[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

عقيدة التوحيد في القرآن الكريم

الفصل الثالث: تقرير القرآن للتوحيد بالقصص القرآني
تمهيد
لقد أكثر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من القصص التي تتحدث عن الأنبياء وما جرى بينهم وبين أقوامهم، وقصص أخرى تتحدث عن غير الأنبياء, وكلها فيها عبر ودلائل على وحدانية الله، وأن الله يؤيد عباده الموحدين ويدمر المشركين به.
والقصص القرآني له أهداف كثيرة من الصعب حصرها إلا أني أذكر منها على سبيل المثال:
1- إثبات الوحي والرسالة.
2- إثبات وحدة الدين من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
3- تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم.
4- إثبات البعث.
5- إثبات وحدانية الله تعالى.
6- العظة والاعتبار بمصير المكذبين.
7- عاقبة الصبر والجزع والشكر والبطر وغيرها.
ونلاحظ أن كثيرًا من القصص وردت أكثر من مرة، وقد استغل أعداء الله الذين تأثروا بالزنادقة قديمًا وبالملحدين والمستشرقين حديثًا -استغلوا هذا التكرار للطعن في قصص القرآن ليتوصلوا إلى أن القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم وليس هو من وحي الله.

(1/189)


وهذا الطعن قد يكون منشؤه قياسهم قصص القرآن بالقصص الأدبية التي يؤلفها البشر، ولكنهم لو نظروا إلى العظات والعبر التي في القصة الواحدة والتي تختلف من موضع لآخر، وأنه قد يذكر في موضع غير ما ذكر في المواضع الأخرى من نفس القصة، لعرفوا السر في هذا التكرار وأن فيه فوائد ولما كان مطعنًا في رأيهم.
وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذا المطعن بما فيه الكفاية والإقناع لمن أراد الحق وتجرد عن الهوى؛ حيث يقول في كلامه عن قصة موسى: "وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن يبين في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعًا غير النوع الآخر كما يسمي الله رسوله وكتابه بأسماء متعددة كل اسم منها يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر، وليس في هذا تكرار بل فيه تنويع الآيات ... وليس في القرآن تكرار أصلًا، وأما ما ذكره بعض الناس من أنه كرر القصص مع إمكان الاكتفاء بالواحدة, وكان الحكمة فيه أن وفود العرب كانت ترد على رسول صلى الله عليه وسلم فيقرؤهم المسلمون شيئًا من القرآن فيكون ذلك كافيًا، وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة, فلو لم تكن الآيات والقصص متناثرة متكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم، فأراد الله أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض، وأن يلقيها إلى كل سمع، فهذا كلام من لم يقدر القرآن قدره"1 انتهى باختصار.
وإنني في هذا الفصل لن أتكلم عن قصص القرآن من جهة السرد التاريخي لما جرى لكل رسول مع قومه، كما أنني لن أتكلم عن كل أهداف القصص القرآني، لأن ذلك يطول بي البحث حيث أن قصة واحدة من قصص الرسل، وهدفًا واحدًا من أهداف القصص القرآني كفيل بأن يستغرق مئات الصفحات وليس
__________
1 الفتاوى 19/166 - 167.

(1/190)


هذا هو موضوع الفصل، ولكني أقتصر على الإشارة بما يحصل به المقصود من عنوان الفصل, وكيف ورد تقرير التوحيد على لسان الرسل وإبطال الشرك, وما آل إليه أمر من كذبهم؛ لأن التوحيد هو رأس الأمر بل هو الغاية العظمى من هذه القصص.
وقد اقتصرت في هذا الفصل على ذكر اثنتي عشرة قصة من قصص القرآن وفي مقدمتها قصص أولي العزم من الرسل وتركت بقية القصص اكتفاءً بما ذكر وخوف إطالة الموضوع. وقد جاءت هذه القصص على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قصص أربعة من أولي العزم من الرسل.
القسم الثاني: قصص رسل من غير أولى العزم.
القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموحدين.
وفيما يلي التفصيل.

(1/191)


القسم الأول: قصص أربعة من أولي العزم من الرسل
1- قصة نوح عليه السلام مع قومه 1:
أرسل الله نوحًا عليه السلام إلى أهل الأرض بعدما عم الشرك وعبادة الأصنام التي كانت في الأصل صورًا للموتى والصالحين، فأخذ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة الأصنام، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 2.
وقد نبه نوح عليه السلام قومه إلى الآيات الكونية والنعم الإلهية داعيًا إياهم عن طريق التفكير في السماوات والأرض والأنهار والشمس والقمر وما في ذلك من النعم، وعن طريق التفكير في خلقهم أنفسهم، ودلالة ذلك على وحدانية الله تعالى فقال: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً, يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً, وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً, مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً, وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً, أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً, وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً, وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً, ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً, وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً, لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً} 3.
__________
1 انظر السور التالية: آل عمران 33، النساء 163، الأنعام 84، الأعراف 59-62، يونس 71-83، هود 25-49، الأنبياء 76- 77،المؤمنون 23-31، الفرقان 37، الشعراء 105- 122، العنكبوت 14-15، الصافات 75- 82، غافر 5-6 الذاريات 46، النجم 52، القمر 9-16، الحاقة 11-12، نوح 1-28 والقصة مفصلة في تفسير الطبري 12/52.
2 سورة الأعراف آية 59.
3 سورة نوح آية 10-20.

(1/192)


وقد كرر نوح عليه السلام دعوته لقومه إلى التوحيد ونبذ الشرك في أحوال مختلفة، فدعاهم بالليل والنهار، ودعاهم بالسر والعلن، ودعاهم أفرادًا وجماعات ولم يزدهم كل ذلك إلا عنادًا لدعوى التوحيد وثباتًا على الشرك وتواصيا به: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} 1.
ثم يتحداهم نوح هم وأصنامهم لأنه يعلم عجزها وأنها لا تملك أن تدفع عن نفسها شيئًا، بينهما هو متوكل على الله القوي العزيز فيقول لهم بثبات الموحد لله: {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} 2.
ويبقى نوح عليه السلام ثابتًا على دعوة التوحيد صابرًا على أذى قومه له إلى أن أمره الله تعالى بصنع السفينة، ويمر عليه قومه المشركون وهو يصنعها فيسخرون منه فيها، غير القلة المؤمنة الموحدين لله، ولم يدخل معه في السفينة ابنه وزوجته لأنهما بقيا على شركهما، وفي هذا بيان واضح أن صلات القرابة من بنوة وأبوة وزوجية وغيرها لا تنفع المشرك عند الله إن لم ينقذ نفسه بكلمة التوحيد.
ويأمر الله نوحًا عليه السلام أن يعلن التوحيد داخل السفينة لأنها سفينة الموحدين الناجين بتوحيدهم لله وهم يومئذ قليل، والمشركون وهم كثير لم تنفعهم كثرتهم عند حلول الغرق والعذاب: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} 3.
__________
1 سورة نوح آية 23.
2 سورة يونس آية 71.
3 سورة المؤمنون آية 28- 30.

