالها الإنسان صار مسلما وإذا استكبر عنها صار كافرا فهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر ولذلك كانت أعلى شعب الإيمان وأفضلها لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله عز وجل فكل المعبودات من دون الله باطلة إلا الله وحده لا شريك له فهو الحق كما قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ والإيمان بهذا التوحيد العظيم بأنه لا معبود بحق إلا الله يتضمن الإيمان بأنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا يملك الضر والنفع إلا الله ويتضمن كذلك الإيمان بأسماء الله وصفاته إذ لا يعبد إلا من علم أنه أهل للعبادة ولا أهل للعبادة سوى الخالق عز وجل لهذا كانت هذه الكلمة أعلى شعب الإيمان وأفضلها ومن ختم له بها في الحياة الدنيا فإنه يكون من أهل الجنة فإن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة نسأل الله أن يختم لنا بها إنه على كل شيء قدير أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها يعني الشيء الهين إماطة الأذى عن الطريق الأذى: ما يؤذي المارة من شوك أو خرق أو خشب أو حجر أو غير ذلك فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهذا يدل على سعة الإيمان وأنه يشمل الأعمال كلها والحياء شعبة من الإيمان الحياء انكسار يكون في القلب وخجل لفعل ما لا يستحسنه الناس والحياء من الله والحياء من الخلق من الإيمان فالحياء من الله يوجب للعبد أن يقوم بطاعة الله وأن ينتهي عما نهى الله والحياء من الناس يوجب للعبد أن يستعمل المروءة وأن يفعل ما يجمله ويزينه عند الناس ويتجنب ما يدنسه ويشينه فالحياء كله من الإيمان وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره فإذا جمعت هذا الحديث بذاك الحديث الآخر تبين لك أن الإيمان كما ذهب إليه السنة والجماعة يشمل العقيدة ويشمل القول ويشمل الفعل فيشمل عمل القلب عقيدة القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح لا إله إلا الله هي قول اللسان إماطة الذي عن الطريق عمل الجوارح الحياء عمل القلب الإيمان بملائكته وكتبه اعتقاد القلب فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يتضمن كل هذه الأربعة اعتقاد القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح وأدلة ذلك من الكتاب والسنة كثيرة في هذا الحديث: حث على إماطة الأذى عن الطريق لأنه إذا كان من الإيمان فافعله يزدد إيمانك ويكمل فإذا وجدت أذى في الطريق حجرا أو زجاجا أو شوكا أو غير ذلك فأزله فإن ذلك من الإيمان حتى السيارة إذا جعلتها في وسط الطريق وضيقت على الناس فقد وضعت الأذى في طرق الناس وإزالة ذلك من الإيمان وإذا كان إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان فوضع الأذى في الطريق من الخسران والعياذ بالله ومن نقص الإيمان ولذلك يجب أن يكون الإنسان حيى القلب يشعر بشعور الناس تجد بعض الناس الآن يوقف السيارة في أي مكان بالطول أو بالعرض ما يهتم المكان ضيق أو المكان واسع ما يبالي ليست هذه خصال المؤمن، المؤمن هو الذي يكون حيى القلب يشعر بشعور الناس يحب للناس ما يحب لنفسه كيف تأتي مثلا وتوقف سيارتك في عرض الطريق ولا تبالي بتضييق الطريق على الناس ؟ أحيانا يسدون الطريق يقفون عند باب مسجد جامع ويكون الطريق ضيقا فإذا خرج الناس يوم الجمعة ضيقوا عليهم وهذا غلط فإماطة الأذى عن الطريق صدقة فعلى هذا ينبغي للإنسان أن يقوم بإماطة الأذى عن الطريق وإذا كان لا يستطيع كما لو كانت أحجارا كبيرة أو أكواما من الرمل أو ما أشبه ذلك فليبلغ المسئولين ليبلغ البلدية مثلا لأنها المسئولة عن هذا يبلغها حتى يكون ممن تعانوا على البر والتقوى الحياء شعبة من الإيمان فإذا كان الإنسان حييا لا يتكلم بما يدنسه عند الناس ولا يفعل ما يدنسه عند الناس بل تجده وقورا ساكنا مطمئنا فهذا من علامة الإيمان والله الموفق


684 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه متفق عليه

الشَّرْحُ

ثم ذكر النووي رحمه الله في باب الحياء وفضله فيما نقله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد حياء من العذراء في خدرها العذراء: هي المرأة التي لم تتزوج وهي أشد النساء حياء لأنها لم تتزوج ولم تعاشر الرجال فتجدها حيية في خدرها فرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء منها ولكنه صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره عرف ذلك في وجهه يتغير وجهه لكن يستحي عليه الصلاة والسلام وهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون حييا لا يتخبط ولا يفعل ما يخجل ولا يفعل ما ينتقد عليه ولكن إذا سمع ما يكره أو رأى ما يكره فإنه يتأثر وليس من الرجولة أن لا تتأثر بشيء لأن الذي لا يتأثر بشيء هو البليد الذي لا يحس لكن تتأثر ويمنعك الحياء أن تفعل ما ينكر أو أن تقول ما ينكر ثم إن الحياء لا يجوز أن يمنع الإنسان من السؤال عن دينه فيما يجب عليه لأن ترك السؤال عن الدين فيما يجب ليس حياء ولكنه خور فالله سبحانه وتعالى لا يستحي من الحق قالت عائشة رضي الله عنها نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين فكانت المرأة تأتي تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيء الذي يستحي من ذكره الرجال فلابد أن يسال الإنسان عن دينه ولا يستحي ولهذا لما جاء ماعز بن مالك رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام جاء يقر بالزنى يقول إنه زنى فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام ثم جاء ثانية وقال إنه زنى فأعرض عنه ثم جاء ثالثة وقال إنه زنى فاعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يتوب فيتوب الله عليه فلما جاء الرابعة ناقشة النبي عليه الصلاة والسلام قال: أبك جنون قال لا يا رسول الله قال أتدرى ما الزنى ؟ قال: نعم الزنا أن يأتي الرجل من المرأة حراما ما يأتي الرجل من زوجته حلالا فقال له: أنكتها لا يكني بل صرح هنا مع أن هذا مما يستحي منه لكن الحق لا يستحي منه قال له: أنكتها قال: نعم قال حتى غاب ذاك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر ؟ قال نعم فهذا شيء يستحي منه لكن في باب الحق لا تستحي جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ قال: نعم إذا & هي رأت الماء هذا السؤال ربما يخجل منه الرجل أن يسأله ولا سيما في المجلس لكن أم سليم لم يمنعها الحياء من أن تعرف دينها وتتفقه فيه وعلى هذا فالحياء الذي يمنع من السؤال عما يجب السؤال عنه حياء مذموم ولا ينبغي أن نسميه حياء بل نقول إن هذا خور وجبن وهو من الشيطان فاسأل عن دينك ولا تستح & أما الأشياء التي لا تتعلق بالأمور الواجبة فالحياء خير من عدم الحياء إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ومما يجانب الحياء ما يفعله بعض الناس الآن في الأسواق من الكلام البذيء السيئ أو الأفعال السيئة أو ما أشبه ذلك فلذلك يجب على الإنسان أن يكون حييا إلا في أمر يجب عليه معرفته فلا يستحي من الحق


باب حفظ السر


قال الله تعالى: { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً }


685 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يقضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها رواه مسلم

الشَّرْحُ

قال الإمام النووي رحمه الله ( باب حفظ السر ) والسر هو ما يقع خفية بينك وبين صاحبك ولا يحل لك أن تفشي هذا السر أو أن تبينه لأحد سواء قال لك لا تبينه لأحد أو علم بالقرينة الفعلية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد أو علم بالقرينة الحالية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد .
مثال الأول: اللفظ أن يحدثك بحديث ثم يقول لا تخبر أحدا هو معك أمانة ومثال الثاني: القرينة الفعلية أن يحدثك وهو في حال تحديثه إياك يلتفت يخشى أن يكون أحد يسمع لأن معنى التفاته أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ومثال الثالث: القرينة الحالية أن يكون هذا الذي حدثك به أو أخبرك به من الأمور التي يستحي من ذكرها أو يخشى من ذكرها أو ما أشبه ذلك فلا يحل لك أن تبين وتفشي هذا السر ثم استدل المؤلف رحمه الله لذلك بقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً يعني إذا عاهدتم على شيء بلسان الحال أو بلسان المقال فإنه يجب عليكم أن توفوا بالعهد ومن العهود الشروط التي تقع بين الناس في الشراء والإجارة والاستئجار والرهن وغير ذلك فإن هذه الشروط من العهد وكذلك ما يجرى بين المسلمين والكفار من العهد فإنه يجب على المسلمين أن يوفوا به والمعاهدين من الكفار بين الله في سورة التوبة أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام قسم: لا يزالون يوفون بالعهد فهؤلاء يجب أن نوفي بعهدهم .
وقسم ثان: نقضوا العهد فهؤلاء لا عهد بيننا وبينهم لأنهم نقضوا العهد قال الله تعالى: { أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } وقسم ثالث لم ينقضوا العهد ولم يتبين لنا أنهم سيستمرون في الوفاء به بل نخاف منهم أن يخونوا وينقضوا العهد فهؤلاء قال الله فيهم { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } & يعني قل لهم لا عهد بيننا وبينكم حتى يكون الأمر صريحا فالمهم أن جميع ما يشترط بين الناس فإنه من المعهود ومن ذلك التزام الموظفين بأداء عملهم فإن الموظف قد التزم بالشروط التي تشترطها الحكومة على الموظفين من الحضور في أول الدوام وعدم الخروج إلا بعد انتهاء الدوام والنصح في العمل وما أشبه ذلك مما هو معروف في ديوان الخدمة فالواجب الوفاء بهذه العهود وإلا فاترك الوظيفة وكن حرا فيما تعمل لأن الوظيفة لم تلزم بها بل أنت الذي أتيت وتوظفت فيجب أن تلتزم بما تقتضيه شروط هذه الوظيفة من كل شيء وإلا فدعها وكن حرا فيما تريد ولا أحد يحاسبك إلا الله عز وجل ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة أشر هذه لغة قليلة لأن اللغة الكثيرة حذف الهمزة فخير وشر الأكثر فيهما في اللغة حذف الهمزة لا يقال أخير ولا أشر إلا قيلا وإنما يقال خير وشر قال الله تعالى: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } وقال تعالى: { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا } حذف الهمزة في خير وشر لكن يأتي ذكرها أحيانا بناء على الأصل .
فهنا إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه يعني بذلك الزوجة فيصبح ينشر سرها أو هي أيضا تصبح تنشر سره فيقول فعلت في امرأتي البارحة كذا وفعلت كذا والعياذ بالله فالغائب كأنه يشاهد كأنه بينهما في الفراش والعياذ بالله يخبره بالشيء السر الذي لا تحب الزوجة أن يطلع عليه أحد أو الزوجة كذلك تخبر النساء بأن زوجها يفعل بها كذا وكذا وكل هذا حرام ولا يحل وهو من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة فالواجب أن الأمور السرية في البيوت وفي الفرش وفي غيرها تحفظ وألا يطلع عليها أحدا أبدا فإن من حفظ سر أخيه حفظ الله سره فالجزاء من جنس العمل


688 - وعن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت ما حبسك فقلت بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة قالت ما حاجته ؟ قلت إنها سر قالت لا تخبرن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت .
رواه مسلم وروى البخاري بعضه مختصرا

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب حفظ السر فيما نقله عن ثابت عن أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يلعب مع الصبيان فسلم عليهم يعني سلم على الصبيان وهم يلعبون لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خلقا فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم ثم دعا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرسله في حاجة فأبطأ على أمه وأمه هي أم سليم امرأة أبي طلحة فلما جاء إليها سألته ما الذي أبطأ بك قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة يعني أرسلني بها قالت ما حاجته قال ما كنت لأخبر بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تحبرن أحدا بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس لثابت وكان ملازما له لو كنت مخبرا أحدا بذلك & لأخبرتك به أي بالحاجة التي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم بها ففي هذا الحديث فوائد أولا: حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعه الجم وأنه على شرفه ومكانته وجاهه عند الله وعند خلقه يتواضع حتى يسلم على الصبيان وهم يلعبون في السوق ومن منا يفعل ذلك إلا من شاء الله ثانيا: من فوائد هذا الحديث أنه يسن للإنسان أن يسلم على من مر به ولو كان من الصبيان لأن السلام دعاء تدعو لأخيك به تقول السلام عليك ورده دعاء لك يقول عليك السلام ولأنك إذا سلمت على الصبيان عودتهم التربية الحسنة حتى ينشئوا عليها ويعيشوا عليها ويكون لك أجر في كل ما اهتدوا بل فيه فكل شيء يهتدي فيه بك الناس من أمور الخير لك فيه أجر ثالثا: جواز إرسال الصبي بالحاجة لكن بشرط أن يكون مأمونا أما إذا كان غير مأمون بأن يكون الصبي كثير اللعب ولا يهتم بالحوائج فلا تعتمد عليه رابعا: ما ذكره الفقهاء رحمهم الله أن الصبي إذا جاءك بحاجة وقال هذه من أبي هذه من أمي وما أشبه ذلك فلك أن تقبلها وإن كان هو بنفسه لا يملك أن يتبرع من ماله بشيء لكن إذا جاءك على أنه مرسل وقال هذا من أبي جاءك مثلا بتمر جاءك ببطيخ جاءك بثوب بأي شيء إذا جاءك فاقبله ولا تقل هذا صبى ربما سرقها ربما كذا ربما كذا أخذا بالظاهر .
خامسا: مراعاة الوالدة والأهل وأن الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجة وخاف أن يبطئ عليهم أن يخبرهم إذا لم تفت الحاجة بذلك يعني إذا خرجت من أهلك فينبغي أن تقول خرجت للجهة الفلانية حتى يطمئنوا ولا تنشغل خواطرهم والإنسان لا يدري ربما يذهب إلى الجهة الفلانية ويصاب بحادث أو مرض أو غيره فإذا لم يكن معلوما بقى أمره مشكلا عند أهله فينبغي إذا أردت أن تذهب إلى شيء غير معتاد أن تخبرهم بوجهتك أما الشيء المعتاد مثل الخروج إلى المسجد وما أشبهه فلا بأس مثلا إذا أردت أن تذهب إلى بلدك قلت لهم اليوم أذهب إلى المكان الفلاني أو تريد أن تذهب في نزهة فأخبرهم حتى يطمئنوا سادسا أنه لا يجوز للإنسان أن يبدى سر شخص حتى لأمه وأبيه فلو أن إنسانا أرسلك في حاجة ثم قال لك أبوك ما الذي أرسلك به لا تخبره ولو كان أباك أو قالت أمك ما الذي أرسلك به لا تخبرها ولو كانت أمك لأن هذا من أسرار الناس ولا يجوز إبداؤها لأحد سابعا: حسن تربية أم سليم لابنها حيث قالت لا تخبرن أحدا بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قالت له ذلك مع أنه لم يخبرها ولم يخبر غيرها تأييدا له وتثبيتا له وإقامة للعذر له لأنه أبى أن يخبرها بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تخبرن به أحدا كأنها تقول أنا أوافقك على هذا فاستمسك به ثامنا: إظهار محبة أنس لثابت لأنه ملازم له ولهذا تجده يروى عنه كثيرا ولهذا قال له لو كنت مخبرا أحدا لأخبرتك هذا يدل على المحبة بين أنس وبين تلميذه ثابت وهكذا أيضا ينبغي أن تكون المودة بين التلاميذ ومعلمهم متبادلة لأنه إذا لم يكن بين التلميذ والمعلم مودة فإن التلميذ لا يقبل كل ما قاله معلمه كذلك المعلم لا ينشط لتعليم تلميذه ولا يهتم به كثيرا فإذا صارت المودة بينهم متبادلة حصل بهذا خيرا كثيرا


باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد


قال الله تعالى: { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } وقال تعالى: { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ } وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى ( باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد ) العهد: ما يعاهد الإنسان به غيره وهو نوعان عهد مع الله عز وجل فإن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا فقد أخذ الله العهد على عباده جميعا أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا لأنه ربهم وخالقهم وعهد مع عباد الله ومنه العهود التي تقع بين الناس بين الإنسان وبين أخيه المسلم بين المسلمين وبين الكفار وغير ذلك من العهود المعروفة فقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد فقال عز وجل: { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } يعني أن الوفاء بالعهد مسئول عنه الإنسان يوم القيامة يسأل عن عهده هل وفي به أم لا وقال تعالى: { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ } يعني ولا تخلفوا العهد وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } والإنسان إذا عاهد ولم يف فقد قال ما لا يفعل فمثلا لو قلت لشخص عاهدتك ألا أخبر بالسر الذي بيني وبينك أو عاهدتك ألا أخبر بما صنعت في كذا وكذا ثم نقضت وأخبرت فهذا من القول بما لا يفعل: { لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } وقوله: { كبر مقتا عند الله } يعني كبر بغضا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون فإن الله يبغض هذا الشيء ويحب الموفين بالعهد إذا عاهدوا


689 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان متفق عليه .
زاد في رواية لمسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم


690 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر متفق عليه


691 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فلم يجيء مال البحرين حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر رضي الله عنه فنادى من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتنا فأتيته وقلت له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي كذا فحثى لى حثية فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال لي خذ مثيلها متفق عليه .

