تفسير العلامة محمد العثيمين

تفسير سورة البقرة
نزلت سورة البقرة بعد الهجرة؛ ولذلك فهي مدنية؛ فإن كل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني؛ وما نزل قبلها فهو مكي؛ هذا هو الصحيح؛ لأن العبرة بالزمن . لا بالمكان..
وغالب السور المدنية يكون فيها تفصيل أكثر من السور المكية؛ ويكون التفصيل فيها في فروع الإسلام دون أصوله؛ وتكون غالباً أقل شدة في الزجر، والوعظ، والوعيد؛ لأنها تخاطب قوماً كانوا مؤمنين موحدين قائمين بأصول الدين، ولم يبق إلا أن تُبَيَّن لهم فروع الدين ليعملوا بها؛ وتكون غالباً أطول آيات من السور المكية..
القرآن
(بسم الله الرحمن الرحيم) )الم) (1))ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)
التفسير:.
قوله تعالى: { بسم الله الرحمن الرحيم }: قد تقدم الكلام عليها في سورة الفاتحة..
.{ 1 } قوله تعالى: { الم } حروف هجائية: ثلاثة أحرف: ألِف، ولام، وميم؛ تقرأ لا على حسب الكتابة: "أَلَمْ"؛ ولكن على حسب اسم الحرف: "ألِفْ لامْ ميمْ"..
هذه الحروف الهجائية اختلف العلماء فيها، وفي الحكمة منها على أقوال كثيرة يمكن حصرها في أربعة أقوال
القول الأول: أن لها معنًى؛ واختلف أصحاب هذا القول في تعيينه: هل هو اسم لله عزّ وجلّ؛ أو اسم للسورة؛ أو أنه إشارة إلى مدة هذه الأمة؛ أو نحو ذلك؟
القول الثاني: هي حروف هجائية ليس لها معنًى إطلاقاً..
القول الثالث: لها معنًى الله أعلم به؛ فنجزم بأن لها معنًى؛ ولكن الله أعلم به؛ لأنهم يقولون: إن القرآن لا يمكن أن ينزل إلا بمعنى..
القول الرابع: التوقف، وألا نزيد على تلاوتها؛ ونقول: الله أعلم: أَلَها معنًى، أم لا؛ وإذا كان لها معنًى فلا ندري ما هو..


وأصح الأقوال فيها القول الثاني؛ وهو أنها حروف هجائية ليس لها معنًى على الإطلاق؛ وهذا مروي عن مجاهد؛ وحجة هذا القول: أن القرآن نزل بلغة العرب؛ وهذه الحروف ليس لها معنًى في اللغة العربية، مثل ما تقول: ألِف؛ باء؛ تاء؛ ثاء؛ جيم؛ حاء...؛ فهي كذلك حروف هجائية..
أما كونه تعالى اختار هذا الحرف دون غيره، ورتبها هذا الترتيب فهذا ما لا علم لنا به..
هذا بالنسبة لذات هذه الحروف؛ أما بالنسبة للحكمة منها فعلى قول من يعين لها معنًى فإن الحكمة منها: الدلالة على ذلك المعنى . مثل غيرها مما في القرآن..
وأما على قول من يقول: "ليس لها معنًى"؛ أو: "لها معنًى الله أعلم به"؛ أو: "يجب علينا أن نتوقف" فإن الحكمة عند هؤلاء على أرجح الأقوال . وهو الذي اختاره ابن القيم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره تلميذه الحافظ الذهبي، وجمع كثير من أهل العلم . هو الإشارة إلى بيان إعجاز القرآن العظيم، وأن هذا القرآن لم يأتِ بكلمات، أو بحروف خارجة عن نطاق البشر؛ وإنما هو من الحروف التي لا تعدو ما يتكلم به البشر؛ ومع ذلك فقد أعجزهم..
فهذا أبين في الإعجاز؛ لأنه لو كان في القرآن حروف أخرى لا يتكلم الناس بها لم يكن الإعجاز في ذلك واقعاً؛ لكنه بنفس الحروف التي يتكلم بها الناس . ومع هذا فقد أعجزهم .؛ فالحكمة منها ظهور إعجاز القرآن الكريم في أبلغ ما يكون من العبارة؛ قالوا: ويدل على ذلك أنه ما من سورة افتتحت بهذه الحروف إلا وللقرآن فيها ذكر؛ إلا بعض السور القليلة لم يذكر فيها القرآن؛ لكن ذُكر ما كان من خصائص القرآن:.
فمثلاً قوله تعالى: {كهيعص} [مريم: 1] ليس بعدها ذكر للقرآن؛ ولكن جاء في السورة خاصية من خصائص القرآن . وهي ذِكر قصص من كان قبلنا .: {ذكر رحمت ربك عبده زكريا...} (مريم: 2)


كذلك في سورة الروم قال تعالى في أولها: {الم * غلبت الروم} [الروم: 1، 2] ؛ فهذا الموضع أيضاً ليس فيه ذكر للقرآن؛ ولكن في السورة ذكر شيء من خصائص القرآن . وهو الإخبار عن المستقبل .: {غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين} [الروم: 2 . 4)
وكذلك أيضاً قوله تعالى: {الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} [العنكبوت: 1، 2] ليس فيها ذكر القرآن؛ ولكن فيها شيء من القصص الذي هو أحد خصائص القرآن: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنَّ الله الذين صدقوا...} (العنكبوت: 3)
فهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره جمع من أهل العلم هو الراجح: أن الحكمة من هذا ظهور إعجاز القرآن في أبلغ صوره، حيث إن القرآن لم يأتِ بجديد من الحروف؛ ومع ذلك فإن أهل اللغة العربية عجزوا عن معارضته وهم البلغاء الفصحاء..
وقال بعضهم: إن الحكمة منها تنشيط السامعين؛ فإذا تلي القرآن، وقرئ قوله تعالى: { الم } كأنه تعالى يقول: أنصتوا؛ وذلك لأجل المشركين . حتى ينصتوا له ...
ولكن هذا القول فيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لكان هذا في كل السور؛ مع أن أكثر السور غير مبتدئ بمثل هذه الحروف؛ وأيضاً لو كان كذلك ما صارت في السور المدنية . مثل سورة البقرة .؛ لأن السور المدنية ليس فيها أحد يلغو في القرآن؛ فالصواب أن الحكمة من ذلك هو ظهور إعجاز القرآن..
.{ 2 } قوله تعالى: { ذلك الكتاب }: "ذا" اسم إشارة؛ واللام للبعد؛ فإذا كان المشار إليه بعيداً تأتي بهذه اللام التي نسميها "لام البعد"؛ أما الكاف فهي للخطاب؛ وهذه الكاف فيها ثلاث لغات:.
الأولى: مراعاة المخاطب؛ فإن كان مفرداً مذكراً فُتِحت؛ وإن كان مفرداً مؤنثاً كُسِرت، وإن كان مثنى قرنت بالميم، والألف: "ذلكما" ؛ وإن كان جمعاً مذكراً قرنت بالميم: "ذلكم"؛ وإن كان جمعاً مؤنثاً قرنت بالنون المشددة: "ذلكنَّ"؛ وهذه هي اللغة الفصحى..


اللغة الثانية: لزوم الفتح والإفراد مطلقاً، سواء خاطبت مذكراً، أو مؤنثاً، أو مثنى، أو جمعاً؛ فتقول للرجل: "ذلكَ" ؛ وللمرأة: "ذلكَ"؛ وللاثنين: "ذلكَ"؛ وللجماعة: "ذلكَ"..
اللغة الثالثة: أن تكون بالإفراد سواء كان المخاطب واحداً، أم أكثر . مفتوحة في المذكر مكسورة في المؤنث.؛ فتقول: "ذلكَ" إذا كان المخاطب مذكراً؛ وتقول: "ذلكِ" إذا كان مؤنثاً..
والخطاب في قوله تعالى: { ذلك } لكل مخاطب يصح أن يوجه إليه الخطاب؛ والمعنى: ذلك أيها الإنسان المخاطَب..
والمراد بـ{ الكتاب } القرآن؛ و{ الكتاب } بمعنى المكتوب؛ لأن "فِعال" كما تأتي مصدراً . مثل: قتال، ونضال . تأتي كذلك بمعنى اسم مفعول، مثل: بناء بمعنى مبني؛ وغراس بمعنى مغروس؛ فكذلك "كتاب" بمعنى مكتوب؛ فهو مكتوب عند الله؛ وهو أيضاً مكتوب بالصحف المكرمة، كما قال تعالى: {في صحف مكرمة * مرفوعة مطهَّرة * بأيدي سفرة} [عبس: 13 . 15] ؛ وهو مكتوب في الصحف التي بين أيدي الناس؛ وأشار إليه بأداة البعيد لعلوّ منزلته؛ لأنه أشرف كتاب، وأعظم كتاب..
قوله تعالى: { لا ريب فيه هدًى للمتقين }: أهل النحو يقولون: إنّ { لا } هنا نافية للجنس؛ و{ ريب } اسمها مبني على الفتح؛ لأنه مركب معها؛ فهي في محل نصب؛ ويقولون: إنّ { لا } النافية للجنس تفيد العموم في أقصى غايته . يعني تدل على العموم المطلق .، فتشمل القليل، والكثير؛ فإذاً القرآن ليس فيه ريب لا قليل، ولا كثير..
و "الريب" هو الشك؛ ولكن ليس مطلق الشك؛ بل الشك المصحوب بقلق لقوة الداعي الموجب للشك؛ أو لأن النفس لا تطمئن لهذا الشك؛ فهي قلقة منه . بخلاف مطلق الشك .؛ ولهذا من فسّر الريب بالشك فهذا تفسير تقريبي؛ لأن بينهما فرقاً..
والنفي هنا على بابه؛ فالجملة خبرية؛ هذا هو الراجح؛ وقيل: إنه بمعنى النهي . أي لا ترتابوا فيه .؛ والأول أبلغ؛ فإن قال قائل: ما وجه رجحانه؟


فالجواب: أن هذا ينبني على قاعدة هامة في فهم وتفسير القرآن: وهي أنه يجب علينا إجراء القرآن على ظاهره، وأن لا نصرفه عن الظاهر إلا بدليل، مثل قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ، فهذه الآية ظاهرها خبر؛ لكن المراد بها الأمر؛ لأنه قد لا تتربص المطلقة؛ فما دمت تريد تفسير القرآن الكريم فيجب عليك أن تجريه على ظاهره إلا ما دلّ الدليل على خلافه؛ وذلك؛ لأن المفسر للقرآن شاهد على الله بأنه أراد به كذا، وكذا؛ وأنت لو فسّرت كلام بشر على خلاف ظاهره لَلامَكَ هذا المتكلم، وقال: "لماذا تحمل كلامي على خلاف ظاهره! ليس لك إلا الظاهر"؛ مع أنك لو فسرت كلام هذا الرجل على خلاف ظاهره لكان أهون لوماً مما لو فسرت كلام الله؛ لأن المتكلم . غير الله . ربما يخفى عليه المعنى، أو يعييه التعبير، أو يعبر بشيء ظاهره خلاف ما يريده، فتفسره أنت على ما تظن أنه يريده؛ أما كلام الله عزّ وجلّ فهو صادر عن علم، وبأبلغ كلام، وأفصحه؛ ولا يمكن أن يخفى على الله عزّ وجلّ ما يتضمنه كلامه؛ فيجب عليك أن تفسره بظاهره..


فقوله تعالى: { لا ريب فيه }: ظاهرها أنها جملة خبرية تفيد النفي؛ والمعنى: ليس فيه ريب أبداً؛ وقيل: إن الخبر هنا بمعنى النهي؛ فمعنى: { لا ريب فيه }: لا ترتابوا فيه؛ والذي أوجب أن يفسروا النفي بمعنى النهي قالوا: لأنه قد حصل فيه ريب من الكفار، والمنافقين؛ قال تعالى: {فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 45] ؛ فلا يستقيم النفي حينئذ؛ وتكون هذه القرينة الواقعية من ارتياب بعض الناس في القرآن قرينةً موجبة لصرف الخبر إلى النهي؛ ولكننا نقول: إن الله تعالى يتحدث عن القرآن من حيث هو قرآن . لا باعتبار من يتلى عليهم القرآن .؛ والقرآن من حيث هو قرآن لا ريب فيه؛ عندما أقول لك: "هذا الماء عذب" فهذا بحسب وصف الماء بقطع النظر عن كون هذا الماء في مذاق إنسان من الناس ليس عذباً؛ كون مذاق الماء العذب مراً عند بعض الناس فهذا لا يؤثر على طبيعة الماء العذب؛ وقد قال المتنبي:.
ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ يجدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلالا فما علينا من هؤلاء إذا كان القرآن عندهم محل ريبة؛ فإن القرآن في حد ذاته ليس محل ريبة؛ والله سبحانه وتعالى يصف القرآن من حيث هو قرآن؛ على أن كثيراً من الذين ادّعوا الارتياب كاذبون يقولون ذلك جحوداً، كما قال تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33] ؛ فكثير منهم ربما لا يكون عنده ارتياب حقيقي في القرآن؛ ويكون في داخل نفسه يعرف أن هذا ليس بقول الرسول صلى الله عليه وسلم وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يأتي بمثله؛ ولكن مع ذلك يجحدون، وينكرون..
وعلى هذا فالوجه الأول هو الوجه القوي الذي لا انفصام عنه . وهو أن الله تعالى وصف القرآن من حيث هو قرآن بقطع النظر عمن يُتلى عليهم هذا القرآن: أيرتابون، أم لا يرتابون فيه..


وقوله تعالى: { لا ريب فيه هدًى للمتقين }: وقف بعض القراء على قوله تعالى: { لا ريب }؛ وعليه فيكون خبر { لا } محذوفاً؛ والتقدير: لا ريب في ذلك؛ ويكون الجار والمجرور خبراً مقدماً، و{ هدًى } مبتدأً مؤخراً؛ ووقف بعضهم على قوله تعالى: { فيه }؛ وعليه فيكون الجار والمجرور خبر { لا }؛ ويكون قوله تعالى: { هدًى } خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو هدًى للمتقين..
و"التقوى":اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: بيان علوّ القرآن؛ لقوله تعالى: { ذلك }؛ فالإشارة بالبعد تفيد علوّ مرتبته؛ وإذا كان القرآن عالي المكانة والمنزلة، فلا بد أن يعود ذلك على المتمسك به بالعلوّ والرفعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] ؛ وكذلك ما وُصِف به القرآن من الكرم، والمدح، والعظمة فهو وصف أيضاً لمن تمسك به..
.2 ومنها: رفعة القرآن من جهة أنه قرآن مكتوب معتنٍ به؛ لقوله تعالى: { ذلك الكتاب }؛ وقد بيّنّا أنه مكتوب في ثلاثة مواضع: اللوح المحفوظ، والصحف التي بأيدي الملائكة، والمصاحف التي بأيدي الناس..
.3 ومن فوائد الآية: أن هذا القرآن نزل من عند الله يقيناً؛ لقوله تعالى: ( لا ريب فيه )
.4 ومنها: أن المهتدي بهذا القرآن هم المتقون؛ فكل من كان أتقى لله كان أقوى اهتداءً بالقرآن الكريم؛ لأنه عُلِّق الهدى بوصف؛ والحكم إذا عُلق بوصف كانت قوة الحكم بحسب ذلك الوصف المعلَّق عليه؛ لأن الوصف عبارة عن علة؛ وكلما قويت العلة قوي المعلول..
.5 ومن فوائد الآية: فضيلة التقوى، وأنها من أسباب الاهتداء بالقرآن، والاهتداء بالقرآن يشمل الهداية العلمية، والهداية العملية؛ أي هداية الإرشاد، والتوفيق..
فإن قيل: ما الجمع بين قوله تعالى: { هدًى للمتقين }، وقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان}؟ (البقرة: 185) .


فالجواب: أن الهدى نوعان: عام، وخاص؛ أما العام فهو الشامل لجميع الناس وهو هداية العلم، والإرشاد؛ ومثاله قوله تعالى عن القرآن: {هدًى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان} [البقرة: 185] ، وقوله تعالى عن ثمود: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] ؛ وأما الخاص فهو هداية التوفيق : أي أن يوفق الله المرء للعمل بما علم؛ مثاله: قوله تعالى { هدًى للمتقين }، وقوله تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء} [فصلت: 44] ..
القرآن
)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة: 3-5)
التفسير:
.{ 3 } بعد أن ذكر الله عزّ وجلّ أن المتقين هم الذين ينتفعون ويهتدون بهذا الكتاب، بيَّن لنا صفات هؤلاء المتقين؛ فذكر في هذه الآية ست صفات:.
الأولى: الإيمان بالغيب في قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب }، أي يقرون بما غاب عنهم مما أخبر الله به عن نفسه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وغير ذلك مما أخبر الله به من أمور الغيب؛ وعلى هذا فـ{ الغيب } مصدر بمعنى اسم الفاعل: أي بمعنى: غائب..
الصفة الثانية: إقامة الصلاة في قوله تعالى: { ويقيمون الصلاة }، أي يقومون بها على وجه مستقيم، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والمراد بـ{ الصلاة } هنا الجنس؛ فتعم الفريضة، والنافلة..
الصفة الثالثة: الإنفاق مما رزقهم الله في قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون }، أي مما أعطيناهم من المال يخرجون؛ و "مِن" هنا يحتمل أن تكون للتبعيض، وأن تكون للبيان؛ ويتفرع على ذلك ما سيُبَيَّن في الفوائد . إن شاء الله تعالى ...


.{ 4 } الصفة الرابعة قوله تعالى: { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك }، أي يؤمنون بجميع الكتب المنزلة؛ وبدأ بالقرآن مع أنه آخرها زمناً؛ لأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها؛ والمراد بـ{ ما أنزل من قبلك } التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وموسى، وغيرها..
الصفة الخامسة: الإيقان بالآخرة في قوله تعالى: { وبالآخرة هم يوقنون }؛ والمراد بذلك البعث بعد الموت، وما يتبعه مما يكون يوم القيامة من الثواب، والعقاب، وغيرهما؛ وإنما نص على الإيقان بالآخرة مع دخوله في الإيمان بالغيب لأهميته؛ لأن الإيمان بها يحمل على فعل المأمور، وترك المحظور؛ و "الإيقان" هو الإيمان الذي لا يتطرق إليه شك..
.{ 5 } قوله تعالى: { أولئك }: المشار إليه ما تقدم ممن اتصفوا بالصفات الخمس؛ وأشار إليهم بصيغة البعد لعلوّ مرتبتهم؛ { على هدًى } أي على علم، وتوفيق؛ و{ على } للاستعلاء؛ وتفيد علوهم على هذا الهدى، وسيرهم عليه، كأنهم يسيرون على طريق واضح بيّن؛ فليس عندهم شك؛ تجدهم يُقبلون على الأعمال الصالحة وكأن سراجاً أمامهم يهتدون به: تجدهم مثلاً ينظرون في أسرار شريعة الله، وحِكَمها، فيعلمون منها ما يخفى على كثير من الناس؛ وتجدهم أيضاً عندما ينظرون إلى القضاء والقدر كأنما يشاهدون الأمر في مصلحتهم حتى وإن أصيبوا بما يضرهم أو يسوءهم، يرون أن ذلك من مصلحتهم؛ لأن الله قد أنار لهم الطريق؛ فهم على هدًى من ربهم وكأن الهدى مركب ينجون به من الهلاك، أو سفينة ينجون بها من الغرق؛ فهم متمكنون غاية التمكن من الهدى؛ لأنهم عليه؛ و{ من ربهم } أي خالقهم المدبر لأمورهم؛ والربوبية هنا خاصة متضمنة للتربية الخاصة التي فيها سعادة الدنيا، والآخرة..


قوله تعالى: { وأولئك هم المفلحون }: الجملة مبتدأ وخبر، بينهما ضمير الفصل الدالّ على التوكيد، والحصر؛ وأعيد اسم الإشارة تأكيداً لما يفيده اسم الإشارة الأول من علوّ المرتبة، والعناية التامة بهم كأنهم حضروا بين يدي المتكلم؛ وفيه الفصل بين الغاية، والوسيلة؛ فالغاية: الفلاح؛ ووسيلته: ما سبق؛ و "الفلاح" هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب؛ فهي كلمة جامعة لانتفاء جميع الشرور، وحصول جميع الخير.
تنبيه:
من المعروف عند أهل العلم أن العطف يقتضي المغايرة . أي أن المعطوف غير المعطوف عليه .؛ وقد ذكرنا أن هذه المعطوفات أوصاف للمتقين وهو موصوف واحد؛ فكيف تكون المغايرة؟
والجواب: أن التغاير يكون في الذوات كما لو قلت: "قدم زيد، وعمرو"؛ ويكون في الصفات كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدَّر فهدى * والذي أخرج المرعى} [الأعلى: 1 . 4] ؛ قالوا: والفائدة من ذلك أن هذا يقتضي تقرير الوصف الأول . كأنه قال: "أتصف بهذا، وزيادة ...

الفوائد:.
.1 من فوائد الآية: أن من أوصاف المتقين الإيمان بالغيب؛ لأن الإيمان بالمُشاهَد المحسوس ليس بإيمان؛ لأن المحسوس لا يمكن إنكاره..
.2 ومنها: أن من أوصاف المتقين إقامة الصلاة؛ وهو عام لفرضها، ونفلها..
ويتفرع على ذلك: الترغيب في إقامة الصلاة؛ لأنها من صفات المتقين؛ وإقامتها أن يأتي بها مستقيمة على الوجه المطلوب في خشوعها، وقيامها، وقعودها، وركوعها، وسجودها، وغير ذلك..
.3 ومن فوائد الآيات: أن من أوصاف المتقين الإنفاق مما رزقهم الله؛ وهذا يشمل الإنفاق الواجب كالزكاة، وإنفاقَ التطوع كالصدقات، والإنفاقِ في سبل الخير..
.4 ومنها: أن صدقة الغاصب باطلة؛ لقوله تعالى: { ومما رزقناهم }؛ لأن الغاصب لا يملك المال الذي تصدق به، فلا تقبل صدقته..


.5 ومنها: أن الإنفاق غير الزكاة لا يتقدر بشيء معين؛ لإطلاق الآية، سواء قلنا: إن "مِن" للتبعيض؛ أو للبيان..
ويتفرع على هذا جواز إنفاق جميع المال في طرق الخير، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه حين تصدق بجميع ماله ؛ لكن هذا مشروط بما إذا لم يترتب عليه ترك واجب من الإنفاق على الأهل، ونحوهم؛ فإن ترتب عليه ذلك فالواجب مقدم على التطوع..
.6 ومن فوائد الآية: ذم البخل؛ ووجهه أن الله مدح المنفقين؛ فإذا لم يكن إنفاق فلا مدح؛ والبخل خلق ذميم حذر الله سبحانه وتعالى منه في عدة آيات..

تنبيه:
لم يذكر الله مصرف الإنفاق أين يكون؛ لكنه تعالى ذكر في آيات أخرى أن الإنفاق الممدوح ما كان في سبيل الله من غير إسراف، ولا تقتير، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} [الفرقان: 67] ..
.7ومن فوائد الآية: أن من أوصاف المتقين الإيمان بما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله.
.8 ومنها: أن من أوصاف المتقين الإيقان بالآخرة على ما سبق بيانه في التفسير..
.9 ومنها: أهمية الإيمان بالآخرة؛ لأن الإيمان بها هو الذي يبعث على العمل؛ ولهذا يقرن الله تعالى دائماً الإيمان به عزّ وجلّ، وباليوم الآخر؛ أما من لم يؤمن بالآخرة فليس لديه باعث على العمل؛ إنما يعمل لدنياه فقط: يعتدي ما دام يرى أن ذلك مصلحة في دنياه: يسرق مثلاً؛ يتمتع بشهوته؛ يكذب؛ يغش...؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة؛ فالإيمان بالآخرة حقيقة هو الباعث على العمل..
.10 ومنها: سلامة هؤلاء في منهجهم؛ لقوله تعالى: ( أولئك على هدًى من ربهم ).
.11ومنها: أن ربوبية الله عزّ وجلّ تكون خاصة، وعامة؛ وقد اجتمعا في قوله تعالى عن سحرة فرعون: {آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون} (الأعراف: 121، 122)
.12 ومنها: أن مآل هؤلاء هو الفلاح؛ لقوله تعالى: ( وأولئك هم المفلحون )


.13 ومنها: أن الفلاح مرتب على الاتصاف بما ذُكر؛ فإن اختلَّت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات؛ لأن الصحيح من قول أهل السنة والجماعة، والذي دلّ عليه العقل والنقل، أن الإيمان يزيد، وينقص، ويتجزأ؛ ولولا ذلك ما كان في الجنات درجات: هناك رتب كما جاء في الحديث: "إن أهل الجنة ليتراءون أصحاب الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق؛ قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال صلى الله عليه وسلم لا؛ والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين"(1) ، أي ليست خاصة بالأنبياء..
القرآن
)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (البقرة:6) )خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة:7)
التفسير:
ثم ذكر الله قسماً آخر . وهم الكافرون الخلَّص .؛ ففي هذه السورة العظيمة ابتدأ الله تعالى فيها بتقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: المؤمنون الخلَّص؛ ثم الكافرون الخلَّص؛ ثم المؤمنون بألسنتهم دون قلوبهم؛ فبدأ بالطيب، ثم الخبيث، ثم الأخبث؛ إذاً الطيب: هم المتقون المتصفون بهذه الصفات؛ والخبيث: الكفار؛ والأخبث: المنافقون..
.{ 6 } قوله تعالى: { سواء } أي مستوٍ؛ وهي إما أن تكون خبر { إن } في قوله تعالى: { إن الذين كفروا }؛ ويكون قوله تعالى: { أأنذرتهم } فاعلاً بـ{ سواء } مسبوكاً بمصدر؛ والتقدير: سواء عليهم إنذارُك، وعدمُه؛ وإما أن تكون { سواء } خبراً مقدماً، و{ أأنذرتهم } مبتدأً مؤخراً؛ والجملة خبر { إن }؛ والأول أولى؛ لأنه يجعل الجملة جملة واحدة؛ وهنا انسبك قوله تعالى: { أأنذرتهم } بمصدر مع أنه ليس فيه حرف مصدري؛ لكنهم يقولون: إن همزة الاستفهام التي للتسوية يجوز أن تسبك، ومدخولها بمصدر..


قوله تعالى: { إن الذين كفروا } أي بما يجب الإيمان به..
قوله تعالى: { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون }: هذا تسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. لا اعتذاراً للكفار .، ولا تيئيساً له صلى الله عليه وسلم و "الإنذار" هو الإعلام المقرون بالتخويف؛ والرسول صلى الله عليه وسلم بشير، ونذير؛ بشير معلم بما يسر بالنسبة للمؤمنين؛ نذير معلم بما يسوء بالنسبة للكافرين؛ فإنذار النبي صلى الله عليه وسلم وعدمه بالنسبة لهؤلاء الكفار المعاندين، والمخاصمين . الذين تبين لهم الحق، ولكن جحدوه . مستوٍ عليهم..
وقوله تعالى: { لا يؤمنون }: هذا محط الفائدة في نفي التساوي . أي إنهم أنذرتهم أم لم تنذرهم . لا يؤمنون؛ وتعليل ذلك قوله تعالى: ( ختم الله على قلوبهم )
و "الختم" : الطبع؛ و"الطبع" هو أن الإنسان إذا أغلق شيئاً ختم عليه من أجل ألا يخرج منه شيء، ولا يدخل إليه شيء؛ وهكذا فهؤلاء . والعياذ بالله . قلوبهم مختوم عليها لا يصدر منها خير، ولا يصل إليها خير..
.{ 7 } قوله تعالى: { وعلى سمعهم } أي وختم على سمعهم، فهي معطوفة على قوله تعالى: { على قلوبهم }؛ والختم على الأذن: أن لا تسمع خيراً تنتفع به..
قوله تعالى: { وعلى أبصارهم غشاوة }: الواو للاستئناف؛ فالجملة مستقلة عما قبلها؛ فهي مبتدأ، وخبر مقدم؛ ويحتمل أن تكون الواو عاطفة، لكن عطف جملة على جملة؛ و{ غشاوة } أي غطاء يحول بينها وبين النظر إلى الحق؛ ولو نظرت لم تنتفع..
قوله تعالى: { ولهم } أي لهؤلاء الكفار الذين بقوا على كفرهم { عذاب عظيم }: وهو عذاب النار؛ وعظمه الله تعالى؛ لأنه لا يوجد أشد من عذاب النار..
انتهى الكلام على الصنف الثاني من أصناف الخلق، وهم الكفار الخُلَّص الصرحاء..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم حين يردُّه الكفار، ولا يَقبلون دعوته..


.2 ومنها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان المنذِر والداعي؛ لأنه لا يستفيد . قد ختم الله على قلبه .، كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] ، وقال تعالى: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} [الزمر: 19] يعني هؤلاء لهم النار؛ انتهى أمرهم، ولا يمكن أن تنقذهم..
.3 ومنها: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة، ولا بالإقبال على الله تعالى فإن فيه شبهاً من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ، ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله..
.4 ومنها: أن محل الوعي القلوب؛ لقوله تعالى: { ختم الله على قلوبهم } يعني لا يصل إليها الخير..
.5 ومنها: أن طرق الهدى إما بالسمع؛ وإما بالبصر: لأن الهدى قد يكون بالسمع، وقد يكون بالبصر؛ بالسمع فيما يقال؛ وبالبصر فيما يشاهد؛ وهكذا آيات الله عزّ وجلّ تكون مقروءة مسموعة؛ وتكون بيّنة مشهودة..
.6 ومنها: وعيد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم..
مسألة:.
إذا قال قائل: هل هذا الختم له سبب من عند أنفسهم، أو مجرد ابتلاء وامتحان من الله عزّ وجلّ؟
فالجواب: أن له سبباً؛ كما قال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وقال تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية(المائدة: 13)
القرآن
)وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة:8)
التفسير:


.{ 8 } قوله تعالى: { ومن الناس }: { من } للتبعيض؛ أي: وبعض الناس؛ ولم يصفهم الله تعالى بوصف . لا بإيمان، ولا بكفر .؛ لأنهم كما وصفهم الله تعالى في سورة النساء: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143] ؛ و{ الناس } أصلها الأناس؛ لكن لكثرة الاستعمال حذفت الهمزة تخفيفاً، كما قالوا في "خير"، و"شر": إن أصلهما: "أخير"، و"أشر"؛ لكن حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعمال؛ وسُموا أناساً: من الأُنس؛ لأن بعضهم يأنس بعضاً، ويركن إليه؛ ولهذا يقولون: "الإنسان مدني بالطبع"؛ بمعنى: أنه يحب المدنية . يعني الاجتماع، وعدم التفرق ...
قوله تعالى: { من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر } أي يقول بلسانه . بدليل قوله تعالى: { وما هم بمؤمنين } أي بقلوبهم .؛ وسبق معنى الإيمان بالله، وباليوم الآخر..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: بلاغة القرآن؛ بل فصاحة القرآن في التقسيم؛ لأن الله سبحانه وتعالى ابتدأ هذه السورة بالمؤمنين الخلَّص، ثم الكفار الخلَّص، ثم بالمنافقين؛ وذلك؛ لأن التقسيم مما يزيد الإنسان معرفة، وفهماً..
.2 . ومنها: أن القول باللسان لا ينفع الإنسان؛ لقوله تعالى: ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)
.3 ومنها: أن المنافقين ليسوا بمؤمنين . وإن قالوا: إنهم مؤمنون .؛ لقوله تعالى: { وما هم بمؤمنين }؛ ولكن هل هم مسلمون؟ إن أريد بالإسلام الاستسلام الظاهر فهم مسلمون؛ وإن أريد بالإسلام إسلام القلب والبدن فليسوا بمسلمين..
.4 ومنها: أن الإيمان لا بد أن يتطابق عليه القلب، واللسان..
ووجه الدلالة: أن هؤلاء قالوا: "آمنا" بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم؛ فصح نفي الإيمان عنهم؛ لأن الإيمان باللسان ليس بشيء..

القرآن
)يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة:9)
التفسير:


.{ 9 } قوله تعالى: { يخادعون الله } أي بإظهار إسلامهم الذي يعصمون به دماءهم، وأموالهم..
قوله تعالى: { والذين آمنوا } معطوف على لفظ الجلالة؛ والمعنى: ويخدعون الذين آمنوا بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر، فيظن المؤمنون أنهم صادقون..
قوله تعالى: { وما يخدعون إلا أنفسهم } أي ما يخدع هؤلاء المنافقون إلا أنفسهم، حيث منَّوها الأماني الكاذبة..
قوله تعالى: { وما يشعرون } أي ما يشعر هؤلاء أن خداعهم على أنفسهم مع أنهم يباشرونه؛ ولكن لا يُحِسُّون به، كما تقول: "مَرَّ بي فلان ولم أشعر به"..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: مكر المنافقين، وأنهم أهل مكر، وخديعة؛ لقوله تعالى: { يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم }؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة المنافقين: {هم العدو فاحذرهم} [المنافقون: 4] ؛ فحصر العداوة فيهم؛ لأنهم مخادعون..
.2 ومنها: التحفظ من المنافقين؛ لأنه إذا قيل لك: "فلان يخدع" فإنك تزداد تحفظاً منها؛ وأنه ينبغي للمؤمن أن يكون يقظاً حذراً، فلا ينخدع بمثل هؤلاء..
فإن قال قائل: كيف نعرف المنافق حتى نكون حذرين منه؟
فالجواب: نعرفه بأن نتتبع أقواله، وأفعاله: هل هي متطابقة، أو متناقضة؟ فإذا علمنا أن هذا الرجل يتملق لنا، ويظهر أنه يحب الإسلام، ويحب الدين، لكن إذا غاب عنا نسمع عنه بتأكد أنه يحارب الدين عرفنا أنه منافق؛ فيجب علينا أن نحذر منه..
.3 ومن فوائد الآية: أن المكر السيئ لا يحيق إلّا بأهله؛ فهم يخادعون الله، ويظنون أنهم قد نجحوا، أو غلبوا؛ ولكن في الحقيقة أن الخداع عائد عليهم؛ لقوله تعالى: { وما يخدعون إلا أنفسهم }: فالحصر هنا يدل على أن خداعهم هذا لا يضر الله تعالى شيئاً، ولا رسوله، ولا المؤمنين..


.4 ومنها: أن العمل السيئ قد يُعمي البصيرة؛ فلا يشعر الإنسان بالأمور الظاهرة؛ لقوله تعالى: { وما يشعرون } أي ما يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم؛ و "الشعور" أخص من العلم؛ فهو العلم بأمور دقيقة خفية؛ ولهذا قيل: إنه مأخوذ من الشَّعر؛ والشعر دقيق؛ فهؤلاء الذين يخادعون الله، والرسول، والمؤمنين لو أنهم تأملوا حق التأمل لعرفوا أنهم يخدعون أنفسهم، لكن لا شعور عندهم في ذلك؛ لأن الله تعالى قد أعمى بصائرهم . والعياذ بالله .، فلا يشعرون بهذا الأمر..
القرآن
)فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10)
التفسير:
.{ 10 } قوله تعالى: { في قلوبهم مرض }: هذه الجملة جملة اسمية تدل على مكث وتمكنُّ هذا المرض في قلوبهم؛ ولكنه مرض على وجه قليل أثّر بهم حتى بلغوا النفاق؛ ومن أجل هذا المرض قال سبحانه وتعالى: { فزادهم الله مرضاً }: الفاء هنا عاطفة؛ ولكنها تفيد معنى السببية: زادهم الله مرضاً على مرضهم؛ لأنهم . والعياذ بالله . يريدون الكفر؛ وهذه الإرادة مرض أدى بهم إلى زيادة المرض؛ لأن الإرادات التي في القلوب عبارة عن صلاح القلوب، أو فسادها؛ فإذا كان القلب يريد خيراً فهو دليل على سلامته، وصحته؛ وإذا كان يريد الشر فهو دليل على مرضه، وعلته..
وهؤلاء قلوبهم تريد الكفر؛ لأنهم يقولون لشياطينهم إذا خلوا إليهم: {إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14] ، أي بهؤلاء المؤمنين السذج . على زعمهم . ويرون أن المؤمنين ليسوا بشيء، وأن العِلْية من القوم هم الكفار؛ ولهذا جاء التعبير بـ {إنا معكم} [البقرة: 14] الذي يفيد المصاحبة، والملازمة..
فهذا مرض زادهم الله به مرضاً إلى مرضهم حتى بلغوا إلى موت القلوب، وعدم إحساسها، وشعورها..


قوله تعالى في مجازاتهم: { ولهم عذاب } أي عقوبة؛ { أليم } أي مؤلم؛ فهو شديد، وعظيم، وكثير؛ لأن الأليم قد يكون مؤلماً لقوته، وشدته: فضربة واحدة بقوة تؤلم الإنسان؛ وقد يكون مؤلماً لكثرته: فقد يكون ضرباً خفيفاً؛ ولكن إذا كثر، وتوالى آلَم؛ وقد اجتمع في هؤلاء المنافقين الأمران؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار . وهذا ألم حسي .؛ وقال تعالى في أهل النار: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} [السجدة: 20] ، وهذا ألم قلبي يحصل بتوبيخهم..
قوله تعالى: { بما كانوا يكذبون }: الباء للسببية . أي بسبب كذبهم .، أو تكذيبهم؛ و "ما" مصدرية تؤول وما بعدها بمصدر؛ فيكون التقدير: بكونهم كاذبين؛ أو: بكونهم مكذبين؛ لأن في الآية قراءتين؛ الأولى: بفتح الياء، وسكون الكاف، وكسر الذال مخففة؛ ومعناها: يَكْذِبون بقولهم: آمنا بالله، وباليوم الآخر . وما هم بمؤمنين .؛ والقراءة الثانية: بضم الياء، وفتح الكاف، وكسر الذال مشددة؛ ومعناها: يُكَذِّبون الله، ورسوله؛ وقد اجتمع الوصفان في المنافقين؛ فهم كاذبون مكذِّبون..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن الإنسان إذا لم يكن له إقبال على الحق، وكان قلبه مريضاً فإنه يعاقب بزيادة المرض؛ لقوله تعالى: { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً }؛ وهذا المرض الذي في قلوب المنافقين: شبهات، وشهوات؛ فمنهم من علم الحق، لكن لم يُرِده؛ ومنهم من اشتبه عليه؛ وقد قال الله تعالى في سورة النساء: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا} [النساء: 137] ، وقال تعالى في سورة المنافقين: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} [المنافقون: 3] ..


.2 ومن فوائد الآية: أن أسباب إضلال اللَّهِ العبدَ هو من العبد؛ لقوله تعالى: { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً }؛ ومثل ذلك قوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وقوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} [الأنعام: 110] ، وقوله تعالى: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49] ..
.3 ومنها: أن المعاصي والفسوق، تزيد وتنقص، كما أن الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله تعالى: { فزادهم الله مرضاً }؛ والزيادة لا تُعقل إلا في مقابلة النقص؛ فكما أن الإيمان يزيد وينقص، كذلك الفسق يزيد، وينقص؛ والمرض يزيد، وينقص..
.4 ومنها: الوعيد الشديد للمنافقين؛ لقوله تعالى: ( ولهم عذاب أليم )
.5 ومنها: أن العقوبات لا تكون إلا بأسباب . أي أن الله لا يعذب أحداً إلا بذنب .؛ لقوله تعالى:
( بما كانوا يكذبون )
.6 ومنها: أن هؤلاء المنافقين جمعوا بين الكذب، والتكذيب؛ وهذا شر الأحوال..
.7 ومنها: ذم الكذب، وأنه سبب للعقوبة؛ فإن الكذب من أقبح الخصال؛ وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكذب من خصال المنافقين، فقال صلى الله عليه وسلم "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب..."(1) الحديث؛ والكذب مذموم شرعاً، ومذموم عادة، ومذموم فطرة أيضاً..
مسألة :-
إن قيل: كيف يكون خداعهم لله وهو يعلم ما في قلوبهم؟
فالجواب: أنهم إذا أظهروا إسلامهم فكأنما خادعوا الله؛ لأنهم حينئذ تُجرى عليهم أحكام الإسلام، فيلوذون بحكم الله . تبارك وتعالى . حيث عصموا دماءهم وأموالهم بذلك..

القرآن
)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (البقرة:11)
)أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (البقرة:12)
التفسير:


.{ 11 } قوله تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض }: القائل هنا مبهم للعموم . أي ليعم أيَّ قائل كان؛ و "الإفساد في الأرض" هو أن يسعى الإنسان فيها بالمعاصي . كما فسره بذلك السلف؛ لقوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41]
وقوله تعالى: { في الأرض }: المراد الأرض نفسها؛ أو أهلها؛ أو كلاهما . وهو الأولى؛ أما إفساد الأرض نفسها: فإن المعاصي سبب للقحط، ونزع البركات، وحلول الآفات في الثمار، وغيرها، كما قال تعالى عن آل فرعون لما عصوا رسوله موسى عليه السلام: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون} [الأعراف: 130] ، فهذا فساد في الأرض..
وأما الفساد في أهلها: فإن هؤلاء المنافقين يأتوا إلى اليهود، ويقولون لهم: {لئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم} [الحشر: 11] : فيزدادوا استعداءً للرسول صلى الله عليه وسلم ومحاربة له؛ كذلك أيضاً من فسادهم في أهل الأرض: أنهم يعيشون بين المسلمين، ويأخذون أسرارهم، ويفشونها إلى أعدائهم؛ ومن فسادهم في أهل الأرض: أنهم يفتحون للناس باب الخيانة والتَقِيَّة، بحيث لا يكون الإنسان صريحاً واضحاً، وهذا من أخطر ما يكون في المجتمع..
قوله تعالى: { قالوا إنما نحن مصلحون }؛ { إنما }: أداة حصر؛ و{ نحن }: مبتدأ؛ و{ مصلحون }: خبر؛ والجملة اسمية؛ والجملة الاسمية تفيد الثبوت، والاستمرار؛ فكأنهم يقولون: ما حالنا إلا الإصلاح؛ يعني: أنه ليس فيهم إفساد مطلقاً..
ومن توفيق الله أنه لم يلهمهم، فيقولوا: إنما نحن المصلحون؛ فلو أنهم قالوا: "نحن المصلحون" كان مقتضاه أن لا مصلح غيرهم؛ لكنهم قالوا: { إنما نحن مصلحون } أي ما حالنا إلا إصلاح؛ ولم يدَّعوا أنهم المصلحون وحدهم..


.{ 12 } قوله تعالى: { ألا إنهم هم المفسدون }؛ { ألا }: أداة تفيد التنبيه، والتأكيد؛ و{ إنهم }: توكيد أيضاً؛ و{ هم }: ضمير فصل يفيد التوكيد أيضاً؛ فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: { ألا }، و "إن" ، و{ هم } وهذا من أبلغ صيغ التوكيد؛ وأتى بـ "أل" الدالة على حقيقة الإفساد، وأنهم هم المفسدون حقاً؛ ووجه حصر الإفساد فيهم أن { هم } ضمير فصل يفيد الحصر . أي هم لا غيرهم المفسدون؛ وهذا كقوله تعالى: {هم العدو فاحذرهم} [المنافقون: 4] أي هم لا غيرهم؛ فلا عداء أبلغ من عداء المنافقين للمؤمنين؛ ولا فساد أعظم من فساد المنافقين في الأرض..
قوله تعالى: { ولكن لا يشعرون } أي لا يشعرون أنهم مفسدون؛ لأن الفساد أمر حسي يدرك بالشعور والإحساس؛ فلبلادتهم وعدم فهمهم للأمور، لا يشعرون بأنهم هم المفسدون دون غيرهم..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: أن النفاق الذي هو إظهار الإسلام، وإبطان الكفر من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض }؛ والنفاق من أعظم الفساد في الأرض..
.2 ومنها: أن من أعظم البلوى أن يُزَيَّن للإنسان الفساد حتى يَرى أنه مصلح؛ لقولهم: ( إنما نحن مصلحون )
.3 ومنها: أن غير المؤمن نظره قاصر، حيث يرى الإصلاح في الأمر المعيشي فقط؛ بل الإصلاح حقيقة أن يسير على شريعة الله واضحاً صريحاً..
.4 ومنها: أنه ليس كل من ادعى شيئاً يصدق في دعواه؛ لأنهم قالوا: { إنما نحن مصلحون }؛ فقال الله تعالى: { ألا إنهم هم المفسدون }؛ وليس كل ما زينته النفس يكون حسناً، كما قال تعالى: {أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8] ..
.5 ومنها: أن الإنسان قد يبتلى بالإفساد في الأرض، ويخفى عليه فساده؛ لقوله تعالى: { ولكن لا يشعرون


.6 ومنها: قوة الرد على هؤلاء الذين ادعوا أنهم مصلحون، حيث قال الله عزّ وجلّ: { ألا إنهم هم المفسدون }؛ فأكد إفسادهم بثلاثة مؤكدات؛ وهي { ألا } و "إن" ، و{ هم }؛ بل حصر الإفساد فيهم عن طريق ضمير الفصل..
القرآن
)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ) (البقرة:13)
التفسير:.
.{ 13 } قوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس }: القائل هنا مبهم للعموم . أي ليعم أيَّ قائل كان؛ والكاف للتشبيه، و "ما" مصدرية . أي كإيمان الناس؛ والمراد بـ{ الناس } هنا الصحابة الذين كانوا في المدينة، وإمامهم النبي صلى الله عليه وسلم
قوله تعالى: { قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء }؛ الاستفهام هنا للنفي، والتحقير؛ والمعنى: لا نؤمن كما آمن السفهاء؛ وربما يكون أيضاً مضمناً معنى الإنكار . أي أنهم ينكرون على من قال: { آمنوا كما آمن الناس }؛ وهذا أبلغ من النفي المحض؛ و{ السفهاء }: الذين ليس لهم رشد، وعقل؛ والمراد بهم هنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . على حدّ زعم هؤلاء المنافقين؛ فقال الله تعالى . وهو العليم بما في القلوب . رداً على هؤلاء: { ألا إنهم هم السفهاء }: وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: { ألا }، و "إن" ، وضمير الفصل: { هم }، وهو أيضاً مفيد للحصر؛ وهذه الجملة كالتي قبلها في قوله تعالى: { ألا إنهم هم المفسدون }..
قوله تعالى: { ولكن لا يعلمون } أي لا يعلمون سفههم؛ فإن قيل: ما الفرق بين قوله تعالى هنا: { ولكن لا يعلمون }، وقوله تعالى فيما سبق: { ولكن لا يشعرون }؟
فالجواب: أن الإفساد في الأرض أمر حسي يدركه الإنسان بإحساسه، وشعوره؛ وأما السفه فأمر معنوي يدرك بآثاره، ولا يُحَسُّ به نفسِه..
الفوائد:


.1 من فوائد الآية: أن المنافق لا تنفعه الدعوة إلى الخير؛ لقوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء }؛ فهم لا ينتفعون إذا دعوا إلى الحق؛ بل يقولون: { أنؤمن كما آمن السفهاء)
.2 ومنها: إعجاب المنافقين بأنفسهم؛ لقولهم: ( أنؤمن كما آمن السفهاء )
.3 ومنها: شدة طغيان المنافقين؛ لأنهم أنكروا على الذين عرضوا عليهم الإيمان: { قالوا أنؤمن }؛ وهذا غاية ما يكون من الطغيان؛ ولهذا قال الله تعالى في آخر الآية: {في طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15] ..
.4 ومنها: أن أعداء الله يصفون أولياءه بما يوجب التنفير عنهم لقولهم: { أنؤمن كما آمن السفهاء }؛ فأعداء الله في كل زمان، وفي كل مكان يصفون أولياء الله بما يوجب التنفير عنهم؛ فالرسل وصفهم قومهم بالجنون، والسحر، والكهانة، والشعر تنفيراً عنهم، كما قال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} [الذاريات: 52] ، وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين} [الفرقان: 31] وورثة الأنبياء مثلهم يجعل الله لهم أعداء من المجرمين، ولكن {وكفى بربك هادياً ونصيراً} [الفرقان: 31] ؛ فمهما بلغوا من الأساليب فإن الله تعالى إذا أراد هداية أحد فلا يمنعه إضلال هؤلاء؛ لأن أعداء الأنبياء يسلكون في إبطال دعوة الأنبياء مَسْلكين؛ مسلك الإضلال، والدعاية الباطلة في كل زمان، ومكان؛ ثم مسلك السلاح . أي المجابهة المسلحة؛ ولهذا قال تعالى: {هادياً} [الفرقان: 31] في مقابل المسلك الأول الذي هو الإضلال . وهو الذي نسميه الآن بالأفكار المنحرفة، وتضليل الأمة، والتلبيس على عقول أبنائها؛ وقال تعالى: {ونصيراً} [الفرقان: 31] في مقابل المسلك الثاني . وهو المجابهة المسلحة..
.5 ومن فوائد الآية: أن كل من لم يؤمن فهو سفيه، كما قال الله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] ..


.6 ومنها: أن الحكمة كل الحكمة إنما هي الإيمان بالله، واتباع شريعته؛ لأن الكافر المخالف للشريعة سفيه؛ فيقتضي أن ضده يكون حكيماً رشيداً..
.7ومنها: تحقيق ما وعد الله به من الدفاع عن المؤمنين، كما قال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} [الحج: 38] ؛ فإذا ذموا بالقول دافع الله عنهم بالقول؛ فهؤلاء قالوا: { أنؤمن كما آمن السفهاء }، والله عزّ وجلّ هو الذي جادل عن المؤمنين، فقال: { ألا إنهم هم السفهاء } يعني هم السفهاء لا أنتم؛ فهذا من تحقيق دفاع الله تعالى عن المؤمنين؛ أما دفاعه عن المؤمنين إذا اعتُدي عليهم بالفعل فاستمع إلى قول الله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] : هذه مدافعة فعلية، حيث تنْزل جنود الله تعالى من السماء لتقتل أعداء المؤمنين؛ فهذا تحقيق لقول الله تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} [الحج: 38] ؛ ولكن الحقيقة أن هذا الوعد العظيم من القادر جل وعلا الصادق في وعده يحتاج إلى إيمان حتى نؤمن بالله عزّ وجلّ، ولا نخشى أحداً سواه، فإذا ضعف الإيمان أصبحنا نخشى الناس كخشية الله، أو أشد خشية؛ لأننا إذا كنا نراعيهم دون أوامر الله فسنخشاهم أشد من خشية الله عزّ وجلّ؛ وإلا لكنا ننفذ أمر الله عزّ وجلّ، ولا نخشى إلا الله سبحانه وتعالى..


فنحن لو آمنا حقيقة الإيمان بهذا الوعد الصادق الذي لا يُخلَف لكنا منصورين في كل حال؛ لكن الإيمان ضعيف؛ ولهذا صرنا نخشى الناس أكثر مما نخشى الله عزّ وجلّ؛ وهذه هي المصيبة، والطامة العظيمة التي أصابت المسلمين اليوم؛ ولذلك تجد كثيراً من ولاة المسلمين . مع الأسف . لا يهتمون بأمر الله، ولا بشريعة الله؛ لكن يهتمون بمراعاة فلان، وفلان؛ أو الدولة الفلانية، والفلانية . ولو على حساب الشريعة الإسلامية التي من تمسك بها فهو المنصور، ومن خالفها فهو المخذول؛ وهم لا يعرفون أن هذا هو الذي يبعدهم من نصر الله؛ فبدلاً من أن يكونوا عبيداً لله أعزة صاروا عبيداً للمخلوقين أذلة؛ لأن الأمم الكافرة الكبرى لا ترحم أحداً في سبيل مصلحتها؛ لكن لو أننا ضربنا بذلك عُرض الحائط، وقلنا: لا نريد إلا رضى الله، ونريد أن نطبق شريعة الله سبحانه وتعالى على أنفسنا، وعلى أمتنا؛ لكانت تلك الأمم العظمى تهابنا؛ ولهذا يقال: من خاف الله خافه كل شيء، ومن خاف غير الله خاف من كل شيء..
.8 . ومن فوائد الآية: الدلالة على جهل المنافقين؛ لأن الله عزّ وجلّ نفى العلم عنهم؛ لقوله تعالى: { ولكن لا يعلمون }؛ فالحقيقة أنهم من أجهل الناس . إن لم يكونوا أجهل الناس؛ لأن طريقهم إنما هو خداع، وانخداع، وتضليل؛ وهؤلاء المنافقون من أجهل الناس؛ لأنهم لم يعلموا حقيقة أنفسهم، وأنهم هم السفهاء..

القرآن
)وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة:14) )اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة:15)
التفسير:
.{ 14 } قوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا } أي قابلوهم، أو جلسوا إليهم؛ { قالوا } أي للمؤمنين الذين لقوهم؛ { آمنا } أي كإيمانكم..


قوله تعالى: { وإذا خلوا إلى شياطينهم }؛ ضُمِّن الفعل هنا معنى "رجعوا"؛ ولذلك عُدِّي بـ{ إلى }، لكن عُدِّي بالفعل { خلوا } ليكون المعنى: رجعوا خالِين بهم؛ والمراد بـ{ شياطينهم } كبراؤهم؛ وسمي كبراؤهم بـ "الشياطين" لظهور تمردهم؛ وقد قيل: إن "الشيطان" كل مارد؛ أي كل عاتٍ من الجن، أو الإنس، أو غيرهما: شيطان؛ وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الكلب الأسود بأنه شيطان؛ وليس معناه شيطان الجن؛ بل معناه: الشيطان في جنسه: لأن أعتى الكلاب، وأشدها قبحاً هي الكلاب السود؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: "الكلب الأسود شيطان"(1) ؛ ويقال للرجل العاتي: هذا شيطان بني فلان . أي مَريدهم، وعاتيهم..
وكلمة: "شيطان" : النون فيها أصلية من "شطن" بمعنى بعُد؛ ولكونها أصلية صُرف الاسم بتنوين، كما في قوله تعالى: { ويتبع كل شيطان مريد } [الحج: 3] ؛ ولو كانت النون والألف زائدتان منعت من الصرف؛ لأن الألف والنون إذا كانتا زائدتين في عَلَم؛ أو وصف فإنه يُمنع من الصرف؛ وأما إذا كانتا زائدتين في غير علم، ولا وصف فإنه لا يمنع من الصرف..
قوله تعالى: { إنا معكم } أي صحب مقارنون لكم تابعون لكم؛ { إنما نحن مستهزئون } أي ما نحن إلا ساخرون بالمؤمنين: نظهر لهم أنا مسلمون لنخادعهم..
.{ 15 } قوله تعالى: { الله يستهزئ بهم } أي يسخر تبارك وتعالى بهم بما أملى لهم، وكفّ أيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه عن قتلهم . مع أنهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار..


قوله تعالى: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون }؛ الطغيان مجاوزة الحد، كقوله تعالى: {إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية} [الحاقة: 11] ؛ و "العمه" الضلال؛ والمعنى أن الله يبقيهم ضالين في طغيانهم؛ واعلم أن بين "يَمد" الثلاثي، و"يُمد" الرباعي فرقاً؛ فالغالب أن الرباعي يستعمل في الخير، والثلاثي في الشر؛ قال الله تعالى: {ونمد له من العذاب مداً} [مريم: 79] : وهذا في الشر؛ وقال تعالى: {وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون} [الطور: 22] : وهذا في الخير؛ وهنا قال تعالى: { ويَمدهم }: فهو في الشر..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: ذلّ المنافق؛ فالمنافق ذليل؛ لأنه خائن؛ فهم { إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } خوفاً من المؤمنين؛ و{ إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم } خوفاً منهم؛ فهم أذلاء عند هؤلاء، وهؤلاء؛ لأن كون الإنسان يتخذ من دينه تَقيَّة فهذا دليل على ذله؛ وهذا نوع من النفاق؛ لأنه تستر بما يُظَن أنه خير وهو شر..
.2 ومنها: أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به، أو برسله، أو بشرعه جزاءً وفاقاً؛ واعلم أن ها هنا أربعة أقسام:
قسم هو صفة كمال لكن قد ينتج عنه نقص: هذا لا يسمى الله تعالى به؛ ولكن يوصف الله به، مثل "المتكلم"، و"المريد"؛ فـ"المتكلم"، و"المريد" ليسا من أسماء الله؛ لكن يصح أن يوصف الله بأنه متكلم، ومريد على سبيل الإطلاق؛ ولم تكن من أسمائه؛ لأن الكلام قد يكون بخير، وقد يكون بشر؛ وقد يكون بصدق، وقد يكون بكذب؛ وقد يكون بعدل، وقد يكون بظلم؛ وكذلك الإرادة..
القسم الثاني: ما هو كمال على الإطلاق، ولا ينقسم: فهذا يسمى الله به، مثل: الرحمن، الرحيم، الغفور، السميع، البصير... وما أشبه ذلك؛ وهو متضمن للصفة؛ وليس معنى قولنا: "يسمى الله به" أن نُحْدِث له اسماً بذلك؛ لأن الأسماء توقيفية؛ لكن معناه أن الله سبحانه وتعالى تَسَمَّى به..


القسم الثالث: ما لا يكون كمالاً عند الإطلاق؛ ولكن هو كمال عند التقييد ؛ فهذا لا يجوز أن يوصف به إلا مقيداً، مثل: الخداع، والمكر، والاستهزاء، والكيد. فلا يصح أن تقول: إن الله ماكر على سبيل الإطلاق، ولكن قل: إن الله ماكر بمن يمكر به، وبرسله، ونحو ذلك..
مسألة :-
هل "المنتقم" من جنس الماكر، والمستهزئ؟
الجواب: مسألة "المنتقم" اختلف فيها العلماء؛ منهم من يقول: إن الله لا يوصف به على سبيل الإفراد، وإنما يوصف به إذا اقترن بـ"العفوّ"؛ فيقال: "العفوُّ المنتقم"؛ لأن "المنتقم" على سبيل الإطلاق ليس صفة مدح إلا إذا قُرِن بـ"العفوّ"؛ ومثله أيضاً المُذِل: قالوا: لا يوصف الله سبحانه وتعالى به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن بـ"المُعِز"؛ فيقال: "المعزُّ المُذل"؛ ومثله أيضاً "الضار": قالوا: لا يوصف الله سبحانه وتعالى به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن "النافع"؛ فيقال: "النافع الضار"؛ ويسمون هذه: الأسماء المزدوجة..
ويرى بعض العلماء أنه لا يوصف به على وجه الإطلاق . ولو مقروناً بما يقابله . أي إنك لا تقول: العفوّ المنتقم؛ لأنه لم يرد من أوصاف الله سبحانه وتعالى "المنتقم"؛ وليست صفة كمال بذاتها إلا إذا كانت مقيدة بمن يستحق الانتقام؛ ولهذا يقول عزّ وجلّ: {إنا من المجرمين منتقمون} [السجدة: 22] ، وقال عزّ وجلّ: {والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4] ؛ وهذا هو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ والحديث الذي ورد في سرد أسماء الله الحسنى، وذُكر فيه المنتقم غير صحيح؛ بل هو مدرج؛ لأن هذا الحديث فيه أشياء لم تصح من أسماء الله؛ وحذف منها أشياء هي من أسماء الله . مما يدل على أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم..


القسم الرابع: ما يتضمن النقص على سبيل الإطلاق: فهذا لا يوصف الله سبحانه وتعالى به أبداً، ولا يسمى به، مثل: العاجز؛ الضعيف؛ الأعور.... وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز أن يوصف الله سبحانه وتعالى بصفة عيب مطلقاً..
والاستهزاء هنا في الآية على حقيقته؛ لأن استهزاء الله بهؤلاء المستهزئين دال على كماله، وقوته، وعدم عجزه عن مقابلتهم؛ فهو صفة كمال هنا في مقابل المستهزئين مثل قوله تعالى: {إنهم يكيدون كيداً * وأكيد كيداً} [الطارق: 15، 16] أي أعظمَ منه كيداً؛ فالاستهزاء من الله تعالى حق على حقيقته، ولا يجوز أن يفسر بغير ظاهره؛ فتفسيره بغير ظاهره محرم؛ وكل من فسر شيئاً من القرآن على غير ظاهره بلا دليل صحيح فقد قال على الله ما لم يعلم؛ والقول على الله بلا علم حرام، كما قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] ؛ فكل قول على الله بلا علم في شرعه، أو في فعله، أو في وصفه غير جائز؛ بل نحن نؤمن بأن الله جل وعلا يستهزئ بالمنافقين استهزاءً حقيقياً؛ لكن ليس كاستهزائنا؛ بل أعظم من استهزائنا، وأكبر، وليس كمثله شيء..
وهذه القاعدة يجب أن يسار عليها في كل ما وصف الله به نفسه؛ فكما أنك لا تتجاوز حكم الله فلا تقول لما حرم: "إنه حلال"، فكذلك لا تقول لما وصف به نفسه أن هذا ليس المراد؛ فكل ما وصف الله به نفسه يجب عليك أن تبقيه على ظاهره، لكن تعلم أن ظاهره ليس كالذي ينسب لك؛ فاستهزاء الله ليس كاستهزائنا؛ وقرب الله ليس كقربنا؛ واستواء الله على عرشه ليس كاستوائنا على السرير؛ وهكذا بقية الصفات نجريها على ظاهرها، ولا نقول على الله ما لا نعلم؛ ولكن ننزه ربنا عما نزَّه نفسه عنه من مماثلة المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ..


أما الخيانة فلا يوصف بها الله مطلقاً؛ لأن الخيانة صفة نقص مطلق؛ و"الخيانة" معناها: الخديعة في موضع الائتمان . وهذا نقص؛ ولهذا قال الله عزّ وجلّ: {وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم} [الأنفال: 71] ، ولم يقل: فخانهم؛ لكن لما قال تعالى: {يخادعون الله} [النساء: 142] قال: {وهو خادعهم} [النساء: 142] ؛ لأن الخديعة صفة مدح مقيدة؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحرب خدعة"(1) ، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تخن من خانك"(2) ؛ لأن الخيانة تكون في موضع الائتمان؛ أما الخداع فيكون في موضع ليس فيه ائتمان؛ والخيانة صفة نقص مطلق..
.3 ومن فوائد الآيتين: أن الله سبحانه وتعالى قد يُملي للظالم حتى يستمر في طغيانه..
فيستفاد من هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي تحذير الإنسان الطاغي أن يغتر بنعم الله عزّ وجلّ؛ فهذه النعم قد تكون استدراجاً من الله؛ فالله سبحانه وتعالى يملي، كما قال تعالى: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون }؛ ولو شاء لأخذهم، ولكنه سبحانه وتعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته . كما جاء في الحديث(3) ..
فإن قال قائل: كيف يعرف الفرق بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد؟
فالجواب: أن الإنسان إذا كان مستقيماً على شرع الله فالنعم من باب الجزاء؛ وإذا كان مقيماً على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج..
.4 ومن فوائد الآيتين: أن صاحب الطغيان يعميه هواه، وطغيانه عن معرفة الحق، وقبوله؛ ولهذا قال تعالى: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون }؛ ومن الطغيان أن يُقَدِّم المرء قوله على قول الله ورسوله؛ والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم(الحجرات: 1).
القرآن
)أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (البقرة:16)
التفسير:


.{ 16 } قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى }؛ "أولاء" اسم إشارة؛ والمشار إليهم المنافقون؛ وجاءت الإشارة بصيغة البُعد لبُعد منزلة المنافق سفولاً؛ و{ اشتروا } أي اختاروا؛ و{ الضلالة }: العماية؛ وهي ما ساروا عليه من النفاق؛ و{ بالهدى }: الباء هنا للعوض؛ أخذوا الضلالة، وأعطوا الهدى . مثلما تقول: اشتريت الثوب بدرهم؛ فالهدى المدفوع عوض عن الضلالة المأخوذة، كما أن الدرهم المدفوع عوض عن الثوب المأخوذ..
قوله تعالى: { فما ربحت تجارتهم } أي ما زادت تجارتهم . وهي اشتراؤهم الضلالة بالهدى..
قوله تعالى: { وما كانوا مهتدين } أي ما كانوا متصفين بالاهتداء حينما اشتروا الضلالة بالهدى؛ بل هم خاسرون في تجارتهم ضالون في منهجهم..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: بيان سفه هؤلاء المنافقين، حيث اشتروا الضلالة بالهدى..
.2 ومنها: شغف المنافقين بالضلال؛ لأنه تبارك وتعالى عبر عن سلوكهم الضلال بأنهم اشتروه؛ والمشتري مشغوف بالسلعة محب لها..
.3 ومنها: أن الإنسان قد يظن أنه أحسنَ عملاً وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظناً منهم أنهم على صواب، وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: { فما ربحت تجارتهم }..
.4 ومنها: خسران المنافقين فيما يطمعون فيه بالربح؛ لقوله تعالى: ( فما ربحت تجارتهم )..


.5 ومنها: أن المدار في الربح، والخسران على اتباع الهدى؛ فمن اتبعه فهو الرابح؛ ومن خالفه فهو الخاسر؛ ويدل لذلك قوله تعالى: {والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1 . 3] ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [الصف: 10، 11] : تقف على {خير لكم} ؛ لأن {إن كنتم تعلمون} إذا وصلناها بما قبلها صار الخير معلقاً بكوننا نعلم . وهو خير علمنا أم لم نعلم..
.6 . ومن فوائد الآية: أن هؤلاء لن يهتدوا؛ لقوله تعالى: { وما كانوا مهتدين }؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ ولذلك لا يرجعون؛ وهكذا كل فاسق، أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع؛ فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب . وليس على صواب..
القرآن
)مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) (البقرة:17) )صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (البقرة:18)
التفسير:
.{ 17 } قوله تعالى: { مثلهم } أي وصْفهم، وحالهم { كمثل الذي استوقد ناراً } أي طلب من غيره أن يوقد له ناراً، أو طلب من غيره ما يوقد به النار بنفسه؛ { فلما أضاءت ما حوله } أي أنارت ما حول المستوقد، ولم تذهب بعيداً لضعفها؛ { ذهب الله بنورهم } يعني: وأبقى حرارة النار؛ و "لما" حرف شرط، و{ أضاءت } فعل الشرط؛ و{ ذهب الله } جواب الشرط؛ والمعنى: أنه بمجرد الإضاءة ذهب النور؛ لأن القاعدة أن جواب الشرط يلي المشروط مباشرة..


وفي هذه الآية نجد اختلافاً في الضمائر: { استوقد }: مفرد؛ { حوله }: مفرد؛ { بنورهم }: جمع؛ { تركهم }: جمع؛ { لا يبصرون }: جمع؛ قد يقول قائل: كيف يجوز في أفصح الكلام أن تكون الضمائر مختلفة والمرجع فيها واحد؟ الجواب من وجهين:.
الأول: أن اسم الموصول يفيد العموم؛ وإذا كان يفيد العموم فهو صالح للمفرد، والجمع؛ فتكون الضمائر في { استوقد }، و{ حوله } عادت إلى اسم الموصول باعتبار اللفظ؛ وأما { نورهم }، و{ تركهم }، و{ لا يبصرون } فعادت إلى الموصول باعتبار المعنى..
الوجه الثاني: أن الذي استوقد النار كان مع رفقة، فاستوقد النار له، ولرفقته؛ ولهذا قال تعالى: { أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم... } إلخ..
وعلى الوجه الثاني تكون الآية ممثلة لرؤساء المنافقين مع أتباعهم؛ لأن رأس المنافقين هو الذي استوقد النار، وأراد أن ينفع بها أقرانه، ثم ذهبت الإضاءة، وبقيت الحرارة، والظلمة، وتركهم جميعاً في ظلمات لا يبصرون..
قوله تعالى: { وتركهم في ظلمات }: جمعها لتضمنها ظلمات عديدة؛ أولها: ظلمة الليل؛ لأن استيقاد النار للإضاءة لا يكون إلا في الليل؛ لأنك إذا استوقدت ناراً بالنهار فإنها لا تضيء؛ و الثانية: ظلمة الجو إذا كان غائماً؛ و الثالثة: الظلمة التي تحدث بعد فقد النور؛ فإنها تكون أشد من الظلمة الدائمة؛ و{ لا يبصرون } تأكيد من حيث المعنى لقوله تعالى: { في ظلمات } دال على شدة الظلمة..