(1/193)


وهكذا يتم إغراق المشركين وأصنامهم وتطهير الأرض من رجسهم، فلتكن قصة نوح مع قومه وإنجاء الله الموحدين القلة وإغراق الكثرة المشركة عبرة لكم يا كفار قريش ومن دان بدينكم.
يقول الطبري: "إن فيما فعلنا بقوم نوح من أهلاكنا لهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام لعبرًا لقومك من مشركي قريش وعظات وحججًا لنا يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم فينزجروا عن كفرهم ويرتدوا عن تكذيبك حذرًا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم"1.
__________
1 تفسير الطبري 18/18.

(1/194)


2- قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه1
أرسل الله إبراهيم عليه السلام إلى أهل بابل بالعراق وكانوا صائبة يعبدون الكواكب، فبين لهم إبراهيم أن هذه الكواكب لا تصلح للإلهية وأن لها خالقًا ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها ومسيرها وسائر أحوالها فقال: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ, إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 2.
وبين لهم إبراهيم عليه السلام كذلك أن هذه الأصنام التي يقيمونها في معابدهم ليست آلهة, مستدلًا بعجزها عن نفع عابديها لأن الإله لا يكون عاجزًا عن جلب الخير ودفع الشر: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ, أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ, قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} 3.
وقد عرفهم إبراهيم عليه السلام بالإله الحق الذي يستحق العبادة ويملك الضر والنفع معلنًا عداوته لأصنامهم وبراءته التامة منهم ومن أصنامهم: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ, أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ, فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ, الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ, وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ, وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ, وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ, وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} 4.
__________
1 انظر السور التالية: البقرة 258-260، الأنعام 74 - 83، التوبة 144، مريم 41- 48، الأنبياء 52-73، الشعراء 69-102، العنكبوت 16-24، الزخرف 26-28، الصافات 97-99.
2 سورة الأنعام آية 78-79.
3 سورة الشعراء 72-74.
4 سورة الشعراء 75-82.

(1/195)


ولكن قومه لم يزيدوا مع هذا البيان إلا عنادًا وتكبرًا وتمسكًا بأصنامهم، وأحضره الملك النمرود حاكم بابل وجادله زاعمًا أنه إلهه1، ولكن إبراهيم عليه السلام غلبه بالحجة الواضحة: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} 2، هكذا بهت الذي كفر لأن الإله الحق لا بد أن يكون متصرفًا في ملكه كما يشاء والكون بما فيه سائر وفق إرادته.
وأراد إبراهيم عليه السلام إقامة الحجة على قومه كلهم، فبينما هم مجتمعون في عيدهم بعيدًا عن بيت الأصنام ذهب إبراهيم يحمل الفأس فكسر الأصنام وأبقى الصنم الكبير، وهذا فيه وجهان للدلالة على ضعف هذه الآلهة:
أولهما: أن هذه الأصنام إن كانت آلهة فلمَ لم تدافع عن نفسها عند تكسيرها؟ والإله الحق حي لا يموت وهذه قد اندثرت وصارت حطامًا.
ثانيها: أنها إذ لم تدافع عن نفسها فلماذا لا تجيبكم عمن كسرها؟ فإن أجابتكم عمن كسرها فهي بحاجة إلى الحماية؛ ولذا فهي ليست آلهة لأن الإله الحق غني عن حماية غيره له.
وإن لم تجبكم -وهذا هو الواقع- فهي صماء بكماء جماد لا حياة فيها فليست بآلهة، يوضح هذا قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ, قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ, قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ, قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ, قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ, قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ, فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ, ثُمَّ
__________
1 تفسير ابن كثير 1/313.
2 سورة البقرة آية 258.

(1/196)


نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ, قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ, أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} 1.
وهكذا بهت قوم إبراهيم لإقامة الحجة عليهم كما بهت ملكهم من قبل، لقد بهتوا لصناعة الحجة بحيث نكسوا على رءوسهم خجلًا لعلمهم أن أصنامهم لا تنطق وأولى بهم أن يؤمنوا بالله الواحد، والاستكبار عن الحق جعلهم لا يرضخون ولا يستجيبون لدعوة التوحيد، بل زادوا في طغيانهم فأوقدوا نارًا عظيمة ليحرقوا بها داعية التوحيد إبراهيم عليه السلام، ولكنه لم يخف من النار كما لم يخف أصنامهم من قبل، ولعلمه أن التصرف المطلق في هذا الكون وعبودية كل شيء فيه هي لله الواحد القهار، والنار مخلوقة من مخلوقات الله وهي في ملكه وتحت تصرفه ومشيئته ولا تحرق أحدًا إلا بأمر الله: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ, قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ, وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ} 2.
وهكذا نجى الله رسوله من كيد المشركين، فلتعلموا يا أيها المشركون أن الله مع أوليائه الموحدين، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم على دين أبيه وأبيكم إبراهيم حنيفًا مسلمًا ولم يك من المشركين، وكما نجى الله إبراهيم فهو ينجي محمدًا منكم ومن كيدكم, وأولى بكم إن كنتم تزعمون أنكم من نسل إبراهيم أن تكونوا على دينه وملته الحنيفية السمحاء وتنبذوا ما أنتم عليه من الشرك بالله واتخاذ الأنداد والأوثان.
__________
1 سورة الأنبياء آية 58 - 67.
2 سورة الأنبياء آية 68 - 70.

(1/197)


3- قصة موسى عليه السلام1
وهي قسمان: أ- قصته مع فرعون. ب- قصته مع قومه.
أ- قصة موسى مع فرعون:
أرسل الله موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه فدعاهم إلى توحيد الله وقد أنكر فرعون هذه الدعوة قائلًا في بداية الأمر: وما رب العالمين؟ فأجابه موسى بأنه الرب الخالق لكل ما في الوجود, قال تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ, قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ, قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ, قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ, قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ, قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ, قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} 2.
ويستدل لهم موسى على وحدانية الله بالنعم التي يشاهدونها من أرض ممهدة وطرق مذللة وماء ونبات وأن الله وحده خالق ذلك كله, فحق عليهم عبادته: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى, قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى, قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى, قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى, الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى, كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى} 3.
__________
1 انظر السور التالية: البقرة 40-74، الأعراف 100-156، يونس 75-92، هود 96-101، طه 9-101، الإسراء 101-104،القصص 3-40، الشعراء 10-68، النمل 7-14، المؤمنون 45-48، إبراهيم 5-8، الصافات 114- 122، الذاريات 38-40، القمر 41-42، الحاقة 9-10، المزمل 15-16، الزخرف 46-56، غافر 23-46، الدخان 17-33.
2 سورة الشعراء آية 23-29.
3 سورة طه 49-54.

