[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

عقيدة التوحيد في القرآن الكريم

الفصل الثالث: مميزات طريقة القرآن الكريم
تمهيد
إنني أعترف بالعجز والتقصير في بحثي لمميزات طريقة القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم كلام الله، وفيه من نواحي الإعجاز وأساليب المخاطبة والدعوة لتوحيد الله والرد على المشركين ما يكون مثلي عاجزًا عن الخوض في هذا البحث وإيفائه حقه، وخاصة أن الكتابة فيه قليلة جدًّا.
وعملي في هذا الفصل هو الإشارة إلى سمات بارزة في طريقة القرآن الكريم وهو يخاطب المشركين وسائر أصناف الكفرة لردهم عن كفرهم ودعوتهم إلى التوحيد.
وقد ظهر لنا فيما سبق أن القرآن الكريم في عرض أدلته على الوحدانية نهج منهجًا واضحًا مميزًا قريبًا لأفهام السامعين, مبتعدًا عن المسالك الخفية معتمدًا على توجيه نظر الإنسان إلى الكون بما فيه مشيرًا لدليلي الخلق والعناية، وعلى ضرب الأمثال المختلفة لبيان نور التوحيد وظلمة الشرك، وعلى القصص القرآنية لبيان نصر الله للموحدين وتدميره للكافرين، وعلى التذكير بنعم الله التي تستوجب إفراد المنعم بالوحدانية والعبادة، وعلى الأدلة العقلية التي تأخذ بالألباب.
هذه الطريقة القرآنية في تقرير عقيدة التوحيد لها مميزات هي موضوع هذا الفصل وهي كما جاءت مرتبة فيه:
1- ضم الأدلة لبعضها البعض والاستدلال بها جماعيًّا.
2- الرد على جميع المخالفين.

(1/327)


3- مناسبتها لجميع فئات الناس.
4- ملاءمتها للفطرة وخلوها من التعقيد.
5- أنها طريقة عملية لا تكتفي بمجرد النظريات والتقريرات.
6- تنفي الشكوك والشبهات لإتيانها بمعانٍ صحيحة ثابتة.
7- أنها أصل كل الطرق الصحيحة.
وفيما يلي البيان:

(1/328)


ضم الأدلة إلى بعضها والاستدلال بها كلها
...
مميزات طريقة القرآن الكريم
1- ضم بعض الأدلة إلى بعضها والاستدلال بها كلها
من مميزات طريقة القرآن الكريم في دعوته للتوحيد أن يضم الأدلة لبعضها البعض، فنجد في الآية الواحدة أو في عدد من الآيات المتتابعة عددًا من الأدلة، كلها تدل على مدلول واحد -وهو التوحيد- ولا شك أن هذا الأمر يعطي الدليل قوة ويزيد المدلول تأكيدًا، وهذه الميزة مفقودة من طريقتي المتكلمين والفلاسفة.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 1.
فهذه الآية بعد أن قررت الوحدانية في الآية التي قبلها، ذكرت عددًا من الأدلة الكونية، كل منها يدل على وحدانية الله.
ومثال آخر من قوله تعالى في سورة النحل: {أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ} إلى قوله تعالى: {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} 2.
ففي هذه الآيات من سورة النحل بعد أن بيَّن تعالى إرسال رسله بالتوحيد.
__________
1 سورة البقرة آية 163- 164.
2 سورة النحل آية 2- 22.

(1/329)


دلّل على وحدانيته بخلق السموات والأرض وخلق الإنسان من نطفة، وخلق الأنعام وما فيها من المنافع للإنسان، ثم ذكر إنزال المطر للشرب وسقي النبات، وذكر آية الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وما فيها من العظمة والنعمة، ثم ذكر البحر والسفن التي تمخره وما فيه من اللحم والحلي، ثم ذكر الأرض ورواسيها وطرقها، ونبه تعالى إلى دليل الخلق مجملًا بقوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون} 1 ثم ختم الآيات بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} 2، فانظر كيف تعاونت هذه الأدلة جميعًا للدلالة على وحدانية الله، وكما بدئت بذكر الوحدانية ختمت بالنص عليها.
ومثال آخر من سورة النحل كذلك من قوله تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} إلى قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ} 3.
ففي هذه الآيات نص سبحانه وتعالى على الوحدانية ثم ذكر دليل النوائب, وأنه لا كاشف للبلاء في البر والبحر غيره, والتجاء المشركين له وحده في النوائب، ثم ذكر دليل المثل الأعلى وكراهية المشركين للأنثى، ثم ذكر المطر وإحياءه للأرض، ثم نعمة الأنعام واللبن السائغ للشاربين، ثم ذكر نعمة الثمرات.. واستخراج النحل منها عسلًا، ثم ضرب لهم مثلًا بعدم إشراك السادة عبيدهم في رزقهم، وذكرهم بنعمة الأزواج والأولاد، ثم نبه على عبادة المشركين لما لا يملك لهم رزقًا، ثم ضرب مثلًا لنفسه تعالى ولما يعبد من دونه ونبه على خلق الإنسان وتسخير الطير ونعمة السكن وما يؤخذ من الأنعام، وفي آخر الآيات يقول تعالى: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَه
__________
1 سورة النحل آية 17.
2 سورة النحل آية 20-22.
3 سورة النحل آية 51-83.