.{ 18 } قوله تعالى في وصفهم: { صم } خبر لمبتدأ محذوف . أي هم صم؛ و{ صم } جمع أصم؛ و"الأصم" الذي لا يسمع، لكنه هنا ليس على سبيل الإطلاق؛ بل أريد به شيء معين: أي هم صم عن الحق، فلا يسمعون؛ والمراد نفي السمع المعنوي . وهو السمع النافع؛ لا الحسي . وهو الإدراك؛ لأن كلهم يسمعون القرآن، ويفهمون معناه، لكن لما كانوا لا ينتفعون به صاروا كالصم الذين لا يسمعون؛ وذلك مثل قول الله تعالى: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون}(الأنفال: 21).
قوله تعالى: { بُكْمٌ } جمع أبكم؛ وهو الذي لا ينطق؛ والمراد أنهم لا ينطقون بالحق؛ وإنما ينطقون بالباطل؛ و{ عُمْيٌ } جمع أعمى؛ والمراد أنهم لا ينتفعون بما يشاهدونه من الآية التي تظهر على أيدي الرسل . عليهم الصلاة والسلام..
فبهذا سُدت طرق الحق أمامهم؛ لأن الحق إما مسموع؛ وإما مشهود؛ وإما معقول؛ فهم لا يسمعون، ولا يشهدون؛ كذلك أيضاً لا يؤخذ منهم حق؛ لأنهم لا ينطقون بالحق؛ لأنهم بُكم؛ فهم لا ينتفعون بالحق من غيرهم، ولا ينفعون غيرهم بحق..
قوله تعالى: { فهم لا يرجعون }: الفاء هذه عاطفة، لكنها تفيد السببية . أي بسبب هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عن غيِّهم؛ فلا ينتفعون بسماع الحق، ولا بمشاهدته، ولا ينطقون به..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: بلاغة القرآن، حيث يضرب للمعقولات أمثالاً محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقول؛ لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيداً، كما قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] ..
.2 ومنها: ثبوت القياس، وأنه دليل يؤخذ به؛ لأن الله أراد منا أن نقيس حالهم على حال من يستوقد؛ وكل مثل في القرآن فهو دليل على ثبوت القياس..


.3 ومنها: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله تعالى: { كمثل الذي استوقد ناراً }؛ فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى، والعلم، والنور؛ فإذا وصل إلى قلوبهم . بمجرد ما يصل إليها . يتضاءل، ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب، وأعمام، وأخوال، وأقارب؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقاً، فيتكلم له بإيمان حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول..
.4 ومن فوائد الآيتين: أن الإيمان نور له تأثير حتى في قلب المنافق؛ لقوله تعالى: {فلما أضاءت ما حوله}: الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم؛ ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر؛ ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين . وهي أوسع ما تحدَّث الله به عن المنافقين: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم} [المنافقون: 3] ..
.5 ومنها: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلت الظلمة الشديدة؛ بل الظلمات..
.6 ومنها: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم: { ذهب الله بنورهم }، كأنه أخذه قهراً..
فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟
فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عزّ وجلّ بسببهم؛ وتذكَّر دائماً قول الله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] . حتى يتبين لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فإنما ذلك بسبب منه
.7 ومن فوائد الآيتين: تخلي الله عن المنافقين؛ لقوله تعالى: [ وتركهم]
ويتفرع على ذلك: أن من تخلى الله عنه فهو هالك . ليس عنده نور، ولا هدًى، ولا صلاح؛ لقوله تعالى: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون )
.8 ومن فوائد الآيتين: أن هؤلاء المنافقين أصم الله تعالى آذانهم، فلا يسمعون الحق؛ ولو سمعوا ما انتفعوا؛ ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} (الأنفال: 21)
.9 ومنها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق . كالأبكم..


.10 ومنها: أنهم لا يبصرون الحق . كالأعمى..
.11 ومنها: أنهم لا يرجعون عن غيِّهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحاباً للمؤمنين، وأصحاباً للكافرين: هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن؛ ومن استحسن شيئاً فإنه لا يكاد أن يرجع عنه..

القرآن
)أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) (البقرة:19) )يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:20)
التفسير:
.{ 19 } قوله تعالى: { أو كصيِّب من السماء }؛ { أو } هنا للتنويع؛ لأن المثل الثاني نوع آخر؛ والكاف اسم بمعنى "مِثل"؛ فالمعنى: أو مِثل صيب؛ ويجوز أن نقول: إن الكاف حرف تشبيه، والتقدير: أو مَثلهم كصيب؛ و "الصيِّب" المطر النازل من السماء؛ والمراد بـ{ السماء } هنا العلو..
قوله تعالى: { فيه ظلمات } أي معه ظلمات؛ لأن الظلمات تكون مصاحبة له؛ وهذه الظلمات ثلاث: ظلمة الليل؛ وظلمة السحاب؛ وظلمة المطر؛ والدليل على أنها ظلمة الليل قوله تعالى بعد ذلك: { يكاد البرق يخطف أبصارهم }، وقوله تعالى: { كلما أضاء لهم مشوا فيه }: وهذا لا يكون إلا في الليل؛ و الثاني: ظلمة السحاب؛ لأن السحاب الكثير يتراكم بعضه على بعض، فيَحدُث من ذلك ظلمةٌ فوق ظلمة؛ و الثالث: ظلمة المطر النازل ؛ لأن المطر النازل له كثافة تُحدِث ظلمةً؛ هذه ثلاث ظلمات؛ وربما تكون أكثر، كما لو كان في الجو غبار..
قوله تعالى: { ورعد وبرق }؛ "الرعد" هو الصوت الذي نسمعه من السحاب؛ أما "البرق" فهو النور الذي يلمع في السحاب..


فهؤلاء عندهم ظلمات في قلوبهم . فهي مملوءة ظلمة من الأصل؛ أصابها صيب . وهو القرآن . فيه رعد؛ والرعد هو وعيد القرآن؛ إلا أنه بالنسبة لهؤلاء المنافقين وخوفهم منه كأنه رعد شديد؛ وفيه برق . وهو وعد القرآن؛ إلا أنه بالنسبة لما فيه من نور، وهدى يكون كالبرق؛ لأن البرق ينير الأرض..
قوله تعالى: { يجعلون أصابعهم في آذانهم }؛ الضمير في { يجعلون } يعود على أصحاب الصيب؛ ففيها حذف المضاف؛ والتقدير: أصحاب الصيب؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأنه ليس المشبه به هنا هو الصيب؛ وإنما المشبه به الذين أصابهم الصيب؛ و "أصابع" جمع أصبع، وفيه عشر لغات أشار إليها في قوله:.
وهمزَ أنملةٍ ثلِّث وثالثَه التسعُ في إصبعٍ واختم بأصبوع هذا وقد قيل: إن في الآية مجازاً من وجهين؛ الأول: أن الأصابع ليست كلها تجعل في الأذن؛ و الثاني: أنه ليس كل الأصبع يدخل في الأذن؛ والتحقيق: أنه ليس في الآية مجاز؛ أما الأول: فلأن "أصابع" جمع عائد على قوله تعالى: { يجعلون }، فيكون من باب توزيع الجمع على الجمع . أي يجعل كل واحد منهم أصبعه في أذنه؛ وأما الثاني: فلأن المخاطَب لا يمكن أن يفهم من جعْل الأصبع في الأذن أن جميع الأصبع تدخل في الأذن؛ وإذا كان لا يمكن ذلك امتنع أن تحمل الحقيقة على إدخال جميع الأصبع؛ بل الحقيقة أن ذلك إدخال بعض الأصبع؛ وحينئذ لا مجاز في الآية؛ على أن القول الراجح أنه لا مجاز في القرآن أصلاً؛ لأن معاني الآية تدرك بالسياق؛ وحقيقة الكلام: ما دلّ عليه السياق . وإن استعملت الكلمات في غير أصلها؛ وبحث ذلك مذكور في كتب البلاغة، وأصول الفقه، وأكبر دليل على امتناع المجاز في القرآن: أن من علامات المجاز صحة نفيه، وتبادر غيره لولا القرينة؛ وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ وإذا وجدت القرينة صار الكلام بها حقيقة في المراد به..


قوله تعالى: { من الصواعق }؛ { من } سببية . أي يجعلونها بسبب الصواعق؛ و{ الصواعق } جمع صاعقة؛ وهي ما تَصعَق . أي تُهلك . مَنْ أصابته؛ هذه الصواعق معروفة بآثارها؛ فهي نار تنطلق من البرق؛ فإذا أصابت أحداً، أو شيئاً أحرقته؛ وغالباً تسقط على النخيل، وتحرقها؛ وترى فيها النار، والدخان؛ وأحياناً تسقط على المنازل وتهدمها؛ لأنها كتلة نارية تنطلق بشدة لها هواء تدفعه أمامها..
فيجعلون أصابعهم في آذانهم من هذه الصواعق لئلا يموتوا؛ ولكنهم لا ينجون منها بهذا الفعل؛ إلا أنهم كالنعامة إذا رأت الصياد أدخلت رأسها في الرمل لئلا تراه؛ وتظن أنها إذا لم تره تنجو منه! وكذلك الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا؛ إذا أراد الله تعالى أن يصيبهم أصابهم؛ ولهذا قال تعالى: { والله محيط بالكافرين }، فلن ينفعهم الحذر..
.{ 20 } ولما بَيَّن الله شدة الصوت، وأنهم لفرارهم منه، وعدم تحملهم إياه يجعلون أصابعهم في آذانهم بَيَّن شدة الضوء عليهم، فقال تعالى: { يكاد البرق يخطف أبصارهم } أي يقرب أن يخطف أبصارهم . أي يأخذها بسرعة، فتعمى؛ وذلك لقوته، وضعف أبصارهم..
قوله تعالى: { كلما أضاء لهم مشوا فيه }؛ فكأنهم ينتهزون فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين؛ كلما أضاء لهم . ولو شيئاً يسيراً . مشوا فيه..
قوله تعالى: { وإذا أظلم عليهم } أي أصابهم بظلمة؛ وذلك أن الضوء إذا انطفأ بسرعة اشتدت الظلمة بعده؛ { قاموا } أي وقفوا..
قوله تعالى: { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } دون أن تحدث الصواعق، ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله على كل شيء قدير؛ فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب: فيذهب السمع بدون صواعق، والبصر بدون برق؛ { إن الله على كل شيء قدير }..


هذا المثل ينطبق على منافقين لم يؤمنوا أصلاً؛ بل كانوا كافرين من قبل، كاليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج، والأوس؛ ومنهم يهود من بني إسرائيل؛ فاليهود لم يذوقوا طعم الإيمان أبداً؛ لأنهم كفار من الأصل؛ لكن أظهروا الإسلام خوفاً من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعزه الله في بدر؛ فهؤلاء ليسوا على هدًى . كالأولين؛ الأولون استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم . والعياذ بالله . انتكسوا؛ لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات؛ فيكون هذا المثل غير المثل الأول؛ بل هو لقوم آخرين؛ والمنافقون أصناف بلا شك..
و "الصواعق" عبارة عما في القرآن من الإنذار، والخوف؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى عنهم في آية أخرى: {يحسبون كل صيحة عليهم} [المنافقون: 4] ؛ و "البرق" نور الإسلام، لكنه ليس نوراً يستمر؛ نور البرق ينقطع في لحظة؛ وميض؛ فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلاً، ولا فكروا في ذلك؛ وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط؛ وبعد ذلك يقفون؛ كذلك أيضاً يكاد البرق يخطف أبصارهم؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل لكبريائهم، وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته، ومقابلته..
فالظاهر أن القول الراجح أن هذين مثلان يتنَزلان على صنفين من المنافقين..
فإن قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟


فالجواب: نقول: نعم؛ قال الله تعالى: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} [المنافقون: 3] ؛ وهذا يدل على أنهم آمنوا أولاً، ثم كفروا ثانياً؛ لأن الإيمان لم يستقر في قلوبهم، ولم تستنر به؛ وإنما هو وميض ضوء ما لبث أن طفئ؛ وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولاً حقيقياً فإنه لن يخرج منه بإذن الله؛ ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين يدخلون في الإسلام: "فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فيه؛ فقال: لا؛ فقال: وَكَذَلِكَ الْإِيْمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلوبَ"(1) ؛ لكن الإيمان الهش - الذي لم يتمكن من القلب - هو الذي يُخشى على صاحبه..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: { والله محيط بالكافرين }..
.2 ومنها: أن البرق الشديد يخطف البصر؛ ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره..
.3 ومنها: أن من طبيعة الإنسان اجتناب ما يهلكه؛ لقوله تعالى:(وإذا أظلم عليهم قاموا)
.4 ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم )
.5 ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عزّ وجلّ أن يمتعه بسمعه، وبصره؛ لقوله تعالى: { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم }؛ وفي الدعاء المأثور: "متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا"(1) ..
.6 ومنها: أن من أسماء الله أنه قدير على كل شيء..
.7 ومنها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهو جلّ وعلا قادر على إيجاد المعدوم، وإعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد، والفاسد إلى صالح، وغير ذلك..

القرآن
)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21)
التفسير:


.{ 21 } يا أيها الناس }: النداء هنا وجِّه لعموم الناس مع أن السورة مدنية؛ والغالب في السور المدنية أن النداء فيها يكون موجهاً للمؤمنين . والله أعلم بما أراد في كتابه؛ ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جعلت في السورة المدنية؟
فالجواب: أن الأصل عدم ذلك - أي عدم إدخال الآية المكية في السور المدنية، أو العكس؛ ولا يجوز العدول عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح؛ وعلى هذا فما نراه في عناوين بعض السور أنها مدنية إلا آية كذا، أو مكية إلا آية كذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح صريح؛ وإلا فالأصل أن السورة المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية إلا بدليل ثابت..
قوله تعالى: { اعبدوا ربكم } أي تذللوا له بالطاعة؛ وذلك بفعل الأوامر، واجتناب النواهي ذلاً تاماً ناشئاً عن المحبة، والتعظيم؛ و "الرب" هو الخالق المالك المدبر لشؤون خلقه؛ { الذي خلقكم } أي أوجدكم من العدم؛ { والذين من قبلكم } معطوف على الكاف في قوله تعالى: { خلقكم } . يعني وخلق الذين من قبلكم؛ والمراد بـ "من قبلنا" : سائر الأمم الماضية..
وقوله تعالى: { الذي خلقكم } صفة كاشفة تبين بعض معنى الربوبية؛ وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق، والثاني غير خالق؛ بل ربنا هو الخالق..
قوله تعالى: { لعلكم تتقون }؛ "لعل" هنا للتعليل . أي لتصلوا إلى التقوى؛ ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله عزّ وجلّ في الجنة: {أعدت للمتقين} [آل عمران: 133] ، وقال تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] ، وقال تعالى: {واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة: 194] ..
الفوائد:


.1 من فوائد الآية: العناية بالعبادة؛ يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء؛ و الوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس مما يدل على أن العبادة أهم شيء؛ بل إنّ الناس ما خُلقوا إلا للعبادة، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 56)
.2 ومنها: أن الإقرار بتوحيد الربوبية مستلزم للإقرار بتوحيد الألوهية؛ لقوله تعالى: { اعبدوا ربكم }..
.3 ومنها: وجوب عبادة الله عزّ وجلّ وحده . وهي التي خُلق لها الجن، والإنس؛ و"العبادة" تطلق على معنيين؛ أحدهما: التعبد . وهو فعل العابد؛ و الثاني: المتعبَّد به . وهي كل قول، أو فعل ظاهر، أو باطن يقرب إلى الله عزّ وجلّ..
.4 ومنها: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله تعالى: { اعبدوا ربكم }؛ فإن الرب عزّ وجلّ يستحق أن يُعبد وحده، ولا يعبد غيره؛ والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم ضراء، وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى الله، كما قال تعالى: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} [لقمان: 32] ؛ لأن فطرهم تحملهم على ذلك ولابد..
.5 . ومن فوائد الآية: إثبات أن الله عزّ وجلّ هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: ( الذي خلقكم والذين من قبلكم )
.6 ومنها: أن من طريق القرآن أنه إذا ذَكر الحكم غالباً ذَكر العلة؛ الحكم: { اعبدوا ربكم }؛ والعلة: كونه رباً خالقاً لنا، ولمن قبلنا..
.7 ومنها: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: (لعلكم تتقون )..


.8 وربما يستفاد التحذير من البدع؛ وذلك؛ لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعباد؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الوحي والشرع: كيف نتوضأ، كيف نصلي... يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام للصلاة يقرأ، ثم يركع، ثم يسجد... إلخ، إلا بعد الوحي..
.9 ومنها: الحث على طلب العلم؛ إذ لا تمكن العبادة إلا بالعلم؛ ولهذا ترجم البخاري . رحمه الله . على هذه المسألة بقوله: "باب: العلم قبل القول، والعمل ..
القرآن
)الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:22)
التفسير:
.{ 22 } قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض فراشاً... } هذا من باب تعديد أنواع من مخلوقاته عزّ وجلّ؛ جعل الله لنا الأرض فراشاً مُوَطَّأة يستقر الإنسان عليها استقراراً كاملاً مهيأة له يستريح فيها . ليست نشَزاً؛ وليست مؤلمة عند النوم عليها، أو عند السكون عليها، أو ما أشبه ذلك؛ والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة: وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبأنها مهاد..
قوله تعالى: { والسماء بناءً } . كما قال تعالى: {وبنينا فوقكم سبعاً شداداً} [النبأ: 12] : السماء جعلها الله بمنزلة البناء، وبمنزلة السقف، كما قال تعالى: {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً}(الأنبياء: 32)


قوله تعالى: { وأنزل من السماء ماءً }: ليست هي السماء الأولى؛ بل المراد بـ{ السماء } هنا العلو؛ لأن الماء . الذي هو المطر . ينزل من السحاب، والسحاب بين السماء، والأرض، كما قال الله تعالى: {ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله} [النور: 43] ، وقال تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار....} [البقرة: 164] إلى قوله تعالى: {والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] ؛ وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا؛ والمعنى الثاني: العلو..
قوله تعالى: { فأخرج به } أي بسببه؛ { من الثمرات } جمع ثمرة؛ وجمعت باعتبار أنواعها..
قوله تعالى: { رزقاً لكم } أي عطاء لكم؛ وهو مفعول لأجله..
قوله تعالى: { فلا تجعلوا } أي لا تُصَيِّروا { لله أنداداً } أي نظراء، ومشابهين في العبادة { وأنتم تعلمون } أنه لا نِد له في الخلق، والرزق، وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من معاني الربوبية، ومقتضياتها؛ لأن المشركين يقرُّون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله إقراراً تاماً، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا؛ لكن في العبادة ينكرون التوحيد: يشركون؛ يجعلون مع الله إلهاً آخر؛ وينكرون على من وحّد الله حتى قالوا في الرسول صلى الله عليه وسلم {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] ؛ وإقرارهم بالخلق، والرزق أن الله منفرد به يستلزم أن يجعلوا العبادة لله وحده؛ فإن لم يفعلوا فهم متناقضون؛ ولهذا قال العلماء . رحمهم الله .: توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛ يعني من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية؛ ومن أقر بتوحيد الألوهية فإنه لم يقرَّ بها حتى كان قد أقر بتوحيد الربوبية..
الفوائد:


.1 من فوائد الآية: بيان رحمة الله تعالى، وحكمته في جعل الأرض فراشاً؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال؛ لكن من رحمته، ولطفه، وإحسانه جعلها فراشاً..
.2 ومنها: جعْل السماء بناءً؛ وفائدتنا من جعل السماء بناءً أن نعلم بذلك قدرة الله عزّ وجلّ؛ لأن هذه السماء المحيطة بالأرض من كل الجوانب نعلم أنها كبيرة جداً، وواسعة، كما قال تعالى: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} (الذاريات: 47).
.3 ومنها: بيان قدرة الله عزّ وجلّ بإنزال المطر من السماء؛ لقوله تعالى: { وأنزل من السماء ماء }؛ لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا؛ والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة؛ وقصة الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قال: ادع الله يغيثنا، فرفع (صلى الله عليه وسلم يديه، وقال: "اللهم أغثنا"(1) ، وما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته..
.4 ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى، ورحمته بإنزال المطر من السماء؛ وجه ذلك: لو كان الماء الذي تحيى به الأرض يجري على الأرض لأضر الناس؛ ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراضٍ كثيرة . الأراضي المرتفعة لا يأتيها شيء؛ ولكن من نعمة الله أن ينزل من السماء؛ ثم هناك شيء آخر أيضاً: أنه ينزل رذاذاً . يعني قطرةً قطرةً؛ ولو نزل كأفواه القرب لأضر بالناس..
.5 ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: ( فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم )..
.6 ومنها: أن الأسباب لا تكون مؤثرة إلا بإرادة الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: ( فأخرج به )..


.7 ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يضيف الشيء إلى سببه أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب، مثل لو أن أحداً من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه . أنقذه من الغرق؛ فليقل: أنقذني الله بفلان؛ وله أن يقول: أنقذني فلان؛ لأنه فعلاً أنقذه؛ وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان؛ وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله؛ ويدل لهذا . أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله مقروناً بالسبب . أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا الغلام اليهودي للإسلام وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم، فأسلم؛ لكنه أسلم بعد أن استشار أباه: التفت إليه ينظر إليه يستشيره؛ قال: "أطع أبا القاسم" . أمر ولده أن يسلم، وهو لم يسلم في تلك الحال، أما بعد فلا ندري، والله أعلم؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار"(1) ، وهكذا ينبغي لنا إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى مقروناً ببيان السبب؛ وذلك؛ لأن السبب موصل فقط..
.8 . ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر: تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله عزّ وجلّ، كما قال تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءاً فتصبح الأرض مخضرَّة} [الحج: 63] ؛ وأما الفضل فبما يمن الله به من الثمرات؛ ولذلك قال تعالى: { رزقاً لكم }..
.9 ومنها: أن الله عزّ وجلّ منعم على الإنسان كافراً كان، أو مؤمناً؛ لقوله تعالى: { لكم }، وهو يخاطب في الأول الناس عموماً؛ لكن فضل الله على المؤمن دائم متصل بفضل الآخرة؛ وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا..


.10 ومنها: تحريم اتخاذ الأنداد لله؛ لقوله تعالى: { فلا تجعلوا لله أنداداً }؛ وهل الأنداد شرك أكبر، أو شرك أصغر؛ وهل هي شرك جلي، أو شرك خفي؛ هذا له تفصيل في علم التوحيد؛ خلاصته: إن اتخذ الأنداد في العبادة، أو جعلها شريكة لله في الخلق، والملك، والتدبير فهو شرك أكبر؛ وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، كقول الرجل لصاحبه: "ما شاء الله وشئت"..
.11 . ومن فوائد الآية: أنه ينبغي لمن خاطب أحداً أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة؛ لقوله تعالى: { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون }، ولقوله تعالى في صدر الآية الأولى: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21] ؛ فإن قوله تعالى: {الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21] فيه إقامة الحجة على وجوب عبادته وحده؛ لأنه الخالق وحده..

القرآن
)وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:23)
التفسير:
.{ 23 } قوله تعالى: { وإن كنتم... }: الخطاب لمن جعل لله أنداداً؛ لأنه تعالى قال: ( فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون * وإن كنتم في ريب )


وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إشارة إلى كلمتي التوحيد؛ وهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ لكن شهادة أن لا إله إلا الله: توحيد القصد؛ والثاني: توحيد المتابعة؛ فكلاهما توحيد؛ لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصاً لله؛ والثاني توحيد المتابعة بأن لا يتابع في عبادته سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا تأملت القرآن وجدت هكذا: يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة؛ ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {أفلم يدَّبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} [المؤمنون: 68] ، ثم قال تعالى: {أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون} [المؤمنون: 69] ؛ وهذا مطَّرد في القرآن الكريم..
قوله تعالى: { في ريب }: "الريب" يفسره كثير من الناس بالشك؛ ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن "الريب" يُشعر بقلق مع الشك، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك؛ وذلك؛ لأن ما جاء به الرسول حق؛ والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به؛ بخلاف الشك في الأمور الهينة، فلا يقال: "ريب"؛ وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقاً، واضطراباً..


قوله تعالى: { مما نزَّلنا }: المراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم { على عبدنا }: هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والله . تبارك وتعالى . وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية في المقامات العالية: في الدفاع عنه؛ وفي بيان تكريمه بالمعراج، والإسراء؛ وفي بيان تكريمه بإنزال القرآن، كما قال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1] ، وقال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} [الإسراء: 1] ، وقال تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 10] ، وقال تعالى: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا }: هذا في مقام التحدي، والمدافعة؛ وأفضل أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم هي العبودية، والرسالة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله، ورسوله"(1) ؛ و "العبودية" : هي التذلل للمحبوب، والمعظم؛ ولهذا قال الشاعر في محبوبته:.
لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي يعني: لا تقل: فلان، وفلان؛ بل قل: يا عبد فلانة؛ لأن هذا عنده أشرف أوصافه، حيث انتمى إليها . نعوذ بالله من الخذلان..
قوله تعالى: { فأتوا بسورة }: أمر يقصد به التحدي . يعني: إذا كنتم في شك من هذا القرآن فإننا نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة؛ { من مثله }: يحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ والمعنى: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون عائداً إلى القرآن المنزل؛ والمعنى: من مثل ما نزلنا على عبدنا . أي من جنسه؛ وكلاهما صحيح..
قوله تعالى: { وادعوا شهداءكم } أي الذين تشهدون لهم بالألوهية، وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم في الإتيان بمثله؛ وهذا غاية ما يكون من التحدي: أن يتحدى العابدَ والمعبودَ أن يأتوا بسورة مثله.


قوله تعالى: { من دون الله } أي مما سوى الله؛ { إن كنتم صادقين } أي في أن هذا القرآن مفترًى على الله؛ والجواب على هذا: أنه لا يمكن أن يأتوا بسورة مثله مهما أتوا من المعاونين، والمساعدين..

الفوائد:
.1 من فوائد الآية: دفاع الله سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: { فأتوا بسورة من مثله }؛ لأن الأمر هنا للتحدي؛ فالله عزّ وجلّ يتحدى هؤلاء بأن يأتوا بمعارضِ لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم..
.2 ومنها: فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لوصفه بالعبودية؛ والعبودية لله عزّ وجلّ هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره؛ فإذا لم يعبد الله عزّ وجلّ . الذي هو مستحق للعبادة . عَبَدَ الشيطان، كما قال ابن القيم . رحمه الله . في النونية:.
هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان 3. ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: { مما نزلنا }؛ ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام؛ والكلام صفة للمتكلم، وليس شيئاً بائناً منه؛ وبهذا نعرف بطلان قول من زعم أن القرآن مخلوق..
.4 ومنها: إثبات علوّ الله عزّ وجلّ؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه، وأنه منزل من عنده لزم من ذلك علوّ المتكلم به؛ وعلو الله عزّ وجلّ ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ وتفاصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ ولولا خوض أهل البدعة في ذلك ما احتيج إلى كبير عناء في إثباته؛ لأنه أمر فطري؛ ولكن علماء أهل السنة يضطرون إلى مثل هذا لدحض حجج أهل البدع..
.5 ومن فوائد الآية: أن القرآن معجز حتى بسورة . ولو كانت قصيرة؛ لقوله تعالى: { فأتوا بسورة من مثله)..
.6 ومنها: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم؛ وهذا أشد ذلًّا مما لو تُحدوا وحدهم..

القرآن


)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة:24)
التفسير:
.{ 24 } قوله تعالى: { فإن لم تفعلوا } يعني فإن لم تأتوا بسورة من مثله..
ولما قال تعالى: { فإن لم تفعلوا } . وهي شرطية . قطع أطماعهم بقوله: { ولن تفعلوا } يعني: ولا يمكنكم أن تفعلوا؛ و{ لن } هنا للتأبيد؛ لأن المقام مقام تحدٍّ..
قوله تعالى: { فاتقوا النار }: الفاء هنا واقعة في جواب الشرط . وهو { إن لم تفعلوا } يعني: إن لم تفعلوا، وتعارضوا القرآن بمثله فالنار مثواكم؛ فاتقوا النار . ولن يجدوا ما يتقون به النار إلا أن يؤمنوا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم
قوله تعالى: { التي وقودها الناس والحجارة }؛ { التي } اسم موصول صفة لـ{ النار }؛ و{ وقود } مبتدأ؛ و{ الناس } خبر المبتدأ؛ والجملة: صلة الموصول؛ و "الوقود" ما يوقد به الشيء، كالحطب . مثلاً . في نار الدنيا؛ في الآخرة وقود النار هم الناس، والحجارة؛ فالنار تحرقهم، وتلتهب بهم؛ و{ الحجارة }: قال بعض العلماء: إن المراد بها الحجارة المعبودة . يعني الأصنام؛ لأنهم يعبدون الأصنام؛ فأصنامهم هذه تكون معهم في النار، كما قال تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98]؛ وقيل: هذا، وهذا . الحجارة المعبودة، والحجارة الموقودة التي خلقها عزّ وجلّ لتوقد بها النار..
قوله تعالى: { أعدت }: الضمير المستتر يعود على النار؛ والمعِدُّ لها هو الله عزّ وجلّ؛ ومعنى "الإعداد" التهيئة للشيء؛ { للكافرين } أي لكل كافر سواء كفر بالرسالة، أو كفر بالألوهية، أو بغير ذلك..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن من عارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله تعالى: ( فاتقوا النار)


.2 ومنها: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب؛ فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضاً توقد بهم؛ فيجتمع العذاب عليهم من وجهين..
.3 ومنها: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم، وطرحها في النار . على أحد الاحتمالين في قوله تعالى:
{ الحجارة }؛ لأن من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده، ولا يريد أن يصيبه أذًى؛ فإذا أحرق هؤلاء المعبودون أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم، وخزيهم..
.4 ومنها: أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: { أعدت }؛ ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض؛ والماضي يدل على وجود الشيء؛ وهذا أمر دلت عليه السنة أيضاً؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم عُرضت عليه الجنة، والنار، ورأى أهلها يعذبون فيها: رأى عمرو بن لحيّ الخزاعي يجر قصبه . أي أمعاءه . في النار؛ ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعاً: فلم تكن أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض؛ ورأى فيها صاحب المحجن . الذي كان يسرق الحُجَّاج بمحجنه . يعذب: وهو رجل معه محجن . أي عصا محنية الرأس . كان يسرق الحُجاج بهذا المحجن؛ إذا مر به الحجاج جذب متاعهم؛ فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ وإن لم يتفطن أخذه؛ فكان يعذب . والعياذ بالله . بمحجنه في نار جهنم(1) ..
مسألة:


هل النار باقية؛ أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى، ولا تفنى؛ وذكر بعضهم خلافاً عن بعض السلف أنها تفنى؛ والصواب أنها تبقى أبد الآبدين؛ والدليل على هذا من كتاب الله عزّ وجلّ في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ فأما الآية التي في النساء فهي قوله تعالى: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً} [النساء: 168، 169] ؛ والتي في سورة الأحزاب قوله تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً} [الأحزاب: 64، 65] ؛ والتي في سورة الجن قوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً } [الجن: 23] ؛ وليس بعد كلام الله كلام؛ حتى إني أذكر تعليقاً لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله على كتاب "شفاء العليل" لابن القيم؛ ذكر أن هذا من باب: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة" . وهو صحيح؛ كيف إن المؤلف رحمه الله يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟! غريب على ابن القيم رحمه الله أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى! وعلى كل حال، كما قال شيخنا في هذه المسألة: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة"؛ والصواب الذي لا شك فيه . وهو عندي مقطوع به . أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان يخلد فيها تخليداً أبدياً لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبدياً لابد أن تكون الدار أيضاً أبدية..


وأما قوله تعالى في أصحاب النار: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} [هود: 107] فهي كقوله تعالى في أصحاب الجنة: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} [هود: 108] لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم، وثوابهم فضلاً ومنَّة، بيَّن أن هذا الفضل غير منقطع، فقال تعالى: {عطاءً غير مجذوذ} [هود: 108] ؛ ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل، والسلطان المطلق للرب عزّ وجلّ قال تعالى في آخر الآية: {إن ربك فعال لما يريد} [هود: 107] ؛ وليس المعنى: {إن ربك فعال لما يريد} [هود: 107] أنه سوف يخرجه من النار، أو سوف يُفني النار..
.5 ومن فوائد الآية: أن النار دار للكافرين؛ لقوله تعالى: { أعدت للكافرين }؛ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها؛ فهم فيها كالزوار؛ لا بد أن يَخرجوا منها؛ فلا تسمى النار داراً لهم؛ بل هي دار للكافر فقط؛ أما المؤمن العاصي . إذا لم يعف الله عنه . فإنه يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما بشفاعة؛ أو بمنة من الله وفضل؛ أو بانتهاء العقوبة..
مسألة:
إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟..
الجواب: أنه معجز بجميع وجوه الإعجاز؛ لأنه كلام الله، وفيه من وجوه الإعجاز ما لا يدرك؛ فمن ذلك:.
أولاً: قوة الأسلوب، وجماله؛ والبلاغة، والفصاحة؛ وعدم الملل في قراءته؛ فالإنسان يقرأ القرآن صباحاً، ومساءً . وربما يختمه في اليومين، والثلاثة . ولا يمله إطلاقاً؛ لكن لو كرر متناً من المتون كما يكرر القرآن ملّ..
ثانياً: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى..
ثالثاً: صدق أخباره بحيث يشهد لها الواقع؛ وكمال أحكامه التي تتضمن مصالح الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً } (الأنعام: 115)


رابعاً: تأثيره على القلوب، والمناهج؛ وآثاره، حيث ملك به السلف الصالح مشارق الأرض، ومغاربها..
وأما كيفية الإعجاز فهي تحدي الجن، والإنس على أن يأتوا بمثله، ولم يستطيعوا..
مسألة:.ثانية:.
حكى الله عزّ وجلّ عن الأنبياء، والرسل، ومن عاندهم أقوالاً؛ وهذه الحكاية تحكي قول من حُكيت عنه؛ فهل يكون قول هؤلاء معجزاً . يعني مثلاً: فرعون قال لموسى: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء: 29] : هذا يحكيه الله عزّ وجلّ عن فرعون؛ فيكون القول قول فرعون؛ فكيف كان قول فرعون معجزاً والإعجاز إنما هو قول الله عزّ وجلّ؟
فالجواب: أن الله تعالى لم يحك كلامهم بلفظه؛ بل معناه؛ فصار المقروء في القرآن كلام الله عزّ وجلّ . وهو معجز..
القرآن
)وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:25)
التفسير:
.{ 25 } مناسبة الآية لما قبلها أن الله لما ذكر وعيد الكافرين المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم ذكر وعد المؤمنين به، فقال تعالى: { وبشر... } الآية؛ و "البشارة" هي الإخبار بما يسر؛ وسميت بذلك لتغير بَشَرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يُسِرُّه استنار وجهه، وطابت نفسه، وانشرح صدره؛ وقد تستعمل "البشارة" في الإخبار بما يسوء، كقوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21] : إمَّا تهكماً بهم؛ وإما لأنهم يحصل لهم من الإخبار بهذا ما تتغير به بشرتهم، وتَسودَّ به وجوههم، وتُظلِم، كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 48، 49] ..


والخطاب في قوله تعالى: { بشِّر } إما للرسول صلى الله عليه وسلم؛ أو لكل من يتوجه إليه الخطاب . يعني بشِّر أيها النبي؛ أو بشِّر أيها المخاطَب من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات..
قوله تعالى: { الذين آمنوا } أي بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به، ورسوله؛ وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أصول الإيمان بأنها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها؛ بل لا بد من قبول، وإذعان؛ وإلا لما صح الإيمان..
قوله تعالى: { وعملوا الصالحات } أي عملوا الأعمال الصالحات . وهي الصادرة عن محبة، وتعظيم لله عزّ وجلّ المتضمنة للإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله؛ فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"(1) ؛ وما لم يكن على الاتِّباع فهو مردود لا يقبل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد(2)" ..
قوله تعالى: { أن لهم جنات }: هذا المبشر به: أن لهم عند الله عزّ وجلّ { جنات... }: جمع "جنَّة"؛ وهي في اللغة: البستان كثير الأشجار بحيث تغطي الأشجار أرضه، فتجتن بها؛ والمراد بها شرعاً: الدار التي أعدها الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر..
قوله تعالى: { تجري من تحتها الأنهار } أي تسيح من تحتها الأنهار؛ و{ الأنهار } فاعل { تجري }؛ و{ من تحتها } قال العلماء: من تحت أشجارها، وقصورها؛ وليس من تحت سطحها؛ لأن جريانها من تحت سطحها لا فائدة منه؛ وما أحسن جري هذه الأنهار إذا كانت من تحت الأشجار، والقصور! يجد الإنسان فيها لذة في المنظر قبل أن يتناولها..


وقد بيّن الله تعالى أنها أربعة أنواع، كما قال تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفَّى} (محمد: 15) .
قوله تعالى: { كلما رزقوا } أي أعطوا؛ { منها} أي من الجنات؛ {من ثمرة} أي من أيّ ثمرة؛ { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } لأنه يشبه ما سبقه في حجمه، ولونه، وملمسه، وغير ذلك من صفاته؛ فيظنون أنه هو الأول؛ ولكنه يختلف عنه في الطعم والمذاق اختلافاً عظيماً؛ ولهذا قال تعالى: { وأتوا به متشابهاً }؛ وما أجمل وألذّ للإنسان إذا رأى هذه الفاكهة يراها وكأنها شيء واحد؛ فإذا ذاقها وإذا الطعم يختلف اختلافاً عظيماً! تجده يجد في نفسه حركةً لهذا الفاكهة، ولذةً، وتعجباً؛ كيف يكون هذا الاختلاف المتباين العظيم والشكل واحد! ولهذا لو قُدم لك فاكهة ألوانها سواء، وأحجامها سواء، وملمسها سواء، ثم إذا ذقتها وإذا هذه حلو خالص، وهذه مُز . أي حلو مقرون بالحموضة . وهذه حامضة؛ تجد لذة أكثر مما لو كانت على حد سواء، أو كانت مختلفة..
قوله تعالى: { وأتوا به متشابهاً }؛ { أتوا } من "أتى" التي بمعنى جاء؛ فالمعنى: جيء إليهم به متشابهاً يشبه بعضه بعضاً . كما سبق..
قوله تعالى: { ولهم فيها أزواج }؛ لما ذكر الله الفاكهة ذكر الأزواج؛ لأن في كل منهما تفكهاً، لكن كل واحد من نوع غير الآخر: هذا تفكه في المذاق، والمطعم؛ وهذا تفكه آخر من نوع ثان؛ لأن بذلك يتم النعيم؛ و{ أزواج } جمع زوج؛ وهو شامل للأزواج من الحور، ومن نساء الدنيا؛ ويطلق "الزوج" على الذكر، والأنثى؛ ولهذا يقال للرجل: "زوج"، وللمرأة: "زوج"؛ لكن في اصطلاح الفرضيين صاروا يلحقون التاء للأنثى فرقاً بينها وبين الرجل عند قسمة الميراث..


قوله تعالى: { مطهرة } يشمل طهارة الظاهر، والباطن؛ فهي مطهرة من الأذى القذر: لا بول، ولا غائط، ولا حيض، ولا نفاس، ولا استحاضة، ولا عرق، ولا بخر، مطهرة من كل شيء ظاهر حسي؛ مطهرة أيضاً من الأقذار الباطنة، كالغل، والحقد، والكراهية، والبغضاء، وغير ذلك..
قوله تعالى: { هم فيها خالدون } أي ماكثون لا يخرجون منها..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات}؛ ولقول الله تبارك وتعالى: {وبشرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين} [الصافات: 112] ، وقوله تعالى: {وبشروه بغلام عليم} [الذاريات: 28] ، وقوله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} [الصافات: 101] ؛ فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين . عليهم الصلاة والسلام؛ وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة، كما لو أدرك رمضان، فقلت: هنّاك الله بهذا الشهر؟ الجواب: نعم؛ وكذلك أيضاً لو أتم الصوم، فقلت: هنّأك الله بهذا العيد، وتقبل منك عبادتك وما أشبه ذلك؛ فإنه لا بأس به، وقد كان من عادة السلف..
.2 ومن فوائد الآية: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين: الإيمان، والعمل الصالح..
فإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان؛ والعمل الصالح؛ والتواصي بالحق؛ والتواصي بالصبر؟
فالجواب: أن التواصي بالحق، والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحياناً يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل، وسبب من الأسباب..
.3 ومنها: أن جزاء المؤمنين العاملين للصالحات أكبر بكثير مما عملوا، وأعظم؛ لأنهم مهما آمنوا، وعملوا فالعمر محدود، وينتهي؛ لكن الجزاء لا ينتهي أبداً؛ هم مخلدون فيه أبد الآباد؛ كذلك أيضاً الأعمال التي يقدمونها قد يشوبها كسل؛ قد يشوبها تعب؛ قد يشوبها أشياء تنقصها، لكن إذا منّ الله عليه، فدخل الجنة فالنعيم كامل..


.4 ومنها: أن الجنات أنواع؛ لقوله تعالى: { جنات }؛ وقد دل على ذلك القرآن، والسنة؛ فقال الله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46] ، ثم قال تعالى: {ومن دونهما جنتان} [الرحمن: 62] ؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما؛ وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما(1)" ..
.5 ومنها: تمام قدرة الله عزّ وجلّ بخلق هذه الأنهار بغير سبب معلوم، بخلاف أنهار الدنيا؛ لأن أنهار الماء في الدنيا معروفة أسبابها؛ وليس في الدنيا أنهار من لبن، ولا من عسل، ولا من خمر؛ وقد جاء في الأثر(2) أنها أنهار تجري من غير أخدود . يعني لم يحفر لها حفر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها؛ بل النهر يجري، ويتصرف فيه الإنسان بما شاء . يوجهه حيث شاء؛ قال ابن القيم رحمه الله في النونية:.
أنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان 6 . ومن فوائد الآية: أن من تمام نعيم أهل الجنة أنهم يؤتون بالرزق متشابهاً؛ وكلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل؛ وهذا من تمام النعيم، والتلذذ بما يأكلون..


.7 ومنها: إثبات الأزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم؛ وعلى هذا يكون جماع، ولكن بدون الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؛ ولهذا ليس في الجنة مَنِيّ، ولا مَنِيَّة؛ والمنيّ الذي خلق في الدنيا إنما خُلق لبقاء النسل؛ لأن هذا المنيّ مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين، فيخرج بإذن الله تعالى ولداً؛ لكن في الآخرة لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى منهم أحد؛ ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم، ويخدمهم؛ الوِلدان تطوف عليهم بأكواب، وأباريق، وكأس من معين؛ ثم هم لا يحتاجون إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها؛ بل الأمر فيها كما قال الله تعالى: {وجنى الجنتين دان} [الرحمن: 54] ، وقال تعالى: {قطوفها دانية} [الحاقة: 23] ؛ حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة، فيحسّ أنه يشتهيها، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها؛ ولا تستغرب هذا؛ فنحن في الدنيا نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سلطة محسوسة؛ وما في الآخرة أبلغ، وأبلغ..
.8 ومن فوائد الآية: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد؛ لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى من فيها؛ وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة..
القرآن
)إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) (البقرة:26)
التفسير:
.{ 26 } قوله تعالى: { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما } أي لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلاً ولو كان مثلاً حقيراً ما دام يثبت به الحق؛ فالعبرة بالغاية؛ و{ ما } يقولون: إنها نكرة واصفة . أي: مثلاً أيَّ مثل..


قوله تعالى: { بعوضة }: عطف بيان لـ{ ما } أي: مثلاً بعوضة؛ والبعوضة معروفة؛ ويضرب بها المثل في الحقارة؛ وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية أن المشركين اعترضوا: كيف يضرب الله المثل بالذباب في قوله تبارك وتعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له} [الحج: 73] : قالوا: الذباب يذكره الله في مقام المحاجة! فبيَّن الله عزّ وجلّ أنه لا يستحيي من الحق حتى وإن ضرب المثل بالبعوضة، فما فوقها..
قوله تعالى: { فما فوقها }: هل المراد بما فوق . أي فما فوقها في الحقارة، فيكون المعنى أدنى من البعوضة؛ أو فما فوقها في الارتفاع، فيكون المراد ما هو أعلى من البعوضة؟ فأيهما أعلى خلقة: الذباب، أو البعوضة؟ الجواب: الذباب أكبر، وأقوى . لا شك؛ لكن مع ذلك يمكن أن يكون معنى الآية: { فما فوقها } أي فما دونها؛ لأن الفوقية تكون للأدنى، وللأعلى، كما أن الوراء تكون للأمام، وللخلف، كما في قوله تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} [الكهف: 79] أي كان أمامهم..
قوله تعالى: { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه } أي المثل الذي ضربه الله { الحق من ربهم }، ويؤمنون به، ويرون أن فيه آيات بينات..
قوله تعالى: { وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً } لأنه لم يتبين لهم الحق لإعراضهم عنه، وقد قال الله تعالى: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} (المطففين: 13، 14 )..
وقوله تعالى: { ماذا }: "ما" هنا اسم استفهام مبتدأ؛ و "ذا" اسم موصول بمعنى "الذي" خبر المبتدأ . أي: ما الذي أراد الله بهذا مثلاً، كما قال ابن مالك:.


ومثل ما ذا بعد ما استفهام أو مَن إذا لم تلغ في الكلام قوله تعالى: { يضل به كثيراً }: الجملة استئنافية لبيان الحكمة من ضرب المثل بالشيء الحقير؛ ولهذا ينبغي الوقوف على قوله تعالى: { ماذا أراد الله بهذا مثلاً }؛ و{ يضل به } أي بالمثل؛ { كثيراً } أي من الناس؛ { ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين } أي الخارجين عن طاعة الله؛ والمراد هنا الخروج المطلق الذي هو الكفر؛ لأن الفسق قد يراد به الكفر؛ وقد يراد به ما دونه؛ ففي قوله تبارك وتعالى: { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار } [السجدة: 20] : المراد به في هذه الآية الكفر؛ وكذلك هنا..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: إثبات الحياء لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: ( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما ).
ووجه الدلالة: أن نفي الاستحياء عن الله في هذه الحال دليل على ثبوته فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحاً في السنة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ربكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفراً"(1) ؛ والحياء الثابت لله ليس كحياء المخلوق؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يَدْهَمُ الإنسان ويعجز عن مقاومته؛ فتجده ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يُستحيا منه؛ وهو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محله..


.2 ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يستدل بها على الأمور المعقولة؛ انظر إلى قوله تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} [العنكبوت: 41] ؛ وهذا البيت لا يقيها من حَرّ، ولا برد، ولا مطر، ولا رياح {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} [العنكبوت: 41] ؛ وقال تعالى: {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} [الرعد: 14] : إنسان بسط كفيه إلى غدير مثلاً، أو نهر يريد أن يصل الماء إلى فمه! هذا لا يمكن؛ هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى الأصنام كالذي يمد يديه إلى النهر ليبلغ فاه؛ فالأمثال لا شك أنها تقرب المعاني إلى الإنسان إما لفهم المعنى؛ وإما لحكمتها، وبيان وجه هذا المثل..
.3 ومن فوائد الآية: أن البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقوله تعالى: { بعوضة فما فوقها }؛ ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقض مضاجع الجبابرة؛ وربما تهلك: لو سُلطت على الإنسان لأهلكته وهي هذه الحشرة الصغيرة المهينة..
.4 ومنها: رحمة الله تعالى بعباده حيث يقرر لهم المعاني المعقولة بضرب الأمثال المحسوسة لتتقرر المعاني في عقولهم..
.5 ومنها: أن القياس حجة؛ لأن كل مثل ضربه الله في القرآن، فهو دليل على ثبوت القياس..
.6 ومنها: فضيلة الإيمان، وأن المؤمن لا يمكن أن يعارض ما أنزل الله عزّ وجلّ بعقله؛ لقوله تعالى: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم}، ولا يعترضون، ولا يقولون: لِم؟، ولا: كيف؟؛ يقولون: سمعنا، وأطعنا، وصدقنا؛ لأنهم يؤمنون بأن الله عزّ وجلّ له الحكمة البالغة فيما شرع، وفيما قدر..


.7 ومنها: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله تعالى: { من ربهم }؛ واعلم أن ربوبية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة؛ وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وتقتضي التصرف المطلق في العباد؛ والخاصة هي التي تختص بمن أضيفت له، وتقتضي عناية خاصة؛ وقد اجتمعتا في قوله تعالى: {قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون} [الأعراف: 121، 122] : فالأولى ربوبية عامة؛ والثانية خاصة بموسى، وهارون؛ كما أن مقابل ذلك "العبودية" تنقسم إلى عبودية عامة، كما في قوله تبارك وتعالى: {إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً} [مريم: 93] ؛ وخاصة كما في قوله تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1] ؛ والفرق بينهما أن العامة هي الخضوع للأمر الكوني؛ والخاصة هي الخضوع للأمر الشرعي؛ وعلى هذا فالكافر عبد لله بالعبودية العامة؛ والمؤمن عبد لله بالعبودية العامة، والخاصة..
.8ومن فوائد الآية: أن ديدن الكافرين الاعتراض على حكم الله، وعلى حكمة الله؛ لقوله تعالى: { وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا }؛ وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار؛ فمثلاً لو قال قائل: لماذا ينتقض الوضوء بأكل لحم الإبل، ولا ينتقض بأكل لحم الخنزير إذا جاز أكله للضرورة مع أن الخنزير خبيث نجس؟
فالجواب: أن هذا اعتراض على حكم الله عزّ وجلّ؛ وهو دليل على نقص الإيمان؛ لأن لازم الإيمان التام التسليم التام لحكم الله عزّ وجلّ . إلا أن يقول ذلك على سبيل الاسترشاد، والاطلاع على الحكمة؛ فهذا لا بأس به..


.9 ومن فوائد الآية: أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله تعالى: { يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً }؛ فلو أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون، والمهتدون سواءً؛ وليس كذلك؛ لأن بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف ضالون؛ وواحد من الألف مهتدٍ؛ فكلمة: { كثيراً } لا تعني الأكثر؛ وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة لم يلزمه غيرها؛ لأن "كثير" يطلق على القليل، وعلى الأكثر..
.10 ومن فوائد الآية: أن إضلال من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سبباً في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: { وما يضل به إلا الفاسقين }؛ وهذا كقوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} (الصف: 5) ..
.11 ومنها: الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله . لا علاقة لإرادة الله تعالى به؛ لقوله تعالى: ( وما يضل به إلا الفاسقين )..
القرآن
)الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة:27)
التفسير:
.{ 27 } قوله تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } أي العهد الذي بينهم وبين الله عزّ وجلّ؛ وهو الإيمان به، وبرسله؛ فإن هذا مأخوذ على كل إنسان؛ إذا جاء رسول بالآية فإن الواجب على كل إنسان أن يؤمن به؛ فهؤلاء نقضوا عهد الله، ولم يؤمنوا به، وبرسله؛ والنقض حَلّ الشيء بعد إبرامه؛ وقد بين الله عزّ وجلّ هذا العهد في قوله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل} [المائدة: 12] ..


قوله تعالى: { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } أي يقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل، كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق..
قوله تعالى: { ويفسدون في الأرض } أي يسعون لما به فساد الأرض فساداً معنوياً كالمعاصي؛ وفساداً حسياً كتخريب الديار، وقتل الأنفس..
قوله تعالى: { أولئك هم الخاسرون }: جملة اسمية مؤكَّدة بضمير الفصل: { هم }؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد؛ الفائدة الأولى: التوكيد؛ والفائدة الثانية : الحصر؛ والفائدة الثالثة: إزالة اللبس بين الصفة، والخبر؛ مثال ذلك: تقول: "زيد الفاضل": كلمة "الفاضل" يحتمل أن تكون خبراً؛ ويحتمل أن تكون وصفاً، فتقول: "زيد الفاضل محبوب"؛ إذا قلت: "زيد الفاضل محبوب" تعين أن تكون صفة؛ وإذا قلت: "زيد الفاضل" يحتمل أن تكون صفة، والخبر لم يأت بعد؛ ويحتمل أن تكون خبراً؛ فإذا قلت: "زيد هو الفاضل" تعين أن تكون خبراً لوجود ضمير الفصل؛ ولهذا سُمي ضمير فصل . لفصله بين الوصف والخبر؛ الفائدة الثانية: التوكيد ؛ إذا قلت: "زيد هو الفاضل" كان أبلغ من قولك: "زيد الفاضل"؛ و الفائدة الثالثة: الحصر ؛ فإنك إذا قلت: "زيد هو الفاضل" فقد حصرت هذا الوصف فيه دون غيره؛ وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، كما في قوله تعالى: {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين} [الشعراء: 40] ؛ ولو كان له محل من الإعراب لكانت: "هم الغالبون"؛ وربما يضاف إليه اللام، كما في قوله تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق} [آل عمران: 62] ؛ فيكون في إضافة اللام إليه زيادة توكيد..
وقوله تعالى: { الخاسرون }؛ "الخاسر" هو الذي فاته الربح؛ وذلك؛ لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ولم يقطع ما أمر الله به أن يوصل..
الفوائد:


.1 من فوائد الآية: أن نقض عهد الله من الفسق؛ لقوله تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } فكلما رأيت شخصاً قد فرط في واجب، أو فعل محرماً فإن هذا نقض للعهد من بعد الميثاق..
.2 ومنها: التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقه؛ لأن ذلك يكون سبباً للفسق..
.3 ومنها: التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام . أي الأقارب . وغيرهم؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم؛ وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قاطع"(1)، يعني قاطع رحم..
.4 ومنها: أن المعاصي والفسوق سبب للفساد في الأرض، كما قال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41] ؛ ولهذا إذا قحط المطر، وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم، وأقاموا صلاة الاستسقاء، وتضرعوا إليه سبحانه وتعالى، وتابوا إليه، أغاثهم الله عزّ وجلّ؛ وقد قال نوح عليه السلام لقومه: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لهم أنهاراً} [نوح: 10 . 12] ..
فإن قال قائل: أليس يوجد في الأرض من هم صلحاء قائمون بأمر الله مؤدون لحقوق عباد الله ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟
فالجواب: أن هذا الإيراد أوردته أم المؤمنين زينب رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب" ؛ قالت: أنهلك وفينا الصالحون؟! قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، إذا كثر الخبث"(2) ؛ وقوله صلى الله عليه وسلم "إذا كثر الخبث" يشمل معنيين:.
أحدهما: أن يكثر الخبث في العاملين بحيث يكون عامة الناس على هذا الوصف..


و الثاني: أن يكثر فعل الخبث بأنواعه من فئة قليلة، لكن لا تقوم الفئة الصالحة بإنكاره؛ فمثلاً إذا كثر الكفار في أرض كان ذلك سبباً للشر، والبلاء؛ لأن الكفار نجس؛ فكثرتهم كثرة خبث؛ وإذا كثرت أفعال المعاصي كان ذلك سبباً أيضاً للشر، والبلاء؛ لأن المعاصي خبث..
.5ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اعترضوا على الله فيما ضرب من الأمثال، ونقضوا عهده، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض هم الخاسرون . وإن ظنوا أنهم يحسنون صنعاً..

القرآن
)كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة:28)
التفسير:
.{ 28 } قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله... }: الاستفهام هنا للإنكار، والتعجيب؛ والكفر بالله هو الإنكار، والتكذيب مأخوذ من: كَفَر الشيء: إذا ستره؛ ومنه الكُفُرّى: لغلاف طلع النخل؛ والمعنى: كيف تجحدونه، وتكذبون به، وتستكبرون عن عبادته، وتنكرون البعث مع أنكم تعلمون نشأتكم؟!..
قوله تعالى: { وكنتم أمواتاً }: وذلك: قبل نفخ الروح في الإنسان هو ميت؛ جماد؛ { فأحياكم } أي بنفخ الروح؛ { ثم يميتكم } ثانية؛ وذلك بعد أن يخرج إلى الدنيا؛ { ثم يحييكم } الحياة الآخرة التي لا موت بعدها؛ { ثم إليه ترجعون }: بعد الإحياء الثاني ترجعون إلى الله، فينبئكم بأعمالكم، ويجازيكم عليها..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: شدة الإنكار حتى يصل إلى حد التعجب ممن يكفر وهو يعلم حاله، ومآله..
.2 ومنها: أن الموت يطلق على ما لا روح فيه . وإن لم تسبقه حياة .؛ يعني: لا يشترط للوصف بالموت تقدم الحياة؛ لقوله تعالى: { كنتم أمواتاً فأحياكم }؛ أما ظن بعض الناس أنه لا يقال: "ميت" إلا لمن سبقت حياته؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل إن الله تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات؛ قال تعالى في الأصنام: {أموات غير أحياء} [النحل: 21] ..


.3 ومنها: أن الجنين لو خرج قبل أن تنفخ فيه الروح فإنه لا يثبت له حكم الحي؛ ولهذا لا يُغَسَّل، ولا يكفن، ولا يصلي عليه، ولا يرث، ولا يورث؛ لأنه ميت جماد لا يستحق شيئاً مما يستحقه الأحياء؛ وإنما يدفن في أيّ مكان في المقبرة، أو غيرها..
.4 ومنها: تمام قدرة الله عزّ وجلّ؛ فإن هذا الجسد الميت ينفخ الله فيه الروح، فيحيى، ويكون إنساناً يتحرك، ويتكلم، ويقوم، ويقعد، ويفعل ما أراد الله عزّ وجلّ..
.5 ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: { ثم يحييكم ثم إليه ترجعون }؛ والبعث أنكره من أنكره من الناس، واستبعده، وقال: {من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] ؛ فأقام الله . تبارك وتعالى . على إمكان ذلك ثمانية أدلة في آخر سورة "يس":.
الدليل الأول: قوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: 79] : هذا دليل على أنه يمكن أن يحيي العظام وهي رميم؛ وقوله تعالى: {أنشأها أول مرة} دليل قاطع، وبرهان جليّ على إمكان إعادته كما قال الله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] ..
الدليل الثاني: قوله تعالى: {وهو بكل خلق عليم} [يس: 79] يعني: كيف يعجز عن إعادتها وهو سبحانه وتعالى بكل خلق عليم: يعلم كيف يخلق الأشياء، وكيف يكونها؛ فلا يعجز عن إعادة الخلق..
الدليل الثالث: قوله تعالى: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون } [يس: 80] : الشجر الأخضر فيه البرودة، وفيه الرطوبة؛ والنار فيها الحرارة، واليبوسة؛ هذه النار الحارة اليابسة تخرج من شجر بارد رطب؛ وكان الناس فيما سبق يضربون أغصاناً من أشجار معينة بالزند؛ فإذا ضربوها انقدحت النار، ويكون عندهم شيء قابل للاشتعال بسرعة؛ ولهذا قال تعالى: {فإذا أنتم منه توقدون} [يس: 80] تحقيقاً لذلك..
ووجه الدلالة: أن القادر على إخراج النار الحارة اليابسة من الشجر الأخضر مع ما بينهما من تضاد قادر على إحياء العظام وهي رميم..


الدليل الرابع: قوله تعالى: {أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} (يس: 81)
ووجه الدلالة: أن خلْق السموات والأرض أكبر من خلق الناس؛ والقادر على الأكبر قادر على ما دونه..
الدليل الخامس: قوله تعالى: {وهو الخلَّاق العليم} [يس: 81] ؛ فـ {الخلاق } صفته، ووصفه الدائم؛ وإذا كان خلَّاقاً، ووصفه الدائم هو الخلق فلن يعجز عن إحياء العظام وهي رميم..
الدليل السادس: قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] : إذا أراد شيئاً مهما كان؛ و {شيئاً} : نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم؛ {أمره} أي شأنه في ذلك أن يقول له كن فيكون؛ أو {أمره} الذي هو واحد "أوامر"؛ ويكون المعنى: إنما أمره أن يقول: "كن"، فيعيده مرة أخرى..
ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى لا يستعصي عليه شيء أراده..
الدليل السابع: قوله تعالى: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} : كل شيء فهو مملوك لله عزّ وجلّ: الموجود يعدمه؛ والمعدوم يوجده؛ لأنه رب كل شيء..
ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى نزه نفسه؛ وهذا يشمل تنزيهه عن العجز عن إحياء العظام وهي رميم
الدليل الثامن: قوله تعالى: ( وإليه ترجعون )..
ووجه الدلالة: أنه ليس من الحكمة أن يخلق الله هذه الخليقة، ويأمرها، وينهاها، ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتال بين المؤمن، والكافر، ثم يكون الأمر هكذا يذهب سدًى؛ بل لابد من الرجوع؛ وهذا دليل عقلي..
فهذه ثمانية أدلة على قدرة الله على إحياء العظام وهي رميم جمعها الله عزّ وجلّ في موضع واحد؛ وهناك أدلة أخرى في مواضع كثيرة في القرآن؛ وكذلك في السنة..
.6ومن فوائد الآية: أن الخلق مآلهم، ورجوعهم إلى الله عزّ وجلّ..
القرآن
)هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة:29)
التفسير:


لما ذكر جلّ وعلا أنه قادر على الإحياء والإماتة، بيَّن منَّته على العباد بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعاً
.{ 29 } قوله تعالى: { هو الذي خلق لكم } أي أوجد عن علم وتقدير على ما اقتضته حكمته جلّ وعلا، وعلمه؛ و{ لكم }: اللام هنا لها معنيان؛ المعنى الأول: الإباحة، كما تقول: "أبحت لك"؛ والمعنى الثاني: التعليل: أي خلق لأجلكم..
قوله تعالى: { ما في الأرض جميعاً }؛ { ما } اسم موصول تعُمّ: كل ما في الأرض فهو مخلوق لنا من الأشجار، والزروع، والأنهار، والجبال... كل شيء..
قوله تعالى: { ثم } أي بعد أن خلق لنا ما في الأرض جميعاً { استوى إلى السماء } أي علا إلى السماء؛ هذا ما فسرها به ابن جرير . رحمه الله؛ وقيل: أي قصد إليها؛ وهذا ما اختاره ابن كثير . رحمه الله؛ فللعلماء في تفسير { استوى إلى } قولان: الأول: أن الاستواء هنا بمعنى القصد؛ وإذا كان القصد تاماً قيل: استوى؛ لأن الاستواء كله يدل على الكمال، كما قال تعالى: {ولما بلغ أشده واستوى} [القصص: 14] أي كمل؛ فمن نظر إلى أن هذا الفعل عُدّي بـ { إلى } قال: إن { استوى } هنا ضُمِّن معنى قصد؛ ومن نظر إلى أن الاستواء لا يكون إلا في علوّ جعل { إلى } بمعنى "على"؛ لكن هذا ضعيف؛ لأن الله تعالى لم يستوِ على السماء أبداً؛ وإنما استوى على العرش؛ فالصواب ما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله وهو أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام، والإرادة الجازمة؛ و{ السماء } أي العلوّ؛ وكانت السماء دخاناً . أي مثل الدخان؛
{ فسواهن سبع سموات } أي جعلها سوية طباقاً غير متناثرة قوية متينة..
قوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم }؛ ومن علمه عزّ وجلّ أنه علم كيف يخلق هذه السماء..
الفوائد:


.1 من فوائد الآية: منّة الله تعالى على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعاً؛ فكل شيء في الأرض فإنه لنا . والحمد لله . والعجب أن من الناس من سخر نفسه لما سخره الله له؛ فخدم الدنيا، ولم تخدمه؛ وصار أكبر همه الدنيا: جمع المال، وتحصيل الجاه، وما أشبه ذلك..
.2 ومنها: أن الأصل في كل ما في الأرض الحلّ . من أشجار، ومياه، وثمار، وحيوان، وغير ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة؛ وبناءً على هذا لو أن إنساناً أكل شيئاً من الأشجار، فقال له بعض الناس: "هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالَب بالدليل؛ ولو أن إنساناً وجد طائراً يطير، فرماه، وأصابه، ومات، وأكله، فقال له الآخر: "هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالب بالدليل؛ ولهذا لا يَحْرم شيء في الأرض إلا ما قام عليه الدليل..
.3 ومن فوائد الآية: تأكيد هذا العموم بقوله تعالى: { جميعاً } مع أن { ما } موصولة تفيد العموم؛ لكنه سبحانه وتعالى أكده حتى لا يتوهم واهم بأن شيئاً من أفراد هذا العموم قد خرج من الأصل..
.4 ومنها: إثبات الأفعال لله عزّ وجلّ . أي أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء }: و{ استوى } فعل؛ فهو جلّ وعلا يفعل ما يشاء، ويقوم به من الأفعال ما لا يحصيه إلا الله، كما أنه يقوم به من الأقوال ما لا يحصيه إلا الله..
.5 ومنها: أن السموات سبع؛ لقوله تعالى: ( سبع سموات )
.6 ومنها: كمال خلق السموات؛ لقوله تعالى: ( فسواهن )..
.7ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ( وهو بكل شيء عليم )
.8ومنها: أن نشكر الله على هذه النعمة . وهي أنه تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعاً؛ لأن الله لم يبينها لنا لمجرد الخبر؛ ولكن لنعرف نعمته بذلك، فنشكره عليها..
.9 ومنها: أن نخشى، ونخاف؛ لأن الله تعالى بكل شيء عليم؛ فإذا كان الله عليماً بكل شيء . حتى ما نخفي في صدورنا . أوجب لنا ذلك أن نحترس مما يغضب الله عزّ وجلّ سواء في أفعالنا، أو في أقوالنا، أو في ضمائر قلوبنا..
القرآن


)وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:30)
التفسير:
.{ 30 } قوله تعالى: { وإذ قال ربك }: قال المعربون: { إذ } مفعول لفعل محذوف؛ والتقدير: اذكر إذ قال؛ والخطاب في قوله تعالى: { ربك } للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولما كان الخطاب له صارت الربوبية هنا من أقسام الربوبية الخاصة..
قوله تعالى: { للملائكة }: اللام للتعدية . أي تعدية القول للمقول له؛ و "الملائكة" جمع "مَلْئَك"، وأصله "مألك"؛ لأنه مشتق من الأَلُوكة . وهي الرسالة؛ لكن صار فيها إعلال بالنقل . أي نقل حرف مكان حرف آخر؛ مثل أشياء أصلها: "شيئاء"؛ و "الملائكة" عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم وظائف، وأعمالاً مختلفة؛ فمنهم الموكل بالوحي كجبريل؛ وبالقطر، والنبات كميكائيل؛ وبالنفخ في الصور كإسرافيل؛ وبأرواح بني أدم كملَك الموت... إلى غير ذلك من الوظائف، والأعمال..
قوله تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة }؛ خليفة يخلف الله؛ أو يخلف من سبقه؛ أو يخلف بعضهم بعضاً يتناسلون . على أقوال:.
أما الأول: فيحتمل أن الله أراد من هذه الخليقة . آدم، وبنيه . أن يجعل منهم الخلفاء يخلفون الله تعالى في عباده بإبلاغ شريعته، والدعوة إليها، والحكم بين عباده؛ لا عن جهل بالله سبحانه وتعالى . وحاشاه من ذلك، ولا عن عجز؛ ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده، كما قال تعالى: {يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس} [ص: 26] : هو خليفة يخلف الله عزّ وجلّ في الحكم بين عباده..
والثاني: أنهم يخلفون من سبقهم؛ لأن الأرض كانت معمورة قبل آدم؛ وعلى هذا الاحتمال تكون { خليفة } هنا بمعنى الفاعل؛ وعلى الأول بمعنى المفعول..