(1/198)


وكل هذا التعريف بالإله الحق لا يزيد فرعون وملأه إلا استكبارًا في الأرض فاتهموا موسى بالسحر والجنون, وجمع له السحرة فغلبهم فآمنوا، فقتلهم فرعون فأمسوا شهداء في سبيل عقيدة التوحيد قائلين لفرعون: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} 1.
وكان من تمادي فرعون وطغيانه وتكبره على دعوة التوحيد أن قال لهامان وزيره ما حكاه الله تعالى عنه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِين، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ} 2.
وقد أرسل الله على آل فرعون آيات شاهدات بوحدانية الله ومؤيدات لرسوله موسى عليه السلام وهي الطوفان والجراد القمل والضفادع والدم, وعند نزول كل بلاء بهم كانوا يطلبون من موسى أن يدعو ربه لكشف ذلك عنهم حتى يؤمنوا ولم يذهبوا لفرعون لكشف ذلك لعلمهم أنه عاجز عن ذلك: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} 3. لكنهم بعد كشف العذاب عنهم في كل مرة يرجعون لكفرهم بالله مع تيقنهم أن موسى على الحق وأن هذه الآيات شاهدة بصدقه, كما قال تعالى عنهم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} 4، وقال تعالى عن قول موسى لفرعون: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} 5.
__________
1 سورة طه آية 72 - 73.
2 سورة القصص آية 38 - 39.
3 سورة الأعراف 134.
4 سورة النمل آية 14.
5 سورة الإسراء آية 102.

(1/199)


والآن لم يبق أمام فرعون إلا التخلص من داعية التوحيد موسى عليه السلام وأقرب طريق لذلك قتل موسى، فسمع بذلك رجل مؤمن من آل فرعون فدافع عن موسى ودعوته مبينًا لهم سوء أمرهم وتدبيرهم وحذرهم من بأس الله أن يحل بهم وذكرهم بمصير من قبلهم، قال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ, يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ, وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ, مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ, وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ, يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} 1.
ولكن قوم فرعون ضاقوا ذرعًا بدعوة هذا الرجل الذي تلطف معهم غاية التلطف وهموا به ليقتلوه مع موسى فنجاه الله منهم: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} 2.
ولما بلغ التجبر عند فرعون وقومه نهايته, أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يخرج بقومه ليلًا، ولما علم فرعون بتحركهم تبعهم بجيشه الكثيف ومشى بنو إسرائيل إلى البحر فجعله الله لهم طريقًا يبسًا لتوحيدهم له، ومشى فيه فرعون وجنوده فأغرقوا بكفرهم، ويؤمن فرعون في تلك اللحظة ويرجع إلى التوحيد الذي رفضه من قبل ولكن الله لم يقبل منه ذلك لفوات الأوان، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ, أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ
__________
1 سورة غافر 28-33.
2 سورة غافر 45.

(1/200)


الْمُفْسِدِينَ, فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} 1.
وهكذا يكون إنجاء الله للموحدين المستضعفين وإهلاكه لأعداء التوحيد من المشركين, فلتحذروا أيها الملأ من قريش أن يصيبكم ما أصاب هؤلاء من الدمار والعذاب بمعارضتكم لرسول التوحيد محمد صلى الله عليه وسلم.
ب- قصة موسى مع قومه
قصة موسى مع قومة فيها إشارات كثيرة إلى الوحدانية نذكر منها ما يلي:
لقد نجى الله موسى وقومه وكان البحر لهم طريقًا يبسًا بتوحيدهم، وكان لقوم فرعون مقبرة بكفرهم، ولكن بني إسرائيل ما لبثوا أن خانوا عقيدة التوحيد فور خروجهم من البحر حيث مروا على قوم يعبدون الأصنام فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا كما لهؤلاء القوم، ولكن هل يطلب مثل هذا الطلب إلا الجاهلون السفهاء، لقد نسوا أن نجاتهم من طغيان فرعون كانت بالتوحيد، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ, إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 2.
ولكنهم ما لبثوا بعد أن ذهب موسى لتكليم ربه أن جمعوا حُليَّهم فصنع السامري منها عجلًا جسدًا له خوار فعبدوه من دون الله زاعمين أن هذا إلههم وإله موسى. هذه هي طبيعة بني إسرائيل من نقض العهد والميثاق، ولقد خرجوا من مصر باسم التوحيد ومشوا في البحر ناجين من فرعون باسم التوحيد، وبعد ذلك يطلبون من نبيهم صنمًا يعبدونه، فسفه أحلامهم ووصفهم بالجهل وبين لهم حقيقة التوحيد،
__________
1 سورة يونس 90- 92.
2 سورة الأعراف آية 138 - 139.

(1/201)


ومع كل هذا لما ذهب موسى للميعاد غدروا به وبعقيدة التوحيد, فعبدوا العجل, قال تعالى عنهم: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ, فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} 1.
ولكن يا لها من غفلة وضلالة، وهل يكون إلهًا من لا يضر ولا ينفع؟ هل يكون إلهًا من لا يتكلم ولا يملك الهداية لأحد، قال تعالى: {أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً, وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي, قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} 2، وقال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا} 3.
ولما رجع موسى غضب لدين الله وعقيدة التوحيد، فأخذ العجل وحرقه, ثم رماه في البحر, وعرفهم بالله الواحد الذي يستحق العبادة والشكر على ما أنعم به عليهم من نعمة الهداية ونعمة النجاة من فرعون، قال تعالى عن قول موسى للسامري: {وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً, إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} 4.
وهكذا فلتعلموا أيها المشركون أن هؤلاء اليهود الذين يزينون لكم الكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم رسالة التوحيد الخالص -هذا هو موقفهم من عقيدة التوحيد وكان أنبياؤهم على قيد الحياة، فكيف وقد انقطع مجيء الرسل من بينهم وغيروا كتاب ربهم، فليس كثيرًا عليهم أن يقولوا لكم ما قاله تعالى عنهم: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} 5، وليس صعبًا عليهم كذلك أن يطعنوا
__________
1 سورة طه آية 87-88.
2 سورة طه آية 89 - 91.
3 سورة الأعراف آية 148.
4 سورة طه آية 97 - 98.
5 سورة النساء آية 51.

(1/202)


بمحمد صلى الله عليه وسلم ودعوة التوحيد, وأن يزينوا لكم كفركم وشرككم بالله حسدًا من عند أنفسهم.
وقد هدد الله المشركين بعد سرد قصة بني إسرائيل مع موسى في سورة طه فقال بعد نهاية القصة مباشرة: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً, مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً, خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً, يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً} 1.
__________
1 سورة طه آية 99 - 102.