(1/330)


عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ، يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ} 1، فانظر كيف سيق عدد من الأدلة للتأكيد على حقيقة وحدانية الله منبهًا على هذه الحقيقة في بدء الآيات وختامها؛ لأن ذلك هو الهدف الرئيسي من كل هذه الأدلة.
ومثال آخر من سورة الأنبياء من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ -إلى قوله تعالى- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} 2.
ففي هذه الآيات بيّن تعالى أن خلق السموات والأرض لم يكن عبثًا وأن الملائكة عبيد لله وأنه لو كان في السماوات والأرض أكثر من إله يستحق العبادة لفسدتا، وأنه أرسل جميع رسله بالتوحيد، ثم بين أن من زعموهم أبناء الله هم عباده وأن الشفاعة لا تكون لأحد إلا بإذن الله، وأن من زعم الألوهية من دون الله فمصيره إلى جهنم، ثم نبه تعالى على خلق السماء والأرض بما فيها من طرق، ثم ذكر خلق الشمس والقمر والليل والنهار وأنها آية على وحدانية الله تعالى.
ومثال آخر من سورة المؤمنون، من قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ -إلى قوله تعالى- مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} 3.
في هذه الآيات الكريمة نبه سبحانه وتعالى إلى خلق الإنسان وإعطائه الحواس
__________
1 سورة النحل آية 81 - 83.
2 سورة الأنبياء آية 16 - 33.
3 سورة المؤمنون آية 78 - 91.

(1/331)


ثم بين اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية وأن ملك الأرض ومن فيها السماء والملكوت كله لله، وختمها ببيان وحدانيته تعالى, إذ لو كان معه إله آخر يستحق العبادة لكان الدمار لازمًا لهذا الكون بما فيه.
ومثال آخر من سورة العنكبوت من قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} إلى قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} 1.
في هذه الآيات بيّن تعالى وحدانيته مشيرًا إلى دليل الرزق, ثم ذكر اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية وأنه وحده الذي ينزل المطر من السماء الذي به حياة المخلوقات جميعًا، ثم ذكر دليل النوائب الدال على توحيد المشركين لله عند وجود الخطر ثم ذكرهم بنعمة الأمن.
ومثال آخر من سورة الزخرف من قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} إلى قوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} 2.
فبدأ سبحانه بذكر اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية ثم نبه على خلق الأرض ممهدة وجعل الطرق فيها، وإنزال الماء من السماء، وخلق الأزواج كلها، ثم ذكر نعمة الفلك والأنعام، وذم الذين زعموا له البنات على كرههن لهن، ثم ذكر قصة إبراهيم وبراءته من قومه ومما يعبدون من دون الله، وتمسكه بكلمة التوحيد..
هذه بضعة أمثلة -وهي قليل من كثير- تبين طريقة القرآن في ذكر عدد من الأدلة في الآية أو في المقطع الواحد من الآيات، وبحيث تؤكد كلها مدلولًا واحدًا هو وحدانية الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة.
__________
1 سورة العنكبوت آية 60-67.
2 سورة الزخرف آية 9-28.

(1/332)


ولاشك أن لهذه الطريقة وقعها في حس المستمع إذا سمع توارد الأدلة على نفس المدلول، وهذا الأمر لن تجده في غير طريقة القرآن الكريم.

(1/333)


2- الرد على جميع المخالفين
من طريقة القرآن الكريم أنه يرد على جميع مخالفيه دون الاقتصار على بعضهم, فنجده يرد في دعوته للتوحيد على عباد الأصنام وعباد المسيح وعباد الملائكة وعبدة النجوم وعلى من ينسبون الولد إلى الله وعلى من يؤلهون البشر، إنه لا يقتصر في رده على فئة دون فئة.
يقول تعالى في الرد على عبدة الأصنام: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 1، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} 2.
وقال تعالى في الرد على من ألَّه المسيح وعبده: {لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} 2، وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} 4، وقال تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} 5.
وقال تعالى في الرد على عباد الملائكة: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ
__________
1 سورة العنكبوت آية 17.
2 سورة الحج آية 73.
3 سورة النساء آية 172.
4 سورة المائدة آية 72.
5 سورة مريم آية 30.