الشَّرْحُ

نقل المؤلف - رحمه الله في باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث آيته يعني علامته ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان يعني أن هذه من علامات المنافقين إذا رأيت الرجل يكذب وإذا حدث ويخلف إذا وعد ويخون إذا أؤتمن فهذه من علامات المنافقين لأن أصل المنافق مبني على التورية والستر يستر الخبيث ويظهر الطيب يستر الكفر ويظهر الإيمان .
والكاذب كذلك يخبر بخلاف الواقع والواعد الذي يعد ويخلف كذلك وكذلك الذي يخون إذا أؤتمن فهذه علامات النفاق والعياذ بالله .
وفي هذا التحذير من الكذب وأنه من علامات المنافقين فلا يجوز للإنسان أن يكذب لكن إن اضطر إلى التورية وهي التأويل فلا بأس مثل أن يسأله أحد عن أمر لا يحب أن يطلع عليه غيره فيحدث بشيء خلاف الواقع لكن يتأول فهذا لا بأس به وأما إخلاف الوعد فحرام يجب الوفاء بالوعد سواء وعدته مالا أو وعدته إعانة تعينه في شيء أو أي أمر من الأمور إذا وعدت فيجب عليك أن تفي بالوعد وفي هذا ينبغي للإنسان أن يحدد المواعيد ويضبطها فإذا قال لأحد إخوانه أواعدك في المكان الفلاني فليحدد الساعة الفلانية حتى إذا تأخر الموعود وانصرف الواعد يكون له عذر حتى لا يربطه في المكان كثيرا وقد اشتهر عند بعض السفهاء أنهم يقولون أنا واعدك ولا أخلفك وعدي إنجليزي يظنون أن الذين يوفون بالوعد هم الإنجليز ولكن الوعد الذي يوفى به هو وعد المؤمن ولهذا ينبغي لك أن تقول إذا وعدت أحدا وأردت أن تؤكد إنه وعد مؤمن حتى لا يخلفه لأنه لا يخلف الوعد إلا المنافق .
وإذا أؤتمن خان يعني إذا ائتمنه الناس على أموالهم أو على أسرارهم أو على أولادهم أو على أي شيء من هذه الأشياء فإنه يخون والعياذ بالله فهذه أيضا من علامات النفاق وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ففيه أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها المراد به أن هذه الأربع لا تجتمع إلا في المنافق الخالص وإن كان المؤمن قد يحصل له واحدة منها لكنه لا يكون منافقا خالصا بل يكون فيه خصلة من نفاق حتى يدعها وهذه الأربع هي: إذا أؤتمن خان إذا حدث كذب وسبق الكلام على هاتين الجملتين والثالثة: قال ك إذا عاهد غدر وهو قريب من قوله فيما سبق إذا وعد أخلف أي إذا عاهد أحدا غدر به ولم يف بالعهد الذي عاهده عليه .
والرابعة: إذا خاصم فجر والخصومة: هي المخاصمة عند القاضي ونحوه فإذا خاصم فجر والفجور في الخصومة على نوعين أحدهما: أن يدعي ما ليس له والثاني: أن ينكر ما يجب عليه مثال الأول: ادعى شخص على آخر فقال عند القاضي أنا أطلب من هذا الرجل ألف ريال وهو كاذب وحلف على هذه الدعوى وأتى بشاهد زور فحكم له القاضي فهذا خاصم ففجر لأنه ادعى ما ليس له وحلف عليه مثال الثاني: أن يكون عند شخص ألف ريال فيأتيه صاحب الحق فيقول: أوفني حقي فيقول ليس لك عندي شيء فإذا اختصما عند القاضي ولم يكن للمدعى بينة حلف هذا المنكر الكاذب في إنكاره أنه ليس في ذمته له شيء فيحكم القاضي ببراءته فهذه خصومه فجور والعياذ بالله وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على يمين صبر ليقتطع بها حق امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان نعوذ بالله وهذه الخصال الأربع إذا اجتمعت في المرء كان منافقا خالصا لأنه استوفى خصال النفاق والعياذ بالله وإذا كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها وفي هذا الحديث: دليل على التحذير البليغ من هذه الصفات الأربع: الخيانة في الأمانة، والكذب في الحديث، والغدر بالعهد، والفجور في الخصومة وفيه أيضا دليل على أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال نفاق لقوله كان فيه خصلة من النفاق هذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الإنسان يكون فيه خصلة نفاق وخصلة فسوق وخصلة عدالة وخصلة عداوة وخصلة ولاية يعني أن الإنسان ليس بالضرورة أن يكون كافرا خالصا أو مؤمنا خالصا بل قد يكون فيه خصال من الكفر وهو مؤمن وخصال من الإيمان ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا مال البحرين يعني مال الإحساء وما جاورها كلها تسمى البحرين في ذلك العهد يقول لو قد جاء لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا: يقول بيديه عليه الصلاة والسلام وهذا وعد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله أن يعطيه من مال البحرين هكذا وهكذا وهكذا .
فلما توفي الرسول عليه الصلاة والسلام قبل أن يأتي مال البحرين وكان الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه بإجماع الصحابة بايعوه كلهم على أنه هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء مال البحرين في خلافة أبي بكر فقال رضي الله عنه من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين عدة: يعني وعد أو دين يعني على الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه ربما يكون الرسول اشترى من أحد شيئا فلزمه دين أو وعد أحدا شيئا وفعلا توفي الرسول عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند رجل يهودي في المدينة بثلاثين صاعا من شعير اشتراها لأهله عليه الصلاة والسلام فهو صلى الله عليه وسلم ليس عنده مال ولم يبعث جابيا للمال ولا يبقى عنده المال إلا بمقدار ما يفرقه على المسلمين فالمهم أن أبا بكر نادى : من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتنا فجاء جابر رضي الله عنه إلى أبي بكر وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فقال خذ فأخذ بيديه فعدها فإذا هي خمسمائة فقال خذ مثيلها لأن الرسول قال هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرات فأعطاه أبو بكر رضي الله عنه العدة التي وعده إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز تخصيص بعض المسلمين بشيء من بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصص جابرا ولكن بشرط ألا يكون ذلك لمجرد الهوى بل للمصلحة العامة أو الخاصة وفيه دليل على كرم النبي صلى الله عليه وسلم حيث يحثو المال حثيا ولا يعده عدا لأنه قال بيديه وهذا يدل على الكرم وأن المال لا يساوي عنده شيئا صلوات الله وسلامه عليه بخلاف الذي جمع مالا وعدده يعدد الهلل قبل الريالات من حرصه على المال .
وفي هذا دليل أيضا على النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب لأنه وعد وتوفى قبل أن يفي بالوعد لأن المال لم يأت وفيه أيضا دليل على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه لمبايعة الصحابة له .
وفيه دليل أيضا على قبول دعوى المدعى إذا لم يكن له منازع يرد دعواه وكان هذا المدعى ثقة أما إذا كان له منازع فإن البينة على المدعى واليمين على من أنكر وفي هذه القصة لا منازع لجابر رضي الله عنه لأن أبا بكر هو المسئول عن بيت المال وقد عرض على الناس من كان له عدة أو دين فليأتنا فجاء جابر ولم يقل له أبو بكر أين البينة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم وعدك ما طلب منه البينة لأنه واثق به ولا منازع له وفيه دليل أيضا على اعتبار الشيء بنظيره وأن الإنسان إذا وزن شيئا في إناء وكان وزنه مثلا مائة كيلو فله أن يملأ هذا الإناء مرة ثانية بشيء آخر ويعتبره مائة كيلو إذا تساوى الموزون في الخفة والثقيل لأن أبا بكر رضي الله عنه لما عد الحثية الأولى اعتبر الحثية الثانية والثالثة بمثلها في العدد فإذا فرضنا أن شخصا وجب عليه خمسمائة صاع مثلا ثم كان في إناء عشرة أصواع وأراد أن تعتبر الباقي بهذا الإناء فإن ذلك لا بأس به لأنه إذا تساوى الشيء فإنه لا بأس أن تعتبر هذا الاعتبار لفعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه والله الموفق


باب المحافظة على ما اعتاده من الخير


قال الله تعالى: { إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } وقال تعالى: { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا } و الأنكاث جمع نكث وهو الغزل المنقوض وقال تعالى: { وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } وقال تعالى: { فما رعوها حق رعايتها }


692 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل متفق عليه

الشَّرْحُ

قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى ( باب المحافظة على ما اعتاده من الخير ) يعني أن الإنسان إذا اعتاد فعل الخير فينبغي أن يداوم عليه فمثلا إذا اعتاد ألا يدع الرواتب يعني الصلوات النوافل التي تتبع الصلوات الخمس فليحافظ على ذلك وإذا كان يقوم الليل فليحافظ على ذلك وإذا كان يصلى ركعتين من الضحى فليحافظ على ذلك وكل شيء من الخير إذا اعتاده فإنه ينبغي أن يحافظ عليه وكان من هدى النبي صلى الله عليه وسلم أن عمله ديمة يعني يداوم عليه فكان إذا عمل عملا أثبته ولم يغيره وذلك لأن الإنسان إذا اعتاد الخير وعمل به ثم تركه فإن هذا يؤدي إلى الرغبة عن الخير لأن الرجوع بعد الإقدام شر من عدم الإقدام فلو أنك لم تفعل الخير ابتداء لكان أهون مما إذا فعلته ثم تركته وهذا شيء مشاهد مجرب وذكر المؤلف رحمه الله عدة آيات من القرآن كلها تدل على أن الإنسان ينبغي أن يحافظ على ما اعتاده من الخير فمن ذلك قوله تعالى: وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا يعني لا تكونوا كالمرأة الغازلة التي تغزل الصوف ثم إذا غزلته وأتقنته نقضته أنكاثا ومزقته بل دوموا على ما أنتم عليه ومن ذلك قوله تعالى: { وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أي: أنهم يعملون العمل الصالح لكن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وتركوا العلم فلا تكونوا مثلهم وأما الأحاديث التي ذكرها المؤلف فمنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل كلمة فلان يكني بها عن الإنسان البشر الرجل والمرأة يقال لها فلانة وهذه الكلمة يحتمل أنها من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وأن الرسول لم يذكر اسمه لعبد الله بن عمرو سترا عليه لأن المقصود القضية دون صاحبها ويحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم عينه لكن أبهمه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه وأيا كان فالمهم العمل .
والقضية أن رجلا كان يقوم من الليل فلم يثبته ولم يداوم عليه مع أن قيام الليل في الأصل سنة فلو لم يفعله الإنسان لم يلم عليه يعني لو لم يقم من الليل ما لامه ولا قال له: لماذا لم تقم من الليل ؟ لأنه سنة لكن كونه يقوم ثم يرجع ويترك هذا هو الذي يلام عليه ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل ومن ذلك وهو أهم وأعظم أن يبدأ الإنسان بطلب العلم الشرعي ثم إذا فتح الله عليه بما فتح تركه فإن هذا كفر نعمة أنعمها الله عليه فإذا بدأت بطلب العلم فاستمر إلا أن يشغلك عنه شيء على وجه الضرورة وإلا فداوم لأن طلب العلم فرض كفاية كل من طلب العلم من طلب العلم فإن الله تعالى يثيبه على ثواب الفرض وثواب الفرض أعظم من ثواب النافلة كما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: ما تقرب إلا عبدي بشيء أحب إلى ما افترضته عليه فطلب العلم فرض كفاية إذا قام به الإنسان قام بفرض عن عموم الأمة وقد يكون فرض عين فيما إذا احتاج الإنسان إليه في نفسه كمن أراد أن يصلى فلا بد أن يتعلم أحكام الصلاة ومن كان عنده مال فلابد أن يتعلم أحكام الزكاة والبائع والمشتري لابد أن يتعلما أحكام البيع والشراء ومن أراد أن يحج فلابد أن يتعلم أحكام الحج هذا فرض عين أما بقية العلوم فهي فرض كفاية فإذا شرع الإنسان في طلب العلم فلا يرجع وإنما يستمر إلا أن يصده عن ذلك شيء ضروري فهذا شيء آخر ولهذا كان المنافقون هم الذين إذا بدأوا بالعمل تركوه في غزوة أحد خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو ألف رجل وكان ثلثهم تقريبا من المنافقين فرجعوا من الطريق وقالوا: { لو نعلم قتالا لا تبعناكم } قال الله تعالى: { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ } فالحاصل أنه ينبغي للمسلم إذا من الله عليه بعمل مما يتعبد به لله من عبادات خاصة كالصلاة أو عبادات متعدية للغير كطلب العلم ألا يتقاعس وألا يتأخر ليستمر على ذلك فإن ذلك من هدى النبي صلى الله عليه وسلم ومن إرشاده بقوله: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل والله الموفق


باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء


قال الله تعالى: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } وقال تعالى: { ولو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }


693 - عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة متفق عليه


694 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والكلمة الطيبة صدقة متفق عليه وهو بعض حديث تقدم بطوله


695 - وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخالك بوجه طلق رواه مسلم

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء ) يعني: إذا لاقى الإنسان أخاه، فإنه ينبغي له أن يلاقيه بالبشر وطلاقة الوجه & وحسن المنطق لأن هذا من خلق النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعد هذا تنزلا من الإنسان ولكنه رفعة وأجر له عند الله عز وجل واتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم البشر كثير التبسم صلوات الله وسلامه عليه فالإنسان ينبغي له أن يلقى أخاه بوجه طلق وبكلمة طيبة لينال بذلك الأجر والمحبة واللفة والبعد عن التكبر والترفع على عباد الله ثم ذكر المؤلف آيات منها: قوله تعالى: واخفض جناحك للمؤمنين اخفض جناحك يعني لن وتواضع للمؤمنين لأن المؤمن أهل لأن يتواضع له أما الكفار فقد قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } فالذي يتلقى بالبشر وطلاقة الوجه هو المؤمن أما الكافر فإن كان يرجى إسلامه إذا عاملناه بطلاقة الوجه والبشر فإننا نعامله بذلك رجاء إسلامه وانتفاعه بهذا اللقاء وأما إذا كان هذا التواضع وطلاقة الوجه لا يزيده إلا تعاليا على المسلم وترفعا عليه فإنه لا يقابل بذلك ثم إن طلاقة الوجه توجب سرور صاحبك لأنه يفرق بين شخص يلقاك بوجه معبس وشخص يلقاك بوجه منطلق لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق فهذا من المعروف لأنه يدخل السرور على أخيك ويشرح صدره ثم إذا قرن ذلك بالكلمة الطيبة حصل بذلك مصلحتان: طلاقة الوجه والكلمة الطيبة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا النار ولو بشق تمرة يعني: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية ولو بشق تمرة يعني: ولو أن تصدقوا بنصف تمرة فإن ذلك يقيكم من النار إذا قلبها الله عز وجل فإن لم يجد فبكلمة طيبة كلمة طيبة مثل أن تقول له: كيف أنت ؟ كيف حالك ؟ كيف إخوانك ؟ كيف أهلك ؟ وما أشبه ذلك لأن هذه من الكلمات الطيبة التي تدخل السرور على صاحبك كل كلمة طيبة فهي صدقة لك عند الله وأجر وثواب وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام البر حسن الخلق وقال: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا


باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك


696 - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا رواه البخاري


697 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه رواه أبو داود

الشَّرْحُ

قال المؤلف النووي رحمه الله تعالى: ( باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك ) والمعنى أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم وخاطب الناس أن يكلمهم بكلام بين لا يستعجل في إلقاء الكلمات، ولا يدغم شيئا في شيء ويكون حقه الإظهار بل يكون كلامه فصلا بينا واضحا حتى يفهم المخاطب بدون مشقة وبدون كلفة فبعض الناس تجده في الكلام ويأكل الكلام حتى إن الإنسان يحتاج إلى أن يقول له: ماذا تقول ؟ فهذا خلاف السنة فالسنة أن يكون الكلام بينا واضحا يفهمه المخاطب وليس من الواجب أن يكون خطابك باللغة الفصحى .
فعليك أن تخاطب الناس بلسانهم وليكن بينا واضحا كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه فقوله: حتى تفهم عنه يدل على أنها إذا فهمت بدون تكرار فإنه لا يكررها وهذا هو الواقع فإن الرسول عليه الصلاة والسلام نسمع عنه أحاديث كثيرة يقولها في خطبة وفي المجتمعات ولا يكرر ذلك لكن إذا لم يفهم الإنسان بأن كان لا يعرف المعنى جيدا فكرر عليه حتى يفهم أو كان سمعه ثقيلا لا يسمع أو كان هناك ضجة حوله لا يسمع فهنا يستحب أن تكرر حتى يفهم عنك وكان صلى الله عليه وسلم إذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثا معناه أنه كان لا يكرر أكثر من ثلاث يسلم مرة فإذا لم يجب سلم الثانية فإذا لم يجب سلم الثالثة فإذا لم يجب تركه وكذلك في الاستئذان كان صلى الله عليه وسلم يستأذن ثلاثا يعني إذا جاء للإنسان يستأذن في الدخول على بيته يدق عليه الباب ثلاث مرات فإذا لم يجب انصرف فهذه سنته عليه الصلاة والسلام أن يكرر الأمور ثلاثا ثم ينتهي .
وهل مثل ذلك إذا دق جرس الهاتف ثلاث مرات ؟ يحتمل أن يكون من هذا الباب، وأنك إذا اتصلت بإنسان ودق الجرس ثلاث مرات وأنت تسمعه وهو لم يجبك، فأنت في حل إذا وضعت سماعة الهاتف ويحتمل أن يقال: إن الهاتف له حكم آخر وأنك تبقى حتى تيأس من أهل البيت لأنهم ربما لا يكونون حول الهاتف عند اتصالك فربما يكونون في طرف المكان ويحتاجون إلى خطوات كثيرة حتى يصلوا إلى الهاتف فلذلك قلنا باحتمال الأمرين ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلامه فصلا يعني مفصلا لا يدخل الحروف بعضها على بعض ولا الكلمات بعضها على بعض حتى لو شاء العاد أن يحصيه لأحصاه من شدة تأنيه صلى الله عليه وسلم في الكلام وهكذا ينبغي للإنسان أن لا يكون كلامه متداخلا بحيث يخفي على السامع لأن المقصود من الكلام هو إفهام المخاطب وكلما كان أقرب إلى الإفهام كان أولى وأحسن ثم إنه ينبغي للإنسان إذا استعمل هذه الطريقة يعني إذا جعل كلامه فصلا بينا واضحا وكرره ثلاث مرات لمن لم يفهم ينبغي أن يستشعر في هذا أنه متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يحصل له بذلك الأجر وإفهام أخيه المسلم وهكذا جميع السنن اجعل على بالك أنك متبع فيها لرسول صلى الله عليه وسلم حتى يتحقق لك الاتباع


باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام واستنصات العالم والواعظ حاضري مجلسه


698 - عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: استنصت الناس ثم قال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض متفق عليه

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف النووي رحمه الله تعالى هذا الباب في إصغاء الإنسان إلى جليسه إذا لم يكن يتكلم بشيء محرم، واستنصات العالم والمعلم الناس يعني ليستمعوا إلى كلامه، وقد سبق لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم سلم ثلاثا والمراد أنه لم يسمع المسلم عليه سلم ثلاثا، فإنه يسلم أول مرة، فإذا لم يجب سلم ثانية، فإذا لم يجب سلم الثالثة، فإذا لم يجب تركه أما إذا رد المسلم عليه من أول مرة فإنه لا يعيد السلام مرة ثانية أما هذا الباب ففيه أنه ينبغي للإنسان أن يكون حسن الإصغاء إلى كلام جليسه إذا لم يكن يتكلم بمحرم وحسن الإصغاء يكون بالقول وبالفعل أما القول: فبألا يتكلم إذا كان جليسه يتكلم، فيحصل بذلك التشويش بأن يكون الكلام كلاما واحدا حتى ينتفع الناس جميعا بما يتكلم به بعضهم وأما الإصغاء بالفعل: فينبغي إذا كان الإنسان يحدثك أن تقبل إليه بوجهك وألا تلتفت يمينا وشمالا، لأنك إذا التفت يمينا وشمالا وهو يحدثك نسبك إلى الكبرياء، وقد قال الله تعالى: وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا فينبغي أن تصغي إليه وأن تقابله بوجهك حتى يعرف أنك قد أحسست به، وأنك قد اهتممت بكلامه، إلا إذا كان يتكلم بشيء محرم، كغيبة، أو كلام لغو، أو ما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة، فإنك لا تصغي إليه، بل انهه عن ذلك الشيء .
فإن استمر يتكلم بالكلام المحرم، ولم يضع إلى قولك وإلى نصحك، فالواجب عليك أن تقوم من مكانك وأن تفارقه، لأن الله يقول: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } ثم ذكر المؤلف رحمه الله حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: استنصت الناس يعني: سكتهم حتى يستمعوا لما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض يضرب هنا بالرفع، ولا يجوز جزمها على أنها جواب النهي، بل هي بالرفع لأنها حال، يعني لا ترجعوا بعدي كفارا حال كونكم يضرب بعضكم رقاب بعض، وفي هذا دليل على أن قتال المؤمنين بعضهم كفر، وقد أيد هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر لكنه كفر لا يخرج من الملة، والدليل على أنه لا يخرج من الملة قوله تعالى: { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } إلى قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ }


باب الوعظ والاقتصاد فيه


قال الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ }


699 - وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا في كل خميس مرة، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فقال أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا متفق عليه .
يتخولنا: يتعهدنا .