(1/203)


قصى عيسى بن مريم عليهما السلام
...
4- قصة عيسى بن مريم عليهما السلام1.
ذكرت قصة عيسى بن مريم عليهما السلام في القرآن عدة مرات, وكانت السمة البارزة فيها نفي ألوهية عيسى ونفي بنوته لله تعالى وإظهار بشريته وعبوديته لله.
ففي سورة آل عمران بعد ذكره تعالى لنذر امرأة عمران وهي كبيرة في السن وولادتها مريم، ثم ذكره تعالى لقصة كفالة زكريا عليه السلام لمريم وما حدث من إكرام الله لها في المحراب ونشأتها النشأة الطيبة برعاية الله تعالى ثم تبشير الملائكة لزكريا بالغلام على كبر سنه وسن زوجته، كل هذه القصص المتلاحقة في سورة آل عمران سيقت لبيان قدرة الله تعالى على كل شيء، وأنه قد يخلق إنسانًا من غير أب ولا أم كما خلق آدم، وقد يخلق إنسانًا من أب وأم كما هو المشاهد في كل بني البشر، وقد يخلق إنسانًا من أبوين كبيرين في السن لا يولد لمثلهما عادة كما حصل لعمران وزوجته وزكريا وزوجته ومن قبلهما إبراهيم وزوجته، وقد يخلق الله إنسانًا من أم بلا أب كما خلق عيسى عليه السلام، وهذه القصص كلها توطئة للحديث عن عيسى وتقرير بشريته وتناسله من البشر وأن أمه من البشر وهو من البشر كذلك, وهو عبد الله ورسوله وليس بإله ولا ابن الإله.
وبعد سرد هذه القصص كلها يأتي تبشير الملائكة لمريم بعيسى وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا، وأنه وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولًا وشيوخًا، إلا أن ذلك حجة واضحة على أن عيسى كان في معاناة أشياء مولودًا ثم كهلًا ثم شيخًا، ومن كان هذا شأنه متقلبًا في هذه الأطوار الجسمانية متغيرًا بمرور
__________
1 انظر السور التالية: آل عمران 42-60، النساء 156-159 و171-172، المائدة آيات 17 و46 و72 و109-120، التوبة 30-31، مريم 16-37، المؤمنون 50، الزخرف 57-65، الحديد 26-27، الصف 6 و14.

(1/204)


الأزمنة عليه والأيام من صغر إلى كبر فليس بإله؛ لأن الإله منزه عن هذا الوصف1 قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ, وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ} 2، وقد نصت الآية على أنه ابن مريم لينتفي الشك في أنه بشر وليس بإله ولا ابن الإله.
وتستغرب مريم أن يكون لها ولد وهي ليست بذات زوج, فيجيبها الملك بأن الله يخلق ما يشاء لأنه على كل شيء قدير: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 3.
وفي كل أمر كان عيسى عليه السلام يسند تدبيره إلى الله، فالطير الذي ينفخ فيه عيسى فيصير طيرًا بإذن الله, وإبرائه المرضى بإذن الله، وإحيائه الموتى بإذن الله, فكيف يكون إلهًا من ينفي عن نفسه الألوهية وهو رسول من قبل الإله الحق؟..
وفي سياق القصة في سورة آل عمران تصريح هام من عيسى بعبوديته لله ربه ورب الناس كلهم: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} 4. {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} 5.
فلم تكتفِ الآية هنا بنقل نص عيسى على عبوديته لله, بل زادت بيانًا أن تأليه عيسى والتقرب إليه بأي نوع من أنواع العبادة شرك يحرّم على صاحبه دخول الجنة
__________
1 انظر تفسير الطبري 3/269 وتفسير ابن كثير 1/364.
2 سورة آل عمران 45-46.
3 سورة آل عمران آية 47.
4 سورة آل عمران آية 51، وسورة مريم آية 36.
5 سورة المائدة آية 72.

(1/205)


ومسكنه في النار، وأما الآية الأخرى في السورة فتنفي ألوهية عيسى وتقرر بشريته وبشرية أمه كذلك, بأنهما كانا يأكلان الطعام والإله لا يأكل الطعام؛ لأنه مستغنٍ عنه وكفى بالأكل والشرب وما يتبعه من بول وغائط دليلًا أكيدًا على البشرية ونفي الألوهية عمن يعتريه ذلك, قال تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} 1.
وفي سياق قصة آل عمران إشارة لقدرة الله على خلق عيسى من غير أب، وأنه خلق قبله آدم من غير أب ولا أم، وفيه تأكيد آخر لبشريته ونفي ألوهيته: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ, الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} 2، ومن قال بعيسى غير هذا القول فهو كاذب يستحق لعنة الله لأنه ما من إله إلا الله والله عزيز حكيم قادر على الانتقام ممن يؤله عيسى ويدعى نبوته لله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 3.
وأما القصة في سورة المائدة فتبدأ بتذكير عيسى بنعمة الله عليه وعلى والدته، وتكليمه الناس في أطواره المختلفة، وتعليمه التوراة والإنجيل والمعجزات الأخرى الحاصلة بإذن الله وحمايته من كيد بني إسرائيل، هذه النعم كلها تكون من منعم وهو الله ومنعَم عليه وهو عيسى, ويجب على المنعم عليه شكر المنعم وعبادته, ومن كان منعَمًا عليه فليس بإله، ومن احتاج لحماية غيره له فليس بإله، إذ الإله مستغنٍ عن غيره, فحماية الله لعيسى تبين أنه ليس بإله وأنه بشر، وفي القصة كذلك شهادة الحواريين بعيسى -وقولهم حق يؤخذ به لإيمانهم بالله وقربهم لعيسى فقولهم له: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} 4، فيه
__________
1 سورة المائدة آية 75.
2 سورة آل عمران آية 59-60.
3 سورة آل عمران آية 62.
4 سورة المائدة آية 112.

(1/206)


إشارة كذلك لبشرية عيسى ونفي ألوهيته من وجهين:
أولهما: قولهم يا عيسى بن مريم فنسبوه لأمه ولم ينسبوه إلى الله.
ثانيهما: قولهم هل يستطيع ربك، ولو كان إلها لقالوا له هل تستطيع، وقولهم ربك فيه دلالة على أنه مربوب وعبد للرب.
ثم قول عيسى في طلبه المائدة من الله: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا} نفي لإلهيته وتأكيد واضح لبشريته وأنه عبد مربوب.
ثم تختم القصة ببيان استجواب الله لعيسى يوم القيامة عن هذا الافتراء الذي افتراه النصارى بادعائهم ألوهية عيسى وأمه، واستعظام عيسى لهذه الكلمة وبيانه أن هذا ليس من حقه، وأنه ما قال إلا ما أمر به من أنه بشر رسول عبد يأمر الناس بعبادة ربهم وربه، وهذا فيه كذلك تصريح من عيسى نفسه بعبوديته لله ونفيه الألوهية عن نفسه وعن أمه وتنزيهه لله عن الشرك والولد: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} 1.
وأما في سورة مريم فتتخذ القصة أسلوبًا آخر لبيان بشرية عيسى ونفي ألوهيته، حيث تبين حمل مريم بعيسى كما تحمل النساء وولادتها كما تلد النساء، وتبدأ القصة بظهور الملك لمريم بشكل بشر ومجادلتها له في هذا الأمر وأنها ليست بذات زوج ولا من البغايا، ثم وصف الموهوب لها بأنه غلام وأنه يكلم الناس وأن ذلك أمر هين على الله، كل هذا تمهيد وتوطئة لإظهار بشرية عيسى وتقريرها حيث إن كل
__________
1 سورة المائدة آية 116- 117.