(1/334)


بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} 1، وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} 2.
وقال تعالى في رده على عبدة الكواكب: {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 3، وقال تعالى: {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} 4.
وقال تعالى في الرد على من زعم له الولد: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} 5، وقال تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} 6.
وقال تعالى: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} 7.
وهكذا نجد أن القرآن الكريم لم يترك طائفة من الطوائف المنحرفة عن التوحيد إلا رد عليها الرد الكافي المقنع لمن أراد الحق وتجرد عن الهوى.
__________
1 سورة الزخرف آية 20.
2 سورة سبأ آية 40-41.
3 سورة الأنعام 78-79.
4 سورة فصلت آية 37.
5 سورة البقرة آية 116.
6 سورة يونس آية 68.
7 سورة مريم آية 92-93.

(1/335)


وهذا الأسلوب لا يوجد عند المتكلمين والفلاسفة؛ لأن المتكلمين جعلوا هدفهم خصومة الفلاسفة الملحدين والرد على بعض الآراء الفلسفية البعيدة عن الإسلام.
وأما الفلاسفة فلم يكن هدفهم الدعوة إلى التوحيد أصلًا، فلم يخاصموا المشركين ولم يردوا على طوائفهم؛ لأن نفس كلامهم في الإلهيات فيه الشرك والتعطيل.

(1/336)


3- مناسبتها لجميع فئات الناس
سلك القرآن الكريم في الاستدلال على عقيدة التوحيد والإقناع بها مسلكًا سهلًا واضحًا يستفيد منه جميع الناس على اختلاف مداركهم، ويفهم كل منهم أدلة القرآن حسب طاقته من التفكير.
إنه منهج يوافق العامة وفيه ما يناسب الخاصة، ولئن كان علماء النفس والاجتماع يقررون أن اختلاف مستويات الناس يوجب الحكمة في مخاطبتهم وإيصال المعلومات إليهم لجذبهم إلى المبدأ، فإن القرآن الكريم قد سبقهم في ذلك وإيراده عمليًّا في ثنايا آياته؛ لأن البشر تختلف طبائعهم وتتباين نزعاتهم، فكان يخاطب جميع الناس بحسب طبائعهم الفطرية وميولهم واستعداداتهم، ولذلك كان منهج القرآن أقوى حجة وأشد إقناعًا من أي منهج بشري؛ لأن طبيعة القرآن لا تعبر عن نفسية بشرية ولا تمثل اتجاهًا بشريًّا معينًا ولا هي متأثرة بمؤثرات زمنية عارضة، إنها طريقة القرآن الذي جاء لرد الناس إلى توحيد الله على اختلاف طبائعهم وميولهم، لذلك كانت طريقة مناسبة لكل أحد، إنها الطريقة الوحيدة البريئة من الأهواء والرغبات البشرية وليست محدودة بحدود العقل البشري كما هو الحال في غيرها من الطرق.
إننا لن نجد في غير طريقة القرآن ما يعلم الجاهل وينبه الغافل ويرضي نهم العالم، فقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} 1، وقوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} 2، هذا الدليل على وحدانية الله تعالى يناسب
__________
1 سورة المؤمنون آية 12-14.
2 سورة الطارق آية 5-7.

(1/337)


جميع الناس، إنه يناسب العامي ويفهم منه أن الله ينبهه لمبدأ خلقه وأن الله هو وحده الذي خلق النطفة وحفظها، فيؤمن بالله، ويناسب عالم التشريح والطبيب الذي يقرأ عن تطور النطفة والتحولات التي تمر عليها وكيفية اتحاد الماءين وكيفية التغذية للجنين.. وهكذا، فيؤمن بالله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الدليل وهو خلق الإنسان من علق يشترك فيه جميع الناس، فإن الناس هم المستدلون وهم أنفسهم الدليل والبرهان والآية.. وهو دليل يعلمه الإنسان من نفسه ويذكره كلما تذكر في نفسه وفيمن يراه من بني جنسه"1 انتهى باختصار.
وقد وازن الغزالي بكتابه "إلجام العوام" بين أدلة القرآن وأدلة المتكلمين فاعتبر أدلة القرآن كالغذاء والماء الذي ينتفع به كل الناس، وأما أدلة المتكلمين فهي الدواء الضار الذي ينتفع به آحاد الناس ويتضرر به الكثيرون، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن تنوع أساليب الدعوة في القرآن: "فما كان جهة تصديقه عامًّا للناس أمكن ذكر جهة التصديق به كآيات الربوبية المعلومة بالإحساس دائمًا، وما كان جهة تصديقه متنوعًا أحيل كل قوم على الطريق التي يصدقون بها"2. انتهى بلفظه.
وهذه بعض الأمثلة التوضيحية:
أ- قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} 3.
هذه الآيات تلفت نظر الإنسان إلى دليلي الخلق والعناية ويفهم منها العربي في
__________
1 الفتاوى 1/262.
2 الفتاوى 2/48.
3 سورة المرسلات 25-27.

