جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين

ص -15-     المبحث الأول جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
المطلب الأول : أبو بكر وعهده :

هو عبد الله بن عثمان (أبي قحافة) بن عامر بن كعب التيمي القرشي،أبو بكر الصديق، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أول الخلفاء الراشدين ، ولد بمكة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر، وبها نشأ، وهو أول من أسلم من الرجال ، وأول من صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان سباقاً إلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فمن ثم لقب بالصديق، وهو مزامل النبي في هجرته، وضحى بنفسه وماله في الهجرة، وهو أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بإجماع أهل السنة، وقد نزل فيه قرآن كثير1 ، ونشأ سيداً من سادات قريش،وغنياً من كبار أثريائهم وعالماً بأنساب القبائل وأخبارها وسياستها، له في عصر النبوة مواقف مشرقة وجليلة ، وهو صاحب المواقف البطولية يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي قضية أهل الردة والمتنبئين، ففي عهده قضي على المرتدين، وقتل مسيلمة الكذاب، وفتحت اليمامة،وهو الذي نفذ جيش أسامة2
ويمتد عهد خلافته من عام 11 –13هـ،لمدة سنتين وبضعة أشهر، حيث بويع بالخلافة قبل دفن جثمان الرسول صلى الله عليه وسلم وتوفي رضي الله عنه بالمدينة في شهر جمادي الآخرة سنة 13هـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تاريخ الخلفاء ، ص: 48 .
2 تاريخ الخلفاء للسيوطي ، ص: 31،44،73 .

 

ص -16-     وفيه قال حسان بن ثابت رضي الله عنه 1:

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة  فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها     إلا النبي وأوفاها بما حملا

والثاني التالي المحمود مشهده    وأول الناس منهم صدق الرسلا(2)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 طبقات ابن سعد : 3/125، التهذيب: 5/315، التقريب: 1/432، غاية النهاية: 1/431، شذرات الذهب: 1/24، الأعلام : 4/102.
2 تاريخ الخلفاء، ص: 33 .
 

المطلب الثاني : بواعث الجمع وأسبابه:
بعد تولي أبي بكر رضي الله عنه إمارة المسلمين واجهته أحداث جسيمة، خصوصاً ما كان من قبل أهل الردة، وما دار بعد ذلك من حروب طاحنة ومعارك عنيفة، خصوصاً ما كان في موقعة اليمامة3، حيث استشهد فيها عدد كبير من الصحابة، منهم أكثر من سبعين من قراء الصحابة، فاشتد ذلك على الصحابة، ولا سيما على عمر رضي الله عنه فاقترح على أبي بكر رضي الله عنه أن يجمع القرآن، خشية ضياعه بموت الحفاظ وقتل القراء، فتردد أبو بكر لأول الأمر ثم شرح الله صدره لما شرح له صدر عمر رضي الله عنه، فكان هو أول من جمع القرآن بين اللوحين4، وكان أحد الذين حفظوا القرآن كله5.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 قال الحموي: بين اليمامة والبحرين عشرة أيام، وهي معدودة من نجد وقاعدتها حجر، وتسمى اليمامة جواً والعَروض – بفتح العين، وكان اسمها قديماً: جوّا ، فسميت اليمامة باليمامة بنت سهم بن طسم، (معجم البلدان:5/442)، أما غزوة اليمامة فكانت سنة 12هـ (شذرات الذهب :1/23) قتل فيها عدو الله مسيلمة الكذاب، وآلاف من جنده وأعوانه، وفتحت على يد خالد بن الوليد صلحاً ، واستشهد فيها أكثر من سبعمائة من كبار المهاجرين والأنصار. (الكامل لابن الأثير :2/243) وما بعدها)، وقيل: 1200مقاتل (الشذرات :1/23)، وانظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ، ص 76 .
4) راجع كتاب المصاحف لابن أبي داود : 1/165.
5 تاريخ الخلفاء ، ص: 44 ، نقلاً عن ابن كثير في تفسيره ، والنووي في التهذيب.