(1/207)


آية فيها ما يشير لذلك من قريب أو بعيد، فالقصة في سورة آل عمران ذكرت مولد أمه ونشأتها وبشريتها وفي سورة مريم ذكرت مولد عيسى ونشأته وبشريته, قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً, فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً, قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً, قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً, قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً, قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً, فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً, فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً, فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} 1.
وولادة مريم وتمنيها الموت ومناداة عيسى لها بالأكل من الشجرة والشرب من النهر والصيام عن الكلام دلالة على أنها من البشر وليس فيها جزء من الألوهية؛ لأن الصفات السابقة صفات نقص يتنزه الإله عنها.
وتبدأ الآيات بعد إظهار بشرية مريم أم عيسى، تبدأ بإظهار بشرية عيسى نفسه حيث تأخذه أمه مولودًا صغيرًا فيستنكر قومها ذلك فتشير إليه فيتكلم فقالوا: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً} 2، فوصفوه بأنه صبي والصبي سيكبر ويتغير، ثم نطقه بأنه عبد الله آتاه الكتاب وهو نبي، كل هذا تأكيدًا لبشرية عيسى ونفي الألوهية: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} 3، ويؤكد هذه العبودية بأن الله جعله مباركًا، والجعل يحصل من جاعل، وإن الله أوصاه بالصلاة والزكاة وهما من العبادات المفترضة على العبيد لله تعالى، والله تعالى قد أوصاه ببر والدته ولم يقل بوالديّ كما قال يحيى قبله، وهذا فيه تأكيد كذلك على
__________
1 سورة مريم آية 16-24.
2 سورة مريم آية 29.
3 سورة مريم آية 30.

(1/208)


بشريته وأنه ليس والد, بل فقط هي مريم: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً, وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} 1.
ثم إن لعيسى ثلاثة أيام كما لغيره من البشر, يوم ولد فيه ويوم يموت فيه ويوم القيامة يبعث حيًّا بعد موته، وهو تأكيد آخر لعبوديته لله وأنه بشر يجري عليه ما يجري على سائر البشر؛ لأن من يولد بعد عدمه ومن يموت بعد حياته ومن يبعث بعد موته, ليس بإله، بل هو بشر وصفاته هذه صفات البشر: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} 2.
وتختم القصة بما ختمت به في سورة آل عمران من بيان قدرة الله تعالى على خلق ما يشاء واعتراف عيسى بعبوديته لله, وأن هذا هو الدين الحق يقول تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ, مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ, وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} 3.
وكذلك آيات سورة الزخرف تؤكد بشرية عيسى وتنفي ألوهيته, يقول تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} 4، ويقول عيسى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} 5.
هذه القصص والآيات كلها تؤكد أن عيسى وأمه من البشر ليس فيهما صفات الألوهية وأن القول بغير هذا كذب وافتراء باللسان, كما قال تعالى: {وَقَالَتِ
__________
1 سورة مريم آية 31-32.
2 سورة مريم آية 33.
3 سورة مريم آية 34-36.
4 سورة الزخرف آية 59.
5 سورة الزخرف آية 64.

(1/209)


الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} 1.
وبالتالي فهذه القصص كلها تقرير لوحدانية الله تعالى ونفي ألوهية أحد غيره ونفي أبوته لأحد وبنوة أحد له، فاعتبروا أيها المشركون، يا من تنسبون إلى الله الولد, ويا من تقولون بأن الملائكة وعزيز والمسيح أبناء الله، وإن لم تنتهوا عما تقولون من الكفر والافتراء على الله بنسبتكم الولد إليه ليصيبن الذين كفروا منكم عذاب أليم, قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ, اللَّهُ الصَّمَدُ, لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ, وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} 2.
__________
1 سورة التوبة آية 30.
2 سورة الإخلاص.

(1/210)


القسم الثاني: قصص رسل من غير أولي العزم
1- قصة هود عليه السلام مع قومه 1.
أرسل الله هودًا عليه السلام إلى قومه عاد وكانوا يسكنون بالأحقاف بين عُمان وحضرموت, وكانوا يعبدون الأصنام ومنها: صداء وصمود والهباء2، فأخذ هود عليه السلام يدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة الأصنام, قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} 3.
لقد سمى هود عليه السلام مشركي قومه كذابين مفترين؛ لأنه ليس أكذب ممن يعبد الأصنام ويعطيها صفة الألوهية ويخصها بما هو حق خالص لله تعالى.
وقد ذكر هود قومه بنعم الله عليهم ليوصلهم إلى وجوب شكر المنعم بتوحيده, ومن هذه النعم استخلافهم بعد قوم نوح وزيادة أجسامهم في الطول والقوة وإرسال المطر في السماء ونعمة الأنعام وغيرها من النعم, قال تعالى عنه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 4. وقال: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ
__________
1 انظر السور التالية: الأعراف 65-72، هود 50-60، الشعراء 123-140، العنكبوت 38، فصلت 14-18، الأحقاف 21-28، الذاريات 41-42، النجم 50، القمر 18-21، الحاقة 4-8 وانظر القصة مفصلة بتفسير الطبري 8/118.
2 انظر تفسير الطبري 8/117.
3 سورة هود آية 50.
4 سورة الأعراف آية 69.

(1/211)


مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} 1. وقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ, وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ, أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ, وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} 2.
وكل هذا التذكير بنعم الله عليهم وبقوم نوح من قبلهم الذين دمرهم الله بشركهم وكل التخويف من بأس الله لا يزيدهم إلا استكبارًا وعنادًا للحق حتى قالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة} 3.
ثم وصفوا هودًا عليه السلام بالسفاهة وأن بعض آلهتهم أصابته بسوء وأنهم لن يتحولوا عن دين آبائهم: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ, إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ, وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} 4.
ويبين لهم هود عليه السلام أن هذه الأصنام ليست إلا مجرد أسماء ولا حقيقة لمسمياتها وليس لها صفة الألوهية؛ لأنها من اختراع آبائهم فيقول لهم: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} 5.
ويزداد قومه عنادًا واستكبارًا عن الحق فيتحداهم هود عليه السلام ويتحدى أصنامهم معلنًا براءته منها؛ لأنه متوكل على الله المتفرد بالألوهية: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ, مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ, إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 6.
وهكذا يستمر قوم هود على عنادهم وفرارهم من التوحيد متمسكين بأصنامهم
__________
1 سورة هود آية 52.
2 سورة الشعراء 131-134.
3 سورة فصلت آية 15.
4 سورة الشعراء آية 136-137.
5 سورة الأعراف آية 71.
6 سورة هود آية 54 - 56.

(1/212)


إلى أن ينزل الله بهم العذاب بالريح العاتية الشديد بردها وصوتها وهبوبها: قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ, تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ, فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ, وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} 1.
وهكذا تكون النهاية الأليمة للمشركين أعداء الله ورسله ودعوته وينجي الله المؤمنين المستضعفين على قلتهم؛ بتوحيدهم وتوكلهم على الله، فليكن ذلك عبرة لكم يا كفار قريش، وأنتم لستم بأعز على الله من عاد قوم هود إن تمسكتم بشرككم وتكذيب رسولكم.
__________
1 سورة القمر آية 19- 22.