والثالث: أنه يخلف بعضهم بعضاً؛ بمعنى: أنهم يتناسلون: هذا يموت، وهذا يحيى؛ وعلى هذا التفسير تكون { خليفة } صالحة لاسم الفاعل، واسم المفعول..
كل هذا محتمل؛ وكل هذا واقع؛ لكن قول الملائكة: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } يرجح أنهم خليفة لمن سبقهم، وأنه كان على الأرض مخلوقات قبل ذلك تسفك الدماء، وتفسد فيها، فسألت الملائكة ربها عزّ وجلّ: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } كما فعل من قبلهم . واستفهام الملائكة للاستطلاع، والاستعلام، وليس للاعتراض؛ قال تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } يعني: وستتغير الحال؛ ولا تكون كالتي سبقت..
قوله تعالى: { ونحن نسبح } أي نُنَزِّه؛ والذي يُنَزَّه الله عنه شيئان؛ أولاً: النقص؛ والثاني: النقص في كماله؛ وزد ثالثاً إن شئت: مماثلة المخلوقين؛ كل هذا يُنَزَّه الله عنه؛ النقص: مطلقاً؛ يعني أن كل صفة نقص لا يمكن أن يوصف الله بها أبداً . لا وصفاً دائماً، ولا خبراً؛ والنقص في كماله: فلا يمكن أن يكون في كماله نقص؛ قدرته: لا يمكن أن يعتريها عجز؛ قوته: لا يمكن أن يعتريها ضعف؛ علمه: لا يمكن أن يعتريه نسيان... وهلم جراً؛ ولهذا قال عزّ وجلّ: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} [ق: 38] أي تعب، وإعياء؛ فهو عزّ وجلّ كامل الصفات لا يمكن أن يعتري كماله نقص؛ ومماثلة المخلوقين: هذه إن شئنا أفردناها بالذكر؛ لأن الله تعالى أفردها بالذكر، فقال: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] . وقال تعالى: {وله المثل الأعلى} ، وقال تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال } [النحل: 74] ؛ وإن شئنا جعلناها داخلة في القسم الأول . النقص . لأن تمثيل الخالق بالمخلوق يعني النقص؛ بل المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصاً، كما قال القائل:.


ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا لو قلت: فلان عنده سيف أمضى من العصا تبين أن السيف هذا رديء، وليس بشيء؛ فربما نفرد هذا القسم الثالث، وربما ندخله في القسم الأول؛ على كل حال التسبيح ينبغي لنا . عندما نقول: "سبحان الله"، أو: "أسبح الله"، أو ما أشبه ذلك . أن نستحضر هذه المعاني..
قوله تعالى: و{ بحمدك }: قال العلماء: الباء هنا للمصاحبة . أي تسبيحاً مصحوباً بالحمد مقروناً به؛ فتكون الجملة متضمنة لتنزيه الله عن النقص، وإثبات الكمال لله بالحمد؛ لأن الحمد: وصف المحمود بالكمال محبة، وتعظيماً؛ فإن وصفتَ مرة أخرى بكمال فسَمِّه ثناءً؛ والدليل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: "قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذ قال: {الحمد لله رب العالمين} قال تعالى: حمدني عبدي؛ وإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال تعالى: أثنى عليّ عبدي" ؛ لأن نفي النقص يكون قبل إثبات الكمال من أجل أن يَرِد الكمال على محل خالٍ من النقص..
قوله تعالى: { ونقدس }: "التقديس" معناه التطهير؛ وهو أمر زائد على "التنْزيه"؛ لأن "التنزيه" تبرئة، وتخلية؛ و"التطهير" أمر زائد؛ ولهذا نقول في دعاء الاستفتاح: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب؛ اللهم نقني من خطاياي كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس؛ اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبَرد" : فالأول: طلبُ المباعدة؛ والثاني: طلب التنقية . يعني: التخلية بعد المباعدة؛ والثالث: طلب الغسل بعد التنقية حتى يزول الأثر بالكلية؛ فيجمع الإنسان بين تنْزيه الله عزّ وجلّ عن كل عيب ونقص، وتطهيره . أنه لا أثر إطلاقاً لما يمكن أن يعلق بالذهن من نقص..
قوله تعالى: { لك } اللام هنا للاختصاص؛ فتفيد الإخلاص؛ وهي أيضاً للاستحقاق؛ لأن الله . جلّ وعلا . أهل لأن يقدس..


أجابهم الله تعالى: { قال إني أعلم ما لا تعلمون } أي من أمر هذه الخليفة التي سيكون منها النبيون، والصدِّيقون، والشهداء، والصالحون..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: إثبات القول لله عزّ وجلّ، وأنه بحرف، وصوت؛ وهذا مذهب السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأئمة الهدى من بعدهم؛ يؤخذ كونه بحرف من قوله تعالى: { إني جاعل في الأرض خليفة }؛ لأن هذه حروف؛ ويؤخذ كونه بصوت من أنه خاطب الملائكة بما يسمعونه؛ وإثبات القول لله على هذا الوجه من كماله سبحانه وتعالى؛ بل هو من أعظم صفات الكمال: أن يكون عزّ وجلّ متكلماً بما شاء كوناً، وشرعاً؛ متى شاء؛ وكيف شاء؛ فكل ما يحدث في الكون فهو كائن بكلمة { كن }؛ لقوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ؛ وكل الكون مراد له قدراً؛ وأما قوله الشرعي: فهو وحيه الذي أوحاه إلى رسله، وأنبيائه..
.2 ومن فوائد الآية: أن الملائكة ذوو عقول؛ وجهه أن الله تعالى وجه إليهم الخطاب، وأجابوا؛ ولا يمكن أن يوجه الخطاب إلا إلى من يعقله؛ ولا يمكن أن يجيبه إلا من يعقل الكلامَ، والجوابَ عليه؛ وإنما نبَّهْنا على ذلك؛ لأن بعض أهل الزيغ قالوا: إن الملائكة ليسوا عقلاء..
.3 ومنها: إثبات الأفعال لله عزّ وجلّ أي أنه تعالى يفعل ما شاء متى شاء كيف شاء؛ ومن أهل البدع من ينكر ذلك زعماً منه أن الأفعال حوادث؛ والحوادث لا تقوم إلا بحادث فلا يجيء، ولا يستوي على العرش، ولا ينْزل، ولا يتكلم، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يعجب؛ وهذه دعوى فاسدة من وجوه:.
الأول: أنها في مقابلة نص؛ وما كان في مقابلة نص فهو مردود على صاحبه..
الثاني: أنها دعوى غير مسلَّمة؛ فإن الحوادث قد تقوم بالأول الذي ليس قبله شيء..
الثالث: أن كونه تعالى فعالاً لما يريد من كماله، وتمام صفاته؛ لأن من لا يفعل إما أن يكون غير عالم، ولا مريد؛ وإما أن يكون عاجزاً؛ وكلاهما وصفان ممتنعان عن الله سبحانه وتعالى..


فتَعَجَّبْ كيف أُتي هؤلاء من حيث ظنوا أنه تنزيه لله عن النقص؛ وهو في الحقيقة غاية النقص!!! فاحمد ربك على العافية، واسأله أن يعافي هؤلاء مما ابتلاهم به من سفه في العقول، وتحريف للمنقول..
.4 ومن فوائد الآية: أن بني آدم يخلف بعضهم بعضاً . على أحد الأقوال في معنى { خليفة }؛ وهذا هو الواقع؛ فتجد من له مائة مع من له سنة واحدة، وما بينهما؛ وهذا من حكمة الله عزّ وجلّ؛ لأن الناس لو من وُلِد بقي لضاقت الأرض بما رحبت، ولما استقامت الأحوال، ولا حصلت الرحمة للصغار، ولا الولاية عليهم إلى غير ذلك من المصالح العظيمة..
.5 ومنها: قيام الملائكة بعبادة الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك )
.6 ومنها: كراهة الملائكة للإفساد في الأرض؛ لقولهم: ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء )
.7 ومنها: أن وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به إذا كان المقصود مجرد الخبر دون الفخر؛ لقولهم: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك }؛ ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"(1) ؛ وأما إذا كان المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز؛ لقوله تعالى: { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } [النجم: 32] ..
.8 ومنها: شدة تعظيم الملائكة لله عزّ وجلّ، حيث قالوا: (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)

القرآن
)وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:31)
)قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة:32)
التفسير:


.{ 31 } قوله تعالى: { وعلم آدم }: الفاعل هو الله عزّ وجلّ؛ و{ آدم } هو أبو البشر؛ و{ الأسماء } جمع "اسم"؛ و "أل" فيها للعموم بدليل قوله تعالى: { كلها }؛ وهل هذه الأسماء أسماء لمسميات حاضرة؛ أو لكل الأسماء؟ للعلماء في ذلك قولان؛ والأظهر أنها أسماء لمسميات حاضرة بدليل قوله تعالى: { ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء }؛ وهذه الأسماء . والله أعلم . ما يحتاج إليها آدم، وبنوه في ذلك الوقت..
قوله تعالى: { ثم عرضهم } أي عرض المسميات؛ بدليل قوله تعالى: { أنبئوني بأسماء هؤلاء }، ولأن الميم علامة جمع العاقل؛ فلم تعلم الملائكة أسماء تلك المسميات؛ بل كان جوابهم: { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا }، ثم قال تعالى: { يا آدم أنبئهم بأسمائهم }: وأراد عزّ وجلّ بذلك أن يعرف الملائكة أنهم ليسوا محيطين بكل شيء علماً، وأنهم يفوتهم أشياء يفضلهم آدم فيها..
قوله تعالى: { أنبئوني }: هل هو فعل أمر يراد به قيام المأمور بما وُجّه إليه، أو هو تحَدٍّ؟
الجواب: الظاهر الثاني: أنه تحدٍّ؛ بدليل قوله تعالى: { إن كنتم صادقين } أن لديكم علماً بالأشياء فأنبئوني بأسماء هؤلاء؛ لأن الملائكة قالت فيما سبق: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [البقرة: 30] ، فقال تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون }، ثم امتحنهم الله بهذا..
.{ 32 } قوله تعالى: { سبحانك } أي تنزيهاً لك عما لا يليق بجلالك؛ فأنت يا ربنا لم تفعل هذا إلا لحكمة بالغة..
قوله تعالى: { لا علم لنا إلا ما علمتنا }: اعتراف من الملائكة أنهم ليسوا يعلمون إلا ما علمهم الله، هذا مع أنهم ملائكة مقرَّبون إلى الله عزّ وجلّ..


قوله تعالى: { إنك أنت العليم الحكيم }: هذه الجملة مؤكدة بـ "إن" ، وضمير الفصل: { أنت }؛ والمعنى: إنك ذو العلم الواسع الشامل المحيط بالماضي والحاضر، والمستقبل؛ و{ الحكيم } يعني ذا الحكمة، والحكم؛ لأن الحكيم مشتقة من الحكم، والحكمة؛ فهذان اسمان من أسماء الله عزّ وجلّ: { العليم }، و(الحكيم)
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: بيان أن الله تعالى قد يمنّ على بعض عباده بعلم لا يعلمه الآخرون؛ وجهه: أن الله علم آدم أسماء مسميات كانت حاضرة، والملائكة تجهل ذلك..
.2 ومنها: أن اللغات توقيفية . وليست تجريبية؛ "توقيفية" بمعنى أن الله هو الذي علم الناس إياها؛ ولولا تعليم الله الناسَ إياها ما فهموها؛ وقيل: إنها "تجريبية" بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولاً أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسيح على الأرض، وما أشبه ذلك؛ فاتخذ مما يسمع أصواتاً تدل على مراده؛ ولكن هذا غير صحيح؛ والصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي؛ وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحداث؛ ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها أسماء من قبل، ثم يحدث الناس لها أسماء؛ إما من التجارب، أو غير ذلك من الأشياء..
.3 ومن فوائد الآيتين: جواز امتحان الإنسان بما يدعي أنه مُجيد فيه..
.4 ومنها: جواز التحدي بالعبارات التي يكون فيها شيء من الشدة؛ لقوله تعالى: { أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين..
.5 ومنها: أن الملائكة تتكلم؛ لقوله تعالى: ( أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم )..
.6 ومنها: اعتراف الملائكة . عليهم الصلاة والسلام . بأنهم لا علم لهم إلا ما علمهم الله عزّ وجلّ..
ويتفرع على ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه، فلا يدَّعي علم ما لم يعلم..


.7 ومنها: شدة تعظيم الملائكة لله عزّ وجلّ، حيث اعترفوا بكماله، وتنزيهه عن الجهل بقولهم: {سبحانك}؛ واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم؛ واعترفوا لله بالفضل في قولهم: { إلا ما علمتنا }..
.8 ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما { العليم }، و{ الحكيم }؛ فـ { العليم }: ذو العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً لما كان، وما يكون من أفعاله، وأفعال خلقه..
و{ الحكيم }: ذو الحكمة البالغة التي تعجز عن إدراكها عقول العقلاء وإن كانت قد تدرك شيئاً منها؛ و "الحكمة" هي وضع الشيء في موضعه اللائق به؛ وتكون في شرع الله، وفي قدر الله؛ أما الحكمة في شرعه فإن جميع الشرائع مطابقة للحكمة في زمانها، ومكانها، وأحوال أممها؛ فما أمر الله بشيء، فقال العقل الصريح: "ليته لم يأمر به"؛ وما نهى عن شيء، فقال: "ليته لم ينهَ عنه"؛ وأما الحكمة في قدره فما من شيء يقدره الله إلا وهو مشتمل على الحكمة إما عامة؛ وإما خاصة..
واعلم أن الحكمة تكون في نفس الشيء: فوقوعه على الوجه الذي حكم الله تعالى به في غاية الحكمة؛ وتكون في الغاية المقصودة منه: فأحكام الله الكونية، والشرعية كلها لغايات محمودة قد تكون معلومة لنا، وقد تكون مجهولة؛ والأمثلة على هذا كثيرة واضحة..
ولـ { الحكيم } معنًى آخر؛ وهو ذو الحكم، والسلطان التام؛ فلا معقب لحكمه؛ وحكمه تعالى نوعان: شرعي، وقدري؛ فأما الشرعي فوحيه الذي جاءت به رسله؛ ومنه قوله تعالى: { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون } [المائدة: 50] ، وقوله تعالى في سورة الممتحنة: { ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم } [الممتحنة: 10] ؛ وأما حكمه القدري فهو ما قضى به قدراً على عباده من شدة، ورخاء، وحزن، وسرور، وغير ذلك؛ ومنه قوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: { فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين } (يوسف: 80)


والفرق بين الحكم الشرعي، والكوني: أن الشرعي لا يلزم وقوعه ممن حُكِم عليه به؛ ولهذا يكون العصاة من بني آدم، وغيرهم المخالفون لحكم الله الشرعي؛ وأما الحكم القدري فلا معارض له، ولا يخرج أحد عنه؛ بل هو نافذ في عباده على كل حال..
القرآن
)قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة:33)
التفسير:
.{ 33 } قوله تعالى: { قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم }؛ القائل هو الله عزّ وجلّ؛ و{ آدم } هو أبو البشر؛ والظاهر أن هذا اسم له، وليس وصفاً؛ وهو مشتق لغة من الأُدْمة؛ وهي لون بين البياض الخالص والسواد
قوله تعالى: { فلما أنبأهم بأسمائهم } أي أنبأ الملائكة؛ { قال } أي قال الله؛ { ألم أقل لكم }: الاستفهام هنا للتقرير؛ والمعنى: قلت لكم، كقوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1] : والمعنى: قد شرحنا لك صدرك؛ { إني أعلم غيب السموات والأرض } أي ما غاب فيهما . وهو نوعان: نسبي؛ وعام؛ فأما النسبي فهو ما غاب عن بعض الخلق دون بعض؛ وأما العام فهو ما غاب عن الخلق عموماً..
قوله تعالى: { وأعلم ما تبدون } أي ما تظهرون؛ { وما كنتم تكتمون } أي تخفون..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: إثبات القول لله عزّ وجلّ لقوله تعالى: { يا آدم }؛ وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ لأن آدم سمعه، وفهمه، فأنبأ الملائكة به؛ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، والسلف الصالح . أن الله يتكلم بكلام مسموع مترتب بعضه سابق لبعض..
.2 ومنها: أن آدم . عليه الصلاة والسلام . امتثل، وأطاع، ولم يتوقف؛ لقوله تعالى: { فلما أنبأهم }؛ ولهذا طوى ذكر قوله: "فأنبأهم" إشارة إلى أنه بادر، وأنبأ الملائكة..


.3 ومنها: جواز تقرير المخاطب بما لا يمكنه دفعه؛ والتقرير لا يكون إلا هكذا . أي بأمر لا يمكن دفعه؛ وذلك لقوله تعالى: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض }..
.4 ومنها: بيان عموم علم الله عزّ وجلّ، وأنه يتعلق بالمشاهد، والغائب؛ لقوله تعالى:
( أعلم غيب السموات والأرض )..
.5 ومنها: أن السموات ذات عدد؛ لقوله تعالى: { السموات }؛ و "الأرض" جاءت مفردة، والمراد بها الجنس؛ لأن الله تعالى قال: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12] أي في العدد..
.6 ومنها: أن الملائكة لها إرادات تُبدى، وتكتم؛ لقوله تعالى: { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون }..
.7 ومنها: أن الله تعالى عالم بما في القلوب سواء أُبدي أم أُخفي؛ لقوله تعالى: ( ما تبدون وما كنتم تكتمون)
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الملائكة لها قلوب؟..
فالجواب: قوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23
القرآن
)وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة:34)
التفسير:
.{ 34 } قوله تعالى: { وإذ قلنا } يعني اذكر إذ قلنا؛ ومثل هذا التعبير يتكرر كثيراً في القرآن، والعلماء يقدرون لفظ: "اذكر"، وهم بحاجة إلى هذا التقدير؛ لأن "إذ" ظرفية؛ والظرف لا بد له من شيء يتعلق به إما مذكوراً؛ وإما محذوفاً؛ وفي نظم الجُمل:.
لا بد للجار من التعلق بفعل أو معناه نحو مرتقي ومثله الظرف؛ وجاء الضمير في { قلنا } بضمير الجمع من باب التعظيم . لا التعدد . كما هو معلوم..
قوله تعالى: { للملائكة }: سبق الكلام على ذكر الملائكة، ومن أين اشتق هذا اللفظ..


قوله تعالى: { اسجدوا لآدم }: "السجود" هو السجود على الأرض بأن يضع الساجد جبهته على الأرض خضوعاً، وخشوعاً؛ وليس المراد به هنا الركوع؛ لأن الله تعالى فرَّق بين الركوع والسجود، كما في قوله تعالى: {تراهم ركعاً سجداً} [الفتح: 29] ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] ..
قوله تعالى: { فسجدوا } أي من غير تأخير؛ فالفاء هنا للترتيب، والتعقيب؛ { إلا إبليس } هو الشيطان؛ وسمي إبليساً لأنه أَبلَسَ من رحمة الله . أي أَيِسَ منها يأساً لا رجاء بعده . { أبى } أي امتنع؛ { واستكبر } أي صار ذا كبر؛ { وكان من الكافرين }: زعم بعض العلماء أن المراد: كان من الكافرين في علم الله بناءً على أن
{ كان } فعل ماضٍ؛ والمضي يدل على شيء سابق؛ لكن هناك تخريجاً أحسن من هذا: أن نقول: إن "كان" تأتي أحياناً مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقق اتصاف الموصوف بهذه الصفة؛ ومن ذلك قوله تعالى: {وكان الله غفوراً رحيماً} [النساء: 96] ، وقوله تعالى: {وكان الله عزيزاً حكيماً} [النساء: 158] ، وقوله تعالى: {وكان الله سميعاً بصيراً} [النساء: 134] ، وما أشبهها؛ هذه ليس المعنى أنه كان فيما مضى؛ بل لا يزال؛ فتكون { كان } هنا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بما دلت عليه الجملة؛ وهذا هو الأقرب، وليس فيه تأويل؛ ويُجرى الكلام على ظاهره..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: بيان فضل آدم على الملائكة؛ وجهه أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له تعظيماً له..


.2 ومنها: أن السجود لغير الله إذا كان بأمر الله فهو عبادة؛ لأن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ ولذلك لما امتنع إبليس عن هذا كان من الكافرين؛ وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على كفر تارك الصلاة؛ قال: لأنه إذا كان إبليس كفر بترك سجدة واحدة أُمر بها، فكيف عن ترك الصلاة كاملة؟! وهذا الاستدلال إن استقام فهو هو؛ وإن لم يستقم فقد دلت نصوص أخرى من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة على كفر تارك الصلاة كفراً أكبر مخرجاً عن الملة..
ويدل على أن المحرَّم إذا أمر الله تعالى به كان عبادة قصة إبراهيم عليه السلام، حين أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل فامتثل أمر الله؛ ولكن الله رحمه، ورحم ابنه برفع ذلك عنهما، حيث قال تعالى: {فلما أسلما وتلَّه للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين} [الصافات: 103 . 105] ؛ ومن المعلوم أن قتل الابن من كبائر الذنوب، لكن لما أمر الله عزّ وجلّ به كان امتثاله عبادة..
.3 ومن فوائد الآية: أن إبليس . والعياذ بالله . جمع صفات الذم كلها: الإباء عن الأمر؛ والاستكبار عن الحق، وعلى الخلق؛ والكفر؛ إبليس استكبر عن الحق؛ لأنه لم يمتثل أمر الله؛ واستكبر على الخلق؛ لأنه قال: {أنا خير منه} [الأعراف: 12] ؛ فاستكبر في نفسه، وحقر غيره؛ و"الكبر" بطر الحق، وغمط الناس..
تنبيه:
إن قال قائل: في الآية إشكال . وهو أن الله تعالى لما ذكر أمر الملائكة بالسجود، وذكر أنهم سجدوا إلا إبليس؛ كان ظاهرها أن إبليس منهم؛ والأمر ليس كذلك؟..
والجواب: أن إبليس كان مشاركاً لهم في أعمالهم ظاهراً، فكان توجيه الأمر شاملاً له بحسب الظاهر؛ وقد يقال: إن الاستثناء منقطع؛ والاستثناء المنقطع لا يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه..
القرآن


)وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:35)
التفسير:
.{ 35 } قوله تعالى: { قلنا } فاعل القول هو الله عزّ وجلّ؛ { اسكن أنت وزوجك }: "زوج" معطوف على الفاعل في { اسكن }؛ لأن { أنت } توكيد للفاعل؛ وليست هي الفاعل؛ لأن { اسكن } فعل أمر؛ وفعل الأمر لا يمكن أن يظهر فيه الفاعل؛ لأنه مستتر وجوباً؛ وعلى هذا فـ { أنت } الضمير المنفصل توكيد للضمير المستتر؛ و{ زوجك } هي حواء، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، وغيره..
قوله تعالى:{ الجنة } هي البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه مستتر بأشجاره؛ وهل المراد بـ { الجنة جنة الخلد؛ أم هي جنة سوى جنة الخلد؟..
الجواب: ظاهر الكتاب، والسنة أنها جنة الخلد، وليست سواها؛ لأن "أل" هنا للعهد الذهني..
فإن قيل: كيف يكون القول الصحيح أنها جنة الخلد مع أن من دخلها لا يخرج منها . وهذه أُخرج منها آدم؟
فالجواب: أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها: بعد البعث؛ وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة.
فحيَّ على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم قال: "منازلك الأولى"؛ لأن أبانا آدم نزلها..
قوله تعالى: { وكُلا }: أمر بمعنى الإباحة، والإكرام؛ { منها } أي من هذه الجنة؛ { رغداً } أي أكلاً هنياً ليس فيه تنغيص؛ { حيث شئتما } أي في أيّ مكان من هذه الجنة، ونقول أيضاً: وفي أيّ زمان؛ لأن قوله تعالى: { كُلا } فعل مطلق لم يقيد بزمن..
قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } أشار الله تعالى إلى الشجرة بعينها، و "أل" فيها للعهد الحضوري؛ لأن كل ما جاء بـ "أل" بعد اسم الإشارة فهو للعهد الحضوري؛ إذ إن اسم الإشارة يعني الإشارة إلى شيء قريب؛ وهذه الشجرة غير معلومة النوع، فتبقى على إبهامها..


قوله تعالى: { فتكونا }: وقعت جواباً للطلب . وهو قوله تعالى: { لا تقربا }؛ فالفاء هنا للسببية؛ والفعل بعدها منصوب بـ "أن" مضمرة بعد فاء السببية؛ وقيل: إن الفعل منصوب بنفس الفاء؛ القول الأول للبصريين، والثاني للكوفيين؛ والثاني هو المختار عندنا بناءً على القاعدة أنه متى اختلف علماء النحو في إعراب كلمة أو جملة فإننا: نأخذ بالأسهل ما دام المعنى يحتمله..
قوله تعالى: { من الظالمين } أي من المعتدين لمخالفة الأمر..
الفوائد:
.1من فوائد الآية: إثبات القول لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: ( وقلنا يا آدم )..
.2 ومنها: أن قول الله يكون بصوت مسموع، وحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: { يا آدم اسكن... } إلخ؛ ولولا أن آدم يسمعه لم يكن في ذلك فائدة؛ وأيضاً هو مرتب؛ لقوله تعالى: { يا آدم اسكن أنت وزوجك }: وهذه حروف مرتبة، كما هو ظاهر؛ وإنما قلنا ذلك لأن بعض أهل البدع يقول: إن كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وليس بصوت، ولا حروف مرتبة؛ ولهم في ذلك آراء مبتدعة أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقوال
.3 ومن فوائد الآية: منّة الله عزّ وجلّ على آدم، وحواء حيث أسكنهما الجنة..
.4 ومنها: أن النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت في بنيه من الرسل، والأنبياء، ومن دونهم، كما قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} (الرعد: 38)
فإن قال قائل: زوجته بنت من؟..
فالجواب: أنها خلقت من ضلعه..
فإن قال: إذاً تكون بنتاً له، فكيف يتزوج ابنته؟..
فالجواب: أن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ فكما أباح أن يتزوج الأخ أخته من بني آدم الأولين؛ فكذلك أباح أن يتزوج آدم من خلقها الله من ضلعه..


.5 ومن فوائد الآية: أن الأمر يأتي للإباحة؛ لقوله تعالى: { وكُلا منها }؛ فإن هذه للإباحة بدليل قوله تعالى: { حيث شئتما }: خيَّرهما أن يأكلا من أيّ مكان؛ ولا شك أن الأمر يأتي للإباحة؛ ولكن الأصل فيه أنه للطلب حتى يقوم دليل أنه للإباحة..
.6 ومنها: أن ظاهر النص أن ثمار الجنة ليس له وقت محدود؛ بل هو موجود في كل وقت؛ لقوله تعالى: { حيث شئتما }؛ فالتعميم في المكان يقتضي التعميم في الزمان؛ وقد قال الله تعالى في فاكهة الجنة: {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة} (الواقعة: 32، 33)
.7 ومنها: أن الله تعالى قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة }؛ ووجه ذلك أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها..
.8 ومنها: أنه قد يُنهى عن قربان الشيء والمراد النهي عن فعله؛ للمبالغة في التحذير منه؛ فإن قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة }: المراد: لا تأكلا منها، لكن لما كان القرب منها قد يؤدي إلى الأكل نُهي عن قربها..
.9 ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين..
.10 ومنها: أن معصية الله تعالى ظلم للنفس، وعدوان عليها؛ لقوله تعالى: ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين..)
القرآن
)فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة:36)
التفسير:


.{ 36 } قوله تعالى: { فازلهما الشيطان }؛ وفي قراءة: { فأزالهما }؛ والفرق بينهما أن { أزلهما } بمعنى أوقعهما في الزلل؛ و{ أزالهما } بمعنى نحَّاهما؛ فعلى القراءة الأولى يكون الشيطان أوقعهما في الزلل، فزالا عنها، وأُخرجا منها؛ وعلى الثانية يكون الشيطان سبباً في تنحيتهما؛ و{ الشيطان } الظاهر أنه الشيطان الذي أبى أن يسجد لآدم: وسوس لهما ليقوما بمعصية الله كما فعل هو حين أبى أن يسجد لآدم..
قوله تعالى: { عنها } أي عن الجنة؛ ولهذا قال تعالى: { فأخرجهما مما كانا فيه } من النعيم؛ لأنهما كانا في أحسن ما يكون من الأماكن..
قوله تعالى: { وقلنا } أي قال الله لهما؛ { اهبطوا }: الضمير للجمع، والمراد آدم، وحواء، وإبليس؛ ولهذا قال تعالى: { بعضكم لبعض عدو }: الشيطان عدو لآدم، وحواء..
قوله تعالى: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } يعني أنكم سوف تستقرون في الأرض، وسوف تتمتعون بها بما أعطاكم الله من النعم، ولكن لا على وجه الدوام؛ بل إلى حين . وهو قيام الساعة..
الفوائد:
.1من فوائد الآية: الحذر من وقوع الزلل الذي يمليه الشيطان؛ لقوله تعالى: ( فأزلهما الشيطان عنها ).
.2 ومنها: أن الشيطان يغرّ بني آدم كما غرّ أباهم حين وسوس لآدم، وحواء، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؛ فالشيطان قد يأتي الإنسان، فيوسوس له، فيصغر المعصية في عينه؛ ثم إن كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرها؛ منّاه أن يتوب منها، فيسهل عليه الإقدام؛ ولذلك احذر عدوك أن يغرك..


.3ومنها: إضافة الفعل إلى المتسبب له؛ لقوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه }؛ وقد ذكر الفقهاء . رحمهم الله . أن المتسبب كالمباشر في الضمان، لكن إذا اجتمع متسبب ومباشر تمكن إحالة الضمان عليه فالضمان على المباشر؛ وإن لم تمكن فالضمان على المتسبب؛ مثال الأول؛ أن يحفر بئراً، فيأتي شخص، فيدفع فيها إنساناً، فيهلك: فالضمان على الدافع؛ ومثال الثاني: أن يلقي شخصاً بين يدي أسد، فيأكله: فالضمان على الملقي . لا على الأسد..
.4 ومن فوائد الآية: أن الشيطان عدو للإنسان؛ لقوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو }؛ وقد صرح الله تعالى بذلك في قوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً } (فاطر: 6)
.5 ومنها: أن قول الله تعالى يكون شرعياً، ويكون قدرياً؛ فقوله تعالى: { يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها }: هذا شرعي؛ وقوله تعالى: { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو }: الظاهر أنه كوني؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنه لو عاد الأمر إليهما لما هبطا؛ ويحتمل أن يكون قولاً شرعياً؛ لكن الأقرب عندي أنه قول كوني . والله أعلم..
.6 ومنها: أن الجنة في مكان عالٍ؛ لقوله تعالى: { اهبطوا }؛ والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل..
.7 ومنها: أنه لا يمكن العيش إلا في الأرض لبني آدم؛ لقوله تعالى: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: {فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} [الأعراف: 25] ؛ وبناءً على ذلك نعلم أن محاولة الكفار أن يعيشوا في غير الأرض إما في بعض الكواكب، أو في بعض المراكب محاولة يائسة؛ لأنه لابد أن يكون مستقرهم الأرض..
.8 ومنها: أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا؛ لقوله تعالى: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }..

القرآن
)فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:37)
التفسير:


.{ 37 } قوله تعالى: { فتلقى آدم من ربه } يعني أخذ، وقَبِل، ورضي من الله كلمات حينما ألقى الله إليه هذه الكلمات؛ وهذه الكلمات هي قوله تعالى: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] ؛ فالكلمات اعتراف آدم وحواء بأنهما أذنبا، وظلما أنفسهما، وتضرعهما إلى الله سبحانه وتعالى بأنه إن لم يغفر لهما ويرحمهما لكانا من الخاسرين؛ و{ من ربه } فيه إضافة الربوبية إلى آدم؛ وهي الربوبية الخاصة..
قوله تعالى: { فتاب عليه }: الفاعل هو الله . يعني فتاب ربه عليه؛ و"التوبة" هي رفع المؤاخذة، والعفو عن المذنب إذا رجع إلى ربه عزّ وجلّ..
قوله تعالى: { إنه هو التواب الرحيم }: هذه الجملة تعليل لقوله تعالى: { فتاب عليه }؛ لأن التوبة مقتضى هذين الاسمين العظيمين: { التواب الرحيم }؛ و{ هو } ضمير فصل يفيد هنا الحصر، والتوكيد؛ و{ التواب } صيغة مبالغة من "تاب"؛ وذلك لكثرة التائبين، وكثرة توبة الله؛ ولذلك سمى الله نفسه "التواب" ؛ و{ الرحيم } أي ذو الرحمة الواسعة الواصلة إلى من شاء من عباده..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: منة الله سبحانه وتعالى على أبينا آدم حين وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها التوبة؛ لقوله تعالى: { فتلقى آدم من ربه كلمات }..
.2 ومنها: أن منة الله على أبينا هي منة علينا في الحقيقة؛ لأن كل إنسان يشعر بأن الله إذا منَّ على أحد أجداده كان مانّاً عليه..


.3 ومنها: أن قول الإنسان: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" سبب لقبول توبة الله على عبده؛ لأنها اعتراف بالذنب؛ وفي قول الإنسان: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" أربعة أنواع من التوسل؛ الأول: التوسل بالربوبية؛ الثاني: التوسل بحال العبد: {ظلمنا أنفسنا} ؛ الثالث: تفويض الأمر إلى الله؛ لقوله: {وإن لم تغفر لنا...} إلخ؛ الرابع: ذكر حال العبد إذا لم تحصل له مغفرة الله ورحمته؛ لقوله تعالى: {لنكونن من الخاسرين} ، وهي تشبه التوسل بحال العبد؛ بل هي توسل بحال العبد؛ وعليه فيكون توسل العبد بحاله توسلاً بحاله قبل الدعاء، وبحاله بعد الدعاء إذا لم يحصل مقصوده..
.4 ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يتكلم بصوت مسموع؛ وجه ذلك أن آدم تلقى منه كلمات؛ وتلقي الكلمات لا يكون إلا بسماع الصوت؛ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام بصوت مسموع، وحروف مرتبة..
.5 ومنها: منة الله عزّ وجلّ على آدم بقبول التوبة؛ فيكون في ذلك منَّتان؛ الأولى: التوفيق للتوبة، حيث تلقَّى الكلمات من الله؛ و الثانية: قبول التوبة، حيث قال تعالى: { فتاب عليه }..
واعلم أن لله تعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى قبل توبة العبد؛ وهي التوفيق للتوبة؛ والتوبة الثانية بعد توبة العبد؛ وهي قبول التوبة؛ وكلاهما في القرآن؛ قال الله . تبارك وتعالى: {وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا} [التوبة: 118] : فقوله تعالى: {ثم تاب عليهم} أي وفقهم للتوبة، وقوله تعالى: {ليتوبوا} أي يقوموا بالتوبة إلى الله؛ وأما توبة القبول ففي قوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} (الشورى: 25)


.6 ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله، ورجوعه إلى طاعة الله فإن الله تعالى يتوب عليه؛ وهذا له شواهد كثيرة أن الله أكرم من عبده؛ من تقرب إليه ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة؛ فكرم الله عزّ وجلّ أعلى، وأبلغ من كرم الإنسان..
.7 ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: { التواب }، و{ الرحيم }؛ وما تضمناه من صفة، وفعل..
.8 ومنها: اختصاص الله بالتوبة، والرحمة؛ بدليل ضمير الفصل؛ ولكن المراد اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره؛ لأن الإنسان قد يتوب على ابنه، وأخيه، وصاحبه، وما أشبه ذلك؛ لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله . وهي المذكورة في قوله تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135] . هذه خاصة بالله..
كذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله؛ أما رحمة الخلق بعضهم لبعض فهذا ثابت . لا يختص بالله عزّ وجلّ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن"(1) ..
القرآن
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:38)
التفسير:
.{ 38 } قوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعاً }: الواو ضمير جمع، وعبر به عن اثنين لأن آدم، وحواء هما أبَوَا بني آدم؛ فوجه الخطاب إليهما بصيغة الجمع باعتبارهما مع الذرية؛ هذا هو الظاهر؛ وأما حمله على أن أقل الجمع اثنين، وأن ضمير الجمع هنا بمعنى ضمير التثنية فبعيد؛ لأن كون أقل الجمع اثنين شاذ في اللغة العربية؛ وأما قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] فإن الأفصح في المتعدد إذا أضيف إلى متعدد أن يكون بلفظ الجمع . وإن كان المراد به اثنين؛ و{ جميعاً } منصوبة على الحال من الواو في قوله تعالى: ( اهبطوا )


قوله تعالى: { فإما } أصلها: "فإنْ ما" : أدغمت النون في "ما" ؛ و "إن" شرطية، و "ما" زائدة للتوكيد؛ و
{ يأتينكم } فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد؛ ولذلك لم يكن مجزوماً؛ بل كان مبنياً على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد لفظاً، وتقديراً..
قوله تعالى: { مني هدًى } أي علماً: وذلك بالوحي الذي يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه، ورسله..
قوله تعالى: { فمن تبع }: الفاء هنا رابطة لجواب الشرط؛ لأن الجملة بعد الفاء هي جواب الشرط؛ والجملة هنا اسمية؛ و "مَنْ" شرطية؛ و "تبع" فعل الشرط؛ والفاء في قوله تعالى: { فلا خوف } رابطة للجواب أيضاً، و "لا" نافية، و "خوف" مبتدأ؛ وجملة: { فمن تبع هداي فلا خوف} جواب "إنْ" في قوله تعالى: {فإما يأتينكم }؛ وجملة: { فلا خوف } جواب { فمن تبع }..
وقوله تعالى: { فمن تبع هداي } أي أخذ به تصديقاً بأخباره، وامتثالاً لأحكامه؛ وأضافه الله لنفسه لأنه الذي شرعه لعباده، ولأنه موصل إليه..
قوله تعالى: { فلا خوف عليهم } أي فيما يستقبل؛ لأنهم آمنون؛ { ولا هم يحزنون } أي على ما مضى؛ لأنهم قد اغتنموه، وقاموا فيه بالعمل الصالح؛ بل هم مطمئنون غاية الطمأنينة..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية أن الجنة التي أُسكنها آدم أولاً كانت عالية؛ لقوله تعالى: { اهبطوا }؛ والهبوط لا يكون إلا من أعلى..
.2 ومنها: إثبات كلام الله؛ لقوله تعالى: ( قلنا )..
.3 منها: أنه بصوت مسموع، وحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: { اهبطوا منها جميعاً }؛ فلولا أنهم سمعوا ذلك ما صح توجيه الأمر إليهم..
.4 ومنها: أن التوكيد في الأسلوب العربي فصيح، ومن البلاغة؛ لقوله تعالى: { جميعاً }؛ وهو توكيد معنوي: لأنه حال من حيث الإعراب؛ لأن الشيء إذا كان هاماً فينبغي أن يؤكد؛ فتقول للرجل إذا أردت أن تحثه على الشيء: "يا فلان عجل عجل عجل" ثلاث مرات؛ والمقصود التوكيد، والحث..
.5 ومنها: أن الهدى من عند الله؛ لقوله تعالى: ( فإما يأتينكم مني هدًى )


فإن قال قائل: "إنْ" في قوله تعالى: { فإما } لا تدل على الوقوع؛ لأنها ليست كـ "إذا" ؟ قلنا: نعم، هي لا تدل على الوقوع، لكنها لا تنافيه؛ والواقع يدل على الوقوع . أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير؛ وممكن أن نقول: في هذه الصيغة . { فإما يأتينكم } . ما يدل على الوقوع؛ وهو توكيد الفعل..
ويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تسأل الهدى إلا من الله عزّ وجلّ؛ لأنه هو الذي يأتي به..
.6 ومن فوائد الآية: أن من اتبع هدى الله فإنه آمن من بين يديه، ومن خلفه؛ لقوله تعالى:
( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
.7 ومنها: أنه لا يتعبد لله إلا بما شرع؛ لقوله تعالى: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
.8 ومنها: أن من تعبد لله بغير ما شرع فهو على غير هدى؛ فيكون ضالاً كما شهدت بذلك السنة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة يقول: "وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثة بدعة؛ وكل بدعة ضلالة(1).
القرآن
)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:39)
التفسير:
.{ 39 } قوله تعالى: { الذين كفروا } مبتدأ؛ وجملة: { أولئك أصحاب النار } خبر المبتدأ؛ وجملة: { هم فيها خالدون } في موضع نصب على الحال . يعني حال كونهم خالدين . ويجوز أن تكون استئنافية لبيان مآلهم..
قوله تعالى: { الذين كفروا } أي بالأمر؛ { وكذبوا } أي بالخبر؛ فعندهم جحود، واستكبار؛ وهذان هما الأساسان للكفر؛ لأن الكفر يدور على شيئين: إما استكبار؛ وإما جحود؛ فكفر إبليس: كفر استكبار؛ لأنه مقر بالله، لكنه استكبر؛ وكفر فرعون، وقومه: كفر جحود؛ لقوله تعالى: { وجحدوا بها }: فهم في ألسنتهم مكذبون، لكنهم في نفوسهم مصدقون؛ لقوله تعالى: { واستيقنتها أنفسهم } [النمل: 14] ..


فقوله تعالى: { والذين كفروا } أي كفروا بالله، فاستكبروا عن طاعته، ولم ينقادوا لها؛ { وكذبوا بآياتنا }أي بالآية الشرعية؛ وإن انضاف إلى ذلك الآية الكونية زاد الأمر شدة؛ لكن المهم الآية الشرعية؛ لأن من المكذبين الكافرين من آمنوا بالآية الكونية دون الشرعية؛ فمثلاً كفار قريش مؤمنون بالآية الكونية مقرون بأن الله خالق السموات، والأرض، وأنه المحيي، وأنه المميت، وأنه المدبر لجميع الأمور؛ لكنهم كافرون بالآية الشرعية..
قوله تعالى: { أولئك } أي المذكورون؛ وأشار إليهم بإشارة البعيد لانحطاط رتبتهم لا ترفيعاً لهم، وتعلية لهم؛ { أصحاب النار } أي الملازمون لها؛ ولهذا لا تأتي "أصحاب النار" إلا في الكفار؛ لا تأتي في المؤمنين أبداً؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها؛ والمصاحب لابد أن يلازم من صاحبه؛ { هم فيها خالدون } أي ماكثون؛ والمراد بذلك المكث، الدائم الأبدي؛ ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله؛ آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن؛ أما آية النساء فقوله تعالى: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً} [النساء: 168، 169] ؛ وأما آية الأحزاب فقوله تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً} [الأحزاب: 64، 65] ؛ وأما آية الجن فقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً} [الجن: 23] ..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين . الكفر، والتكذيب . هم أصحاب النار مخلدون فيها أبداً . كما سبق؛ فإن اتصفوا بأحدهما فقد دل الدليل على أن المكذب خالد في النار؛ وأما الكافر فمن كان كفره مخرجاً عن الملة فهو خالد في النار؛ ومن كان كفره لا يخرج من الملة فإنه غير مخلد في النار..
.2 ومنها: أن الله تعالى قد بين الحق بالآية التي تقطع الحجة، وتبين المحجة..


.3 ومنها: انحطاط رتبة من اتصفوا بهذين الوصفين . الكفر، والتكذيب..
.4 ومنها: إثبات النار؛ وقد ثبت بالدليل القطعي أنها موجودة الآن، كما في قوله تعالى: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } (آل عمران: 131)
القرآن
)يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة:40)
التفسير:
.{ 40 } قوله تعالى: { يا بني إسرائيل } أي يا أولاد إسرائيل؛ والأصل في "بني" أن تكون للذكور، لكن إذا كانت لقبيلة، أو لأمة شملت الذكور، والإناث، كقوله تعالى: { يا بني آدم }، وقوله تعالى: { يا بني إسرائيل }؛ و{ إسرائيل } لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل؛ ومعناه . على ما قيل . عبد الله؛ وبنوه هم اليهود، والنصارى، ورسلهم؛ لكن النداء في هذه الآية لليهود والنصارى الموجودين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ ووجه الله تعالى النداء لبني إسرائيل؛ لأن السورة مدنية؛ وكان من بني إسرائيل ثلاث قبائل من اليهود في المدينة وهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة؛ سكنوا المدينة ترقباً للنبي صلى الله عليه وسلم الذي علموا أنه سيكون مهاجره المدينة ليؤمنوا به، ويتبعوه؛ لكن لما جاءهم ما عرفوا كفروا به..
قوله تعالى: { اذكروا نعمتي } أي اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بجوارحكم؛ وذلك؛ لأن الشكر يكون في الأمور الثلاثة: في القلب، واللسان، والجوارح..
وقوله تعالى: { نعمتي } مفرد مضاف، فيعم جميع النعم الدينية، والدنيوية؛ وقد أنعم الله تعالى على بني إسرائيل بنعم كثيرة..
قوله تعالى: { التي أنعمت عليكم }: أشار بهذه الجملة إلى أن هذه النعم فضل محض من الله عزّ وجلّ..


قوله تعالى: { وأوفوا بعهدي } أي ائتوا به وافياً؛ وعهده سبحانه وتعالى أنه عهد إليهم أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا برسله، كما قال تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً} [المائدة: 12] . هذا عهد الله ...
قوله تعالى: { أوفِ بعهدكم } أي أعطكم ما عهدت به إليكم وافياً . وهو الجزاء على أعمالهم . المذكور في قوله تعالى: {لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} [المائدة: 12] ؛ فلو وفوا بعهد الله لوفى الله بعهدهم..
وقوله تعالى: { أُوفِ } جواب الطلب في قوله تعالى: { أوفوا بعهدي }؛ ولهذا جاءت مجزومة بحذف حرف العلة..
قوله تعالى: { وإياي فارهبون } أي لا ترهبوا إلا إياي؛ و "الرهبة" شدة الخوف..
الفوائد:
.1من فوائد الآية: أن الله تعالى يوجه الخطاب للمخاطب إما لكونه أوعى من غيره؛ وإما لكونه أولى أن يمتثل؛ وهنا وجّهه لبني إسرائيل؛ لأنهم أولى أن يمتثلوا؛ لأن عندهم من العلم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها حق ما ليس عند غيرهم..
.2 ومنها: أن تذكير العبد بنعمة الله عليه أدعى لقبوله الحق، وأقوم للحجة عليه؛ لقوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم }؛ فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصاً نذكره بالنعم؟
فالجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله عزّ وجلّ؛ ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته..
.3 ومن فوائد الآية: عظيم منة الله تعالى في إنعامه على هؤلاء؛ لقوله تعالى: { التي أنعمت عليكم }..


.4 ومنها: أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله تعالى: { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم }؛ بل إن الله أكرم من عبده، حيث يجزيه الحسنة بعشر أمثالها؛ وفي الحديث القدسي: "إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً؛ وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً؛ وَإِذَا أَتَانِي مَشْياً أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"(1) ..
.5 ومن فوائد الآية: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقب بحرمانه ما رتب الله تعالى على الوفاء بالعهد؛ وذلك؛ لأن المنطوق في الآية أن من وفى لله وفّى الله له؛ فيكون المفهوم أن من لم يفِ فإنه يعاقب، ولا يعطى ما وُعِد به؛ وهذا مقتضى عدل الله عزّ وجلّ..
.6 ومنها: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] ..
.7 ومنها: وجوب إخلاص الرهبة لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: () وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)(البقرة: من الآية40)
.8 ومنها: أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها، وأمر بإخلاصها..
فإن قال قائل: هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع، أو من عدو؟
فالجواب: لا ينافي هذا التوحيد؛ ولهذا وقع من الرسل: إبراهيم . عليه الصلاة والسلام . لما جاءه الضيوف، ولم يأكلوا أوجس منهم خيفة؛ وموسى . عليه الصلاة والسلام . لما ألقى السحرة حبالهم، وعصيهم أوجس في نفسه خيفة؛ ولأن الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة؛ ولو قلنا لإنسان: "إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفاً طبيعياً لكنت مشركاً"، لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان مما يخاف منه خوفٌ طبيعي غريزي لا يمكنه دفعه؛ كل إنسان يخاف مما يُخشى منه الضرر..
فإن قال قائل: لو منعه الخوف من واجب عليه هل يُنهى عنه، أو لا؟


فالجواب: نعم، يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به؛ إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف؛ قال الله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] ؛ لكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس؛ ولهذا لو كان إنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة، وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو؛ فله أن يصلي قاعداً؛ وهذا لأن الله تعالى عفا عنه: قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] ؛ ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين فلا يلزمهم أن يصابروهم، ويجوز أن يفروا..

القرآن
)وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) (البقرة:41)
التفسير:
.{ 41 } قوله تعالى: { وآمنوا } معطوف على قوله تعالى: ( اذكروا )


.{ بما أنزلت }: هو القرآن أنزله الله سبحانه وتعالى على محمد صلى الله عليه وسلم { مصدقاً لما معكم } أي مصدقاً لما ذُكر في التوراة، والإنجيل من أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم ومن أوصاف القرآن الذي يأتي صلى الله عليه وسلم به؛ وكذلك أيضاً هو مصدق لما معهم: شاهد للتوراة، والإنجيل بالصدق؛ فصار تصديق القرآن لما معهم من وجهين؛ الوجه الأول: أنه وقع مطابقاً لما أخبرت التوراة، والإنجيل به؛ والوجه الثاني: أنه قد شهد لهما بالصدق؛ فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة، وأنزل الإنجيل . وهذه شهادة لهما بأنهما صدق .؛ وكذلك التوراة، والإنجيل قد ذُكر فيهما من أوصاف القرآن، ومن أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ فإذا وقع الأمر كما ذُكر فيهما صار ذلك تصديقاً لهما؛ ولهذا لو حدثتك بحديث، فقلت أنت: "صدقتَ"، ثم وقع ما حدثتك به مشهوداً تشاهده بعينك؛ صار الوقوع هذا تصديقاً أيضاً..
قوله تعالى: { ولا تكونوا أول كافر به } يعني لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به؛ ولا يعني ذلك كونوا ثاني كافر؛ والضمير في قوله تعالى: { تكونوا } ضمير جمع، و{ كافر } مفرد، فكيف يصح أن تخبر بالمفرد عن الجماعة؟
والجواب: قال المفسرون: إن تقدير الكلام: أول فريق كافر به؛ لأن الخطاب لبني إسرائيل عموماً . وهم جماعة ...
قوله تعالى: { ولا تشتروا } أي لا تأخذوا؛ { بآياتي ثمناً قليلاً } أي الجاه، والرئاسة، وما أشبه ذلك؛ لأن بني إسرائيل إنما كفروا يريدون الدنيا؛ ولو أنهم اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم لكانوا في القمة، ولأوتوا أجرهم مرتين؛ لكن حسداً، وابتغاء بقاء الجاه، والشرف، وأنهم هم أهل كتاب حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم (، فلم يؤمنوا به..


قوله تعالى: { وإياي فاتقون } أي لا تتقوا إلا إياي؛ و "التقوى" اتخاذ وقاية من عذاب الله عزّ وجلّ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ ففي الآية الأولى: { وإياي فارهبون } أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها عصياناً؛ وفي هذه الآية: { وإياي فاتقون } أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها لا في الأمر، ولا في النهي..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ( وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم )
.2 ومنها: أن الكافر مخاطب بالإسلام؛ وهذا مجمع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟
الجواب: فيه تفصيل؛ إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولاً، ثم يفعلها ثانياً؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة"(1) ..
إذاً هم لا يخاطبون بالفعل . يعني لا يقال: افعلوا .؛ فلا نقول للكافر: تعال صلِّ؛ بل نأمره أولاً بالإسلام؛ وإن أردت بالمخاطبة أنهم يعاقبون عليها إذا ماتوا على الكفر فهذا صحيح؛ ولهذا يقال للمجرمين: {ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين} [المدثر: 72 . 47] يعني هذا دأبهم حتى ماتوا؛ ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم: {لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 43 . 44] عبثاً لا فائدة منه، ولا تأثير له..


.3 ومن فوائد الآية: أن من اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً ففيه شبه من اليهود؛ فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه باليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة"(1) يعنى ريحها؛ وحينئذ يشكل على كثير من الطلبة من يدخل الجامعات لنيل الشهادة: هل يكون ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؟
والجواب: أن ذلك حسب النية؛ إذا كان الإنسان لا يريد الشهادة إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وأما إذا كان يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكاناً ينفع به المسلمين فهذا لم يشتر بآيات الله ثمناً قليلاً؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزن بما معه من بطاقة الشهادة..
.4 ومن فوائد الآية: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلًا} [النساء: 77] ..
.5 ومنها: أن شرائع الله من آياته لما تضمنته من العدل، والإصلاح . بخلاف ما يسنُّه البشر من الأنظمة والقوانين فإنه ناقص:.
أولاً: لنقص علم البشر، وعدم إحاطتهم بما يُصلح الخلق..
ثانياً: لخفاء المصالح عليهم: فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة؛ وبالعكس..


ثالثاً: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام، أو القانون من أذكى الناس، وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه هذا محدود في زمانه، وفي مكانه؛ أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير: قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا، وكذا؛ وفي زمن آخر خلافه؛ وفي المكان أيضاً قد يكون هذا التشريع الذي سنه البشر مناسباً لأحوال هؤلاء الأمة في مكانهم؛ ولكن في أمة أخرى لا يصلح؛ ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية، أو الشرقية، وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن الواجب تحكيم الكتاب، والسنة؛ والعجب أن بعض الناس . نسأل الله العافية . تجدهم قد مشوا على قوانين شرعت من عشرات السنين، أو مئاتها، وأهلها الذين شرعوها قد عدلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن ترمى في الزبالة؛ وهذا شيء واضح: هناك قوانين شرعت لقوم كفار، ثم تغيرت الحال، فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة، وصاروا يتمشمشونها..
.6 . ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله عزّ وجلّ، وإفراده بالتقوى؛ لقوله تعالى: { وإياي فاتقون }..
فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي أشياء أخرى، كقوله تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] ، وقوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131] ، وقوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] ؟
فالجواب: بلى، ولكن اتقاء هذه الأمور من تقوى الله عزّ وجلّ . فلا منافاة ...
القرآن
)وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:42)
التفسير:
.{ 42 } قوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالباطل } أي لا تمزجوا بينهما حتى يشتبه الحق بالباطل؛ فهم كانوا يأتون بشبهات تُشَبِّه على الناس؛ فيقولون مثلاً: محمد حق، لكنه رسول الأميين لا جميع الناس..


قوله تعالى: { وتكتموا الحق }: هنا الواو تحتمل أنها عاطفة، وتحتمل أنها واو المعية؛ والمعنى على الأول: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق؛ فتكون الجملتان منفرداً بعضهما عن بعض؛ ويحتمل أن تكون الواو للمعية، فيكون النهي عن الجمع بينهما؛ والمعنى: ولا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق؛ لكن على هذا التقدير يبقى إشكال: وهو أن قوله تعالى: { لا تلبسوا الحق بالباطل } يقتضي أنهم يذكرون الحق، والباطل؛ فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبسوه بالباطل، فيبقى خفياً..
قوله تعالى: { وأنتم تعلمون }: الجملة في موضع نصب على الحال . أي والحال أنكم تعلمون صنيعكم ...
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: وجوب بيان الحق، وتمييزه عن الباطل؛ فيقال: هذا حق، وهذا باطل؛ لقوله تعالى:
{ ولا تلبسوا الحق بالباطل }؛ ومن لبْس الحق بالباطل: أولئك القوم الذين يوردون الشبهات إما على القرآن، أو على أحكام القرآن، ثم يزيلون الإشكال . مع أن إيراد الشبه إذا لم تكن قريبة لا ينبغي . ولو أزيلت هذه الشبهة؛ فإن الشيطان إذا أوقع الشبهة في القلب فقد تستقر فيه . وإن ذكِر ما يزيلها ...
.2 ومن فوائد الآية: أنه ليس هناك إلا حق، وباطل؛ وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت الأمر كذلك؛ قال تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62] ، وقال تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدًى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24] ، وقال تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32] ، وقال تعالى: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [الكهف: 29] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "القرآن حجة لك أو عليك"(1) ..


فإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب، والمحرم؛ وبين المكروه، والمندوب . وهو المباح .؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا؛ لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء؛ فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل كما جاء في الحديث: "كل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا لعبه في رمحه، ومع أهله، وفي فرسه"(2) ؛ وهذه الأشياء الثلاثة إنما استثنيت؛ لأنها مصلحة . كلها تعود إلى مصلحة ...
.3 ومن فوائد الآية: تحريم كتمان الحق؛ لقوله تعالى: { وتكتموا }؛ ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟
الجواب: نعم، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال؛ وطلب بلسان الحال؛ فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا، وكذا: فهذا طلب بلسان المقال؛ وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرم: فبيانه مطلوب بلسان الحال؛ وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر، ولا ينتظر حتى يُسأل؛ وإذا سئل ولم يُجب لكونه لا يعلم فلا إثم عليه؛ بل هذا هو الواجب؛ لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 23] . هذه واحدة ..
ثانياً: إذا رأى من المصلحة ألا يبين فلا بأس أن يكتم كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: "حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!"(3) ؛ وقال ابن مسعود: "إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"(4) ؛ فإذا رأيت من المصلحة ألا تبين فلا تبين ولا لوم عليك..


ثالثاً: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص، أو ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض . وأنت تعلم هذا .: فلك أن تمتنع؛ الامتحان أن يأتي إليك، وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها، أو لا؛ أو يريد أن يأخذ منك كلاماً ليشي به إلى أحد، وينقله إلى أحد: فلك أن تمتنع؛ كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص ، فيأتي يسألك يقول: سألت فلاناً، وقال: هذا حرام . وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهلاً: فحينئذٍ لك أن تمتنع عن إفتائه؛ أما إذا كان المسؤول رجلاً تعرف أنه ليس عنده علم . إما من عامة الناس، أو من طلبة العلم الذين لم يبلغوا أن يكونوا من أهل الفتوى: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأنه لا حرمة لفتوى من أفتاه؛ أما لو قال لك: أنا سألت فلاناً، ولكني كنت أطلبك، ولم أجدك، وللضرورة سألت فلاناً؛ لكن لما جاء الله بك الآن أفتني: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك؛ وخلاصة القول أنه لا يجب عليك الإفتاء إلا إذا كان المستفتي مسترشداً؛ لأن كتمان الحق لا يتحقق إلا بعد الطلب بلسان الحال، أو بلسان المقال..

القرآن
)وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة:43)
التفسير:
.{ 43 } قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة } أي ائتوا بها مستقيمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها؛ وهذا كما أمر الله تعالى به بني إسرائيل أمر به هذه الأمة؛ و{ الصلاة } هنا تشمل الفريضة، والنافلة..


قوله تعالى: { وآتوا الزكاة } أي أعطوا الزكاة؛ و "آت" التي بمعنى "أعطِ" تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا الزكاة؛ والمفعول الثاني محذوف؛ والتقدير: أهلَها؛ و{ الزكاة } هي المال المدفوع امتثالاً لأمر الله إلى أهله من أموال مخصوصة معروفة؛ وسمي بذل المال زكاة؛ لأنه يزكي النفس، ويطهرها، كما قال الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ..
قوله تعالى: { واركعوا مع الراكعين } أي صلوا مع المصلين؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُتعبد لله بركوع مجرد
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعاً كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوعاً؛ وقد دلّ على ذلك أيضاً قول الله تعالى لمريم: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} [آل عمران: 43] ؛ فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع، وسجود..
.2 ومنها: أن الأمم السابقة عليهم زكاة؛ لأنه لابد من الامتحان بالزكاة؛ فإن من الناس من يكون بخيلاً . بذل الدرهم عليه أشد من شيء كثير .؛ فيُمتحَن العباد بإيتاء الزكاة، وبذلِ شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم؛ ولهذا سميت الزكاة صدقة؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها..

.3 ومنها: الإجمال في موضع، وتبيينه في موضع آخر؛ لقوله تعالى: ( وآتوا الزكاة) ولم يبين مقدار الواجب، ولا من يدفع إليه، ولا الأموال التي فيها الزكاة؛ لكن هذه الأشياء مبينة في موضع آخر؛ إذ لا يتم الامتثال إلا ببيانها..
.4 ومنها: جواز التعبير عن الكل بالبعض إذا كان هذا البعض من مباني الكل التي لا يتم إلا بها؛ لقوله تعالى: ( واركعوا مع الراكعين)


.5 ومنها: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله تعالى: { واركعوا مع الراكعين }؛ هكذا استدل بها بعض العلماء؛ ولكن في هذا الاستدلال شيء؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل؛ ولهذا قيل لمريم: {اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} : والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذاً لا نسلم أن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة؛ ولكن . الحمد لله . وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاهرة من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم..
القرآن
)أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44)
التفسير:
.{ 44 } قوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر... }: الاستفهام هنا للإنكار؛ والمراد إنكار أمر الناس بالبر مع نسيان النفس؛ إذ النفس أولى أن يبدأ بها؛ و "البر" هو الخير؛ قال أهل التفسير: إن الواحد منهم يأمر أقاربه باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول: إنه حق؛ لكن تمنعه رئاسته، وجاهه أن يؤمن به؛ ومن أمثلة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد غلاماً من اليهود كان مريضاً، فحضر أجله والنبي صلى الله عليه وسلم عنده؛ فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرشد، فنظر إلى أبيه كأنه يستشيره، فقال له أبوه: "أطع أبا القاسم" . وأبوه يهودي .، فتشهد الغلام شهادة الحق، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار"(1) أي بدعوتي؛ إذاً هؤلاء اليهود من أحبارهم من يأمر الناس بالبر . وهو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكنه ينسى نفسه، ولا يؤمن؛ فقال الله تعالى: { وأنتم تتلون الكتاب } أي تقرؤون التوراة؛ والجملة هنا حالية . أي والحال أنكم تتلون الكتاب .؛ فلم تأمروا بالبر إلا عن علم؛ ولكن مع ذلك { تنسون أنفسكم } أي تتركونها، فلا تأمرونها بالبر..


قوله تعالى: { أفلا تعقلون }: الاستفهام هنا للتوبيخ . يعني أفلا يكون لكم عقول تدركون بها خطأكم، وضلالكم .؟! و "العقل" هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك الذي يناط به التكليف؛ لأن العقل نوعان: عقل هو مناط التكليف . وهو إدراك الأشياء، وفهمها .؛ وهو الذي يتكلم عليه الفقهاء في العبادات، والمعاملات، وغيرها؛ وعقل الرشد . وهو أن يحسن الإنسان التصرف .؛ وسمي إحسان التصرف عقلاً؛ لأن الإنسان عَقَل تصرفه فيما ينفعه..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يأمرون بالبر، وينسون أنفسهم؛ لأن ذلك منافٍ للعقل؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من كان هذا دأبه؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أنه يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتابه" . و"الأقتاب" هي الأمعاء . "فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه"(2) ؛ فهو من أشد الناس عذاباً . والعياذ بالله ...
فإن قال قائل: بناءً على أنه مخالف للعقل، وبناءً على شدة عقوبته أنقول لمن لا يفعل ما أَمَر به، ومن لا يترك ما نهى عنه: "لا تأمر، ولا تنهَ"؟
فالجواب: نقول: لا، بل مُرْ، وافعل ما تأمر به؛ لأنه لو ترك الأمر مع تركه فِعلَه ارتكب جنايتين: الأولى: ترك الأمر بالمعروف؛ والثانية: عدم قيامه بما أمر به؛ وكذلك لو أنه ارتكب ما ينهى عنه، ولم يَنْهَ عنه فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: ترك النهي عن المنكر؛ والثانية: ارتكابه للمنكر..
ثم نقول: أينا الذي لم يسلم من المنكر! لو قلنا: لا ينهى عن المنكر إلا من لم يأت منكراً لم يَنهَ أحد عن منكر؛ ولو قلنا: لا يأمر أحد بمعروف إلا من أتى المعروف لم يأمر أحد بمعروف؛ ولهذا نقول: مُرْ بالمعروف، وجاهد نفسك على فعله، وانْهَ عن المنكر، وجاهد نفسك على تركه..


.2 ومن فوائد الآية: توبيخ العالم المخالف لما يأمر به، أو لما ينهى عنه؛ وأن العالم إذا خالف فهو أسوأ حالاً من الجاهل؛ لقوله تعالى: { وأنتم تتلون الكتاب }؛ وهذا أمر فُطر الناس عليه . أن العالم إذا خالف صار أشد لوماً من الجاهل .؛ حتى العامة تجدهم إذا فعل العالم منكراً قالوا: كيف تفعل هذا وأنت رجل عالم؟! أو إذا ترك واجباً قالوا: كيف تترك هذا وأنت عالم؟!.
.3 ومن فوائد الآية: توبيخ بني إسرائيل، وأنهم أمة جهلة حمقى ذوو غيٍّ؛ لقوله تعالى: { أفلا تعقلون }..
.4 ومنها: أن من أمر بمعروف، ولم يفعله؛ أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه باليهود؛ لأن هذا دأبهم . والعياذ بالله ...
القرآن
)وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة:45)
التفسير:
.{ 45 } قوله تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلاة } أي استعينوا على أموركم بالصبر، والصلاة؛ و "الاستعانة" هي طلب العون؛ و "الاستعانة بالصبر" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة؛ و{ الصلاة } هي العبادة المعروفة؛ وتعم الفرض، والنفل..
قوله تعالى: { وإنها }: قيل: إن الضمير يعود على { الصلاة }؛ لأنها أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منه مانع؛ وقيل إن الضمير يعود على الاستعانة المفهومة من قوله تعالى: { واستعينوا }؛ لأن الفعل { استعينوا } يدل على زمن، ومصدر؛ فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] ، أي العدل المفهوم من قوله تعالى: { اعدلوا } أقرب للتقوى؛ لكن المعنى الأول أوضح..
قوله تعالى: { لكبيرة } أي لشاقة { إلا على الخاشعين } أي الذليلين لأمر الله..
الفوائد:


.1من فوائد الآية: إرشاد الله - تبارك وتعالى - عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة..
.2 ومنها: جواز الاستعانة بغير الله؛ لكن فيما يثبت أن به العون؛ فمثلاً إذا استعنت إنساناً يحمل معك المتاع إلى البيت كان جائزاً؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم "وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة(1)" ..
أما الاستعانة بما لا عون فيه فهي سفه في العقل، وضلال في الدين، وقد تكون شركاً: كأن يستعين بميت، أو بغائب لا يستطيع أن يعينه لبعده عنه، وعدم تمكنه من الوصول إليه..


.3 ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر، وأن به العون على مكابدة الأمور؛ قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع؛ وأخذوا هذا التقسيم من الاستقراء؛ الأول: الصبر على طاعة الله؛ والثاني: الصبر عن معصية الله؛ والثالث: الصبر على أقدار الله ؛ فالصبر على الطاعة هو أشقها، وأفضلها؛ لأن الصبر على الطاعة يتضمن فعلاً وكفاً اختيارياً: فعل الطاعة؛ وكفّ النفس عن التهاون بها، وعدم إقامته؛ فهو إيجادي إيجابي؛ والصبر عن المعصية ليس فيه إلا كف فقط؛ لكنه أحياناً يكون شديداً على النفس؛ ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال: "إني أخاف الله"(2) في رتبة الإمام العادل من حيث إن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله . وإن كان الإمام العادل أفضل .؛ لأن قوة الداعي في الشباب، وكون المرأة ذات منصب وجمال، وانتفاء المانع فيما إذا كان خالياً بها يوجب الوقوع في المحذور؛ لكن قال: "إني أخاف الله"؛ ربما يكون هذا الصبر أشق من كثير من الطاعات؛ لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس؛ إنما نتكلم عن الشيء من حيث هو؛ فالصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ والصبر عن المعصية أفضل من الصبر على أقدار الله؛ لأنه لا اختيار للإنسان في دفع أقدار الله؛ لكن مع ذلك قد يجد الإنسان فيه مشقة عظيمة؛ ولكننا نتكلم ليس عن صبر معين في شخص معين؛ قد يكون بعض الناس يفقد حبيبه، أو ابنه، أو زوجته، أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا أشق عليه من كثير من الطاعات من حيث الانفعال النفسي؛ والصبر على أقدار الله ليس من المكلف فيه عمل؛ لأن ما وقع لابد أن يقع . صبرت، أم لم تصبر .: هل إذا جزعت، وندمت، واشتد حزنك يرتفع المقدور؟!.
الجواب: لا؛ إذاً كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام؛ وإما أن تسلو سُلوّ البهائم..