 

ص -17-     ويتضح ذلك من الحديث الصحيح الذي روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وكان من كتاب الوحي ، وقال فيه:
" أَرْسَلَ إِلِيَّ أَبُوبكرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامةِ وعندهُ عُمرُ فقالَ أبو بكرٍ إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحرَّ1 يوم اليمامةِ بالنّاس وإِنِّي أخشَى أن يستَحرَّ القَتْلُ بالقرّاءِ في المواطن فيذْهبَ كثيرٌ من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمعَ القرآن. قال أبو بكر قلتُ لعمرَ كيفَ أفعلُ شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمرُ: هو واللهِ خيرٌ فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت وعمر عنده جالسٌ لا يتكلم فقال أبو بكر إنك رجلٌ شابٌ عاقلٌ ولا نتهمك كنتَ تكتبُ الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فو الله لو كلفني نقل جبلٍ من الجبال ما كانَ أثقلَ عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلتُ كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر هو والله خيرٌ فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرحَ الله له صدر أبي بكرٍ وعمر فقمتُ فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسُبِ وصدور الرجال حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحدٍ غيره
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} (التوبة: 128،129) إلى آخرهما وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله ثم عند عمر حتى توفّاه الله ثم عند حفصة بنت عمر2".
وعلى هذا ، فقد بدأ جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه سنة 12هـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي اشتد.
2 البخاري ، التفسير: 4311، فضائل القرآن :4603،الأحكام :6654، الترمذي ، التفسير: 3028، أحمد، مسند العشرة :72، جمال القراء: 1/86، وانظر: تخريجه مستوفىً في كتاب المصاحف لابن أبي داود: 1/169-179، وراجع المقنع للداني :2-3.

 

ص -18-     المطلب الثالث : المكلف بالجمع :
ذكر أبو بكر بن أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال : لما استحر القتل بالقراء يومئذ فَرِقَ أبو بكر على القرآن أن يضيع ، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه1.
ويبدو من هذا الأثر أن المكلف بجمع المصاحف في عهد أبي بكر اثنان، وهما: عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت .
غير أن جمهور العلماء على أن المكلف بالجمع هو زيد بن ثابت وحده، أما عمر رضي الله عنه فلم يثبت أنه كان مكلفاً بالجمع، والأثر المذكور سابقاً منقطع، فلا يحتج به، وإن سُلّم فيكون المراد: الإشراف على الجمع، والنظر في الشهادة والكتابة.
وزيد هذا، هو :
ابن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي ، ولد في المدينة ، ونشأ بمكة، وقتل أبوه وهو ابن ست سنين، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن (11) سنة، تعلم السريانية في سبعة عشر يوماً2 ، وحفظ القرآن الكريم كله عن ظهر قلب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان من كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم مشهوراً بالصدق والأمانة، وتفقه في الدين حتى أصبح رأساً بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض على عهد عمر وعثمان وعلي رضي الله عنه ، وكان يعد من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كتاب المصاحف : 1/168-169 ، إسناده منقطع ، لأن عروة لم يلق أبا بكر.
2 انظر: كتاب المصاحف لابن أبي داود : 1/156، ت: د/ محب الدين واعظ.

 

ص -19-     الراسخين في العلم، توفي سنة 45هـ ، ولما توفي رثاه حسان بن ثابت، وقال أبو هريرة: اليوم مات حبر هذه الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً1.
لقد اختاره أبو بكر رضي الله عنه لهذه المهمة العظيمة والخطب الجسيم لما تفرس فيه من الأمانة ورجاحة العقل وقربه من الرسول صلى الله عليه وسلم واعتماده صلى الله عليه وسلم عليه.
يقول العلامة الزرقاني2 في ذلك:
" اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن ، ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته صلى الله عليه وسلم وكان فوق ذلك معروفاً بخصوبة عقله، وشدة ورعه،وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه3.
وقال: ويؤيد ورعه ودينه وأمانته قوله ( فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن) 4.
ويشهد بوفرة عقله تردده وتوقفه أول الأمر ومناقشته لأبي بكر حتى راجعه أبو بكر وأقنعه بوجه الصواب.
وينطق بدقة تحريه قوله:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تذكرة الحفاظ: 1/29، تهذيب التهذيب: 3/399، غاية النهاية :1/296، الإصابة :1/561، طبقات ابن سعد :2/273، الأعلام :3/57.
2 محمد بن عبد العظيم الزرقاني ، علم بارز من أعلام الأزهر ، تخرج بهاء ودرس فيها، وتأليفه: مناهل العرفان خير دليل على طول باعه، وعلوم مكانته في علوم القرآن، توفي بالقاهرة سنة :1367هـ، الأعلام :6/210.
3 مناهل العرفان :1/250 ، وراجع الفتح :9/13، والمقنع : 124.
4 البخاري، فضائل القرآن : 4603، الترمذي، التفسير: 3028، أحمد ،مسند العشرة المبشرين بالجنة:72، ومسند النصار :20657.