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه اله تعالى: ( باب الوعظ والاقتصاد فيه ) وذلك لعدم إدخال الملل والسآمة على الناس فيما يعظ به الوعظ: هو ذكر الأحكام الشرعية مقرونة بالترغيب أو الترهيب، كأن نقول للإنسان مثلا إنه يجب عليك كذا وكذا فاتق الله، وقم بما أوجب الله عليك وما أشبه ذلك .
وأعظم واعظ هو كتاب الله عز وجل فإن الله يقول: .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين فأعظم ما يوعظ به كتاب الله عز وجل، لأنه جامع بين الترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار، والمتقين والفجار، فهو أعظم كتاب يوعظ به .
ولكن إنما يكون كذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كما قال تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } أما من قست قلوبهم والعياذ بالله فقد قال الله تعالى: { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون } وهكذا المؤمن كلما قرأ من كتاب الله ازداد إيمانا بالله واستبشر بما جعل الله في قلبه من النور من هذا الكتاب العظيم { .
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ } نعوذ بالله من ذلك فينبغي لإنسان أن يعظ الناس بالقرآن وبالسنة، وبكلام الأئمة، وبكل ما يلين القلوب ويوجهها إلى الله عز وجل ثم ذكر المؤلف رحمه الله أن ينبغي الاقتصاد في الموعظة، فلا تكثر على الناس فتملهم، وتكره إليهم القرآن والسنة وكلام أهل العلم، لأن النفوس إذا ملت كلت، وتعبت وسئمت وكرهت الحق وإن كان حقا ولهذا كان أحكم الواعظين من الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يتخول الناس بالموعظة، ما يكثر عليهم لئلا يملوا ويسأموا ويكرهوا ما يقال من الحق ثم صدر المؤلف هذا الباب بقوله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ادع إلى سبيل ربك: يعني إلى دين الله، لأن سبيل الله هو دين الله حيث أنه يوصل إلى الله تعالى، فمن سلك هذا الدين أوصله إلى الله سبحانه وتعالي، ولأن هذا الدين وضعه الله عز وجل وشرعه لعباده، ولهذا أضيف إليه فقيل: سبيل الله { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي بثلاثة أمور: أولا: الحكمة: وذلك بأن تنزل الأمور منازلها، في الوقت المناسب، والكلام المناسب، والقول المناسب، لأن بعض الأماكن لا تنبغي فيها الموعظة وبعض الأزمنة لا تنبغي فيها الموعظة وكذلك بعض الأشخاص لا ينبغي أن تعظهم في حال من الأحوال بل تنتظر حتى يكون مهيئا لقبول الموعظة ولهذا قال: { بالحكمة } قال العلماء: الحكمة: وضع الأشياء في مواضعها ثانيا: الموعظة الحسنة: يعني: اجعل دعوتك مقرونة بموعظة حسنة، موعظة تلين القلب وترققه وتوجهه إلى الله بشرط أن تكون حسنة، إن كان الترغيب فيها أولى فبالترغيب وإن كان الترهيب والتخويف فيها أولى فبالترهيب والتخويف وكذلك تكون حسنة من حيث الأسلوب والصياغة وكذلك تكون حسنة من حيث الإقناع بحيث تأتي بموعظة تكون فيها أدلة مقنعة أدلة شرعية وأدلة عقلية تسند الشرعية لأن بعض الناس يقنع بالأدلة الشرعية كالمؤمنين الخلص، فإن الله يقول: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ومن الناس من لا يكتفي بالأدلة الشرعية بل يحتاج أن تنسد الأدلة الشرعية عنده بأدلة عقلية، ولهذا يستدل الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة بالأدلة العقلية على ما أوحاه إلى نبيه من الأدلة الشرعية انظر مثلا إلى البعث بعد الموت، فالبعث بعد الموت أنكره الكفار وقالوا: من يحيى العظام وهي رميم ؟ كيف يموت الإنسان وتأكل الأرض عظامه ولحمه وجلده، ثم يبعث ؟ فأجاب الله: { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } من الذي خلق هذه العظام أول مرة هو الله وإعادة الخلق أهون من ابتدائه: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } { أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى } هذه أدلة عقلية الاستدلال بالمبدأ على المعاد وكذلك يستدل الله سبحانه وتعالى على إمكان البعث بإحياء الأرض بعد موتها فإن الله تعالى ينزل المطر على أرض هامدة قاحلة، ليس فيها حياة ولا نبات فتصبح الأرض مخضرة بهذا المطر من الذي أحيا هذا النبات إلا الله ؟ فالذي أحيا هذا النبات بعد يبسه وموته قادر على إحياء الموتى ولابد من حياة أخرى لأنه ليس من الحكمة أن الله ينشئ هذا الخلق ويمدهم بالنعم والرزق وينزل عليهم الكتب، ويرسل إليهم الرسل، ويشرع الجهاد لأعدائه ثم تكون المسألة مجرد دنيا تروح، فهذا لا يمكن، وهذا خلاف الحكمة، بل لابد من حياة أخرى هي الحياة الحقيقية كما قال تعالى: { يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار } ثم قال: { وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } يعني: إذا وعظت موعظة حسنة وصار الإنسان يجادل ولم يقبل فجادله ولا تنسحب لكن جادل بالتي هي أحسن من حيث الأسلوب، ومن حيث العرض، ومن حيث الإقناع، إذا استدل عليك بدليل فحاول إبطال دليله، فإذا كان إبطال دليله يطول فانتقل إلى دليل آخر، ولا تأخذ في الجدال معه، بل انتقل إلى دليل آخر لا يستطيع مجادلتك فيه .
انظر إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما حاجة الرجل في الله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } يعني وأنت لا تستطيع أن تحيى وتميت { قال أنا أحيي وأميت } كيف يحيى ويميت هذا المجادل المعاند ؟ كان يؤتي بالرجل المستحق للقتل فيقول: لا تقتلوه ويؤتي بالرجل لا يستحق القتل فيقول: اقتلوه فجعل هذه التمويه إحياء وإماتة فقال إبراهيم: { فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ } ولم يجادله على قوله: أنا أحيى وأميت، وإلا لو جادله لقال أنت لم تحي ولم تمت حقيقة وإنما تفعل سبب الموت فيموت وهو القتل وترفع موجب القتل فلا يقتل لكنه عدل عن هذا إلى شيء لا يستطيع الخصم أن يتحرك معه أو أن ينطق قال: { فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ } فلم يستطع ردا ولهذا قال: { فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } فالحاصل أن الله يقول: { وجادلهم بالتي هي أحسن } وفهم من الآية أن من لا يستطيع المجادلة بالتي هي أحسن فلا يجادل، لأنه قد يأتي إنسان مؤمن حقا وليس عنده إشكال لما معه من الإيمان لكن يجادله ألد خصم فيعجز عن مقاومته ففي هذه الحال لا تجادل لأنك إن جادلت لن تجادل بالتي هي أحسن اتركه إلى وقت آخر أو إلى أن يأتي أحد أقوى منك في المجادلة فيجادله


700 - وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا في الخطبة رواه مسلم مئنة بميم مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة أي علامة دالة على فقهه


701 - وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قلبه ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أنبأنا وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان ؟ قال: فلا تأتهم قلت ومنا رجال يتطيرون ؟ قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم رواه مسلم

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف النووي رحمه الله تعالى في ( باب الوعظ والاقتصاد فيه وعدم إدخال الملل والسآمة على الناس فيما يعظ به ) وسبق الكلام عن الآية التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب وهي قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثم ذكر المؤلف أحاديث منها: حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه يعني: صلاة الجمعة فصلاة الجمعة لها خطبتان قبلها: فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: وإن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه وهذا وإن كان ظاهرا في خطبة الجمعة فهو عام أيضا حتى في الخطب العارضة لا ينبغي للإنسان أن يطيل على الناس كلما قصر كان أحسن لوجهين الوجه الأول: ألا يمل الناس الوجه الثاني: أن يستوعبوا ما قال لأن الكلام إذا طال ضيع بعضه بعضا فإذا كان قصيرا مهضوما مستوعبا انتفع به وكذلك لا يلحقهم الملل وأما طول الصلاة فالمراد أن تكون كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ليست طويلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على معاذ إطالته في صلاة العشاء وأنكر على الرجل الآخر إطالته في صلاة الفجر وقال: أيها الناس إن منكم منفرين فالمراد بطول الصلاة هنا الطول الموفق لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا إذا كان الإنسان إماما أما إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء ولا أحد يمنعه لأنه يعامل نفسه بنفسه ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة أطيلوها كما ورد وأقصروا الخطبة لكن لابد من خطبة تثير المشاعر ويحصل بها الموعظة والانتفاع .
ثم ذكر المؤلف حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه أنه بينما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إذ عطس رجل من القوم فقال الحمد لله فقال له معاوية يرحمك الله لأنك إذا سمعت العاطس يحمد الله بعد عطاسه وجب عليك أن تشمته فتقول يرحمك الله حتى ولو كنت تقرأ أو تطالع أو تراجع أما في الصلاة فلا يجوز لأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ولهذا أنكر الناس بأعينهم على معاوية فرموه بأبصارهم فقال واثكل أمياه ماذا صنعت ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يسكتونه فسكت ومضى في صلاته فلما انصرف من الصلاة دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما أحسن تعليما منه لا قبله ولا بعده والله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما خاطبه بلطف وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال عليه الصلاة والسلام فهذه موعظة قصيرة مفيدة انتفع بها معاوية ونقلها إلى من بعده وفي هذا الحديث دليل على أنه لا بأس أن يلتفت المصلى أو ينظر إذا كان ذلك لمصلحة أو حاجة، وإلا فالأفضل أن يكون نظره إلى موضع سجوده وفي حال الجلوس يكون نظرة إلى موضع إشارته لأن الجالس في التشهد أو بين السجدتين يرفع إصبعه قليلا ويشير بها عند الدعاء، فيكون نظره إلى موضع إشارته، وأما في حال القيام والركوع فينظر إلى موضع سجوده وقال بعض العلماء ينظر تلقاء وجهه، والأمر في هذا واسع، إن شاء نظر إلى موضع سجوده، وإن شاء نظر تلقاء وجهه، لكن إذا حصلت حاجة والتفت فإن ذلك لا بأس به وفيه أيضا: أن العمل اليسير في الصلاة لا يضر لأن الصحابة جعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك، إلا أنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث آخر: إذا نابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفق النساء وفيه دليل: على أن الكلام في الصلاة لا يجوز وأنه مبطل لها، إلا إذا كان الإنسان جاهلا أو ناسيا أو غافلا، فمثلا لو أن أحدا سلم عليك وأنت تصلي أو دق الباب وأن تصلي فقلت غافلا ادخل أو قلت: وعليكم السلام ناسيا أو غافلا، فصلاتك صحيحة لأن الله لا يؤاخذ الإنسان بالجهل أو النسيان أو بالغفلة { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } ومن فوائد الحديث: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يعلم بالرفق واللين وهذا هديه صلى الله عليه وسلم وهو أسوة أمته فالذي ينبغي للإنسان أن ينزل الناس منازلهم فالمعاند المكابر يخاطب بخطاب يليق به والجاهل الملتمس للعلم يخاطب بخطاب يليق به ومن فوائد هذا الحديث: أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين وإنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والصلاة كما نعلم فيها قراءة قرآن وفيها تكبير وفيها تسبيح وفيها دعاء وفيها تشهد وفي الحديث: الثناء على الوعظ إذا كانت عظته جيدة وليس عنده عنف وهذا يشجع أهل الوعظ على أن يلتزموا بهذه الطريقة التي التزم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سياق حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وإن الله تعالى قد جاء بالإسلام قال هذا الكلام ليبين حاله من قبل وحاله من بعد وليتحدث بنعمة الله عليه حيث كانوا في جاهلية لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا إلا ما جرت به العادات بينهم وجاءنا الله بهذا الإسلام بالنور المبين والفرقان العظيم فبين الحق من الباطل وبين النافع من الضار وبين الإيمان من الكفر والتوحيد من الشرك إلى غير ذلك مما من الله به على هذه الأمة بالإسلام ثم قال رضي الله عنه وإن منا رجالا يأتون الكهان قال فلا تأتهم الكهان كانوا رجالا تنزل عليهم شياطين الجن بما يسمعون من خبر السماء ثم يحدثون الناس بما أخبرت به الشياطين ويضيفون إلى الخبر الحق أشياء كثيرة من الكذب فإذا صدقوا في واحد من مائة اتخذهم الناس حكاما ولهذا يأتون إليهم ويتحاكمون إليهم فالكاهن عبارة عن رجل يأتيه الشيطان يخبره بما سمع من خبر السماء ويضيف إلى هذا الخبر أشياء كثيرة من الكذب يأتيهم الناس فيسألونهم ما حالنا ؟ ما مستقبلنا ؟ يسألونهم عن أمور مستقبلة عامة أو خاصة فيخبرونهم بما وسمعوا من أخبار الشياطين قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تأتهم كلمة واحدة لا تأت الكهان وهل تظن أن معاوية أو غيره من الصحابة إذا قال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام لا تفعلوا أن يفعلوا ؟ لا، لا نظن ذلك فإنهم ليسوا كحال كثير من الناس اليوم يكرر عليه النهي ولكنه لا ينتهي أو يتأول ويقول: النهي للكراهة أو النهي للأدب أو لخلاف الأولي أو ما أشبه ذلك ثم اعلم أن الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل وإذا أتاه الإنسان فله ثلاث حالات: الحلة الأولى: أن يأتيه يسأله ولا يصدقه فثبت في صحيح مسلم أن من فعل هذا لا تقبل له صلاة أربعين يوما الحالة الثانية: أن يأتيه يسأله ويصدقه فهذا كافر لقوله صلى الله عليه وسلم: من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ووجه كفره أن تصديقه إياه يتضمن تكذيب قول الله جل وعلا: { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ } لأن الكاهن يخبر عن الغيب في المستقبل فإذا صدقته فمضمونه أنك تكذب هذه الآية فيكون ذلك كفرا الحالة الثالثة: أن يسأل الكاهن ليكذبه وإنما يسأله اختبارا فهذا لا بأس به وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ابن صياد عما أضمر له فقال له: الدخ يعني: الدخان فقال له النبي عليه الصلاة والسلام اخسأ فلن تعدو قدرك فإذا سأله ليفضحه ويكشف كذبه وحاله للناس فإن هذا لا بأس به بل إن هذا يكون محمودا مطلوبا لما في ذلك من إبطال الباطل ثم سأل معاوية رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالا آخر قال ومنا رجال يتطيرون ؟ قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم و التطير: هو التشاؤم بالأشياء وكان العرب يتشاءمون أكثر ما يتشاءمون في الطيور فإذا طار يمينا فله حال وإن طار يسارا فله حال وإن اتجه أماما فله حال أو رجع فله حال حسب اصطلاحات العرب وخرافاتهم فكانوا يتطيرون فيجعلون الطيور هي التي تمضيهم أو تردهم إذا كان الطير مثلا عن اليسار قال هذا نذير سوء فلا أسافر إذا طار يمينا قال هذا سفر مبارك حيث اليمين من اليمن والبركة وهكذا اصطلاحات عندهم فكانوا يتشاءمون أكثر ما يتشاءمون في الطيور وربما تشاءموا من الأيام وربما تشاءموا من الشهور وربما تشاءموا فيما يصنعون من الأصوات وربما تشاءموا حتى من الأشخاص حتى إنه يوجد الآن أناس إذا خرج أحدهم من بيته ثم لاقاة شخص قبيح المنظر قال هذا اليوم سوء وتشاءم وإذا لقي رجلا جميل الوجه قال: هذا اليوم خير فتفاءل & فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هذا شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم والإنسان إذا ركن إلى التطير تنغصت عليه حاله وربما يصنع الجني ما يكره ليبقى دائما في غم وهم ولكن لا تشاءم وكان العرب يتشاءمون من شهر شوال في النكاح يقولون الذي يتزوج في شهر شوال لا يوفق في زواجه هكذا كانوا يقولون فكانت عائشة رضي الله عنها تقول: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم في شوال عقد عليها في شوال ودخل بها في شوال فتقول أيكم أحظى إليه مني ؟ لا شك أن عائشة أحب النساء إليه بعد أن تزوجها ومع ذلك عقد عليها في شوال ودخل عليها في شوال والعرب لجهلهم وسخافتهم يقولون: الذي يتزوج في شوال لا يوفق ونحن الآن نشاهد أناسا يتزوجون في شوال ولا يكون فيهم إلا الخير فالمهم أنه يجب عليك أن تمحو من قلبك التطير والتشاؤم وكن دائما متفائلا واجعل الدنيا أمامك واسعة واجعل الطريق أمامك دائما مفتوحا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل الحسن فاجعل نفسك دائما في تفاؤل والذي يريده الله سيكون لكن كن مسروا فرحا فالدنيا أمامك واسعة والطريق مفتوح ودائما كن في تفاؤل ودائما كن واسع الصدر فهذا هو الخير أما التشاؤم والانقباض وأن يجعل الإنسان باله في كل شيء فإن الدنيا ستضيق عليه فمن محاسن الإسلام أنه ألغى الطيرة وأثبت الفأل لأن الفأل خير والطيرة شر


باب الوقار والسكينة


قال الله تعالى: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا }


703 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا قط ضاحكا حتى ترى منه لهواته وإنما كان يتبسم متفق عليه اللهوات جمع لهاة: وهي اللحمة التي في أقصى سقف الفم