.4 ومن فوائد الآية: الحث على الصبر بأن يحبس الإنسان نفسه، ويُحمِّلها المشقة حتى يحصل المطلوب؛ وهذا مجرب . أن الإنسان إذا صبر أدرك مناله؛ وإذا ملّ كسل، وفاته خير كثير .؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز"(3) ؛ وكثير من الناس يرى أن بداءته بهذا العمل مفيدة له، فيبدأ، ثم لا يحصل له مقصوده بسرعة، فيعجز، ويكِلّ، ويترك؛ إذاً ضاع عليه وقته الأول، وربما يكون زمناً كثيراً؛ ولا يأمن أنه إذا عدل عن الأول، ثم شرع في ثانٍ أن يصيبه مثل ما أصابه أولاً، ويتركه؛ ثم تمضي عليه حياته بلا فائدة؛ لكن إذا صبر مع كونه يعرف أنه ليس بينه وبين مراده إلا امتداد الأيام فقط، وليس هناك موجب لقطعه؛ فليصبر: لنفرض أن إنساناً من طلبة العلم همّ أن يحفظ: "بلوغ المرام"، وشرع فيه، واستمر حتى حفظ نصفه؛ لكن لحقه الملل، فعجز، وترك: فالمدة التي مضت خسارة عليه إلا ما يبقى في ذاكرته مما حفظ فقط؛ لكن لو استمر، وأكمل حصل المقصود؛ وعلى هذا فقس..
.5 ومن فوائد الآية: فضيلة الصلاة، حيث إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى: {والصلاة }؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر صلى(1) ؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر(2).
فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عوناً للإنسان؟


فالجواب: تكون عوناً إذا أتى بها على وجه كامل . وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله عزّ وجلّ الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "جعلت قرة عيني في الصلاة"(3) ؛ أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] ؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر . هو على ما هو عليه .؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة..
.6 ومن فوائد الآية: أنه إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر، والصلاة..
.7 ومنها: أن الأعمال الصالحة شاقة على غير الخاشعين . ولا سيما الصلاة ...
.8 ومنها: أن تحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى بالخشوع له مما يسهل العبادة على العبد؛ فكل من كان لله أخشع كان لله أطوع؛ لأن الخشوع خشوع القلب؛ والإخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليه تدعو إلى طاعته..

القرآن
)الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:46)
التفسير:


.{ 46 } قوله تعالى: { الذين يظنون } أي يتيقنون؛ و "الظن" يستعمل في اللغة العربية بمعنى اليقين، وله أمثلة كثيرة؛ منها قول الله . تبارك وتعالى .: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} [التوبة: 118] ، وقوله تعالى: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً} [الكهف: 53] ..
قوله تعالى: { أنهم ملاقو ربهم } أي أنهم سيلاقون الله عزّ وجلّ؛ وذلك يوم القيامة..
قوله تعالى: {وأنهم إليه راجعون} أي في جميع أمورهم، كما قال تعالى: {وإليه يرجع الأمر كله} [هود: 123] ، وقال تعالى: {وإلى الله ترجع الأمور}(البقرة: 210)

الفوائد:
.1 من فوائد الآية: إثبات ملاقاة الله عزّ وجلّ؛ لأن الله مدح الذين يتيقنون بهذا اللقاء..
.2 ومنها: إثبات رؤية الله عزّ وجلّ، كما ذهب إليه كثير من العلماء؛ لأن اللقاء لا يكون إلا مع المقابلة، وهذا يعني ثبوت الرؤية؛ فإن استقام الاستدلال بهذه الآية على رؤية الله فهذا مطلوب؛ وإن لم يستقم الاستدلال فَثَمّ أدلة أخرى كثيرة تدل على ثبوت رؤية الله عزّ وجلّ يوم القيامة..
.3 ومنها: أن هؤلاء المؤمنين يوقنون أنهم راجعون إلى الله في جميع أمورهم؛ وهذا يستلزم أموراً:.
أولاً: الخوف من الله؛ لأنك ما دمت تعلم أنك راجع إلى الله، فسوف تخاف منه..
ثانياً: مراقبة الله عزّ وجلّ . المراقبة في الجوارح .؛ والخوف في القلب؛ يعني أنهم إذا علموا أنهم سيرجعون إلى الله، فسوف يخشونه في السرّ، والعلانية..
ثالثاً: الحياء منه؛ فلا يفقدك حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك..
القرآن
)يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة:47)
التفسير:


.{ 47 } قوله تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي } أي بألسنتكم، وقلوبكم؛ والمراد بـ "النعمة" . وإن كانت مفردة . جميع النعم، كما قال الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (إبراهيم: 34)
قوله تعالى: { التي أنعمت عليكم }: وهي نعم كثيرة؛ منها ما ذكَّرَهم بها نبيهم موسى . عليه الصلاة والسلام .، حيث قال: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} [المائدة: 20] : وهي نعم عظيمة دينية، ودنيوية؛ فالدينية في قوله: {إذ جعل فيكم أنبياء} ؛ والدنيوية في قوله: {وجعلكم ملوكاً} ؛ و {آتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} : من النعمتين..
قوله تعالى: { وفضلتكم على العالمين } أي جعلتكم أفضل من غيركم؛ والمراد عالَم زمانهم؛ وأصل "عالمين" كل من سوى الله، كما قال تعالى: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة] ؛ فليس ثم إلا رب، ومربوب؛ العالَم: مربوب؛ والله: رب؛ فالعالَم من سوى الله؛ وسمي عالماً؛ لأنه عَلَم على خالقه؛ فإن العالم من آيات الله سبحانه وتعالى الدالة على كمال علمه، وقدرته، وسلطانه، وحكمته، وغير ذلك من معاني ربوبيته..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرها؛ ومن شكرها أن يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم
.2 ومنها: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرث عن آبائهم؛ وإنما هي بنعمة الله عليهم؛ لقوله تعالى: ( أنعمت عليكم )


.3 ومنها: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله تعالى: { وأني فضلتكم على العالمين }؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان؛ ولذلك كُتب لهم النصر على أعدائهم العمالقة، فقيل لهم: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] ؛ و "الأرض المقدسة" هي فلسطين؛ وإنما كتب الله أرض فلسطين لبني إسرائيل في عهد موسى؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] ، وقال موسى لقومه: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} [الأعراف: 128] ، ثم قال: {والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] ؛ إذاً المتقون هم الوارثون للأرض؛ لكن بني إسرائيل اليوم لا يستحقون هذه الأرض المقدسة؛ لأنهم ليسوا من عباد الله الصالحين؛ أما في وقت موسى فكانوا أولى بها من أهلها؛ وكانت مكتوبة لهم، وكانوا أحق بها؛ لكن لما جاء الإسلام الذي بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم صار أحق الناس بهذه الأرض المسلمون . لا العرب .؛ ففلسطين ليس العرب بوصفهم عرباً هم أهلها؛ بل إن أهلها المسلمون بوصفهم مسلمين . لا غير وبوصفهم عباداً لله عزّ وجلّ صالحين؛ ولذلك لن ينجح العرب فيما أعتقد . والعلم عند الله . في استرداد أرض فلسطين باسم العروبة أبداً؛ ولا يمكن أن يستردوها إلا باسم الإسلام على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، كما قال تعالى: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] ؛ ومهما حاول العرب، ومهما ملؤوا الدنيا من الأقوال والاحتجاجات، فإنهم لن يفلحوا أبداً حتى ينادوا بإخراج اليهود منها باسم دين الإسلام . بعد أن يطبقوه في أنفسهم .؛ فإن هم فعلوا ذلك فسوف يتحقق لهم ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى


يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ، وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ، أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ"(1) ؛ فالشجر، والحجر يدل المسلمين على اليهود يقول: "يا عبد الله" . باسم العبودية لله .، ويقول: "يا مسلم" . باسم الإسلام .؛ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "يقاتل المسلمون اليهود" ، ولم يقل: "العرب"..
ولهذا أقول: إننا لن نقضي على اليهود باسم العروبة أبداً؛ لن نقضي عليهم إلا باسم الإسلام؛ ومن شاء فليقرأ قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] : فجعل الميراث لعباده الصالحين؛ وما عُلِّق بوصف فإنه يوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه؛ فإذا كنا عبادَ الله الصالحين ورثناها بكل يسر وسهولة، وبدون هذه المشقات، والمتاعب، والمصاعب، والكلامِ الطويل العريض الذي لا ينتهي أبداً!! نستحلها بنصر الله عزّ وجلّ، وبكتابة الله لنا ذلك . وما أيسره على الله .! ونحن نعلم أن المسلمين ما ملكوا فلسطين في عهد الإسلام الزاهر إلا بإسلامهم؛ ولا استولوا على المدائن عاصمة الفرس، ولا على عاصمة الروم، ولا على عاصمة القبط إلا بالإسلام؛ ولذلك ليت شبابنا يعون وعياً صحيحاً بأنه لا يمكن الانتصار المطلق إلا بالإسلام الحقيقي . لا إسلام الهوية بالبطاقة الشخصية .! ولعل بعضنا سمع قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حينما كسرت الفُرس الجسور على نهر دجلة، وأغرقت السفن لئلا يعبر المسلمون إليهم؛ فسخَّر الله لهم البحر؛ فصاروا يمشون على ظهر الماء بخيلهم، ورجلهم، وإبلهم؛ يمشون على الماء كما يمشون على الأرض لا يغطي الماء خفاف الإبل؛ وإذا تعب فرس أحدهم قيض الله له صخرة تربو حتى يستريح عليها؛ وهذا من آيات الله . ولا شك .؛ والله تعالى على كل شيء قدير؛ فالذي فلق البحر لموسى . عليه الصلاة والسلام . ولقومه، وصار


يبساً في لحظة، ومشوا عليه آمنين؛ قادر على ما هو أعظم من ذلك..
فالحاصل أن بني إسرائيل لا شك أفضل العالمين حينما كانوا عباد الله الصالحين؛ أما حين ضربت عليهم الذلة، واللعنة، والصَّغار فإنهم ليسوا أفضل العالمين؛ بل منهم القردة، والخنازير؛ وهم أذل عباد الله لقوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله} [آل عمران: 112] ، وقوله تعالى: {لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} [الحشر: 14] ..
ويدل لذلك . أي أن المراد بقوله تعالى .: { فضلتكم على العالمين } أي في وقتكم، أو فيمن سبقكم: قوله تعالى في هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم} [آل عمران: 110] ؛ فقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} صريح في تفضيلهم على الناس؛ ولهذا قال تعالى: { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم }؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أننا نوفي سبعين أمة نحن أكرمها، وأفضلها عند الله عزّ وجل(2
)ّ . وهذا أمر لا شك فيه .، ولله الحمد..
.4 ومن فوائد الآية: أن الله تعالى إذا فضل أحداً بعلم، أو مال، أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله تعالى: { وأني فضلتكم على العالمين }: خصها بالذكر لأهميتها..
.5 ومنها: تفاضل الناس، وأن الناس درجات؛ وهذا أمر معلوم . حتى الرسل يفضل بعضهم بعضاً .، كما قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [البقرة: 253] ، وقال تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} [الإسراء: 55] ..

القرآن
)وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة:48)
التفسير:


.{ 48 } قوله تعالى: { واتقوا يوماً } أي اتخذوا وقاية من هذا اليوم بالاستعداد له بطاعة الله..
قوله تعالى: { لا تجزي نفس عن نفس شيئاً } أي لا تغني؛ و{ نفس } نكرة في سياق النفي، فيكون عاماً؛ فلا تجزي، ولا تغني نفس عن نفس أبداً . حتى الرسول صلى الله عليه وسلم لا يغني شيئاً عن أبيه، ولا أمه .؛ وقد نادى صلى الله عليه وسلم عشيرته الأقربين؛ فجعل ينادي كل واحد باسمه، ويقول: "يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً؛ يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك شيئاً..."(1) . مع أن العادة أن الإنسان يدافع عن حريمه، وعن نسائه .؛ لكن في يوم القيامة ليست هناك مدافعة؛ بل قال الله تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101] : تزول الأنساب، وينسى الإنسان كل شيء، ولا يسأل أين ولدي، ولا أين ذهب أبي، ولا أين ذهب أخي، ولا أين ذهبت أمي: {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} [عبس: 37] ..
قوله تعالى: { ولا يقبل منها شفاعة } أي لا يقبل من نفس عن نفس شفاعة؛ و "الشفاعة" هي التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة؛ فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة(2) : من جلب المنفعة؛ وشفاعته فيمن استحق النار ألا يدخلها(3) ، وفيمن دخلها أن يخرج منها(4) : من دفع المضرة؛ فيومَ القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل من نفس عن نفس شفاعة أبداً..
قوله تعالى: { ولا يؤخذ منها } أي من النفس؛ { عدل } أي بديل يعدل به عن الجزاء؛ و "العدل" بمعنى المعادِل المكافئ؛ ففي الدنيا قد تجب العقوبة على شخص، ويفتدي نفسه ببدل؛ لكن في الآخرة لا يمكن..
قوله تعالى: { ولا هم ينصرون } أي لا أحد ينصرهم . أي يمنعهم من عذاب الله .؛ لأن الذي يخفف العذاب واحد من هذه الأمور الثلاثة: إما شفاعة؛ وإما معادلة؛ وإما نصر..
الفوائد:


.1 من فوائد الآية: التحذير من يوم القيامة؛ وهذا يقع في القرآن كثيراً؛ لقوله تعالى: { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله }، وقوله تعالى: {يوماً يجعل الولدان شيباً} [المزمل: 17] ..
.2 ومنها: أنه في يوم القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً . بخلاف الدنيا .: فإنه قد يجزي أحد عن أحد؛ لكن يوم القيامة: لا..
.3 ومنها: أن الشفاعة لا تنفع يوم القيامة؛ والمراد لا تنفع من لا يستحق أن يشفع له؛ وأما من يستحق فقد دلت النصوص المتواترة على ثبوت الشفاعة . وهي معروفة في مظانها من كتب الحديث، والعقائد ...
.4 ومنها: أن يوم القيامة ليس فيه فداء؛ لا يمكن أن يقدم الإنسان فداءً يعدل به؛ لقوله تعالى: ( ولا عدل)
.5 ومنها: أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة؛ ولهذا قال الله تعالى: {ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون} [الصافات: 25، 26] ؛ فلا أحد ينصر أحداً يوم القيامة . لا الآلهة، ولا الأسياد، ولا الأشراف، ولا غيرهم ...

القرآن
)وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (البقرة:49)
التفسير:
.{ 49 } قوله تعالى: { وإذ نجيناكم من آل فرعون } أي واذكروا إذ أنقذناكم من آل فرعون؛ والمراد بـ{ آل فرعون } جماعة فرعون، ويدخل فيهم فرعون بالأولوية؛ لأنه هو المسلِّط لهم على بني إسرائيل..
وكان بنو إسرائيل مستضعفين في مصر، وسُلِّط عليهم الفراعنة حتى كانوا كما قال الله تعالى: { يسومونكم سوء العذاب }؛ ومعنى "السوم" في الأصل: الرعي؛ ومنه السائمة . أي الراعية . والمعنى: أنهم لا يرعونكم إلا بهذا البلاء العظيم و{ سوء العذاب } أي سيئه وقبيحه..


قوله تعالى: { يذبحون أبنائكم }: الفعل مضَعَّف . أي مشدد . للمبالغة؛ لكثرة من يذْبحون، وعظم ذبحهم؛ هذا وقد جاء في سورة الأعراف: { يقتلون } وهو بمعنى { يذبحون }؛ ويحتمل أن يكون مغايراً له؛ فيُحمل على أنهم يقتلون بعضاً بغير الذبح، ويذبحون بعضاً؛ وعلى كلِّ فالجملة بيان لقوله تعالى: { يسومونكم سوء العذاب}؛ هذا وجاء في سورة إبراهيم: { يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم } بالواو عطفاً على قوله تعالى: { يسومونكم }؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ فيكون المعنى أنهم جمعوا بين سوم العذاب . وهو التنكيل، والتعذيب . وبين الذبح..
قوله تعالى: { ويستحيون نساءكم } أي يستبقون نساءكم؛ لأنه إذا ذهب الرجال، وبقيت النساء ذلّ الشعب، وانكسرت شوكته؛ لأن النساء ليس عندهن من يدافع، ويبقين خدماً لآل فرعون؛ وهذا . والعياذ بالله. من أعظم ما يكون من الإذلال؛ ومع هذا أنجاهم الله تعالى من آل فرعون، وأورثهم ديار آل فرعون، كما قال تعالى: {فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 57. 59] وقال تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوماً آخرين} [الدخان: 25 . 28] . وهم بنو إسرائيل ...
قوله تعالى: { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } أي وفي إنجائكم من آل فرعون ابتلاء من الله عزّ وجل عظيم. أي اختبار عظيم .؛ ليعلم من يشكر منكم، ومن لا يشكر..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: تذكير الله تعالى لبني إسرائيل نعمته عليهم بإنجائهم من آل فرعون..
.2 ومنها: أن الإنجاء من العدو نعمة كبيرة ينعم الله بها على العبد؛ ولهذا ذكرهم الله بها في قوله تعالى:
( نجيناكم )


.3 ومنها: بيان حنق آل فرعون على بني إسرائيل؛ وقيل: إن هذا التقتيل كان بعد بعثة موسى؛ لأن فرعون لما جاءه موسى بالبينات قال: {اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم} [غافر: 25] ، وقال في سورة الأعراف: {سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} (الأعراف: 127)
وذكر بعض المؤرخين أن هذا التقتيل كان قبل بعثة موسى، أو قبل ولادته؛ لأن الكهنة ذكروا لفرعون أنه سيولد لبني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يده؛ فجعل يقتلهم؛ وعضدوا هذا القول بما أوحى الله تعالى إلى أم موسى: {أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني} [القصص: 7] ؛ لكن هذه الآية ليست صريحة فيما ذكروا؛ لأنها قد تخاف عليه إما من هذا الفعل العام الذي يقتَّل به الأبناء، أو بسبب آخر، وآية الأعراف: {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} [الأعراف: 129] لا دليل فيها صراحة على أن التقتيل كان قبل ولادة موسى عليه السلام؛ لأن الإيذاء لا يدل على القتل، ولأن فرعون لم يقل: سنقتل أبناءهم، ونستحيي نساءهم إلا بعد أن أُرسل إليه موسى عليه السلام، ولهذا قال موسى عليه السلام لقومه بعد ذلك: {استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} (الأعراف: 128)
.4 ومنها: أن الرب سبحانه وتعالى له مطلق التصرف في عباده بما يسوؤهم، أو يسرهم؛ لقوله تعالى:
{ من ربكم } يعني هذا العذاب الذي سامكم إياه آل فرعون، والإنقاذ منه؛ كله من الله عزّ وجلّ؛ فهو الذي بيده الخير، ومنه كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء..
القرآن
)وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة:50)
التفسير:
.{ 50 } قوله تعالى: { وإذ }: متعلقة بمحذوف؛ والتقدير: واذكروا . يعني بني إسرائيل . إذ؛ { فرقنا بكم البحر } أي فلقناه لكم، وفصلنا بعضه عن بعض حتى عبرتم إلى الشاطئ..


قوله تعالى { فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون }: وذلك أن موسى، وقومه لما تكاملوا خارجين من هذا الذي فلقه الله عزّ وجلّ من البحر دخل فرعون، وقومه؛ فلما تكاملوا داخلين أمر الله تعالى البحر، فانطبق عليهم، فغرقوا جميعاً..
قوله تعالى: { وأنتم تنظرون }: الجملة هذه حالية . أي أن هذا وقع والحال أنكم تنظرون؛ ولهذا قال الله . تبارك وتعالى . لفرعون: {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} [يونس: 92] ينظرون إليك أنك قد هلكت..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: مناسبة قوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } لما قبله ظاهرة جداً، وذلك أنه لما ذكر الله سبحانه وتعالى تسلُّطَ آل فرعون عليهم ذكر مآل هؤلاء المتسلطين؛ وأن الله أغرقهم، وأنجى هؤلاء، وأورثهم أرضهم، كما قال الله تعالى: {وأورثناها بني إسرائيل} (الشعراء: 59).
.2 ومنها: تذكير الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بنعمه؛ وقد تضمن هذا التذكير حصول المطلوب، وزوال المكروه؛ حصول المطلوب: بنجاتهم؛ وزوال المكروه: بإهلاك عدوهم..
.3 ومنها: بيان قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهذا الماء السيال أمره الله . تبارك وتعالى . أن يتمايز، وينفصل بعضه عن بعض؛ فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم . أي كالجبل العظيم؛ وثم وجه آخر من هذه القدرة: أن هذه الطرق صارت يبساً في الحال مع أنه قد مضى عليها سنون كثيرة لا يعلمها إلا الله عزّ وجلّ والماء من فوقها، ولكنها صارت في لحظة واحدة يبساً، كما قال تعالى: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى} [طه: 77] ؛ وقد ذكر بعض المفسرين أنه كانت في هذه الفرق فتحات ينظر بعضهم إلى بعض . حتى لا ينْزعجوا، ويقولوا: أين أصحابنا؟! وهذا ليس ببعيد على الله سبحانه وتعالى..


وقد وقع مثل ذلك لهذه الأمة؛ فقد ذكر ابن كثير . رحمه الله في "البداية والنهاية" أنه ما من آية سبقت لرسول إلا لرسولنا صلى الله عليه وسلم مثلها: إما له صلى الله عليه وسلم هو بنفسه، أو لأمته؛ ومعلوم أن الكرامات التي تقع لمتبع الرسول هي في الحقيقة آيات له؛ لأنها تصديق لطريق هذا الولي المتبع للرسول؛ فتكون آية على صدق الرسول، وصحة الشريعة؛ ولهذا من القواعد المعروفة أن كل كرامة لولي فهي آية لذلك النبي المتبع؛ وذكر ابن كثير رحمه الله في "البداية والنهاية" على ذلك أمثلة؛ ومنها أن من الصحابة من مشَوا على الماء؛ وهو أبلغ من فلق البحر لبني إسرائيل، ومشيهم على الأرض اليابسة..
.4من فوائد الآية: أن الآل يدخل فيهم من ينتسبون إليهم؛ فقد قال تعالى: { وأغرقنا آل فرعون }؛ وفرعون قد غرق بلا شك، كما قال تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] الآيتين..
.5 ومنها: أن إغراق عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه؛ فإغراقه، أو إهلاكه نعمة؛ وكون عدوه ينظر إليه نعمة أخرى؛ لأنه يشفي صدره؛ وإهلاك العدو بيد عدوه أشفى، كما قال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم} [التوبة: 14، 15] ؛ نعم، عند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله عزّ وجلّ؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التي أرسلها الله عزّ وجلّ، كما قال تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها} [الأحزاب: 9] ..
.6 ومن فوائد الآية: عتوّ بني إسرائيل؛ فإن بني إسرائيل مع هذه النعم العظيمة كانوا من أشد الناس طغياناً، وتكذيباً للرسل، واستكباراً عن عبادة الله عزّ وجلّ..


.7 ومنها: أن الله تعالى سخِر من فرعون، حيث أهلكه بجنس ما كان يفتخر به، وأورث أرضه موسى . عليه الصلاة والسلام؛ وقد كان فرعون يقول: {يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} [الزخرف: 51 . 52] ؛ فأغرقه الله تعالى بالماء الذي كان يفتخر بجنسه، وأورث موسى أرضه الذي وصفه بأنه مهين، ولا يكاد يبين..
القرآن
)وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة:51)) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:52)
التفسير:
.{ 51 } قوله تعالى: { وإذ واعدنا موسى } أي واذكروا إذ واعدنا موسى؛ { أربعين ليلة }: وعده الله تعالى لميقاته ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ وفي قوله تعالى: { واعدنا } قراءتان سبعيتان: بألف بعد الواو؛ وبدونها..
قوله تعالى: { ثم اتخذتم العجل } أي صيرتم العجل؛ و{ العجل } مفعول أول؛ والثاني: محذوف؛ والتقدير: اتخذتم العجل إلهاً؛ و "العجل" تمثال من ذهب صنعه السامري، وقال لبني إسرائيل: هذا إلهكم، وإله موسى فنسي..
قوله تعالى: { من بعده } أي من بعد موسى حين ذهب لميقات الله..
قوله تعالى: { وأنتم ظالمون }: هذه الجملة حال من التاء في قوله تعالى: { اتخذتم }؛ والفائدة من ذكر هذه الحال زيادة التوبيخ، وأنهم غير معذورين..
.{ 52 } قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم } أي تجاوزنا عن عقوبتكم؛ { من بعد ذلك }: أتى بها؛ لأن العفو إنما حصل حين تابوا إلى الله، وقتلوا أنفسهم..


قوله تعالى: { لعلكم تشكرون }، "لعل" هنا للتعليل؛ و{ تشكرون } أي تشكرون الله على نعمه؛ والشكر يكون بالقلب: وهو إيمان القلب بأن النعمة من الله عزّ وجلّ، وأن له المنة في ذلك؛ ويكون باللسان: وهو التحدث بنعمة الله اعترافاً . لا افتخاراً؛ ويكون بالجوارح: وهو القيام بطاعة المنعِم؛ وفي ذلك يقول الشاعر:.
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: حكمة الله . تبارك وتعالى . في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينَزِّل عليه فيها التوراة . مع أنه سبحانه وتعالى قادر على أن يَنزِّلها في ليلة مرة واحدة؛ ولكن لحكمة . لا نعلم ما هي . وعده الله تعالى ثلاثين ليلة أولاً، ثم أتمها بعشر؛ فتم ميقات ربه أربعين ليلة..
.2 ومنها: بيان جهل بني إسرائيل الجهل التام؛ وجه ذلك أن هذا الحلي الذي جعلوه إلهاً هم الذين صنعوه بأنفسهم؛ فقد استعاروا حلياً من آل فرعون، وصنعوه على صورة الثور عجلاً جسداً . لا روح فيه؛ ثم قال السامري: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88] ؛ وزعموا أن موسى ضلّ، ولم يهتد إلى ربه، وهذا ربه! والعياذ بالله؛ فكيف يكون المصنوع رباً لكم، ولموسى وأنتم الذين صنعتموه! وهذا دليل على جهلهم، وغباوتهم إلى أبعد الحدود؛ وقد قالوا لموسى . عليه الصلاة والسلام . حينما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] قال لهم نبيهم موسى: {إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138] ، وصدق عليه الصلاة والسلام..
.3 ومن فوائد الآيتين: أن اتخاذهم العجل كان عن ظلم؛ لقوله تعالى: { وأنتم ظالمون } . وهذا أبلغ، وأشنع في توبيخهم، والإنكار عليهم..
.4 ومنها: سعة حلم الله عزّ وجلّ، وأنه مهما بارز الإنسان ربه بالذنوب فإن حلم الله تعالى قد يشمله، فيوفق للتوبة؛ وهؤلاء وفِّقوا لها..


.5 ومنها: أن العفو موجب للشكر؛ لقوله تعالى: { لعلكم تشكرون }؛ وإذا كان العفو . وهو زوال النقم . موجباً للشكر فحدوث النعم أيضاً موجب للشكر من باب أولى..

القرآن
)وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (البقرة:53)
التفسير:
.{ 53 } قوله تعالى: { وإذ آتينا موسى الكتاب } أي واذكروا إذ أعطينا موسى؛ { الكتاب } أي التوراة..
قوله تعالى: { والفرقان } إما صفة مشبهة، أو مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ لأن المراد بـ{ الفرقان } الفارق؛ والمراد به هنا الفارق بين الحق والباطل؛ وعطفه هنا من باب عطف الصفة على الموصوف؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ والمغايرة يكتفى فيها بأدنى شيء؛ قد تكون المغايرة بين ذاتين؛ وقد تكون المغايرة بين صفتين؛ وقد تكون بين ذات وصفة؛ فمثلاً: قوله تعالى: {خلق السماوات والأرض} [الأنعام: 1] : المغايرة بين ذاتين؛ وقوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى} [الأعلى: 1 . 4] : المغايرة بين صفتين؛ وقوله تعالى هنا: { الكتاب والفرقان }: المغايرة بين ذات وصفة؛ فـ{ الكتاب } نفس التوراة؛ و{ الفرقان } صفته؛ فالعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف..
قوله تعالى: { لعلكم تهتدون }: "لعل" للتعليل؛ أي لعلكم تهتدون بهذا الكتاب الذي هو الفرقان؛ لأن الفرقان هدى يهتدي به المرء من الضلالة؛ و{ تهتدون } أي هداية العلم، والتوفيق؛ فهو نازل للهداية؛ ولكن من الناس من يهتدي، ومنهم من لا يهتدي..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من نعمه، وآلائه؛ بل هو من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق؛ بل ولا حق المخلوق؛ ولذلك نزلت الكتب تبياناً للناس..
.2 ومنها: أن موسى صلى الله عليه وسلم نبي رسول، لأن الله تعالى آتاه الكتاب..


.3 ومنها: فضيلة التوراة؛ لأنه أُطلق عليها اسم { الكتاب }؛ و "أل" هذه للعهد الذهني؛ فدل هذا على أنها معروفة لدى بني إسرائيل، وأنه إذا أُطلق الكتاب عندهم فهو التوراة؛ أيضاً سماها الله تعالى الفرقان، كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين أعظم الكتب، وأهداهما؛ لقوله تعالى: {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} [القصص: 49] . يعني التوراة، والإنجيل . {أتبعه إن كنتم صادقين} [القصص: 49] ؛ ودل هذا على أن التوراة مشاركة للقرآن في كونها فرقاناً؛ ولهذا كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل، كما قال تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} [المائدة: 44] ..
.4 ومن فوائد الآية: بيان عتوّ بني إسرائيل، وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقاناً، ثم هم يكفرون هذا الكفر دلّ على زيادة عتوهم، وطغيانهم؛ إذ من نُزِّل عليه كتاب يكون فرقاناً كان يجب عليه بمقتضى ذلك أن يكون مؤمناً مذعناً..
.5 ومنها: أن الله . تبارك وتعالى . يُنزل الكتب، ويجعلها فرقاناً لغاية حميدة حقاً . وهي الهداية؛ لقوله تعالى: ( لعلكم تهتدون )
.6 ومنها: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء . لا يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وجعجعة المتكلمين، والفلاسفة، وما أشبه ذلك؛ بل من الكتب المنَزلة من السماء..
فعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد، والعباد، ونحوهم نقول لكاتبيها، وقارئيها: خير لكم أن تبدو للناس كتاب الله عزّ وجلّ، وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم وتبسطوا ذلك، وتشرحوه، وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعاً للخلق؛ لأنه لا طريق للهداية إلى الله إلا ما جاء من عند الله عزّ وجلّ..


.7 ومن فوائد الآية: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ وبسط ذلك مذكور في كتب العقائد..
.8 ومنها: أن الإيتاء المضاف إلى الله سبحانه وتعالى يكون كونياً، ويكون شرعياً؛ مثال الكوني قوله تعالى: {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} [القصص: 76] ؛ ومثال الشرعي قوله تعالى: {وآتينا موسى الكتاب} (الإسراء: 2)

القرآن
)وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:54)
التفسير:
.{ 54 } ثم ذكر الله تعالى نعمة أخرى أيضاً فقال: { وإذ قال موسى لقومه } أي واذكروا إذ قال موسى لقومه؛ { يا قوم } أي يا أصحابي؛ وناداهم بوصف القومية تحبباً، وتودداً، وإظهاراً بأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه بمقتضى العادة..

قوله تعالى: { إنكم ظلمتم أنفسكم }: أكد الجملة لبيان حقيقة ما هم عليه؛ و{ ظلمتم } بمعنى نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن "الظلم" في الأصل بمعنى النقص، كما قال الله تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً} [الكهف: 33] أي لم تنقص..
قوله تعالى: { باتخاذكم العجل }: الباء هنا للسببية . أي بسبب اتخاذكم العجل؛ و "اتخاذ" مصدر فِعْله: اتخذ؛ وهو مضاف إلى فاعله: الكاف؛ و{ العجل } مفعول أول؛ والمفعول الثاني محذوف تقديره: إلهاً؛ والمعنى: ظلمتم أنفسكم بسبب اتخاذكم العجل إلهاً تعبدونه من دون الله؛ وهذا العجل سبق أنه عجل من ذهب، وأن الذي فتن الناس به رجل يقال له: السامري..


قوله تعالى: { فتوبوا إلى بارئكم } أي ارجعوا إليه من معصيته إلى طاعته؛ و "البارئ" : الخالق المعتني بخلقه؛ فكأنه يقول: كيف تتخذون العجل إلهاً وتَدَعون خالقكم الذي يعتني بكم؛ وهذا كقول إلياس عليه السلام لقومه: {أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الأولين} [الصافات: 125، 126] ..
قوله تعالى: { فاقتلوا أنفسكم }: الفاء هنا تفسيرية؛ لأن قوله تعالى: { فاقتلوا } تفسير للمجمل في قوله تعالى: { توبوا }؛ وعلى هذا فالفاء للتفسير؛ أي: فتوبوا بهذا الفعل . وهو أن تقتلوا أنفسكم؛ أي ليقتل بعضكم بعضاً؛ وليس المعنى أن كل رجل يقتل نفسه . بالإجماع؛ فلم يقل أحد من المفسرين: إن معنى قوله تعالى: { فاقتلوا أنفسكم } أي يقتل كل رجل نفسه؛ وإنما المعنى: ليقتل بعضكم بعضاً: يقتل الإنسان ولده، أو والده، أو أخاه؛ المهم أنكم تستعدون، وتتخذون سلاحاً . خناجر، وسكاكين، وسيوفاً . وكل واحد منكم يهجم على الآخر، ويقتله..
واختلف المفسرون: هل هذا القتل وقع في ظلمة، أو وقع جهاراً بدون ظلمة؟ فقيل: إنهم لما أمروا بذلك قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضاً وهو ينظر إليه: ينظر الإنسان إلى ابنه، فيقتله، وإلى أبيه، وإلى صديقه! هذا شيء لا يطاق؛ فألقى الله تعالى عليهم ظلمة، وصار يقتل بعضهم بعضاً، ولا يدري مَن قتل..
وقيل: بل إنهم قتلوا أنفسهم جهراً بدون ظلمة، وأن هذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم، وأنه لما رأى موسى صلى الله عليه وسلم أنهم سينتهون . لأنه إذا قتل بعضهم بعضاً لن يبقى إلا واحد . ابتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنهم الإصر؛ فأمروا بالكف؛ وقيل: بل سقطت أسلحتهم من أيديهم . والله أعلم..
وظاهر القرآن أنه لم تكن هناك ظلمة، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً عِياناً، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم، ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى..


وذهب بعضهم إلى أن المراد: أن يقتل البريء منكم المجرم . يعني الذين دعوا إلى عبادة العجل، وعكفوا عليه يُقتَلون؛ والذين تبرؤوا منه يَقتلون . والله أعلم..
ولكن الظاهر الأول؛ لأن قتل البريء للمجرم ليس فيه دلالة على صدق التوبة من المجرمين؛ لأن الإنسان قد يُقتل وهو مصرّ على الذنب؛ ولا يدل ذلك على توبته..
قوله تعالى: { ذلكم } المشار إليه قتل أنفسهم؛ { خير لكم عند بارئكم } أي من عدم التوبة؛ أو من عدم القتل؛ وهذا من التفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ والتفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء وارد في اللغة العربية؛ لكن بعضهم يقول: إنه لا يكون بمعنى التفضيل؛ بل المراد به وجود الخير في هذا الأمر بدون وجود مفضَّل عليه..
قوله تعالى: { إنه هو التواب الرحيم }: هذه الجملة تعليل لما قبلها؛ و{ هو } ضمير فصل؛ وسبق بيان فوائده؛ و{ التواب } أي كثير التوبة: لكثرة توبته على العبد الواحد، وكثرة توبته على التائبين الذين لا يحصيهم إلا الله، فهو يتوب في المرات المتعددة على عبده، ويتوب على الأشخاص الكثيرين الذين تكثر توبتهم؛
و{ الرحيم } أي ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء..
الفوائد:
.1من فوائد الآية: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يستعمل الأسلوب الذي يجذب إليه الناس، ويعطفهم عليه؛ لقوله تعالى حكاية عن موسى: { يا قوم }؛ فإن هذا لا شك فيه من التودد، والتلطف، والتحبب ما هو ظاهر..
.2 ومنها: أن اتخاذ الأصنام مع الله ظلم؛ لقوله: { إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل }..
.3ومنها: أن المعاصي ظلم للنفوس؛ وجه ذلك: أن النفس أمانة عندك؛ فيجب عليك أن ترعاها بأحسن رعاية، وأن تجنبها سوء الرعاية؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إن لنفسك عليك حقا(1)ً" ..


.4 ومنها: أنه ينبغي التعبير بما يناسب المقام؛ لقوله: { فتوبوا إلى بارئكم }؛ لأن ذكر "البارئ" هنا كإقامة الحجة عليهم في أن العجل لا يكون إلهاً؛ فإن الذي يستحق أن يكون إلهاً هو البارئ . أي الخالق سبحانه وتعالى..
.5ومنها: وجوب التوبة؛ لقوله: ( فتوبوا إلى بارئكم )
.6 ومنها: أن التوبة على الفور؛ لقوله: { فتوبوا }؛ لأن الفاء للترتيب، والتعقيب..
.7 ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبباتها؛ لقوله { باتخاذكم }: فإن الباء هنا للسببية..
.8 ومنها: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يبين الأسباب فيما يحكم به؛ لقوله: ( إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل )
.9 ومنها: سفاهة بني إسرائيل، حيث عبدوا ما صنعوا وهم يعلمون أنه لا يرجع إليهم قولاً، ولا يملك لهم ضراً، ولا نفعاً..
.10 ومنها: ما وضع الله تعالى على بني إسرائيل من الأغلال، والآصار، حيث كانت توبتهم من عبادة العجل أن يقتل بعضهم بعضاً؛ لقوله: { فاقتلوا أنفسكم }..
.11 ومنها: أن الأمة كنفس واحدة؛ وذلك لقوله: { فاقتلوا أنفسكم }؛ لأنهم ما أُمروا أن يقتل كل واحد منهم نفسه؛ بل يقتل بعضهم بعضاً؛ ونظير ذلك قوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11] أي لا يلمز بعضكم بعضاً؛ وعبر عن ذلك بـ "النفس" ؛ لأن الأمة شيء واحد؛ فمن لمز أخاه فكمن لمز نفسه
.12 ومنها: تفاضل الأعمال؛ لقوله: (ذلكم خير لكم عند بارئكم )
.13 ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يتوب على التائبين مهما عظم ذنبهم؛ لقوله تعالى: { فتاب عليكم }..
.14 ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله . وهما { التواب }، و{ الرحيم }؛ وإثبات ما تضمناه من صفة . وهي: التوبة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما . لا تكون عند انفراد أحدهما؛ لأنه لما اقترنا حصل من اجتماعهما صفة ثالثة . وهي: الجمع بين التوبة التي بها زوال المكروه، والرحمة التي بها حصول المطلوب..


.15 ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لما يقتضيه هذان الاسمان من أسماء الله؛ فيتعرض لتوبة الله، ورحمته؛ فيتوب إلى ربه سبحانه وتعالى، ويرجو الرحمة؛ وهذا هو أحد المعاني التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحصاها" . أي أسماء الله التسعة والتسعين . "دخل الجنة"(1) ؛ فإن من إحصائها أن يتعبد الإنسان بمقتضاها..

القرآن
)وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة:55) (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:56)
التفسير:
.{ 55 } قوله تعالى: { وإذ قلتم يا موسى } أي: واذكروا أيضاً يا بني إسرائيل إذ قلتم...؛ والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن إنعامه على أول الأمة إنعام على آخرها؛ فصح توجيه الخطاب إلى المتأخرين مع أن هذه النعمة على من سبقهم..
قوله تعالى: { لن نؤمن لك } أي لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به..
قوله تعالى: { حتى نرى الله جهرة }: { نرى } بمعنى نبصر؛ ولهذا لم تنصب إلا مفعولاً واحداً؛ لأنها رؤية بصرية؛ واختلف العلماء متى كان هذا، على قولين:.
القول الأول: أن موسى صلى الله عليه وسلم اختار من قومه سبعين رجلاً لميقات الله، وذهب بهم؛ ولما صار يكلم الله، ويكلمه الله قالوا: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }؛ فعلى هذا القول يكون صعقهم حينما كان موسى خارجاً لميقات الله..
القول الثاني: أنه لما رجع موسى من ميقات الله، وأنزل الله عليه التوراة، وجاء بها قالوا: "ليست من الله؛ { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }"..
والسياق يؤيد الثاني؛ لأنه تعالى قال: { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان }، ثم ذكر قصة العجل، وهذه كانت بعد مجيء موسى بالتوراة، ثم بعد ذلك ذكر: { وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }..


وأما قوله تعالى: {فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} [الأعراف: 155] فقد أيد بعضهم القول الأول بهذه الآية؛ ولكن الحقيقة ليس فيه تأييد لهم؛ لأنه تعالى قال: {فلما أخذتهم الرجفة} [الأعراف: 155] . رُجِفَ بهم؛ والأخرى: أخذتهم الصاعقة . صعقوا، وماتوا..
فالظاهر لي أن القول الأول لا يترجح بهذه الآية لاختلاف العقوبتين؛ هذه الآية كانت العقوبة بالصاعقة؛ وتلك كانت بالرجفة . والله أعلم..
قوله تعالى: { فأخذتكم الصاعقة } يعني الموت الذي صعقوا به؛ { وأنتم تنظرون } أي ينظر بعضكم إلى بعض حين تتساقطون؛ والجملة في قوله تعالى: { وأنتم تنظرون } حال من الكاف في قوله تعالى: { فأخذتكم الصاعقة } يعني: والحال أنكم تنظرون..
.{ 56 } قوله تعالى: { ثم بعثناكم بعد موتكم }: أصل "البعث" في اللغة الإخراج؛ ويطلق على الإحياء، كما هذه الآية؛ ويدل على أن المراد به الإحياء هنا قوله تعالى: { من بعد موتكم }؛ وهو موت حقيقي، وليس نوماً، لأن النوم يسمى وفاة؛ ولا يسمى موتاً، كما في قوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} [الأنعام: 60] ، وقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} [الزمر: 42]
وقوله تعالى: { بعثناكم من بعد موتكم }: هذه نعمة كبيرة عليهم أن الله تعالى أخذهم بهذه العقوبة، ثم بعثهم ليرتدعوا؛ ويكون كفارة لهم؛ ولهذا قال تعالى: { لعلكم تشكرون } أي تشكرون الله سبحانه وتعالى؛ و "لعل" هنا للتعليل..


وهذه إحدى الآية الخمس التي في سورة البقرة التي فيها إحياء الله تعالى الموتى؛ والثانية: في قصة صاحب البقرة؛ والثالثة: في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال الله لهم: {موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243] ؛ والرابعة: في قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه} [البقرة: 259] ؛ والخامسة في قصة إبراهيم: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي...} [البقرة: 260] الآية؛ والله تعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} [المؤمنون: 15، 16] ؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها . كإخراج عيسى الموتى من قبورهم . تعتبر أمراً عارضاً يؤتى به لآية من آيات الله سبحانه وتعالى؛ أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [الأنبياء: 38] ، ويقولون: {فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} [الدخان: 36] نقول: إن هؤلاء مموهون؛ فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن؛ بل يوم القيامة؛ ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.
2 . ومنها: سفاهة بني إسرائيل؛ وما أكثر ما يدل على سفاهتهم؛ فهم يؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }.


3 . ومنها: أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقوله تعالى: { فأخذتكم الصاعقة }؛ لأن الفاء تدل على السببية . ولا سيما في مثل حال هؤلاء الذين قالوا هذا عن تشكك؛ وفرْق بين قول موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143] ، وبين قول هؤلاء: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }؛ فموسى قال ذلك شوقاً إلى الله عزّ وجلّ، وليتلذذ بالرؤية إليه؛ أما هؤلاء فقالوه تشككاً . يعني: لسنا بمؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة؛ ففرق بين الطلبين.
4 . ومن فوائد الآيتين: أن ألم العقوبة، ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها أشد؛ لقوله تعالى: { وأنتم تنظرون }؛ فإن الإنسان إذا رأى الناس يتساقطون في العقوبة يكون ذلك أشد وقعاً عليه.
5 . ومنها: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث أحياهم بعد الموت؛ لقوله تعالى: ثم بعثناكم من بعد موتكم }.
6 . ومنها: وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله تعالى: { لعلكم تشكرون }؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقراراً بالقلب، واعترافاً باللسان، وعملاً بالأركان؛ فيعترف بقلبه أنها من الله، ولا يقول: إنما أوتيته على علم عندي؛ كذلك أيضاً يتحدث بها بلسانه اعترافاً . لا افتخاراً؛ وكذلك أيضاً يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى بجوارحه؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر؛ وعليه قول الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا 7 . ومن فوائد الآيتين: إثبات الحكمة لله تعالى: لقوله: { لعلكم تشكرون }؛ فإن "لعل" هنا للتعليل المفيد للحكمة..

القرآن
)وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (البقرة:57)
التفسير:


.{ 57 } قوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام } أي جعلناه ظلاً عليكم؛ وكان ذلك في التيه حين تاهوا؛ وقد بقوا في التيه بين مصر والشام أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ وما كان عندهم ماء، ولا مأوى؛ ولكن الله تعالى رحمهم، فظلل عليه الغمام؛ و{ الغمام } هو السحاب الرقيق الأبيض؛ وقيل: السحاب مطلقاً؛ وقيل: السحاب البارد الذي يكون به الجو بارداً، ويتولد منه رطوبة، فيبرد الجو . وهذا هو الظاهر..
قوله تعالى: { وأنزلنا عليكم المن }: يقولون: { المن } شيء يشبه العسل؛ ينْزل عليهم بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس؛ فإذا قاموا أكلوا منه؛ { والسلوى }: طائر ناعم يسمى "السُّمَانَى"، أو هو شبيه به؛ وهو من أحسن ما يكون من الطيور، وألذه لحماً..
قوله تعالى: { كلوا } الأمر هنا للإباحة؛ يعني أننا أبحنا لكم هذا الذي أنزلنا عليكم من المن، والسلوى؛ { من طيبات ما رزقناكم }: { مِنْ } هنا لبيان الجنس؛ وليست للتبعيض؛ لأنهم أبيح لهم أن يأكلوا جميع الطيبات..
قوله تعالى: { وما ظلمونا } أي ما نقصونا شيئاً؛ لأن الله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين..
قوله تعالى: { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }: { أنفسهم } مفعول مقدم لـ{ يظلمون }؛ وقُدِّم لإفادة الحصر . أي لا يظلمون بهذا إلا أنفسهم؛ أما الله . تبارك وتعالى . فإنهم لا يظلمونه؛ لأنه سبحانه وبحمده لا يتضرر بمعصيتهم، كما لا ينتفع بطاعتهم..

الفوائد:
.1 من فوائد الآية: نعمة الله تبارك وتعالى بما هيأه لعباده من الظلِّ؛ فإن الظلّ عن الحرّ من نعم الله على العباد؛ ولهذا ذكره الله عزّ وجلّ هنا ممتناً به على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام }، وقوله تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالًا} [النحل: 81] ..
.2 ومنها: أن الغمام يسير بأمر الله عزّ وجلّ، حيث جعل الغمام ظلاً على هؤلاء..


.3 . ومنها: بيان نعمة الله على بني إسرائيل بما إنزل عليهم من المن، والسلوى . يأتيهم بدون تعب، ولا مشقة؛ ولهذا وصف بـ "المن" ..
.4 ومنها: أن لحم الطيور من أفضل اللحوم؛ لأن الله تعالى هيأ لهم لحوم الطير . وهو أيضاً لحوم أهل الجنة، كما قال تعالى: {ولحم طير مما يشتهون} (الواقعة: 21)
.5 ومنها: أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله تعالى:
{ كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 57] ؛ فإن الإنسان لا ينبغي أن يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قال شيخ الإسلام . رحمه الله: "من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم"؛ وهذا صحيح؛ لأنه ترك ما أباح الله له وكأنه يقول: إنه لا يريد أن يكون لله عليه منة؛ فالإنسان لا ينبغي أن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي؛ والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بدينه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بغيره؛ فقد يمتنع الإنسان عن اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله، فيكون تركه له من باب الحمية؛ وقد يترك الإنسان اللحم، لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه حتى يكون همه أن يُذهب طيباته في حياته الدنيا؛ وقد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره، مثل ما يذكر عن عمر رضي الله عنه في عام الرمادة . عام الجدب المشهور . أنه كان لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده، ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع(1) ؛ فيكون تركه لذلك مراعاة لغيره؛ إذاً من امتنع من الطيبات لسبب شرعي فليس بمذموم..
.6 ومنها: أن المباح من الزرق هو الطيب؛ لقوله تعالى: ( كلوا من طيبات ).


.7 ومنها: تحريم أكل الخبيث، والخبيث نوعان: خبيث لذاته؛ وخبيث لكسبه؛ فالخبيث لذاته كالميتة، والخنْزير، والخمر، وما أشبهها، كما قال الله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنْزير فإنه رجس} [الأنعام: 145] أي نجس خبيث؛ وهذا محرم لذاته؛ محرم على جميع الناس؛ وأما الخبيث لكسبه فمثل المأخوذ عن طريق الغش، أو عن طريق الربا، أو عن طريق الكذب، وما أشبه ذلك؛ وهذا محرم على مكتسبه، وليس محرماً على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح؛ ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت، ويأخذون الربا، فدلّ ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب..
.8 ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة؛ لقوله تعالى: ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )
.9 ومنها: أن العاصي لا يضر الله شيئاً؛ وإنما يظلم نفسه..
القرآن
)وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:58) )فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (البقرة:59)
التفسير:
.{ 58 } قوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا ادخلوا هذه القرية؛ و{ ادخلوا } أمر كوني، وشرعي؛ لأنهم أُمروا بأن يدخلوها سجداً وهذا أمر شرعي؛ ثم فُتحت، فدخلوها بالأمر الكوني..


واختلف المفسرون في تعيين هذه القرية ؛ والصواب أن المراد بها: بيت المقدس؛ لأن موسى قال لهم: { ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] ؛ و{ القرية } هي البلد المسكون؛ مأخوذة من القرْي. وهو التجمع؛ وسميت البلاد المسكونة قرية لتجمع الناس بها؛ ومفهوم القرية في اللغة العربية غير مفهومها في العرف؛ لأن مفهوم القرية في العرف: البلد الصغير؛ وأما الكبير فيسمى مدينة؛ ولكنه في اللغة العربية . وهي لغة القرآن . لا فرق بين الصغير، والكبير؛ فقد سمى الله عزّ وجلّ مكة قرية، كما في قوله تعالى: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} [محمد: 13] : المراد بقريته التي أخرجته: مكة، وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها} [الشورى: 7] : فسمى مكة أم القرى وهو شامل للبلاد الصغيرة، والكبيرة..
قوله تعالى: { فكلوا منها }: الأمر للإباحة أي فأبحنا لكم أن تأكلوا منها؛ { حيث شئتم } أي في أي مكان كنتم من البلد في وسطها، أو أطرافها تأكلون ما تشاءون؛ { رغداً } أي طمأنينة، وهنيئاً لا أحد يعارضكم في ذلك، ولا يمانعكم..
قوله تعالى: { وادخلوا الباب } أي باب القرية؛ لأن القرى يجعل لها أبواب تحميها من الداخل، والخارج؛ { سجداً } منصوب على أنه حال من الواو في قوله تعالى: { ادخلوا } أي ساجدين؛ والمعنى: إذا دخلتم فاسجدوا شكراً لله؛ وعلى هذا فالحال ليست مقارنة لعاملها؛ بل هي متأخرة عنه..
قوله تعالى: { وقولوا حطة } أي قولوا هذه الكلمة: { حطة } أي احطط عنا ذنوبنا، وأوزارنا؛ فهي بمعنى قولوا: ربنا اغفر لنا؛ والمراد: اطلبوا المغفرة من الله سبحانه وتعالى إذا دخلتم، وسجدتم؛ و{ حطة } خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: سؤالنا حطة، أو حاجتنا حطة . أي أن تحط عنا ذنوبنا؛ والجملة من المبتدأ، والخبر في محل نصب مقول القول..


قوله تعالى: { نغفر لكم } بنون مفتوحة، وفاء مكسورة؛ وفي قراءة: { تُغفَر لكم } بتاء مضمومة، وفاء مفتوحة؛ وفي قراءة ثالثة: { يُغفَر } بياء مضمومة وفاء مفتوحة؛ وكلها قراءات صحيحة؛ بأيها قرأت أجزأك..
وقوله تعالى: { نغفر لكم خطاياكم }: "المغفرة" هي ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ ومعناه أن الله ستر ذنبك، ويتجاوز عنك، فلا يعاقبك؛ لأن "المغفرة" مأخوذة من المغفر . وهو ما يوقى به الرأس في الحرب؛ لأنه يستر، ويقي؛ ومن فسر "المغفرة" بمجرد الستر فقد قصَّر؛ لأن الله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة، وقرره بذنوبه قال: "قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم"(1) أي اليوم أسترها أيضاً، ثم أتجاوز عنها؛ و{ خطاياكم } جمع خَطِيَّة، كـ"مطايا" جمع مطية؛ و "الخطية" ما يرتكبه الإنسان من المعاصي عن عمد؛ وأما ما يرتكبه عن غير عمد فيسمى "أخطاء"؛ ولهذا يفرق بين "مخطئ"، و"خاطئ"؛ الخاطئ ملوم؛ والمخطئ معذور، كما قال الله تعالى: { لنسفعاً بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة } [العلق: 15، 16] ، وقال تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } (البقرة: 286)
قوله تعالى: { وسنزيد } أي سنعطي زيادة على مغفرة الذنوب { المحسنين } أي الذين يقومون بالإحسان، و "الإحسان" نوعان:.
الأول: إحسان في عبادة الله؛ وقد فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك(2)" ..
والنوع الثاني: إحسان في معاملة الخلق وهو بذل المعروف، وكفُّ الأذى..
.{ 59 } قوله تعالى: { فبدل الذين ظلموا } أي فاختار الذين ظلموا منهم على وجه التبديل، والمخالفة { قولاً غير الذي قيل لهم }: وذلك أنهم قالوا: "حنطة في شعيرة" بدلاً عن قولهم: "حطة" ..
وفي قوله تعالى: { فبدَّل الذين ظلموا } إظهار في موضع الإضمار؛ ومقتضى السياق أن يكون بلفظ: فبدلوا قولاً.. إلخ، وللإظهار في موضع الإضمار فوائد من أهمها:.


أولاً: تحقيق اتصاف محل المضمر بهذا الوصف؛ معنى ذلك: الحكم على هؤلاء بالظلم..
ثانياً: أن هذا مقياس لغيرهم أيضاً؛ فكل من بدل القول الذي قيل له فهو ظالم؛ فيؤخذ منه تعميم الحكم بعموم علة الوصف..
ثالثاً: التنبيه أعني تنبيه المخاطب؛ لأنه إذا جاء الكلام على خلاف السياق انتبه المخاطب..
قوله تعالى: { فأنزلنا } الفاء للسببية؛ والمعنى: فبسبب ما حصل منهم من التبديل أنزلنا { على الذين ظلموا } أي عليهم؛ { رجزاً } أي عذاباً؛ لقوله تعالى: {لئن كشفت عنا الرجز} [الأعراف: 134] . أي العذاب . {لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} [الأعراف: 134] ، والعذاب غير الرجس؛ لأن الرجس النجس القذر؛ والرجز: العذاب، { من السماء } أي من فوقهم، كالحجارة، والصواعق، والبَرَد، والريح، وغيرها؛ والمراد بـ{ السماء } هنا العلوّ، ولا يلزم أن يكون المراد بها السماء المحفوظة؛ لأن كل ما علا فهو سماء ما لم يوجد قرينة كما في قوله تعالى: {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون} [الأنبياء: 3]
قوله تعالى: { بما كانوا يفسقون }: الباء هنا للسببية . أي بسبب؛ و "ما" مصدرية . أي بكونهم فسقوا؛ وإذا كانت مصدرية فإنه يحول ما بعدها من الفعل، أو الجملة إلى مصدر؛ و{ كانوا }: هل المراد فيما مضى؛ أم المراد تحقيق اتصافهم بذلك؟ الجواب: الثاني؛ وهذا يأتي في القرآن كثيراً؛ و{ يفسقون } أي يخرجون عن طاعة الله عزّ وجلّ..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: إثبات القول لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا }؛ وهو قول حقيقي بصوت، وبحرف؛ لكن صوته سبحانه وتعالى لا يشبهه صوت من أصوات المخلوقين؛ ولا يمكن للإنسان أن يدرك هذا الصوت؛ لقوله تعالى: {ولا يحيطون به علماً} [طه: 110] ؛ وهكذا جميع صفات الله عزّ وجلّ لا يمكن إدراك حقائقها..
.2 ومنها: وعد الله لهم بدخولها؛ ويؤخذ هذا الوعد من الأمر بالدخول؛ فكأنه يقول: فتحنا لكم الأبواب فادخلوا..


.3 ومنها: جواز أكل بني إسرائيل من هذه القرية التي فتحوها؛ فإن قال قائل: أليس حِلّ الغنائم من خصائص هذه الأمة . أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: بلى، والإذن لبني إسرائيل أن يأكلوا من القرية التي دخلوها ليس على سبيل التمليك؛ بل هو على سبيل الإباحة؛ وأما حِلّ الغنائم لهذه الأمة فهو على سبيل التمليك..
.4 ومنها: أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الخضوع، والشكر لله؛ لقوله تعالى: { وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة }؛ ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخلها مطأطئاً رأسه(1) يقرأ قول الله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح: 1] ..
.5ومنها: لؤم بني إسرائيل، ومضادَتُهم لله، ورسله؛ لأنهم لم يدخلوا الباب سجداً؛ بل دخلوا يزحفون على أستاههم على الوراء استكباراً واستهزاءً..
.6 ومنها: بيان قبح التحريف سواء كان لفظياً، أو معنوياً؛ لأنه يغير المعنى المراد بالنصوص..
.7 ومنها: أن الجهاد مع الخضوع لله عزّ وجلّ، والاستغفار سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: { نغفر لكم خطاياكم }، وسبب للاستزادة أيضاً من الفضل؛ لقوله تعالى: { وسنزيد المحسنين }..
.8 ومنها: أن الإحسان سبب للزيادة سواء كان إحساناً في عبادة الله، أو إحساناً إلى عباد الله؛ فإن الإحسان سبب للزيادة؛ وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"(2) ؛ وقال: "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته(3)" ..
.9 ومنها: تحريم التبديل لكلمات الله وهو تحريفها؛ وأنه من الظلم، لقوله تعالى:( فبدل الذين ظلموا قولًا )
.10 ومنها: بيان عقوبة هؤلاء الظالمين، وأن الله أنزل عليهم الرجز من السماء..
.11 ومنها: الإشارة إلى عدل الله عزّ وجلّ، وأنه لا يظلم أحداً، وأن الإنسان هو الظالم لنفسه..


.12 ومنها: إثبات فسوق هؤلاء بخروجهم عن طاعة الله؛ والفسق نوعان: فسق أكبر مخرج عن الملة، وضده "الإيمان" ، كما في قوله تعالى: {وأمَّا الذين فسقوا فمأواهم النار} [السجدة: 20] ؛ و فسق أصغر لا يخرج عن الملة، وضده "العدالة" ، كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} (الحجرات: 6)
.13 ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ لقوله تعالى: { بما كانوا يفسقون }..
.14 ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى مجبر العبد على عمله؛ ووجه الرد أن الله سبحانه وتعالى أضاف الفسق إليهم؛ والفسق هو الخروج عن الطاعة؛ والوجه الثاني: أنهم لو كانوا مجبرين على أعمالهم لكان تعذيبهم ظلماً، والله . تبارك وتعالى . يقول: {ولا يظلم ربك أحداً} [الكهف: 49].
.15 ومنها: أن الفسوق سبب لنُزول العذاب..
القرآن
)وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (البقرة:60)
التفسير:
.{ 60 } قوله تعالى: { وإذا استسقى موسى لقومه } أي: واذكر إذ استسقى موسى لقومه . أي طلب السقيا لهم؛ وهذا يعم كونهم في التيه، وغيره..
قوله تعالى: { فقلنا اضرب بعصاك الحجر }: "العصا" معروفة؛ و{ الحجر }: المراد به الجنس؛ فيشمل أيّ حجر يكون؛ وهذا أبلغ من القول بأنه حجر معين؛ وهذه "العصا" كان فيها أربع آيات عظيمة:.
أولاً: أنه يلقيها، فتكون حية تسعى، ثم يأخذها، فتعود عصا..
ثانياً: أنه يضرب بها الحجر، فينفجر عيوناً..
ثالثاً: أنه ضرب بها البحر، فانفلق؛ فكان كل فرق كالطود العظيم..
رابعاً: أنه ألقاها حين اجتمع إليه السحرة، وألقوا حبالهم، وعصيهم، فألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون..


قوله تعالى: { فانفجرت منه }؛ "الانفجار": الانفتاح، والانشقاق؛ ومنه سمي "الفجر"؛ لأنه ينشق به الأفق؛ فمعنى { انفجرت } أي تشققت منه هذه العيون..
قوله تعالى: { اثنتا عشرة عيناً }؛ { عيناً }: تمييز؛ وكانت العيون اثنتي عشرة؛ لأن بني إسرائيل كانوا اثنتي عشرة أسباطاً؛ لكل سبط واحدة..
قوله تعالى: { قد علم كل أناس } أي من الأسباط { مشربهم } أي مكان شربهم، وزمانه حتى لا يختلط بعضهم ببعض، ويضايق بعضهم بعضاً..
وهذه من نعمة الله على بني إسرائيل؛ وهي من نعمة الله على موسى؛ أما كونها نعمة على موسى فلأنها آية دالة على رسالته؛ وأما كونها نعمة على بني إسرائيل فلأنها مزيلة لعطشهم، ولظمئهم..
قوله تعالى: { كلوا واشربوا } الأمر هنا للإباحة فيما يظهر؛ { من رزق الله } أي من عطائه، حيث أخرج لكم من الثمار، ورزقكم من المياه..
قوله تعالى: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أي لا تسيروا مفسدين؛ فنهاهم عن الإفساد في الأرض؛ فـ"العُثو"، و"العِثي" معناه الإسراع في الإفساد؛ والإفساد في الأرض يكون بالمعاصي، كما قال الله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41].
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: مشروعية الاستسقاء عند الحاجة إلى الماء؛ لأن موسى استسقى لقومه؛ وشرع من قبلنا شرع لنا إن لم يرد شرعنا بخلافه؛ فكيف وقد أتى بوفاقه؟! فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي في خطبة الجمعة(1) ، ويستسقي في الصحراء على وجه معلوم(2) ..
.2 ومنها: أن السقيا كما تكون بالمطر النازل من السماء تكون في النابع من الأرض..
.3ومنها: أن الله سبحانه وتعالى هو الملجأ للخلق؛ فهم إذا مسهم الضر يلجؤون إلى الله سبحانه وتعالى..
.4 ومنها: أن الرسل . عليهم الصلاة والسلام . كغيرهم في الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى؛ فلا يقال: إن الرسل قادرون على كل شيء، وأنهم لا يصيبهم السوء..


.5ومنها: رأفة موسى بقومه؛ لقوله تعالى: { وإذا استسقى موسى لقومه }..
.6 ومنها: أن الله سبحانه وتعالى قادر جواد؛ ولهذا أجاب الله تعالى دعاء موسى؛ لأن العاجز لا يسقي؛ والبخيل لا يعطي..
.7 ومنها: إثبات سمع الله سبحانه وتعالى، لقوله تعالى: { فقلنا }؛ لأن الفاء هنا للسببية؛ يعني: فلما استسقى موسى قلنا؛ فدل على أن الله سمع استسقاء موسى، فأجابه..
.8 . ومنها: كمال قدرة الله عزّ وجلّ، حيث إن موسى صلى الله عليه وسلم يضرب الحجر اليابس بالعصا، فيتفجر عيوناً؛ وهذا شيء لم تجر العادة بمثله؛ فهو دليل على قدرة الله عزّ وجلّ، وأنه ليس كما يزعم الطبائعيون بأنه طبيعة؛ إذ لو كانت الأمور بالطبيعة ما تغيرت، وبقيت على ما هي عليه..
.9 ومنها: الآية العظيمة في عصا موسى، حيث يضرب به الحجر، فيتفجر عيوناً مع أن الحجر صلب، ويابس؛ وقد وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم، حيث أُتي إليه بإناء فيه ماء، فوضع يده فيه، فصار يفور من بين أصابعه كالعيون(3) ؛ ووجه كونه أعظم: أنه ليس من عادة الإناء أن يتفجر عيوناً بخلاف الحجارة؛ فقد قال الله تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} [البقرة: 74] ؛ ووجه آخر: أن الإناء منفصل عن الأرض لا صلة له بها بخلاف الحجارة..
.10 ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى بجعل هذا الماء المتفجر اثنتي عشرة عيناً؛ لفائدتين:.
الفائدة الأولى: السعة على بني إسرائيل؛ لأنه لو كان عيناً واحدة لحصلت مشقة الزحام..
الفائدة الثانية: الابتعاد عن العداوة، والبغضاء بينهم؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة أسباطاً؛ فلو كانوا جُمعوا في مكان واحد مع الضيق، والحاجة إلى الماء لحصل بينهم نزاع شديد؛ وربما يؤدي إلى القتال؛ فهذا من رحمة الله . تبارك وتعالى . ببني إسرائيل، حيث فجره اثنتي عشرة عيناً، ولهذا أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه النعمة بقوله: { قد علم كل أناس مشربهم }: كل أناس من بني إسرائيل..


.11 من فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى يذكِّر بني إسرائيل بهذه النعم العظيمة لأجل أن يقوموا بالشكر؛ ولهذا قال تعالى: ( كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين )
.12 ومنها: أن ما خلق الله تعالى من المأكول، والمشروب للإنسان فالأصل فيه الإباحة، والحل؛ لأن الأمر للإباحة؛ فما أخرج الله تعالى لنا من الأرض، أو أنزل من السماء فالأصل فيه الحل؛ فمن نازع في حل شيء منه فعليه الدليل؛ فالعبادات الأصل فيها الحظر؛ وأما المعاملات، والانتفاعات بما خلق الله فالأصل فيها الحل، والإباحة..
.13 ومنها: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين }؛ والأصل في النهي التحريم..
القرآن
)وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (البقرة:61)
التفسير:
.{ 61 } قوله تعالى: { وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد }؛ المن، والسلوى من أحسن الأطعمة، وأنفعها للبدن، وألذّها مذاقاً، ومن أحسن ما يكون؛ لكن بني إسرائيل لدناءتهم لم يصبروا على هذا؛ قالوا: { لن نصبر على طعام واحد }: لا نريد المن، والسلوى فقط؛ نريد أطعمة متعددة؛ ولكنها أطعمة بالنسبة للتي رُزِقوها أدنى . يعني ليست مثلها؛ بل إنها تعتبر رديئة جداً بالنسبة لهذا..
فإن قال قائل: كيف يقولون: طعام واحد وهما طعامان: المن، والسلوى؟


فالجواب: أن المن في الغالب يستعمل في الشرب؛ فهو ينبذ في الماء، ويشرب؛ أو يقال: المراد بالطعام هنا الجنس؛ يعني: لا نصبر على هذا الجنس فقط . ليس عندنا إلا منّ وسلوى..
قوله تعالى: { فادع لنا ربك }: هذا توسل منهم بموسى ليدعو الله عزّ وجلّ لهم؛ وكلمة: { فادع لنا ربك } تدل على جفاء عظيم منهم؛ فهم لم يقولوا: "ادع لنا ربنا"، أو "ادع الله"؛ بل قالوا: "ادع لنا ربك" ، كأنهم بريئون منه . والعياذ بالله؛ وهذا من سفههم، وغطرستهم، وكبريائهم..
قوله تعالى: { يخرج لنا }؛ { يخرج } فعل مضارع مجزوم على أنه جواب الطلب: "ادع" ؛ أو جواب لشرط محذوف؛ والتقدير: إن تدعه يخرج لنا..
قوله تعالى: { مما تنبت الأرض } أي مما تخرجه..
قوله تعالى: { من بقلها }؛ { من } بيانية؛ بينت الاسم الموصول: { ما }؛ لأن الاسم الموصول مبهم يحتاج إلى بيان؛ و{ بقلها }: هو النبات الذي ليس له ساق، مثل الكراث؛ { وقثائها }: هي صغار البطيخ؛ { وفومها } هو الثُّوم؛ يقال: "ثوم" بالمثلثة؛ ويقال: "فوم" بالفاء الموحدة، { وعدسها }؛ "العدس" معروف؛ { وبصلها }: أيضاً معروف..
وكل هذه بالنسبة للمن، والسلوى ليست بشيء؛ ولهذا أنكر عليهم موسى صلى الله عليه وسلم، فقال: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير }، أي أتأخذون الذي هو أدنى بدلاً عن الذي هو خير..