 

ص -20-     ( فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ) 1

المطلب الرابع: كيفية الجمع :
استثقل زيد بن ثابت المهمة، إلا أنه حينما شرح الله له صدره باشر بها، وبدأ بجمع القرآن بوضع خطة أساسية للتنفيذ، اعتماداً على مصدرين هامين ، وهما:
(1)ما كتب أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وبإملاء منه، وكان زيد نفسه من كتاب الوحي.
(2) ما كان محفوظاً لدى الصحابة، و كان هو من حفاظه في حياته صلى الله عليه وسلم. وكان لا يقبل شيئاً من المكتوب، حتى يتيقن أنه:
أ-مما كتب بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك بشهادة شاهدين عدلين2.
ب-وأنه مما ثبت في العرضة الأخيرة، ولم تنسخ تلاوته.
يدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان3.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: فضائل القرآن: 4603.
2 الإتقان: 1/58.
3 كتاب المصاحف :1/181-182، وعنه السيوطي في الدرر المنثور: 4/332، وابن حجر في الفتح: 9/15، وانظر فضائل القرآن لابن كثير (27)، والإتقان : 1/166.

 

ص -21-     كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي داود أيضاً، ولكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر وزيد:"اقعدا على باب المسجد ، فمن جاء كما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه1".
قال الحافظ ابن حجر2 ( المراد بالشاهدين : الحفظ والكتابة ) 3.
وقد ذهب العلامة السخاوي4 إلى أن المراد بشاهدين :
رجلان عدلان يشهدان على أنه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أنه من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن5.
وقال أبو شامة6 : وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، لا من مجرد الحفظ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كتاب المصاحف 1/169، وانظر جمال القراء 1/86، والفتح 9/14، واللطائف 1/56، وكنز العمال 2/573، والمرشد الوجيز: 55.
2 أحمد بن علي بن محمد، المعروف بابن حجر العسقلاني، فلسطيني الأصل، من أعلام الحديث والتاريخ، مولده ووفاته بالقاهرة، ولد سنة: 773هـ، وتوفي سنة 852هـ، كثير التصانيف، من أشهرها: فتح الباري شرح صحيح البخاري ، نخبة الفكر ، تهذيب التهذيب ، وتقريبه، لسان الميزان ، الإصابة ، بلوغ المرام ،
(البدر الطالع: 1/87، الأعلام :1/178-179).
3 الفتح :9/14.
4 علي بن محمد بن عبد الصمد، علم الدين أبو الحسن السخاوي، ولد في سخا بمصر سنة 558هـ، أو 559ه، من أبرز تلامذة الإمام الشاطبي، وأول من شرح قصيدته باسم :فتح الوصيد في شرح القصيد، ومن مؤلفاته: جمال القراء، هداية المرتاب، الوسيلة إلى شرح العقيلة، توفي في دمشق سنة:643هـ، (معرفة القراء الكبار: 2/631، غاية النهاية: 1/568، شذرات الذهب: 5/222، الأعلام :4/332).
5 انظر: جمال القراء: 1/86.
6 عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم أبو القاسم المقدسي الدمشقي، فلسطيني الأصل، المعروف بأبي شامة، لقب به لشامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر، من أعلام القراء ومن أبرز تلامذة علم الدين السخاوي،ولد بدمشق سنة:599هـ، من أشهر مؤلفاته: إبراز المعاني من حرز الأماني ،المرشد الوجيز ،قتل في: 665هـ،المعرفة:2/673، الغاية :1/365، الأعلام:3/299.

 