(1/213)


2- قصة صالح عليه السلام مع قومه1
أرسل الله صالحًا عليه السلام إلى قومه ثمود وكانوا يسكنون الحجر بين الحجاز والشام, وكانوا مشركين يعبدون الأصنام فأخذ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ ما يعبدون من دونه، قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 2.
وقد ذكّر صالح قومه بأنعم الله عليهم حيث استخلفهم في الأرض من بعد قوم عاد وبما أنعم الله عليهم من البساتين والعيون والفواكه الطيبة والبيوت التي نحتوها في الصخر وغيرها من النعم التي توجب عليهم شكر المنعم وتوحيده وترك عبادة الأصنام التي ليس لها نعم عليهم: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} 3.
هذه الدعوة إلى توحيد الله تعالى مذكرًا إياهم بمصير الغابرين قبلهم وبنعم الله عليهم لا تزيدهم إلا سخرية بصالح ودعوته ونفورًا من التوحيد: {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} 4.
__________
1 انظر السور التالية: الأعراف 73-79، هود 61-68، الحجر 80-84، المؤمنون 31-41، الفرقان 38، الشعراء 141-159، النمل 45-53، العنكبوت38، فصلت 14-18، الذاريات 43-45، النجم 51، القمر 23-31، الحاقة 4-8، الشمس 11-15، وانظر القصة مفصلة بتفسير الطبري 8/224.
2 سورة الأعراف آية 73.
3 سورة الأعراف آية 74.
4 سورة هود آية 63.

(1/214)


وكانوا يدعون بحضور العذاب سخرية بصالح والمؤمنين معه فيقول لهم صالح: {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} 1 فيجيبونه بأنهم قد تشاءموا به وبدعوته وبمن معه من المؤمنين مفسرين كل ما يحل بهم من مكروه ومصائب من قِبَل صالح ودعوته وأصحابه: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَك} 2.
وقد أيد الله صالحًا بمعجزة كانت ناقة كبيرة لم ير مثلها وكانوا يحلبونها جميعًا ولها يوم تشرب فيه من العين ولهم يوم، لكنهم قتلوا الناقة وحاولوا قتل صالح عليه السلام ليتخلصوا من دعوة التوحيد وداعيها.
عندئذ وبعد أن كثر طغيانهم وأبوا دعوة التوحيد وسخروا بها وقتلوا الناقة حق عليهم العذاب فأرسل الله عليهم صيحة من السماء أزهقت أرواحهم جميعًا ونجى الله القلة المؤمنة بتوحيدها لله وتوكلها عليه, قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ, فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ, وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ, كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ} 3.
فليكن في قصة ثمود وما حل بهم من العذاب عندما كذبوا رسولهم عبرة لكم يا كفار قريش، وخاصة أن أرضهم وديارهم تقع على طريق قوافلكم فترون ما حل بالمشركين من قبلكم.
__________
1 سورة النمل آية 46.
2 سورة النمل آية 47.
3 سورة هود آية 65-68.

(1/215)


3- قصة شعيب عليه السلام مع قومه1
أرسل الله شعيبًا عليه السلام إلى قومه وكانوا يسكنون المدينة الواقعة على طريق الحجاز قرب معان من جهة الأردن واسمها "مدين", وكانوا قومًا مشركين بالله ويتلاعبون بالكيل والميزان ويقطعون الطريق, فدعاهم شعيب عليه السلام إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام وترك باقي المنكرات, قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} 3.
وذكّرهم شعيب عليه السلام بنعمة الله عليهم حيث كانوا قليلين فكثّر نسلهم وذكرهم بتدمير المشركين من قبلهم فقال: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} 4.
وكل هذا التذكير بالنعم والتخويف من النقم لم يزدهم إلا عنادًا وسخرية بشعيب ودعوته والمؤمنين معه حتى هددوه بالطرد أو الرجم لولا عزة قومه: {قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} 5.
__________
1 انظر السور التالية: الأعراف 85-93، هود 84-95، الحجر 78-79، الشعراء 176-191، العنكبوت 36-37، والقصة مفصلة بتفسير الطبري 8/37 و 12/98.
2 انظر تفسير ابن كثير 2/131.
3 سورة الأعراف آية 85.
4 سورة الأعراف آية 86.
5 سورة الأعراف آية 88.

(1/216)


فيحييهم شعيب عليه السلام جواب الواثق بدينه المتوكل على ربه بأنه لن يترك دينه وتوحيده لله إلى الشرك والوثنية, وهذا ما يريده المشركون من الموحدين في كل زمان: إما أن يتبعوهم على كفرهم وشركهم بالله أو يخرجوهم ويطردوهم, وجواب شعيب هو الجواب الحق لكل موحد: {قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} 1.
وهذا فيه بيان صريح أن ملة الشرك ملة كاذية باطلة, وفيه إشارة كذلك لمشركي قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لن يستجيب لطلبهم عبادة أوثانهم سنة على أن يعبدوا إلهه سنة2.
ويزداد قوم شعيب تهكمًا به وسخرية بدينه: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} 3.
ويظل شعيب يستعطف قلوبهم للتوحيد دون أن يؤذيهم بكلمة قاسية, وأن لا تكون عداوتهم له سببًا في إصرارهم على الشرك, ويذكرهم بما حل بالأمم المشركة لاستكبارها عن التوحيد: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ, وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ, وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} 4.
وما زادهم كل هذا التلطف والتودد إلا سخرية ونفورًا من التوحيد, عندها
__________
1 سورة الأعراف آية 89.
2 انظر تفسير ابن كثير 4/560.
3 سورة هود آية 87.
4 سورة هود آية 88-90.

(1/217)


استحقوا عذاب الله ففتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم, فاشتد الحر فلم ينفعهم ظل ولا ماء, فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح فتنادوا: الظلة عليكم بها, فلما اجتمعوا تحت السحابة انطبقت عليهم 1.
هذا هو مصير الشرك وأهله؛ ولذلك لم يحزن عليهم, وهل يحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وسخروا بنبيه ودعوته والموحدين, قال تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} 2.
فلتحذروا أيها المشركون أن يحل بكم ما حل بقوم شعيب إن عصيتم محمدًا وكذبتموه، وها أنتم تمرون على منطقة قوم شعيب لأنها في طريق أسفاركم وتجارتكم إلى الشام, إنهم قد دمروا بشركهم ونجى شعيب والمؤمنون بتوحيدهم.
__________
1 انظر تفسير الطبري 8/237.
2 سورة الأعراف آية 93.

(1/218)


4- قصة يونس عليه السلام1
أرسل الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام, فدعاهم لتوحيد الله تعالى ونبذ ما يعبدون من دونه, ولكنهم لم يؤمنوا معه فأخبرهم أن العذاب سيحل بهم ولم يبت معهم بتلك الليلة, وفي الصباح تغشاهم العذاب وبدت بوادره حتى أيقنوا بالهلاك كما هلك من قبلهم ممن كذبوا رسلهم فأخذوا أولادهم ونساءهم ودوابهم وأولادها, ثم صعدوا إلى مرتفع من الأرض وفرقوا بين الأمهات وأولادهن وبين البهائم وصغارها وعجوا إلى الله برفع العذاب عنهم, فاستجاب الله دعاءهم وقبل توبتهم ودفع عنهم العذاب, وكانت هذه هي القرية الوحيدة من بين القرى المهلكة التي نفعها إيمانها بعد استحقاقها العذاب ومعاينته ورفع عنها العذاب لإيمانها, قال تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} 2.
ولما رأى يونس عليه السلام أن العذاب لم يحل بهم قال: ما جربوا علىّ كذبًا، فذهب حتى ركب البحر فاحتبست السفينة لحدث أحدثوه، وكادت الأمواج تقلبها فاقترعوا فيما بينهم على رمي شخص في البحر فقرع يونس فالتقمه الحوت, ولكن معدته لم تهضمه بأمر الله وقدرته فأخذ ينادي في ظلمات بطن الحوت وأعماق البحر بالتوحيد والاعتراف بظلم نفسه وذهابه في البحر بغير أمر الله له, فأمر الله الحوت أن يلقيه على الشاطئ في العراء, قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ, فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} 3, وقال تعالى: {وَإَنَّ
__________
1 انظر السور التالية: الأنعام 86-87/ يونس 98/ الأنبياء 87-88/ الصافات 139-148/ القلم 48-50.
2 سورة يونس آية 98.
3 سورة الأنيياء 87-88.