قوله تعالى: { اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم } يعني أن هذا ليس بصعب يحتاج إلى دعاء الله؛ لأن الله تعالى أوجده في كل مصر؛ وكأن موسى صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم هذا؛ وبين لهم أنه لا يليق به أن يسأل الله سبحانه وتعالى لهم ما هو أدنى وموجود في كل مصر؛ وأما قول من قال من المفسرين: "إنه دعا، وقيل له: قل لهم: يهبطون مصراً فإن لهم ما سألوا" فهذا ليس بصحيح؛ لأنه كيف ينكر عليهم أن يطلبوا ذلك منه، ثم هو يذهب، ويدعو الله به!!! فالصواب أن موسى وبَّخهم على ما سألوا، وأنكر عليهم، وقال لهم: إن هذا الأمر الذي طلبتم موجود في كل مصر؛ ولهذا قال: { اهبطوا مصراً }؛ و{ مصراً } ليست البلد المعروف الآن، ولكن المقصود أيّ مصر كانت؛ ولهذا نُكِّرت؛ و"مصر" البلد لا تنكَّر، ولا تنصرف؛ واقرأ قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً} [يونس: 87] ؛ فالمعنى: اهبطوا أيّ مصر من الأمصار تجدون ما سألتم..
قوله تعالى: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة }؛ وفي قوله تعالى: { عليهم } ثلاث قراءات: كسر الهاء وضم الميم؛ وكسرها جميعاً؛ وضمهما جميعاً..
قوله تعالى: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة }: جملة مستأنفة إخبار من الله عزّ وجلّ بما حصل عليهم؛ و{ الذلة }: الهوان؛ فهم أذلة لا يقابلون عدواً، وقد قال الله تعالى: {لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر} [الحشر: 14] و{ المسكنة }: الفقر؛ فليس عندهم شجاعة، ولا غنًى؛ لا كرم بالمال، ولا كرم بالنفس؛ فـ"الشجاعة" كرم بالنفس: بأن يجود الإنسان بنفسه لإدراك مقصوده؛ و"الكرم" جود بالمال؛ فلم يحصل لهم هذا، ولا هذا؛ فلا توجد أمة أفقر قلوباً، ولا أبخل من اليهود، فالأموال كثيرة، لكن قلوبهم فقيرة، وأيديهم مغلولة..


قوله تعالى: { وباءوا بغضب من الله } أي رجعوا؛ والباء للمصاحبة؛ و{ من } للابتداء؛ يعني الغضب من الله . أي أن الله غضب عليهم، كما قال تعالى: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت} [المائدة: 60] ..
قوله تعالى: { ذلك }: الظاهر أن المشار إليه كل ما سبق، وليس فقط قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة...}؛ فكل ما سبق مشار إليه حتى سؤالهم الذي هو أدنى عن الذي هو خير؛ {بأنهم}: الباء للسببية؛ {كانوا يكفرون بآيات الله } أي يكذبون بها؛ والمراد الآية الكونية، والشرعية؛ فالشرعية تتعلق بالعبادة؛ والكونية تتعلق بالربوبية، فهم يكفرون بهذا، وبهذا..
قوله تعالى: { ويقتلون النبيين } أي يعتدون عليهم بالقتل؛ وفي قوله تعالى: { النبيين } قراءتان؛ الأولى: بتشديد الياء بدون همز: { النبيِّين }؛ والثانية: بتخفيف الياء، والهمز: { النبيئين } ؛ فعلى القراءة الأولى قيل: إنه مشتق من النَّبْوَة . وهو الارتفاع؛ لارتفاع منْزلة الأنبياء؛ وقيل: من النبأ، وأبدلت الهمزة ياءً تخفيفاً؛ وعلى القراءة الثانية فإنه مشتق من النبأ، لأن الأنبياء مخبرون عن الله عزّ وجلّ..
قوله تعالى { بغير الحق } أي بالباطل المحض؛ وهذا القيد لبيان الواقع، وللتشنيع عليهم بفعلهم؛ لأنه لا يمكن قتل نبي بحق أبداً..
قوله تعالى: { ذلك }: المشار إليه ما سبق من كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق؛ { بما عصوا }: الباء للسببية؛ و "المعصية" الخروج عن الطاعة إما بترك المأمور؛ وإما بفعل المحظور؛ { وكانوا يعتدون } معطوف على قوله تعالى: { بما عصوا }؛ و "الاعتداء" مجاوزة الحد إما بالامتناع عما يجب للغير؛ أو بالتعدي عليه..


والفرق بين "المعصية" ، و "العدوان" إذا ذكرا جميعاً: أن "المعصية" فعل ما نهي عنه؛ و "الاعتداء" تجاوز ما أُمِر به، مثل أن يصلي الإنسان الظهر مثلاً خمس ركعات؛ وقيل: إن "المعصية" ترك المأمور؛ و "العدوان" فعل المحظور..
وسواء أكان هذا أم هذا فالمهم أن هؤلاء اعتدوا، وعصوا؛ فلم يقوموا بالواجب، ولا تركوا المحرم؛ ولذلك تدرجت بهم الأمور حتى كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه؛ وفي ذلك دليل لما ذهب إليه بعض أهل العلم أن المعاصي بريد الكفر؛ فالإنسان إذا فعل معصية استهان بها، ثم يستهين بالثانية، والثالثة... وهكذا حتى يصل إلى الكفر؛ فإذا تراكمت الذنوب على القلوب حالت بينها، وبين الهدى، والنور، كما قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} (المطففين: 14])
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل، وسفههم؛ حيث إنهم طلبوا أن يغير لهم الله هذا الرزق الذي لا يوجد له نظير بقولهم: ( لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يُخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها )
.2 ومنها: غطرسة بني إسرائيل، وجفاؤهم؛ لقولهم: { ادع لنا ربك }؛ ولم يقولوا: "ادع لن ربنا"، أو: "ادع لنا الله"؛ كأن عندهم . والعياذ بالله . أنفة؛ مع أنهم كانوا مؤمنين بموسى ومع ذلك يقولون: { ادع لنا ربك } . كما قالوا: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] ..
.3 ومنها: أن من اختار الأدنى على الأعلى ففيه شبه من اليهود؛ ومن ذلك هؤلاء الذين يختارون الشيء المحرم على الشيء الحلال..
.4 ومنها: أن من علوّ همة المرء أن ينظر للأكمل، والأفضل في كل الأمور..


.5 ومنها: أن التوسع في المآكل، والمشارب، واختيار الأفضل منها إذا لم يصل إلى حد الإسراف فلا ذم فيه؛ ولذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه حين أتوه بتمر جيد بدلاً عن الرديء(1) ؛ لكن لو ترك التوسع في ذلك لغرض شرعي فلا بأس كما فعله عمر رضي الله عنه عام الرمادة؛ وأما إذا تركها لغير غرض شرعي فهو مذموم؛ لأن الله تعالى يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه(2).
.6 ومن فوائد الآية: حِلّ البقول، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل؛ لقولهم: { ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض... } إلى قوله: { اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم } أي من الأصناف المذكورة..
وهذه الأصناف مباحة في شريعة موسى؛ وكذلك في شريعتنا؛ فإنه لما قُدِّم للرسول صلى الله عليه وسلم قدر فيه بقول فكره أكلها؛ فلما رآه بعض أصحابه كره أكلها، قال الرسول صلى الله عليه وسلم "كل؛ فإني أناجي من لا تناجي"(3) ؛ فأباحها لهم؛ وكذلك في خيبر لما وقع الناس في البصل، وعلموا كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لها قالوا: حُرّمت؛ قال صلى الله عليه وسلم "إنه ليس بي تحريم ما أحل الله"(4) ؛ فبين أنه حلال..
.7ومن فوائد الآية: جواز إسناد الشيء إلى مكانه لا إلى الفاعل الأول؛ لقولهم { مما تنبت الأرض }؛ والذي ينبت حقيقة هو الله سبحانه وتعالى..


.8 ومنها: جواز إسناد الشيء إلى سببه الحقيقي الذي ثبت أنه سبب شرعاً، أو حساً؛ مثال ذلك: لو أطعمت جائعاً يكاد يموت من الجوع فإنه يجوز أن تقول: "لولا أني أطعمته لهلك"؛ لأن الإطعام سبب لزوال الجوع؛ والهلاك معلوم بالحس؛ ومثال الشرعي: القراءة على المريض، فيبرأ، فتقول: "لولا القراءة عليه لم يبرأ"؛ أما المحظور فهو أن تثبت سبباً غير ثابت شرعاً، ولا حساً، أو تقرن مشيئة الله بالسبب بحرف يقتضي التسوية مع الله عزّ وجلّ؛ مثال الأول: أولئك الذين يعلقون التمائم البدعية، أو يلبسون حلقاً، أو خيوطاً لدفع البلاء، أو رفعه . كما زعموا؛ و مثال الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: "ما شاء الله وشئت"، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم "أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده"(5) ، لأنك إذا قلت: "ما شاء الله وشئت" جعلت المخاطَب ندًّا لله في المشيئة..
فإذا قال قائل: أليس الله قد ذم قارون حينما قال: {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] ؛ فنسب حصول هذا المال إلى العلم؛ وهذا قد يكون صحيحاً؟
فالجواب أن هذا الرجل أنكر أن يكون من الله ابتداءً؛ ومعلوم أن الإنسان إذا أضاف الشيء إلى سببه دون أن يعتقد أن الله هو المسبِّب فهو مشرك؛ وأيضاً فإن قارون أراد بقوله هذا أن يدفع وجوب الإنفاق عليه مبتغياً بذلك الدار الآخرة..
والخلاصة: أن الحادث بسبب معلوم له صور:.
الصورة الأولى: أن يضيفه إلى الله وحده..
الثانية: أن يضيفه إلى الله تعالى مقروناً بسببه المعلوم؛ مثل أن يقول: "لولا أن الله أنجاني بفلان لغرقت"..
الثالثة: أن يضيفه إلى السبب المعلوم وحده مع اعتقاد أن الله هو المسبِّب؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب لما ذكر عذابه: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار(1)" ..


الرابعة : أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب المعلوم بـ"ثم"، كقوله: "لولا الله ثم فلان"؛ "وهذه الأربع كلها جائزة" ..
الصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: "لولا الله وفلان
الصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله ، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالفاء، مثل: "لولا الله ففلان"؛ فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع..
الصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعاً، ولا حساً، فهذا شرك . كما سبق ..
.9 ومن فوائد الآية: توبيخ موسى عليه السلام لبني إسرائيل، وأن الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خير يستحق التوبيخ؛ لأن موسى وبخهم، حيث قال: ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير )
.10 ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: { اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم }؛ وكأنه قال: لا حاجة أن أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض..
.11 ومنها: ضرب الذلة على بني إسرائيل؛ وقد ذكر الله تعالى أنهم ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله . وهو الإسلام؛ أو بحبل من الناس وهو المساعدات الخارجية؛ والمشاهد الآن أن اليهود أعزاء بما يساعدهم إخوانهم من النصارى..
.12 ومنها: أن اليهود قد ضربت عليهم المسكنة وهي الفقر؛ ويشمل فقر القلوب الذي هو شدة الطمع بحيث أن اليهودي لا يشبع، ولا يتوقف عن طلب المال ولو كان من أكثر الناس مالاً؛ ويشمل أيضاً فقر المال وهو قلته..
.13 ومنها: أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قبل الإسلام؛ لأن ضرب الذلة بسبب المعصية؛ فإذا حوربوا بالطاعة والإسلام فلا شك أنه سيكون الوبال عليهم؛ وقد قال الله تعالى: {لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر} [الحشر: 14] ؛ وما يشاهد اليوم من مقاتلة اليهود للعرب فإنما ذلك لسببين:.


الأول: قلة الإخلاص لله تعالى؛ فإن كثيراً من الذين يقاتلون اليهود . أو أكثرهم . لا يقاتلونهم باسم الإسلام، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ وإنما يقاتلونهم باسم العروبة؛ فهو قتال عصبي قَبَليّ؛ ولذلك لم يفلح العرب في مواجهة اليهود..
والسبب الثاني: كثرة المعاصي من كبيرة، وصغيرة؛ حتى إن بعضها ليؤدي إلى الكفر؛ وقد حصل للمسلمين في أُحُد ما حصل بمعصية واحدة مع ما انضم إليها من التنازع، والفشل، كما قال الله تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} (آل عمران: 152)
.14 ومن فوائد الآية: إثبات صفة الغضب لله تعالى؛ وغضب الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته؛ لكنها لا تماثل صفات المخلوقين؛ فنحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا، ويحمر الوجه، ويقفُّ الشعر، ويفقد الإنسان صوابه؛ وهذه العوارض لا تكون في غضب الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ بل هو غضب يليق بالله عزّ وجلّ دال على كمال عظمته، وسلطانه؛ وإذا قلنا بهذا، وسلَّمنا أن الغضب صفة حقيقية برئت بذلك ذمتنا، وصرنا حسب ما أمر الله به، ورسوله..
وفسر أهل التحريف "غضب الله" بانتقامه، ولا يثبتونه صفة لله عزّ وجلّ؛ وفسره آخرون بأنه إرادة الانتقام؛ فمعنى { غضب الله عليهم } عندهم: أراد أن ينتقم منهم؛ وتفصيل ذلك مذكور في كتب العقائد..
.15 ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل جمعوا بين المعاصي، والعدوان..


.16 ومنها: بيان حكمة الله عزّ وجلّ حيث ربط الأشياء بأسبابها؛ لقوله تعالى: { ذلك بأنهم }، وقوله تعالى: { ذلك بما عصوا }؛ وهذا من الحكمة أن يكون للأسباب تأثيراً في مسبَّباتها بما جعله الله رابطاً بين الأسباب والمسبَّبات، ولكن الأسباب قد يكون لها موانع؛ فقد توجد الأسباب، ولكن توجد موانع أقوى منها؛ فالنار لم تحرق إبراهيم صلى الله عليه وسلم. مع أنها سبب للإحراق . لوجود مانع؛ وهو قول الله تعالى لها: {كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} [الأنبياء: 69] ..
القرآن
)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:62)
التفسير:
لما ذكر الله سبحانه وتعالى ما عاقب به بني إسرائيل من ضرب الذلة، والمسكنة، والغضب بَيَّن أن المؤمنين من بني إسرائيل، وغيرهم كلهم لهم أجرهم عند الله..
ومناسبة الآية لما قبلها أنه تعالى لما قال: { وباءوا بغضب من الله } بيَّن أن من آمن منهم، وعمل صالحاً فإن الله لا يضيع أجره؛ فقال تعالى: ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم )
.{ 62 } قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل..
قوله تعالى: { والذين هادوا } أي الذين انتسبوا إلى دين اليهود . وهي شريعة موسى، { والنصارى } أي الذين انتسبوا إلى دين عيسى..


قوله تعالى: { والصابئين }: اختلف فيهم على عدة أقوال؛ فمن العلماء من يقول: إن الصابئين فرقة من النصارى؛ ومنهم من يقول: إنهم فرقة من اليهود؛ ومنهم من يقول إنهم فرقة من المجوس؛ ومنهم من يقول: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص بها؛ ومنهم من يقول: إنهم من لا دين لهم: من كانوا على الفطرة؛ ولا يتدينون بدين . وهذا هو الأقرب؛ فإذا أرسل إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوم الآخر ثبت لهم انتفاء الخوف، والحزن، كغيرهم من الطوائف الذين ذُكروا معهم..
قوله تعالى: { من آمن منهم بالله واليوم الآخر } هذا بدل ممن قبله عائد إلى الذين هادوا، والنصارى، والصابئين..
قوله تعالى: { فلهم أجرهم } أي ثوابهم؛ وسمى الله تعالى "الثواب" أجراً؛ لأنه سبحانه وتعالى التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير؛ { عند ربهم }: أضاف ربوبيته إليهم على سبيل الخصوص تشريفاً، وتكريماً، وإظهاراً للعناية بهم؛ فهذه كفالة من الله عزّ وجلّ، وضمان، والتزام بهذا الأجر؛ فهو أجر غير ضائع..


قوله تعالى: { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }؛ "الخوف" هو الهمّ مما يستقبل؛ و "الحزن" : هو الغم على ما فات من محبوب، أو ما حصل من مكروه؛ ولهذا يقال لمن أصيب بمصيبة: "إنه محزون"؛ ويقال لمن يتوقع أمراً مرعباً، أو مروعاً: "إنه خائف"؛ وقد يطلق "الحزن" على الخوف مما يستقبل، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه وهما في الغار: "لا تحزن إن الله معنا"(1) ، فالمراد . والله أعلم . لا تخف؛ فقوله تعالى: { ولا خوف عليهم } أي من كل مما يخاف في المستقبل: من عذاب القبر، وعذاب النار، وغير ذلك؛ وقوله تعالى: { ولا هم يحزنون } أي على ما مضى من الدنيا؛ لأنهم انتقلوا إلى خير منها؛ أما الكافر فيحزن على ما فرط في الحياة الدنيا، ويتحسر، كما قال تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 54 . 56] : هذا تحزُّن، وتحسُّر..

الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجره من أيّ صنف كان..
.2 ومنها: ثمرة الإيمان بالله، واليوم الآخر . وهو حصول الأجر، وانتفاء الخوف مما يستقبل، والحزن على ما مضى..
.3 ومنها: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر؛ فالذين هادوا، والنصارى، والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله، واليوم الآخر . وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم بأنهم أكثر أجراً..
.4 ومنها: عظم أجر الذين آمنوا، وعملوا الصالحات؛ وذلك في قوله تعالى: { عند ربهم }..


.5 ومنها: أنه إذا ذكر الثناء بالشر على طائفة، وكان منهم أهل خير فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون قدحاً عاماً؛ لأنه تعالى بعدما قال: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق} [البقرة: 61] بيَّن أن منهم من آمن بالله، واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون..
القرآن
)وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:63) )ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (البقرة:64)
التفسير:
.{ 63 } ثم ذكَّر سبحانه وتعالى بني إسرائيل بأمر أخذه عليهم، فقال تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم } يعني اذكروا إذا أخذنا ميثاقكم؛ و "الميثاق" : العهد الثقيل المؤكد؛ وسمي بذلك من الوَثاق . وهو الحبل الذي يُشد به المأسور، كما في قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} (محمد: 4)
قوله تعالى: { ورفعنا فوقكم } أي فوق رؤوسكم { الطور } هو الجبل المعروف؛ رفعه الله . تبارك وتعالى . على بني إسرائيل لما تهاونوا في طاعة الله سبحانه وتعالى إنذاراً لهم، وقال تعالى لهم: { خذوا ما آتيناكم بقوة } أي: اقبلوا ما أعطيناكم من التوراة . كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب} [البقرة: 121] . واعملوا به بقوة؛ والمراد بالـ "قوة" هنا الحزم، والتنفيذ؛ والتطبيق؛ وضده أن يأخذ الإنسان أخذاً ضعيفاً متساهلاً على كسل؛ والباء في قوله تعالى: { بقوة } للمصاحبة؛ أي خذوا هذا الكتاب . أي التوراة التي جاء بها موسى صلى الله عليه وسلم. أخذاً مصحوباً بقوة، فلا تهملوا شيئاً منه..


قوله تعالى: { واذكروا ما فيه } أي اذكروا كل ما فيه، واعملوا به؛ لأن { ما } اسم موصول يفيد العموم..
قوله تعالى: { لعلكم تتقون }: "لعل" للتعليل؛ أي لأجل أن تتقوا الله عزّ وجلّ؛ فالأخذ بهذا الميثاق الذي آتاهم الله على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضاً، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] ؛ فالطاعات يجر بعضها بعضاً، لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط، وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه؛ وكلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى؛ وبالعكس المعاصي: فإنها توجب وحشة بين العبد وبين الله عزّ وجلّ، ونفوراً، والمعاصي يجر بعضها بعضاً؛ وسبق قوله تعالى: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61] ؛ ثم بعد هذا الإنذار، وكون الجبل فوقهم في ذلك الوقت خضعوا، وخشعوا، قال الله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة} [الأعراف: 171] ؛ ففي تلك الساعة هرعوا إلى السجود؛ وسجدوا؛ ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى الآن سجود مائل كأنما ينظرون إلى شيء فوقهم؛ وقالوا: إن هذا السجود سجدناه لله سبحانه وتعالى لإزالة الشدة؛ فلا نزال نسجد به؛ فهذا سجودهم إلى اليوم..
.{ 64 } قوله تعالى: { ثم توليتم } أي أعرضتم وأدبرتم عن طاعة الله سبحانه وتعالى { من بعد ذلك }: المشار إليه: رفع الجبل في قوله تعالى: { ورفعنا فوقكم الطور }؛ والمعنى: بعد هذه الإنابة وقت رفع الطور توليتم، ولم تذكروها؛ ما ذكرتم أن الذي خوفكم بهذا الجبل قد يعيد عليكم ذلك مرة أخرى..


قوله تعالى: { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } بإرسال الرسل، وبيان السبل، وغير ذلك فـ "الفضل" بمعنى التفضل؛ و "لولا" حرف امتناع لوجود؛ و "فضل" مبتدأ، وخبره محذوف، كما قال ابن مالك:.
وبعد لولا غالباً حذف الخبر حتم وفي نص يمين ذا استقر والتقدير: فلولا فضل الله عليكم موجود..
قوله تعالى: { لكنتم من الخاسرين }: اللام واقعة في جواب "لولا" ..
وقوله تعالى: { الخاسرين } أي الذين خسروا الدنيا، والآخرة، فلم يربحوا منهما بشيء؛ لأن أخسر الناس هم الكفار؛ فلا هم استفادوا من دنياهم، ولا من آخرتهم..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: تذكير الله . تبارك وتعالى . لبني إسرائيل بما أخذ عليهم من عهد؛ لقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور }؛ وهذا التذكير مقتضاه الإلزام . أي فالتزموا بالميثاق..
.2 ومنها: عتوّ بني إسرائيل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم؛ فحينئذٍ آمنوا؛ وهذا الإيمان في الحقيقة يشبه إيمان المكره الذي قيل له: إما أن تؤمن؛ أو تُقْتَل..
.3 ومنها: بيان قوة الله عزّ وجلّ، وقدرته؛ لقوله تعالى: { ورفعنا فوقكم الطور }؛ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} [الأعراف: 171] ؛ فلا أحد من الخلق يستطيع أن يحمل ذلك الجبل، ويجعله ظلة لا يسقط عليهم إلا الله عزّ وجلّ؛ فالأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله تعالى بقدرته..
.4 ومنها: أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة لا بضعف، ولين، ومداهنة؛ بل لابد من قوة في التطبيق، والدعوة؛ التطبيق على أنفسهم؛ ودعوة غيرهم إلى ذلك بدون فتور، ولا تراخٍ على حدّ قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النمل: 125] ؛ لأنه لا يتم الأمر إلا بهذا..


.5 ومنها: أن الأخذ بالكتاب المُنَزَّل يوجب التقوى؛ لقوله تعالى: لعلكم تتقون } أي لأجل أن تكونوا من المتقين لله عزّ وجلّ..
.6 ومنها: لؤم بني إسرائيل؛ لأنهم بعد أن رجع الجبل إلى مكانه تولوا، كما قال تعالى: { ثم توليتم من بعد ذلك }؛ وهذا من اللؤم؛ لأن من الواجب أن يذكروا رفع الجبل فوقهم حتى يستقيموا، ويستمروا على الأخذ بقوة؛ لكنهم تولوا من بعد ما رأوا الآية..
.7 ومنها: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ).
.8 ومنها: أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق؛ لقوله تعالى: ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته ).
.9 ومنها: إثبات فضل الله تعالى على بني إسرائيل بما أعطاهم من الآية الكونية، والشرعية..
.10 ومنها: إثبات الأسباب، وربطها بمسبباتها؛ لقوله تعالى: { فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين }؛ فهذا صريح في إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها..

القرآن
)وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة:65) )فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:66)
التفسير:
.{ 65 } قوله تعالى: { ولقد }: اللام موطئة للقسم؛ وعلى هذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، و "قد" ؛ والتقدير: والله لقد؛ و{ علمتم }: الخطاب لبني إسرائيل؛ أي علمتم عِلم القين، وعرفتم معرفة تامة { الذين اعتدوا منكم } أي تجاوزوا الحدود، وطغوا منكم..


قوله تعالى { في السبت } أي في الحكم الذي حكم الله به عليهم يوم السبت؛ وذلك أن الله حرم عليهم العمل والصيد في ذلك اليوم ليتفرغوا للعبادة؛ فابتلاهم بكثرة الحيتان يوم السبت حتى تكون فوق الماء شُرَّعاً، ثم لا يرونها بعد ذلك؛ فتحيلوا على صيدها بحيلة، حيث وضعوا شباكاً يوم الجمعة، فتدخل فيه الحيتان إذا جاءت يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، ويقولون: نحن لم نصدها يوم السبت، فقال لهم الله تعالى: { كونوا قردة خاسئين } أي ذليلين، فصاروا كذلك..
.{ 66 } قوله تعالى: { فجعلناها } أي صيرناها؛ واختلف المفسرون في مرجع الضمير المفعول به؛ فقيل: يعود على القرية؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت} ؛ فيكون مرجع الضمير مفهوماً من السياق؛ وقيل: يعود على العقوبة . أي فجعلنا العقوبة؛ لقوله تعالى: { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين * فجعلناها نكالًا }؛ فيكون المعنى: فجعلنا هذه العقوبة نكالاً..
قوله تعالى: { نكالًا }: النكال، والتنكيل أن يعاقب الإنسان بعقوبة تمنعه من الرجوع إلى ما عوقب عليه..
قوله تعالى: { لما بين يديها وما خلفها }: اختلف في مرجع الضمير "ها" ؛ فقيل: يرجع إلى القرية؛ فيكون: { لما بين يديها }: ما قرب منها من القرى من أمامها؛ و{ ما خلفها }: ما كان من القرى من خلفها؛ لأن أهل القرى علموا بما نزل بها من العقوبة، فكان ذلك نكالاً لهم؛ وقيل: إن المراد بـ "ما بين يديها" : ما يأتي بعدها: "وما خلفها": ما سبقها؛ ولكن في هذا إشكالاً؛ لأن من سبقها قد مضى، فلا يكون منتفعاً، ولا ناكلاً إلَّا أن يراد بـ"ما بين يديها" من عاصرها، و "ما خلفها" : من يأتي بعدهم، ويكون "الخَلْف" هنا بمعنى الأمام، كما جاء "الوراء" بمعنى الأمام في قوله تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} [الكهف: 79] ..
قوله تعالى: { وموعظة للمتقين } أي موضع اتعاظ للذين يتقون الله..


الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: توبيخ اليهود الموجودين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم الإيمان به؛ ووجه ذلك أنهم علموا ما حلّ بأسلافهم من النكال بسبب المخالفة؛ فكان عليهم أن يكون ذلك موعظة لهم يرتدعون به عن معصية الله ورسوله..
.2 ومنها: تحريم الحيل، وأن المتحيل على المحارم لا يخرج عن العدوان؛ لقوله تعالى: { الذين اعتدوا منكم في السبت }؛ بل الحيل على فعل محرم أعظم إثماً من إتيان المحرم على وجه صريح؛ لأنه جمع بين المعصية، والخداع؛ ولهذا كان المنافقون أشد جرماً وعداوة للمؤمنين من الكفار الصرحاء؛ قال أيوب السختياني . رحمه الله . في المتحيلين: "إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان؛ ولو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون"؛ وصدق رحمه الله؛ وللحيل مفاسد كثيرة . راجع إن شئت كتاب "إغاثة اللهفان" لابن القيم . رحمه الله . وغيره..
وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت، وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرمت عليهم، ثم أذابوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها؛ وتأملت حيل بعض المسلمين اليوم على الربا وغيره. وجدت أن حيل بعض المسلمين اليوم على ما ذُكر أشد حيلة من حيل اليهود . ومع ذلك أحل الله بهم نقمته، وقد نهانا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل"(1) ؛ فالمتحيل على المحرَّم واقع فيه، ولا تنفعه الحيلة..
.3 ومن فوائد الآيتين: بيان حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنب؛ لأن عقوبة هؤلاء المتحيلين أنهم مسخوا قردة خاسئين؛ والذنب الذي فعلوه أنهم فعلوا شيئاً صورته صورة المباح؛ ولكن حقيقته غير مباح؛ فصورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنه ليس بآدمي؛ وهذا؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى: {فكلًّا أخذنا بذنبه} [العنكبوت: 40] ..
.4 ومنها: بيان قدرة الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { كونوا قردة خاسئين }؛ فكانوا في لحظة قردة..


.5 ومنها: إثبات القول لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين }..
.6 ومنها: أن الذين مسخوا قردة من هذه القرية هم الذين اعتدوا في السبت؛ وأما الذين نَهَوا عن السوء فقد نجوا؛ وأما الذين سكتوا عن المعتدين، ولم يشاركوهم فقد سكت الله عنهم؛ فنسكت عنهم..
.7 ومنها: أن العقوبات فيها تنكيل لغير العامل؛ لقوله تعالى: { فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها }؛ ولهذا يقص الله علينا من نبأ المكذبين للرسل ما يكون لنا فيه عبرة، كما قال عزّ وجلّ: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: 111] ..
.8 ومنها: أن الحدود الشرعية نكال للفاعل أن يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب، ولغير الفاعل..
.9 ومنها: أن الذين ينتفعون بمثل هذه المواعظ هم المتقون..
.10 ومنها: أن المواعظ قسمان: كونية، وشرعية؛ فالموعظة هنا كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالاً لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين؛ وأما الشرعية فمثل قوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} [يونس: 57] ؛ والمواعظ الكونية أشد تأثيراً لأصحاب القلوب القاسية؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيراً في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالمقدورات..


.11 ومن فوائد الآيتين: أن الذين ينتفعون بالمواعظ هم المتقون؛ وأما غير المتقي فإنه لا ينتفع لا بالمواعظ الكونية، ولا بالمواعظ الشرعية؛ قد ينتفع بالمواعظ الكونية اضطراراً، وإكراهاً؛ وقد لا ينتفع؛ وقد يقول: هذه الأشياء ظواهر كونية طبيعية عادية، كما قال تعالى: {وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم} [الطور: 44] ؛ وقد ينتفع، ويرجع إلى الله تعالى، كما قال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت: 65] ، وقال تعالى: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختَّار كفور} [لقمان: 32] ..
.12 ومن فوائد الآيتين: أن من فوائد التقوى . وما أكثر فوائدها . أن المتقي يتعظ بآيات الله سبحانه وتعالى الكونية، والشرعية..

القرآن


)وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (البقرة:67) )قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) (البقرة:68) (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) (البقرة:69)(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) (البقرة:70)(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) (البقرة:71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة:72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة:73
التفسير:
.{ 67 } قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قال موسى لقومه، وإضافة "القوم" إليه لبيان أنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقول لهم إلا ما فيه خير؛ لأن الإنسان سوف ينصح لقومه أكثر مما ينصح لغيرهم..
قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة }: قالها في جواب ذكره الله سبحانه وتعالى في أثناء القصة:


{ وإذ قتلتم نفساً فادَّارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون } [البقرة: 72] ؛ فقد قُتل منهم نفس فتخاصموا، وتدافعوا: كل يدعي أن هؤلاء قتلوه؛ حتى كادت تثور الفتنة بينهم؛ ولا حاجة بنا إلى أن نعلل لماذا قتل؛ أو لأي غرض؛ هذا ليس من الأمور التي تهمنا؛ لأن القرآن لم يتكلم بها؛ ولكن غاية ما يكون أن نأخذ عن بني إسرائيل ما لا يكون فيه قدح في القرآن، أو تكذيب له، فقالوا: لا حاجة إلى أن نتقاتل، ويُذهب بعضنا بعضاً؛ نذهب إلى نبي الله موسى، ويخبرنا من الذي قتله؛ فذهبوا إليه، فقال لهم: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } صدَّر الأمر من الله؛ لم يقل: آمركم، ولا قال: اذبحوا؛ بل قال: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة }؛ ليكون أعظم وقعاً في نفوسهم، وأدعى إلى قبوله، وامتثاله..
وقوله { بقرة }: لم تعين بوصف؛ فلو ذبحوا أيّ بقرة كانت لكانوا ممتثلين؛ ولكنهم تعنتوا، وتشددوا فشدد الله عليهم . كما سيأتي..
قوله تعالى: { أتتخذنا هزواً }؛ { هزواً } مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي أتتخذنا مهزوءاً بنا؛ ويجوز أن تكون (هزواً) على بابها؛ ويكون المعنى: أتتخذنا ذوي هُزْء؛ فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ "والهزء" السخرية؛ وإنما قالوا ذلك لاستبعادهم أن يكون ذبح البقرة سبباً لزوال ما بينهم من المدارأة؛ والتعبير بقولهم: { أتتخذنا هزواً } أبلغ من قول "أتستهزئ بنا"؛ لأن الأولى تفيد أنهم جُعلوا محل استهزاء . بخلاف الثانية فإنما تدل على حصول الاستهزاء . ولو بمرة واحدة..
فأجابهم نبي الله بقوله: { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } أي أعتصم بالله أن أكون من أولي الجهل فأتخذ عباد الله هزواً؛ والمراد بـ "الجهل" هنا السفه، كما في قوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} [النساء: 17] . أي بسفاهة . {ثم يتوبون من قريب} [النساء: 17] ..


.{ 68 . 69 } قوله تعالى: { قالوا ادع لنا ربك }: سبق الكلام على نظيرها؛ { يبين لنا ما هي }: هذا الطلب ليس له وجه؛ لأن اللفظ بين: فالبقرة معلومة، والمطلق ليس مجملاً يحتاج إلى بيان . لوضوح معناه؛ فإذا قيل مثلاً: "أكرم رجلاً"؛ فلا يحتاج أن تقول: "ما صفة هذا الرجل"؛ إذا أكرمت أيّ رجل حصل المقصود؛ فلو أنهم ذهبوا، وذبحوا أيّ بقرة، وامتثلوا ما أمرو به لانتهى الأمر؛ ولكنهم تعنتوا..
قوله تعالى: { قال } أي موسى { إنه يقول } أي الله عزّ وجلّ { إنها بقرة لا فارض ولا بكر }: "البكر" معروف: التي لم تلد، ولا قرعها الفحل، و "الفارض" تُعرف بمقابلها، فإذا كانت "البكر" هي التي لم يقرعها الفحل، فإن "الفارض" هي المسنة الكبيرة؛ وهذا . أي تفسير الكلمة، أو معرفة معنى الكلمة بمعرفة ما يقابلها . له نظير في القرآن، مثل قوله تعالى: {فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً} [النساء: 71] ؛ فكلمة: {ثبات} هنا يتبين معناها بما ذكر مقابلاً لها . وهو قوله تعالى: {أو انفروا جميعاً} ؛ فيكون معناها: متفرقين أفراداً..
قوله تعالى: { عوان بين ذلك } أي وسط بين ذلك . أي بين كونها فارضاً وبكراً؛ وفيه إشكال على هذا: لأنه إذا كان المشار إليه اثنين وجب تثنية اسم الإشارة؛ واسم الإشارة هنا مفرد مذكر؟ والجواب عنه أن يقال: { بين ذلك } أي بين ذلك المذكور من الفارض والبكر . أي لا تكون هكذا، ولا هكذا، ولكن عوان بين ذلك المذكور..


قوله: { فافعلوا ما تؤمرون }؛ هذا الأمر من موسى؛ وليس من كلام الله عزّ وجلّ؛ فموسى يقول لبني إسرائيل: افعلوا ما تؤمرون به من ذبح بقرة لا فارض، ولا بكر، ولا تتعنتوا فيشدد عليكم مرة ثانية؛ ولو أنهم امتثلوا، وذبحوا بقرة عواناً بين ذلك لحصل المقصود؛ وكان عليهم أن يفعلوا . وإن لم يأمرهم نبيهم به؛ ولكنهم أهل عناد، وتعنت؛ ولهذا أمرهم أمراً ثانياً؛ ومع ذلك قالوا: { ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها }: كل هذا من باب التعنت، والتشدد؛ و{ ما لونها } يعني أيّ شيء لونها . بيضاء؛ سوداء؛ شهباء..؟
قوله تعالى: { قال } أي موسى { إنه يقول } أي الله سبحانه وتعالى { إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين }: شدد عليهم مرة أخرى في اللون: أولاً حيث قال تعالى: { إنها بقرة صفراء }، فخرج بهذا ما عدا الصفرة من الألوان . وهذا نوع تضييق؛ ثانياً بكونها: { فاقع لونها }؛ و "الفاقع" يعني الصافي؛ والمعنى: أنه ليس فيه ما يشوبه، ويخرجه عن الصفرة؛ وقيل: معنى { فاقع لونها } أي شديد الصفرة، وهو كلما كان صافياً كان أبين في كونه أصفر؛ ثالثاً بكونها: { تسر الناظرين } يعني ليست صفرتها صفرة توجب الغم؛ أو صفرتها مستكرهة؛ بل هي صفرة تجلب السرور لمن نظر إليها؛ فصار التضييق من ثلاثة أوجه: صفراء؛ والثاني: فاقع لونها؛ والثالث: تسر الناظرين..
.{ 70 } قوله تعالى: { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي }: هذا أيضاً طلب ثالث؛ يقولون: { ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } أي من حيث العمل؛ { إن البقر تشابه علينا } أي اشتبه علينا البقرة المطلوبة؛ وفي الحقيقة أنه ليس في هذا اشتباه؛ إذ ذُكر لهم أنها بقرة، وذكر لهم سنها؛ وذكر لهم لونها؛ فأين التشابه؟! لكن هذا من عنادهم، وتعنتهم، وتباطئهم في تنفيذ أمر الله..


قولهم: { وإنا إن شاء الله لمهتدون }: أكدوا الهداية هنا بمؤكدين؛ وهما: "إن" ، واللام؛ ومؤكد ثالث؛ وهو الجملة الاسمية؛ وهي أبلغ من الجملة الفعلية، وأخذوا على أنفسهم أنهم سيهتدون؛ ولكنهم علقوا ذلك بمشيئة الله، قال بعض السلف: "لو لم يقولوا: { إن شاء الله } لم يهتدوا إليها أبداً" . وهذا فيما إذا كان قصدهم تفويض الأمر إلى الله عزّ وجلّ؛ ويحتمل أن يكون قصدهم أنهم لو لم يهتدوا لاحتجوا بالمشيئة، وقالوا: "إن الله لم يشأ أن نهتدي"! وما هذا الاحتمال ببعيد عليهم..
.{ 71 } فأجابهم على هذا: { قال }: أي موسى { إنه يقول } أي الله عزّ وجلّ { إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلَّمة لا شية فيها }: هذا أيضاً تشديد زيادة على ما سبق؛ و{ ذلول } على وزن فَعول؛ وهي المتذللة التي ذللت لصاحبها؛ و "والمذللة" هي التي تثير الأرض للزرع؛ و{ لا تسقي الحرث } أي لا يُسنَى عليها؛ فهي ليست سانية، ولا حارثة؛ و{ مسلمة } أي من العيوب؛ { لا شية فيها } أي ليس فيها لون يخالف لونها؛ مأخوذ من وشي الثوب . وهو تلوينه بألوان مختلفة، مثل عِدَة مأخوذة من الوعد؛ إذاً هي صفراء ليس فيها سواد، ولا فيها بياض، ولا فيها أي لون آخر؛ وهذا كله من زيادة التشديد عليهم..
وبهذا التقرير نعرف أنه لا حاجة بنا إلى ما ذكره كثير من المفسرين من الإسرائيليات من أن هذه البقرة كانت عند رجل بارّ بأمه، وأنهم اشتروها منه بملء مَسكها ذهباً . يعني بملء جلدها ذهباً؛ وهذا من الإسرائيليات التي لا تصدق، ولا تكذب، ولكن ظاهر القرآن هنا يدل على كذبها؛ إذ لو كان واقعاً لكان نقله من الأهمية بمكان لما فيه من الحث على برّ الوالدين حتى نعتبر؛ فالصواب أن نقول في تفسير الآية ما قال الله عزّ وجلّ، ولا نتعرض للأمور التي ذكرها المفسرون هنا من الحكايات..


قوله تعالى: { قالوا الآن جئت بالحق }؛ { الآن } اسم زمان يُشار به للوقت الحاضر؛ فمقتضى كلامهم أنه أولاً أتى بالباطل، وقد صدّروا هذه القصة بقولهم { أتتخذنا هزواً }؛ يعني الآن عرفنا أنك لست تستهزئ؛ وإنما أنت صادق؛ هذا هو المتبادر من الآية الكريمة، وليس بغريب على تعنتهم أن يقولوا مثل هذا القول؛ وقال بعض المفسرين اتقاءً لهذا المعنى البشع: إن المراد بقولهم: { بالحق } أي بالبيان التام . أي الآن بينت لنا أوصافها، فجعلوا "الحق" هنا بمعنى البيان؛ ولكن الصواب أن "الحق" هنا ضد الهزء، والباطل؛ يدل على ذلك أنهم صدروا هذه القصة بقولهم: { أتتخذنا هزواً }؛ فبعد هذه المناقشات مع موسى، والسؤالات، وطلب الله عزّ وجلّ قالوا: الآن جئت بالحق، وعرفنا أنك لست مستهزئاً بنا؛ بل إنك جادّ فيما تقول..
قوله تعالى: { فذبحوها } أي بعد العثور عليها بأوصافها السابقة؛ { وما كادوا يفعلون } أي ما قاربوا أن يفعلوا؛ وذلك بإيرادهم الطلب عن سنها، ولونها، وعملها، وهذا تباطؤ يبعدهم من الفعل؛ لكنهم فعلوا؛ لقوله تعالى: ( فذبحوها )
.{ 72 . 73 } قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفساً } أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفساً؛ ووجه الخطاب لمن كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الفعل كان ممن سبقهم؛ لأن الأمة الواحدة بمنزلة الجسد الواحد؛ وفعل أولها كفعل آخرها فيما يلحقهم من ذمّ..
قوله تعالى: { فادَّارأتم فيها } أي تدافعتم؛ كل منكم يدافع عن نفسه التهمة، ويتهم الآخر، وكان قد قُتل منهم قتيل من إحدى القبيلتين؛ فادّعت كل واحدة أن الأخرى هي قاتلته؛ وكاد يكون بينهم فتنة؛ فأتوا إلى موسى، فقال لهم: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة... } إلخ..


قوله تعالى: { والله مخرج ما كنتم تكتمون } أي مظهر ما كنتم تخفونه من تعيين القاتل؛ وذلك بالآية العظيمة التي بينها في قوله تعالى: { فقلنا اضربوه ببعضها }؛ القائل هو الله عزّ وجلّ؛ ولكن عن طريق الوحي إلى نبيه موسى . عليه الصلاة والسلام؛ وأضاف قول موسى إليه تبارك وتعالى؛ لأنه هو الآمر به، كما في قوله سبحانه وتعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 16 . 18] : فالمراد بقوله تعالى: {قرأناه} قرأه جبريل . عليه الصلاة والسلام .؛ فهنا قوله تعالى: { فقلنا اضربوه ببعضها } يعني أن الله تعالى أمر نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، فقال لهم بأمر الله: { اضربوه ببعضها } أي اضربوا هذا القتيل ببعض هذه البقرة؛ ولم يعين الله تعالى البعض: أهو الساق؛ أو الفخذ؛ أو الرقبة؛ أو الرأس، أو أيّ جزء من أجزائها، فليس لنا أن نعينه بجزء منها..
قوله تعالى: { كذلك يحيي الله الموتى } أي مثل إحياء هذا القتيل يحيي الله عزّ وجلّ الموتى بكلمة واحدة، كما قال تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} (يس: 53)
قوله تعالى: { ويريكم آياته } أي يظهرها لكم حتى تروها؛ والمراد بـ "الآية" هنا الآية الكونية؛ لأنها إحياء ميت بضربه بجزء من أجزاء هذه البقرة؛ ويحتمل أن يكون المراد آياته الشرعية أيضاً؛ لأن موسى . عليه الصلاة والسلام . أمرهم بذلك؛ فضربوا الميت ببعض هذه البقرة؛ فصار ذلك مصداقاً لقول موسى . عليه الصلاة والسلام ...
قوله تعالى: { لعلكم تعقلون }؛ "لعل" للتعليل؛ أي لأجل أن تعقلوا عن الله . تبارك وتعالى . آياته، وتفهموها؛ والعقل هو ما يحجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي؛ وهو خلاف الذكاء؛ فالذكاء هو سرعة البديهة، والفهم؛ وقد يكون الإنسان ذكياً، ولكنه ليس بعاقل..
الفوائد:


.1 من فوائد الآية: تعظيم الله عزّ وجلّ، حيث أسند الأمر إليه بصيغة الغائب، كقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] ..
.2 ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يسلك الأسباب التي تؤدي إلى قبول الأمر، أو الخبر؛ لقوله: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة }..
.3 ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا لنبيهم عليه الصلاة والسلام: { أتتخذنا هزواً } وقد أخبرهم أن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة؛ فلم يحملوا هذا محمل الجدّ مع أن الواجب أن يحملوا هذا محمل الجدّ؛ لأنه أمر من الله عزّ وجلّ..
.4 ومنها: أن الاستهزاء بالناس من الجهل وهو الحمق، والسفه؛ لقول موسى عليه الصلاة والسلام: ( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين )
.5 ومنها: أن جميع الخلق محتاجون إلى الله تعالى، وإلى الاعتصام به عزّ وجلّ؛ فإن موسى صلى الله عليه وسلم كان من أولي العزم من الرسل؛ ومع ذلك فهو محتاج إلى ربه تبارك وتعالى؛ لقوله تعالى: { قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين }؛ والاستعاذة لا تكون إلا بالله عزّ وجلّ؛ وقد تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن وجد معاذاً فليعذ به"(1) ..
.6 ومنها: استكبار بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى . عليه الصلاة والسلام: { ادع لنا ربك }؛ فأمروه أمراً، ثم أضافوا ربوبية الله عزّ وجلّ إلى موسى، كأنهم متبرئون من ذلك؛ فلم يقولوا: "ادع ربنا"، أو "ادع الله"؛ ومما يدل على استكبارهم كونهم طلبوا من موسى . عليه الصلاة والسلام . أن يبين لهم ما هذه البقرة مع أن البقرة معروفة؛ وهي عند الإطلاق تشمل أيّ واحدة..
.7 ومنها: تأكيد الأمر على بني إسرائيل أن يفعلوه؛ لقوله: { فافعلوا ما تؤمرون }؛ ومع ذلك لم يمتثلوا؛ بل تعنتوا، وطلبوا شيئاً آخر: { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها }؛ فسألوه عن اللون مع أن أيّ لون يمكن أن يكون في البقرة لا يمنع من إجزائها..


.8 ومنها: بيان ما يدل أيضاً على تعنتهم؛ وذلك أنهم طلبوا بيان هل البقرة عاملة، أو غير عاملة..
.9 ومنها: أن استعمال البقر في الحرث والسقي كان قديماً معروفاً بين الأمم، ولا يزال إلى وقتنا هذا قبل أن تظهر الآلات الحديدية..
.10 ومنها: تشديد الله عليهم، حيث أمرهم بذبح بقرة موصوفة بهذه الصفات التي يعز وجودها في بقرة واحدة؛ وذلك بأن تكون متوسطة في السن لا فارضاً ولا بكراً؛ وأن تكون صفراء فاقعاً لونها تسر الناظرين؛ وألا تكون ذلولاً تثير الأرض وتسقي الحرث؛ وأن تكون مسلَّمة ليس فيها شيء من العيوب..
وألا يخالط لونها لون آخر؛ لقوله: ( لا شية فيها ).
.11ومنها: أن من شدد على نفسه شدد الله عليه . كما حصل لهؤلاء؛ فإنهم لو امتثلوا أول ما أُمِروا، فذبحوا أيّ بقرة لكفاهم؛ ولكنهم شددوا، وتعنتوا، فشدد الله عليهم؛ على أنه يمكن أن يكون تعنتهم هذا للتباطؤ في تنفيذ الأمر..
.12 ومنها: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله عزّ وجلّ على درجات؛ الدرجة الأولى: ما سبق من قولهم: { أتتخذنا هزواً }؛ الدرجة الثانية: قولهم: { ادع لنا ربك يبين لنا ما هي }، الدرجة الثالثة: قولهم: { ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها }؛ الدرجة الرابعة: قولهم: { ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } مرة أخرى
.13 . ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا: { الآن جئت بالحق }؛ فكأنهم يقولون: الآن رضينا بوصف هذه البقرة، ثم قاموا بذبحها على مضض؛ وكل هذا يدل على استهتارهم بأوامر الله عزّ وجلّ..
.14 ومنها: أن الإنسان إذا لم يقبل هدى الله عزّ وجلّ من أول مرة فإنه يوشك أن يشدد الله عليه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الدين يسر؛ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه(2)" ..
.15 ومنها: تذكير بني إسرائيل بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم ببيان الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم..


.16 ومنها: تأخير ذكر السبب بعد القصة، والمبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها..
.17 ومنها: أن قول الرسول قول لمرسله إذا كان بأمره؛ لقوله تعالى: { فقلنا اضربوه ببعضها }..
.18 منها: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم؛ لقوله تعالى: { ببعضها }؛ فقد أبهمه الله؛ ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داع؛ لأن المقصود الآية..
.19 ومنها: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعنى القصة، وغرضها دون من وقعت عليه؛ لقوله تعالى:
{ ببعضها }؛ ولم يعين لهم ذلك توسعة عليهم؛ ليحصل المقصود بأيّ جزء منها؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا سمع حديثاً أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله..." كذا وكذا؛ تجد بعض الناس يتعب، ويتكلف في تعيين هذا الرجل؛ وهذا ليس بلازم؛ المهم معنى القصة، وموضوعها؛ أما أن تعرف من هذا الرجل؟ من هذا الأعرابي؟ ما هذه الناقة مثلاً؟ ما هذا البعير؟ فليس بلازم؛ إذ إن المقصود في الأمور معانيها، وأغراضها، وما توصل إليه؛ فلا يضر الإبهام . اللهم إلا أن يتوقف فهم المعنى على التعيين..
.20ومن فوائد الآية: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين؛ وذلك إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط؛ فإذا قيل لك: "افعل بعض هذه الأشياء" يكون أسهل مما إذا قيل لك: "افعل هذا الشيء بعينه"؛ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة . والله أعلم..
.21 ومنها: أن هذه الآية من آيات الله عزّ وجلّ . وهي أن تكون البقرة سبباً لحياة هذا القتيل؛ إذ لا رابطة في المعقول بين أن تُذبح البقرة، ويضرب القتيل ببعضها، فيحيى..


.22 ومنها: أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف، والنِّزاع، من نعمة الله عزّ وجلّ؛ يعني مثلاً إذا اختلفنا في أمور، وكاد الأمر يتفاقم، ويصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه فإن هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف، وهذا النِّزاع..
.23 ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يخرج ما كان يكتمه أهل الباطل، ويبينه للناس؛ لقوله تعالى: { والله مخرج ما كنتم تكتمون }؛ واذكروا قول الله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً} (النساء: 108)
.24ومنها: التحذير من أن يكتم الإنسان شيئاً لا يرضاه الله عزّ وجلّ؛ فإنه مهما يكتم الإنسان شيئاً مما لا يُرضي الله عزّ وجلّ فإن الله سوف يطلع خلقه عليه . إلا أن يعفو الله عنه ...
القرآن
)ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:74)
التفسير:
.{ 74 } قوله تعالى: { ثم قست قلوبكم } أي صلبت، وتحجرت؛ { من بعد ذلك } أي من بعد أن منَّ الله عليكم بما حصل من المدارأة في القتيل حتى تبين..


قوله تعالى: { فهي } أي قلوبكم { كالحجارة } أي مثلها؛ { أو أشد قسوة } أي من الحجارة؛ لأن الحجارة أقسى شيء . حتى إنّها أقسى من الحديد؛ إذ إن الحديد يلين عند النار، والحجارة تتفتت، ولا تلين؛ و{ أو } هنا ليست للشك؛ لأن الله سبحانه وتعالى عالم بحالها؛ لكن اختلف العلماء . رحمهم الله . هل هي بمعنى "بل"، فتكون للإضراب؛ أو إنها لتحقيق ما سبق . أي أنها إن لم تكن أشد من الحجارة فهي مثلها؟ في هذا قولان لأهل العلم . رحمهم الله؛ وهي كقوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات: 147] : فمن العلماء من قال: إن {أو} بمعنى "بل" . أي بل يزيدون على مائة ألف؛ ومنهم من قال: إنها لتحقيق ما سبق . أي إن لم يزيدوا على مائة ألف فإنهم لن ينقصوا؛ والله أعلم بما أراد في كتابه..
ثم بين الله عزّ وجلّ أن الحجارة فيها خير بخلاف قلوب هؤلاء فإنه لا خير فيها؛ فقال تبارك وتعالى: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } يعني إن بعض الحجارة تتفجر منها الأنهار . أي أنهار الماء التي يشرب الناس منها، ويسقون بها زروعهم، ومواشيهم..
وقوله تعالى: { لما يتفجر }: { ما } اسم موصول في محل نصب اسم { إن }؛ واللام للتوكيد؛ أي: لَلذِي يتفجر منه الأنهار..
قوله تعالى: { وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء }: وهي دون الأول؛ الأول يتفجر منها الأنهار؛ أما هذه فإنها تتشقق، ويخرج منها الماء كالذي يحصل في أحجار الآبار، وما أشبهها..
قوله تعالى: { وإن منها لما يهبط من خشية الله }، كما قال تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} [الحشر: 21] ، ولما قال موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143] ، قال الله سبحانه وتعالى له: {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخرَّ موسى صعقاً} [الأعراف: 143] ..


وقوله تعالى: { من خشية الله }، { من } هنا سببية؛ و{ خشية الله } أي خوفهم مع العلم بعظمته..
قوله تعالى: { وما الله بغافل عما تعملون }: فنفى سبحانه وتعالى أن يكون غافلاً عما يعملون؛ وذلك لكمال علمه، وإحاطته تبارك وتعالى..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم ومع ذلك فهم لم يلينوا للحق؛ بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم..
.2 ومنها: تشبيه المعقول بالمحسوس في قوله تعالى: { فهي كالحجارة }؛ لأن الحجارة أمر محسوس؛ والقلب قسوته أمر معقول؛ إذ إنه ليس المعنى أن القلب الذي هو المضغة يقسو؛ القلب هو هو؛ لكن المراد: أنه يقسو قسوة معنوية بإعراضه عن الحق، واستكباره عليه؛ فهو أمر معنوي شبه بالأمر الحسي؛ وهذا من بلاغة القرآن تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين..
.3 ومنها: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل..
.4 ومنها: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار؛ وقد كان موسى . عليه الصلاة والسلام . يضرب بعصاه الحجر، فينبجس، ويتفجر عيوناً بقدرة الله . تبارك وتعالى
.5 ومنها: أن الحجارة خير من قلوب هؤلاء بأن فيها خيراً؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار؛ ومنها ما يشقق، فيخرج منه الماء؛ ومنها ما يهبط من خشية الله؛ وهذه كلها خير، وليس في قلوب هؤلاء خير..
.6 ومنها: أن الجمادات تعرف الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { وإن منها لما يهبط من خشية الله }؛ وهذا أمر معلوم من آيات أخرى، كقوله تعالى: {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض} [الجمعة: 1] ، وقوله تعالى: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44] ، وقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11] : ففهمتا الأمر، وانقادتا..


.7 ومن فوائد الآية: عظمة الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { من خشية الله }؛ والخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: { إنما يخشى اللّه َ من عباده العلماء } [فاطر: 28]؛ فمن علم عظمة الله سبحانه وتعالى فلا بد أن يخشاه..
.8 ومنها: سعة علم الله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: { وما الله بغافل عما تعملون }؛ وهذه الصفة من صفات الله سبحانه وتعالى السلبية؛ والصفات السلبية هي التي ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه. وتتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة؛ وإثبات كمال ضدها..

القرآن
)أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:75)
التفسير:
.{ 75 } قوله تعالى: { أفتطعمون أن يؤمنوا لكم }؛ الهمزة للاستفهام؛ والمراد به الاستبعاد، والتيئيس . أي تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم؛ والفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة مناسب للمقام؛ و "الطمع" معناه الرجاء المقرون بالرغبة الأكيدة؛ يعني: أنتم ترجون مع رغبة؛ لأن الذي يرجو الشيء مع الرغبة الأكيدة فيه يقال: طمع فيه؛ و "الإيمان" هنا بمعنى التصديق؛ أي أن يُصَدِّقوا لكم؛ ويحتمل أن يكون بمعنى الانقياد، والاستسلام لكم؛ وهذا أمر بعيد؛ لقوله تعالى: { وقد كان فريق منهم... }: الواو هنا للحال؛ و{ قد } للتحقيق؛ فالجملة في محل نصب حالاً من الواو في { يؤمنوا لكم } يعني: والحال أن فريقاً منهم يسمعون كلام الله؛ و "الفريق" بمعنى الطائفة؛ و{ منهم } أي من بني إسرائيل..
قوله تعالى: { يسمعون كلام الله ثم يحرِّفونه }: ذكر المفسرون فيه قولين:.


القول الأول: أن المراد بذلك التوراة . يسمعونها ثم يحرفونها . أي يغيرونها؛ ومنه قولهم: حَرَفْت الدابة . يعني غيرت اتجاهها؛ { من بعد ما عقلوه } أي من بعد ما فهموها، وعرفوا معناها، ولم تشكل عليهم؛ ومن ذلك تحريفهم إياها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومبعثه، وقولهم: إنه الرسول المنتظر . وليس هذا الرسول..
والقول الثاني: أن المراد بذلك الذين أسمعهم الله كلامه سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام؛ وهم الذين اختارهم موسى . وهم سبعون رجلاً فأسمعهم الله تعالى كلامه لموسى، ولكنهم قالوا: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة }، ثم حرفوا ما سمعوه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى..
وقد بحثت في كتب التفسير التي لدي فلم أجد احتمالاً ثالثاً . وهو أن المراد بـ{ كلام الله } القرآن، وأنهم يسمعونه، ثم يحرفونه؛ لأن القرآن كلام الله؛ وقد قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] أي حتى يسمع القرآن؛ فإن كان هذا الاحتمال صحيحاً فهو أقرب من القولين السابقين . والله أعلم بمراده..
قوله تعالى: { وهم يعلمون } أي يعلمون أنهم يحرفون الكلم أي كلام الله عزّ وجلّ، ويعلمون أن التحريف محرم؛ فتعدوا الحدود، وحرفوا كلام الله عزّ وجلّ، وارتكبوا الإثم عن بصيرة..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فإنه يبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن من يسمع كلام الله، ثم يحرفه، أبْعَدُ قبولاً للحق ممن لم يسمعه..
.2 ومنها: أن الله تعالى يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم بما يذهب عنه الأسى، والحزن؛ حيث بين له حال هؤلاء، وأنهم قوم عتاة لا مطمع في إيمانهم..


.3 ومنها: إثبات أن الله يتكلم، وأن كلامه بصوت مسموع؛ لقوله تعالى: { يسمعون كلام الله }؛ وكلام الله . تبارك وتعالى . صفة حقيقية تتضمن اللفظ، والمعنى؛ فهو سبحانه وتعالى يتكلم بحروف، وأصوات مسموعة؛ وتفصيل ذلك والرد على من خالفه مذكور في كتب العقائد..
.4ومنها: أن كلام الله سبحانه وتعالى من صفاته الفعلية باعتبار آحاده؛ وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية؛ والفرق بين الصفات الذاتية، والفعلية أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله أزلاً، وأبداً . ومعنى "أزلاً" أي فيما مضى؛ و"أبداً" أي فيما يستقبل . مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والسمع، والبصر إلى غير ذلك، و الصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحْدُث إذا شاء، كالاستواء على العرش، والنُّزول إلى سماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة للفصل بين العباد، والفرح، والرضا، والغضب.. عند وجود أسبابها..
.5 ومن فوائد الآية: الرد على الأشعرية، وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه؛ وأن الحروف، والأصوات عبارة عن كلام الله، وليست كلام الله؛ بل خلقها الله ليعبر بها عما في نفسه؛ و الرد عليهم مفصلاً في كتب العقائد..
.6 ومنها: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله، لقوله تعالى: ( ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه )..
.7 ومنها: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود، لأنهم حرفوا ما عقلوه؛ والتحريف بعد عقل المعنى أعظم؛ لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله؛ لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح؛ لأنه تجرأ على المعصية مع علمه بها . فيكون أعظم..
.8 ومنها: قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود؛ ومن هذه الأمة من ارتكبه، لكن القرآن محفوظ؛ فلا يمكن وقوع التحريف اللفظي فيه؛ لأنه يعلمه كل أحد؛ وأما التحريف المعنوي فواقع، لكن يقيض الله عزّ وجلّ من الأئمة، وأتباعهم من يبينه، ويكشف عوار فاعله..

القرآن


)وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:76))أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) (البقرة:77)
التفسير:
. 76 } قوله تعالى: { وإذا لقوا } الضمير يعود على اليهود؛ أي إذا قابلوا، واجتمعوا بـ{ الذين آمنوا } أي بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم { قالوا } أي بألسنتهم { آمنا } أي دخلنا في الإيمان كإيمانكم، وآمنا بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذا إذا لقوا المؤمنين؛ و{ إذا خلا بعضهم إلى بعض } أي إذا أوى بعضهم إلى بعض، وانفرد به قال بعضهم لبعض: { أتحدثونهم }: الاستفهام هنا للإنكار، والتعجب؛ والضمير الهاء يعود على المؤمنين بالرسول صلى الله عليه وسلم يعني يقول اليهود بعضهم لبعض إذا اجتمعوا: كيف تحدثون المؤمنين بالله ورسوله { بما فتح الله عليكم } أي من العلم بصحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم
{ ليحاجوكم به عند ربكم }: اللام للعاقبة . أي أن ما حدثتموهم به ستكون عاقبته أن يحاجوكم به عند ربكم..
قوله تعالى: { أفلا تعقلون }: الهمزة للاستفهام؛ والمراد به التوبيخ؛ يعني: أين عقولكم؟! أنتم إذا حدثتموهم بهذا، وقلتم: إن هذا الذي بُعث حق، وأنه نبي يحاجونكم به عند الله يوم القيامة..


قوله تعالى: { أفلا تعقلون }؛ الفاء واقعة بعد همزة الاستفهام؛ وهذا يكثر في القرآن: { أفلا تعقلون }؛ { أفلا تذكرون }؛ { أفلم يسيروا }؛ { أو لم يسيروا }؛ { أثم إذا ما وقع آمنتم به }؛ وأشباه ذلك؛ يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام؛ وهمزة الاستفهام لها الصدارة في جملتها؛ ولا صدارة مع وجود العاطف؛ لأن الفاء عاطفة؛ فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة عُطفت عليها الجملة التي بعد حرف العطف، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام؛ وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة؛ وإن حرف العطف هو الذي تأخر . يعني زُحلق حرف العطف عن مكانه، وجعلت الهمزة مكانه؛ وعلى هذا فيكون التقدير: فألا تعقلون؛ أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؛ أو: أسفهتم فلا تعقلون... المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق؛ فالقول الأول أدق؛ والثانية أسهل؛ لأن الثاني لا يحتاج عناءً وتكلفاً فيما تقدره بين الهمزة والعاطف..
قوله تعالى: { أو لا يعلمون }: الاستفهام هنا للتوبيخ، والإنكار عليهم لكونهم نزَّلوا أنفسهم منْزلة الجاهل؛ { أن الله يعلم ما يسرون }: يشمل ما يسره الإنسان في نفسه، وما يسره لقومه وأصحابه الخاصين به؛ { وما يعلنون } أي ما يظهرون لعامة الناس؛ فالله سبحانه وتعالى يعلم هذا، وهذا؛ ولا يخفى عليه شيء؛ والمعنى: كيف يؤنب بعضهم بعضاً بهذا الأمر وهم لو جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وأنكروا نبوَّته، ولم يؤمنوا فإن الله تعالى لا يخفى عليه الأمر؟! فسواء أقروا، أو لم يقروا عند الصحابة أن الرسول حق فإن الله تعالى عالم بهم..

الفوائد:
.1 ومن فوائد الآية: أن في اليهود منافقين؛ لقوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا... } إلخ..
.2 ومنها: أن من سجايا اليهود وطبائعهم الغدر؛ لقوله تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض... } إلخ؛ لأن هذا نوع من الغدر بالمؤمنين..


.3 منها: أن بعضهم يلوم بعضاً على بيان الحقيقة حينما يرجعون إليهم؛ لقوله تعالى: ( وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم )..
.4 ومنها: أن العلم من الفتح؛ لقولهم: { بما فتح الله عليكم }؛ ولا شك أن العلم فتح يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه..
.5 ومنها: أن المؤمن، والكافر يتحاجَّان عند الله يوم القيامة؛ لقولهم: { ليحاجُّوكم به عند ربكم }؛ ويؤيده قوله تعالى: ( ثم إنكم بعد ذلك لميِّتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } [المؤمنون: 15) ..
.6 ومنها: سفه اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحاً عليهم؛ لقولهم: ( أفلا تعقلون ).
.7 ومنها: الثناء على العقل، والحكمة؛ لأن قولهم: { أفلا تعقلون } توبيخ لهم على هذا الفعل؛ وأنه ينبغي للإنسان أن يكون عاقلاً؛ ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه؛ ولا يتكلم إلا وينظر ما النتيجة من الكلام؛ ولا يفعل إلا وينظر ما النتيجة من الفعل: قال النبي صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً، أو ليصمت"(1) ..
.8 ومنها: أن كفر اليهود بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن علم؛ ولهذا صاروا مغضوباً عليهم..
.9 ومنها: توبيخ اليهود على التحريف؛ لقوله تعالى: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون
.10 ومنها: إثبات عموم علم الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: ( يعلم ما يسرون وما يعلنون )
.11 ومنها: الوعيد على مخالفة أمر الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { أولا يعلمون أن الله يعلم.... } الآية؛ لأن المقصود بذلك تهديد هؤلاء، وتحذيرهم..
القرآن
)وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (البقرة:78)
التفسير:


.{ 78 } قوله تعالى: { ومنهم } أي من اليهود؛ { أميون } أي بمنْزلة الأميين؛ والأُمّي من لا يعرف أن يقرأ، ولا أن يكتب؛ { لا يعلمون الكتاب إلا أماني } أي إلا قراءة بدون فهم للمعنى؛ ومن لم يفهم المعنى فهو في حكم من لا يعرف القراءة؛ لأنه لا يستفيد شيئاً بقراءته؛ { وإن هم إلا يظنون } أي ما هم إلا يظنون؛ لأن الإنسان الذي لا يعرف إلا اللفظ ليس عنده علم..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن الأُمّية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم؛ لقوله تعالى: { ومنم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني }..
.2 ومنها: ذم من لا يعتني بمعرفة معاني كتاب الله عزّ وجلّ..
.3 ومنها: أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله تعالى: { وإن هم إلا يظنون }؛ العامي يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن لا يفهم معناه؛ فإذا تكلم في حكم من أحكام الله الشرعية التي دل عليها الكتاب فإنما كلامه عن ظن؛ لأنه في الحقيقة لا يعلم؛ ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى..
.4 ومنها: ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود؛ وهذا موجود كثيراً عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: "إنهم علماء"؛ تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن، والسنة وهو لا يعلم..
.5 ومنها: أن المقلد ليس بعالم؛ لأنه لا يفهم المعنى؛ وقد قال ابن عبد البر: "إن العلماء أجمعوا أن المقلد لا يعد في العلماء"؛ وهو صحيح: المقلد ليس بعالم؛ غاية ما هنالك أنه نسخة من كتاب؛ بل الكتاب أضبط منه؛ لأنه قد ينسى؛ وليس معنى ذلك أننا نذم التقليد مطلقاً؛ التقليد في موضعه هو الواجب؛ لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النمل: 43 ..