(1/338)


الصحراء أن الأرض تحفظه على ظهرها حيًّا وفي بطنها ميتًا، وأن الجبال تحفظ الأرض من التصدع، وهو فهم يتناسب مع علمه ويؤدي الغاية المقصودة من التدبر والعظمة.
وجاء العلماء المختصون اليوم ليتحدثوا لنا عن الجاذبية التي تحفظ الإنسان على سطح الأرض، ويتلاعب بهم ولا يستقرون في مكان، ويتحدث لنا العلماء عن الجبال وعجائبها واختلاف ألوانها وما تحويه من معادن، وكيف أن رواسي كل شيء من تحته إلا الجبال، فإنها رواسي الأرض من فوقها ليكون فيها من المنافع ما لا يعلمه إلا الله، وهذا الفهم العلمي يتناسب مع آيات القرآن ولا ينافيها ويؤدي المقصود من العظة والاعتبار ويظهر النعمة بشكل أوضح.
ب- قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} 1.
إن الأمي يفهم من هذه الآيات أن الله خلق الشجر الأخضر بقدرته وجعل فيه قابلية للاحتراق لنستفيد منه في الطبخ والتدفئة والاستضاءة ولولا تسخير الله، لذلك ما استفدنا منه، فيجب شكره وعبادته.
وإن العلماء ليحدثونا اليوم عن الطاقة المخزونة في الأرض بشكل فحم حجري أو نفط، والتي ترجع بأصلها إلى الأشجار المدفونة، وإمكانية توليد صور أخرى من النار كالكهرباء التي تستعمل فيما تستعمل به النار تمامًا، هذا الفهم لا يتنافى مع الآية، بل ويجلي النعمة على الناس بشكل أوضح مما يوجب عليهم الاعتراف بوحدانية المنعم وعبادته.
__________
1 سورة الواقعة آية 71-73.

(1/339)


إن القرآن الكريم وهو ينبه الناس إلى أدلته على وحدانية الله، جاء بأسلوب صياغة وألفاظ تتفق مع قدرات عقول الناس جميعًا على الفهم والاعتبار، إنه يبتعد عن التعبيرات والمصطلحات الضيقة التي لا يفهمها إلا فئة قليلة من الناس، وليس معنى هذا أن أدلة القرآن يفهمها الناس بلا تدبر؛ ولكن المعنى أن القدر المشترك من الفهم لدليل من أدلة القرآن يتساوى فيه جميع الناس مع بقاء المجال مفتوحًا أمام الخاصة والعلماء للتبحر في الدليل بما لا يناقض طريقة القرآن.
هذا الأمر لا يوجد في أدلة المتكلمين والفلاسفة الذين عقَّدوا هذه الأدلة على الناس، وحصروا العلم بطريقتهم ومنهجهم البشري، وقد يفهم من كلامهم غير ما يفهمه الآخر.

(1/340)