ص -22-     ولم يعتمد زيد على الحفظ وحده، ولذلك قال في الحديث الذي أوردناه عن البخاري سابقاً، إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة، أي: لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أن زيداً كان يحفظها، وكان كثير من الصحابة يحفظونها كذلك، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادة في التوثق، ومبالغة في الاحتياط.
وعلى هذا الدستور الرشيد تم جمع القرآن في صحف بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وأجمعت الأمة على ذلك دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف ، ولعمر في الاقتراح ، ولزيد في التنفيذ، والصحابة في المعاونة والإقرار.
قال علي كرم الله وجه : " أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر ، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع بين اللوحين1".
وقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بما تستحق من عناية فائقة، فحفظها أبو بكر عنده مدة حياته، ثم حفظها عمر بعده حتى شهادته، ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة والدها، حتى طلبها منها عثمان رضي الله عنه ليستنسخ منها مصاحفه اعتماداً عليها، ثم ردها إليها إيفاء بالعهد الذي أعطاها إياه، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم2 حينما ولي المدينة فأبت، ثم لما توفيت رضي الله عنها سنة 45هـ، حضر مروان جنازتها،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كتاب المصاحف:1/166، وانظر المصنف لابن أبي شيبة: 6/168، والمسند لأحمد :1/230 ، 354.
2 مروان بن الحكم بن أبي العاص ،أو عبد الملك ، خليفة أموي، إليه ينسب بنو مروان ،ولد بمكة في 2ه ، ونشأ بالطائف ،وسكن المدينة ، من خواص عثمان رضي الله عنه وكاتب سر له، ولسببه جرى لعثمان ما جرى له، قاتل في وقعة الجمل قتالاً شديداً، وشهد صفين مع معاوية ، وتولى المدينة في أيامه، وأخرجه منها ابن الزبير فسكن الشام، وبها توفي في طاعون سنة :65هـ، تهذيب التهذيب: 10/91، الأعلام :7/207.

 

ص -23-     ثم طلب من أخيها عبد الله بن عمر رضي الله عنه فبعث بها إليه فأخذها مروان وأمر بإحراقها 1.
يقول الإمام أبو عمرو الداني في جمع القرآن في العهد الصديقي:

وذاك بعد محنة وشدة    جرت على الصحب من أهل الردة

واستشهد القرأة الأكابر  يومئذ هناك والمشاهر

ووصل الأمر إلى الصديق  فحمد الله على التوفيق

وقال عند ذلك الفاروق    مقالة أيدها التوفيق

إني أرى القتل قد استحرا    بحاملي القرآن واستمرا

وربما قد دار مثل ذاكا     عليهم فعدموا بذاكا

فاستدرك الأمر وما قد كانا   واعمل على أن تجمع القرآنا

وراجعَ الصديقَ غير مره   فشرح الله لذاك صدره

فقال لابن ثابت إذ ذاكا    إني لهذا الأمر قد أراكا

قد كنت بالغداة والعشي     تكتب وحي الله للنبي

فأنت عندنا من السُّبَّاق  فاجمع كتاب الله في الأوراق

ففعل الذي به قد أمره    معتمدا على الذي قد ذكره

وجمع القرآن في الصحائف   ولم يميز أحرف التخالف

بل رسم السبع من اللغات   وكل ما صح من القرات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كتاب المصاحف :1/177، 1/179، وراجع جمال القراء: 1/88، مناهل العرفان :1/252، وانظر الفتح: 9/16، 20 .

 

ص -24-    فكانت الصحف في حياته  عند أبي بكر إلى مماته

ثُمَّتَ عند عمر الفاروق  حين انقضت خلافة الصديق

ثمت صارت بعدُ عند حفصه    لما توفي كما في القصة1

مزايا هذه الصحف :
وامتازت هذه الصحف بميزات مهمة ، منها:
أولاً: جمع فيها القرآن الكريم على أدق وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبت العلمي.
ثانياً: اقتصر فيها على ما تنسخ تلاوته.
ثالثاً: ظفرت بإجماع الصحابة رضي الله عنهم عليها، وعلى تواتر ما فيها.
رابعاً: كان هذا الجمع شاملاً للأحرف السبعة التي بها نزل القرآن تيسيرا على الأمة الإسلامية2.
أما ما ورد في بعض الروايات3 بأن علياً   رضي الله عنه أول من جمع القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي – على وهنها وضعفها – تثبت أن علياً أو بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف ، وهي مصاحف فردية، ليست لها تلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المنبهة ، الأبيات : 162 –178 .
2 راجع منجد المقرئين : 22، ومناهل العرفان : 1/254.
3 كتاب المصاحف :1/180، وقال ابن أبي داود : لم يذكر المصحف أحد إلا أشعث، وهو لين الحديث ، وإنما رووا : حتى أجمع القرآن ، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن : قد جمع القرآن ، وهو بذلك نفى أن يكون علي رضي الله عنه قد جمع القرآن ، وقد صرح ابن حجر بضعف هذه الرواية لانقطاع سندها، وعلى تقدير ثبوتها أولها بأن المراد بالجمع: حفظه في الصدر، على ما ذهب إليه مؤلف كتاب المصاحف ، انظر الفتح: 9/12-13، والإتقان : 1/164.