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى ( باب الوقار والسكينة ) والوقار: هو هيئة يتصف بها العبد يكون وقورا بحيث إذا رآه من رآه يحترمه ويعظمه والسكينة هي عدم الحركة الكثيرة وعدم الطيش بل يكون ساكنا في قلبه وفي جوارحه وفي مقاله ولاشك أن هذين الوصفين الوقار والسكينة من خير الخصال التي يمن الله بها على العبد لأن ضد ذلك أن يكون الإنسان لا شخصية له ولا هيبة له وليس وقورا ذا هيبة بل هو مهين قد وضع نفسه ونزلها وكذلك السكينة ضدها أن يكون الإنسان كثير الحركات كثير التلفت لا يرى عليه أثر سكينة قلبه ولا قوله ولا فعله فإذا من الله على العبد بذلك فإنه ينال بذلك خلقين كريمين وضد ذلك أيضا العجلة أن يكون الإنسان عجولا لا يتحرى ولا يتأنى ليس له هم إلا القيل والقال اللذان نهى عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان ينهى عن القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال فإذا كان الإنسان ليس متأنيا ولا متثبتا في الأمور حصل منه زلل كثير وأصبح الناس لا يثقون في قوله وصار عند الناس من القوم الذين يرد حديثهم ولا ينتفع به ثم استشهد المؤلف بقول الله تبارك وتعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا { وعباد الرحمن }: الذين من الله عليهم بالرحمة ووفقهم للخير هم الذين يمشون على الأرض هونا يعني إذا رأيت أحدهم رأيت رجلا في مشيته وقار بدون أن يعجل عجلة تقبح { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما }: يعني قالوا قولا يسلمون به من شرهم وليس المعنى أهم يلقون السلام، بل المعنى أنه إذا خاطبه الجاهل قال قولا يسلم به من شره، إما أن يدافعه بالتي هي أحسن، وإما أن يسكت إذا رأى السكوت خيرا المهم أنه يقول قولا يسلم به، لأن الجاهل أمره مشكل، إن خاصمته أو جادلته فربما يبدر منه كلام سيئ عليك، وربما يبدر منه كلام سيئ على ما تدعو إليه من الخير فيسب الدين وما أشبه ذلك والعياذ بالله فمن توفيق عباد الرحمن أنهم إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما يعني قالوا قولا يسلمون به ولا يحصل لهم به إثم، وكذلك من أوصافهم ما ذكره في آخر الآيات { والذين لا يشهدون الزور } يعني لا يشهدون القول الكذب ولا الفعل القبيح { وإذا مروا باللغو } أي: الذي ليس فيه خير ولا شر { مروا كراما } أي سالمين منه وذلك الأشياء إما خير وإما شر وإما لغو فالشر لا يشهدونه واللغو يسلمون منه ويمرون به كراما والخير يرتعون فيه ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستجمع قط ضاحكا تبدو منه لهواته يعني ليس يضحك ضحكا فاحشا بقهقهة يفتح فمه حتى تبدو لهاته ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يبتسم أو يضحك حتى تبدو نواجذه أو تبدو أنيابه وهذا من وقار النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا تجد الرجل كثير الكركرة الذي إذا ضحك قهقه وفتح فاه يكون هينا عند الناس وضيعا عندهم ليس له وقار وأما الذي يكثر التبسم في محله فإنه محبوبا تنشرح برؤيته الصدور وتطمئن به القلوب


باب الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار


قال الله تعالى: { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }


704 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا متفق عليه زاد مسلم في رواية له: فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في الصلاة


705 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا وصوتا للإبل فأشار بسوطه إليهم وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع رواه البخاري وروى مسلم بعضه البر: الطاعة والإيضاع بضاد معجمة قلبها ياء وهمزة مكسورة وهو الإسراع

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى ( باب الندب إلى آتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار ) الصلاة من المعلوم أنها آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي من أعظم شعائر الله والإنسان إذا أقبل إلى الصلاة فإنما يقبل إلى الوقوف بين يدي الله عز وجل ومن المعلوم أن الإنسان إذا أتى إلى شخص من بني آدم يعظمه فإنه يأتي إليه بأدب وسكينة ووقار، فكيف إذا أتى ليقف بين يدي الله عز وجل ؟ ولهذا ينبغي للإنسان أن تأتي إلى الصلاة في سكينة كما سيأتي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الباب بقوله تعالى: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب الذي يعظم شعائر الله فيرى أنها عظيمة في قلبه ويقوم بما ينبغي لها من التعظيم بجوارحه فإن هذا من تقوى القلوب علامة على صلاح نيته وتقوى قلبه وإذا اتقى القلب اتقت الجوارح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فعليك بتعظيم شعائر الله فإن ذلك تقوى لقلبك وأيضا يكون خيرا لك عند الله عز وجل: { ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه } ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون يعني إذا سمعتم الإقامة من خارج المسجد وهذا يدل على أن الإقامة تسمع من خارج المسجد وهو الظاهر وقد جاء في الحديث أن بلالا قال للنبي صلى الله عليه وسلم لا تسبقني بآمين مما يدل على أنه يقيم في مكان يسمعه الناس فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة تمشون مشيا عاديا وعليكم السكينة وفي قوله صلى الله عليه وسلم: وأنتم تمشون دليل على أنه يمشي مشيا معتادا وأنه لا يقارب الخطى كما استحبه بعض أهل العلم وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: لم يخط خطوة إلا رفع الله بها درجة يعني أنه يقارب الخطي لكن يمشي مشية المعتاد بدون إسراع فإذا أتى الإنسان على هذا الوجه فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا إلا أن أهل العلم قالوا إذا خشي فوات الركعة يعني فوات الركوع فلا باس أن يسرع قليلا سرعة لا تكون سرعة قبيحة فإنه لا بأس بذلك لا ينبغي أن تكون سرعة تقبح يكون لها جلبة وصوت يستفاد من هذا الحديث فوائد منها تعظيم شأن الصلاة وأن الإنسان ينبغي أن يأتي إليها بأدب وخشوع وسكينة ووقار ومنها: أنه لا بأس أن تسمع الإقامة من خارج المسجد وعلى هذا فإذا أقام المؤذن في مكبر الصوت ليسمع من كان خارج المسجد فلا بأس وإن كان بعض الناس قد اعترض على هذا إذا وقال إنه إذا أقام من خارج المسجد تكاسل الناس وصاروا لا يحضرون إلا إذا سمعوا الإقامة وربما تفوتهم الركعة الأولى أو يفوتهم أكثر حسب قربهم من المسجد أو بعدهم منه ولكن ما دام قد حدث مثله في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأن الإقامة كانت تسمع من الخارج فإننا نرى أنه لا بأس بذلك لكن الشيء الذي يخشى منه الإثم ما يفعله بعض الناس فينقل الصلاة نفسها عبر مكبر الصوت من المنارة فإن هذا يشوش على من حوله لاسيما في صلاة الليل الجهرية يشوش على أصل البيوت ويشوش على المساجد القريبة حتى إننا سمعنا بعض الناس إذا سمع مكبر الصوت من مسجد قريب وكان الإمام حسن الصوت والقراءة صار المأموم الذي في هذا المسجد يتابع بقلبه الإمام في المسجد الثاني حتى سمعنا أن بعضهم أمن على قراءة إمام المسجد الثاني لما قال إمام المسجد الثاني { ولا الضالين } قال هؤلاء: آمين وهذا ليس ببعيد لأن القلب إذا انشغل بشيء أعرض عن غيره فإذا كانوا يتابعون قراءة المسجد المجاور وكانت قراءة الإمام جيدة في الصوت والأداء فإن القلب قد يلهى عن الإمام الذي بين يديه وقد ثبت في موطأ الإمام مالك رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة وأصحابه في المسجد يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال عليه الصلاة والسلام: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن وعند أبي داود ألا كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة فجعل هذا أذية ونهى عنه والواقع شاهد بذلك ولهذا نرى أن الذين يفعلون هذا يؤدون الصلاة عبر مكبر الصوت نرى أنهم إذا كانوا يؤذون من حولهم فإنهم آثمون فإذا كان هذا العمل يكون فيه الإنسان إما آثما وإما سالما فلا شك أن تركه أولى وهو في الحقيقة لا فائدة منه لأن الإنسان لا يصلي إلى من هم خارج المسجد إنما يصلى لأهل المسجد أما الذين في الخارج فلا عليك منهم ثم إن هذا العمل فيه مفسدة أخرى وهي أن بعض الناس يتكاسل عن آتيان المسجد للصلاة ما دام أنه يسمع صوت قراءة الإمام فيتكاسل وكلما أراد أن يقوم ثبطه الشيطان وقال له انتظر الركعة الثانية: انتظر الثالثة، اجلس حتى لا يبقى إلا ركعة فيحرم بذلك من الخير لهذا نوصى إخواننا لاسيما الأئمة ألا يفعلوا هذا وأن تسلم ذممهم ويسلم إخوانهم من أذيتهم حتى في البيوت أيضا ربما بعض الناس يكون قد صلى ويجب أن ينام ويرتاح قد يكون مريضا فيزعجه هذا الصوت وقد يكون المسجد قريبا من السطوح في أيام القيظ وفيه الصبيان فيفزعهم صوت المكبر فالحاصل أن هذه المسالة ابتلى بها بعض الناس نسأل الله أن يعافينا وصاروا يؤذون من بجوارهم من المساجد أو البيوت في أمر لا فائدة منه ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا أن الإنسان يكبر تكبيرة الإحرام ثم يدخل مع الإمام على الحال التي فيها فإذا جئت والإمام راكع فكبر تكبيرة الإحرام وأنت معتدل ثم اركع وبذلك تدرك الركعة وإذا أتيت وهو قائم من الركوع فكبر وادخل معه واسجد معه ولا تحسب هذه الركعة لأن الإنسان إذا لم يدرك ركوع الإمام فاتته الركعة وإذا أتيت وهو ساجد فكبر للإحرام وأنت قائم ثم اسجد ولا تنتظر حتى يقوم وإذا أتيت وهو جالس فكبر وأنت قائم واجلس أي حال أدركت الإمام عليها فاصنع كما يصنع الإمام وإذا أتيت وهو في التشهد الأخير نظرت إن كان معك جماعة في مثل حالك فلا تدخل معه لأنك لا تدرك صلاة الجماعة بإدراك التشهد لا تدرك الجماعة إلا إذا أدركت ركعة كاملة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وإذا لم يكن معك جماعة أولا يمكنك أن تدرك مسجدا آخر فادخل معه ولو في التشهد ولا تحسب هذا شيئا لأنه فاتك الركوع وفي قوله صلى الله عليه وسلم: فأتموا دليل على أن المسبوق إذا قام يقضي فإنه يقضى آخر صلاته لا أولها فإذا أدرك الركعتين الأخيرتين من الظهر مثلا وقام يقضي فإن الركعتين اللتين يقضيهما هما آخر صلاته فلا يزيد على الفاتحة لأن السنة في الركعتين الأخيرتين أن لا يزيد عن الفاتحة وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي ذكره المؤلف أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من عرفة فسمع وراءه جلبة وضربا وزجرا للإبل وأصواتا للإبل لأنهم كانوا في الجاهلية إذا دفعوا من عرفة أسرعوا إسراعا عظيما يبادرون النهار قبل أن يظلم الجو فكانوا يضربون الإبل ضربا شديدا فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بسوطه وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة يعني الطمأنينة والهدوء فإن البر ليس بالإيضاع يعني أن البر والخير ليس بالإيضاع أي ليس بالإسراع والإيضاع نوع من السير سريع ففي هذا دليل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يسرع إذا تقدم إلى أماكن العبادة لأن الذين يدفعون من عرفة يتجهون إلى مزدلفة إلى عبادة وبهذا يتم المؤلف رحمه الله ما ترجم به من الندب إلى إتيان الصلاة ومجالس العلم وغيرها من العبادة بسكينة ووقار فإذا أتيت إلى مجالس العلم والخير فكن ساكنا وقورا مهيبا حتى لا يستهان بك أمام الناس ويكون تعظيمك لهذه المجالس من تعظيم الله عز وجل


باب إكرام الضيف


قال الله تعالي: { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون } وقال تعالى: { وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قال المؤلف رحمه الله: ( باب إكرام الضيف ) والضيف: هو الذي ينزل بك مسافرا لأجل أن تتلقاه بالإيواء والطعام والشراب وما يحتج إليه والضيافة خلق فاضل قديم منذ عهد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام إن لم يكن قبل ذلك وسيذكر المؤلف إن شاء الله أحاديث متعددة حول إكرام الضيف وأن إكرامه من الإيمان بالله واليوم الآخر ولكنه رحمه الله كعادته يبدأ بالآيات الكريمة لأن القرآن مقدم على السنة فهو كلام الله والحديث كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامهما حق يجب تصديقه إن كان خبرا وامتثاله إن كان طلبا فذكر قول الله تعالى: } هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين { هل أتاك ؟ الاستفهام هنا للتشويق من أجل أن ينتبه المخاطب والخطاب في قوله: } هل أتاك { إما للرسول صلى الله عليه وسلم وإما له وللأمة أي لكل من يصح خطابه } هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما { وهؤلاء الضيف ملائكة أرسلهم الله عز وجل إلى إبراهيم ثم إلى لوط وقوله: } المكرمين { يعني الذين أكرمهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام: } إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام { قال العلماء إن قولهم سلاما يعني نسلم سلاما وإن قوله سلام يعني عليكم سلام والثانية أبلغ من الأولي لأن المشروع لمن حيى بتحية أن يحيى بأحسن منها أو بمثلها كما قال الله تعالى: } وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها { وإنما كانت الثانية أبلغ من الأولى لأن الأولى جملة فعلية والثانية جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار ثم قال: } قوم منكرون { ولم يقل أنتم قوم لأن أنتم صريح في الخطاب وهذا قد يكون مستبشعا عند بعض الناس فكان من حسن معاملته لضيفه أن قال: } قوم منكرون { وقوم لو أخذناها هكذا لكان يمكن أن يكون التقدير هم قوم أو أنتم قوم أو هؤلاء قوم ليست في الصراحة كقوله أنتم قوم فلهذا حذف المبتدأ وصارت: } قوم منكرون { ومعنى كونهم منكرين أنه لا يعرفهم لأنه أول مرة يلتقي بهم } فراغ إلى أهله { وكان عليه السلام كريما ومعنى راغ: أي ذهب بسرعة وخفية } إلى أهله { أي إلى بيته } فجاء بعجل سمين { جاء بعجل، وهي صغار البقر، لأن لحمه خفيف ولذيذ وكونه سمينا يكون أحلى للحمه وأطيب، وفي الآية الأخرى أنه جاء بعجل حينئذ، أي محنوذ يعني مشوي لم يخرج من طعمه شيء وهذا ألذ ما يكون من اللحم } فقربه إليهم { ولم يضعه بعيدا عنهم فيقول: تقدموا إلى الطعام، ولكن هو الذي قربه لئلا يكون عليهم عناء ومشقة ومع ذلك لم يقل كلوا هكذا بصيغه الأمر ولكن قال: } ألا تأكلون { وهذا عرض وليس بأمر وهو أيضا من حسن معاملته لضيوفه ثم إن هؤلاء الضيوف ذهبوا إلى لوط بصورة شبان مرد ذوي جمال وفتنة وكان قوم لوط والعياذ بالله قد ابتلوا بداء اللواط وهو إتيان الذكر الذكر، فلما ذهبوا إلى لوط انطلق بعضهم إلى بعض يخبر بعضهم بعضا ويقولون جاء إلى لوط مردان شبان ذوو جمال فجاءوا } يهرعون إليه { أي يسرعون } ومن قبل كانوا يعملون السيئات { يعني كانوا يعملون الفاحشة وهي اللواط } قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي { قال بعض العلماء } هؤلاء بناتي { يشير إلى بنات القوم ما هن بناته من صلبه ولكنه يعني بذلك بنات قومه لأن النبي لقومه بمنزله الأب لهم كأنه يقول عندكم النساء وهذا كقوله في آية أخرى: } أَتَأْتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ { يعني من النساء } بل أنتم قوم عادون { المهم أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: } فاتقوا الله ولا تخزون { وقوله } وهؤلاء بناتي هن أطهر لكم { هذا من باب التفضيل الذي ليس في الجانب المفضل عليه منه شيء لأن إتيان الذكور ليس فيه طهارة كله خبث وخبائث كما قال تعالى: } ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث { لكن هن أطهر لكم لأن فروج النساء تحل بالعقد } فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ { ولكن لم يكن منهم رجل رشيد والعياذ بالله } قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ { يعني تعلم أننا نريد هؤلاء الشباب الذين جاءوا إليك } قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ { فقالت الرسل } يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ { ثم أرشدوه إلى أن يسري بأهله ويدع البلدة وفي سورة القمر قال تعالى: } كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ { قيل إن الملائكة صفقوهم على وجوههم فعميت أبصارهم وقيل إن الله أعمى أبصارهم في نفس الحال وعلى أي حال فإن قوله: } ولا تخزون في ضيفي { يدل على أن الضيوف كانوا مكرمين عند لوط كما هم مكرمون عنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام والحاصل أنك إذا نزل بك ضيف فإنه يجب عليك أن تضيفه يوما وليلة ولكن لا تفعل كما يفعل السفهاء تذهب وتتكلف وتصنع وليمة كبيرة ترمى معظمها حتى إنا نسمع عن بعض الناس أنه إذا نزل به الضيف ذهب صاحب البيت من أجل أن يذبح له ذبيحة فيقول الضيف لا تذبح على الطلاق ما تذبح فيقول الثاني على الطلاق أن أذبح هذا غلط ومنكر فلا حاجة إلى اليمين في ذلك إما أن تذبح وإما أن لا تذبح وإذا اضطررت إلى اليمين فليس هناك حاجة إلى اليمين بالطلاق لأن الحلف بالطلاق أمره ليس بالهين فالأئمة الأربعة: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وجمهور أتباعهم يرون أن الحلف بالطلاق طلاق إذا حنث فيه الإنسان يعني إذا قلت علي الطلاق ما تفعلين كذا ففعلت طلقت زوجتك ولو أردت اليمين هذا مذهب جمهور الأمة وجميع الأئمة المتبوعين من هذه الأمة إذا المسألة خطيرة وتهاون الناس بهذه المسألة غلط كبير ما أسرع أن يقول الإنسان على الطلاق أن أفعل على الطلاق ما أفعل أو امرأتي طالق إن فعلت أو امرأتي طالق إن لم أفعل وهذا غلط عظيم كيف تقول هذا الكلام وأكثر الأئمة يرون أنك إذا حنثت طلقت امرأتك }


706 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت متفق عليه


707 - وعن أبى شريح خويلد بن عمرو الخزاعي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا وما جائزته يا رسول الله ؟ قال: يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة متفق عليه وفي رواية لمسلم: لا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه قالوا يا رسول الله وكيف يؤثمه قال: يقيم عنده ولا شيء له يقريه به