(1/219)


يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ, إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ, فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ, فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ, فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ, لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ, فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ, وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ, وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ, فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} 1.
وهكذا نجى الله يونس من بطن الحوت ومن أعماق البحار بتوحيده لربه, وأرسله الله إلى قومه وكانوا أكثر من مائة ألف.
اعلموا أيها المشركون جميعًا أن الله لم يرفع العذاب عن قوم يونس إلا بلجوئهم إلى الله وحده وبراءتهم مما كانوا يعبدون من دونه, فنفعهم إيمانهم, وكذلك كل من وقع في الكربات لا ينجيه إلا رجوعه إلى الله وتوحيده, ففي قصة قوم يونس دليل واضح على وحدانية الله تعالى الذي أنتم به مشركون, فليكن ذلك عبرة لكم وعظة ودافعًا لكم للدخول في دين الله الواحد لا شريك له.
__________
1 سورة الصافات آية 139-148.

(1/220)


5- قصة يوسف عليه السلام1
قصة يوسف عليه السلام ذكرت متكاملة في سورة واحدة، والذي يهمنا منها في هذا الفصل هو دعوته إلى التوحيد داخل السجن وتعريفه السجناء بالله الواحد الأحد.
بينما يوسف عليه السلام في السجن إذ جاءه فتيان سجينان معه يسألانه عن تعبير الرؤى، فطمأنهما أولًا بأنه سيعبر لهما ما رأيا بل يخبرهما بما سيحمل إليهما من طعام, ليزيد اهتمامها بكلامه فيشتاقا لسماعه، وأراد يوسف استغلال الموقف لنشر التوحيد, فبدأ بإسناد ذلك العلم إلى الله وحده, وهذا بداية التنبيه على الوحدانية ونبذ الشرك والأصنام حيث بين لهم أولًا أن هذا العلم الذي حصل عنده هو من تعليم الله إياه: {قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} 2.
ثم زادهما معرفة وترقى في الطعن بأصنامهم, فبين أنه ليس على ملة أهل مصر الذين يعبدون الأصنام, وإنما هو على ملة آبائه وأجداده ملة التوحيد الخالص: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ, وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ} 3، ثم بين لهما أن الهداية إلى التوحيد ونبذ الأصنام إنما هو من فضل الله، وجدير بمن هداه الله أن يشكره, وأول نتائج شكره إخلاص التوحيد له دون الأنداد والأوثان: {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} 4
__________
1 انظر سورة يوسف كاملة.
2 سورة يوسف آية 37.
3 سورة يوسف آية 37-38.
4 سورة يوسف آية 38.

(1/221)


ثم ترقى أكثر في الدعوة إلا أنه لم يطلب منهما طلبًا صريحًا ترك الشرك وإعلان التوحيد، بل وجه ذلك لهما بشكل سؤال فيه غاية الحب والمودة وهو سؤال يقرع الفطرة: أيهما أفضل عبادة رب واحد أم التوجه لأرباب كثيرة؟ {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} 1.
ثم وجه يوسف عليه السلام ضربته الصريحة لعقيدة الشرك والوثنية السائدة في مصر آنذاك، والتي كان عليهما حاكم مصر والبيت الذي نشأ فيه يوسف والشعب بكامله، فبين أن هذه الآلهة المنتشرة في مصر في المعابد الفرعونية ليست إلا مجرد أسماء لا مسميات تحتها؛ لأنها من اختراع المصريين القدامى وليس لهم حجة على عبادتها, وإن الحكم الحقيقي والتصرف المطلق في الكون كله هو لله الواحد القهار المستحق للعبادة دون ما يعبدون، وهذا الدين الذي صرح به ودعاهما إليه هو الدين القيم الصحيح وإن جهله أكثر الناس، فجهل الناس بالحق لا يقلبه باطلًا، واستمساك الناس بباطلهم لا يقلبه حقًّا, قال تعالى عنه: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ, مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 2.
فلتعلموا يا كفار مكة إذن أن هذا الدين الذي يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم دين التوحيد الخالص وهو دين الأنبياء جيمعًا من يوم أن خلق الله آدم، وأن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل يعلن بكل وضوح أنه على دين آبائه وجده إبراهيم دين الحنيفية السمحة الخالي من الشرك، فأين زعمكم إذن أنكم على دين إبراهيم وأنتم مشركون تعبدون الأصنام، وإبراهيم كان مائلًا عن الشرك.
__________
1 سورة يوسف آية 39.
2 سورة يوسف آية 39-40.

(1/222)


قصة سليمان عليه مع بلقيس
...
6- قصة سليمان مع بلقيس1
تفقد سليمان الطير فلم ير الهدهد فغضب لذلك وقرر عقوبته إن لم يكن له عذر في غيابه، وبعد قليل حضر الهدهد غاضبًا؛ لأنه رأى أهل سبأ وملكتهم بلقيس يعبدون الشمس من دون الله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، فكان إخباره سليمان بهذا الخبر -الذي لم يعلم به من قبل- عذرًا واضحًا لغيابه، يقول تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ, إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ, وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ, أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ, اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} 2.
ويهتم سليمان لذا الخبر؛ لأنه يبغض الشرك وأهله ويدعو للتوحيد، فبعث كتابًا مع الهدهد لملكة سبأ يدعوها وقومها للإسلام، فعرضته الملكة على قومها مشيرة في كلامها لمقصد الكتاب وأنه دعوة لدين جديد هو الإسلام لله رب العالمين: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ, إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} 3.
وترسل ملكة سبأ الهدايا النفيسة لسليمان راجية بذلك رده عن مقصده وإبقاءها على دينها، ولكن أنى للموحد أن يقبل بعَرَض الدنيا الزائل عِوضًا عن عقيدته والدعوة إليها, فقال لرسول الملكة: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا
__________
1 انظر سورة النمل 20-44.
2 سورة النمل آية 22-26.
3 سورة النمل آية 29-31.