القرآن


)فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة:79)
التفسير:
.{ 79 } قوله تعالى: { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم... }؛ "ويل" كلمة وعيد؛ يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة؛ وهي مبتدأ؛ وجاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأنها تفيد الوعيد . والوعيد معنًى خاص، فزال به إجمال النكرة المطلقة؛ و{ الكتاب } بمعنى المكتوب؛ والمراد به التوراة؛ { بأيديهم }: كلمة مؤكدة لقوله تعالى: { يكتبون }؛ أو مبينة للواقع؛ لأنه لا كتابة إلا باليد غالباً؛ والمعنى: أنهم يكتبونه بأيديهم، فيتحققون أنه ليس الكتاب المنَزَّل؛ فهم يباشرون هذه الجناية العظيمة؛ { ثم يقولون } أي بعدما كتبوه بأيديهم، وعرفوا أنه من صُنْع أيديهم؛ { هذا من عند الله } أي نزل من عند الله؛ { ليشتروا به } أي ليأخذوا به؛ واللام للتعليل؛ فإذا دخلت اللام على الفعل المضارع تكون للتعليل . كما هي هنا؛ وتكون للعاقبة، مثل: {ليكون لهم عدوًّا وحزناً} [القصص: 8] ؛ وتكون زائدة، مثل: {يريدون ليطفئوا نور الله} [الصف: 8] أي يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل "يريد" يتعدى بنفسه بدون حرف الجرّ؛ { ثمناً قليلاً } أي عوضاً قليلاً؛ وهذا العوض القليل هو الرئاسة، والجاه، والمال، وغير ذلك من أمور الدنيا، كما قال تعالى: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى} [النساء: 77] ؛ فمهما حصل في الدنيا من رئاسة، وجاه، ومال، وولد، فهو قليل بالنسبة للآخرة؛ كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل من حديث سهل بن سعد أن النبي (صلى الله عليه وسلم قال: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها"(1) : الدنيا من أولها إلى آخرها برئاساتها، وأموالها، وبنيها، وقصورها، وكل ما فيها، وموضع السوط متر


تقريباً؛ إذاً متاع الدنيا قليل..
قوله تعالى: { فويل لهم مما كتبت أيديهم }: هذا وعيد على فعلهم؛ { وويل لهم مما يكسبون }: هذا وعيد على كسبهم..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله وهم كاذبون..
.2 ومنها: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة، والمال، والجاه؛ لقوله تعالى: { ليشتروا به ثمناً قليلاً }؛ وقد ورد الوعيد على من طلب علماً يبتغى به وجه الله لينال عرضاً من الدنيا..
.3 ومنها: أن الدنيا كلها مهما بلغت فهي قليل، كما قال تعالى: {قل متاع الدنيا قليل} (النساء: 77)
.4 ومنها: أن الجزاء بحسب العمل؛ لقوله تعالى: ( فويل لهم مما كتبت أيديهم )
.5 ومنها: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى: { مما كتبت أيديهم }؛ فإن هذا بيان لعلة الوعيد؛ وهذه غير الفائدة السابقة؛ لأن الفائدة السابقة جزاؤهم بقدر ما كتبوا؛ وهذه بيان السبب..
.6 ومنها: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل، وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله تعالى:
{ فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون }؛ فما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم به الإنسان؛ مثلاً: إنسان عمل عملاً محرماً . كالغش . فإنه آثم بالغش؛ وهذا الكسب الذي حصل به هو أيضاً آثم به..
القرآن
)وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:81)( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:82)
التفسير:


.{ 80 } قوله تعالى: { وقالوا } أي اليهود { لن تمسنا النار } أي لن تصيبنا نار الآخرة { إلا أياماً معدودة } يعنون أنهم يبقون فيها أياماً معدودة، ثم يخلفهم فيها النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون؛ فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم بدخول النار مقبول؛ ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى متحدياً إياهم: { قل } . الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. { أتخذتم عند الله عهداً } أي أأخذتم عند الله عهداً أن لا تمسكم النار إلا أياماً معدودة، ثم يخلفكم فيها الرسول، والمؤمنون؟! والاستفهام هنا للإنكار؛ و "العهد" الميثاق، والالتزام؛ { فلن يخلف الله عهده } أي إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلفه؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد..
قوله تعالى: { أم تقولون على الله ما لا تعلمون }؛ قيل: إن { أم } متصلة؛ وقيل: إنها منقطعة؛ والفرق بينهما من وجهين: الأول: أن المنقطعة تكون بمعنى "بل"؛ و الثاني: أن ما بعدها منقطع عما قبلها؛ وأما المتصلة فتكون بمعنى "أو"، وما بعدها معادل لما قبلها؛ مثال المتصلة: قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} [البقرة: 6] ؛ ومثال المنقطعة: قوله تعالى: {أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون} [الطور: 32] أي بل هم قوم طاغون؛ أما في هذه الآية التي نحن بصددها فيحتمل أنها منقطعة؛ وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون؛ ويحتمل أنها متصلة، فيكون معناها: هل أنتم اتخذتم عند الله عهداً فادعيتموه، أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟! وعلى كلا الاحتمالين فهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ إذاً إذا لم يكن عندهم من الله عهد، وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه باطلة..


.{ 81 } قوله تعالى مبيناً من الذي تمسه النار، ومن الذي لا تمسه: { بلى من كسب سيئة }: قال المفسرون: { بلى } هنا بمعنى "بل"؛ فهي للإضراب الانتقالي؛ ويحتمل أن تكون للإضراب الإبطالي . أي لإبطال قولهم: { لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة }؛ و{ مَنْ } يحتمل أن تكون اسم شرط؛ وجوابه: { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }؛ ويحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي؛ وهي مبتدأ، وخبره: { فأولئك أصحاب النار }، وقرن بالفاء لمشابهة الاسم الموصول الاسم الشرط في العموم؛ والاحتمال الأول أولى؛ و "الكسب" معناها: حصول الشيء نتيجة لعمل؛ و{ سيئة } من ساء يسوء؛ والمراد الأعمال السيئة..
قوله تعالى: { وأحاطت به خطيئته }: "الإحاطة" في اللغة: الشمول؛ و{ أحاطت } أي صارت كالحائط عليه، وكالسور . أي اكتنفته من كل جانب؛ وفي قوله تعالى: { خطيئته } قراءتان: الإفراد، والجمع؛ والإفراد بمعنى الجمع؛ لأنه مفرد مضاف فيعم؛ لكن الجمع يفيد الإشارة إلى أنواع الخطايا..
وقوله تعالى: { سيئة }، و{ خطيئته }: قيل: بمعنى واحد، وأن السيئة امتدت حتى أحاطت به؛ وقيل: إن المراد بالسيئة: الكفر؛ والخطيئة: ما دونه؛ وهذا هو المعروف عند المفسرين..
قوله تعالى: { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }: المشار إليه ما سبق؛ و{ أصحاب } جمع صاحب . أي أهل النار؛ وسموا أصحاباً لها لملازمتهم إياها . والعياذ بالله؛ و{ خالدون } أي ماكثون؛ فالخلود بمعنى المكث، والدوام؛ ومنه قوله تعالى: {ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود} [ق: 34] ..
.{ 82 } قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات }: مبتدأ؛ خبره: قوله تعالى: { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون }؛ لما ذكر الله عزّ وجلّ مصير الكافرين ذكر بعده مصير المؤمنين ليكون العبد سائراً إلى الله سبحانه وتعالى بين الخوف والرجاء؛ وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه مثاني . أي تُثَنَّى فيه المعاني، والأحوال..


وقوله تعالى: { والذين آمنوا } أي صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول، والإذعان؛ فلا يكون الإيمان مجرد تصديق؛ بل لا بد من قبول للشيء، واعتراف به، ثم إذعان، وتسليم لما يقتضيه ذلك الإيمان.
وقوله تعالى: { وعملوا الصالحات } أي عملوا الأعمال الصالحات؛ والعمل يصدق على القول، والفعل؛ وليس العمل مقابل القول؛ بل الذي يقابل القول: الفعل؛ وإلا فالقول، والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح..
قوله تعالى: { أولئك أصحاب الجنة } أي أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة ملازمة؛ و{ الجنة }: الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين؛ وفيها كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"(1) ، كقوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون} (السجدة: 17 ).
قوله تعالى: { هم فيها خالدون } سبق الكلام عليها..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن اليهود يقرون بالآخرة، وأن هناك ناراً، لقوله تعالى: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة }؛ لكن هذا الإقرار لا ينفعهم؛ لأنهم كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم؛ وعلى هذا ليسوا بمؤمنين..
.2 ومنها: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذباً، وإما جهلاً؛ والأول أقرب؛ لقوله تعالى: { أم تقولون على الله ما تعلمون..
.3 ومنها: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى في واحد من أمرين، وكلاهما منتفٍ: { أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون }؛ وهذا على القول بأن { أم } هنا متصلة؛ أما على القول بأنها منقطعة فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد..
.4 ومنها: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده؛ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة، لأن إخلاف الوعد إما لكَذِب، وإما لعجز؛ فكون الله . جلَّ وعلا . لا يخلف الميعاد يقتضي كمال صدقه، وكمال قدرته..


.5 ومنها: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله تعالى: { أم تقولون على الله ما لا تعلمون }؛ والقول على الله يتضمن القول عليه في أحكامه، وفي ذاته، وصفاته؛ من قال عليه ما لا يعلم بأنه حلَّل، أو حرَّم، أو أوجب، فقد قال على الله بلا علم؛ ومن أثبت له شيئاً من أسماء، أو صفات لم يثبته الله لنفسه فقد قال على الله بلا علم؛ ومن نفى شيئاً من أسمائه وصفاته فقد قال على الله بلا علم؛ ومن صرف شيئاً عن ظاهره من نصوص الكتاب والسنة بلا دليل فقد قال على الله بلا علم..
.6 ومن فوائد الآية: تحريم الإفتاء بلا علم؛ وعلى هذا يجب على المفتي أن يتقي الله عزّ وجلّ، وألا يتسرع في الإفتاء؛ لأن الأمر خطير..
.7 . ومنها: أن الثواب والعقاب لا يترتب على الأشخاص بحسب النسب، أو الانتماء؛ وإنما هو بحسب العمل..
.8 ومنها: أن من أحاطت به خطيئته فلم يكن له حسنة فإنه من أصحاب النار الذين لا يخرجون منها..
.9 ومنها: أن من كسب سيئة لكن لم تحط به الخطيئة فإنه ليس من أصحاب النار؛ لكن إن كان عليه سيئات فإنه يعذب بقدرها . ما لم يعف الله سبحانه وتعالى عنه..
.10 ومنها: إثبات النار، وأنها دار الكافرين
.11 ومنها: خلود أهل النار فيها؛ وهو خلود مؤبد لا يخفف عنهم فيه العذاب، وقد صرح الله عزّ وجلّ بتأبيد الخلود فيها في ثلاثة مواضع من القرآن؛ الأول: في سورة النساء في قوله تعالى: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديدهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً} [النساء: 168، 169] ؛ الموضع الثاني: في سورة الأحزاب في قوله تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً} [الأحزاب: 64، 65] ؛ الموضع الثالث: في سورة الجن في قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً} [الجن: 23] ..


.12 ومن فوائد الآية: أن أهل الجنة هم الذين قاموا بالإيمان، والعمل الصالح؛ ولا يكون العمل صالحاً إلا بأمرين: الإخلاص لله عزّ وجلّ، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"(1). وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ"(2) . وهذا فُقِدَ فيه المتابعة؛ وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم "فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مِائة شرط(3)" ..
.13 ومن فوائد الآية: أن الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة؛ بل لا بد من عمل صالح..
.14 ومنها: أن العمل وحده لا يكفي حتى يكون صادراً عن إيمان؛ لقوله تعالى: { آمنوا وعملوا الصالحات ولذلك لم ينفع المنافقين عملهم؛ لفقد الإيمان في قلوبهم..
.15 ومنها: بلاغة القرآن، وحسن تعليمه؛ حيث إنه لما ذكر أصحاب النار ذكر أصحاب الجنة؛ وهذا من معنى قول الله تعالى: {الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني} [ الزمر: 23] ؛ فإن من معاني المثاني أن تثنى فيه الأمور؛ فيذكر الترغيب والترهيب؛ والمؤمن والكافر؛ والضار والنافع؛ وما أشبه ذلك..
.16 ومنها: إثبات الجنة..
.17 منها: أن أصحاب الجنة مخلدون فيها؛ وتأبيد الخلود في الجنة صرح الله سبحانه وتعالى به في آيات عديدة..
القرآن
)وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) (البقرة:83)
التفسير:


.{ 83 } قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل } أي اذكروا إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل؛ و "الميثاق" : العهد؛ وسمي "العهد" ميثاقاً؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي، والأرجل؛ لأنه يُلزمه؛ و{ إسرائيل } هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم؛ وبنوه: ذريته من ذكور، وإناث، كما يقال: "بنو تميم" لذكورهم، وإناثهم؛ و "بنو إسرائيل" بنو عم للعرب؛ لأن العرب من بني إسماعيل؛ وهؤلاء من بني إسرائيل؛ وجدهم واحد . وهو إبراهيم صلى الله عليه وسلم والميثاق بينه الله سبحانه وتعالى بقوله: { لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }؛ فالميثاق اشتمل على ثمانية أمور:.
الأول: أن لا يعبدوا إلا الله؛ لقوله تعالى: { لا تعبدون إلا الله }؛ و "العبادة" معناها: الذل، والخضوع؛ مأخوذة من قولهم طريق معبَّد . أي مذلَّل..
الثاني: الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله تعالى: { وبالوالدين إحساناً } أي أحسنوا بالوالدين إحساناً؛ وهو شامل للإحسان بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق؛ فكل ما يسمى إحساناً فهو داخل في قوله تعالى: { وبالوالدين إحساناً }؛ والمراد بـ "الوالدين" الأب، والأم، والأباعد لهم حق؛ لكن ليسوا كحق الأب، والأم الأدنيين، ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق..
الثالث: الإحسان إلى القرابة؛ لقوله تعالى: { وذي القربى }؛ وهي معطوفة على قوله تعالى: { بالوالدين }؛ والمعنى: وإحساناً بذي القربى؛ و{ ذي } بمعنى صاحب؛ و{ القربى } بمعنى القرابة؛ ويشمل: القرابة من قِبَلِ الأم؛ والقرابة من قِبَلِ الأب، لأن { القربى } جاءت بعد "الوالدين" أي القربى من قِبَل الأم، ومن قِبَل الأب..


الرابع: الإحسان إلى اليتامى؛ لقوله تعالى: { واليتامى }: جمع يتيم . وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ من ذكر، أو أنثى، وأوصى الله تعالى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم، أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي؛ فهم محل للرأفة، والرحمة، والرعاية..
الخامس: الإحسان إلى المساكين؛ لقوله تعالى: { والمساكين }: جمع مسكين وهو الفقير الذي أسكنه الفقر؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى، ويزداد، ويرتفع، ويعلو؛ وإذا كان فقيراً فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع { المساكين }؛ لأن "الفقراء"، و"المساكين" من الأسماء التي إذا قرنت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت؛ فكلمة "الفقراء" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ و"المساكين" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ وإذا قيل: فقراء ومساكين . مثل آية الزكاة: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] . صار "الفقراء" لها معنى؛ و"المساكين" لها معنى؛ لما اجتمعت الآن افترقت: فـ"الفقير": من لا يجد شيئاً من الكفاية، أو يجد دون النصف؛ و"المسكين": من يجد نصف الكفاية دون كمالها..
السادس: أن يقولوا للناس قولاً حسناً؛ لقوله تعالى: { وقولوا للناس حسناً } بسكون السين، وفي قراءة: { حسَناً } بفتحها؛ والقول الحسن يشمل: الحسن في هيئته؛ وفي معناه، ففي هيئته: أن يكون باللطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيراً؛ لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير؛ وكل قول خير فهو حسن..
السابع: إقامة الصلاة؛ لقوله تعالى: { وأقيموا الصلاة } أي ائتوا بها قائمة . أي قويمة ليس فيها نقص؛ وذلك بأن يأتوا بها بشروطها، وأركانها، وواجباتها؛ وكمال ذلك أن يأتوا بمستحباتها؛ و{ الصلاة } تشمل الفريضة، والنافلة..
الثامن: إيتاء الزكاة؛ لقوله تعالى: { وآتوا الزكاة } أي أعطوها مستحقها؛ و "الزكاة" هي النصيب الذي أوجبه الله لمستحقه في الأموال الزكوية..


قوله تعالى: { ثم توليتم إلا قليلاً منكم } فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ وفائدته: إدخال الموجودين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحكم . أعني التولي؛ و "التولي" ترك الشيء وراء الظهر؛ وهذا أبلغ من الإعراض؛ لأن الإعراض قد يكون بالقلب، أو بالبدن مع عدم استدبار..
قوله تعالى: { وأنتم معرضون } الجملة هنا حالية؛ أي توليتم في إعراض؛ وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض في قلبه . فقد يتولى بالبدن، ولكن قلبه متعلق بما وراءه؛ ولكن إذا تولى مع الإعراض فإنه لا يرجى منه أن يُقْبِل بعد ذلك..
الفوائد:
.1 ن فوائد الآية: بيان عظمة الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { وإذ أخذنا }؛ لأن الضمير هنا للتعظيم؛ وهو سبحانه وتعالى العظيم الذي لا أعظم منه..
.2 ومنها: أن التوحيد جاءت به الرسل جميعاً؛ لقوله تعالى: ( لا تعبدون إلا الله ).
.3 ومنها: أن العبادة خاصة بالله . تبارك وتعالى؛ فلا يعبد غيره؛ لقوله تعالى: { لا تعبدون إلا الله }؛ لأن هذا يفيد الحصر..
.4 ومنها: وجوب الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله تعالى: { وبالوالدين إحساناً }؛ وإنما أوجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عزّ وجلّ؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة لقمان: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14] ؛ فهما سبب وجودك، وإمدادك، وإعدادك . وإن كان أصل ذلك من الله؛ فلولا الوالدان ما كنت شيئاً؛ والإحسان إلى الوالدين شامل للإحسان بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وغير ذلك من أنواع الإحسان؛ وضده أمران؛ أحدهما أن يسيء إليهما؛ والثاني: أن لا يحسن، ولا يسيء؛ وكلاهما تقصير في حق الوالدين مناف لبرهما؛ وفي الإساءة زيادة الاعتداء..


.5 ومن فوائد الآية: وجوب الإحسان إلى ذوي القربى . أي قرابة الإنسان . وهم من يجتمعون به بالأب الرابع، فما دون؛ ولكن يجب أن نعلم أن الإحسان يتفاوت؛ فكل من كان أقرب فهو أولى بالإحسان؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي بحسب قوة ذلك الوصف؛ فمثلاً يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم؛ ويجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال..
.6 ومنها: وجوب الإحسان إلى اليتامى؛ وهو يشمل الإحسان إليهم أنفسهم؛ والإحسان في أموالهم؛ لقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] ..
.7 ومنها: وجوب الإحسان إلى المساكين؛ وذلك بإعطائهم ما يستحقون من الزكاة، ودفع الضرورة، وما أشبه ذلك..
.8 ومنها: وجوب القول الحسن؛ لقوله تعالى: { وقولوا للناس حسناً }؛ وضد القول الحسن قولان؛ قول سوء؛ وقول ليس بسوء، ولا حسن؛ أما قول السوء فإنه منهي عنه؛ وأما القول الذي ليس بسوء، ولا حسن فليس مأموراً به، ولا منهياً عنه؛ لكن تركه أفضل؛ ولهذا وصف الله عباد الرحمن بأنهم: {لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مرُّوا كراماً} [الفرقان: 72] ؛ وقال الرسول صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً؛ أو ليصمت"(1) ..
.9 ومنها: الأمر بإقامة الصلاة على وجه الوجوب فيما لا تصح الصلاة إلا به؛ وعلى وجه الاستحباب فيما تصح الصلاة بدونه وهو من كمالها..
.10 ومنها: أن الصلوات مفروضة على من كان قبلنا..
.11 ومنها: وجوب إيتاء الزكاة؛ لقوله تعالى: ( وآتوا الزكاة )
.12 ومنها: وجوب الزكاة على من كان قبلنا؛ ولكن لا يلزم أن يكونوا مساوين لنا في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا في مقدار الزكاة، ولا في أهلها الذين تدفع إليهم..
.13 ومنها: أن بني إسرائيل مع هذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا به إلا القليل منهم..


.14 ومنها: أن تولي بني إسرائيل كان تولياً كبيراً، حيث كان تولياً بإعراض..
.15 ومنها: أن المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض..
.16 ومنها: أن التولي قد يكون بإعراض، وقد يكون بغير إعراض؛ لأنه لو كان بإعراض مطلقاً لم يستقم قوله: (وأنتم معرضون )
القرآن
)وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (البقرة:84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:85)( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة:86)
التفسير:
.{ 84 . 85 } قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم }: يذَكِّرهم الله سبحانه وتعالى بالميثاق الذي أخذه عليهم؛ وبين الله تعالى الميثاق هنا بأمرين:.
الأول: قوله تعالى: { لا تسفكون دماءكم } أي لا تريقونها؛ و"السفك"، و"السفح" بمعنى واحد؛ والمراد بسفك الدم: القتل، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً"(1) أي يقتل نفساً بغير حق؛ و{ دماءكم } أي دماء بعضكم؛ لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"(2) ، وقال: "ويجير عليهم أقصاهم(3)" ..


الأمر الثاني: قوله تعالى: { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم }؛ المراد: لا يخرج بعضكم بعضاً من دياركم؛ ولا شك أن الإخراج من الوطن شاق على النفوس؛ وربما يكون أشق من القتل..
قوله تعالى: { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } أي ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائباً عنكم، أو منسياً لديكم؛ بل هو باق لا زائل؛ ثم بعد هذا الميثاق، والإقرار به، والشهادة عليه { أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم }؛ و{ هؤلاء } منادى حذف منه حرف النداء . أي: يا هؤلاء؛ وليست خبر المبتدأ؛ و{ أنتم }: مبتدأ خبره جملة: { تقتلون }؛ والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وإنما وجه إليهم؛ لأنهم من الأمة التي فعلت ذلك، ورضوا به..
وقوله تعالى: { تقتلون أنفسكم } أي يقتل بعضكم بعضاً؛ { وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم } أي تجلونهم عن الديار؛ وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم..
قوله تعالى: { تظاهرون } بتخفيف الظاء؛ وفيها قراءة أخرى: { تظّاهرون } بتشديد الظاء؛ وأصله: تتظاهرون؛ ولكن أبدلت التاء ظاءً، ثم أدغمت بالظاء الأصلية؛ و{ تظاهرون } أي تعالَون؛ لأن الظهور معناه العلوّ، كما قال الله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } [الصف: 9] يعني ليعليه؛ وسمي العلوّ ظهوراً: من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه؛ وقيل: { تظاهرون } أي تعينون من يعتدي على بعضكم في عدوانه..


قوله تعالى: { بالإثم } أي بالمعصية؛ { والعدوان } أي الاعتداء على الغير بغير حق؛ فكل عدوان معصية؛ وليست كل معصية عدواناً . إلا على النفس: فالرجل الذي يشرب الخمر عاصٍ، وآثم؛ والرجل الذي يقتل معصوماً هذا آثم، ومعتد؛ والذي يخرجه من بلده آثم، ومعتد؛ ولهذا قال تعالى: { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان }؛ فهؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار، والشهادة لم يقوموا به؛ أخرجوا أنفسهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم بالإثم، والعدوان..
قوله تعالى: { وإن يأتوكم } أي يجيئون إليكم؛ { أسارى }: جمع أسير؛ وتجمع أيضاً على أسرى، كما في قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} [الأنفال: 70] ؛ والأسير هو الذي استولى عليه عدوه؛ ولا يلزم أن يأسره بالحبل؛ لكن الغالب أنه يؤسر به؛ لئلا يهرب؛ و{ تفادوهم } أي تفكوهم من الأسر بفداء؛ وفي قراءة( تفدوهم )
قوله تعالى: { وهو محرم عليكم إخراجهم } يعني: تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم؛ فأنتم لم تقوموا بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال الله تعالى: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض }؛ والاستفهام هنا للإنكار، والتوبيخ؛ والفاء في قوله تعالى: { أفتؤمنون } عاطفة؛ وسبق الكلام على مثل ذلك؛ أعني وقوع العاطف بعد همزة الاستفهام(1) ؛ ووجه كونهم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض: أنهم كفروا بما نهوا عنه من سفك الدماء، وإخراج أنفسهم من ديارهم؛ وآمنوا بفدائهم الأسرى؛ والذي يعبد الله على هذه الطريق لم يعبد الله حقيقة؛ وإنما عبد هواه؛ فإذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: آخذ به؛ وإذا كان لا يناسبه راوغ عنه بأنواع التحريف، والتماس الأعذار..


قوله تعالى: { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة }؛ "ما" نافية؛ والجزاء، والمجازاة، والمعاقبة معناها واحد؛ أو متقارب؛ ومعنى "الجزاء" : إثابة العامل على عمله؛ والمعنى: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا؛ و "الخزي" معناه الذلّ..
قوله تعالى: { ويوم القيامة } أي يوم البعث؛ وسمي بذلك؛ لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين؛ ولأنه يقوم فيه الأشهاد؛ ولأنه يقام فيه العدل؛ و{ يوم القيامة } ظرف متعلق بـ{ يردون } أي يرجعون من ذلّ الدنيا، وخزيها؛ { إلى أشد العذاب } أي أعظمه؛ و{ العذاب }: العقوبة..
قوله تعالى: { وما الله بغافل }: هذه صفة سلبية . أي نفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه صفة الغفلة؛ وذلك لكمال علمه، ومراقبته؛ و{ عما تعملون }: بالتاء؛ وفيها قراءة: { يعملون }: بالياء..
.{ 86 } قوله تعالى: { أولئك }: المشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد؛ { اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة } أي اختاروا الدنيا على الآخرة؛ فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة؛ والدنيا مرغوب فيها مشتراة؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لدنوها زمناً . لأنها سابقة على الآخرة؛ ولدنوها منْزلة . لأنها دون الآخرة؛ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها(2)" ..
وقوله تعالى: { بالآخرة }: الباء هنا للبدل؛ وهي تدخل دائماً على الثمن، كقولهم: "اشتريت الثوب بدينار": فالدينار هو الثمن؛ ويقال: "اشتريت الدينار بثوب": فالثوب هو الثمن..


قوله تعالى: { فلا يخفف عنهم العذاب } أي لا يهوَّن عنهم لا زمناً، ولا شدة، ولا قوة؛ { ولا هم ينصرون } أي ولا أحد يمنع عنهم عذاب الله؛ لقوله تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب * قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 49، 50] ؛ فهم يائسون من الخروج؛ فلم يقولوا: "أخرجنا من النار"، ولم يقولوا: "يخفف عنا دائماً"؛ بل قالوا: {يخفف عنا يوماً من العذاب} : يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يوماً واحداً من الأبدي السرمدي؛ ولكن ذلك لا يحصل لهم؛ فيقال لهم توبيخاً، وتقريعاً، وتنديماً: { أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا }؛ ولا ينفعهم الدعاء، كما قال تعالى: { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال }، أي ضياع..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن بني إسرائيل أُخذ عليهم تحريم قتال بعضهم بعضاً؛ لقوله تعالى: ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم )
.2 ومنها: تحريم إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم..
.3 ومنها: أن الأمة كالنفس الواحدة؛ لقوله تعالى: ( لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم ).
.4 ومنها: الأسلوب البليغ في قوله تعالى: { لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم }؛ وذلك أن مثل هذا التعبير فيه الحث البليغ على اجتناب ما نُهي عنه، وكأن الذي اعتدى على غيره قد اعتدى على نفسه
.5 ومنها: أن بني إسرائيل قد أقروا على أنفسهم بهذا الميثاق، وشهد بعضهم على بعض؛ لقوله تعالى: { ثم أقررتم وأنتم تشهدون..
.6 ومنها: بيان تمرد بني إسرائيل؛ حيث إنهم نقضوا العهد الذي أخذه الله عليهم، فصار بعضهم يقتل بعضاً، ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم..
.7 ومنها: أن بعضهم يتعالى على بعض بالإثم، والعدوان..


.8 ومنها: تحريم التظاهر على الغير بغير حق؛ لقوله تعالى: { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان }؛ وأما إذا علا عليه بحق فإن هذا لا بأس به؛ فإن الله سبحانه وتعالى فضل العباد بعضهم على بعض، كما قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] ، وقال تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35] ..
.9 ومنها: تناقض بني إسرائيل في دينهم، وقبولهم للشريعة؛ حيث إنه يقتل بعضهم بعضاً، ويخرج فريقاً من ديارهم؛ ثم إذ أتى بعضهم أسيراً فاداه . أي دفع فدية لفك أسره؛ لأنه واجب عليهم في شريعتهم أن يفدي بعضهم بعضاً؛ وهذا من الإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعضه؛ ولهذا قال الله تعالى: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض }..
.10 ومنها: أن الكفر ببعض الشريعة كفر بجميعها؛ وجه ذلك أن الله توعد هؤلاء الذين يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض؛ ومثل ذلك إذا آمن ببعض الرسل دون بعض فإنه كفر بالجميع؛ ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: { كذبت قوم نوح المرسلين } [الشعراء: 105] . ونوح هو أول الرسل لم يسبقه رسول؛ ومع ذلك جعل الله المكذبين له مكذبين لجميع الرسل؛ ولقوله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا * أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً} [النساء: 150، 151] ..
.11 ومن فوائد الآية: مضاعفة العقوبة على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب )
.12 ومنها: إثبات يوم القيامة؛ وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين مبعوثين من قبورهم..
.13 ومنها: تهديد الذين نقضوا العهد؛ لقوله تعالى: ( وما الله بغافل عما تعملون )
.14 ومنها: كمال علم الله سبحانه وتعالى، ومراقبته لخلقه..


.15 ومنها: إثبات أن صفات الله تعالى ثبوتية، ومنفية؛ لكن يجب أن نعلم أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله تعالى؛ وإنما النفي الواقع في صفاته لبيان كمال ضد ذلك المنفي؛ ففي قوله تبارك وتعالى: {ولا يظلم ربك أحداً} [الكهف: 49] إثبات كمال العدل مع نفي الظلم عنه؛ وفي قوله تعالى: {وما مسَّنا من لغوب} [ق: 38] إثبات كمال القوة مع نفي اللغوب عنه؛ وعلى هذا فقس؛ فالضابط في الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه أنها تدل على نفي تلك الصفة، وعلى ثبوت كمال ضدها..
.16 ومن فوائد الآية: توبيخ من اختار الدنيا على الآخرة؛ وهو مع كونه ضلالاً في الدين سفه في العقل؛ إذ إن الدنيا متاع قليل، ثم يزول؛ والآخرة خير، وأبقى..
.17 ومنها: أن هؤلاء القوم خالدون في العذاب أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: { فلا يخفف عنهم العذاب }..
.18ومنها: أن المجرم لا يجد ناصراً له يمنعه من عذاب الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { ولا هم ينصرون }..
مسألة :-
هذا الذي قصه الله تعالى علينا من أخبار بني إسرائيل مضمونه التحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه ولكن مع الأسف أن بعض هذه الأمة وقعوا في جنس ما وقع فيه بنو إسرائيل؛ وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم "لتركبن سنن من كان قبلكم(1)" ..

القرآن
)وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) (البقرة:87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ) (البقرة:88)
التفسير:


.{ 87 . 88 } قوله تعالى: { ولقد }: اللام موطئة للقسم؛ و "قد" للتحقيق؛ وعليه فتكون هذه الجملة مؤكّدة بثلاثة مؤكّدات . وهي: القسم المقدَّر، واللام الموطئة للقسم، و "قد" ؛ و{ آتينا } أي أعطينا؛ و{ موسى } هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل؛ و{ الكتاب }: المراد به هنا التوراة..
قوله تعالى: { وقفينا من بعده بالرسل } أي أتبعنا من بعده بالرسل؛ لأن التابع يأتي في قفا المتبوع..
قوله تعالى: { وآتينا عيسى ابن مريم } أي أعطيناه { البينات }: صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: الآية البينات . أي الظاهرات في الدلالة على صدقه، وصحة رسالته؛ وهذه الآية البينات تشمل الآية الشرعية، كالشريعة التي جاء بها؛ والآية القدرية الكونية، كإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله..
قوله تعالى: { وأيدناه } أي قويناه، كقوله تعالى: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14] أي قويناهم عليهم؛ وهو معروف اشتقاقه؛ لأنه من "الأيد" بمعنى القوة، كما قال الله تعالى: { والسماء بنيناها بأيد } [الذاريات: 47] أي بقوة..
قوله تعالى: { بروح القدس } من باب إضافة الموصوف إلى صفته . أي بالروح المقدس؛ و"القُدُس"، و"القُدْس" بمعنى الطاهر؛ واختلف المفسرون في المراد بـ "روح القدس":.
القول الأول : أن المراد روح عيسى؛ لأنها روح قدسية طاهرة؛ فيكون معنى: {أيدناه بروح القدس } أي أيدناه بروح طيبة طاهرة تريد الخير، ولا تريد الشر..
والقول الثاني : أن المراد بـ "روح القدس" : الإنجيل؛ لأن الإنجيل وحي؛ والوحي يسمى روحاً، كما قال الله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [الشورى: 52] ..


و القول الثالث: أن المراد بـ "روح القدس" جبريل . عليه الصلاة والسلام . كما قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك} [النحل: 102] : وهو جبريل؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت وهو يهجو المشركين: "اللهم أيده بروح القدس"(2) أي جبريل؛ وهذا أصح الأقوال . وهو أن المراد بـ "روح القدس" : جبريل . عليه الصلاة والسلام . يكون قريناً له يؤيده، ويقويه، ويلقنه الحجة على أعدائه؛ وهذا الذي رجحناه هو الذي رجحه ابن جرير، وابن كثير . أن المراد بـ "روح القدس" : جبريل عليه الصلاة والسلام..
قوله تعالى: { أفكلما }: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والتوبيخ؛ والفاء عاطفة؛ و "كلما" أداة شرط تفيد التكرار؛ ولا بد فيها من شرط، وجواب؛ والشرط هنا: قوله تعالى: { جاءكم }؛ والجواب: { استكبرتم }..
وقوله تعالى: { أفكلما جاءكم رسول } أي من الله؛ { بما } أي بشرع؛ { لا تهوى أنفسكم } أي لا تريد؛ { استكبرتم } أي سلكتم طريق الكبرياء، والعلوّ على ما جاءت به الرسل؛ { ففريقاً } أي طائفة؛ ونصب على أنه مفعول مقدم لـ{ كذبتم }؛ { وفريقاً تقتلون } أي وطائفة أخرى تقتلونهم؛ وقدم المفعول على عامله؛ لإفادة الحصر مع مراعاة رؤوس الآي؛ والحصر هنا في أحد شيئين لا ثالث لهما: إما التكذيب؛ وإما القتل . يعني مع التكذيب..


وهنا قال تعالى: { كذبتم } . فعل ماضٍ؛ وقال تعالى: { تقتلون } . فعل مضارع؛ فأما كون الأول فعلاً ماضياً فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه وقع منهم التكذيب؛ وأما الإتيان بفعل مضارع بالنسبة للقتل فهو أولاً مراعاة لفواصل الآية؛ لأنه لو قال: "فريقاً قتلتم" لم تتناسب مع التي قبلها، والتي بعدها؛ ثم إن بعض العلماء أبدى فيها نكتة: وهي أن هؤلاء اليهود استمر قتلهم الرسل حتى آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم قتلوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالسم الذي وضعوه له في خيبر؛ فإنه صلى الله عليه وسلم ما زال يتأثر منه حتى إنه صلى الله عليه وسلم في مرض موته قال: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني"(1) ؛ قال الزهري: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات شهيداً؛ لأن اليهود تسببوا في قتله؛ وهذا ليس ببعيد أن يكون هذا من أسرار التعبير بالمضارع في القتل؛ وإن كان قد يَرِدُ عليه أن التكذيب استمر حتى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فلماذا لم يقل: "فريقاً تكذبون وفريقاً تقتلون"؟! والجواب عن هذا أن القتل أشد من التكذيب؛ فعبر عنه بالمضارع المستمر إلى آخر الرسل..
فإن قيل: كيف يصح قول الزهري: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات شهيداً؛ لأن اليهود كانوا سبباً في قتله، وقد قال الله تعالى: { والله يعصمك من الناس }؟
فالجواب: المراد بقوله تعالى: { يعصمك من الناس }: حال التبليغ؛ أي بلغ وأنت في حال تبليغك معصوم، ولهذا لم يعتد عليه أحد أبداً في حال تبليغه، فقتله..


قوله تعالى: { وقالوا } أي بنو إسرائيل معتذرين عن ردهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ { قلوبنا غلف } جمع أغلف؛ و"الأغلف" هو الذي عليه غلاف يمنع من وصول الحق إليه . يعني مغلفة لا تصل إليها دعوة الرسل؛ وهذه حجة باطلة؛ ولهذا قال تعالى: { بل لعنهم الله بكفرهم }؛ و{ بل } للإضراب الإبطالي . أي أن الله تعالى أبطل حجتهم هذه، وبيَّن أنه تعالى: { لعنهم } . أي طردهم، وأبعدهم عن رحمته؛ { بكفرهم } أي بسبب كفرهم، حيث اختاروا الكفر على الإيمان؛ و "كُفْر" مصدر مضاف إلى فاعله؛ ولم يذكر مفعوله ليعم الكفرَ بكل ما يجب الإيمان به..
قوله تعالى: { فقليلاً ما يؤمنون } أي قليلاً إيمانهم؛ وعلى هذا تكون { ما } إما مصدرية؛ وإما زائدة لتوكيد القلة؛ وهل المراد بالقلة العدم، أو هي على ظاهرها؟ المعنى الأول أقرب؛ لأن الظاهر من حالهم عدم الإيمان بالكلية؛ ولا يمتنع أن يراد بالقلة العدم إذا دلت عليه القرائن الحالية، أو اللفظية..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: إثبات رسالة موسى؛ لقوله تعالى: ( ولقد آتينا موسى الكتاب )
.2 ومنها: تأكيد الخبر ذي الشأن . وإن لم ينكر المخاطب؛ لقوله تعالى: { ولقد آتينا }؛ فإنها مؤكدة بثلاث مؤكدات مع أنه لم يخاطب بها من ينكر؛ وتأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع:.
أولاً: إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد وجوباً..
ثانياً: إذا خوطب به المتردد؛ وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد استحساناً..
ثالثاً: إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يحسن توكيده . وإن خوطب به من لم ينكر، أو يتردد..
3 . ومن فوائد الآيتين: أن من بعد موسى من الرسل من بني إسرائيل تبع له؛ لقوله تعالى: { وقفينا من بعده بالرسل }؛ ويشهد لهذا قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} (المائدة: 44)


.4 ومنها: ثبوت رسالة عيسى؛ لقوله تعالى: ( وآتينا عيسى بن مريم البينات )
.5 ومنها: أن من ليس له أب فإنه ينسب إلى أمه؛ لأن عيسى عليه السلام نسب إلى أمه..
وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أم من ليس له أب شرعاً هي عصبته؛ فإن عدمت فعصبتها . خلافاً لمن قال: إن أمه ليس لها تعصيب؛ ويظهر أثر ذلك بالمثال: فلو مات من ليس له أب عن أمه، وخاله: فلأمه الثلث والباقي لخاله . على قول من يقول: إن الأم لا تعصيب لها؛ أما على القول الراجح: فلأمه الثلث فرضاً، والباقي تعصيباً..
.6 ومن فوائد الآيتين: أن عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم أعطاه الله سبحانه وتعالى آيات كونية، وشرعية؛ مثال الشرعية: الإنجيل؛ ومثال الكونية: إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه، والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً يطير بإذن الله؛ وكذلك أيضاً يخبرهم بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم؛ قال العلماء: إنما أعطي هذه الآية الكونية؛ لأن الطب في عهده ارتقى إلى درجة عالية، فأتاهم بآيات لا يقدر الأطباء على مثلها؛ كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم ترقى في عهده الكلام إلى منْزلة عالية في البلاغة، والفصاحة؛ فآتاه الله سبحانه وتعالى القرآن العظيم الذي عجزوا أن يأتوا بمثله..
.7 ومن فوائد الآيتين: أن الله سبحانه وتعالى أيد عيسى بجبرائيل؛ لقوله تعالى: { وأيدناه بروح القدس.
.8 ومنها: أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون من أمَرَهم الله بتأييده؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: "اللهم أيده بروح القدس(1)" ..
.9 ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق؛ لقوله تعالى: ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون )


.10 ومنها: أن بني إسرائيل يبادرون بالاستكبار عند مجيء الرسل إليهم، ولا يتأنون؛ لقوله تعالى: { أفكلما جاءكم }، ثم قال تعالى: { استكبرتم }؛ لأن مقتضى ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيباً للشرط: كلما وجد الشرط وجد الجزاء فوراً..
.11 ومنها: توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان مناهجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع؛ ففي الشرائع: لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع بما لا تهوى أنفسهم: انقسموا إلى قسمين: فريقاً يكذبون؛ وفريقاً يقتلون مع التكذيب..
.12 ومنها: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل؛ فإذا استكبر عن الحق . سواء تحيل على ذلك بالتحريف؛ أو أقر بأن هذا الحق، ولكنه استكبر عنه . فإنه مشابه ببني إسرائيل..
والخارجون عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقرُّ به، ويعترف بأنه عاصٍ؛ وهذا أمره واضح، وسبيله بين، وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاول أن يحرف النصوص إلى هواه؛ وهذا الأخير أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يتظاهر بالاتباع وهو ليس من أهله..
.13 ومن فوائد الآيتين: أن بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه مخالف لهواه..
.14 ومنها: أن بني إسرائيل انقسموا في الرسل الذين جاءوا بما لا تهوى أنفسهم إلى قسمين: قسم كذبوهم؛ وقسم آخر قتلوهم مع التكذيب..
.15ومنها: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة؛ فقالوا: قلوبنا غلف..
.16 ومنها: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم؛ يوجد أناس نسمع عنهم أنهم إذا نُصِحوا، ودُعوا إلى الحق قالوا: "ما هدانا الله"؛ وهؤلاء مشابهون لليهود الذين قالوا: ( قلوبنا غلف )
.17 ومنها: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله تعالى: { بل لعنهم الله }؛ وهذا الإضراب للإبطال . يعني ليست القلوب غَلفاء لا تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصل الحق؛ وهو لَعْن الله إياهم بسبب كفرهم..


.18 ومنها: أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع..
.19 منها: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا غلب عليها المانع لم تؤثر شيئاً؛ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى؛ وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها، وانتفاء موانعها..
.20 ومنها: إثبات الأسباب، وأن لها تأثيراً في مسبباتها بإذن الله؛ لقوله تعالى: ( بل لعنهم الله بكفرهم ).
.21 ومنها: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل، أو معدوم؛ لقوله تعالى: ( فقليلاً ما يؤمنون )
القرآن
)وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة:89)
)بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) (البقرة:90)
التفسير:
.{89 } قوله تعالى: { ولما جاءهم كتاب }: هو القرآن؛ ونكَّره هنا للتعظيم؛ وأكد تعظيمه بقوله تعالى:
{ من عند الله }، وأضافه الله تعالى إليه؛ لأنه كلامه . كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله..
قوله تعالى: { مصدق لما معهم }: له معنيان:.
الأول: أنه حكم بصدقها، كما قال في قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285] ؛ فهو يقول عن التوراة: إنه حق، وعن الإنجيل: إنه حق؛ وعن الزبور: إنه حق؛ فهو يصدقها، كما لو أخبرك إنسان بخبر، فقلت: "صدقت" تكون مصدقاً له..


المعنى الثاني: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت الكتب السابقة . التوراة، والإنجيل؛ فعيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ( قال: {إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} [الصف: 6] ؛ فجاء هذا الكتاب مصدقاً لهذه البشارة..
وقوله تعالى: { لما معهم } أي من التوراة، والإنجيل؛ وهذا واضح أن التوراة أخبرت بالرسول صلى الله عليه وسلم إما باسمه، أو بوصفه الذي لا ينطبق على غيره..
قوله تعالى: { وكانوا من قبل } أي من قبل أن يجيئهم {يستفتحون } أي يستنصرون، ويقولون سيكون لنا الفتح، والنصر { على الذين كفروا } أي من المشركين الذين هم الأوس، والخزرج؛ لأنهم كانوا على الكفر، ولم يكونوا من أهل الكتاب . كما هو معروف؛ فكانوا يقولون: إنه سيبعث نبي، وسنتبعه، وسننتصر عليكم؛ لكن لما جاءهم الشيء الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كفروا به؛ { فلعنة الله }: اللعنة: هي الطرد، والإبعاد عن رحمة الله؛ { على الكافرين } أي حاقة عليهم؛ وهو مظهر في موضع الإضمار؛ إذ كان مقتضى السياق: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله عليهم"؛ والإظهار في موضع الإضمار له فوائد؛ منها: مراعاة الفواصل كما هنا؛ ومنها الحكم على موضع الضمير بما يقتضيه هذا الوصف؛ ومنها الإشعار بالتعليل؛ ومنها إرادة التعميم..


.{ 90 } قوله تعالى: { بئسما اشتروا به أنفسهم }: "بئس" فعل ماضٍ لإنشاء الذم؛ يقابلها "نِعْم": فهي فعل ماضٍ لإنشاء المدح؛ و"بئس"، و"نعْم" اسمان جامدان لا يتصرفان . أي لا يتحولان عن صيغة الماضي؛ و "ما" اسم موصول بمعنى الذي . أي بئس الذي اشتروا به أنفسهم؛ أو إنها نكرة موصوفة، والتقدير: "بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم"، و{ اشتروا } فسرها أكثرهم بمعنى باعوا؛ وهو خلاف المشهور؛ لأن معنى "اشترى الشيء": اختاره؛ والمختار للشيء لا يكون بائعاً له؛ والصحيح أنها على بابها؛ ووجهه أن هؤلاء الذين اختاروا الكفر كانوا راغبين فيه، فكانوا مشترين له..
قوله تعالى: { أن يكفروا }: { أن } هنا مصدرية؛ والفعل بعدها مؤول بمصدر، والتقدير: كفرُهم؛ وهو المخصوص بالذم؛ وإعرابه مبتدأ مؤخر خبره الجملة قبله؛ { بما أنزل الله }: "ما" هذه اسم موصول بمعنى الذي؛ والمراد به: القرآن؛ لأنه تعالى قال في الأول: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم}؛ و{ بغياً } مفعول لأجله عامله: قوله تعالى: { يكفروا }؛ و "البغي" فسره كثير من العلماء بالحسد؛ والظاهر أنه أخص من الحسد؛ لأنه بمعنى العدوان؛ لأن الباغي هو العادي، كما قيل: على الباغي تدور الدوائر؛ وقيل: البغي: مرتعُ مبتغيه وخيم؛ فالبغي ليس مجرد الحسد فقط؛ نعَم، قد يكون ناتجاً عن الحسد؛ والذين فسَّروه بالحسد فسَّروه بسببه..
قوله تعالى: { أن ينزل الله من فضله }: "الفضل" في اللغة: زيادة العطاء؛ والمراد بـ "الفضل" هنا الوحي، أو القرآن، كما قاله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} (يونس: 58).


قوله تعالى: { على مَن يشاء من عباده }: { مَنْ } اسم موصول؛ والمراد: النبي صلى الله عليه وسلم لأن القرآن في الحقيقة نزل على النبي صلى الله عليه وسلم للناس، كما قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 1] ؛ و{ يشاء } أي يريد بالإرادة الكونية؛ والمراد بـ{ عباده } هنا الرسل..
قوله تعالى: { فباءوا } أي رجعوا؛ { بغضب }: الباء للمصاحبة . يعني رجعوا مصطحبين لغضب من الله سبحانه وتعالى؛ ونكَّره للتعظيم؛ ولهذا قال بعض الناس: إن المراد بـ "الغضب" : غضب الله سبحانه وتعالى، وغيره . حتى المؤمنين من عباده يغضبون من فعل هؤلاء، وتصرفهم..
قوله تعالى: { على غضب } . كقوله تعالى: {ظلمات بعضها فوق بعض} [النور: 40] . يعني غضباً فوق غضب؛ فما هو الغضب الذي باءوا به؟ وما هو الغضب الذي كان قبله؟
الجواب: الغضب الذي باءوا به أنهم كفروا بما عرفوا، كما قال تعالى: { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به }؛ والغضب السابق أنهم استكبروا عن الحق إذا كان لا تهواه أنفسهم، كما قال تعالى: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} [البقرة: 87] ؛ والغضب الثالث: قتلهم الأنبياء، أو تكذيبهم؛ فهذه ثلاثة أنواع من أسباب الغضب؛ وقد يكون أيضاً هناك أنواع أخرى..
قوله تعالى: { وللكافرين عذاب مهين }: هذا إظهار في موضع الإضمار فيما يظهر؛ لأن ظاهر السياق أن يكون بلفظ الضمير . أي ولهم عذاب مهين؛ والإظهار في موضع الإضمار له فوائد سبق بيانها قريباً..
وقوله تعالى: { عذاب } أي عقوبة؛ و{ مهين } أي ذو إهانة، وإذلال؛ ولو لم يكن من إذلالهم . حين يقولون: { ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } [المؤمنون: 107] . إلا قول الله عزّ وجلّ لهم: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108] لكفى..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: أن القرآن من عند الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: ( كتاب من عند الله )


.2 ومنها: أن القرآن كلامه سبحانه وتعالى تكلم به حقيقة؛ لقوله تعالى: { كتاب من عند الله }؛ ومعلوم أن الكلام ليس جسماً يقوم بنفسه حتى نقول: إنه مخلوق..
3 . ومنها: التنويه بفضل القرآن؛ لقوله تعالى: { مصدق لما معهم }، ولقوله تعالى: ( من عند الله )
.4 ومنها: أن اليهود كانوا يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم سيبعث، وتكون له الغلبة؛ لقوله تعالى:
{ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } يعني يستنصرون . أي يطلبون النصر؛ أو يَعِدون به؛ فقبل نزول القرآن، وقبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم يقولون للعرب: إنه سيبعث نبي، وينْزل عليه كتاب، وننتصر به عليكم، ولما جاءهم الرسول الذي كانوا يستفتحون به كفروا به..
.5ومنها: أن اليهود لم يخضعوا للحق؛ حتى الذي يقرون به لم يخضعوا له؛ لأنهم كفروا به؛ فيدل على عتوهم، وعنادهم..
.6 . ومنها: أن الكافر مستحق للعنة الله، وواجبة عليه؛ لقوله تعالى: ( فلعنة الله على الكافرين )
.7 . استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله عزّ وجلّ، ولا يلزم منه جواز الدعاء به؛ ويدل على منع لعن المعين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم العن فلاناً، وفلاناً"(1) . لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حياً؛ وإن كان ميتاً فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"(2) ..
.8 ومن فوائد الآيتين: أن كفر بني إسرائيل ما هو إلا بغي، وحسد؛ لقوله تعالى: ( بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده)
.9ومنها: أن من رد الحق من هذه الأمة لأن فلاناً الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به؛ فقد شابه اليهود


.10 ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال؛ فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتْبَعْه من أيٍّ كان مصدره؛ فاقبل الحق للحق؛ لا لأنه جاء به فلان، وفلان..
.11 ومنها: أن العلم من أعظم فضل الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { أن ينَزِّل الله من فضله على من يشاء }؛ ولا شك أن العلم أفضل من المال؛ وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم، وفضل المال فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين؛ الخلفاء السابقون قَلّ ذكرهم؛ والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم: هم يُدَرِّسون الناس وهم في قبورهم؛ وأولئك الخلفاء نُسوا؛ اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة، أو محمودة؛ فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال..
.12 ومن فوائد الآيتين: إثبات مشيئة الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { على من يشاء }؛ وهي عامة فيما يحبه الله، وما لا يحب؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ وكل شيء عُلِّق بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ لقوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 30] ؛ فليست أفعال الله وأحكامه لمجرد المشيئة؛ بل هي لحكمة بالغة اقتضت المشيئة..
.13 ومن فوائد الآيتين: أن هذا الفضل الذي نزله الله لا يجعل المفضَّل به رباً يُعْبد؛ بل هو من العباد . حتى ولو تميز بالفضل؛ لقوله تعالى: (على من يشاء من عباده ).
وهذه الفائدة لها فروع نوضحها، فنقول: إن من آتاه الله فضلاً من العلم والنبوة لم يخرج به عن أن يكون عبداً؛ إذاً لا يرتقي إلى منْزلة الربوبية؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم عبد من عباد الله؛ فلا نقول لمن نزل عليه الوحي: إنه يرتفع حتى يكون رباً يملك النفع، والضرر، ويعلم الغيب..


ويتفرع عنها أن من آتاه الله من فضله من العلم، وغيره ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره؛ لأن الله تعالى أعطاه من فضله؛ فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره؛ فكلما عظم الإحسان من الله عزّ وجلّ استوجب الشكر أكثر؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم في الليل حتى تتورم قدماه؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: "أفلا أكون عبداً شكوراً(3)" ..
ويتفرع عنها فرع ثالث: أن بعض الناس اغتر بما آتاه الله من العلم، فيتعالى في نفسه، ويتعاظم حتى إنه ربما لا يقبل الحق؛ فحُرِم فضل العلم في الحقيقة..
.14من فوائد الآيتين: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب جزاءً وفاقاً؛ لقوله تعالى: ( فباءوا بغضب على غضب).
15 . ومنها: أن المستكبر يعاقب بنقيض حاله؛ لقوله تعالى: { عذاب مهين } بعد أن ترفعوا؛ فعوقبوا بما يليق بذنوبهم؛ وعلى هذا جرت سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه؛ قال الله تعالى: {فكلًّا أخذنا بذنبه} [العنكبوت: 40] ، وقال تعالى: {جزءًا وفاقاً} (النبأ: 26 ).
.16 ومنها: أن الإظهار في موضع الإضمار من أساليب البلاغة، وفيه من الفوائد ما سبق ذكره قريباً..
.17 ومنها: إثبات الغضب من الله سبحانه وتعالى، لقوله تعالى: { فباءوا بغضب على غضب }؛ والغضب من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ وهكذا كل صفة من صفات الله تكون على سبب..

القرآن
)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:91)
التفسير:


.{ 91 } قوله تعالى: { وإذا قيل لهم } أي لليهود؛ وأبهم القائل ليكون شاملاً لكل من قال لهم هذا القول: إما الرسول صلى الله عليه وسلم وإما غيره؛ { آمنوا بما أنزل الله } أي صدِّقوا به مع قبوله، والإذعان له؛ لأن الإيمان شرعاً: التصديق مع القبول، والإذعان؛ وليس كل من صدق يكون مؤمناً حتى يكون قابلاً مذعناً؛ والدليل على ذلك أن أبا طالب كان مصدقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن مؤمناً؛ لأنه لم يقبل، ولم يذعن؛ و "ما" اسم موصول؛ المراد به: القرآن العظيم؛ و{ أنزل الله } أي من عنده..
قوله تعالى: { قالوا }: هذا جواب: { إذا }؛ { نؤمن بما أنزل علينا } يعنون به التوراة؛ { ويكفرون بما وراءه} يعنون به القرآن؛ و "وراء" هنا بمعنى سوى؛ { وهو الحق }: هذه الجملة حال من "ما" في قوله تعالى: { بما وراءه } يعني أن هذا الذي كفروا به هو الحق؛ وضده الباطل . وهو الضائع سدىً الذي لا يستفاد منه؛ أما الحق فهو الثابت المفيد النافع؛ وهذا الوصف بلا شك ينطبق على القرآن؛ { مصدقاً }: حال أيضاً من { هو } أي الضمير؛ وسبق معنى كونه مصدقاً لما معهم؛ وقوله تعالى هنا: { لما معهم } يعني التوراة..
ثم قال تعالى مكذباً لقولهم: { نؤمن بما أنزل علينا }: { قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين }؛ الخطاب في { قل } إما للرسول صلى الله عليه وسلم؛ وإما لكل من يتأتى خطابه؛ { فلم }: اللام حرف جر؛ و "ما" اسم استفهام دخل عليه حرف جر، فوجب حذف ألفها للتخفيف؛ والاستفهام للإنكار، والتوبيخ؛ يعني لو كنتم صادقين بأنكم تؤمنون بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء الله؛ لأن قتلهم لأنبياء الله مستلزم لكفرهم بهم . أي بأنبياء الله؛ { من قبل } أي من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم
وقوله تعالى: { أنبياء } فيها قراءتان: { أنبئاء } بالهمزة؛ و{ أنبياء } بالياء، مثل: "النبي" ، و "النبيء" ؛ و"النبيء" جمعه أنبئاء؛ و"النبي" جمعه أنبياء..


الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: { آمنوا بما أنزل الله }؛ لأن ما أنزل الله هو القرآن . وهو كلام؛ والكلام ليس عيناً قائمة بذاتها؛ بل هو صفة في غيره؛ فإذا كان صفة في غيره، وهو نازل من عند الله لزم أن يكون كلام الله عزّ وجلّ..
.2 ومنها: علوّ الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا كان القرآن كلامه، وهو نازل من عنده دلَّ على علوّ المتكلم به
.3 ومنها: كذب اليهود في قولهم: { نؤمن بما أنزل علينا }؛ لأنهم لو آمنوا به لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر...} [الأعراف: 157] إلخ..
.4 ومنها: عتوّ اليهود، وعنادهم؛ لأنهم يقولون: لا نؤمن إلا بما أنزل علينا..
.5 ومنها: أن من دُعي إلى الحق من هذه الأمة، وقال: "المذهب كذا، وكذا" . يعني ولا أرجع عنه ففيه شبه من اليهود . لأن الواجب إذا دعيت إلى الحق أن تقول: "سمعنا وأطعنا"؛ ولا تعارضه بأي قول كان، أو مذهب..
.6 ومنها: وجوب قبول الحق من كل من جاء به..
.7 ومنها: إفحام الخصم بإقامة الحجة عليه من فعله؛ ووجه ذلك أن الله أقام على اليهود الحجة على فعلهم؛ لأنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا وهم قد قتلوا أنبياء الله الذين جاءوا بالكتاب إليهم؛ فإن قولهم: { نؤمن بما أنزل علينا } ليس بحق؛ لأنه لو كانوا مؤمنين حقيقة ما قتلوا الأنبياء؛ ولهذا قال تعالى: ( قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ).
القرآن
)وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة:92)
التفسير:


.{ 92 } قوله تعالى: { ولقد جاءكم موسى }: الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام الموطئة للقسم . وهي للتوكيد؛ و "قد" وهي هنا للتحقيق؛ لأنها دخلت على الماضي؛ و{ جاءكم }: الخطاب لليهود؛ والدليل على أنه لليهود قوله تعالى: { موسى }؛ لأن موسى نبيهم؛ وهنا خاطبهم باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص؛ إذ إن موسى لم يأت هؤلاء الذين كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لكنه أتى بني إسرائيل الذين هؤلاء منهم..
قوله تعالى: { بالبينات }: الباء للمصاحبة، أو للتعدية؛ يعني: جاءكم مصحوباً بالبينات؛ أو أن البينات هي التي جيء بها، فتكون للتعدية؛ و "البينات" صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: بالآية البينات . أي بالعلامات الدالة على رسالته؛ ومنها: اليد، والعصا، والحجر، وفلق البحر، والجراد الذي أرسل على آل فرعون، والسنون، وأشياء كثيرة، مثل القمل، والضفادع، والدم..
قوله تعالى: { ثم }: تفيد الترتيب بمهلة . يعني ثم بعد أن مضى عليكم وقت أمكنكم أن تتأملوا في هذه الآية، وأن تعرفوها: الذي حصل أنكم لم ترفعوا بها رأساً: { اتخذتم العجل }: "اتخذ" من أفعال التصيير، كقوله تعالى: {واتخذ الله إبراهيم خليلًا} [النساء: 125] يعني صيَّره؛ إذاً هي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ، والخبر؛ المفعول الأول: { العجل }؛ والمفعول الثاني محذوف تقديره: إلهاً؛ وحذف للعلم به، كما قال ابن مالك في الألفية:.


وحذف ما يعلم جائز و{ العجل } هو ولد البقرة، وليس عجلاً من حيوان؛ ولكنه عجل من حلي: صنعوا من الحلي مجسماً كالعجل، وجعلوا فيه ثقباً تدخله الريح، فيكون له صوت كخوار الثور، فأغواهم السامري، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى فنسي؛ لأن موسى كان قد ذهب منهم لميقات ربه على أنه ثلاثون يوماً، فزاد الله تعالى عشراً، فصار أربعين يوماً؛ فقال لهم السامري: إن موسى ضلّ عن إلهه؛ ولهذا تخلف، فلم يرجع؛ فهو قد ضلّ، ولم يهتد إلى إلهه؛ فهذا إلهكم، وإله موسى، فاتَّخِذوه إلهاً..
قوله تعالى: { من بعده } أي من بعد ذهاب موسى لميقات ربه؛ لأن موسى رجع إليهم، وقال للسامري عن إلهه: {لنحرقنه ثم لننسفنَّه في اليم نسفاً} [طه: 97] ؛ وجرى هذا: فحرقه موسى صلى الله عليه وسلم، ونسفه في البحر..
قوله تعالى: { وأنتم ظالمون } أي معتدون؛ وأصل الظلم النقص، كما في قوله تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً} [الكهف: 33] ؛ وسمي العدوان ظلماً؛ لأنه نقص في حق المعتدى عليهم؛ وجملة: { وأنتم ظالمون } حال في موضع النصب من فاعل { اتخذتم } أي والحال أنكم ظالمون؛ وهذا أبلغ في القبح: أن يعمل الإنسان العمل القبيح وهو يعلم أنه ظالم..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: إقامة البرهان على عناد اليهود؛ ووجه ذلك أنه قد جاءهم موسى بالبينات، فاتخذوا العجل إلهاً..
2 . ومنها: سفاهة اليهود، وغباوتهم، لاتخاذهم العجل إلهاً مع أنهم هم الذين صنعوه..
.3 ومنها: أن اليهود اغتنموا فرصة غياب موسى مما يدل على هيبتهم له؛ لقوله تعالى: { من بعده } يعني من بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه..
.4 ومنها: أن اليهود عبدوا العجل عن ظلم، وليس عن جهل؛ لقوله تعالى: ( وأنتم ظالمون )

القرآن


)وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة:93)
التفسير:
.{ 93 } قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم }: { إذ } تأتي في القرآن كثيراً؛ والمعربون يعربونها بأنها مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: اذكر؛ وإذا كان الخطاب لأكثر من واحد يقدر: اذكروا، أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم؛ و "الميثاق" : العهد؛ وسمي العهد ميثاقاً؛ لأنه يتوثق به..
قوله تعالى: { ورفعنا فوقكم الطور } وهو الجبل المعروف؛ رفعه الله عزّ وجلّ على رؤوسهم تهديداً لهم؛ فجعلوا يشاهدونه فوقهم كأنه ظلة؛ فسجدوا خوفاً من الله عزّ وجلّ، وجعلوا ينظرون إلى الجبل وهم يتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى بكشف كربتهم؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم عن اليهود أنهم يرون أن أفضل سجدة يسجدون لله بها أن يسجدوا وقد أداروا وجوههم إلى السماء؛ يقولون: هذه السجدة أنجانا الله بها؛ فهي أشرف سجدة عندنا..


قوله تعالى: { خذوا } فعل أمر؛ وهو في محل نصب مقولاً لقول محذوف . أي: قلنا: خذوا . { ما أتيناكم } أي ما أعطيناكم؛ والمراد به التوراة { بقوة } أي بجدٍّ، ونشاط؛ فالجد: العزيمة الثابتة؛ والنشاط: القوة في التنفيذ؛ { واسمعوا } أي سماع قبول، واستجابة؛ فأمروا بأن يأخذوا بالتوراة بقوة، وأن يسمعوا، ويستجيبوا، وينقادوا؛ وكان الجواب: { قالوا سمعنا } أي بآذاننا؛ { وعصينا } أي بأفعالنا؛ فما سمعوا السمع الذي طُلب منهم؛ ولكنهم استكبروا عنه؛ وظاهر الآية الكريمة أنهم قالوا ذلك لفظاً: { سمعنا وعصينا }؛ وقال بعضهم: قالوا: { سمعنا } بألسنتهم، وعصوا بأفعالهم؛ فيكون التعبير بالعصيان هو عبارة عن أفعالهم، وأنهم لم يقولوا بألسنتهم: { وعصينا }؛ وهذا ضعيف؛ لأن الواجب حمل اللفظ على ظاهره حتى يقوم دليل صحيح على أنه غير مراد، ولأنه لا يمتنع أن يقولوا: "سمعنا وعصينا" بألسنتهم وهم الذين قالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] ؛ فالذين تجرأوا أن يقولوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} يتجرءون أن يقولوا: { سمعنا وعصينا } بألسنتهم؛ وكأن الذين قالوا: إن المراد بالمعصية هنا فعل المعصية؛ وليس معناه أنهم قالوا بألسنتهم: { وعصينا } كأنهم قالوا: إنهم التزموا بهذا والجبل فوق رؤوسهم؛ ومن كان هذه حاله لا يمكن أن يقول: "سمعنا، وعصينا" والجبل فوقه؛ ويمكن الجواب عن هذا بأنهم قالوا ذلك بعد أن فُرِّج عنهم؛ و"العصيان": هو الخروج عن الطاعة بترك المأمور، أو فعل المحظور؛ فمن ترك الجماعة وهي واجبة عليه فهو عاصٍ؛ ومن زنى، أو سرق، أو شرب الخمر فهو أيضاً عاصٍ لله. ورسوله..


قوله تعالى: { وأُشربوا في قلوبهم العجل }: قال بعضهم: إنه على تقدير مضاف؛ والتقدير: أشربوا في قلوبهم حب العجل؛ لأن العجل نفسه لا يمكن أن يشرب في القلب؛ ومعنى { أشربوا }: أنه جُعل هذا الحب كأنه ماء سقي به القلب؛ إذاً امتزج بالقلب كما يمتزج الماء بالمدر إذا أشرب إياه؛ والمدر هو الطين اليابس؛ فهذا القلب أشرب فيه حب العجل، ولكن عبر بالعجل عن حبه؛ لأنه أبلغ؛ فكأن نفس العجل دخل في قلوبهم؛ والذي أشرب هذا في قلوبهم هو الله سبحانه وتعالى؛ ولكن من بلاغة القرآن أن ما يكرهه الله يعبر عنه غالباً بالبناء لما لم يسم فاعله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "والشر ليس إليك"(1) ، وقال الله تعالى عن الجن: {وأنَّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً} [الجن: 10] ؛ ففي الشر قالوا: {أريد} ، ولم ينسبوه إلى الله؛ أما الرشد فنسبوه إلى الله عزّ وجلّ..
قوله تعالى: { بكفرهم }: الباء هنا للسببية؛ أي بسبب كفرهم بالله السابق على عبادة العجل؛ لأنهم قد نووا الإثم قبل أن يقعوا فيه؛ فصاروا كفاراً به، ثم أشربوا في قلوبهم العجل حتى صاروا لا يمكن أن يتحولوا عنه: قال لهم هارون صلى الله عليه وسلم {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري} [طه: 90] ؛ ولكن كان جوابهم لهارون: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} [طه: 91] ؛ فأصروا؛ لأنهم أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم..