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله في باب الضيافة وإكرام الضيف الأحاديث التي تدل على إكرام الضيف وقراه ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وهذا من باب الحث والإغراء على إكرام الضيف يعني أن إكرام الضيف من علامة الإيمان بالله واليوم الآخر ومن تمام الإيمان بالله واليوم الآخر وذلك أن الذي يكرم ضيفه يثيبه الله تعالى يوم القيامة وربما أثابه يوم القيامة وفي الدنيا، كما قال الله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ فيثيبه الله في الدنيا بالخلف وفي الآخرة بالثواب ولهذا قال: من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفه وإكرام الضيف يختلف بحسب أحوال الضيف فمن الناس من هو من أشراف القوم ووجهاء القوم فيكرم بما يليق به ومن الناس من هو من سقط القوم فيكرم بما يليق به ومنهم من هو دون ذلك فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام أطلق الإكرام فيشمل كل الإكرام فمن الناس إذا نزل بك ضيفا لا يرضيه أن تأتي له بطعام عليه دجاجتان وما أشبه ذلك يحتاج إلى أن تأتي بطعام عليه ذبيحة ويكون من إكرامه أيضا أن تدعو جيرانك وما أشبه ذلك ومن الناس من هو دون ذلك المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيد الإكرام بشيء بل أطلق فيكون راجعا إلى ما يعده الناس إكراما قال: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه وفي حديث آخر فليكرم جاره فليصل رحمه الرحم هم الأقارب وكلما كان القريب إليك أقرب كان حقه أوجب فعلى المرء أن يصل رحمه ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم بماذا يصله ؟ فيرجع أيضا إلى العرف فمن الأقارب من تصله بالزيارة والإكرام البدني ومن الأقارب من تصله بإعطاء المال لحاجته لذلك ومن الأقارب من تكرمه بالطعام والكسوة كل بحسب حاله المهم أكرم أقاربك بما يعد إكراما فمثلا إذا كان قريبك غنيا كريما فهذا لا يمكن أن ترسل إليه طبقا من طعام إنما تكرمه بالزيارة والكلام اللين وما أشبه ذلك أما إذا كان قريبك فقيرا فطبق الطعام أحب إليه من غيره فترسل له طبقا من الطعام أما إذا كان قريبك يحتاج إلى المال فلأفضل أن ترسل إليه المال وهلم جرا فكل إنسان يكرم بما يليق بحاله الثالث: قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ويا ليتنا نسير على ذلك في حياتنا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وقد يكون نفس الكلام خيرا وقد يكون الخير في المقصود منه فمثلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم مسالة من مسائل العلم والدين الكلام هنا خير في نفسه والكلام الآخر الذي ليس في نفسه خير من حيث هو لكن تتكلم به من أجل أن تدخل الإنس على مجالسك وأن تنشرح صدره هذا أيضا خير وإن كان نفس الكلام ليس مما يتقرب به إلى الله لكنه ليس إثما وتقصد بذلك أو توسع صدر جليسك وأن تدخل عليه الأنس والسرور فهذا أيضا من الخير وعلم من هذا أن من لم يقل الخير فإن إيمانه بالله واليوم الآخر يكون ناقصا فكيف بمن يقول الشر ؟ وكيف بمن أصبح يأكل لحوم الناس والعياذ بالله ويسعى بينهم بالنميمة ويكذب ويغش ؟ بل كيف من أصبح يؤلب على أهل العلم ويسب أهل العلم ويذمهم بأمرهم فيه أقرب إلى الصواب مما يظن ؟ فإن هذا أعظم وأعظم لأن الكلام في أهل العلم ليس كالكلام في عامة الناس الكلام في عامة الناس ربما يجرح الرجل نفسه، لكن الكلام في أهل العلم جرح في العلماء وجرح فيما يحملونه من الشريعة، لأن الناس لن يثقوا بهم إذا كثر القول فيهم والخوض فيهم، ولهذا يجب عند كثرة الكلام وخوض الناس في أمر من الأمور أن يحرص الإنسان على كف لسانه، وعدم الكلام إلا فيما كانت مصلحته ظاهرة، حتى لو سئل فإنه يقول: نسأل الله الهداية، نسأل الله أن يهدي الجميع أما أن يتكلم ويطلق لسانه في أمور ليس لها أصل البتة فهذا من عدم الإيمان بالله واليوم الآخر ولا يكفر الإنسان بهذا لكن إيمانه يكون ناقصا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وكما قيل: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وقيل أيضا في الحكمة: الصمت حكمة وقليل فاعله وقيل أيضا من صمت نجا ومن تكلم فإنه على خطر فلذلك الزم الصمت في شيء ترى أنه خير فحينئذ تكلم فالخير مطلوب


باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير


قال الله تعالى: { فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } وقال تعالى: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } وقال تعالى: { وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } وقال تعالى: { فبشرناه بغلام حليم } وقال تعالى: { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } وقال تعالى: { وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } وقال تعالى: { فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى } وقال تعالى: { إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ } والآيات في الباب كثيرة معلومة

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( باب استحباب التبشير والتهنئة بالخير ) والبشارة تكون في الأمور التي تسر وسميت بذلك لأن الإنسان كان إذا بشر بما يسره ظهر أثر ذلك في وجهه وفي بشرته وقد تكون البشارة فيما يسوء مثل قوله تعالى: فبشرهم بعذاب أليم والبشارة فيما يسر تكون فيما يسر في الآخرة، وفيما يسر في الدنيا، أما البشارة فيما يسر في الآخرة فكثيرة، ذكرها الله في القرآن في مواضع كثيرة مثل قوله تعالى: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ } وقوله: { لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ } وقوله: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } وقال الله تعالى: { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } هذا كله فيما يتعلق بأمور الآخرة ومن الأمور التي تبشر بالخير في أمور الآخرة: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له، مثل أن يرى إنسان رؤيا فيقال له في المنام مثلا: بشر فلانا بأنه من أهل الجنة فبشره هذه بشرى كذلك أيضا الإنسان إذا رأى من نفسه أنه ينقاد للخير والعمل الصالح ويرغب فيه ويحبه وأنه يكره الشر فهذه أيضا بشرى لأن الله تعالى قال: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } وأما البشارة فيما يتعلق بأمر الدنيا فمثل قوله تعالى عن إبراهيم الخليل: { إنا نبشرك بغلام عليم } وفي آية أخرى: { فبشرناه بغلام حليم } والذي بشر به في الآية الأولى غير الذي بشر به في الآية الثانية التي فيها: إنا نبشرك بغلام عليم هذا إسحاق والتي فيها: فبشرناه بغلام حليم، هذا إسماعيل، عليهما السلام إسحاق أبو بني إسرائيل لأن ابنه يعقوب ويعقوب هو إسرائيل الذي من ذريته موسى وعيسى عليهم السلام وأكثر الأنبياء المذكورين في القرآن كلهم من ذرية إسرائيل أما التي ذكر الله فيها فبشرناه بغلام حليم وهي التي في سورة الصافات فهذا إسماعيل أبو العرب وليس في ذريته رسول إلا رسول واحد ولكنه ختم جميع الرسالات وبعث إلى الناس كافة من بعثته إلى يوم القيامة وغيره من الأنبياء كان يبعث إلى قومه خاصة هذا الرسول الذي من بني إسماعيل هو محمد صلوات الله وسلامه عليه وكذلك قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: { وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } هذا أيضا بشارة للأنثى فالحاصل أن البشارة تكون في أمور الآخرة وفي أمور الدنيا وينبغي للإنسان أن يكون متفائلا مستبشرا بالخير، وألا يرى الدنيا أمامه كالحة مظلمة فيستحسر ويقنط وينبغي للإنسان أيضا إذا حصل له خير أن يهنئ به وأن يبشر به إذا كان مستقبلا يهنئ به بالخير إذا وقع ويبشر بالخير في المستقبل بشر أخاك السرور عليه حتى لو رأيت مثلا إنسانا مغتما قد ضاقت عليه الدنيا وتكالبت عليه الأمور فقل له أبشر: بالفرج لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسر هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ما ينطق عن الهوى فإذا رأيت أخاك مكروبا فقل له أبشر فالفرج قريب وإذا رايته في عسر فقل له اليسر القريب وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما: لن يغلب عسر يسرين في سورة ألم نشرح لك صدرك { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } العسر ذكر مرتين واليسر ذكر مرتين لكن حقيقة الأمر أن العسر لم يذكر إلا مرة واحدة واليسر ذكر مرتين لماذا ؟ قال العلماء إذا تكررت الكلمة معرفة بأل فهي واحدة وإذا تكررت غير معرفة بأل فهي اثنان العسر كرر مرتين لكن بأل فيكون العسر الثاني هو الأول اليسر كرر مرتين لكن بدون أل فيكون اليسر الثاني غير اليسر الأول ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين يقال إن الحجاج بن يوسف الثقفي وهو رجل معروف نسأل الله أن يعفو عنه رجل ظالم يقتل الناس بغير حق تكلم عنده أحد الناس وقال له كلمة استنكرها الحجاج وكان الحجاج جيدا في اللغة العربية فهو الذي شكل القرآن وهذه من حسناته وإن كان له سيئات كثيرة قال له الحجاج ليس هذا في اللغة العربية فعلة ما تأتي في اللغة العربية قال هكذا سمعت من الأعراب وكان يأخذون اللغة من الأعراب لأن الأعراب في البادية ليسوا في المدن والمدن دخل فيها الفرس والروم الذين أسلموا فتغير اللسان فقال الحجاج: اذهب عند الأعراب وائتني بشاهد من كلام العرب ما يدل على أن فعلة موجودة في اللغة العربية ولك كذا وكذا يوم فإن لم تأتني فأنا أضرب عنقك ذهب الرجل مكروبا والحجاج ينفذ ما يقول وذهب يطلب من الأعراب فسمع أعرابيا يقول ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ففرج بها فرحا عظيما وجاء بها إلى الحجاج فبينما هو في الطريق قيل له إن الحجاج قد مات فقال والله ما أدري هل أنا أشد فرحا بهذه الكلمة التي وجدتها عند الأعرابي أو بموت هذا الرجل فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يدخل السرور والبشرى على إخوانه حتى يفرحوا وينشطوا ويؤملوا وينتظروا الفرج نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين ممن له البشرى في الحياة الدنيا والآخرة


708 - عن أبي إبراهيم ويقال أبو محمد ويقال أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر خديجة رضي الله عنها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب متفق عليه القصب هنا: اللؤلؤ المجوف والصخب: الصياح، واللغط والنصب: التعب


709 - وعن أبي موسى الشعري رضي الله عنه أنه توضأ في بيته ثم خرج فقال لألزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأكونن معه يومي هذا فجاء المسجد، فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا وجه هاهنا قال فخرجت على آثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته وتوضأ فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسط قفها وكشف عن ساقه ودلاهما في البئر فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم فجاء أبو بكر رضي الله عنه فدفع الباب فقلت من هذا ؟ فقال: أبو بكر فقلت: على رسلك ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فأقبلت حتى قلت لأبي بكر ادخل ورسول الله يبشرك بالجنة فدخل أبو بكر حتى جلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن ساقيه ثم رجعت وجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني فقلت إن يرد بفلان يريد أخاه خيرا يأت به فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا ؟ فقال عمر بن الخطاب فقلت: على رسلك ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وقلت: هذا عمر يستأذن ؟ فقال: ائذن له وبشره بالجنة فجئت عمر فقلت: أذن أدخل ويبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فدخل فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر ثم رجعت فجلست فقلت إن يرد الله بفلان خيرا يعني أخاه يأت به فجاء إنسان فحرك الباب فقلت من هذا ؟ فقال عثمان بن عفان فقلت: على رسلك وجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ائذن له وبشره بالجنة مع بلوي تصيبه فجئت فقلت ادخل ويبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة مع بلوى تصيبك فدخل فجد القف قد ملئ فجلس وجاههم من الشق الآخر قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم .
متفق عليه وزاد في رواية وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ الباب وفيها: أن عثمان حين بشره حمد الله تعالى ثم قال: الله المستعان .
قوله: وجه بفتح الواو وتشديد الجيم، أي: توجه وقوله: بئر أريس هو بفتح الهمزة وكسر الراء وبعدها ياء مثناه من تحت ساكنة ثم سين مهملة وهو مصروف ومنهم من منع صرفه القفبضم القاف وتشديد الفاء: هو المبني حول البئر قوله على رسلك بكسر الراء على المشهور وقيل بفتحها أي: ارفق

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف رحمه الله في باب استحباب التبشير بالخير والتهنئة به آيات سبق الكلام عليها، وبينا أن البشارة قد تكون بخير في الدنيا وقد تكون في الآخرة ثم ذكر حديثين حديث أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر خديجة رضي الله عنها ببيت في الجنة وكذلك حديث أبي موسى الأشعري وسيأتي إن شاء الله فقد بشر صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنه ببيت في الجنة من قصب ليس فيه صخب ولا نصب ولكن القصب الذي بني منه قصر خديجة في الجنة ليس كالقصب الذي في الدنيا الاسم هو الاسم والحقيقة غير الحقيقة كما أنه في الجنة نخل ورمان وفاكهة ولحم طير وغير ذلك لكن التشابه في الاسم فقط فالاسم هة الاسم والحقيقة غير الحقيقة وهذا باب يجب على الإنسان أن يتفطن له فإن أمور الغيب التي لها نظير في الدنيا لا تماثل نظيرها في الآخرة فمثلا في صفات الله عز وجل، لله عز وجل وجه كريم، موصوف بالجلال والإكرام، ونحن أيضا لنا وجه، الأمر لا يختلف في الاسم لكن قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فوجهه يليق بجلاله وعظمته ولا يمكن الإحاطة به لا وصفا ولا تصورا في الذهن ولا نطفا باللسان فهو أعظم وأجل من أن تحيط به الأوصاف وهكذا بقية صفاته عز وجل اسمها يوافق الاسم الذي نتصف به ولكن الحقيقة غير الحقيقة كذلك أيضا الجنة فيها عسل وماء وخمر ولحم ونساء وفاكهة ورمان وغير ذلك لكن ليست كالذي في الدنيا لأن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن الكريم: { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } ول كانت مثل ما في الدنيا لكنا نعلمها لكنها ليست مثلها ولا قريبا منها وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله أنه قال أعدت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذان سمعت ولا خطر على قلب بشر نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين ممن أعد الله لهم ذلك فخديجة رضي الله عنها بشرها النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل هو الذي أخبر الرسول الله صلى الله عليه وسلم بشرها ببيت في الجنة من قصب ولكن ليس القصب الذي في الجنة مثل القصب الذي في الدنيا ثم قال: ليس فيه صخب ولا نصب والصخب: أي الأصوات المزعجة الشديدة أهل الجنة كلهم أهل ليس عندهم صخب ولا نصب ولا كلام لغو كما قال تعالى: { لا لغو فيها ولا تأثيم } { تحيتهم فيها سلام } فكلامهم طيب لأنهم جوار الطيب جل وعلا فهم طيبون في جنات عدن مساكن طيبة عند الطيب جل وعلا كما أن قلوبهم في الدنيا طيبة وأفعالهم طيبة لأن الله لا يقبل إلا الطيب وأفعالهم مقبولة فهم كذلك في الآخرة فقصر خديجة ليس فيه صخب وليس فيه نصب، وليس فيه تعب، لا يحتاج إلى كنس القمامة ولا غيره بل كله طيب وهذه بشارة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأم المؤمنين خديجة هي أول امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو صلى الله عليه وسلم ابن خمس وعشرين سنة ولها أربعون سنة من زوج سابق قبله وولدت له بناته الأربع وأولاده الثلاثة أو الاثنان ولم يتزوج عليها أحدا حتى ماتت رضي الله عنها وكانت امرأة عاقلة ذكية حكيمة لها مآثر طيبة معروفة يجدها من يراجع ترجمتها في كتب التاريخ وكانت تسامى عائشة رضي الله عنها يعني أنها هي عائشة أفضل نساء الرسول عليه الصلاة والسلام وأحب نسائه إليه واختلف العلماء أيهما أفضل فقيل: عائشة وقيل: خديجة والصحيح أن لكل واحدة منهما مزية تختص بها، لا تشاركها فيها الأخرى فلعائشة رضي الله عنها في آخر الرسالة وبعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام من نشر الرسالة والعلم والشريعة ما ليس لخديجة وخديجة لها في أول الرسالة ومناصرة الني صلى الله عليه وسلم ومعاضدته ما ليس لعائشة فلكل واحدة منهما مزية أما الفضيلة الكبرى فكفى لهما فخرا أنهما أحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم إليه ويكفى هذا وأما الفضائل فكل واحدة لها فضيلة ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه في يوم من الأيام توضأ في بيته وخرج يطلب النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: لألزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومي هذا ألزمن عني أكون معه ذاهبا وآتيا وفي هذا: دليل على أن الإنسان ينبغي إذا خرج من بيته أن يكون متوضئا لأجل أن يكون مستعدا للصلاة وهو خارج البيت فإذا جاء وقت الصلاة وهو في مكان لا يوجد فيه ماء كان على طهارة وصلي وإذا حضرت جنازة صلى عليها وهو خارج البيت أو على الأقل يكون على طهر، لأن كون الإنسان على طهور أفضل من أن يكون على غير طهر وربما أيضا يحصل له الموت في هذا الوقت فيكون على طهر فالإنسان يحرص ما استطاع أن يكون على طهر لا سيما إذا خرج من بيته فخرج رضي الله عنه يطلب النبي صلى الله عليه وسلم فأتى المسجد لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إما في المسجد وإما في بيته في مهنة أهله وإما في مصالح أصحابه عليه الصلاة والسلام فلم يجده في المسجد فسأل عنه فقالوا وجه هاهنا وأشاروا إلى ناحية أريس وهي بئر حول قباء فخرج أبو موسى في إثره حتى وصل إلى البئر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم هنالك فلزم الباب رضي الله عنه فقضى النبي صلى الله عليه وسلم حاجته وتوضأ ثم جلس على قف البئر يعني على حافته ودلى رجليه وكشف عن ساقيه والظاهر والله أعلم أنه كان في ذلك الوقت في حر وهذا البئر فيه ماء والماء قريب وحوله الأشجار والنخل والظلال وعادة أن الإنسان إذا حصل له مثل ذلك فعل مثل هذا الفعل فيكشف عن ساقيه ليبرد جسمه وتأتيه من برودة الماء الذي في البئر وفي هذا الظل فجلس عليه الصلاة والسلام متوسطا للقف أي حافة البئر ودلى رجليه وكشف عن ساقيه وكان أبو موسى على الباب يحفظ باب البئر فاستأذن أبو بكر رضي الله عنه لكنه لم يأذن له أبو موسى حتى يستشير النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا أبو بكر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فأذن له وقال له يبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ويا لها من بشارة يبشره بالجنة ثم يأذن له أن يدخل ليكون مع الرسول صلى الله عليه وسلم فدخل ووجد النبي صلى الله عليه وسلم متوسطا القف فجلس عن يمينه لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في كل شيء فجلس أبو بكر عن يمينه وضع مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم دلى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه كراهة أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الجلسة وإلا فليس من المشروع أن يجلس الإنسان على بئر ويدلي رجليه ويكشف عن ساقيه لكنه لا يجب أن يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم على غير الهيئة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس عليها فقال أبو موسى وكان قد ترك أخاه يتوضأ ويلحقه إن يرد الله به خيرا يأت به وإذا جاءا واستأذن فقد حصل له أن يبشر بالحنة ولكن استأذن الرجل الثاني فجاء أبو موسى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال هذا عمر قال: ائذن له وبشره بالجنة فأذن له وقال له يبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فدخل فوجد النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر على القف فجلس عن يسار الرسول عليه الصلاة والسلام والبئر ضيقة ليست واسعة كثرا فهؤلاء الثلاثة كانوا في جانب واحد ثم استأذن عثمان وصنع أبو موسى مثل ما صنع من الاستئذان فقال النبي صلى الله عليه وسلم ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه فأذن له وقال يبشرك الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة مع بلوى تصيبك فاجتمع في حقه نعمة وبلوى فدخل فوجد القف قد امتلأ لأنه ليس واسعا كثيرا فذهب إلى الناحية الأخرى تجاههم وجلس فيها ودلى رجليه وكشف عن ساقيه أولها سعيد بن المسيب أحد كبار التابعين على أنها قبور هؤلاء لأن قبور الثلاثة كانت في مكان واحد فالنبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر كلهم كانوا في حجرة واحدة دفنوا جميعا في مكان واحد وكانوا في الدنيا يذهبون جميعا ويرجعون جميعا ودائما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ذهبت أنا وأبو بكر وعمر وجئت أنا وأبو بكر وعمر فهما صاحباه ووزيراه ويم القيامة يخرجون من قبورهم جميعا فجلس عثمان رضي الله عنه تجاههم وبشره صلى الله عليه وسلم بالجنة مع بلوى تصيبه وهذه البلوى هي ما حصل له رضي الله عنه من اختلاف الناس عليه وخروجهم عليه وقتلهم إياه في بيته رضي الله عنه حيث دخلوا عليه في بيته وقتلوه وهو يقرا القرآن وكتاب الله بين يديه ويذكر بعد المؤرخين أن قطرة من الدم نزلت على قوله تعالى { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } والله أعلم لكن على كل حال هو رضي الله عنه كان معروفا بكثرة القراءة والتهجد فدخل عيه أولئك المعتدون الظالمون فقتلوه فقتل شهيدا وبذلك تحقق قول الرسول عليه الصلاة والسلام حينما صعد على جبل أحد وهو جبل معروف كبير في المدينة هو وأبو بكر وعمر وعثمان وارتج بهم الجبل وهذا من آيات الله ليس هو ارتجاج نقمة وخسف لكنه ارتجاج فرح فلما ارتج بهم الجبل قال له النبي صلى الله عليه وسلم اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان فالنبي هو عليه الصلاة والسلام والصديق أبو بكر، والشهيدان: عمر وعثمان وكلاهما رضي الله عنهما قتل شهيدا أما عمر فقتل وهو متقدم لصلاة الفجر بالمسلمين قتل في المحراب وأما عثمان فقتل وهو يتجهد في بيته في صلاة الليل فرضى الله عنهما وألحقنا وصالح المسلمين بهما في دار النعيم المقيم فهذه القصة فيها بشارة لأبي بكر وعمر وعثمان ولذلك ذكرها المصنف رحمه الله في هذا الباب فرضى اله عنهم جميعا وجعلنا والمسلمين ممن يحشرون في زمرة محمد صلى الله عليه وسلم