 

ص -25-     الثقة ولم تنل حظها من الدقة والتحري، والجمع والترتيب، والاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، والمزايا التي ذكرناها سابقاً، ولم يحجر أبو بكر على أحد جمع وكتابة مصحف لنفسه، فكتابة القرآن أمر مسموح لجميع المسلمين، وكان الصحابة يكتبونه لأنفسهم، منهم أبي بن كعب1 ، وابن مسعود… وغيرهما من الصحابة ، وإذا كان بعض المصاحف قد سبق في الوجود على صحف أبي بكر فإن جمع أبي بكر هو الأول من نوعه على كل حال2.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإتقان : 1/72.
2 راجع مناهل العرفان : 1/254 –255.

المطلب الخامس: وسائل الجمع :
لم تكن وسائل الكتابة وأدواتها متوفرة وميسرة في عصر الصحابة وما قبله، فكان الناس يستخدمون لتسجيل أفكارهم وأشعارهم ومعاهداتهم ووثائقهم وسائل مختلفة من الأحجار والجلود والعظام والأخشاب وما إلى ذلك من الأشياء المتوفرة لديهم، وذلك لندرة الورق ، وهذه الوسائل نفسها هي التي استخدمها الصحابة لكتابة الوحي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فمما ورد ذكره في روايات مختلفة نستطيع أن نعرف بها تلك الوسائل ، وهي كالآتي:
العسب، اللخاف، الرقاع، الأضلاع، الأكتاف، قطع الأديم، القضم، الظرر، القراطيس،الصحف، الكرانيف.
هذه الأشياء هي التي ورد ذكرها في كتابة القرآن الكريم في عهد الصحابة رضي الله عنهم وقد حاولت استقصاءها مما يتوفر لدي من مراجع – وفيما يلي نعرف كل ما ذكر من ذلك:

 

ص -26-     (العسب) : جمع عسيب ، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخُوصَ ويكتبون في الطرف العريض منه1.
(اللخاف): بكسر اللام وبخاء معجمه خفيفة ، آخره فاء، جمع: (لَخْفَةٍ) بفتح اللام وسكون الخاء: وهي الحجارة الرقاق، وقال الخطابي: صفائح الحجارة2.
(الرقاع) : جمع رُقْعَة ، وهي التي تكتب3 ، قال العلامة الجزائري4 : وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد5 .
(الأضلاع) : جمع ضلع، بكسر الضاد وفتح اللام (على لغة أهل الحجاز) وبإسكانها (على لغة تميم)، وهي عظام الجنبين6.
(الأكتاف) : جمع كَتِف ، والكَتِف والكِتْف مثل كَذِب وكِذْب: عظم عريض خلف المنكِب ، يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب ، وهو ما فوق العضد ، كانوا إذا جفّ كتبوا عليه7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 راجع اللسان، مادة (عسب): 1/598، وفي النهاية لابن الأثير : (3/234): هي السَّعفة مما لا ينبت عليه الخوص، وانظر: القاموس المحيط ، ص: 147.
2 كتاب المصاحف لابن أبي داود :1/170، الإتقان:1/186، القاموس المحيط:1102.
3 اللسان : مادة (رقع)، القاموس :933.
4 طاهر بن صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني، جزائري الأصل ، دمشقي المولد والمدفن، من أكابر علماء اللغة والأدب، كان شغوفاً بجمع واقتناء المخطوطات ، ساعد على إنشاء دار الكتب الظاهرية بدمشق، والمكتبة الخالدية في القدس، كان يجيد أكثر اللغات الشرقية كالعبرية والسريانية والحبشية والتركية والفارسية، له نحو عشرين مؤلفاً،ولد في 1268هـ،وتوفي سنة :1338هـ،مقدمة كتابه: التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن لمحققه/ الشيح عبد الفتاح أبو غدة ، الأعلام :221-222.
5 التبيان ، هامش ص: 101 .
6 المصباح المنير، ص:138.
7 اللسان: مادة، (كتف ).