قوله تعالى: { قل }: يخاطب الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم أو يخاطب كل من يصح توجيه الخطاب إليه . أي قل أيها النبي؛ أو قل أيها المخاطب؛ { بئسما يأمركم به إيمانكم }: "بئس" فعل ماض يراد به إنشاء الذم؛ و "ما" نكرة مبنية على السكون في محل نصب تمييز، يعني: بئس شيئاً يأمركم به إيمانكم عبادةُ العجل؛ يعني: إذا كان عبادة العجل هو مقتضى إيمانكم فإن إيمانكم قد أمركم بأمر قبيح؛ يعني: أين إيمانكم وأنتم قد أشرب في قلوبكم العجل؟! وأن هذا الإيمان الذي زعمتموه هو الذي حبب إليكم عبادة العجل، وعبدتموه..
قوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين } أي صادقين في دعوى الإيمان؛ و{ إن } شرطية، والمقصود بها التحدي؛ يعني: إن كنتم مؤمنين حقيقة فكيف يأمركم إيمانكم بهذا العمل القبيح!!!.
الفوائد:.
.1 من فوائد الآية: أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني إسرائيل بالإيمان؛ لقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم... } إلخ..
.2ومنها: أن بني إسرائيل ما آمنوا إلا عن كره؛ لأنهم لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور..
.3 ومنها: بيان قدرة الله عزّ وجلّ..
.4 ومنها: أن أمر الكون كله بيد الله عزّ وجلّ، وأنه سبحانه وتعالى قادر على خرق العادات؛ لقوله تعالى: { ورفعنا فوقكم الطور..
.5 ومنها: وجوب تلقي شريعة الله بالقوة دون الكسل والفتور، لقوله تعالى: { خذوا ما آتيناكم بقوة }..
.6 ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: { قالوا سمعنا وعصينا }؛ وهذا أبلغ ما يكون في العتوّ؛ لأنه كان يمكن أن يكون العصيان عن جهل؛ لكنهم قالوا: { سمعنا وعصينا }..
.7 ومنها: أن السمع نوعان: سمع استجابة، وسمع إدراك؛ مثال الأول: { خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا }؛ ومثال الثاني: ( سمعنا وعصينا )
.8 ومنها: أن المؤمن حقاً لا يأمره إيمانه بالمعاصي؛ لقوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين } يعني إن كنتم مؤمنين حقاً ما اتخذتم العجل إلهاً..


.9 ومنها: أن الشر لا يسنده الله تعالى إلى نفسه؛ بل يذكره بصيغة المبني لما لم يُسمَّ فاعله؛ لقوله تعالى: { وأشربوا في قلوبهم }؛ ولهذا نظير من القرآن، كقوله تعالى: {وأنَّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً} [الجن: 10] ؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "والشر ليس إليك"(1) ؛ فالشر في المفعول. لا في الفعل؛ الخير والشر كل من خلْق الله عزّ وجلّ؛ لكن الشر بالنسبة لإيجاد الله له هو خير، وليس بشر؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما أوجده إلا لحكمة بالغة، وغاية محمودة . وإن كان شراً . لكن الشر في المفعولات. أي المخلوقات؛ وأما نفس الفعل فهو ليس بشر؛ أرأيت الرجل يكوي ابنه بالنار . والنار مؤلمة محرقة . لكنه يريد أن يُشفى . فهذا المفعول الواقع من الفاعل شر مؤلم محرق لكن غايته محمودة . وهو شفاء الولد؛ فيكون خيراً باعتبار غايته..
.10 ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد يبتلي العبد، فيملأ قلبه حباً لما يكرهه الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى:
( وأشربوا في قلوبهم العجل ).
.11 ومنها: أن الإيمان الحقيقي لا يحمل صاحبه إلا على طاعة الله؛ لقوله تعالى: ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين).

القرآن
)قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (البقرة:95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة:96)
التفسير:


.{ 94 . 95 } قوله تعالى: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس }: { كانت } هنا ناقصة، وخبرها يجوز أن يكون الجار والمجرور في قوله تعالى: { لكم }؛ وتكون { خالصة } حالاً من { الدار } . يعني: حال كونها خالصة من دون الناس؛ ويجوز أن يكون الخبر: { خالصة }؛ والمعنى واحد؛ والمراد بـ{ الدار الآخرة } الجنة؛ وإنما قال تعالى ذلك؛ لأنهم قالوا: "لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، وبعدها تخلفوننا أنتم في النار؛ ونكون نحن في الجنة" . هذا كلام اليهود؛ والذي يقول هذا الكلام يدعي أن الدار الآخرة خالصة . أي خاصة . له من دون الناس، وأن المستحق للنار منهم يدخلها أياماً معدودة، ثم يخرج إلى الجنة..
قوله تعالى: { فتمنوا الموت } أي اطلبوا حصوله { إن كنتم صادقين } أي في دعواكم أن الدار الآخرة خالصة لكم من دون الناس؛ لأنها حينئذٍ تكون لكم خيراً من الدنيا؛ فتمنوا الموت لتصلوا إليها؛ وهذا تحدٍّ لهم؛ ولهذا قال الله تعالى هنا: { ولن يتمنوه أبداً }؛ وفي سورة الجمعة قال تعالى: {ولا يتمنونه أبداً} [الجمعة: 7] وذلك؛ لأنهم يعلمون كذب دعواهم أن لهم الدار الآخرة خالصة..


وظاهر الآية الكريمة على ما فسرنا أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتحداهم بأنه إن كانت الدار الآخرة لهم كما يزعمون فليتمنوا الموت لِيَصِلوا إليها؛ وهذا لا شك هو ظاهر الآية الكريمة؛ وهو الذي رجحه ابن جرير، وكثير من المفسرين؛ وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بقوله تعالى: { فتمنوا الموت } أي فباهلونا، وتمنوا الموت لمن هو كاذب منا؛ فتكون هذه مثل قوله تعالى في سورة آل عمران: {فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] ؛ فيكون المعنى: تمنوا الموت عن طريق المباهلة؛ ورجح هذا ابن كثير؛ وضعف الأول بأنه لو كان المراد: تمنوا حصول الموت لكانوا يحتجون أيضاً علينا نحن، ويقولون: أنتم أيضاً إن كنتم تقولون: إن الدار الآخرة لكم فتمنوا الموت؛ لأن تحديكم إيانا بذلك ليس بأولى من تحدينا إياكم به؛ لأنكم أنتم أيضاً تقولون: إن الدار الآخرة لكم، وأن اليهود بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم في النار؛ فتمنوا الموت أنتم أيضاً، والجواب عن ذلك أنا لم ندع أن الدار الآخرة خالصة لنا من دون الناس؛ بل نؤمن بأن الدار الآخرة لكل من آمن وعمل صالحاً سواء كان من هذه الأمة أم من غيرها؛ وهذا المعنى الذي نحا إليه ابن كثير . رحمه الله . مخالف لظاهر السياق؛ فلا يعوَّل عليه؛ وقد عرفت الانفكاك منه..


.{ 96 } قوله تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة }؛ اللام في { لتجدنهم } موطئة للقسم؛ والنون للتوكيد؛ وعليه تكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، والنون؛ والضمير الهاء يعود على اليهود؛ و{ أحرص } اسم تفضيل؛ و "الحرص" هو أن يكون الإنسان طامعاً في الشيء مشفقاً من فواته؛ والحرص يستلزم بذل المجهود؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز"(1) ؛ ونكر { حياة } ليفيد أنهم حريصون على أيّ حياة كانت . وإن قلّت؛ حتى لو لم يأتهم إلا لحظة فهم أحرص الناس عليها..
قوله تعالى: { ومن الذين أشركوا } أي الشرك الأكبر؛ واختلف المفسرون فيها؛ فمنهم من قال: هو مستأنف، والكلام منقطع عما قبله؛ والتقدير: ومن الذين أشركوا من يود أحدهم لو يعمر...؛ وهذا وإن كان محتملاً لفظاً، لكنه في المعنى بعيد جداً؛ ومنهم من قال: إنه معطوف على قوله تعالى: { الناس } يعني: ولتجدنهم أحرص الناس، وأحرص من الذين أشركوا؛ يعني: اليهود أحرص من المشركين على الرغم من أن اليهود أهل كتاب يؤمنون بالبعث، وبالجنة، وبالنار؛ والمشركون لا يؤمنون بذلك، والذي لا يؤمن بالبعث يصير أحرص الناس على حياة؛ لأنه يرى أنه إذا مات انتهى أمره، ولا يعود؛ فتجده يحرص على هذه الحياة التي يرى أنها هي رأس ماله؛ وهذا القول هو الصواب..
قوله تعالى: { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة }؛ "الود" خالص المحبة؛ والضمير في { أحدهم } يعود على المشركين لا غير . على القول الأول: أي أن قوله تعالى: { ومن الذين أشركوا } مستأنف؛ وعلى القول الثاني: يحتمل أن يكون الضمير عائداً على اليهود؛ ويصير انقطع الكلام عند قوله تعالى: { أشركوا }؛ ويحتمل أن يكون عائداً إلى المشركين؛ ويرجحه أمران:.
أحدهما: أن الضمير في الأصل يعود إلى أقرب مذكور؛ والمشركون هنا أقرب..


والثاني: أنه إذا كان المشرك يود أن يعمر ألف سنة، وكان اليهودي أحرص منه على الحياة، فيلزم أن يكون اليهودي يتمنى أن يعمر أكثر من ألف سنة..
وقوله تعالى: { لو يعمر } أي لو يزاد في عمره؛ و"العمر" هو الحياة؛ و{ لو } هنا مصدرية؛ وكلما جاءت بعد "ود" فهي مصدرية، كما في قوله تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون} [الأحزاب: 20] ، وقوله تعالى:
{ يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } [يونس: 87] ؛ ومعنى "مصدرية" أنها بمعنى "أنْ" تؤول، وما بعدها بمصدر، فيقال في الآية . { يود أحدهم لو يعمَّر ألف سنة }: يود أحدهم تعميره ألف سنة؛ و "السنة" هي العام؛ والمراد بها هنا السنة الهلالية . لا الشمسية . لأن الكلمات إذا أطلقت تحمل على الاصطلاح الشرعي؛ وقد قال الله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} [التوبة: 36] ؛ فالميقات الذي وضع الله للعباد إنما هو بالأشهر الهلالية، كما قال تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189] ، وكما قال تعالى في القمر: {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} [يونس: 5] ..
قوله تعالى: { وما هو بمزحزحه من العذاب } أي بدافعه، ومانعه؛ { أن يعمر }: { أن }، والفعل بعدها فاعل "زحزح" ؛ والتقدير: وما هو بمزحزحه تعميره؛ لأن "مزحزح" اسم فاعل يعمل عمل فعله؛ والمعنى أنه لو عُمِّر ألف سنة، أو أكثر وهو مقيم على معصية الله تعالى فإن ذلك لن يزحزحه من العذاب؛ بل إن الإنسان إذا ازداد عمره وهو في معصية الله ازداد عذابه؛ ولهذا جاء في الحديث: "شرُّكم من طال عمره، وساء عمله"(1).
قوله تعالى: { والله بصير بما يعملون }: { بصير } هنا بمعنى عليم؛ أي أنه جَلَّ وعلا عليم بكل ما يعملونه في السر، والعلانية من عمل صالح، وعمل سيء..
الفوائد:


.1 من فوائد الآيات: تكذيب اليهود الذين قالوا: "لنا الآخرة، ولكم الدنيا، لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة"؛ ووجهه: أن الله تعالى قال لهم: { فتمنوا الموت }، وقد قال تعالى: { ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم
2 . ومنها: أنَّ الكافر يكره الموت لما يعلم من سوء العاقبة؛ لقوله تعالى: ( بما قدمت أيديهم ).
.3 ومنها: إثبات السببية . تؤخذ من الباء في قوله تعالى: ( بما قدمت أيديهم ).
.4 منها: إثبات علم الله تعالى للمستقبل؛ لقوله تعالى: { ولن يتمنوه أبداً }؛ فوقع الأمر كما أخبر به..
.5 ومنها: جواز تخصيص العموم لغرض؛ لقوله تعالى: { والله عليم بالظالمين } فخص علمه بالظالمين تهديداً لهم..
.6 ومنها: أن اليهود أحرص الناس على حياة..
.7 ومنها: إبطال قولهم: "لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة"، ثم يخرجون منها، ويكونون في الجنة؛ لأن من كان كذلك لا يكره الموت..
.8 ومنها: أن الناس يتفاوتون في الحرص على الحياة؛ لقوله تعالى: { أحرص }؛ و{ أحرص } اسم تفضيل
.9 ومنها: أن المشركين من أحرص الناس على الحياة، وأنهم يكرهون الموت؛ لقوله تعالى: { ومن الذين أشركوا } مما يدل على أنهم في القمة في كراهة الموت ما عدا اليهود..
10 . ومنها: أن طول العمر لا يفيد المرء شيئاً إذا كان في معصية الله؛ لقوله تعالى: ( وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ).
.11 ومنها: غَوْرُ فهم السلف حين كرهوا أن يُدْعَى للإنسان بالبقاء؛ فإن الإمام أحمد كره أن يقول للإنسان: "أطال الله بقاءك"؛ لأن طول البقاء قد ينفع، وقد يضر؛ إذاً الطريق السليم أن تقول: "أطال الله بقاءك على طاعة الله"، أو نحو ذلك..


.12 ومنها: أن الله سبحانه وتعالى محيط بأعمال هؤلاء كغيرهم؛ لقوله تعالى: { والله بصير بما يعملون }؛ والبصر هنا بمعنى العلم؛ ويمكن أن يكون بمعنى الرؤية؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم "لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"(1) ؛ فأثبت لله بصراً؛ لكن تفسيره بالعلم أعم..
القرآن
)قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة:97)( مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة:98)
التفسير:
.{ 97 } قوله تعالى: { قل } أي يا محمد؛ ويجوز أن يكون المراد: كل من يتوجه إليه الخطاب؛ { من كان عدواً لجبريل } أي معادياً له؛ "وجبريل" هو الملَك الموكل بالوحي؛ وكان اليهود يعادونه، ويقولون: "إنه ينْزل بالعذاب"؛ { فإنه نزله على قلبك }: فيه إعرابان: الأول: أن الجملة جواب الشرط؛ ووجه ارتباطه بفعل الشرط من الناحية المعنوية تأكيد ذم هؤلاء اليهود المعادين لجبريل، كأنه لم يكن فيه ما يوجب العداوة إلا أنه نزله على قلبك؛ وهذا يشبه تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول القائل:.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب فالمعنى: من كان عدواً لجبريل فلا موجب لعداوته إلا أنه نزله . أي القرآن . على قلبك؛ وهذا الوصف يقتضي ولايته . لا عداوته؛ وقيل: إن جواب الشرط محذوف؛ والتقدير: من كان عدواً لجبريل فليمت غيظاً؛ لكن الإعراب الأول أصح، وأبلغ..


وقوله تعالى: { على قلبك } أي قلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا كقوله تعالى: {نزل به الروح الأمين * على قلبك} [الشعراء: 193، 194] ؛ وإنما كان نزوله على قلبه؛ لأن القلب محل العقل، والفهم، كما قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها} [الحج: 46] ..
قوله تعالى: { بإذن الله } أي بإذنه الكوني القدري؛ { مصدقا لما بين يديه }: حال من الضمير . الهاء. في قوله تعالى { نزله }؛ يعني نزله حال كونه مصدقاً لما بين يديه . أي لما سبقه من الكتب، كالتوراة، والإنجيل، وغيرهما من الكتب التي أخبرت عن نزول القرآن؛ وسبق بيان معنى تصديق القرآن لما بين يديه.
قوله تعالى: { وهدًى } أي دلالة؛ { وبشرى } أي بشارة؛ و"البشارة" الإخبار بما يسر؛ وقد تأتي في الإخبار بما يضر، مثل قوله تعالى: { فبشره بعذاب أليم } [لقمان: 7] ؛ و{ للمؤمنين } متعلق بـ{ بشرى }؛ وإنما كان بشرى للمؤمنين خاصة؛ لأنهم الذين قبلوه، وانتفعوا به؛ "المؤمنون" أي الذين آمنوا بما يجب الإيمان به مع القبول، والإذعان؛ لأن الإيمان يدل على أمن، واستقرار؛ ولهذا قال بعض العلماء: إنه يكون في الأمور الغيبية دون الأمور المحسوسة..
.{ 98 } قوله تعالى: { من كان عدواً لله } أي معادياً له مستكبراً عن عبادته..
قوله تعالى: { وملائكته } يعني وعدواً لملائكته؛ و "الملائكة" جمع ملَك؛ وهم عالم غيبي خلقهم الله عزّ وجلّ من نور، وسخرهم لعبادته يسبحون الليل، والنهار لا يفترون؛ ومنهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أسماءهم في افتتاح صلاة الليل(1) ..
قوله تعالى: { ورسله } جمع رسول؛ وهم الذين أوحى الله تعالى إليهم بشرع، وأمرهم بتبليغه؛ أولهم نوح، وآخرهم محمد . صلى الله عليهم وسلم أجمعين..


قوله تعالى: { وجبريل وميكال }: معطوف على قوله تعالى: { وملائكته } من باب عطف الخاص على العام؛ وعطف الخاص على العام يدل على شرف الخاص؛ فجبريل موكل بالوحي من الله إلى الرسل؛ و{ ميكال } هو ميكائيل الموكل بالقطر، والنبات؛ وخص هذين الملكين؛ لأن أحدهما موكل بما تحيى به القلوب وهو جبريل؛ والثاني موكل بما تحيى به الأرض وهو ميكائيل..
قوله تعالى: { فإن الله عدو للكافرين }: هذا جواب الشرط: من كان عدواً لله فالله عدو له؛ ومن كان عدواً للملائكة فإن الله عدو له؛ ومن كان عدواً لرسله فإن الله عدو له؛ ومن كان عدواً لجبريل فإن الله عدو له؛ ومن كان عدواً لميكائيل فإن الله عدو له؛ وهنا أظهر في موضع الإضمار لفائدتين؛ إحداهما: لفظية؛ والثانية: معنوية؛ أما الفائدة اللفظية: فمناسبة رؤوس الآي؛ وأما الفائدة المعنوية فهي تتضمن ثلاثة أمور: الأول: الحكم على أن من كان عدواً لله ومن ذُكر، بأنه يكون كافراً؛ يعني: الحكم على هؤلاء بالكفر؛ الثاني: أن كل كافر سواء كان سبب كفره معاداة الله، أو لا، فالله عدو له، ثالث: بيان العلة . وهي في هذه الآية: الكفر..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: أن من الناس من يكون عدواً لملائكة الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { قل من كان عدواً لجبريل }: ووجه ذلك: أن مثل هذا لكلام لو لم يكن له أصل لكان لغواً من القول؛ والقرآن منزه عن هذا اللغو..
.2 ومنها: فضيلة جبريل . عليه الصلاة والسلام . لأن الله تعالى دافع عنه..
.3 ومنها: ذكر الوصف الذي يستحق أن يكون به ولياً لجبريل؛ لقوله تعالى: { فإنه نزله على قلبك } يعني: ومن كان هذه وظيفته فإنه يستحق أن يكون ولياً..
.4 . ومنها: إثبات علوّ الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { فإنه نزله }؛ وإنما نزل به من عند الله؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى..


.5 ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وعى القرآن وعياً كاملاً لا يتطرق إليه الشك؛ لقوله تعالى: { نزله على قلبك }؛ لأن ما نفذ إلى القلب حلّ في القلب؛ وإذا حلّ في القلب فهو في حرز مكين..
.6 ومنها: أن هذا القرآن إنما نزل بإذن الله؛ لقوله تعالى: { نزله على قلبك بإذن الله }؛ والإذن هنا كوني؛ وقد ذكر العلماء أن إذن الله تعالى نوعان:.
كوني: وهو المتعلق بالخلق، والتكوين، ولا بد من وقوع ما أذِن الله تعالى فيه بهذا المعنى؛ مثاله قوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] ، وقوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} [البقرة: 102] وقوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} [التغابن: 11] ..
والثاني شرعي: وهو ما يتعلق بالشرع، والعبادة؛ مثاله قوله تعالى: {قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] ؛ وقوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] ؛ والفرق بينهما أن المأذون به شرعاً قد يقع، وقد لا يقع؛ وأما المأذون به قدراً فواقع لا محالة؛ ومن جهة أخرى: أن المأذون به شرعاً محبوب إلى الله عزّ وجلّ؛ والمأذون به قدراً قد يكون محبوباً، وقد يكون غير محبوب..
7 . ومن فوائد الآيتين: أن القرآن بشرى للمؤمنين؛ وعلامة ذلك أنك تنتفع به؛ فإذا وجدت نفسك منتفعاً به حريصاً عليه تالياً له حق تلاوته فهذا دليل على الإيمان، فتناله البشرى؛ وكلما رأى الإنسان من نفسه كراهة القرآن، أو كراهة العمل به، أو التثاقل في تطبيقه فليعلم أنه إنما فاقد للإيمان بالكلية، أو أن إيمانه ناقص..
.8 . ومنها: أن من عادى الله فهو كافر؛ لقوله تعالى: { من كان عدواً لله }، ثم قال تعالى: ( فإن الله عدوّ للكافرين ).


.9 ومنها: أن من كان عدواً للملائكة، أو للرسل فإنه عدو لله؛ لأن الملائكة رسل الله، كما قال تعالى: {جاعل الملائكة رسلاً} [فاطر: 1] ؛ والرسل البشريون أيضاً رسل لله؛ فمن عادى ملائكة الله من جبريل أو غيره، أو عادى الرسل من محمد أو غيره فقد عادى الله عزّ وجلّ..
فإن قيل: فهل من عادى المؤمنين يكون معادياً لله ؟
فالجواب: هذا محل توقف في دلالة الآية عليه؛ اللهم إلا إذا عادى المؤمنين لكونهم تمسكوا بشريعة الرسل؛ فهذا يظهر أن الله يكون عدواً لهم، لأن من عاداهم إنما فعل ذلك بسبب أنهم تمسكوا بما جاءت به الرسل؛ فكان حقيقة معاداتهم أنهم عادوا رسل الله، كما قال أهل العلم في قوله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} [الكوثر: 3] أي مبغضك، ومبغض ما جئت به من السنة هو الأبتر؛ وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى في الحديث القدسي قال: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"(1) ..
10 . ومن فوائد الآيتين: أن كل كافر فاللَّه عدوّ له؛ لقوله تعالى: ( فإن الله عدوّ للكافرين )
11 . ومنها: إثبات صفة العداوة من الله . أي أن الله يعادي؛ وهي صفة فعلية كالرضا، والغضب، والسخط، والكراهة؛ و "المعاداة" ضدها الموالاة الثابتة للمؤمنين، كما قال الله تعالى: (الله وليّ الذين آمنوا) (البقرة: 257)
القرآن
)وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) (البقرة:99)
التفسير:
.{ 99 } قوله تعالى: { ولقد }: سبق الكلام عليها؛ { أنزلنا إليك }: الإنزال إنما يكون من الأعلى إلى الأسفل؛ وذلك؛ لأن القرآن كلام الله؛ والله تعالى فوق عباده..


قوله تعالى: { آيات } جمع آية؛ والآية في اللغة: العلامة، لكنها في الحقيقة أدق من مجرد العلامة؛ لأنها تتضمن العلامة، والدليل؛ فكل آية علامة . ولا عكس؛ لكن العلماء . رحمهم الله . قد يفسرون الشيء بما يقاربه، أو يلازمه . وإن كان بينهما فرق، كتفسيرهم "الريب" بالشك في قوله تعالى: {لا ريب فيه} [البقرة: ] مع أن "الريب" أخص من مطلق الشك؛ لأنه شك مع قلق؛ وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة "أصول التفسير"..
قوله تعالى: { بينات } جمع بينة؛ وهن الواضحات في ذاتها، ودلالتها..
وقوله تعالى: { وما يكفر بها } أي بهذه الآية البينات؛ { إلا الفاسقون } أي الخارجون عن شريعة الله؛ فالمراد بـ "الفسق" هنا الفسق الأكبر، كقوله تعالى في سورة السجدة: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} [السجدة: 20]
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن القرآن وحي من الله عزّ وجلّ..
.2 ومنها: عظمة القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى أضافه إليه، وجعله آية..
3 . ومنها: ثبوت علوّ الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { ولقد أنزلنا إليك آيات بينات }؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى؛ وعلوّ الله سبحانه وتعالى من صفاته الذاتية اللازمة له التي لم يزل، ولا يزال متصفاً بها؛ وأما استواؤه على العرش فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته..
.4 ومنها: وصف القرآن بأنه آيات بينات، ولا ينافي هذا قوله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] ؛ لأن هذا التشابه يكون متشابهاً على بعض الناس دون بعض؛ ولأنه يُحمل على المحكم، فيكون الجميع محكماً، كما قال تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم...} [آل عمران: 7] الآية..


فالحاصل: أن القرآن . ولله الحمد . آيات بينات؛ ولكنه يحتاج إلى قلب ينفتح لهذا القرآن حتى يتبين؛ أما قلب يكره القرآن، ثم يأتي بما يُشتَبه فيه ليضرب القرآن بعضه ببعض فهذا لا يتبين له أبداً؛ إنما يتبين الهدى من القرآن لمن أراد الهدى؛ وأما من لم يرده فلا؛ ولهذا قال تعالى: { وما يكفر بها إلا الفاسقون }..
5. ومن فوائد الآية: أنه لا يكفر بالقرآن إلا الفاسق..
6. ومنها: أن من كفر به فهو فاسق..
.7 ومنها: إطلاق الفاسق على الكافر؛ وعلى هذا يكون الفسق على نوعين:.
فسق أكبر مخرج عن الملة، كما في قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} [السجدة: 19، 20] الآية؛ ووجه الدلالة أنه تعالى جعل الفسق هنا مقابلاً للإيمان..
والثاني: فسق أصغر لا يخرج من الإيمان؛ ولكنه ينافي العدالة، كقوله تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} [الحجرات: 7] : فعطف {الفسوق} على {الكفر} ؛ والعطف يقتضي المغايرة..
مسألة :-
تنقسم آيات الله تعالى إلى قسمين: كونية، وشرعية؛ فالكونية مخلوقاته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والإنسان، وغير ذلك؛ قال الله تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} [فصلت: 37] ، وقال تعالى: {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين} [الروم: 22] ؛ وأما الشرعية فهي ما أنزله الله تعالى على رسله من الشرائع، كقوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته} [الجمعة: 2] ، وقوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم..} [سبأ: 43] الآية، وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها..
القرآن


)أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (البقرة:100)
)وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (البقرة:101)
التفسير:.
.{ 100 } قوله تعالى: { أوَ كلما }: الهمزة هنا للاستفهام؛ والواو للعطف؛ ومثل هذه الصيغة متكررة في القرآن كثيراً؛ وقد سبق الكلام عليها؛ أما { كلما } فإنها أداة شرط تفيد التكرار . أي كثرة وقوع شرطها، وجوابها؛ وكلما حصل الشرط حصل الجواب؛ فإذا قلت: "كلما جاء زيد فأكرمه" اقتضى تكرار إكرامه بتكرر مجيئه قلّ، أو كثر..
قوله تعالى: { عاهدوا عهداً }؛ "العهد" : الميثاق الذي يكون بين الطوائف سواء كان ذلك بين أمة مسلمة وأمة كافرة؛ أو بين أمتين مسلمتين؛ أو بين أمتين كافرتين؛ والضمير في { عاهدوا } يعود على اليهود؛ { نبذه فريق منهم }: "النبذ" : الطرح، والترك . أي ترك هذا العهد جماعة منهم . أي من اليهود . فطرحوه، ولم يفوا به؛ وهذا هو حال بني إسرائيل مع الله سبحانه وتعالى، ومع عباد الله؛ فالله تعالى أخذ عليهم العهد، والميثاق؛ ومع ذلك نبذوا العهد، والميثاق؛ والنبي صلى الله عليه وسلم عاهدهم، ونبذوا عهده..
قوله تعالى: { بل أكثرهم لا يؤمنون }: هذا الإضراب للانتقال من وصف إلى وصف: من وصف نقض العهد ونبذه، إلى وصف عدم الإيمان؛ فعليه يكون هذا الإضراب إثباتاً لما قبله، وزيادة وصف . وهو انتفاء الإيمان عن أكثرهم؛ لأن المؤمن حقيقة لا بد أن يفي بالعهد، كما قال الله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً} [الإسراء: 34] ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن آية المنافق ثلاث: "إذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر..."(1) ؛ ولو أنهم آمنوا ما نقضوا العهد الذي بينهم وبين الله، أو الذي بينهم وبين عباد الله..


.{101 } قوله تعالى: { ولما جاءهم رسول من عند الله }؛ { لما } هنا شرطية؛ وهي على أربعة أنحاء في اللغة العربية: شرطية؛ ونافية جازمة؛ وبمعنى "إلا"؛ وبمعنى "حين"؛ و{ من عند الله } صفة لـ{ رسول } أي رسول مرسل من عند الله . وهو محمد صلى الله عليه وسلم
قوله تعالى: { مصدق لما معهم } أي للذي معهم من التوراة إن كانوا من اليهود، ومن الإنجيل إن كانوا من النصارى؛ والحديث في هذه الآية كلها عن اليهود؛ وتقدم معنى { مصدق لما معهم }؛ فكان على اليهود، والنصارى أن يفرحوا بهذا القرآن؛ لأنه مؤيد لما معهم؛ ولكن الأمر كان بالعكس!!!.
قوله تعالى: { نبذ } أي طرح بشدة { فريق } أي جماعة { من الذين أوتوا } أي أُعطوا؛ و{ الكتاب }: مفعول ثان لـ{ أوتوا }؛ ومفعولها الأول: الواو، وهي نائب الفاعل؛ و "أل" هنا للعهد الذهني؛ وهو بالنسبة لليهود التوراة؛ وبالنسبة للنصارى الإنجيل؛ و{ كتاب الله } أي القرآن؛ وهو مفعول { نبذ }؛ وأضيف إلى الله لأنه المتكلم به؛ فالقرآن الذي نقرؤه الآن هو كلام ربنا . تبارك وتعالى . تكلم به حقيقة بلفظه، ومعناه، وسمعه منه جبريل، ثم أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم حتى وعاه، وأداه إلى الصحابة؛ والصحابة أدوه إلى التابعين، وهكذا حتى بقي إلى يومنا هذا . ولله الحمد؛ وسمي القرآن كتاباً، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ وفي الصحف التي بأيدي الملائكة؛ وفي الصحف التي بأيدي البشر..
قوله تعالى: { وراء ظهورهم } أي رموه بشدة وراء الظهر؛ وهو عبارة عن الانصراف التام عنه؛ لأنهم لو نبذوه أمامهم، أو عن اليمين، أو عن الشمال لكان من الجائز أن يكونوا يأخذون به؛ لكن من ألقاه وراء ظهره كان ذلك أبلغ في التولي، والإعراض عنه، وعدم الرجوع إليه؛ لأن الشيء إذا خُلِّف وراء الظهر فإنه لا يرجع إليه..


قوله تعالى: { كأنهم لا يعلمون }: "كأن" لها معنى، ولها عمل؛ عملها: عمل "إنّ" . تنصب الاسم، وترفع الخبر؛ وأما معناها: فهو هنا التشبيه . يعني كأنهم في نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم لا يعلمون أنه حق..
الفوائد:
.1 من فوائد الآيتين: أن اليهود لا يوثق منهم بعهد؛ لأنهم كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم..
.2 ومنها: أن نبذ فريق من الأمة يعتبر نبذاً من الأمة كلها. ما لم يتبرؤوا منه؛ فإن تبرؤوا منه فإنهم لا يلحقهم عاره؛ لكن إذا سكتوا فإن نبذ الفريق نبذ للأمة كلهم؛ وجه ذلك أن الله وبخ هؤلاء على نبذ فريق منهم مع أنهم لم يباشروه..
.3 ومنها: أن من أهل الكتاب من لم ينبذ كتاب الله وراء ظهره؛ بل آمن به كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلام من اليهود..
.4 ومنها: أن من نبذ العهد من هذه الأمة فقد ارتكب محظورين:.
أحدهما: النفاق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف؛ وإذا اؤتمن خان"(1) ، وفي الحديث الآخر: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها..."(2) ، وذكر منها: "إذا عاهد غدر" ..
والمحظور الثاني: مشابهة اليهود..
.5 ومنها: أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حق؛ لقوله تعالى: ( من عند الله).
.6 ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرت به الكتب السابقة؛ لقوله تعالى: ( مصدق لما معهم).
.7 ومنها: أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تقرر ما سبق من رسالات الرسل، لقوله تعالى: (مصدق لما معهم).
.8 ومنها: أنه مع هذا البيان والوضوح، فإن فريقاً من الذين أوتوا الكتاب نبذوا هذا الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم..
.9 . ومنها: أن نبذ من عنده كتاب وعلم أقبح ممن ليس عنده ذلك؛ ولهذا نص على قوله تعالى: { فريق من الذين أوتوا الكتاب }؛ لإظهار شدة القبح من هؤلاء في نبذهم؛ لأن النبذ مع العلم أقبح من النبذ مع الجهل..


.10 ومنها: أن القرآن كلام الله، لأن الله تعالى أضافه إليه في قوله تعالى: ( كتاب الله).
.11 ومنها: توكيد قبح ما صنع هؤلاء المكذبون؛ لقوله تعالى: { كأنهم لا يعلمون }؛ لأنهم في الواقع يعلمون؛ ولكن فعلهم كأنه فعل من لم يعلم؛ وكفر من علم أشد من كفر من لم يعلم..
.12 ومنها: أن هذا النبذ الذي كان منهم لا يرجى بعده قبول؛ لقوله تعالى: { وراء ظهورهم }؛ لأن النبذ لو كان أمامهم ربما يتلقونه بعد؛ كذلك لو كان عن اليمين، والشمال، لكن إذا كان وراء الظهر فمعناه استبعاد القبول منهم..
13 . ومنها: شدة كراهية اليهود للقرآن، واستهانتهم به، حيث نبذوه وراء ظهورهم..

القرآن
)وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة:102)
التفسير:


.{ 102 } قوله تعالى: { واتبعوا } أي اليهود؛ و{ تتلو } هنا ليست بمعنى "تقرأ"؛ لكنه من: تلاه يتلوه . بمعنى: "تبعه" .؛ أي ما تَتْبعه الشياطين، وتأخذ به؛ { على ملك سليمان } أي في ملكه؛ أي في عهده؛ وإنما قال تعالى: { على ملك سليمان }؛ لأن الله جمع له بين النبوة، والملك، ووهبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده: فسخر له الرياح، والجن، والشياطين؛ فإن سليمان عليه السلام كان ملكاً نبياً رسولاً؛ وكل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهم أنبياء رسل؛ لقوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك} [غافر: 78] ؛ وعند اليهود . قاتلهم الله . أن سليمان ملك فقط؛ وهو لا ريب ملك، ونبي، ورسول؛ وسليمان كان بعد موسى عليه السلام؛ لقوله تعالى: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى...} [البقرة: 246] إلى قوله تعالى: {وقتل داود جالوت} [البقرة: 251] ؛ وسليمان هو ابن داود . عليهما السلام ...
قوله تعالى: { وما كفر سليمان } أي بتعلم السحر؛ أو تعليمِه..
قوله تعالى: { ولكنَّ الشياطينَ كفروا } بتشديد نون { لكنَّ }، ونصب { الشياطينَ }؛ وفي قراءة سبعية بتخفيف نون { لكن } وإسكانها ثم كسرها تخلصاً من التقاء الساكنين؛ و{ الشياطينُ } برفع النون؛ فعلى القراءة الأولى تكون الواو حرف عطف، و{ لكنّ } حرف استدراك يعمل عمل "إنّ" ينصب الاسم، ويرفع الخبر، و{ الشياطينَ } اسمها، وجملة: { كفروا } خبرها؛ وعلى قراءة التخفيف تكون الواو للعطف، و{ لكن } حرف استدراك مبني على السكون حُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين، و{ الشياطين } مبتدأ، وجملة: { كفروا } خبر المبتدأ..


وقوله تعالى: { ولكن الشياطين } جمع شيطان؛ وجاءت بالجمع؛ لأن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض، ويعلم بعضهم بعضاً؛ و{ كفروا }: فسَّر هذا بقوله تعالى: {يعلمون الناس السحر} ؛ و"السحر" في اللغة هو كل شيء خفيَ سببه، ولطف؛ ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحراً"(1) ؛ لأن البيان . وهو الفصاحة . يجذب النفوس، والأسماع حتى إن الإنسان يجد من نفسه ما يشده إلى سماع هذا البيان، والتأثر به، فيسحر الناس؛ لكن ليس هو السحر الذي ورد ذمه؛ وإنما المراد بالسحر المذموم: عُقَد، ورُقى ينفث فيها الساحر، فيؤثر في بدن المسحور، وعقله؛ وهو أنواع: منه ما يقتل؛ ومنه ما يمرض؛ ومنه ما يزيل العقل، ويخدر الإنسان؛ ومنه ما يغير حواس المرء، بحيث يسمع ما لم يكن، أو يشاهد الساكن متحركاً، أو المتحرك ساكناً؛ ومنه ما يجلب المودة؛ ومنه ما يوجب البغضاء؛ المهم أن السحر أنواع؛ وأهله يعرفون هذه الأنواع..
قوله تعالى: {يعلمون الناس السحر} جملة حالية من الفاعل في { كفروا } يعني حال كونهم يعلمون الناس السحر؛ ويجوز أن تكون استئنافية لبيان نوع كفرهم..
قوله تعالى: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } يعني واتبعوا أيضاً ما أنزل على الملكين؛ والجملة معطوفة على قوله: { واتبعوا ما تتلو }؛ و{ الملَكين } بفتح اللام تثنية ملَك؛ والفرق بين "ملَك" و"ملِك" أن "الملَك" بفتح اللام واحد الملائكة؛ و"الملِك" بكسر اللام: الحاكم الذي له سلطة؛ و "بابل" اسم لبلد في العراق؛ و{ هاروت وماروت } عطف بيان على { الملكين } لبيان اسمهما؛ وهما اسمان أعجميان؛ والمنزَّل عليهما شيء من أنواع السحر..
قوله تعالى: { وما يعلِّمان } أي الملكان هاروت، وماروت { من أحد } أي أحداً؛ وزيدت { مِن } للتوكيد..
قوله تعالى: { حتى يقولا إنما نحن فتنة } أي اختبار للناس؛ ليتبين من يريد السحر ممن لا يريده..


قوله تعالى: { فلا تكفر } أي بتعلم السحر { فيتعلمون } أي الناس { ما يفرقون به } أي سحراً يفرقون به { بين المرء وزوجه }؛ ويسمى هذا النوع من السحر "الصرف"؛ ويقابله سحر "العطف"؛ وهو من أشد أنواع السحر؛ لأنه يصل بصاحبه إلى الهيمان، والخبل..
قوله تعالى: { وما هم بضارين به من أحد } أي ما هؤلاء المتعلمون للسحر بضارين به أحداً { إلا بإذن الله } أي إلا بإذنه القدري . وهو بمعنى المشيئة .؛ و{ مِن } في قوله تعالى: { من أحد } زائدة للتوكيد.
قوله تعالى: { ويتعلمون } أي الناس من الملكين { ما يضرهم ولا ينفعهم } أي ما مضرته محضة لا نفع فيها..
قوله تعالى: { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق }: الجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللام الواقعة في جوابه، و "قد" ؛ و{ لمن اشتراه }: اللام لام الابتداء؛ وهي معلِّقة للفعل { علموا } عن العمل؛ و "مَن" مبتدأ؛ وخبره جملة: { ما له في الآخرة من خلاق } أي نصيب؛ والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولَي { علموا } أي علم هؤلاء المتعلمون للسحر أن من ابتغاه بتعلمه ليس له نصيب في الآخرة؛ وعلموا ذلك من قول الملكين: ( إنما نحن فتنة فلا تكفر )


قوله تعالى: { ولبئس ما شروا به أنفسهم }: اللام موطئة للقسم؛ والتقدير: والله لبئس ما شروا به أنفسهم؛ و "بئس" فعل ماض لإنشاء الذم . وهو جامد .؛ ومثله: "نعم"، و"عسى"، و"ليس"؛ ويسمونها الأفعال الجامدة؛ لأنها لا تتغير عن صيغتها: فلا تكون مضارعاً، ولا أمراً؛ و{ ما } اسم موصول؛ وهي فاعل "بئس"؛ والمخصوص بالذم محذوف؛ و{ شروا } بمعنى باعوا في اللغة العربية؛ لأن الشراء بيع؛ و"الاشتراء" هو أخذ السلعة؛ فالمشتري طالب؛ والشاري جالب، قال الله سبحانه وتعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} [البقرة: 207] يعني يبيعها؛ فقوله تعالى: { لبئس ما شروا به أنفسهم } أي باعوا به أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة لما اشتروا السحر، الثمن الذي بذلوه في هذا السحر: أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة خسروا أنفسهم؛ صارت الدنيا الآن ليس لهم فيها ربح إطلاقاً؛ والآخرة ليس لهم فيها ربح أيضاً؛ فخسروا الدنيا، والآخرة..
قوله تعالى: { لو كانوا يعلمون }: جملة شرطية؛ وجوابها محذوف تقديره: ما تعلَّموا السحر؛ يعني: لو كانوا من ذوي العلم المنتفعين بعلمهم ما تعلموا السحر؛ وهنا ينبغي للقارئ أن يبتدئ بـ{ لو }، وأن يقف على { ما شروا به أنفسهم }؛ لأن الوصل يوهم أن محل الذم في حال علمهم؛ أما في حال عدم علمهم فليس مذموماً! وهذا خلاف المعنى المراد؛ إذ المعنى المراد: توبيخهم، حيث عملوا عمل الجاهل؛ فقوله تعالى: { لو كانوا يعلمون } نداء عليهم بالجهل..

الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين؛ لقوله تعالى: { واتبعوا ما تتلو الشياطين }؛ ويدل على هذا أن أحدهم . وهو لبيد بن الأعصم . سحر النبي صلى الله عليه وسلم.
(1)2 . ومنها: أن السحر من أعمال الشياطين؛ لقوله تعالى: { ما تتلو الشياطين ]..
.3 ومنها: أن الشياطين كانوا يأتون السحر على عهد سليمان مع قوة سلطانه عليهم؛ لقوله تعالى: { ما تتلو الشياطين على ملك سليمان }..


.4 ومنها: أن سليمان لا يقر ذلك؛ لقوله تعالى: { وما كفر سليمان }؛ إذ لو أقرهم على ذلك . وحاشاه . لكان مُقراً لهم على كفرهم..
.5 ومنها: أن تعلم السحر، وتعليمه كفر؛ وظاهر الآية أنه كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لقوله تعالى: { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر }، وقوله تعالى: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر }؛ وهذا فيما إذا كان السحر عن طريق الشياطين؛ أما إذا كان عن طريق الأدوية، والأعشاب، ونحوها ففيه خلاف بين العلماء..
واختلف العلماء . رحمهم الله . هل تقبل توبته، أو لا؟ والراجح أنها تقبل فيما بينه وبين الله عز وجل؛ أما قتله فيرجع فيه إلى القواعد الشرعية، وما يقتضيه اجتهاد الحاكم..
.6 ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد ييسر أسباب المعصية فتنةً للناس . أي ابتلاءً .، وامتحاناً؛ لقوله تعالى: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة }؛ فإياك إياك إذا تيسرت لك أسباب المعصية أن تفعلها؛ واذكر قصة بني إسرائيل حين حُرِّم عليهم الصيد يوم السبت . أعني صيد البحر .؛ فلم يصبروا حتى تحيلوا على صيدها يوم السبت؛ فقال لهم الله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] ؛ واذكر قصة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين ابتلاهم الله عز وجل وهم محرِمون بالصيد تناله أيديهم، ورماحهم؛ فلم يُقدم أحد منهم عليه حتى يتبين لك حكمة الله . تبارك وتعالى . في تيسير أسباب المعصية؛ ليبلوَ الصابر من غيره..
.7 ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس . وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه .؛ لقوله تعالى: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما فتنة فلا تكفر }؛ فإذا كانت عندك سلعة رديئة، وأراد أحد شراءها يجب عليك أن تُحذِّره..


.8 ومنها: أنّ من عِظم السحر أن يكون أثره التفريق بين المرء، وزوجه؛ لقوله تعالى: { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه }؛ لأنه من أعظم الأمور المحبوبة إلى الشياطين، كما ثبت في الحديث الصحيح أن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: "نِعْم أنت"(2) ؛ وفيه سحر مقابل لهذا: وهو الربط بين المرء، وزوجه؛ حتى إنه . والعياذ بالله . يُبتلى بالهيام؛ فلا يستطيع أن يعيش . ولا لحظة . إلا وزوجته أمامه؛ وبعضهم يقضي عليه هذا الأمر . نسأل الله العافية ...
.9 ومن فوائد الآية: أن الأسباب . وإن عظمت . لا تأثير لها إلا بإذن الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ( وما هم بضارِّين به من أحد إلا بإذن الله )
.10 ومنها: أن قدرة الله عز وجل فوق الأسباب؛ وأنه مهما وجدت الأسباب . والله لم يأذن . فإن ذلك لا يؤثر؛ وهذا لا يوجب لنا أن لا نفعل الأسباب؛ لأن الأصل أن الأسباب مؤثرة بإذن الله..
.11 ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي اللجوء إلى الله دائماً؛ لقوله تعالى: { إلا بإذن الله }؛ فإذا علمت أن كل شيء بإذن الله فإذاً تلجأ إليه سبحانه وتعالى في جلب المنافع، ودفع المضار..
12 . ومنها: أنّ تعلم السحر ضرر محض، ولا خير فيه؛ لقوله تعالى: { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم }؛ فأثبت ضرره، ونفى نفعه..
.13 ومنها: أن كفر الساحر كفر مخرج عن الملة؛ لقوله تعالى: { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } يعني: من نصيب؛ وليس هناك أحد ليس له نصيب في الآخرة إلا الكفار؛ فالمؤمن مهما عذب فإن له نصيباً من الآخرة..
.14ومنها: أن هؤلاء اليهود تعلموا السحر عن علم؛ لقوله تعالى: { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق }..


.15 ومنها: إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل؛ فإن الكافر لما لم يجعل لله نصيباً في دنياه لم يجعل الله له نصيباً من الآخرة..
.16 ومنها: ذم هؤلاء اليهود بما اختاروه لأنفسهم؛ لقوله تعالى: ( ولبئس ما شروا به أنفسهم )
.17ومنها: أن صاحب العلم الذي يَنتفِع بعلمه هو الذي يحذر مثل هذه الأمور؛ لقوله تعالى: { لو كانوا يعلمون } يعني: لو كانوا ذوي علم نافع ما اشتروا هذا العلم الذي يضرهم، ولا ينفعهم؛ والذي علموا: أنّ من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق..

القرآن
)وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة:103)
التفسير:
.{ 103 } قوله تعالى: { ولو أنهم آمنوا } أي بقلوبهم { واتقوا } أي بجوارحهم؛ فالإيمان بالقلب؛ والتقوى بالجوارح؛ هذا إذا جمع بينهما؛ وإن لم يجمع بينهما صار الإيمان شاملاً للتقوى، والتقوى شاملة للإيمان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "التقوى هاهنا"(1) وأشار إلى قلبه؛ والإيمان عند أهل السنة والجماعة: "التصديق مع القبول، والإذعان"؛ وإلا فليس بإيمان؛ و "التقوى" أصلها: وَقْوَى؛ وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في معناها؛ وإلا فبعضهم قال: "التقوى" أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله؛ وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ وبعضهم قال في تعريف "التقوى" .
خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واعمل كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى وقوله تعالى: { ولو أنهم }: "أن" هنا مفتوحة الهمزة؛ و"أن" من الحروف المصدرية التي تؤول، وما بعدها بمصدر فاعل لفعل محذوف؛ والتقدير: لو ثبت أنهم آمنوا . أي إيمانهم ..


قوله تعالى: { لمثوبة }؛ "المثوبة" ، و "الثواب" بمعنى الجزاء؛ وسمي بذلك؛ لأنه من ثاب يثوب: إذا رجع؛ لأن الجزاء كأنه عمَلُ الإنسان رجع إليه، وعاد إليه منفعته، وثمرته..
قوله تعالى: { من عند الله } أضافها الله إلى نفسه، وجعلها من عنده لأمرين:.
الأول: أنها تكون أعظم مما يتصوره العبد؛ لأن العطاء من العظيم عظيم؛ فالعطية على حسب المعطي؛ عطية البخيل قليلة؛ وعطية الكريم كثيرة..
الثاني: اطمئنان العبد على حصولها؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد..
قوله تعالى: { خير }: الأَولى أن نقول: هي خيرية مطلقة . خير من كل شيء .؛ واللام في قوله: {لمثوبة } واقعة في جواب { لو }؛ ويوقف عند قوله: { لمثوبة من عند الله خير }؛ ولا توصل بما بعدها؛ لأنها لو وصلت به لاختل المعنى، حيث تكون مع الوصل: المثوبة خير بشرط العلم؛ والأمر ليس كذلك؛ وعلى هذا فجواب { لو كانوا يعلمون } محذوف تقديره: لآمنوا واتقوا..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: سعة حلم الله، حيث يعرض عليهم الإيمان، والتقوى؛ لقوله تعالى: { ولو أنهم آمنوا واتقوا } يعني فيما مضى، وفيما يستقبل؛ وهذه من سنته سبحانه وتعالى أن يعرض التوبة على المذنبين؛ انظر إلى قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} البروج: 10] : يُحَرِّقون أولياءه، ثم يعرض عليهم التوبة؛ لقوله تعالى: {ثم لم يتوبوا ..
.2 ومنها: أن الإيمان يُنال به ثواب الله؛ لقوله تعالى: { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير..
.3 ومنها: أن ثواب الله خير لمن آمن واتقى من الدنيا؛ لقوله تعالى: { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير } أي خير من كل شيء؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا، وما فيها(1)" ..


.4 ويؤخذ منها: ومن قوله تعالى عن الناصحين لمن تمنوا أن يكون لهم مثل ما لقارون: {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً} [القصص: 80] ، أنّ التقوى هي العمل الصالح..
.5 ومنها: أن فعل هؤلاء اليهود، واختيارهم لما فيه الكفر من تعلم السحر فعلُ الجاهل؛ لقوله تعالى: ( لو كانوا يعلمون ).

القرآن
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:104)
التفسير:
.{ 104 } قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا }: تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: { يا أيها الذين آمنوا } فأرعها سمعك . يعني استمع لها .؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(2). وهذه الآية من النهي: { لا تقولوا راعنا} يعني لا تقولوا عند مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم راعنا؛ و{ راعنا } من المراعاة؛ وهي العناية بالشيء، والمحافظة عليه؛ وكان الصحابة إذا أرادوا أن يتكلموا مع الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: "يا رسول الله، راعنا" ؛ وكان اليهود يقولون: "يا محمد، راعنا"؛ لكن اليهود يريدون بها معنى سيئاً؛ يريدون "راعنا" اسم فاعل من الرعونة؛ يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم راعن؛ ومعنى "الرعونة" الحمق، والهوج؛ لكن لما كان اللفظ واحداً وهو محتمل للمعنيين نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوه تأدباً، وابتعاداً عن سوء الظن؛ ولأن من الناس من يتظاهر بالإيمان . مثل المنافقين . فربما يقول: "راعنا" وهو يريد ما أرادت اليهود؛ فلهذا نُهي المسلمون عن ذلك..


قوله تعالى: { وقولوا انظرنا } يعني إذا أردتم من الرسول أن ينتظركم فلا تقولوا: { راعنا }؛ ولكن قولوا: { انظرنا }: فعل طلب؛ و"النظر" هنا بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] ، أي ما ينتظر هؤلاء..
قوله تعالى: { واسمعوا } فعل أمر من السمع بمعنى الاستجابة؛ أي اسمعوا سماع استجابة، وقبول، كما قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} [الأنفال: 21] يعني اسمعوا ما تؤمرون به فافعلوه، وما تنهون عنه فاتركوه..
قوله تعالى: { وللكافرين عذاب أليم }؛ المراد بـ "الكافرين" هنا اليهود؛ و{ عذاب } بمعنى عقوبة؛ و{ أليم } بمعنى مؤلم..

الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أنه ينبغي استعمال الأدب في الألفاظ؛ يعني أن يُتجنب الألفاظ التي توهم سبًّا، وشتماً؛ لقوله تعالى: { لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا..
.2 ومنها: أن الإيمان مقتضٍ لكل الأخلاق الفاضلة؛ لأن مراعاة الأدب في اللفظ من الأخلاق الفاضلة..
.3 ومنها: أن مراعاة الأخلاق الفاضلة من الإيمان..
.4 ومنها: أنه ينبغي لمن نهى عن شيء أن يدل الناس على بدله المباح؛ فلا ينهاهم، ويجعلهم في حيرة..
.5 ومنها: وجوب الانقياد لأمر الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ( واسمعوا )
.6 ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله، وأنها من أعمال الكافرين؛ لقوله تعالى: (وللكافرين عذاب أليم )

القرآن
)مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (البقرة:105)
التفسير:


.{ 105 } قوله تعالى: { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين }؛ { ما } نافية؛ و{ يود } بمعنى يحب؛ و "الود" خالص المحبة؛ و{ مِن } هنا لبيان الجنس؛ وليست للتبعيض؛ وعليه يصير المعنى أن أهل الكتاب كلهم كفار؛ { ولا المشركين } معطوفة على قوله تعالى: { من أهل الكتاب } يعني: ما يود الذين كفروا من هؤلاء، ولا هؤلاء؛ ولهذا قال تعالى: { ولا المشركين }؛ لأنها لو كانت معطوفة على { الذين كفروا } لكانت بالرفع؛ فعلى هذا تكون { من } لبيان الجنس؛ أي الذين كفروا من هذا الصنف . الذين هم أهل الكتاب؛ وكذلك من المشركين..
قوله تعالى: { أن ينزل عليكم من خير من ربكم }: { أن ينزل } مفعول { يود } يعني: ما يودون تنزيل خير؛ وقوله تعالى: { من خير }: { مِن } زائدة إعراباً؛ و "الخير" هنا يشمل خير الدنيا، والآخرة، القليل والكثير؛ لو حصل للكافرين من أهل الكتاب من اليهود، والنصارى، ومن المشركين أن يمنعوا القطر عن المسلمين لفعلوا؛ لأنهم ما يودون أن ينزل علينا أيّ خير؛ ولو تمكنوا أن يمنعوا العلم النافع عنا لفعلوا؛ وهذا ليس خاصاً بأهل الكتاب والمشركين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بل هو عام؛ ولهذا جاء بصيغة المضارع: { ما يود }؛ وهو دال على الاستمرار..
وقوله تعالى: { ينزَّل } بتشديد الزاي؛ وفي قراءة بدون تشديد؛ والفرق بينهما أن "التنزيل" : هو إنزاله شيئاً فشيئاً؛ وأما "الإنزال" : فهو إنزاله جملة واحدة؛ هذا هو الأصل؛ فهم لا يودون هذا، ولا هذا: لا أن ينزل علينا الخير جملة واحدة؛ ولا أن ينزل شيئاً فشيئاً..


قوله تعالى: { والله يختص برحمته من يشاء }؛ "يختص" تستعمل لازمة، ومتعدية؛ فإن كانت لازمة فإن { مَن } فاعل { يختص }؛ والمعنى على هذا: ينفرد برحمته من يشاء؛ كما تقول: اختصصت بهذا الشيء: أي انفردت به؛ وإن كانت متعدية فهي بمعنى: يخص برحمته من يشاء؛ وعلى هذا فتكون { مَن } مفعولاً به لـ{ يختص }؛ وعلى كلا الوجهين المعنى واحد: أي أن الله عز وجل يخص برحمته من يشاء؛ فيختص بها..
وقوله تعالى: { برحمته } يشمل رحمة الدين، والدنيا؛ ومن ذلك رحمة الله بإنزال هذا الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الوحي الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم هو من رحمة الله عليه، وعلينا، كما قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107).
وقوله تعالى: { من يشاء } هذا مقرون بالحكمة؛ يعني اختصاصه بالرحمة لمن يشاء مبني على حكمته سبحانه وتعالى؛ فمن اقتضت حكمته ألا يختصه بالرحمة لم يرحمه..
قوله تعالى: { والله ذو الفضل } أي ذو العطاء الزائد عما تتعلق به الضرورة؛ و{ العظيم } أي الواسع الكثير الكبير؛ فالعِظم هنا يعود إلى الكمية، وإلى الكيفية..

الفوائد:
.1 من فوائد الآية: بيان عداوة غير المسلمين للمسلمين؛ لأنه تعالى ذكر صنفين ينتظمان جميع الأصناف: أهل الكتاب . وهم اليهود، والنصارى .؛ والمشركين . وهم كل أصحاب الأوثان .؛ فكل هؤلاء أعداء للمسلمين؛ لأنهم لا يودون الخير للمسلمين..
.2 ومنها: أنه يجب علينا أن نحذر من كل تصرف يصدر عن اليهود، والنصارى، والمشركين، ونتخذهم أعداءً، وأن نعلم أنهم بجميع تصرفاتهم يحاولون أن يمنعوا الخير عن المسلمين..
.3 ومنها: أن هؤلاء الكفار يودون أن يمنعوا عن المسلمين التقدم..


.4 ومنها: أنه يحرم على المسلمين أن يُوَلُّوا هؤلاء الكفار أيّ قيادة؛ لأنهم ما داموا لا يودون لنا الخير فلن يقودونا لأيّ خير مهما كان الأمر؛ ولهذا يحرم أن يجعل لهم سلطة على المسلمين لا في تخطيط، ولا في نظام، ولا في أي شيء؛ بل يجب أن يكونوا تحت إمرة المسلمين، وتحت تدبيرهم ما أمكن؛ وإذا استعنا بهم فإنما نستعين بهم لإدراك مصالحنا وهم تحت سلطتنا؛ لأنهم لو استطاعوا أن يمنعوا القطر وينبوع الأرض عن المسلمين لفعلوا؛ إذاً فيجب علينا الحذر من مخططاتهم، وأن نكون دائماً على سوء ظن بهم؛ لأن إحسان الظن بهم في غير محله؛ وإنما يحمل عليه الذل، وضعف الشخصية، والخور، والجبن؛ ولهذا قال تعالى: { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم }؛ وهي شاملة لخير الدنيا، والآخرة؛ فاليهود حسدوا المسلمين لما آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ونزل عليهم هذا الكتاب..
.5 ومن فوائد الآية: أن خير الله لا يجلبه ودّ وادّ، ولا يرده كراهة كاره؛ لقوله تعالى: { والله يختص برحمته من يشاء }؛ فلا يمكن لهؤلاء اليهود، والنصارى، والمشركين أن يمنعوا فضل الله علينا؛ وعلى هذا جاء الحديث الصحيح: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك؛ ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك(1)" ..
.6 . ومنها: أن الإنسان الذي لا يود الخير للمسلمين فيه شبه باليهود، والنصارى؛ لأن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم..


.7 ومنها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى: { من يشاء }؛ ومشيئته تعالى عامة في كل شيء سواء كان من أفعاله، أو من أفعال عباده؛ لقوله تعالى: {ولو شاء الله ما فعلوه} [الأنعام: 137] ، وقوله تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 29] ؛ وأما ما يتعلق بأفعاله تعالى فالأمثلة عليه كثيرة، كقوله تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} [السجدة: 13] ، وقوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} [فاطر: 16] ، وقوله تعالى: { والله يفعل ما يشاء }، وغير ذلك من الآية..
.8 ومن فوائد الآية: إثبات الرحمة لله؛ لقوله تعالى: ( برحمته )
.9 ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله تعالى: { يختص }؛ لأن التخصيص يدل على الإرادة..
.10 ومنها: إثبات الفضل لله؛ لقوله تعالى: ( ذو الفضل )
.11 ومنها: إثبات أن فضله ليس كفضل غيره؛ ففضل غيره محدود؛ وأما فضل الله ففضل عظيم لا حدود له؛ فإن الله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم؛ ومن فضله تبارك وتعالى أنه خص هذه الأمة بخصائص عظيمة كثيرة ما جعلها لأحد سواها؛ منها ما جاء في حديث جابر في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر؛ وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ؛ وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي؛ وأعطيت الشفاعة؛ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"(1) ..
تنبيه:.


لا يعارض هذه الآية قوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} [المائدة: 82] ؛ لأن هذه الآية في صنف معين من النصارى: وهم الذين منهم القسيسون، والرهبان الذين من صفاتهم أنهم لا يستكبرون؛ فإذا وجد هذا الصنف في عهد الرسول، أو بعده انطبقت عليه الآية؛ لكن اختلفت حال النصارى منذ زمن بعيد؛ نسأل الله أن يعيد للمسلمين عزتهم وكرامتهم، حتى يعرفوا حقيقة عداوة النصارى، وغيرهم من أهل الكفر، فيعدوا لهم العدة..

القرآن
)مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:106)
التفسير:
.{ 106 } قوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها } فيها ثلاث قراءات؛ الأولى: بفتح النون الأولى في { نَنسخ }؛ وضمها في { نُنسها } بدون همز؛ والثانية: بفتح النون الأولى في { نَنسخ }؛ وفتحها في { نَنسأها } مع الهمز؛ والثالثة بضم النون الأولى في { نُنسخ }؛ وضمها في { نُنسها } بدون همز..
قوله تعالى: { ما ننسخ من آية... }؛ { ما }: شرطية؛ وهي اسم شرط جازم يجزم فعلين؛ الأول: فعل الشرط: { ننسخ }؛ والثاني: جوابه: { نأت }؛ وأما قوله تعالى: { أو ننسها } فهي معطوفة على ( ننسخ )


وقوله تعالى: { ننسخ من آية أو ننسها } بضمير الجمع للتعظيم؛ وليس للتعدد؛ لأن الله واحد؛ و"النسخ" معناه في اللغة: الإزالة؛ أو ما يشبه النقل؛ فالأول كقولهم: "نسخت الشمس الظل" يعني أزالته؛ والثاني كقولهم: "نسخت الكتاب"؛ إذ ناسخ الكتاب لم يزله، ولم ينقله؛ وإنما نقش حروفه، وكلماته؛ لأنه لو كان "نسخ الكتاب" يعني نقله كان إذا نسخته انمحت حروفه من الأول؛ وليس الأمر كذلك؛ أما في الشرع: فإنه رفع حكم دليل شرعي، أو لفظه، بدليل شرعي؛ و{ مِن } لبيان الجنس؛ لأن { ما } اسم شرط جازم مبهم؛ والمراد بـ "الآية" الآية الشرعية؛ لأنها محل النسخ الذي به الأمر والنهي دون الآية الكونية..
وقوله: { ننسها } من النسيان؛ وهو ذهول القلب عن معلوم؛ وأما { ننسأها } فهو من "النسأ"؛ وهو التأخير؛ ومعناه: تأخير الحكم، أو تأخير الإنزال؛ أي أن الله يؤخر إنزالها، فتكون الآية لم تنزل بعد؛ ولكن الله سبحانه وتعالى أبدلها بغيرها؛ وأما على قراءة { ننسها } فهو من النسيان؛ بمعنى نجعل الرسول صلى الله عليه وسلم ينساها، كما في قوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله} [الأعلى: 6 . 7] ؛ والمراد به هنا رفع الآية؛ وليس مجرد النسيان؛ لأن مجرد النسيان لا يقتضي النسخ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد ينسى بعض الآية؛ وهي باقية كما في الحديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة فترك شيئاً لم يقرأه فقال له رجل: تركت آية كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلَّا أذكرتنيها(1)" ..


قوله تعالى: { نأت بخير منها } هو جواب الشرط؛ والخيرية هنا بالنسبة للمكلف؛ ووجه الخيرية . كما يقول العلماء . أن النسخ إن كان إلى أشد فالخيرية بكثرة الثواب؛ وإن كان إلى أخف فالخيرية بالتسهيل على العباد مع تمام الأجر؛ وإن كان بالمماثل فالخيرية باستسلام العبد لأحكام الله عز وجل، وتمام انقياده لها، كما قال تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] ..
قوله تعالى: { أو مثلها } أي نأتي بمثلها..
قوله تعالى: { ألم تعلم } الهمزة هنا للاستفهام؛ والمراد به التقرير؛ وكلما جاءت على هذه الصيغة فالاستفهام فيها للتقرير، مثل: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1] ؛ فقوله تعالى: { ألم تعلم } يقرر الله المخاطَب . سواء قلنا: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أو كل من يتأتى خطابه . بالاستفهام بأنه يعلم { أن الله على كل شيء قدير }؛ يعني أنك قد علمت قدرة الله على كل شيء؛ ومنها القدرة على النسخ..
وقوله تعالى: { قدير }: لما أريد بها الوصف جاءت على صيغة "فعيل"؛ لكن إذا أريد بها الفعل تكون بصيغة "الفاعل"، كما في قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} [الأنعام: 65] ؛ و "القدرة" صفة تقوم بالقادر بحيث يفعل الفعل بلا عجز؛ و"القوة" صفة تقوم بالقوي بحيث يفعل الفعل بلا ضعف؛ إذاً المقابل للقدرة: العجز؛ لقوله تعالى: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً} [فاطر: 44] ؛ والمقابل للقوة: الضعف، قال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة} [الروم: 54] ؛ والفرق الثاني بينهما: أن "القوة" يوصف بها من له إرادة، وما ليس له إرادة؛ فيقال: رجل قوي؛ وحديد قوي؛ وأما "القدرة" فلا يوصف بها إلا ذو إرادة؛ فلا يقال: حديد قادر..
تنبيه:.


من هذا الموضع من السورة إلى ذكر تحويل القبلة في أول الجزء الثاني تجد أن كل الآية توطئة لنسخ استقبال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ ولهذا تجد الآية بعدها كلها في التحدث مع أهل الكتاب الذين أنكروا غاية الإنكار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: ثبوت النسخ، وأنه جائز عقلاً، وواقع شرعاً؛ وهذا ما اتفقت عليه الأمة إلا أبا مسلم الأصفهاني؛ فإنه زعم أن النسخ مستحيل؛ وأجاب عما ثبت نسخه بأن هذا من باب التخصيص؛ وليس من باب النسخ؛ وذلك لأن الأحكام النازلة ليس لها أمد تنتهي إليه؛ بل أمدها إلى يوم القيامة؛ فإذا نُسِخت فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي بعد النسخ . أي أخرجناه من الحكم .؛ فمثلاً: وجوب مصابرة الإنسان لعشرة حين نزل كان واجباً إلى يوم القيامة شاملاً لجميع الأزمان؛ فلما نُسخ أخرج بعض الزمن الذي شمله الحكم، فصار هذا تخصيصاً؛ وعلى هذا فيكون الخلاف بين أبي مسلم وعامة الأمة خلافاً لفظياً؛ لأنهم متفقون على جواز هذا الأمر؛ إلا أنه يسميه تخصيصاً؛ وغيره يسمونه نسخاً؛ والصواب تسميته نسخاً؛ لأنه صريح القرآن: { ما ننسخ من آية أو ننسها }؛ ولأنه هو الذي جاء عن السلف..
.2 ومن فوائد الآية: أن الناسخ خير من المنسوخ؛ لقوله تعالى: { نأت بخير منها }؛ أو مماثل له عملاً . وإن كان خيراً منه مآلاً .؛ لقوله تعالى: ( أو مثلها )
.3 ومنها: أن أحكام الله سبحانه وتعالى تختلف في الخيرية من زمان إلى زمان؛ بمعنى أنه قد يكون الحكم خيراً للعباد في وقت؛ ويكون غيره خيراً لهم في وقت آخر..
.4 ومنها: عظمة الله عز وجل لقوله تعالى: { ما ننسخ }: فإن الضمير هنا للتعظيم؛ وهو سبحانه وتعالى أهل العظمة..
.5 . ومنها: إثبات تمام قدرة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير }؛ ومن ذلك أنه قادر على أن ينسخ ما يشاء..