710 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو بكر وعمر رضي الله عنه في نفر فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجه والربيع الجدول الصغير فاحتفرت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبو هريرة ؟ فقلت نعم يا رسول الله قال ما شأنك قلت كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفرت كما يحتفر الثعلب وهؤلاء الناس ورائي قال: يا أبا هريرة وأعطاني نعليه فقال اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة وذكر الحديث بطوله رواه مسلم الربيع النهر الصغير وهو الجدول بفتح الجيم كما فسره في الحديث وقوله: احتفزت روى بالراء وبالزاي ومعناه بالزاي تضامنت وتصاغرت حتى أمكنني الدخول

الشَّرْحُ

هذا الحديث الذي نقله المؤلف في باب التبشير والتهنئة بالخير فيه أيضا البشارة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا في أصحابه في نفر منهم ومعه أبو بكر وعمر فقام النبي صلى الله عليه وسلم ثم أبطأ عليهم فخشوا أن يكون أحد من الناس اقتطعه دونهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم مطلوب من جهة المنافقين ومن جهة غيرهم من أعداء الدين فقام الصحابة رضي الله عنهم فزعين فكان أول من فزع أبو هريرة رضي الله عنه حتى أتى حائطا لبني النجار فجعل يطوف به لعله يجد بابا فلم يجد ولعله أراد بابا مفتوحا فلم يجد لأنه من المعلوم أن الحيطان لابد أن يكون لها أبواب ولكن لعله أن يكون وجد بابا مغلقا ولكنه وجد فتحة صغيرة في الجدار فضم جسمه حتى دخل فوجد النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو هريرة قال نعم فأعطاه نعليه عليه الصلاة والسلام وقال له اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا به قلبه فبشره بالجنة فخرج أبو هريرة رضي الله عنه ومعه نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه النعلين أمارة وعلامة أنه صادق لأن هذه بشارة عظيمة أن من شهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه دخل الجنة لأن الذي يقول هذه الكلمة مستيقنا بها قلبه لابد أن يقوم بأوامر الله ويجتنب نواهي الله لأنه يقول لا معبود بحق إلا الله وإذا كان تلك الكلمة العظيمة فإنه لابد أن يعبد الله عز وجل وحده لا شريك له أما من قالها بلسانه ولم يوقن بها قلبه والعياذ بالله فإنها لا تنفعه فهاهم المنافقون يشهدون أن لا إله إلا الله لكنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ويقومون ويصلون لكنهم يصلون صلاة المنافقين فالصلاة ثقيلة عليهم وأثقلها صلاة العشاء والفجر ويأتون للرسول عليه الصلاة والسلام يقولون نشهد إنك لرسول الله ويؤكدون هذا ولكن الله يقول: وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ لم تستقين قلوبهم بلا إله إلا الله ولا بمحمد رسول الله ولهذا لم تنفعهم أما من استيقن بها قلبه هو الذي يبشر بذلك ولكن لا يمكن أن يوجد إنسان صادق يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويترك الفرائض ولهذا لا يكون هذا الحديث دليلا على أن تارك الصلاة لا يكفر لا ليس فيه دلالة لأن تارك الصلاة يكفر ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لأنه يقولها من غير يقين: إذ كيف يقولها من يقين ويترك الصلاة ويحافظ على تركها والعياذ بالله ؟ ولكن قد يرد على القلب وساوس من الشيطان في الله عز وجل وهذه الوساوس لا تضر المؤمن شيئا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا صريح الإيمان ليس معنى ذلك أن الوساوس نفسها صريح الإيمان لكن الوساوس دليل على خالص الإيمان لأن الشيطان يأتي إلى القلب الخالص الصريح الخالي من الشك ويوقع عليه الوساوس لعله يشك أو لعله يفسد إيمانه فيأتي الشيطان إلى القلب العامر بالإيمان فإذا دافعه الإنسان وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأخذ الله عز وجل ويمجده وأعرض عن هذا الوساوس زالت عنه والشيطان لا يأتي إلى قلب خراب ليفسده لأن القلب الخراب خراب ويذكر أن ابن مسعود أو ابن عباس رضي الله عنهما جاء إليه ناس يقولون نحن لا نوسوس في الصلاة فقال ابن عباس أو ابن مسعود وما يصنع الشيطان بقلب خراب ؟ معنى هذا أن قلوبهم خربة والقلوب الخربة لا يأتي الشيطان لها لأنها انتهت إلى ما يريده الشيطان إنما يأتي الشيطان للقلوب السليمة المخلصة من أجل أن يلقى عليها الوساوس والشكوك فدع عنك هذه الوساوس والشكوك والتجئ إلى ربك وقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد هو الأول والآخر والظاهر والباطن فسيزول عنك ذلك بإذن الله ففي هذا الحديث بشارة بالخير وهو أن من شهد أن لا إله إلا الله موقنا بها قلبه فليبشر بالجنة


711 - وعن ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو في سياقة الموت فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ؟ فأقبل بوجهه فقال إن أفضل ما نعد شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إني قد كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني ولا أحب إلي من أن أكون قد استمكنت منه فقتله فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدي فقال مالك يا عمرو ؟ قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط ماذا ؟ قلت أن يغفر لي قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله ؟ وما كان أحد أحب إلى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن املأ عيني منه إجلالا به ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها ؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ما أرجع به رسل ربي رواه مسلم قوله: شنوا روي بالشين المعجمة وبالمهملة أي: صبوة قليلا قليلا والله سبحانه أعلم

الشَّرْحُ

ثم ذكر المؤلف رحمه الله في سياق الأحاديث الواردة في التبشير والتهنئة بالخير حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه تلك القصة العظيمة أنه حضره بعض أصحابه وهو في سياق الموت فبكى بكاء شديدا وحول وجهه نحو الجدار رضي الله عنه وهو في سياق الموت سيفارق الدنيا فقال له ابنه: علام تبكى وقد بشرك النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ؟ فقال: يا بني إني كنت على أطباق ثلاث، أطباق يعني أحوال ومنه قوله تعالى: لتركبن طبقا عن طبق يعني حالا بعد حال ثم ذكر هذه الأطباق الثلاث أنه كان يبغض النبي صلى الله عليه وسلم بغضا شديدا وأنه لم يكن على وجه الأرض أحد يبغضه كما كان يبغضه هو وأنه يود أنه لو تمكن منه فقتله وهذا أشد ما يكون من الكفر حتى ألقى الله الإسلام في قلبه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ابسط يدك فلأبايعك على الإسلام وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا فمد يده ولكن عمرو بن العاص كف يده، ليس استكبارا ولكن استثباتا لما سيذكره فقال له: مالك قال: يا رسول الله إني أشترط يعني على الإسلام قال: ماذا تشترط | أن يغفر لي هذا أكبر همه رضي الله عنه يشترط أن الله يغفر له ظن أن الله لن يغفر له لما كان له من سابقه في محاربة الدين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قلبه وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله ثلاثة أشياء أما الإسلام فإنه يهدم ما كان قبله بنص الكتاب العزيز قال الله عز وجل: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ } والهجرة: إذا هاجر الإنسان من بلده التي يعيش فيها وهي بلد كفر هدمت ما قبلها والحج يهدم ما قبله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه فبايع رضي الله عنه وأحب النبي صلى الله عليه وسلم حبا شديدا حتى كان أحب الناس إليه وحتى أنه لا يستطيع أن يحد النظر فيه جلالا له عليه الصلاة والسلام سبحان مقلب القلوب بالأمس كان يبغضه بغضا شديدا حتى يتمنى أنه يقدر عليه فيقتله والآن ما يستطيع أن يرفع طرفه إليه إجلالا له ولا يستطيع أن يصفه لأنه لا يحيط به حيث إنه لم يدركه إدراكا جيدا مهابة له صلى الله عليه وسلم يقول رضي الله عنه إنه لو مات على الطبق الأول لكان من أهل النار يقول ولو مت على تلك الحال يعني الطبق الثاني لرجوت أن أكون من أهل الجنة انظر الاحتياط فقد جزم أنه لو مات على الحال الأولى لكان من أهل النار أما الحال الثانية فإنه لشدة خوفه قال لو مت على هذا الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ولم يقل لكنت من أهل الجنة لأن الشهادة بالجنة أمرها صعب نسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها ثم إنه بعد ذلك تولى أمورا رضي الله عنه تولى إمارات وقيادات وحصل ما حصل في قصة حرب معاوية وغيره وكان عمرو بن العاص معروفا أنه من أدهى العرب وأذكى العرب فيقول أخشى من هذا الذي حدث به بعد الطبق الأوسط أن يكون أحاط بعمله ثم أوصى رضي الله عنه أنه إذا مات لا تتبعه نائحة والنائحة هي المرأة التي تنوح على الميت وتبكي عليه بكاء يشبه نوح الحمام وأمر رضي الله عنه إذا دفنوه أن يبقوا عند قبره قدر ما تنحر جذور ويقسم لحمها حتى يراجع رسل ربه وهم الملائكة الذين يأتون إلى الميت إذا دفن إذا دفن الميت فإنه يأتيه ملكان ويجلسانه في قبره ويسألانه ثلاثة أسئلة يقولان من ربك وما دينك ومن نبيك أما المؤمن الذي ثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة جعلنا الله منهم بمنه وكرمه فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمدا صلى الله عليه وسلم يثبته الله في هذا المقام الضنك أما المنافق والعياذ بالله أو المرتاب الذي عنده الشك فيقول هاها لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته لأن الإيمان ما دخل إلى قلبه ولا وقر في قلبه فهو يسمع ويقول لكن نسأل الله العافية لم يلج الإيمان قلبه فيضرب بمرزبة والمرزبة هي المطرقة العظيمة من الحديد يضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ولو سمعها الإنسان لصعق ولو يسمع الناس من يعذب في قبره لصعقوا لأنه يصيح صيحة لا نظير لها في الدنيا لأن الصياح في الدنيا مهما كان لا يموت منه أحد لكن هذه صيحة عظيمة ليس لها نظير فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق فأمر عمرو بن العاص رضي الله عنه أهله أن يقيموا عليه قدر ما تنحر الجزور ويقسم لحمها ليستأنس بهم وهذا يدل على أن الميت يحس بأهله وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا من دفنه قرع النعال الخفي يسمعه الميت إذا انصرفوا من دفنه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حسن أنه كان إذا دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل فيستحب إذا دفن الميت أن يقف الإنسان على قبره ويقول: اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم اغفر له اللهم اغفر له اللهم اغفر له لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم سلم ثلاثا وإذا دعا ثلاثا نسأل الله تعالى أن تثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة المهم أن ابن عمرو بن العاص قال له: بشرك النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وهذا من باب البشارة بالخير والتهنئة به


باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه


قال الله تعالى: { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون & } وأما الأحاديث


712 - فمنها حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه الذي سبق في باب إكرام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فحمد الله واثني عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي رواه مسلم وقد سبق بطوله

الشَّرْحُ

قال النووي رحمه الله تعالى: ( باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه ) وذلك أن الإنسان إذا سافر فينبغي لذويه وأقاربه وأصحابه أن يودعوه وأن يوصوه بتقوى الله عز وجل فإن الله تعالى يقول: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا أو سرية وأمر عليهم أميرا قال له: أوصيك بتقوى الله ومن معك من المسلمين خيرا وذلك أن الإنسان يحتاج إلى من يساعده ويعينه على طاعة ربه لا سيما عند السفر لأن السفر محل الشغل والتقصير لاسيما فيما سبق من الزمان لما كانت الأسفار بعيدة على المطايا وعلى الأقدام فالناس يحتاجون إلى وصية وإلى تثبيت وإلى إعانة ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الآيات الواردة في ذلك فذكر قوله تعالى: { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ } وهذه الوصية هو قول الله عز وجل في إبراهيم: { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } ولم يتردد فاسلم لله وانقاد له { ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } يعني: وصى بهذه الوصية وهي أن يسلموا لله عز وجل ظاهرا وباطنا فلإسلام الظاهر يكون بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والإسلام الباطن يكون بالإيمان بالله وملائكته وكتبه إلى آخره { ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } يعني أن إبراهيم ويعقوب كلا منهما وصى بها بنيه قائلا: { إن الله اصطفى لكم الدين } أي اختاره لكم { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } المعنى استدينوا الإسلام واثبتوا عليه إلى الممات ولا ترتدوا عنه { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا } وهذا غاية التوحيد وهو من نصح يعقوب عليه السلام لبنيه حيث أراد أن يعرف حالهم قبل أن يفارق الدنيا { مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } أما إبراهيم فهو أبوه يعني جده وإسحاق أبوه من صلبة وأما إسماعيل فهو عمه لكن أطلق عليه لفظ الآباء من باب التغليب لأن العم صنو الأب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه يعني شريكه في الأصل والجذر والصنو هو عبارة عن النخلتين يكون أصلهما واحدا وهما قرينتان وقوله: { إلها واحدا } من باب التوكيد { ونحن له مسلمون } فهذه الوصية ينبغي للإنسان أن يوصى بها من أراد سفرا وأن يوصى بها أهله وأن يتعاهدهم عليها لأنها هي التي عليها بناء كل شيء فلا دين بدون إخلاص ولا عبادة بدون إخلاص ولا اتباع بدون إخلاص كل شيء مبناه على الإخلاص لله عز وجل


713 - وعن أبي سليمان مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا فسألنا عمن من أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم متفق عليه زاد البخاري في رواية له: وصلوا كما رأيتموني أصلى قوله: رحيما رفيقا روي بفاء وقاف، وروي بقافين