4- ملاءمتها للفطرة وخلوها من التعقيد
إن طريقة القرآن الكريم سهلة واضحة ملائمة للفطرة خالية من التعقيد؛ لأن القرآن الكريم هو كلام الله وهو يخاطب الإنسان بالطريقة التي يعلم سبحانه وتعالى أنها تؤثر فيه وتصل إلى أعماق قلبه وتهز مشاعره فيستجيب، وهي طريقة تخاطب القلب والعقل وتواجه النفس البشرية بما ينمي الفطرة ولا يكفلها عنتًا أو يفرقها مزَقًا، ومن ثم فإنها تعصم الفطرة من الاتجاه لغير الله.
هذا وقد ترفعت طريقة القرآن عن أن تكون قضايا ذهنية مجردة كما هي طريقة الفلاسفة والمتكلمين، تلك الطريقة الجافة المعقدة المليئة بالاصطلاحات الغامضة والمقدمات الكبرى والصغرى، بل سلكت أقرب الطرق وأيسرها، فجاءت بأدلة موجزة مختصرة بليغة مفيدة للمقصود كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 1، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على هذه الآية: "ما أحسن هذا البرهان، فلو قيل بعده وما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، لكان هذا من الكلام الغث الذي لا يناسب بلاغة التنزيل"2.
إن القرآن لم يستعمل أقيسة الفلاسفة والمتكلمين في الاستدلال على مسائل العقيدة؛ لأنه جاء بلسان العرب وخاطبهم بما يعرفون، وكلما كان الاستدلال أقرب إلى الفطرة والمحسوس دون تعقيد في الألفاظ والمعاني، كان أقوى أثرًا وأبلغ حجةً، وابتعاد القرآن عن الغموض في أدلته جعلها مستلزمة لمدلولها عينًا من غير احتياج لاندراجها تحت قضية كلية، وانتقال الذهن من العلم بالدليل القرآني إلى العلم بالمدلول مباشرة ولأدلته على الله بعينه: استدلال يستوي في إدراكه كل العقول مع أنه ليس بقياس، وأقيسة المناطقة تدل على قدر مشترك بين الله تعالى وبين غيره.
__________
1 سورة الأنبياء آية 22.
2 الفتاوى 14/60 وانظر تفسير الكشاف 2/567.

(1/341)


ومن هذه النقطة نعرف مدى توافق طريقة القرآن الكريم مع الفطرة حتى أن كل إنسان ولو كان ملحدًا يشعر في أعماق نفسه بالاستجابة والإصغاء لهذه الطريقة؛ لأن الفطرة نفسها تنفر من التعقيد والمصطلحات الجافة، ولما كانت الفطرة قدرًا مشتركًا بين جميع الناس دخل في الدين فئات مختلفة، ولو سيقت أدلة القرآن بطريقة المناطقة ما آمن به إلا القليل لأن المنطق هو حظ الأقلية1.
وفي مقابل استعمال المناطقة للأقيسة التي لا تدل على الله بعينه إنما تدل على قدر مشترك بينه وبين غيره، نجد أن القرآن استعمل قياس الأولى وهو أن كل كمال للمخلوق فالخالق أولى بالاتصاف به، وكل نقص تضمن سلب هذا الكمال عن المخلوق فالخالق أَوْلَى بالتنزه عنه، وهذا القياس يفهمه كل الناس على اختلاف مداركهم، كما في نفيه تعالى البنت عن نفسه مشيرًا أن المشركين لا يرضونها لأنفسهم، وكما في نفيه الشركة في الملك والرزق مشيرًا بأن السادة لا يشركون عبيدهم فيما يخصهم، فالخالق أولى بهم في ذلك لأنه له المثل الأعلى2.
__________
1 انظر الفتاوى 2/8 وص 472 والرد على المنطقيين ص 344 ومدارج السالكين 3/486-487 وضحى الإسلام 3/13.
2 انظر الفتاوى 14/437 والرد على المنطقيين ص150 وص 350-351 وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/4 وص 15، 18، 19.

(1/342)


5- طريقة القرآن عملية لا تكتفي بمجرد النظريات والتقريرات
إن القرآن لا يكتفي بمجرد إقراره للوحدانية ومحاربته للشرك، بل يطلب من المهتدين أعمالًا وتكاليف بمجرد الإقرار بوحدانية الله، ولذلك نجد فيه طلب عبادة الله بصيغتي أمر ونهي وهما قوله تعالى: {اعْبُدُوا اللَّه} 1 {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّه} 2، ونجد الربط الكامل في آيات القرآن بين العقيدة والعمل، وهذه الصفة لا توجد في المناهج الوضعية التي تهدف إلى مجرد التصديق والإقناع والانتصار على الخصم، وطريقة القرآن لا تكتفي بذلك، بل تطلب لازم الإيمان والتصديق وهو العمل والعبادة؛ لأن النفس لا تكمل بالعلم وحده إن لم يتبعه العمل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن قياس الأولى في القرآن وما يؤدي إليه من العمل والعبادة:
"ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القرآن من هذا الباب كما يذكر في دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وإمكان المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السَّنية والمعالم الإلهية التي هي أشرف العلوم وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف، وإن كان كمالها لابد فيه من كمال علمها وقصدها جميعًا، فلابد من عبادة الله وحده المتضمنة لمعرفته ومحبته والذل له"3.
وبهذا يتضح أن طرق المناطقة لو كانت صحيحة فهي علم ناقص؛ لاكتفائها بمجرد الإقرار الذي هو توحيد الربوبية، يقول شيخ الإسلام: "الوجه الثاني في مفارقة الطريقة القرآنية الكلامية: أن الله أمر بعبادته التي هي كمال النفوس وصلاحها وغايتها ونهايتها ولم يقتصر على مجرد الإقرار به كما هو غاية الطريقة الكلامية، وفلا وافقوا في الوسائل ولا في المقاصد، فإن الوسيلة القرآنية قد أشرنا
__________
1 سروة هود آية 50.
2 سورة هود آية 2.
3 الرد على المنطقيين ص 150 وانظر الفتاوى 2/41.