.6 ومنها: أن قدرة الله عامة شاملة؛ لقوله تعالى: ( أن الله على كل شيء قدير ).
.7 ومنها: أن القادر على تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية؛ فالأمور القدرية الكونية الله قادر عليها؛ فإذا كان قادراً عليها فكذلك الأمور الشرعية المعنوية؛ وهذا هو الحكمة في قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } بعد ذكر النسخ..
.8 ومنها: أن الشريعة تابعة للمصالح؛ لأن النسخ لا يكون إلا لمصلحة؛ فإن الله لا يبدل حكماً بحكم إلا لمصلحة..
قد يقول قائل: ما الفائدة إذاً من النسخ إذا كانت مثلها والله تعالى حكيم لا يفعل شيئاً إلا لحكمة؟
فالجواب: أن الفائدة اختبار المكلف بالامتثال؛ لأنه إذا امتثل الأمر أولاً وآخراً، دل على كمال عبوديته؛ وإذا لم يمتثل دل على أنه يعبد هواه، ولا يعبد مولاه؛ مثال ذلك: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ هذا بالنسبة للمكلف ليس فيه فرق أن يتجه يميناً، أو شمالاً؛ إنما الحكمة من ذلك اختبار المرء بامتثاله أن يتجه حيثما وجه؛ أما المتجَه إليه، وكونه أولى بالاتجاه إليه فلا ريب أن الاتجاه إلى الكعبة أولى من الاتجاه إلى بيت المقدس؛ ولهذا ضل من ضل، وارتد من ارتد بسبب تحويل القبلة: قال الله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] ؛ فالإنسان يبتلى بمثل هذا النسخ؛ إن كان مؤمناً عابداً لله قال: سمعت وأطعت؛ وإن كان سوى ذلك عاند، وخالف: يقول: لماذا هذا التغيير! فيتبين بذلك العابد حقاً، ومن ليس بعابد..
.9 ومن فوائد الآية: أن الله تعالى وعد بأنه لا يمكن أن ينسخ شيئاً إلا أبدله بخير منه، أو مثله؛ ووعده صدق..
.10 ومنها: ذكر ما يطمئن به العبد حين يخشى أن يقلق فكره؛ لقوله تعالى: ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها )
القرآن


)أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:107) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (البقرة:107)
التفسير:
.{ 107 } قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض } أي أن الله وحده الذي له ملك السموات، والأرض: ملك الأعيان، والأوصاف، والتدبير؛ فأعيان السموات، والأرض، وأوصافها ملك لله؛ و"التدبير" يعني أنه تعالى يملك التدبير فيها كما يشاء: لا معارض له، ولا ممانع؛ و{ السموات } جمع سماء؛ ويُطلق على العلو، وعلى السقف المحفوظ . وهو المراد هنا .؛ وهي سبع سموات كما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية؛ و{ الأرض } أي جنس الأرضين، فيشمل السبع كلها..
قوله تعالى: { وما لكم من دون الله } أي من سواه؛ { من ولي }: فعيل بمعنى مفعل؛ أي ما من أحد يتولاكم فيجلب لكم الخير؛ { ولا نصير } أي ولا ناصر يدفع عنكم الشر؛ و{ مِن }: حرف جر زائد إعراباً؛ ولكنه أصلي المعنى؛ إذ إن الغرض منه التنصيص على العموم؛ يعني ما لكم أيّ ولي..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: تقرير عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض }؛ ولا يرد على هذا إضافة الملك للإنسان، كما في قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] ؛ فإن هذه الإضافة ليست على سبيل الإطلاق؛ لأن ملك الإنسان للأشياء ملك محدود، وناقص، وقاصر؛ محدود من حين استيلائه عليه إلى أن يخرج عن ملكه ببيع، أو هبة، أو موت، أو غير ذلك؛ كذلك هو ناقص: فهو لا يملك التصرف فيه كما يشاء؛ بل تصرفه مقيد بما يباح له شرعاً؛ ولهذا لو أراد أن يحرق ملكه لم يملك ذلك؛ كذلك أيضاً ملك الإنسان قاصر؛ فهو لا يملك إلا ما تحت يده؛ فلا يشمل ملك الآخرين..


.2 ومن فوائد الآية: اختصاص ملك السموات، والأرض بالله؛ وهذا مأخوذ من تقديم الخبر، حيث إن تقديم الخبر يدل على الحصر؛ لقوله تعالى: { له ملك السموات والأرض }..
.3 ومنها: أن من ملك الله أنه ينسخ ما يشاء، ويثبت؛ فكأن قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض } تعليل لقوله تعالى: { ما ننسخ من آية }؛ فالمالك للسموات والأرض يتصرف فيهما كما شاء..
.4 ومنها: أنه لا أحد يدفع عن أحد أراد الله به سوءاً؛ لقوله تعالى: { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير
.5 ومنها: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه في طلب الولاية، والنصر..
فإذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى يقول: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} [الأنفال: 62] ، ويقول تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله} [التوبة: 40] ؛ فأثبت نصراً لغير الله..
فالجواب: أن إثبات النصر لغير الله إثبات للسبب فقط؛ وليس نصراً مستقلاً؛ والنصر المستقل من عند الله؛ أما انتصار بعضنا ببعض فإنه من باب الأخذ بالأسباب؛ وليس على وجه الاستقلال..
.6 ومن فوائد الآية: أن ما يريده الإنسان فهو إما جلب منفعة يحتاج إلى ولي يجلبها له؛ وإما دفع مضرة يحتاج إلى نصير يدفعها عنه..

القرآن
)أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (البقرة:108)
التفسير:


.{ 108 } قوله تعالى: { أم تريدون أن تسألوا }؛ { أم } هنا منقطعة بمعنى "بل" وهمزة الاستفهام؛ أي: بل أتريدون؛ والإضراب هنا ليس للإبطال؛ لأن الأول ليس بباطل؛ بل هو باق؛ فالإضراب هنا إضراب انتقال؛ و "الإرادة" هنا بمعنى المشيئة؛ وإن شئت فقل: بمعنى المحبة؛ والخطاب هنا قيل: إنه لليهود حينما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم آيات يأتي بها؛ وقيل: إنه للمشركين؛ لقوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} [الإسراء: 90] ؛ وقيل: إنه للمسلمين؛ والآية صالحة للأقوال كلها؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول للجميع؛ لكن تخصيصها باليهود يبعده قوله تعالى: { كما سئل موسى من قبل }؛ فمعنى الآية: أتريدون أن توردوا الأسئلة على رسولكم كما كان بنو إسرائيل تورد الأسئلة على رسولها؛ ولا شك أن الاستفهام هنا يراد به الإنكار على من يكثرون السؤال على النبي صلى الله عليه وسلم..
قوله تعالى: { رسولكم }: أضافه سبحانه وتعالى إليهم، مع أنه في آيات كثيرة أضافه الله إلى نفسه: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم} [المائدة: 15] ؛ والجمع بين ذلك: أن كل واحدة من الإضافتين تنزل على حال: فهو رسول الله باعتبار أنه أرسله؛ ورسولنا باعتبار أنه أرسل إلينا؛ والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم بالإجماع..
قوله تعالى: { كما سئل موسى من قبل } أي كما سأل بنو إسرائيل موسى من قبل، كقولهم: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] ، وقولهم: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] ، وغير ذلك؛ فبنو إسرائيل هم المشهورون بالأسئلة، والتعنت، والإعجاز؛ أما هذه الأمة فإنها قد أدَّبها الله عز وجل فأحسن تأديبها: لا يسألون إلا عن أمر لهم فيه حاجة..


قوله تعالى: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } أي يأخذ الكفر بديلاً عن الإيمان؛ { فقد ضل } أي تاه { سواء السبيل } أي وسط الطريق؛ يعني يخرج عن وسط الطريق إلى حافات الطريق، وإلى شعبها؛ وطريق الله واحد؛ وعليك أن تمشي في سواء الصراط . أي وسطه . حتى لا تعرض نفسك للضلال..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: إنكار كثرة الأسئلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاستفهام: { أم تريدون } يقصد به الإنكار؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من ذلك: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم"(1) ؛ وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته"(2) ؛ فهذا نهي، وإنكار على الذين يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم مسائل؛ والمطلوب من المسلم في زمن الوحي أن يسكت حتى ينزل ما أراد الله عز وجل من أمر أو نهي..
.2 ومن فوائد الآية: تأكيد ذم هذا النوع من الأسئلة؛ لقوله تعالى: { رسولكم }؛ فكأنه أراد أنه لما كان رسولكم، فالذي ينبغي منكم عدم إعناته بالأسئلة..
.3 ومنها: أن إرسال محمد صلى الله عليه وسلم من مصالحنا، ومنافعنا؛ لقوله تعالى: ( رسولكم )..
.4 ومنها: أن كثرة الأسئلة للنبي صلى الله عليه وسلم فيها مشابهة لليهود؛ لقوله تعالى: ( كما سئل موسى من قبل).
.5 ومنها: أنه لا ينبغي إلقاء السؤال إلا لمصلحة: إما رجل وقعت له مسألة يسأل عن حكمها؛ أو طالب علم يتعلم ليستنتج المسائل من أصولها؛ أما الأسئلة لمجرد استظهار ما عند الإنسان فقط؛ أو أقبح من ذلك من يستظهر ما عند الإنسان ليضرب آراء العلماء بعضها ببعض، وما أشبه ذلك؛ أو لأجل إعنات المسؤول، وإحراجه؛ فكل هذا من الأشياء المذمومة التي لا تنبغي..


.6 ومن فوائد الآية: ذم بني إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى صلى الله عليه وسلم، حيث إن الله سبحانه وتعالى ذكرهم في هذه الآية على سبيل الذم..
.7 ومنها: أن اليهود كانوا سألوا موسى عن أشياء فكانت العاقبة فيها وخيمة: فقد سألوا عن أشياء بينت لهم؛ لكنهم لم يعملوا بها؛ فكانت نتيجة السؤال الخيبة..
.8 ومنها: إثبات رسالة موسى صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: { كما سئل موسى من قبل } يعني: وهو رسول..
.9 ومنها: ذم من استبدل الكفر بالإيمان؛ لقوله تعالى: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ؛ وهذا يشمل من بقي على كفره بعد عرض الإيمان عليه، ومن ارتد بعد إيمانه؛ فإنه في الحقيقة تبديل؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة؛ فإذا كفر فقد تبدل الكفر بالإيمان..
.10 ومنها: أن من اختار الكفر على الإيمان فهو ضال..
.11ومنها: عكس هذه المسألة: أن من يتبدل الإيمان بالكفر فقد هُدي إلى سواء السبيل..
.12 ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة في عمله، وأنه مجبر عليه؛ لقوله تعالى: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان }..
.13 ومنها: أنه يجب على السائل أن يعمل بما أجيب به؛ لأنه إذا علم ولم يعمل فقد تبدل الكفر بالإيمان من بعد ما تبين له أنكر؛ فالواجب على المرء إذا سأل من يثق به أن يعمل بقوله؛ ولهذا قال العلماء: ومن سأل مفتياً ملتزماً بقوله حرم عليه أن يسأل غيره؛ لأنه حين سأله كان يعتقد أن الذي يقوله هو الشرع؛ فإذا كان يعتقد هذا فلا يسأل غيره؛ نعم، إذا سأل إنساناً يثق به بناءً على أن فتواه هو الشرع، وأفتاه، ولكنه سمع في مجلس عالم آخر حكماً نقيض الذي أُفتي به مدعَّماً بالأدلة، فحينئذ له أن ينتقل؛ بل يجب عليه؛ أو سأل عالماً مقتنعاً بقوله للضرورة . لأنه ليس عنده في البلد أعلم منه . على نية أنه إذا وجد أعلم منه سأله؛ فهذا أيضاً يجوز أن يسأل غيره إذا وجد أعلم منه..
القرآن


)وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:109)
التفسير:
.{ 109 } قوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً }؛ { ود } بمعنى أحب؛ بل إن "الود" خالص المحبة؛ والمعنى: أن كثيراً من أهل الكتاب يودون بكل قلوبهم أن يردوكم كفاراً؛ أي يرجعوكم كفاراً؛ وعلى هذا فـ{ يردونكم } تنصب مفعولين؛ الأول: الكاف في { يردونكم }؛ والثاني: { كفاراً }؛ و{ أهل الكتاب } هم اليهود، والنصارى؛ والمراد بـ{ الكتاب } التوراة، والإنجيل؛ و{ لو } هنا مصدرية؛ وضابطها أن تقع بعد "ود" ونحوها؛ و{ من بعد إيمانكم } أي من بعد أن ثبت الإيمان في قلوبكم..
قوله تعالى: { حسداً } مفعول لأجله عامله: { ود }؛ أي ودوا من أجل الحسد؛ يعني هذا الود لا لشيء سوى الحسد؛ لأن ما أنتم عليه نعمة عظيمة؛ وهؤلاء الكفار أعداء؛ والعدو يحسد عدوه على ما حصل له من نعمة الله؛ و "الحسد" تمني زوال نعمة الله على الغير سواء تمنى أن تكون له، أو لغيره، أو لا لأحد؛ فمن تمنى ذلك فهو الحاسد؛ وقيل: "الحسد" كراهة نعمة الله على الغير..
قوله تعالى: { من عند أنفسهم } أي هذه المودة التي يودونها ليست لله، ولا من الله؛ ولكن من عند أنفسهم..
قوله تعالى: { من بعد ما تبين } أي من بعد ما ظهر { لهم } أي لهؤلاء الكثيرين؛ { الحق } أي ما أنتم عليه من الحق؛ و "الحق" هو الشيء الثابت؛ فإن وصف به الحكم فالمراد به العدل؛ وإن وصف به الخبر فالمراد به الصدق؛ فـ{ الحق } الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام؛ ودين الإسلام على هذا؛ وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا؛ فإن أخباره صدق، وأحكامه عدل..


قوله تعالى: { فاعفوا واصفحوا }: الخطاب للمؤمنين عامة؛ ويدخل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ و "العفو" بمعنى ترك المؤاخذة على الذنب؛ كأنه من عفا الأثر: إذا زال لتقادمه؛ و{ اصفحوا }: قيل: إنه من باب عطف المترادفين، كقول الشاعر:
فألفى قولها كذباً وميناً و"الكذب" و"المين" معناهما واحد؛ ولكن الصواب أن بين "العفو" ، و "الصفح" فرقاً؛ فـ "العفو" ترك المؤاخذة على الذنب؛ و "الصفح" الإعراض عنه؛ مأخوذ من صفحة العنق؛ وهو أن الإنسان يلتفت، ولا كأن شيئاً صار . يوليه صفحة عنقه .؛ فـ "الصفح" معناه الإعراض عن هذا بالكلية وكأنه لم يكن؛ فعلى هذا يكون بينهما فرق؛ فـ "الصفح" أكمل إذا اقترن بـ "العفْو" ..
قوله تعالى: { حتى يأتي الله بأمره } أي بأمر سوى ذلك؛ وهو الأمر بالقتال..
قوله تعالى: { إن الله على كل شيء قدير } أي لا يعتريه عجز في كل شيء فعله..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: بيان شدة عداوة اليهود، والنصارى للأمة الإسلامية؛ وجه ذلك أن كثيراً منهم يودون أن يردوا المسلمين كفاراً حسداً من عند أنفسهم..
.2 ومنها: أن الكفر بعد الإسلام يسمى ردة؛ لقوله تعالى: { لو يردونكم }؛ ولهذا الذي يكفر بعد الإسلام لا يسمى باسم الدين الذي ارتد إليه؛ فلو ارتد عن الإسلام إلى اليهودية، أو النصرانية لم يعط حكم اليهود، والنصارى..
.3 ومنها: أن الحسد من صفات اليهود، والنصارى..


.4 ومنها: تحريم الحسد؛ لأن مشابهة الكفار بأخلاقهم محرمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم"(1) ؛ واعلم أن الواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله، ولا يكره ما أنعم الله به على الآخرين، أو يتمنى زواله؛ لقوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] ؛ والحاسد لا يزداد بحسده إلا ناراً تتلظى في جوفه؛ وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة؛ فهو مع كونه كارهاً لنعمة الله على هذا الغير مضاد لله في حكمه؛ لأنه يكره أن ينعم الله على هذا المحسود؛ ثم إن الحاسد أو الحسود . مهما أعطاه الله من نعمة لا يرى لله فضلاً فيها؛ لأنه لابد أن يرى في غيره نعمة أكثر مما أنعم الله به عليه، فيحتقر النعمة؛ حتى لو فرضنا أنه تميز بأموال كثيرة، وجاء إنسان تاجر، وكسب مكسباً كبيراً في سلعة معينة تجد هذا الحاسد يحسده على هذا المكسب بينما عنده ملايين كثيرة؛ وكذلك أيضاً بالنسبة للعلم: بعض الحاسدين إذا برز أحد في مسألة من مسائل العلم تجده . وإن كان أعلم منه . يحسده على ما برز به؛ وهذا يستلزم أن يحتقر نعمة الله عليه؛ فالحسد أمره عظيم، وعاقبته وخيمة؛ والناس في خير، والحسود في شر: يتتبع نعم الله على العباد؛ وكلما رأى نعمة صارت جمرة في قلبه؛ ولو لم يكن من خُلُق الحسد إلا أنه من صفات اليهود لكان كافياً في النفور منه..
.5 ومن فوائد الآية: علم اليهود، والنصارى أن الإسلام منقبة عظيمة لمتبعه؛ لقوله تعالى: { حسداً }؛ لأن الإنسان لا يحسد إلا على شيء يكون خيراً، ومنقبة؛ ويدل لذلك قوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} [البقرة: 105] ..


.6 ومنها: وجوب الحذر من اليهود، والنصارى؛ ما دام كثير منهم يودون لنا هذا فإنه يجب علينا أن نحذر منهم..
.7 ومنها: بيان خبث طوية هؤلاء الذين يودون لنا الكفر؛ لقوله تعالى: { من عند أنفسهم }؛ ليس من كتاب، ولا من إساءة المسلمين إليهم؛ ولكنه من عند أنفسهم: أنفس خبيثة تود الكفر للمسلمين حسداً..
.8 ومنها: أن هؤلاء الذين يودون الكفر للمسلمين قد تبين لهم الحق؛ فلو كانوا جاهلين بأن المسلمين على حق، وقالوا: "لا نريد أن نكون على دين مشكوك فيه" لكان لهم بعض العذر؛ ولكنهم قد تبين لهم الحق، وعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق، وأن دينه حق، وأن المؤمنين على حق؛ ومع ذلك فهم يودون هذه المودة، ويسعون بكل سبيل أن يصلوا إلى غايتهم؛ فمن أحب شيئاً سعى في تحصيله؛ فكثير من هؤلاء اليهود والنصارى يسعون بكل ما يستطيعون من قوة مادية، أو أخلاقية، أو غيرهما ليردوا المسلمين بعد الإيمان كفاراً..
.9 ومن فوائد الآية: مراعاة الأحوال، وتطور الشريعة، حيث قال تعالى: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره }..
.10 ومنها: أن الذم إنما يقع على من تبين له الحق؛ وأما الجاهل فهو معذور بجهله إذا لم يقصر في طلب العلم..
11 . ومنها: جواز مهادنة الكفار إذا لم يكن للمسلمين قوة..
.12 ومنها: إثبات الحكمة لله عز وجل، حيث أمر بالعفو، والصفح إلى أن يأتي الله بأمره؛ لأن الأمر بالقتال قبل وجود أسبابه، وتوفر شروطه من القوة المادية والبشرية، ينافي الحكمة..
.13 ومنها: الرد على منكري قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل؛ والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد فعلاً يليق بجلاله وعظمته، وما تقتضيه حكمته؛ لقوله تعالى: { حتى يأتي الله بأمره }..
.14 ومنها: ثبوت القدرة لله عز وجل، وأنها شاملة لكل شيء؛ لقوله تعالى: ( إن الله على كل شيء قدير )


.15 ومنها: الرد على المعتزلة القدرية؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ وإذا كان مستقلاً بعمله لزم من ذلك أن الله لا يقدر على تغييره؛ لأنه إن قدر على تغييره صار العبد غير مستقل..
.16 ومنها: بشارة المؤمنين بأن الله سبحانه وتعالى سيغير حالهم المقتضية للعفو والصفح، إلى قوة يستطيعون بها جهاد العدو..
.17 ومنها: اتباع الحكمة في الدعوة إلى الله بالصبر، والمصابرة حتى يتحقق النصر، وأنْ تعامَل كل حال بما يناسبها..
القرآن
)وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة:110)
التفسير:
.{ 110 } قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة } يعني أدوا الصلاة على وجه الكمال؛ لأن إقامة الشيء جعله قيماً معتدلاً مستقيماً؛ فمعنى { أقيموا الصلاة } أي ائتوا بها كاملة بشروطها، وواجباتها، وأركانها، ومكملاتها.
قوله تعالى: {وآتوا الزكاة} أي أعطوها؛ وهنا حذف المفعول الثاني؛ والتقدير: وآتوا الزكاة مستحقيها؛ و{ الزكاة } المفعول الأول؛ ومستحقوها قد بينهم الله في سورة براءة في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء...} إلخ [التوبة: 60] ..
و"الزكاة" في اللغة النماء، والزيادة؛ ومنه قولهم: "زكا الزرع" إذا نما، وزاد؛ وفي الشرع هي دفع مال مخصوص لطائفة مخصوصة تعبداً لله عز وجل؛ وسميت زكاة؛ لأنها تزكي الإنسان، كما قال الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ؛ فهي تزكي الإنسان في أخلاقه، وعقيدته، وتطهره من الرذائل؛ لأنها تخرجه من حظيرة البخلاء إلى حظيرة الأجواد، والكرماء؛ وتكفِّر سيئاته..
قوله تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم }؛ { ما } شرطية؛ لأنها جزمت فعل الشرط، وجوابه..
قوله تعالى: { من خير } يشمل ما يقدمه من المال، والأعمال؛ وهو بيان للمبهم في اسم الشرط..


ضعف إلى أضعاف كثيرة، كما قال تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261].
قوله تعالى: { إن الله بما تعملون بصير }؛ هذه الجملة مؤكدة بـ{ إن } مع أن الخطاب ابتدائي؛ إذ إنه لم يوجه إلى متردد، ولا منكر؛ والخطاب إذا لم يوجه لمنكر، ولا متردد فإنه يسمى ابتدائياً؛ والابتدائي لا يؤكد؛ لأنه لا حاجة لذلك؛ ولكنه قد يؤكد لا باعتبار حال المخاطب؛ لكن باعتبار أهمية مدلوله؛ فهنا له أهمية عظيمة: أن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أنه بكل ما نعمل بصير؛ و{ ما } اسم موصول يفيد العموم؛ أي بما نعمل قلبياً، وبدنياً؛ قولياً، وفعلياً؛ لأن القلوب لها أعمال كالمحبة، والخوف، والرجاء، والرغبة، وما أشبه ذلك؛ و{ بما تعملون } متعلقة بـ{ بصير }؛ وقدمت عليها لغرضين؛ الأول: مراعاة الفواصل؛ لأن التي قبلها فاصلة بالراء: { قدير }، وبعدها: { بصير }؛ والثاني: من أجل الحصر؛ والحصر هنا وإن كان يقلل من العموم لكنه يفيد الترهيب والترغيب؛ لأنه إذا قيل: أيهما أعظم في التهديد أو الترغيب، أن نقول: إن الله بصير بكل شيء مما نعمل، ومما لا نعمل؛ أو أنه بصير بما نعمل فقط؟
فالجواب: أن الأول أعم؛ والثاني أبلغ في التهديد، أو الترغيب؛ وهو المناسب هنا؛ كأنه يقول: لو لم يكن الله بصيراً إلا بأعمالكم فإنه كاف في ردعكم، وامتثالكم؛ و{ بصير } ليس من البصر الذي هو الرؤية؛ لكن من البصر الذي بمعنى العلم؛ لأنه أشمل حيث يعم العمل القلبي، والبدني؛ والعمل القلبي لا يدرك بالرؤية.
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: وجوب إقامة الصلاة؛ والصلاة تشمل الفريضة والنافلة؛ ومن إقامة الفرائض كثرة النوافل؛ لأنه جاء في الحديث(1) أن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة؛ ما من إنسان إلا وفي فريضته نقص؛ لكن هذه النوافل تكملها، وترقعها..
.2 ومنها: وجوب إيتاء الزكاة . يعني لمستحقيها ...


.3 ومنها: أن الصلاة أوكد من الزكاة؛ ولهذا يقدمها الله عليها في الذكر..
.4 ومنها: أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة من أسباب النصر؛ لأن الله ذكرها بعد قوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109] ؛ وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [الحج: 40، 41] ..
.5 ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتشاغل بالأهم فالأهم مع الدعوة إلى الله عز وجل..
.6 ومنها: أن كل خير يقدمه العبد لربه عز وجل فإنه سيجد ثوابه عنده..
.7 ومنها: أن الثواب عام لجميع الأعمال صغيرها، وكبيرها؛ لقوله تعالى: { من خير }؛ فإنها نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم؛ فأيّ خير قدمته قليلاً كان، أو كثيراً ستجد ثوابه؛ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"(2) ..
.8 ومنها: الترغيب في فعل الخير، حيث إن الإنسان يجد ثوابه عند ربه مدخراً له . وهو أحوج ما يكون إليه ...
.9 ومنها: أن الإنسان إذا قدم خيراً فإنما يقدمه لنفسه؛ لقوله تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من خير }؛ ولهذا ليس له من ماله إلا ما أنفق لله؛ وما أخره فلوارثه..
.10 ومنها: عموم علم الله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل..
.11 ومنها: التحذير من المخالفة؛ لقوله تعالى: ( إن الله بما تعملون بصير )

القرآن
)وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:111)
التفسير:
.{ 111 } قوله تعالى: { وقالوا } أي اليهود، والنصارى؛ { لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً }: هذا قول اليهود؛ { أو نصارى }: هذا قول النصارى..


قوله تعالى: { تلك أمانيهم } أي تلك المقالة؛ و{ أمانيهم } جمع أمنية؛ وهي ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه..
قوله تعالى: { قل } أي يا محمد؛ { هاتوا }: فعل أمر؛ لأن ما دل على الطلب، ولحقته العلامة فهو فعل أمر؛ يقال: "هاتي" للمرأة؛ "هاتيا" للاثنين؛ والأمر هنا للتحدي، والتعجيز؛ { برهانكم } أي دليلكم؛ مِن "برهن على الشيء": إذا بينه؛ أو من "بَرَه الشيء": إذا وضح بالعلامة؛ فعلى الأول تكون النون أصلية؛ وعلى الثاني تكون النون زائدة؛ وعلى القولين جميعاً فـ "البرهان" هو الذي يتبين به حجة الخصم؛ يعني ما نقبل كلامكم إلا إذا أقمتم عليه الدليل؛ فإذا أقمتم عليه الدليل فهو على العين، والرأس..
قوله تعالى: { إن كنتم صادقين } يعني أن هذا أمر لا يمكن وقوعه؛ فهو تحدٍّ، كقوله تعالى: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم} [البقرة: 94، 95] ؛ فإذا كانوا صادقين في زعمهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، أو نصارى فليأتوا بالبرهان؛ ولن يأتوا به؛ إذاً يكونون كاذبين.
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: بيان ما كان عليه اليهود، والنصارى من الإعجاب بما هم عليه من الدين..
.2 ومنها: تعصب اليهود، والنصارى؛ وتحجيرهم لفضل الله..


.3 ومنها: أن ما ادعوه كذب؛ لقوله تعالى: { تلك أمانيهم }؛ فعلى قول هؤلاء اليهود يكون النصارى، والمسلمون لن يدخلوا الجنة؛ وقد سبق أن قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ثم تخلفوننا فيها؛ وعلى قول النصارى لا يدخل اليهود، ولا المسلمون الجنة؛ أما اليهود فصحيح: فإنهم كفروا بعيسى، وبمحمد؛ ومن كفر بهما فإنه لن يدخل الجنة؛ وأما بالنسبة للمسلمين فغير صحيح؛ بل المسلمون هم أهل الجنة؛ وأما اليهود والنصارى الذين لم يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أهل النار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"(1) ؛ فالحاصل أن هذا القول . وهو قولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى . كذب من الطرفين؛ ولهذا قال تعالى: { تلك أمانيهم }؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني(2)" ..
.4 ومن فوائد الآية: أن من اغتر بالأماني، وطمع في المنازل العالية بدون عمل لها ففيه شَبه من اليهود، والنصارى..
.5 ومنها: عدل الله عز وجل في مخاطبة عباده، حيث قال تعالى: { قل هاتوا برهانكم }؛ لأن هذا من باب مراعاة الخصم، وأنه إن كان لكم بينة فهاتوها؛ وهذا لا شك من أبلغ ما يكون من العدل؛ وإلا فالحكم لله العلي الكبير..
.6 ومنها: أن هؤلاء لا برهان لهم على ما ادعَوه بدليل أنهم لم يأتوا به..
.7 ومنها: أنهم كاذبون؛ لقوله تعالى: { إن كنتم صادقين }؛ ولو كان لهم أدنى حيلة بما يبرر قولهم، ويصدِّقه لأتوا بها..

القرآن
)بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:112)
التفسير:


.{ 112 } قوله تعالى: { بلى }: هذا إبطال للنفي في قولهم: { لن يدخل... } إلخ؛ وإن كان بعض المفسرين يقول: إن { بلى } هنا بمعنى "بل"؛ ولكن نقول: { بلى } هنا حرف جواب تفيد إبطال النفي؛ يعني لما قالوا: { لن يدخل الجنة... } إلخ قال الله تعالى: { بلى } أي يدخل الجنة من ليس هوداً، أو نصارى؛ وبينه بقوله تعالى: { من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره }؛ { من } شرطية؛ وهي مبتدأ؛ وجواب الشرط قوله تعالى: { فله أجره }؛ والمراد بـ "الوجه" القصد، والنية، والإرادة؛ "أسلمه لله" أي جعل اتجاهه، وقصده، وإرادته خالصاً لله عز وجل؛ وعبر بـ "الوجه" لأنه الذي يدل على قصد الإنسان؛ ولهذا يقال: أين كان وجه فلان؟ يعني: أين كان قصده، واتجاهه..
وقوله تعالى: { وهو محسن }: الجملة في محل نصب على الحال من فاعل { أسلم }؛ يعني: أسلم والحال أنه محسن . أي متبع لشريعة الله ظاهراً، وباطناً ...
قوله تعالى: { فله أجره } أي ثوابه؛ وشبَّهه بالأجر؛ لأن الله التزم به للعامل..
قوله تعالى: { عند ربه }: أضاف العندية إليه لفائدتين:.
الفائدة الأولى: أنه عظيم؛ لأن المضاف إلى العظيم عظيم؛ ولهذا جاء في حديث أبي بكر الذي علمه الرسولُ صلى الله عليه وسلم إياه أنه قال: "فاغفر لي مغفرة من عندك(1)" ..
والفائدة الثانية: أن هذا محفوظ غاية الحفظ، ولن يضيع؛ لأنك لا يمكن أن تجد أحداً أحفظ من الله؛ إذاً فلن يضيع هذا العمل؛ لأنه في أمان غاية الأمان..
وأضافه إلى وصف الربوبية ليبين كمال عناية الله بالعامل، وإثابته عليه؛ فالربوبية هنا من الربوبية الخاصة
قوله تعالى: { ولا خوف عليهم } أي فيما يستقبل من أمرهم { ولا هم يحزنون } أي فيما مضى من أمرهم.
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: أن أهل الجنة هم الذين جمعوا بين وصفين؛ الأول: الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: { من أسلم وجهه لله }؛ والثاني: اتباع شرعه؛ لقوله تعالى: { وهو محسن }..


.2 ومنها: أن إخلاص النية وحده لا يكفي في تبرير التعبد لله؛ لقوله تعالى: { وهو محسن }؛ وعلى هذا فمن قال: إنه يحب الله، ويخلص له وهو منحرف في عبادته فإنه لا يدخل في هذه الآية لاختلال شرط الإحسان..
ويتفرع على هذه الفائدة أن أهل البدع لا ثواب لهم على بدعهم . ولو مع حسن النية .؛ لعدم الإحسان الذي هو المتابعة؛ والأجر مشروط بأمرين: الأول: إسلام الوجه لله؛ والثاني: الإحسان..
.3 ومن فوائد الآية: الدلالة على الشرطين الأساسيين في العبادة؛ وهما الإخلاص؛ والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم..
.4 ومنها: ثبوت الأجر في الآخرة، وأن العمل لن يضيع؛ لقوله تعالى: ( فله أجره عند ربه )
.5 ومنها: أن الجزاء من جنس العمل..
.6 ومنها: عظم الثواب؛ لإضافته إلى الله في قوله تعالى: ( عند ربه )
.7 ومنها: انتفاء الخوف، والحزن لمن تعبد لله سبحانه وتعالى بهذين الوصفين؛ وهما الإخلاص والمتابعة؛ ولهذا قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام: 82)
.8 . ومنها: حسن عاقبة المؤمنين بانتفاء الخوف، والحزن عنهم؛ وغير المؤمنين تُملأ قلوبهم رعباً، وحزناً؛ قال تعالى: {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] ، وقال تعالى: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 167] ، وقال تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة} [مريم: 39] إلى غير ذلك من الآية الدالة على تحسر هؤلاء الذين لم يهتدوا إلى صراط الحميد..
.9 ومن فوائد الآية: الحث على الإخلاص لله سبحانه وتعالى في العبادة، واتباع الشرع فيها؛ لأن الله إنما أخبرنا بهذا الثواب لمن أخلص، واتبع الشريعة من أجل أن نقوم بذلك؛ وليس لمجرد الخبر؛ وهكذا يقال في كل ما أخبر الله به من ثواب على طاعة، أو عقاب على معصية؛ فإنه إنما يراد به الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية..
القرآن


)وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (البقرة:113)
التفسير:
.{ 113 } قوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء } يعني على شيء من الدين..
قوله تعالى: { وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } يعني على شيء من الدين..
وإنما قالت اليهود ذلك؛ لأنهم يكفرون بعيسى، ولا يرون شريعته ديناً؛ وقالت النصارى: { ليست اليهود على شيء }؛ لأنهم يرون أن الدين الحق ما كانوا عليه، واليهود قد كفروا به؛ أما عن دعوى اليهود فإنها باطلة على كل تقدير؛ لأن النصارى بلا شك على دين قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وأما دعوى النصارى في اليهود فحق؛ لأن دينهم نسخ بما جاء به عيسى؛ إذ إنهم يجب عليهم أن يؤمنوا بعيسى؛ فإذا كذبوه لم يكونوا على شيء من الدين؛ بل هم كفار..
قوله تعالى: { وهم يتلون الكتاب }: الجملة هذه حالية؛ والضمير { هم } يعود على اليهود، والنصارى؛ يعني: والحال أن هؤلاء المدعين كلهم { يتلون الكتاب } يعني يقرؤونه؛ والمراد بـ{ الكتاب } الجنس، فيشمل التوراة، والإنجيل؛ و "كتاب" فعال بمعنى مفعول؛ لأن الكتب المنزلة من السماء تكتب وتُقرأ؛ ولا سيما أن التوراة كتبها الله بيده سبحانه وتعالى..
قوله تعالى: { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم }؛ قال المعربون: إن الكاف في مثل هذا التعبير اسم بمعنى "مثل"، وأنها منصوبة على المفعولية المطلقة؛ وأن "ذلك" اسم إشارة يشير إلى المصدر؛ أي مثلَ ذلك القول قال: { الذين لا يعلمون }؛ يعني: الذين لم يقرؤوا كتاباً؛ وكلمة { مثل قولهم } تأكيد لـ{ كذلك }؛ قالوا: لأن العامل الواحد لا ينصب معمولين بمعنى واحد..


وقوله تعالى: { الذين لا يعلمون }؛ قال بعض المفسرين: المراد بهم كفار قريش . أهل الجاهلية .؛ فإنهم قالوا: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس على دين، وليس على شيء؛ وقال بعض المفسرين: إنهم أمم سابقة؛ وقال بعض المفسرين: إنهم طوائف من اليهود، والنصارى؛ يعني أن الذين يتلون الكتاب من اليهود، والنصارى قالوا مثل قول الذين لا يعلمون منهم؛ فاستوى قول عالمهم، وجاهلهم؛ والأحسن أن يقال: إن الآية عامة . مثل ما اختاره ابن جرير، وغيره .؛ والقاعدة أن النص من الكتاب، والسنة إذا كان يحتمل معنيين لا منافاة بينهما، ولا يترجح أحدهما على الآخر فإنه يحمل على المعنيين جميعاً؛ لأنه أعم في المعنى؛ وهذا من سعة كلام الله عز وجل، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وشمول معناهما؛ وهذه قاعدة مهمة ينبغي أن يحتفظ بها الإنسان..
قوله تعالى: { فالله يحكم بينهم يوم القيامة}؛ الفاء حرف عطف؛ ولفظ الجلالة مبتدأ؛ وجملة: { يحكم } في محل رفع خبر المبتدأ؛ و{ يحكم } للمستقبل؛ و "الحكم" معناه القضاء، والفصل بين الشيئين؛ والله . تبارك وتعالى . يوم القيامة يقضي بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون؛ فيبين لصاحب الحق حقه، ويجزيه به؛ و{ يوم القيامة } هو اليوم الذي يبعث فيه الناس؛ وسمي بذلك لأمور ثلاثة سبق ذكرها(1) ..
قوله تعالى: { فيما كانوا فيه يختلفون } أي في الخلاف الواقع بينهم؛ ومعلوم أن هناك خلافاً بين اليهود، والنصارى؛ بل النصارى الآن مختلفون في مللهم بعضهم مع بعض اختلافاً جوهرياً في الأصول؛ واليهود كذلك على خلاف؛ وكذلك المسلمون عامة مع الكفار؛ والذي يحكم بينهم هو الله عز وجل يوم القيامة..

الفوائد:


.1 من فوائد الآية: أن الأمم الكافرة يكفِّر بعضها بعضاً؛ فهم أعداء بعضهم لبعض من جهة؛ وأولياء بعضهم لبعض من جهة أخرى: بالنسبة لنا هم بعضهم لبعض وليّ؛ وبالنسبة لما بينهم بعضهم لبعض عدو؛ فالإسلام عدو مشترك لليهودية، والنصرانية، وسائر الكفار؛ فيجب أن يتولى بعضنا بعضاً..
.2 ومنها: شدة قبح قول من خالف الحق وهو يعلمه؛ لقوله تعالى: { وهم يتلون الكتاب }؛ فهذه الجملة تفيد زيادة القبح فيما قالوه، حيث قالوا ذلك وهم يتلون الكتاب، ويعرفون الحق؛ فالنصارى تتلو التوراة، وتعرف أن اليهود تدين بالتوراة . وهم على دين صحيح قبل بعثة عيسى .؛ واليهود أيضاً يتلون الإنجيل، ويعرفون أن عيسى حق؛ لكنهم كفروا استكباراً؛ ولا ريب أن الذي ينكر الحق مع العلم به أعظم قبحاً من الذي ينكر الحق مع الجهل به؛ لأن هذا معاند مكابر بخلاف الجاهل، فالجاهل ينكر الحق للجهل به؛ ثم إذا تبين له الحق اتبعه إذا كان المانع له من اتباعه الجهل؛ لكن العالم لا عذر له..
.3 ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: { فالله يحكم بينهم يوم القيامة }؛ والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة؛ ولأهميته يقرنه الله سبحانه وتعالى كثيراً بالإيمان به عز وجل..


.4 ومنها: إثبات الحكم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: { فالله يحكم بينهم }؛ وحكم الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي، وكوني، وجزائي؛ فالشرعي: مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم} [الممتحنة: 10] ؛ والكوني: مثل قوله تعالى عن أخي يوسف: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} [يوسف: 80] ؛ والجزائي: مثل هذه الآية: {فالله يحكم بينهم يوم القيامة }؛ والحكم الجزائي هو ثمرة الحكم الشرعي؛ لأنه مبني عليه: إن خيراً فخير؛ وإن شراً فشر؛ هذا الحكم يوم القيامة بين الناس إما بالعدل؛ أو بالفضل؛ ولا يمكن أن يكون بالظلم؛ لقوله تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] ، وقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحداً} [الكهف: 49] ، وقوله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً"(2) ؛ هذا بالنسبة لحقوق الله؛ أما بالنسبة لحقوق الخلق فيما بينهم فيقضى بينهم بالعدل..
فإذا قال قائل: إذا كان الله تعالى يجزي المؤمنين بالفضل، فما الجواب عن قوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} [يونس: 4] ؟
فالجواب: أن هذا هو الذي أوجبه الله على نفسه؛ والفضل زيادة؛ والمقام مقام تحذير..


.5 ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اختلفوا في الحق، والباطل، سوف يكون القضاء بينهم يوم القيامة بين يدي الله عز وجل؛ فيجزي صاحب الحق بعمله، ويجزي صاحب الباطل بعمله؛ لقوله تعالى: { فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }، وقوله تعالى: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} [النساء: 141] ؛ ولهذا لا يوجد حكم يبين للخصم أن الحق له دون خصمه إلا في هذا؛ فالقاضي مثلاً لا يقول لأحد الخصمين: "لن يكون لخصمك سبيل عليك" حتى يتبين، ويأتي كلٌّ بحجته؛ لكن هنا بيّن الله أن الكافرين ليس لهم سبيل على المؤمنين؛ لأن الحجة واضحة للجميع..

* * *
انتهى المجلد الأول من التفسير ويليه المجلد الثاني بإذن الله
وبدايته تفسير الآية 114 من سورة البقرة

---
(1) أخرجه البخاري ص263، كتاب بدء الخلق، باب 8: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث رقم 3256؛ وأخرجه مسلم ص1170، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب 3: ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء، حديث رقم 7144 [11] 2831.
(1) أخرجه البخاري ص5، كتاب الإيمان، باب 24: علامات المنافق، حديث رقم 33؛ وأخرجه مسلم ص690، كتاب الإيمان، باب 25: خصال المنافق، حديث رقم 211 [107] 59.
(1) أخرجه مسلم ص757، كتاب الصلاة، باب 50: قدر ما يستر المصلي، حديث رقم 1137 [265] 510.
(1) أخرجه البخاري ص243، كتاب الجها والسير، باب 157؛ الحرب خدعة، حديث رقم 3028؛ وأخرجه مسلم ص986، كتاب الجهاد والسير، باب 5؛ جواز الخداع في الحرب، حديث رقم 4540 [18] 1740.


(2) أخرجه أحمد في مسنده 3/414؛ وأخرجه أبو داود في سننه ص1485، كتاب البيوع، باب 79: في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، حديث رقم 3534؛ وأخرجه الترمذي ص1778، كتاب البيوع، باب 38: أد الأمانة إلى من ائتمنك، حديث رقم 1264؛ وأخرجه الدارمي في سننه 2/343، حديث رقم 2597، كتاب البيوع، باب 57: في أداء الأمانة واجتناب الخيانة، قال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح 2/18، وقال عبد القادر الأرناؤوط في حاشية جامع الأصول: صحيح 6/323، حاشية رقم 1.
(3) راجع البخاري ص389، كتاب التفسيرن باب 5: قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)، حديث رقم 4686؛ ومسلماً ص1130، كتاب البر والصلة والأدب، باب 15: تحريم الظلم، حديث رقم 6581 [61] 2583.
(1) أخرجه البخاري ص1 – 2، كتاب بدء الوحي، حديث رقم 7؛ وأخرجه مسلم ص992 – 993، كتاب الجهاد والسير، باب 26: كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل...، حديث رقم 4607 [74] 1773.
(1) أخرجه الترمذي ص2012، كتاب الدعوات، باب 79: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك...، حديث رقم 3502، قال الألباني في صحيح الترمذي: حسن [3/168، حديث رقم 2783].
(1) أخرجه البخاري ص79، أبواب الاستسقاء، باب 7: الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، حديث رقم 1014؛ وأخرجه مسلم ص817، كتاب صلاة الاستسقاء، باب 2: الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم 2078 [8] 897.
(1) أخرجه أبو داود ص1456، كتاب الجنائز، باب 2: في عيادة الذمي، حديث رقم 3095؛ وأخرجه أحمد 3/175، رقم 12823.
(1) أخرجه البخاري ص281، كتاب أحاديث الأنبياء، باب 48: قول الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها)، حديث رقم 2445.


(1) راجع مسلم ص819 – 820، كتاب الكسوف، باب 3: ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، حديث رقم 2100 [9] 904؛ وراجع مسلم ص1173، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب 13: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، حديث رقم 7192 [50] 2856.
(1) أخرجه مسلم ص1195، كتاب الزهد، باب 4: تحريم الرياء، حديث رقم 7475 [46] 2985.
(2) أخرجه البخاري ص214، كتاب الصلح، باب 5: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم 2697؛ وأخرجه مسلم ص982 – 983، كتاب الأقضية، باب 8: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم 4493 [18] 1718، واللفظ لمسلم.
(1) أخرجه البخاري ص417، كتاب التفسير، سورة الرحمن، باب 1: قوله: (ومن دونهما جنتان..)، حديث رقم 4878؛ وأخرجه مسلم ص709، كتاب الإيمان، باب 80: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، حديث رقم 448 [296] 180.
(2) أخرج الطبري هذا الأثر في تفسيره عن مسروق 1/384، رقم 509ن 510، 511؛ ورجاله ثقات.
(1) أخرجه أبو داود ص1333، كتاب الوتر، باب 23: الدعاء، حديث رقم 1488؛ وأخرجه الترمذي ص2018، كتاب الدعوات، باب 104: "إن الله حيي كريم..."، حديث رقم 3556؛ وأخرجه ابن ماجة 2707، كتاب الدعاء، باب 13: رفع اليدين في الدعاء، حديث رقم 3865؛ وأخرجه عبد الرزاق 2/251، باب رفع اليدين في الصلاة، حديث رقم 3250، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح [1/409، حديث رقم 1488].
(1) أخرجه البخاري ص507، كتاب الأدب، باب 11: إثم القاطع، حديث رقم 5984؛ وأخرجه مسلم ص1126، كتاب البر والصلة، باب 6: صلة الرحمن وتحريم قطيعتها، حديث رقم 6520 [18] 2556.
(2) أخرجه البخاري ص271، كتاب أحاديث الأنبياء، باب 7: قصة يأجوج ومأجوج، حديث رقم 3346؛ وأخرجه مسلم ص1176 – 1177، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب 1: اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، حديث رقم 7235 [1] 2880.


(1) أخرجه أحمد 3/2، حديث رقم 11000؛ وأخرجه الترمذي ص1970، كتاب تفسير القرآن، باب 17: ومن سورة بني إسرائيل، حديث رقم 3148؛ وأخرجه ابن ماجة ص2739، كتاب الزهد، باب 37: ذكر الشفاعة، حديث رقم 4308؛ ومدار الحديث على عليّ بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، والحديث صحيح بطرقه وشواهده، منها ما أخرجه الدارمي في المقدمة بمعناه 1/39، حديث رقم 47؛ وما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة 2/355 – 356، وقال الألباني في تخريجه: صحيح الإسناد 2/356، وقال في صحيح الترمذي: صحيح 3/71، حديث رقم 2516 – 3369.
(1) أخرجه أحمد 2/160، حديث رقم 6494؛ وأخرجه أبو داود ص1585، كتاب الأدب، باب 58: في الرحمة، حديث 4941؛ وأخرجه الترمذي ص1846، كتاب البر والصلة، باب 16: ما جاء في رحمة الناس، حديث رقم 1924، وفي الحديث: أبو قابوس لم يوثقه غير ابن حبان، قال الألباني: حديث صحيح بالشواهد والمتابعات [السلسلة الصحيحة 2/630 – 631، حديث رقم 925],
(1) أخرجه النسائي ص2193، كتاب صلاة العيدين، باب 22: كيف الخطبة، حديث رقم 1579ن بزيادة: "وكل ضلالة في النار"، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح [1/512، حديث رقم 1577]، وأصله في مسلم ص813، كتاب الجمعة، باب 13: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم الحديث 2005 [43] 867، بدون: "وكل محدثة بدعة" ولا "وكل صلالة في النار".
(1) أخرجه البخاري بلفظه ص629، كتاب التوحيد، باب 50: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه، حديث رقم 7536؛ وأخرجه مسلم ص1144، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب 1: الحدث على ذكر الله تعالى، حديث رقم 6805 [2] 2675.
(1) أخرجه البخاري ص118، كتاب الزكاة، باب 63: أخذ الصدقة من الأغنياء...، حديث رقم 1496؛ وأخرجه مسلم ص684، كتاب الإيمان، باب 7: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم 121 [29] 19.


(1) أخرجه أبو داود ص1494، كتاب العلم، باب 11: في طلب العلم لغير الله، حديث رقم 3664؛ وأخرجه ابن ماجة ص2492، كتاب السنة، باب 23: الانتفاع بالعلم والعمل به، حديث رقم 252؛ وأخرجه أحمد 2/338، حديث رقم 8438؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه 1/85، كتاب العلم، وقال: هذا حديث صحيح سنده ثقات رواته على الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، ومدار الحديث على فليح بن سليمان الخزاعي، قال الدارقطني: يختلفون فيه وليس به بأس، تهذيب التهذيب 8/273، وقال الحاكم فيه: "اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره، ت. التهذيب، وقال عبد القادر الأرناوؤط في تخريج جامع الأصول 4/544، حاشية رقم 1: "توبع في جامع بيان العلم 1/90 فهو به حسن". أهـ.
(1) أخرجه مسلم 718، كتاب الطهارة، باب 1: فضل الوضوء، حديث رقم 534 [1] 223.
(2) أخرجه أحمد 4/144، 148؛ وأخرجه أبو داود ص1409، كتاب الجهاد، باب 23: في الرمي، حديث رقم 2513؛ وأخرجه الترمذي ص1820، كتاب فضائل الجهاد، باب 11: ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، حديث رقم 1637؛ وأخرجه النسائي ص2324، كتاب الخيل، باب 8؛ تأديب الرجل فرسه، حديث رقم 3608؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه 2/95، كتاب الجهاد، ومدار إسناد بعضها على خالد بن زيد، قال الحافظ في التقريب: مقبول، وصحح الحاكم حديثه في المستدرك (2/95) ووافقه الذهبي، وقال: صحيح، ومدار بعضها على عبد الله بن زيد الأزرق، قال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب 2/244: مجهول لم يرو عنه إلا أبو سلام.
(3) سبق تخريجه ص18، حاشية رقم 1.
(4) سبق تخريجه ص18، حاشية رقم 2.
(1) سبق تخريجه ص79.
(2) أخرجه البخاري ص264، كتاب بدء الخلق، باب 10: صفة النار وأنها مخلوقة، حديث رقم 3267؛ وأخرجه مسلم ص1195، كتاب الزهد والرقائق، باب 7: من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، حديث رقم 7483 [51] 2989.
(1) سبق تخريجه ص14.


(2) أخرجه البخاري ص567 – 568، كتاب الحدود، باب 19: فضل من ترك الفواحش، حديث رقم 6806؛ وأخرجه مسلم ص840، كتاب الزكاة، باب 30: فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم 2380 [91] 1031.
(3) أخرجه مسلم ص1142، كتاب القدر، باب 8: الإيمان بالقدر والإذعان له، حديث رقم 6774 [34] 2664.
(1) أخرجه أحمد 5/388، حديث رقم 23688؛ وأخرجه أبو داود ص1321، كتاب الصلاة، باب 22: وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، حديث رقم 1319، ومدار الحديث على محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الدؤلي، قال الذهبي: "ما أعلم روى عنه غير عكرمة بن عمار". ميزان الاعتدال (3/595) رقم 7747، وأقره الحافظ في تهذيب التهذيب 9/241، وقال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب: "مجهور"، تفرد بالرواية عنه عكرمة بن عمار اليماني ولم يوثقه أحد 3/272، وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داود بإسناد حسن 3/172.
(2) راجع البخاري ص234، كتاب الجهاد، باب 89: ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب، حديث رقم 2915؛ ومسلماً ص990، كتاب الجهاد، باب 18: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم 4588 [58] 1763؛ والسيرة النبوية لابن هشام 2/196.
(3) أخرجه أحمد 3/128، حديث رقم 12318؛ وأخرجه النسائي ص2307، كتاب عشرة النساء، باب 1: حب النساء، حديث رقم 3391، وقال الألباني في صحيح النسائي: حسن صحيح 3/57، حديث رقم 3949.
(1) أخرجه البخاري ص235، كتاب الجهاد والسير، باب 94: قتال اليهود، حديث رقم 2926؛ وأخرجه مسلم ص1184، كتاب الفتن، باب 18: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، حديث رقم 7339 [82] 2922.


(2) أخرجه أحمد 5/2، حديث رقم 20264؛ وأخرجه الترمذي ص1954، كتاب تفسير القرآن، باب 3: ومن سورة آل عمران، حديث رقم 3001؛ وأخرجه ابن ماجة ص2737، كتاب الزهد، باب 34: صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 4288، وقال الألباني في صحيح الترمذي: حسن 3/32، حديث رقم 2399.
(1) أخرجه البخاري ص221، كتاب الوصايا، باب 11: هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟ حديث رقم 2753؛ وأخرجه مسلم ص716، كتاب الإيمان، باب 89: في قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين...)، حديث رقم 504 [351] 206.
(2) راجع مسلماً ص715، كتاب الإيمان، باب 85: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الناس يشفع في الجنة..."، حديث رقم 483 [330] 196؛ وباب 84: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم 482 [329] 195؛ وفيه: يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة...
(3) قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في شرح العقيدة الواسطية: فهذه قد تستفاد من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم، فإنه من لازم ذلك أن لا يدخل النار كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين..." (2/177 – 178)، وذكر الحافظ ابن حجر أن دليل هذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة عند مسلم: "ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم، رب سلم" (فتح الباري 11/428)؛ مسلم ص715، كتاب الإيمان، باب 84: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم 482 [329] 195.
(4) راجع البخاري ص625 – 626، كتاب التوحيد، باب 36: كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، حديث رقم 7510؛ ومسلماً ص714، كتاب الإيمان، باب 84: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم 479 [326] 193.
(1) أخرجه البخاري ص154، كتاب الصوم، باب 51: من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع...، حديث رقم 1968.


(1) اخرجه البخاري ص219، كتاب الشروط، باب 18: ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار...، حديث رقم 2736؛ وأخرجه مسلم ص1144، كتاب الذكر والدعاء، باب 2: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، حديث رقم 6810 [6] 2677.
(1) البداية والنهاية 10/185.
(1) أخرجه البخاري ص192، كتاب المظالم، باب2: قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين)، حديث رقم 2441؛ وأخرجه مسلم ص1158، كتاب التوبة، باب 8: في سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر من النار، حديث رقم 7015 [52] 2768.
(2) أخرجه البخاري ص6، كتاب الإيمان، باب 37: سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان...، حديث رقم 50؛ وأخرجه مسلم ص681، كتاب الإيمان، باب 1: بيان الإيمان والإسلام...، حديث رقم 93 [1] 8.
(1) راجع البخاري ص350، كتاب المغازي، باب 49: أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، حديث رقم 4281؛ ومسلماً ص803، كتاب صلاة المسافرين، كتاب فضائل القرآن وما يتعلق به، باب 35: ذكر قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورة الفتح يوم فتح مكة، حديث رقم 1854 [238] 794؛ ولم أقف على من أخرجه بلفظ "مطأطئاً رأسه".
(2) أخرجه مسلم ص1147، كتاب الذكر والدعاء، باب 11: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، حديث رقم 6853 [38] 2699.
(3) أخرجه البخاري ص192، كتاب المظالم، باب 3: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، حديث رقم 2442؛ وأخرجه مسلم ص1129، كتاب البر والصلة، باب 15: تحريم الظلم، حديث رقم 6578 [58] 2580.
(1) راجع البخاري ص79، كتاب الاستسقاء، باب 7: الاستسقاء في خطبة الجمعةن حديث رقم 1014؛ وصحيح مسلم ص817 – 818، كتاب صلاة الاستسقاء، باب 2: الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم 2078 [8] 897.
(2) راجع البخاري ص80، كتاب الاستسقاء، وراجع مسلماً ص817، كتاب صلاة الاستسقاء، باب 1: كتاب صلاة الاستسقاء حديث رقم 2072 [3] 894.


(3) راجع البخاري ص19، كتاب الطهارة، باب الوضوء في التور، حديث رقم 200.
(1) راجع البخاري ص181، كتاب الوكالة، باب 11: إذا باع الوكيل شيئاً فاسداً فبيعه مردود، حديث رقم 2312؛ وصحيح مسلم ص945، كتاب المساقاة، باب 18؛ بيع الطعام مثلاً بمثل، حديث رقم 4083 [96] 1594.
(2) انظر ص197 الفائدة الخامسة.
(3) اخرجه البخاري ص67، كتاب الأذان، باب 160: ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث، حديث رقم 855؛ وأخرجه مسلم ص764، كتاب المساجد، باب 17: نهي من أكل ثوماً...، حديث رقم 1253 [73] 564.
(4) أخرجه مسلم ص764 – 765، كتاب المساجد، باب 17: نهي من أكل ثوماً...، حديث رقم 1256 [76] 565.
(5) أخرجه أحمد 1/214، حديث رقم 1839؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، راجع فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد 2/253، باب 339: قول الرجلك ما شاء الله وشئت، حديث رقم 783؛ وأخرجه ابن أبي شيبة 5/340، باب 231: في الرجل يقول: ما شاء الله وشاء فلان، حديث رقم 26282، قال الألباني في السلسلة الصحيحة: فالإسناد حسن 1/217، حديث رقم 139، وقال في صحيح الأدب المفرد: صحيح ص292.
(1) أخرجه البخاري ص315، كتاب مناقب الأنصارن باب 40: قصة أبي طالب، حديث 3883؛ وأخرجه مسلم ص717، كتاب الإيمان، باب 90: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، حديث رقم 510 [357] 209.
(1) أخرجه البخاري ص294، كتاب المناقب، باب 25: علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم 3615؛ وأخرجه مسلم ص1199، كتاب الزهد، باب 19: في حديث الهجرة ويقال له حديث الرجل، حديث رقم 7521 [75] 2009.
(1) قال ابن القيم: [رواه أبو عبد الله ابن بطة: "حدثنا أحمد بن سلام حدثنا الحسن بن صباح حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو"، وهذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي]. أهـ. إغاثة اللهفان 1/513؛ عون المعبود مع شرح ابن القيم 9/340.


(1) أخرجه البخاري ص590 – 591، كتاب الفتن، باب 9: تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، حديث رقم 7081؛ وأخرجه مسلم ص1177 – 1178، كتاب الفتن، باب 3: نزول الفتن كمواقع القطر، حديث رقم 7249 [12] 2886.
(2) أخرجه البخاري ص5، كتاب الإيمان، باب 29: الدين يسر، حديث رقم 39.
(1) أخرجه البخاري ص509، كتاب الأدب، باب 31؛ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، حديث رقم 6018؛ وأخرجه مسلم ص688، كتاب الإيمان، باب 19: الحث على إكرام الجار...، حديث رقم 173 [74] 47.
(1) أخرجه أحمد 5/330، حديث رقم 23183؛ وأخرجه البخاري ص232، كتاب الجهاد والسير، باب 73: فضل رباط يوم في سبيل الله، حديث رقم 2892.
(1) اخرجه البخاري ص263، كتاب بدء الخلق، باب 8: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث رقم 2344؛ وأخرجه مسلم ص1169، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب 1: صفة الجنة، حديث رقم 7130 [2] 2824.
(1) سبق تخريجه ص90.
(2) سبق تخريجه ص91.
(3) أخرجه البخاري ص201 – 202، كتاب المكاتب، باب 3: استعانة المكاتب وسؤاله الناس، حديث رقم 2563؛ وأخرجه مسلم ص937، كتاب العتق، باب 1: ذكر سعاية العبد، حديث رقم 3779 [8] 1504.
(1) سبق تخريجه ص255.
(1) أخرجه البخاري ص12، كتاب العلم، باب 37: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، حديث رقم 104؛ وأخرجه مسلم ص903 – 904، كتاب الحج، باب 82: تحريم مكة وتحريم صيدها وخلاها...، حديث رقم 3304 [446] 1354.
(2) أخرجه البخاري ص257، كتاب الجزية والموادعة، باب 17: إثم من عاهد ثم غدر، حديث رقم 3179؛ وأخرجه مسلم ص905، كتاب الحج، باب 85: فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة...، حديث رقم 3327 [467] 1370.


(3) اخرجه أبو داود ص1428، كتاب الجهاد، باب 147: في السرية ترد على أهل العسكر، حديث رقم 2751؛ وأخرجه ابن ماجه ص2638، كتاب الديات، باب 31: المسلمون تتكافأ دماؤهم، حديث رقم 2685، قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح 2/170.
(1) ص249.
(2) سبق تخريجه ص258.
(1) أخرجه أحمد 5/218، حديث رقم 22242؛ وأخرجه الترمذي ص1871، كتاب الفتن، باب 18: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، حديث رقم 2180؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه 8/248، باب: ذكر الأخبار عن اتباع هذه الأمة سنن من قبلهم من الأمم، حديث رقم 6667، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح 2/235، حديث رقم 1771.
(2) أخرجه البخاري ص38، كتاب الصلاة، باب 68: الشعر في المسجد، حديث رقم 453؛ وأخرجه مسلم ص1114 – 1115، كتاب فضائل الصحابة، باب 34: فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، حديث رقم 6384 [151] 2485.
(1) أخرجه البخاري معلقاً ص322، كتاب المغازي، باب 84: مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته...، حديث رقم 4428؛ وأخرجه الحاكم موصولاً 3/58، كتاب المغازي، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي؛ وأخرجه أبو داود ص1554، كتاب الديات، باب 6: فيمن سقى رجلاً سماً أو اطعمه فمات، حديث رقم 4512، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح 3/91.
(1) سبق تخريجه ص282.
(1) أخرجه البخاري ص333، كتاب المغازي، باب 22: (ليس لك من الأمر شيء)، حديث رقم 4069.
(2) أخرجه البخاري ص109، كتاب الجنائز، باب 97: ما ينهى من سب الأموات، حديث رقم 1393.
(3) أخرجه البخاري ص88، كتاب التهجد، باب 6: قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل، حديث رقم 1130؛ وأخرجه مسلم ص1169، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب 18: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث رقم 7124 [79] 2819.
(1) أخرجه مسلم ص800، كتاب صلاة المسافرين، باب 26: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودائه بالليل، حديث رقم 1812 [201] 771.


(1) سبق تخريجه ص304.
(1) سبق تخريجه ص163.
(1) أخرجه أحمد 5/40، حديث رقم 20686؛ وأخرجه الترمذي ص1886، كتاب الزهد، باب 22: أي الناس خير وأيهم شر، حديث رقم 2330؛ مدار الحديث على عليّ بن زيد، قال الحافظ في التقريب: ضعيف، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح بما قبله 2/271، حديث رقم 1899.
(1) أخرجه مسلم ص709، كتاب الإيمان، باب 79: في قوله عليه السلام: "إن الله لا ينام"...، حديث رقم 442 [293] 179.
(1) راجع صحيح مسلم ص800، كتاب صلاة المسافرين، باب: 26: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه، حديث رقم 1811 [200] 770.
(1) أخرجه البخاري ص545، كتاب الرقاق، باب 38: التواضع، حديث رقم 6502.
(1) سبق تخريجه ص45.
(1) سبق تخريجه ص45.
(2) أخرجه البخاري ص193، كتاب المظالم، باب 17: إذا خاصم فجر، حديث رقم 2459؛ وأخرجه مسلم ص690، كتاب الإيمان، باب 25: خصال المنافق، حديث رقم 210 [106] 58.
(1) أخرجه البخاري ص445، كتاب النكاح، باب 48: الخطبة، حديث رقم 5146؛ وأخرجه مسلم ص813، كتاب الجمعة، باب 13: تخفيف الصلاة والخطبة، حديث رقم 2009 [47] 869.
(1) راجع البخاري ص492، كتاب الطب، باب 50: السحر، حديث رقم 5766؛ وصحيح مسلم ص1066 – 1067، كتاب السلام، باب 17: السحر، حديث رقم 5703 [43] 2189.
(2) أخرجه مسلم ص1168، كتاب صفات المنافقين، باب 16: تحريش الشيطان...، حديث رقم 7106 [67] 2813.
(1) أخرجه مسلم ص1127، كتاب البر والصلة، باب 10: تحريم ظلم المسلم وخذله...، حديث رقم 6541 [32] 2564.
(1) سبق تخريجه ص258.


(2) أخرجه ابن أبي حاتم في كتاب التفسير 1/196، تحقيق أسعد أحمد الطيب، وسنده: قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك ثنا مسعر ثنا معن وأبو عون أو أحدهما أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود...، ونعيم بن حماد قال الحافظ فيه: صدوق يخطئ كثيراً، وقد تتبع ابن عدي ما أخطأه فيه وقال: أرجو أن يكون باقي حديثه مستقيماً، الكامل لابن عدي 8/251 – 256، ولم يذكر ابن عدي هذا الأثرن ومعن هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ت. التهذيب، وأبو عون، كما في التهذيب هو أبو عون الثقفي محمد بن عبيد الله الأعور؛ وكلاهما ثقة، لكن معن بن عبد الرحمن لم يدرك عبد اله بن مسعود، لأن الحافظ عده من الطبقة السابعة، وأما أبو عون فإنه مات سنة 110 هجرياً، وعبد الله بن مسعود مات سنة 33هـ، ت. التهذيب [9/285، 6/25]، فيبعد أن يكون قد أدرك ابن مسعود، فيكون حديث معن وأبي عون عن ابن مسعود مرسلاً.
(1) أخرجه أحمد 1/293، حديث رقم 2669؛ وأخرجه الترمذي ص1904 – 1905، كتاب صفة القيامة، باب 59: حديث حنظلة، حديث رقم 2516، وفي سنده قيس بن الحجاج، قال الحافظ في التقريب: صدوق، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح 2/308 – 309، حديث رقم 2043.
(1) أخرجه البخاري ص29، كتاب التيمم، باب 1، حديث رقم 335، وأخرجه مسلم ص759، كتاب المساجد مواضع الصلاة، باب 1: المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم 1162 [2] 520.
(1) أخرجه أبو داود ص1290، كتاب الصلاة، باب 158: الفتح على الإمام في الصلاة، حديث رقم 907، أ، قال الألباني في صحيح أبي داود، حسن، 1/254.
(1) أخرجه مسلم ص901، كتاب الحج، باب 73: فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم 3257 [412] 1337.


(2) أخرجه البخاري ص607، كتاب الاعتصام، باب 3: ما يكره من كثرة السؤال، حديث رقم 7289، وأخرجه مسلم ص1092 – 1093، كتاب الفضائلن باب 37: توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله...، حديث رقم 6116 [132] 2358.
(1) أخرجه أحمد 2/50، حديث رقم 5114، وأخرجه أبو داود ص1518، كتاب اللباس، باب 4: في لبس الشهرة، حديث رقم 4031، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنفن كتاب السير، باب 79: ما قالوا فيما ذكر من الرماح واتخاذها، حديث رقم 33006، قال الحافظ في الفتح 10/271: أخرجه أبو داود بسند حسن؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح 2/504، وقال في الإرواء: صحيح 5/109، حديث رقم 1269.
(1) كما في سنن أبي داود في الصلاة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه"، من حديث أنس بن حكيم حديث رقم (864). والترمذي باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة حديث رقم (413)، والنسائي في الصلاة. باب المحاسبة على الصلاة.
(2) اخرجه البخاري، 111، كتاب الزكاة، باب 10: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، حديث رقم 1417، وأخرجه مسلم ص838، كتاب الزكاة، باب 20: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة...، حديث رقم 2348 [67] 1016.
(1) أخرجه مسلم ص753، كتاب الإيمان، باب 70: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس...، حديث رقم 386 []240 153.


(2) أخرجه أحمد 4/124، حديث رقم 17253، وأخرجه الترمذي ص1899، كتاب صفة القيامة، باب 25: حديث الكيس من دان نفسه...، حديث رقم 2459؛ وأخرجه ابن ماجة ص2735، كتاب الزهد، باب 31: ذكر الموت والاستعداد له، حديث رقم 4260، وأخرجه الحاكم في مستدركه 1/57 4/251؛ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد؛ وقال الذهبي في ذيل المستدرك (1/57): أبو بكر واه، وقال في ذيل المستدرك 4/251: "صحيح" هـ؛ وقال الألباني: "ضعيف" (ضعيف ابن ماجة ص349، حديث رقم 930)، فمدار الحديث على أبي بكر بن أبي مريم، قال الحافظ في التقريب: "ضعيف" تحرير التقريب 4/158.
(1) أخرجه البخاري ص66، كتاب الأذان، باب 149: الدعاء قبل السلام، حديث رقم 834، وأخرجه مسلم ص1148، كتاب الذكر والدعوات، باب 14: الدعوات والتعوذ، حديث رقم 6869 [48] 2705.
(1) انظر: ص276.
(2) أخرجه مسلم ص1129، كتاب البر والصلة، باب 15: تحريم الظلم، حديث رقم 6572 [55] 2577.