الشَّرْحُ

ذكر المؤلف النووي رحمه الله تعالى في باب توديع الصاحب والمسافر ما نقله عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون وهذا في عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة وكانوا شبابا فأقاموا عند النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ليلة جاءوا من أجل أن يتفقهوا في دين الله قال مالك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا أهلنا يعني اشتقنا إليهم فسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم زاد البخاري وصلوا كما رأيتموني أصلي فهذا الحديث فيه فوائد: منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشهورا بالرحمة والرفق فكان أرحم الناس بالناس وكان أرفق الناس بالناس عليه الصلاة والسلام رحيما رفيقا حتى إن الجارية من أهل المدينة البنت الصغيرة كانت تمسك بيده ليذهب معها ليقضي حاجتها وحتى العجوز كذلك فكان عليه الصلاة والسلام أرحم الناس بالناس وأرفق الناس بالناس .
ومنها: أن الإنسان ينبغي له أن يكون شعوره شعور الآخرين لا يكون أنانيا إذا تمت له الأمور نسى من سواه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مقيما في أهله مستريح البال مطمئن القلب مرتاح النفس لكن هؤلاء الناس الشببة الذين جاءوا يتعلمون الدين كانت الفطرة والعادة والطبيعة أن الإنسان يشتاق إلى أهله فلما رأى أنهم اشتاقوا إلى أهلهم وسألهم من خلفوا وراءهم واخبروه أمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم فينبغي عليك أن تشعر بشعور الآخرين وأن تجعل نفسك مكانهم حتى تعاملهم بما تحب أن تعامل به نفسك ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يقيم في أهله ما أمكنه ولا ينبغي أن يتغرب عنهم ولا أن يبتعد عنهم حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر المسافر إذا سافر وقضى حاجته أن يرجع إلى أهله لأن بقاء الإنسان في أهله فيه خير كثير فيه الألفة والمودة والمحبة والتربية ومراعاة أحوالهم والتأديب والتوجيه لهم فلهذا كان الذي ينبغي للإنسان ألا يفارق أهله إلا عند الحاجة ومتى انتهت حاجته رجع إليهم ومن فوائد الحديث: أن الإنسان مأمور بأن يعلم أهله ولهذا قال: ارجعوا إلى أهليكم وعلموهم يعلمونهم ما تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالإنسان ينبغي له أن يعلم أهله ما يحتاجون إليه إما أن يجعل جلسة خاصة لهم أو إذا جلسوا على الطعام أو على الشراب أو في انتظار النوم أو ما أشبه ذلك يعلمهم ومن فوائد الحديث أيضا أن الإنسان لا يقتصر على التعليم فقط قال: علموهم ومروهم فيعلمهم ويأمرهم وأهم ما يأمر به: الصلاة وقد نص الرسول عليه الصلاة السلام عليها فقال: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر فلابد من تعليم الأهل ولابد من أمرهم وتأديبهم وتوجيههم ومن فوائدة الحديث: وجوب الأذان وأنه فرض كفاية، لقوله: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ومنها: أنه لا يصح الأذان قبل الوقت فلو أذن الإنسان قبل الوقت ولو بتكبيرة واحدة من الأذان، فإن آذانه لا يصح ويجب عليه أن يعيده بعد دخول الصلاة، لقوله إذا حضرت الصلاة والصلاة لا تحضر إلا إذا دخل وقتها وبهذا نعرف أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي محذورة إذا أذنت بالأول من الصبح فقل الصلاة خير من النوم مرتين المراد به الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت لأنه قال الأول لصلاة الصبح خلافا لما فهمه بعض الناس من أن المراد بذلك الأذان الذي يكون قبل الفجر لأن الأذان الذي يكون قبل الفجر ليس أذانا لصلاة الفجر فقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الأذان الذي يكون قبل الفجر هو لإيقاظ النائم وإرجاع القائم فقال: إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فبين في هذا الحديث أن الأذان الذي يكون آخر الليل والذي يسميه الناس الأذان الأول ليس للفجر وليس للصلاة لأن الأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذا الأذان ليس لصلاة الفجر بقوله ليرجع قائمكم يعني ليرده ليتسحر ويوقظ نائمكم ليتسحر ومن فوائد هذا الحديث: وجوب صلاة الجماعة لقوله: وليؤمكم أكبركم واللام هنا للأمر فصلاة الجماعة واجبة و من فوائد الحديث: أن صلاة الجماعة واجبة على المسافرين كما هي واجبة على المقيمين لأن هؤلاء وفد سيرجعون إلى أهليهم فهم مسافرون وأمرهم مع ذلك بالصلاة جماعة وعلى هذا كان الإنسان في البلد وهو مسافر فإنه يجب عليه أن يحضر الجماعة في المساجد بعض العامة إذا قلت له: صل قال: أنا مسافر والمسافر ما عليه صلاة جماعة هذا خطأ يجب عليك أن تصلي مع الجماعة في المساجد ولو كنت مسافرا فأنت وأهل البلد سواء قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجل: أتسمع النداء ؟ قال: نعم قال: فأجب ومن فوائد هذا الحديث: تقديم الكبير في الإمامة لقوله: وليؤمكم أكبركم وهذا لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله لأن هؤلاء الشباب وكلهم وفدوا في وقت واحد والظاهر أنه ليس بينهم فرق بين في قراءة القرآن وأنهم متقاربون ليس بعضهم أقرأ من بعض ولهذا قال: وليؤمكم أكبركم لأنهم متساوون في القراءة أو متقاربون فإذا تساووا في القراءة والسنة والهجرة فإنه يرجع إلى الأكبر سنا وفيه أيضا اعتبار الكبر في السن وأن الكبير في السن مقدم على غيره إذا لم يكن لغيره ميزة يفضل بها هذا الكبير في السن ومن فوائده أيضا: أنه ينبغي للإنسان أن يوجه الناس لكل أمر وإن كان يظن أنه معلوم، ولهذا قال: صلوا صلاة كذا في حين كذا مع أنهم قد صلوا مع النبي عليه الصلاة والسلام وصلوا معه عشرين ليلة وهم يعلمون ذلك لكن من أجل التنبيه قال: صلوا الظهر مثلا في صلوا العصر في وقت كذا صلوا المغرب في وقت كذا صلوا العشاء في وقت كذا، صلوا الفجر في وقت كذا ومن فوائد هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الناس بالقول وبالفعل فعلم الذي صلى بغير طمأنينة بالقول قال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع إلى آخره أما هؤلاء فقال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا تعليم بالفعل وكما فعل عليه الصلاة والسلام حينما صنع له المنبر فصعد عليه وجعل يصلي بالناس وهو على المنبر فيركع وهو على المنبر فإذا أراد السجود نزل من المنبر وهو مستقبل القبلة ثم سجد وقال لما سلم: إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي ومن فوائد هذا الحديث: أنه على الإنسان أن يعرف كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيقرأ من كتب العلم التي كتبها من يوثق في عمله كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ينفذ أمر الرسول في قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي


714 - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن وقال: لا تنسانا يا أخي من دعائك فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا وفي رواية قال: أشركنا يا أخي في دعائك رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح


715 - وعن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول للرجل إذا أراد سفرا ادن مني حتى أودعك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا فيقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح


716 - وعن عبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يودع الجيش يقول: استودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح


717 - وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أريد سفرا فزودني فقال: زودك الله التقوى قال: زدني قال: وغفر ذنبك قال: زدني، قال: ويسر لك الخير حيثما كنت رواه الترمذي وقال حديث حسن

الشَّرْحُ

هذه الأحاديث ذكرها النووي رحمه الله في هذا الباب فيما يستحب من وداع الصاحب والدعاء له وطلب الدعاء منه فذكر حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أراد أن يعتمر فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له .
وقال: لا تنسنا يا أخي من دعائك وفي رواية: أشركنا يا أخي في دعائك وذكر أن الترمذي أخرجه وقال إنه حسن صحيح ولكن الحقيقة أنه ضعيف وأنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وطلب الدعاء من الغير ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يطلب من الغير الدعاء لصالح المسلمين جميعا أي شيء عام فهذا لا بأس به، وقد دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا فأنشأ الله سحابة فانتشرت وتوسعت وأمطرت ولم ينزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي المطر أسبوعا كاملا وفي الجمعة الثانية دخل رجل آخر أو الأول فقال: يا رسول الله غرق المال وتهدم البناء فادع الله يمسكها عنا فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا وجعل يشير إلى النواحي فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت وتمايز السحاب حتى خرج الناس يمشون في الشمس فإذا طلبت من شخص صالح مرجو الإجابة شيئا عاما للمسلمين فهذا لا بأس به لأنك لم تسأل لنفسك مثال ذلك: لو أن رجلا جاء إليك يطلب منك الشفاعة لتغيث رجلا ملهوفا أو تقضى عنه دينه أو ترفع الظلم عن رجل ضعيف من المسلمين فإن هذا لا بأس به لأن المصلحة لغيره القسم الثاني: أن يطلب الدعاء من الرجل الصالح من أجل أن ينتفع الرجل بهذا الدعاء ولا يهمه هو أن ينتفع لكن يحب من هذا الرجل الذي طلب منه الدعاء أن يلجأ إلى الله وان يسأل الله عز وجل وأن يعلق قلبه بالله وأن يعلم أن الله سبحانه وتعالى سميع الدعاء المهم أن يكون قصده مصلحة هذا الرجل فهذا لا بأس به أيضا لأنك لم تسأله لمحض نفعك ولكن لنفعه هو فأنت تريد أن يزداد هذا الرجل الصالح خيرا بدعاء الله عز وجل وأن يتقرب إلى الله بالدعاء وأن يحصل على الأجر والثواب القسم الثالث: أن يطلب الدعاء من الغير لمصلحة نفسه هو فهذا أجازه بعض العلماء وقال لا بأس أن تطلب من الرجل الصالح أن يدعو لك لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال لا ينبغي إذا كان قصدك مصلحة نفسك فقط لأن هذا قد يدخل في المسألة المذمومة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بايع أصحابه ألا يسألوا الناس شيئا وكذلك لأنه ربما يعتمد هذا السائل الذي سأل غيره أن يدعو له ربما يعتمد على دعاء هذا الغير وينسى أن يدعو هو لنفسه فيقول: أنا قلت لفلان وهو رجل صالح ادع الله لي وإذا استجاب الله هذا الدعاء فهو كاف فيعتمد على غيره وكذلك لأنه ربما يلحق المسئول غرور في نفسه وأنه رجل صالح يطمع الناس إلى دعائه فيحصل في هذا شر على المسئول وعلى كل حال فإن هذا القسم الثالث مختلف فيه فمن العلماء من قال: لا بأس أن تقول للرجل الصالح يا فلان ادع الله لي ومنهم من قال لا ينبغي والأحسن ألا تقول ذلك لأنه ربما يمن عليك بهذا وربما تذل أمامه بسؤالك ثم إنه من الذي يحول بينك وبين ربك ادع الله بنفسك لا أحد يحول بينك وبين الله لماذا تذهب تفتقر إلى غيرك وتقول: ادع الله لي وأنت ليس بينك وبين ربك واسطة ؟ قال الله تعالى: وقال ربكم ادعوني استجب لكم وقال: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان }


باب الاستخارة والمشاورة


قال الله تعالى: { وشاورهم في الأمر } وقال تعالى: { وأمرهم شورى بينهم } أي يتشاورون بينهم فيه


718 - عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال: ويسمى حاجته رواه البخاري

الشَّرْحُ

قال النووي رحمه الله: ( باب الاستخارة والمشاورة ) والاستخارة مع الله، والمشاورة مع أهل الرأي والصلاح وذلك أن الإنسان عنده قصور أو تقصير والإنسان خلق ضعيفا فقد تشكل عليه الأمور وقد يتردد فيها فماذا يصنع ؟ لنفرض أنه هم بسفر وتردد هل هو خير أم شر أو هم أن يشتري سيارة أو بيتا أو أن يصاهر رجلا يتزوج ابنته أو ما أشبه ذلك ولكنه متردد فماذا يصنع ؟ نقول: له طريقتان: الطريق الأول: استخارة رب العالمين عز وجل الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون الطريق الثاني: استشارة أهل الري والصلاح والأمانة واستدل المؤلف رحمه الله على المشاورة بآيتين من كتاب الله هما قوله تعالى: وشاوروهم في الأمر وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم .
قال الله تعالى: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ } وكان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أسد الناس رأيا وأصوبهم صوابا يستشير أصحابه في بعض الأمور التي تشكل عليه وكذلك خلفاؤه من بعده كانوا يستشيرون أهل الري والصلاح ولا بد من هذين الشرطين فيمن تستشيره أن يكون ذا رأى وخبرة في الأمور وتأن وتجربة وعدم تسرع وأن يكون صالحا في دينه لأن من ليس بصالح في دينه ليس بأمين حتى وإن كان ذكيا وعاقلا ومحنكا في الأمور إذا لم يكن صالحا في دينه فلا خير فيه وليس أهلا لأن يكون من أهل المشورة لأنه إذا كان غير صالح في دينه فإنه ربما يخون والعياذ بالله ويشير بما فيه الضرر أو يشير بما لا خير فيه فيحصل بذلك من الشر والفساد ما الله به عليم ولنفرض أنه رجل من أهل الفسق والمجون والفجور فلا يجوز أن تستشيره لأن هذا يوقعك في هلاك كذلك ولو كان رجلا صالحا دينا أمينا لكنه مغفل ما يعرف الأمور أو متسرع لا خبرة له فهذا أيضا لا تحرص على استشارته لأنه ربما إذا كان مغفلا لا يدري عن الأمور يأخذ الأمور بظواهرها ولا يعرف شيئا مما وراء الظواهر وكذلك إذا كان متسرعا فإنه ربما يحمله التسرع على أن يشير عليك بما لا خير فيه فلابد من أن يكون ذا خبرة وذا رأي وصلاح في الدين وقال الله تبارك تعالى: { وأمرهم شورى بينهم } يعني أمرهم المشترك الذي هو للجميع كالجهاد مثلا فإنه شورى بينهم فإذا أراد ولى الأمر أن يجاهد أو أن يفعل شيئا عاما للمسلمين فإنه يشاورهم ولكن كيف تكون المشورة المشورة تكون إذا حدث له أمر يتردد فيه جمع الإمام من يرى أنهم أهل للمشورة برأيهم وصلاحهم واستشارهم أما الاستخارة فهي مع الله عز وجل يستخير الإنسان ربه إذا هم بأمر وهو لا يدري عاقبته ولا يدري مستقبله فعليه بالاستخارة والاستخارة معناها طلب خير الأمرين وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بأن يصلي الإنسان ركعتين من غير الفريضة في غير وقت النهي إلا في أمر يخشى فواته قبل خروج وقت النهي فلا بأس أن يستخير ولو في وقت النهي أما ما كان فيه الأمر واسعا فلا يجوز أن يستخير وقت النهي فلا يستخير بعد صلاة العصر وكذلك بعد الفجر حتى ترتفع الشمس مقدار رمح وكذلك عند زوالها حتى تزول لا يستخير إلا في أمر قد يفوت عليه يصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يسلم وإذا سلم قال: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كان هذا الأمر ويسميه خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله يعني إما أن تقول هذا أو هذا فاقدره لي ويسره لي وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به وينتهي ثم بعد ذلك إن انشرح صدره بأحد الأمرين بالأقدام أو الإحجام فهذا المطلوب يأخذ بما ينشرح به صدره فإن لم ينشرح صدره لشيء وبقى مترددا أعاد الاستخارة مرة ثانية وثالثة ثم بعد ذلك المشورة إذا لم يتبين له شيء بعد الاستخارة فإنه يشاور أهل الرأي والصلاح ثم ما أشير عليه به فهو الخير إن شاء الله، لأن الله تعالى قد لا يجعل في قلبه بالاستخارة ميلا إلى شيء معين حتى يستشير فيجعل الله تعالى ميل قلبه بعد المشورة وقد اختلف العلماء هل المقدم المشورة أو الاستخارة ؟ والصحيح أن المقدم الاستخارة فقدم أولا الاستخارة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا هم أحدكم بالأمر فليصل ركعتين ..
إلى آخره ثم إذا كررتها ثلاث مرات ولم يتبين لك الأمر فاستشر ثم ما أشير عليك به فخذ به وإنما قلنا: إنه يستخير ثلاث مرات لأن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا دعا دعا ثلاثا والاستخارة دعاء وقد لا يتبين للإنسان خير الأمرين من أول مرة بل قد يتبين في أول مرة أو في الثانية أو في الثالثة وإذا لم يتبين فليستشر


باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق الرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة


719 - عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق رواه البخاري قوله: خالف الطريق يعني ذهب في طريق ورجع في طريق آخر


720 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى متفق عليه

الشَّرْحُ

ثم ذكر النووي رحمه الله ( باب استحباب مخالفة الطريق في العيد والجمعة وغيرها من العبادات ) ومعنى مخالفة الطريق: أن يذهب إلى العبادة من طريق ويرجع من الطريق الآخر فمثلا يذهب من الجانب الأيمن ويرجع من الجانب الأيسر وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين كما رواه جابر رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق يعني خرج من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء لم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك ؟ فقيل: ليشهد له الطريقان يوم القيامة لأن الأرض يوم القيامة تشهد على ما عمل فيها من خير وشر كما قال الله تبارك وتعالى: يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها تشهد الأرض فتقول عمل على فلان كذا وعمل على فلان كذا فإذا ذهب من طريق ورجع من آخر شهد له الطريقان يوم القيامة بأنه أدى صلاة العيد وقيل من أجل إظهار الشعيرة شعيرة العيد حتى تكتظ الأسواق هنا وهناك ومعلوم أن الناس لا يخرجون كلهم من طريق واحد ويرجعون من طريق واحد تجد هذا يخرج من هذا الطريق وهذا من هذا هذا من هذا فإذا انتشر الناس في طرق المدينة صار في هذا إظهار لهذه الشعيرة لأن صلاة العيد من شعائر الدين والدليل على ذلك أن الناس يؤمرون بالخروج إلى الصحراء إظهارا لذلك وإعلانا له وبعضهم قال إنما خالف الطريق من أجل المساكين الذين يكونون في الأسواق قد يكون في هذا الطريق ما ليس في هذا الطريق من المساكن فيتصدق على هؤلاء وهؤلاء ولكن الأقرب والله أعلم أنه من أجل إظهار تلك الشعيرة حتى تظهر شعيرة صلاة العيد بالخروج إليها من جميع سكك البلد ثم اختلفت العلماء رحمهم الله هل يلحق في ذلك صلاة الجمعة ؟ لأن صلاة الجمعة صلاة العيد قالوا: تلحق بصلاة العيدين، فيأتي إلى الجمعة من طريق ويرجع من طريق آخر ثم توسع بعض العلماء وقالوا: يشرع ذلك أيضا في الصلوات الخمس فيأتي مثلا في صلاة الظهر من طريق ويرجع من طريق آخر وهكذا صلاة العصر وبقية الصلوات قالوا: لأن ذلك حضور إلى الصلاة فيقاس على صلاة العيد وتوسع آخرون فقالوا تشرع مخالفة الطريق في كل تعبد كل عبادة تذهب إليها فاذهب إليها من طريق وارجع منها من طريق آخر حتى عيادة المريض فإذا عدت مريضا فاذهب إليه من طريق وارجع من طريق آخر وكذلك إذا شيعت جنازة فاذهب من طريق وارجع من طريق آخر وكل هذه الأقيسة الثلاثة كلها ضعيفة، لا قياس لصلاة الجمعة على العيدين ولا بقية الصلوات على العيدين ولا المشي في العبادة على العيدين وذلك لأن العبادات ليس فيها قياس ولأن هذه الأشياء كانت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان في عهده الجمعة والصلوات الخمس وعيادة المريض وتشيع الجنائز ولم يحفظ عنه أن كان صلى الله عليه وسلم يخالف الطريق في هذا والشيء إذا وجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسن فيه شيئا فالسنة ترك ذلك أما في الحج فإن الرسول صلى الله عليه وسلم خالف الطريق في دخوله إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها وكذلك في ذهابه إلى عرفه ذهب من طريق ورجع من طريق آخر واختلف العلماء أيضا في هذه المسألة هل كان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك على سبيل التعبد أو لأنه أسهل لدخوله وخروجه ؟ لأنه كان الأسهل لدخوله أن يدخل من الأعلى ولخروجه أن يخرج من الأسفل فمن من العلماء قال بالأول قال: إنه تدخل من أعلاها أي أعلى مكة وتخرج من أسفلها وسنة أن تأتي عرفة من طريق وترجع من طريق آخر ومنهم من قال: إن هذا حسب تيسر الطريق، فاسلك المتيسر سواء من الأعلى أو من الأسفل وعلى كل حال إن تيسر لك أن تدخل من أعلاها وتخرج من أسفلها فهذا طيب فإن كان ذلك عبادة فقد أدركته وإن لم يكن عبادة لم يكن عليك ضرر فيه وإن لم يتيسر كما هو الواقع في وقتنا الحاضر حيث إن الطرق قد وجهت توجيها واحدا ولا يمكن للإنسان أن يخالف فلأمر والحمد لله واسع


باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل والتيمم ولبس الثوب والنعل والخف والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والخروج من الخلاء والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط والبصاق عن اليسار ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخف والنعل والسراويل والثوب والاستنجاء وفعل المستقذرات وأشباه ذلك


قال الله تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ } وقال تعالى: { فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ }

الشَّرْحُ

قال المؤلف رحمه الله تعالى ( باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم ) والعكس بالعكس فيما يقصد به الإهانة فإنه يبدأ باليد اليسرى وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أشياء متعددة مثل الوضوء والغسل والتيمم ولبس الثوب فالوضوء يبتدئ فيه الإنسان باليمين يبتدئ باليد اليمنى قبل اليد اليسرى وبالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى هذا إذا كانا عضوين متميزين أما إذا كان عضوا واحدا كالوجه مثلا فإننا لا نقول ابدأ بيمين الوجه قبل يساره بل يغسل الوجه مرة واحدة كما جاءت به السنة نعم لو فرض أن الإنسان لا يستطيع أن يغسل وجهه إلا بيد واحدة فهنا يبدأ باليمين بما يقال: يبدأ من اليمين وربما يقال: يبدأ من الأعلى وكذلك مسح الأذنين لا تمسح الأذن اليمنى قبل اليسرى بل يمسحان جميعا إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يمسح بيديه جميعا فيبدأ باليمنى قبل اليسرى وكذلك في الغسل إذا أراد الإنسان أن يغتسل من الجنابة فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض الماء على رأسه ثلاث مرات حتى يروي ثم يغسل سائر جسده ويبدأ بالشق الأيمن منه قبل الأيسر لقول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي كن يغسلن ابنته قال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها فإذا كنت تحت الصنبور وهو يصيب على رأسك وأنت تريد أن تغتسل فإذا غسلت رأسك وأرويته فابدأ بغسل الجانب الأيمن من الجسد قبل الأيسر هذا هو السنة كذلك في التيمم ولكن التيمم جاءت السنة أن الإنسان يمسح وجهه بيديه جميعا ثم يمسح كل واحدة بالأخرى فلا يظهر فيها التيامن لأن التيمم في عضوين فقط في الوجه والكفين وإذا كان في الوجه والكفين فالوجه يمسح مرة واحدة والكفان يمسح بعضهما ببعض كذلك لبس الثوب والنعل والخف والسراويل كل هذه يبدأ فيها باليمين إذا أردت أن تلبس الثوب فأدخل اليد اليمنى في كمها قبل اليد اليسرى في السراويل أدخل الرجل اليمنى في كمها قبل أن تدخل الرجل اليسرى في النعل إذا أردت أن تلبس النعل ابدأ بالرجل اليمنى أدخلها في النعل قبل اليسرى كذلك في الخف والجوارب ابدأ بالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى هذه هي السنة كما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك دخول المسجد تبدأ بالرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى تقصد ذلك فإذا أقبلت على المسجد فانتبه حتى تكون رجلك اليمنى هي الداخلة الأولى كذلك أيضا السواك إذا أراد الإنسان يتسوك فيبدأ بالجانب الأيمن قبل الأيسر وكذلك الاكتحال إذا أراد أن يكتحل يبدأ بالعين اليمنى قبل اليسرى كذلك تقليم الأظفار يبدأ بالأيمن قبل الأيسر فيبدأ مثلا في اليمنى بالخنصر ثم البنصر ثم الواسطى ثم السبابة ثم الإبهام وفي اليد اليسرى يبدأ بتقليم الإبهام ثم السبابة ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ويبدأ أيضا بالقدم اليمنى في تقليم أظافرها قبل القدم اليسرى كذلك في قص الشارب ابدأ بالجانب الأيمن منه قبل الأيسر كذلك نتف الإبط وحلق الرأس نتف الإبط سنة فإذا أردت أن تنتف الآباط يعني تنتف الشعر فابدأ بالإبط الأيمن قبل الأيسر وكذلك في حلق الرأس ابدأ بالجانب الأيمن من الرأس قبل الأيسر وكذلك أيضا السلام من الصلاة يلتفت الإنسان عن يمينه قبل أن يلتفت عن يساره وكذلك الأكل والشرب فيأكل بيمينه ويشرب بيمينه ولا يجوز أن يأكل باليسرى أو يشرب باليسرى لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وقال: إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله فإذا رأيت رجلين أحدهما يأكل باليمين ويشرب باليمين والثاني يأكل بالشمال ويشرب بالشمال فالأول على هدى النبي صلى الله عليه وسلم والثاني على هدى الشيطان وهل يرضى أحد من الناس أن يتبع هدى الشيطان ويعرض عن هدى محمد صلى الله عليه وسلم لا أحد يريد ذلك أبدا لكن الشيطان يزين للناس الأكل بالشمال والشرب بالشمال وربما بعض الناس يظن أن هذا تقدم وحضارة لأن الغربيين الكفرة يقدمون اليسار عن اليمين ولهذا يجب علي الإنسان أن يأكل باليمين وأن يشرب باليمين إلا للضرورة ويجب علينا أيضا أن نعلم أولادنا الصغار أن يأكلوا باليمين ويشربوا باليمين كذلك المصافحة يصافح باليمين ولا يصافح باليسار فإن مد إليك يده اليسرى للمصافحة فلا تصافحه اهجره لأنه خالف السنة إلا إذا كانت اليد اليمنى شلاء لا يستطيع أن يحركها فهذا عذر كذلك استلام الحجر الأسود باليمين وكذلك إذا لم يستطع الإنسان مسحه فإنه يشير إليه ويكون ذلك باليد اليمنى وكذلك استلام الركن اليماني يكون باليمين ونحن نرى الآن بعض الطائفتين يمسح الحجر الأسود باليسرى أو يشير إليه باليسرى أو يشير إليه باليدين جميعا أما الركن اليماني فإن استطعت أن تستلمه يعني تمسحه باليد فافعل وإلا فلا تشر إليه لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشار إليه والغالب أن هذا جهل منهم فإذا رأيت أحدا يمسح الركن اليماني أو الحجر الأسود باليد اليسرى فنبهه أن هذا ليس من الإكرام فليس من إكرام بيت الله أن تمسح الركن اليماني أو الحجر الأسود باليد اليسرى بل امسحهما باليد اليمنى كذلك الخروج من الخلاء يعني إذا دخلت الحمام لقضاء الحاجة من بول أو غائط ثم خرجت فقدم الرجل اليمنى لأن خارج الخلاء أحق بالتكريم من الخلاء فإذا خرجت فابدأ بالرجل اليمنى كذلك الأخذ والإعطاء وغير ذلك الأخذ والإعطاء يعني إذا أردت أن تناول صاحبك شيئا فناوله باليمين وإذا أردت أن تأخذ شيئا يناولك إياه فخذه باليمين هذه أخلاق الإسلام لكن بعض الناس يناولك باليسار ويأخذ منك باليسار ظنا منه أن هذا هو التقدم لأن الكفرة يأخذون باليسار ويعطون باليسار وسبحان الله العظيم أصحاب الشمال لهم الشمال لأن الكفرة أصحاب الشمال والمؤمنون هم أصحاب اليمين ولهذا تجد الكافر دائما يفضل اليسار لأنه أهل اليسار وأهل الشمال فهو من أهل اليسار في الدنيا وفي الآخرة والعياذ بالله إذا كل هذه الأمور ابدأ فيها باليمين وكذلك غيرهما مما يشمله التكريم كل شيء للتكريم فإنه يبدأ فيه باليمين لأن اليمين أكرم وأفضل أما اليسار فبالعكس ثم ذكر المؤلف أشياء مما يقدم فيها اليسار، كالامتخاط والبصاق فإنه يكون باليسار الامتخاط: يعني إذا استنثر الإنسان ليخرج ما في أنفه من الأذى فإنه يكون باليد اليسرى وكذلك لو أراد أن يمسح المخاط فإنه يكون باليد اليسرى وكذلك عند دخول الخلاء يقدم الرجل اليسرى وأما الخروج منه فقد سبق أنه يقدم الرجل اليمنى وكذلك إذا خرج من المسجد فإنه يقدم الرجل اليسرى وكذلك إذا أراد أن يخلع النعل أو أن يخلع الخف أو أن يخلع الثوب أو أن يخلع السراويل فإنه يبدأ بإخراج الرجل اليسرى وتكون اليمنى هي الأولى عند اللبس كذلك الاستنجاء يكون باليد اليسرى وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجئ الرجل بيمينه لأن اليمين محل الإكرام ويؤكل بها ويشرب بها فينبغي إبعادها عن القاذورات وكذلك كل شيء مستقذر فإنه يكون باليد اليسرى وأما اليمنى فهي لما يكون فيه الإكرام ولغيره مما إكرام فيه ولا إهانة فاليسرى تكون الأذى واليمنى لما سواها واعلم أن الناس حينما ظهرت الساعات التي تتعلق باليد صاروا يلبسونها باليد اليسار من أجل أن تبقى اليد اليمنى طليقه ليس فيها ساعة يتأذى بها الإنسان عند الحركة لأن حركة اليمنى أكثر من حركة اليسرى ويحتاج الإنسان لحركة اليمنى أكثر فكانوا يجعلونها في اليد اليسرى لأن ذلك أسهل ولأن اليد اليمنى هي التي يكون فيها العمل غالبا فربما تتعرض الساعة لشيء يضرها ولذلك جعلوها باليسار وقد ظن بعض الناس أن الأفضل جعلها في اليمين بناء على تقديم اليد اليمنى ولكن هذا ظن ليس مبنيا على صواب لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتختم بيمينه ويتختم أحيانا بيساره وربما كان تختمه بيساره أفضل ليسهل أخذ الخاتم باليد اليمنى والساعة أقرب ما تكون للخاتم فلا تفضل فيها اليمنى على اليسرى ولا اليسرى على اليمنى الأمر في هذا واسع وإن شئت جعلتها باليمين وإن شئت جعلتها باليسار كل هذا لا حرج فيه ثم ذكر المؤلف آيتين من كتاب الله هما قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ وهذا يكون يوم القيامة فإن الناس يؤتون كتبهم أي كتب أعمالهم التي كتب فيها عمل الإنسان إما باليمين وإما بالشمال { من أوتي كتابه بيمينه } جعلنا الله منهم فإنه يأخذه فرحا مسرورا يقول للناس: انظروا إلى { اقرءوا كتابيه } كما نشاهد الآن الطالب إذا أخذ ورقة النجاح صار يريها أصدقاءه وأقاربه فرحا بها { وأما من أوتي كتابه بشماله } فإنه على العكس من ذلك يتمنى أنه لم يؤت الكتاب فضلا عن أن يطلع عليه غيره والآية الأخرى التي ذكرها المؤلف فهي قوله تعالى: { فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ } فذكر اله سبحانه أن الناس يكونون يوم القيامة ثلاثة أقسام: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون فالسابقون هم المقربون وأصحاب الميمنة ناجون وأصحاب المشأمة هالكون فهم يوم القيامة ثلاثة أصناف وهم كذلك عند خروج الروح من البدن ثلاثة أصناف ذكر الله في سورة الواقعة أحوالهم يوم القيامة وذكر في آخرها أحوالهم عند الاختصار فقال: { فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لاَ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ } والمقربون هم السابقون الذين يسبقون إلى الخيرات في كل نوع من أنواع الخير { وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } وهؤلاء هم أصحاب المشأمة والعياذ بالله فهم المكذبون الضالون أعاذنا الله من حالهم وأشار المؤلف رحمه الله في هاتين إلى أن أهل اليمين للفضائل الدائمة في الدنيا وفي الآخرة ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا


721 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في شأنه في ظهوره وترجله وتنعله متفق عليه


722 - وعنها قالت: كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح

الشَّرْحُ

نقل المؤلف رحمه الله تعالى في باب استحباب تقديم اليمن فيما من شأنه التكريم عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في شأنه كله في شأنه كله أي: في جميع أحواله يعجبه يعني يسره ويستحسن البداءة باليمين في كل شيء في طهوره وترجله وتنعله في طهوره يعني إذا تطهر يبدأ باليمين فيبدأ بغسل اليد اليمنى قبل اليسرى وبغسل الرجل اليمنى قبل اليسرى وأما الأذنان فإنهما عضو واحد داخلان في الرأس فيمسح بهما جميعا إلا إذا كان لا يستطيع أن يمسح إلا بيد واحدة فهنا يبدأ بالأذان اليمنى للضرورة قالت وترجله والترجل يعني تسريح الشعر ومشطه ودهنه وكان الرسول صلى الله عليه وسلم كعادة الناس في ذلك الوقت لا يأخذ رأسه إلا في حج أو عمرة لكن أحيانا يأخذ منه وأحيانا يبقيه فأحيانا يكون إلى شحمه أذنيه وأحيانا ينزل حتى يضرب على منكبيه فكان صلى الله عليه وسلم يتعاهده بالتنظيف والتسريح والدهن حتى نظيفا لا يكون فيه الغبار ولا القمل ولا غير ذلك مما يستقذر وكذلك أيضا يعجبه التيمن في تنعله أي إذا لبس النعل فإنه يبدأ باليمين قبل اليسار وإذا خلع يبدأ باليسار قبل اليمين وكذلك الثوب إذا لبسه بإدخال الكم اليمين قبل اليسار وكذلك السروال يبدأ بإدخال الرجل اليمنى قبل اليسرى والعكس في الخلع وفي الحديث الثاني عن عائشة رضي الله عنها أنها بينت ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل فيه اليمين ويستعمل فيه اليسار فذكرت أن الذي يستعمل فيه اليسار ما كان فيه أذى كالاستنجاء والاستجمار والاستنشاق والاستنثار وما أشبه ذلك كل ما فيه أذى فإنه تقدم فيه اليسرى وما سوى ذلك فإنه تقدم فيه اليمنى تكريما لها لأن الأيمن أفضل من الأيسر كما سبق


723 - وعن أم عطية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهن في غسل ابنته زينب رضي الله عنها ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها متفق عليه


724 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا نزع فليبدأ بالشمال لتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع متفق عليه


725 - وعن حفصة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل يساره لما سوى ذلك رواه أبو داود وغيره


726 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح


727 - وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى مني: فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس متفق عليه وفي رواية: لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: اقسمه بين الناس

الشَّرْحُ

هذه الأحاديث في بيان استحباب البداءة باليمين فيما طريقه التكريم وتقديم اليسار فيما طريقه الأذى والقذر كالاستنجاء والاستجمار وما أشبه ذلك فذكر المؤلف حديثا عن أم عطية رضي الله عنها من نساء الأنصار وكان لها أعمال جليلة منها أنها كانت تغسل الأموات من النساء فلما ماتت زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم وحضرن ليغسلنها فقال لهن النبي صلى الله عليه وسلم ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها وكيفية تغسيل الميت بأن تخلع ثيابه بعد أن توضع على عورته ما يسترها ثم يضع الغاسل خرقة على يده فينجيه يعني يغسل فرجه القبل والدبر حتى ينظفه ثم بعد ذلك يزيل هذه الخرقة ويغسل كفيه كما يتوضأ الإنسان في العادة ثم يأخذ خرقة مبلولة بالماء فينظف أسنانه وفمه وينظف منخريه بدلا عن المضمضة والاستنشاق ولا يدخل الماء في فمه ولا في أنفه لأنه إذا فعل ذلك نزل الماء إلى جوفه وربما يخرج فيؤذيهم عند التغسيل ثم بعد هذا يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ويغسل رجليه وضوءا كاملا ثم بعد ذلك يغسل رأسه برغوة السدر بعد أن يكون قد أعد ماء فيه سدر مطحون يضربه بيده حتى يكون له رغوة فيأخذ الرغوة ويغسل بها رأس الميت ثم يغسل ببقية السدر بقية البدن على أن المرأة لا يغسلها إلا نساء حتى أبوها لا يغسلها ولا ابنها ولا أحد من محارمها إلا النساء أو الزوج والرجل لا يغسله إلا رجل لا تغسله أمه ولا بنته ولا أحد من النساء إلا زوجته فالزوج يغسل زوجته والزوجة تغسل زوجها وما سوى ذلك لا يغسل الذكر الأنثى ولا الأنثى الذكر حضرت النساء لتغسيل زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: ابدأن بميامنها يعني بالأيمن قبل الأيسر اليد اليمنى قبل اليسرى والرجل اليمنى قبل اليسرى والشق الأيمن قبل الشق الأيسر ومواضع الوضوء منها ففعلن ذلك وجعلن رأسها ثلاثة قرون يعني ثلاث جدايل الجانب الأيمن قرن والأيسر قرن ووسط الرأس قرن وألقينه خلفها ثم أعطاهن النبي صلى الله عليه وسلم حقوه يعني إزاره وقال: أشعرنها إياه يعني الففنه على جسدها مباشرة تبركا بإزار النبي صلى الله عليه وسلم ففعلن ذلك والشاهد من هذا قوله ابدأن بميامنها ثم ذكر المؤلف أحاديث فيها معنى ما تقدم كحديثي أبي هريرة رضي الله عنه في لبس الثوب والنعل والوضوء وكذلك حديث حفصة رضي الله عنها ثم ذكر حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة حلق النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فإن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لما بات بمزدلفة وصلى الفجر وجلس يدعو حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس ووصل إلى جمرة العقبة وقد ارتفع النهار وصار للشمس حرارة فرمى الجمرة وذلك يوم العيد وذهب صلى الله عليه وسلم إلى منزله فدعا بالحلاق فحلق رأسه وأشار صلى الله عليه وسلم إلى الشق الأيمن فبدأ الحلاق بالشق الأيمن وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعفي شعر الرأس فكان شعر رأسه كثيرا فبدأ بالشق الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة رضي الله عنه الأنصاري وأعطاه شعر الشق الأيمن كله ثم حلق بقية الرأس ودعا أبا طلحة وأعطاه إياه وقال: اقسمه بين الناس فقسمه فمن الناس من ناله شعرة واحدة ومنهم من ناله شعرتان ومنهم من ناله أكثر حسب ما تيسر وذلك لأجل التبرك بهذا الشعر الكريم شعر النبي صلى الله عليه وسلم وكون أبا طلحة خصه الرسول بالجنب الأيمن كله يدل على أن من الناس من يختص بخصيصة يخص الله بها وإن كان في الصحابة من هو أفضل منه فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وكثير من الصحابة أفضل من أبي طلحة لكن فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء وكان الصحابة يتبركون بشعر النبي صلى الله عليه وسلم وبثيابه وبعرقه لكن غيره لا يتبرك بشعره ولا بثيابه ولا بعرقه وكان عند أم سلمة رضي الله عنها إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم شعرات من شعر الرسول صلى الله عليه وسلم وضعتها في جلجل يعني طابوق من الفضة وجعلته من الفضة تكريما لشعر الرسول صلى الله عليه وسلم فكان الناس إذا مرض عندهم مريض جاءوا إليها فصبت على الشعر ماء وحركته به ثم أعطته المريض فيشفى بإذن الله ببركة شعر النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هذا ليس لغير النبي صلى الله عليه وسلم فإن الصحابة لم يتبركوا بشعر أبي بكر وهو أفضل الأمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بشعر عمر ولا غيره من الصحابة وكذلك من دونهم لا يتبرك بشعره ولا بعرقه ولا بثيابه إنما ذلك خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم والشاهد من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى الحلاق أن يبدأ بالجانب الأيمن فإذا حججت وأردت أن تحلق أو تقصر فابدأ بالجانب الأيمن وكذلك لو حلقت حلقا عاديا فابدأ بالجانب الأيمن