(1/343)


إلى أنها موصلة إلى عين المقصود وتلك قياسية لا توصل إلا إلى نوع المقصود لا إلى عينه.. وأما المقاصد فالقرآن أخبر بالعلم به والعمل له، فجمع بين قوتي الإنسان العلمية والعملية.. والطريقة الكلامية إنما تفيد مجرد الإقرار والاعتراف بوجوده، وهذا إذا حصل من غير عبادة وإنابة كان وبالًا على صاحبه وشقاء له ... والطريقة النبوية القرآنية السنية الجماعية فيها العلم والعمل كاملين"1.
__________
1 الفتاوى 2/12 وانظر الرد على المنطقيين ص 144 والتفسير القيم ص 597.

(1/344)


6- طريقة القرآن تنفي الشكوك والشبهات لإتيانها بمعانٍ صحيحة ثابتة
إن طريقة القرآن تنفي كل شبهة وغبش حول العقيدة؛ لأنها تفصل فصلًا تامًّا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، والقرآن عندما يستدل على وجود الله ووحدانيته بخلق الإنسان يستدل بحدوث الإنسان نفسه وأن عينه مخلوقة والله وحده هو الخالق.
أما طريقة المتكلمين فالاستدلال عندهم بحدوث الأعراض، والخلق عندهم عبارة عن جمع وتفريق لجواهر الإنسان المنفردة التي لا تتجزأ وهي قديمة بنفسها والحادث هو أعراضها، وبسلوكهم هذا الطريق أثيرت الشبه وتوسعوا في البحث حتى لم تعد طريقتهم ترد شبهة وليس فيها معنى صحيحا ثابتًا.
وأما طريقة الفلاسفة فهي أكثر إثارة للشبه ومعانيها كلها محتملة لأكثر من معنى1.
وكما قلنا في خلق الإنسان نقول في الكون كله، فالقرآن عندما ينبه إلى دليل الخلق في الكون يعني بذلك حدوث الكون ذاته، لا حدوث أعراضه، فقولنا السماء مبدعة مخلوقة: نعني بذلك على طريقة القرآن أن الله خلق ذاتها مباشرة، وهكذا كل شيء مخلوق فالله أحدث عينه، أي خلقه وأحدثه بعد أن لم يكن، وليس الحدوث فقط للأعراض ولا هو صدور للعلة عن معلولها، والله وحده هو المختص بالقدم وليس قديم غيره لا العالم ولا مادته ولا جواهره2.
__________
1 انظر مجموعة تفسير شيخ الإسلام ص207-208 وضحى الإسلام 3/15.
2 انظر الفتاوى 2/12 وص 260 والرد على المنطقيين ص381 وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/71 وص 141 وإغاثة اللهفان 1/44-45.

(1/345)


وبهذا يتضح الفرق بين طريقة القرآن الكريم بمعانيها الثابتة الصحيحة -مثل الحدوث الذي مثلنا به- الموصلة لليقين النافية للشكوك والشبه، وبين غيرها من الطرق المحتملة لعدة معانٍ المورثة الجالبة للشبه والشكوك.

(1/346)