 

ص -27-     (الأقتاب) : جمع قَتَب ،وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه، وفي اللسان: والقِتب والقَتَب :إِكاف البعير.. وقيل: هو الإكاف الصغير الذي على قدر سنام البعير، وفي الصحاح : رَحل صغير على قدر السنام1.
(قطع الأديم) : الأديم: الجلد المدبوغ و الجمع: أدم بفتحتين2.
(القضم):جمع : قضيم ، وهو الجلد الأبيض يكتب فيه، وقيل هي الصحيفة البيضاء، قال ابن منظور: وفي حديث الزهري :قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن في العسب والقضم، هي الجلود البيض، واحدها قضيم، ويجمع أيضاً على قَضَم بفتحتين، كأدم وأديم…، عن اللحياني، قال: وجمعها: قُضُم كصحيفة وصحف،… قال الأزهري : القضيم هنا الرق الأبيض الذي يكتب فيه3.
(الظرر) : حجر له حد كحد السكين، جمع: ظِرار، مثل: رُطب ورِطاب، ورُبع ورِباع ، وظِرَّان أيضاً مثل: صُرر وصِردان4 .
(القراطيس) : جمع قرطاس ، مثلثة القاف، وهي الصحيفة الثابتة – من أي شيء كانت – التي يكتب فيها، أو الكاغد، ويقال للأديم الذي ينصب للنضال: قرطاس كذلك5.
وقد وردت الكلمة في سورة الأنعام بالإفراد والجمع في قوله تعالى :
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} (الأنعام : 7).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المرجع السابق ، والقاموس: 157.
2 المصباح المنير ، ص :4، القاموس: 1389.
3 اللسان، مادة (قضم) : 12/488، القاموس:1485.
4 الوجيز للقرطبي ، ص:163 ، وانظر القاموس : 556.
5 اللسان ، مادة (قرطس)، القاموس : 729.

 

ص -28-     وفي قوله تعالى: تجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا}الأنعام :91).
ونقل العلامة السيوطي1 رواية موطأ ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال : جمع أبو بكر القرآن في قراطيس2 .
(الألواح) : مفرده: اللوح، وهو : كل صحيفة عريضة من خشب أو عظم كتف إذا كتب عليه3.
(الصحف) : جمع صحيفة ، وهي قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه، والجمع: صحف بضمتين وصحائف،مثل : كريم وكرائم4.
(الكرانيف) : جمع كُرْنَافَة، بالضم والكسر، وهي أصول الكَرَب – السعف الغلاظ العراض- تبقى في الجذع بعد قطع السعف5.
هذا، وقد وقع في مغازي موسى بن عقبة6 –كما نقل عنه السيوطي – عن ابن شهاب قال: لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر وخاف أن يذهب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، جلال الدين أبو الفضل الخضيري السيوطي، إمام حافظ مؤرخ أديب، له نحو 600 مصنف، ولد في 849هـ، ونشأ بالقاهر ة يتيماً، بقي معتزلاً عن الناس إلى أن مات سنة: 911هـ، من أشهر مؤلفاته: الدر المنثور، الإتقان ، شذرات الذهب :8/51، حسن المحاضرة : 1/188، الأعلام:3/302.
2 الإتقان : 1/186.
3 المصباح المنير ، ص : 214، القاموس: 307.
4 المصباح المنير، ص: 127 ، وراجع القاموس :1068.
5 المصباح المنير: 202، القاموس :1096-1097.
6 موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي بالولاء ، أبو محمد ، مولى آل الزبير  عالم بالسيرة والمغازي، محدث ثقة ، ولد بالمدينة ، وبها توفي سنة 141هـ قال الإمام أحمد: عليكم بمغازي ابن عقبة فإنه ثقة، تهذيب التهذيب: 10/360، الأعلام :7/325.

 

ص -29-     من القرآن طائفة ، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم حتى جُمِعَ على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في الصحف1.
فهذه الرواية، وما نقلنا قبلها من موطأ ابن وهب تثبت بأن وسائل الكتابة المذكورة سابقاً هي ما كتب عليها القرآن الكريم قبل عهد أبي بكر رضي الله عنه، أما في عهده   رضي الله عنه فقد كتب المصحف كله في الورق.
وقد أيد ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال : " إنما كان في الأديم والعسب أولاً، قبل أن يجمع في عهد أبي بكر ، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر ، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة2.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإتقان : 1/186، وراجع الإتقان في المباحث المتعلقة بالقرآن ص: 102.
2 الفتح: 9/13،وراجع الإتقان : 1/186-187.

 

ص -30-     المطلب السادس : نتائج الجمع وفوائده :
كان من نتائج الجمع في العهد الصديقي:
* أن سجل كامل القرآن الكريم وقيد بالكتابة.
* زال الخوف من ضياعه بوفاة حملته وقرائه.
* حفظ كله في موضع واحد، بعد ما كان مبعثراً في أماكن متفرقة.
* أجمع الصحابة كلهم على ما سجل فيه.
* أصبح بمنزلة وثيقة وسجل يرجع إليه وقت الضرورة.
* زالت شبهة بدعة الجمع من أذهان كثير من الصحابة.