طريقة القرآن أصل كل الطرق الصحيحة
مدخل
...
7- طريقة القرآن أصل كل الطرق الصحيحة
إن المتأمل لطريقتي الفلاسفة والمتكلمين وطريقة القرآن الكريم يجد أن طريقة القرآن أصل كل الطرق الصحيحة وتأتي في أصول الدين وفروعه بأكمل المناهج، فتترك الاستدلال على المقدمات الضرورية لأنها في حكم البدائه العقلية، وإنما تحتج بها على أنها مسلمة، وهذه هي الطريقة الصحيحة بخلاف ما يدعيه الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة برهانية، وهم يستدلون على المقدمات الضرورية البديهية ومن ثم يحتجون بها.
وعدم سلوك القرآن الكريم لطريقة الفلاسفة والمتكلمين في المقدمات والنتائج، لا يعني أن طريقته ليست برهانية، لأن طريقة القرآن حذف المقدمة الظاهرة والاكتفاء باستقرارها في الفطر، فجاءت أدلة القرآن كلها قوة وحيوية وهي بنفس الوقت أدلة برهانية1.
انظر مثلًا إلى دليل خلق الإنسان الوارد في القرآن بأساليب متعددة، ومنها قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} 2 أن هذا الدليل وارد بشكل سؤال موجه إلى المشركين وهو معتمد على مقدمة بديهية هي: أن الإنسان مخلوق، لكنه لم يذكرها ولم يستدل عليها؛ لأن ذكرها لا يزيد الدليل قوة، إنما استدل بها والإجابة عن هذا السؤال موجودة في ذهن كل مستمع، وما دام أنه مخلوق ولم يخلق نفسه فخالقه يستحق أن يفرد بالألوهية. والمتكلمين يستدلون على هذه المقدمة الظاهرة وهي كون الإنسان مخلوقًا، ومن ثم يدعون أن أدلتهم برهانية، وأن أدلة القرآن إقناعية لحذفه المقدمة الظاهرة البديهية.
__________
1 انظر الفتاوى 2/41، 6/299، 9/225، 19/164-165، ص 231 والرد على المنطقيين ص 321 وشرح الطحاوية ص31.
2 سورة الواقعة آية 58-59.

(1/347)


وانظر كذلك لقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 1 فلو قال: وبما أنهما لم تفسدا إذن فليس فيهما آلهة إلا الله لكان ذلك غير مناسب، فترك القرآن لهذه المقدمة اعتمادًا على استقرارها في الفطر أبلغ وأشد تأثيرًا.
وقد تنوعت الأساليب التي يعرض القرآن بها أدلته، وهذا التنوع له فائدة كبيرة في تقرير الحقيقة وتأكيدها وإقناع المدعوين بها؛ لأن بعض الناس قد يؤثر فيه أسلوب أكثر من أسلوب آخر غيره، وقد يقتنع إنسان بأسلوب، ويقتنع غيره بأسلوب آخر وهكذا..
يقول د. محمد عبد الله دراز متحدثًا عن اختلاف وسائل الاقتناع عند الناس: "ولا جَرَمَ أنه من أجل هذا الاختلاف في وسائل الاقتناع عند الناس تنوعت في القرآن وسائل الدعوة إلى الله وصرفت فيه الآيات تصريفًا بليغًا حتى إن الذي يستعرض أساليب الهداية القرآنية إلى عقيدة الألوهية يجدها قد أحاطت بأطراف هذا المسلك، وأشبعت تلك النزعات جميعًا بل ربما زادت في كل منهج عناصر جديدة لم يفطن إليها الباحثون المذكورون"2.
ومن هذه الأساليب التي وردت في القرآن الكريم على سبيل المثال لا على سبيل الحصر:
أ- الأسلوب التلقيني.
ب- أسلوب الاستفهام الإنكاري.
جـ- أسلوب التكرار.
د- أسلوب الترغيب والترهيب.
هـ- أسلوب التحدي والتهكم.
__________
1 سورة الأنبياء آية 22.
2 الدين ص176.

(1/348)


وأود أن أشير هنا لما أشرت إليه سابقًا من أن القرآن الكريم لا يهدف لمجرد إفحام الخصم وإلزامه الحجة فحسب، بل يتجه مع ذلك للأخذ بيده وإرشاده إلى الطريق الصحيح، ولذلك كانت أدلة القرآن دائمًا مسبوقة أو متبوعة بالدعوة لتوحيد الله وعبادته.

(1/349)


أ- الأسلوب التلقيني
يستعمل القرآن الكريم هذا الأسلوب في تلقين الجواب الظاهر، حيث أنه لوضوحه لا ينكره المشركون بل يسلمون به، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في دليل النوائب: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} إلى قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} 1، وقوله تعالى في دليل الخلق والملك: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّه..} 2، وقوله تعالى في دليل الرزق: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّه} 3.
ففي هذه الآيات يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسألهم عمن ينجيهم من المخاطر ومن رب السماوات والأرض ومن يرزقهم، ويأمره بأن يجيب: "الله"، لاعترافهم أن آلهتهم لا تملك شيئًا من ذلك، وتلقينهم الجواب فيه إشارة إلى أنهم لا ينكرون ذلك وليس عندهم جواب غيره وأن سكوتهم عن الجواب لوضوحه فيه حجة عليهم، إذ إنهم ما داموا قد اعترفوا بأن فاعل ذلك هو الله فلمَ يشركون به غيره؟ ومثل هذا الأسلوب يعجز الخلق كلهم عن الإتيان بمثله.
__________
1 سورة الأنعام آية 63-64.
2 سورة الرعد آية 16.
3 سورة سبأ آية 24.

(1/349)


ب- أسلوب الاستفهام الإنكاري
هذا الأسلوب يرد في القرآن متروكًا بغير جواب؟ لأنه متروك للسامع يستنتج الجواب بنفسه حتى يكون أوقع في قلبه وحتى لا يشعر بأنه ليس له حرية في الجواب لأنه متروك له وحده ولفطرته.
وهذا الأسلوب يكشف عناد المعاند عندما يلجئه إلى كشف خبيثة نفسه وأنه متيقن بالجواب الصحيح.
انظر لقوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} إلى نهاية الآيات 1.
فانظر إلى سَوق الأدلة العديدة بصيغة الاستفهام الإنكاري القائم على إثارة الأسئلة المنبهة للعقل والقلب معًا, لقوله تعالى بعد كل دليل: "أإله مع الله"، ولا نجد في الآيات جوابًا صريحًا وإنما نجد لفت النظر إلى أنهم قوم يعدلون ولا يعلمون ولا يتذكرون وهم مشركون وغير صادقين في دعواهم لله شريكًا، وهم مقرون بأن فاعل ذلك كله هو الله.
هذا الأسلوب في زحزحة المشركين عن عقائدهم الفاسدة وعنادهم واستكبارهم وتشكيكهم بما هم مقيمون عليه لا يوجد في غير طريقة القرآن.
__________
1 سورة النمل آية 59-64.

(1/350)


جـ- أسلوب التكرار
لئن قرر كثير من العلماء بأن تكرار الشيء سبيل من سبل الإقناع به، فإن

(1/350)


كتاب الله تعالى جاء بهذا الأسلوب قبلهم، فنجد أن كل أدلة القرآن الكريم من قصص وأمثال ونعم وأدلة كونية وعقلية وردت في القرآن مكررة بصيغ مختلفة، وهذا هو التكرار المفيد غير الممل، وقد سبق لنا أن بينَّا أن قصص القرآن التي وردت مكررة كانت في كل موضع تأتي بجديد أو تركز على غرض هام من أغراض القصص القرآني، وإنه كما قال شيخ الإسلام: لو لم يكن فيها تكرار لوقعت كل قصة إلى قوم ولم تقع لغيرهم من الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/351)


د- أسلوب الترغيب والترهيب
هذا الأسلوب نافع مع أكثر الناس الذين لا يأتون إلى الحق إلا بترغيب بنتائج إيمانهم أو تخويفهم عواقب كفرهم كقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} 1، وقوله تعالى: {وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} 2، وقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} 3.
ويقول تعالى في الترهيب: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} 4، وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} 5.
__________
1 سورة النور آية 55.
2 سورة الجن آية 16.
3 سورة نوح 10-12.
4 سورة الأنعام آية 6.
5 سورة محمد آية 10.

(1/351)


هذه الآيات ترهيب للمشركين عن طريق تذكيرهم بتدمير المشركين من قبلهم وأحيانًا يأتي بصورة تهديد مباشر لهم كقوله تعالى: {أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} 1، وقوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} 2.
هذا ترغيب في الإيمان وترهيب من الكفر ونتائجه في الدنيا، أما في الآخرة فالآيات التي تبين أن مصير المؤمنين الموحدين في الجنة ومصير الكافرين في النار كثيرة جدًّا نكتفي بمثال واحد:
يقول تعالى مبينًا مصير المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} 3.
ويقول تعالى مبينًا مصير المشركين: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} 4.
إن هذا الأسلوب لا نجده عند المناطقة لأنهم لا يملكون ثوابًا ولا عقابًا بل إن بعضهم يقول بفناء الجنة والنار وحركات أهل الخلديْن.
__________
1 سورة الملك 16-17.
2 سورة فصلت آية 13.
3 سورة الكهف آية 107-108.
4 سورة المائدة آية 72.

(1/352)


هـ- أسلوب التحدي والتهكم:
قد يرد الدليل في القرآن بصيغة التحدي للآلهة من دون الله ولعابديها، وذلك لتقرير حقيقة أنها لا تستحق الألوهية.

(1/352)


وقد مر معنا تحدي إبراهيم لقومه وأصنامهم عندما قام بتكسيرها معلنًا عداوته لها، وكذلك تحديه للنمرود أن يأتي بالشمس من المغرب، وقد أمر الله نبيه محمدًا بقوله: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ} 1 فتحدي مشركي قومه وآلهتهم.
وهذا التحدي ورد على لسان كثير من الأنبياء لبيان عجز آلهة المشركين عن إلحاق الضرر بهم، وما كان هذا شأنه فليس إلهًا.
__________
1 سورة الأعراف آية 195.

(1/353)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]