(1/223)


وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} 1. وهنا قررت الملكة دخول دين الله مع سليمان مبينة أن هذا الاستسلام ليس هو لشخص سليمان بذاته إنما هو إسلام معه لله رب العالمين, وأعلنت ظلمها لنفسها من قبلُ بعبادتها الشمس من دون الله: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 2.
ألا فلتعلموا يا كفار قريش أن إسلامكم مع محمد صلى الله عليه وسلم ليس هو من قبيل الخضوع للزعماء وما يريدونه من أقوامهم، ولا من قبيل إذلال قوم لقوم آخرين وافتخارهم عليهم, إنما إسلامكم مع محمد صلى الله عليه وسلم هو إسلام لله رب العالمين ودخول في دينه ودين أنبيائه أجمعين.
واعلموا أيها الزعماء إن كنتم تغطرستم بالزعامة وتكبرتم عن التوحيد, أن سليمان كان موحدًا وكان ملكًا في قومه، وكانت بلقيس ملكة في قومها ذوي القوة والبأس الشديد, ولم يمنعها ذلك من ترك الشرك وعبادة الأصنام للدخول في الدعوة الجديدة دعوة التوحيد الخالص لله رب العالمين.
__________
1 سورة النمل آية 37.
2 سورة النمل آية 44.

(1/224)


القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموجودين
قصة أصحاب الكهف
...
القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموحدين
1- قصة أصحاب الكهف 1
أصحاب الكهف كانوا مسلمين موحدين، وكان الملك آنذاك عابد وثن، فاكتشف أمرهم فدعاهم لعبادة آلهته وترك دينهم، فأبوا اتباعه وأعلنوا بكل صراحة أن ربهم هو رب السماوات والأرض، فكأنهم استدلوا بالسماوات والأرض على وحدانية الله تعالى, فانطلقوا من توحيد الربوبية للاستدلال على وحدانية الإله المعبود، فرب السماوات والأرض إذن هو الإله, يقول تعالى عنهم: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} 2.
نعم إن الشرك بالله شطط من القول وكذب وافتراء وبهتان عظيم، فلتعلموا يا كفار مكة أي كذب تفترونه بإشراككم بالله الأنداد والأوثان.
ثم يصرح الفتية الموحدون بأن قومهم ليس لهم أية حجة في عبادتهم آلهة من دون الله، وهل أظلم وأطغى ممن يعبد ويعتقد بما ليس له عليه دليل: {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} 3. وهذا هو التقرير الذي قرره هؤلاء الفتية مرة أخرى، وهو أن الشرك كذب وافتراء ولا أظلم ممن زعم ذلك بغير حجة ولا دليل.
ويعتزل الفتية الموحدون قومهم خوفًا من أن يفتنوهم عن دينهم إلى الشرك
__________
1 انظر سورة الكهف آية 9-26 وانظر تفسير الطبري 15/197 وتفسير ابن كثير 3/72.
2 سورة الكهف آية 14.
3 سورة الكهف آية 15.

(1/225)


والوثنية، فما دام أنهم اعتزلوا أوثانهم فليعتزلوا مجتمعهم إذن؛ لأنه مجتمع الشرك والوثنية ويحارب التوحيد: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً} 1.
وتمضي القصة تبين عناية الله ورعايته للمؤمنين الموحدين في كهفهم حيث ناموا فيه نومًا هادئًا سنين طويلة من غير أن تبلى أجسامهم، ويتغير الشرك في مدينتهم خلال هذه المدة، ويأتي حاكم مؤمن موحد بعد ثلاثمائة وتسع سنين من دخولهم الكهف ونومهم فيه، ويشاء الله أن يستيقظوا جياعًا يتلهفون للأكل ولكنهم يخشون أن يعلم قومهم بمكانهم فيقتلوهم أو يردوهم إلى الشرك والوثنية، لذلك كان على من يذهب لشراء الطعام أن يكون حذرًا لبقًا في الطريقة التي يدخل بها ويخرج من المدينة: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} 2.
ويكتشف أهل المدينة الموحدون هؤلاء الفتية ويستدلون على مكانهم ويبنون مسجدًا على كهفهم.
وفي ختام القصة إشارة إلى التوحيد كذلك، فيأمر الله تعالى رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن لا يقول سأفعل شيئًا في المستقبل إلا بمشيئة الله وحده المتصرف في الكون ومافيه: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً, إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 3، فليس لأحد حركة أو سكون إلا بمشيئة الله وإراداته الذي ليس للخلق ولي من دونه يدبرهم ويلي أمورهم, وليس له شرك في قضائه وحكمه، بل هو المنفرد بالتدبير والحكم والقضاء والتصرف في العباد كما يشاء: {مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} 4.
__________
1 سورة الكهف آية 16.
2 سورة الكهف آية 20.
3 سورة الكهف آية 23-24.
4 سورة الكهف آية 26.

(1/226)


فلتعتبروا إذن يا كفار قريش, واعملوا أن شرككم ليس لكم عليه دليل؛ لأنه كذب وافتراء وظلم وشطط من القول.
واعملوا كذلك أن الله لن يضيع أولياءه الموحدين محمدًا وأصحابه الذين يلقون منكم الأذى والتشريد كما لقي الفتية من قومهم.
إن الله لاشك ناصرٌ دينه وأتباع دينه المؤمنين الموحدين.

(1/227)


2- قصة أصحاب الأخدود مع الموحدين 1
هذه القصة أقرب من غيرها لأهل مكة من ناحية الزمان والمكان, فمكان الأخدود الذي أحرق فيه المؤمنون هو نجران الواقعة جنوب الجزيرة, وزمانها كان بعد عيسى وقبل محمد صلى الله عليه وسلم وليس بينهما رسول.
ولا شك أن العرب قد يكون عندهم علم بالقصة قبل نزول القرآن, إما لتناقل الأجيال لها أو لسماعهم إياها من أهل الكتاب, إلا أن هذا النقل قد يكون مشوهًا؛ فجاءت هذه السورة تبين أمر هؤلاء.
وتتلخص القصة بأن جماعة من أتباع دين عيسى عليه السلام كانوا على التوحيد الخالص لله ويعتقدون أن عيسى بشر رسول, وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، وكان حاكم اليمن آنذاك ذو نواس الحميري وكان يهوديًّا، فملأ الغيظ قلبه لانتشار النصرانية بنجران، فعزم على أن يفتن هؤلاء الموحدين عن دينهم وأن يجبرهم على اليهودية وأن يقولوا بعيسى بقول اليهود، فجهز جيشًا كثيفًا وسار نحو هذا الجزء الشمالي من مملكته وطلب منهم ما يريد، لكنهم امتنعوا وأبوا عليه ذلك الانحراف عن عقيدة التوحيد إلى الشرك والوثنية بعدما ذاقوا حلاوة التوحيد، فأمر جنده فخدوا أخدودًا عظيمًا وأضرموا فيه النار وجعلوا يلقون المؤمنين في النار فرحين بمنظر النار تأكل وتذيب شحومهم حتى قضوا عليهم جميعًا ولم يفرقوا بين كبير وصغير ورجل وامرأة.
وقد خلد الله ذكر هؤلاء المؤمنين الموحدين الذين لقوا الموت في سبيل عقيدة التوحيد ولعن الله الكافرين أصحاب هذه الفعلة الشنيعة، مبينًا في القصة مصير
__________
1 انظر سورة البروج كاملة وتفسيرها في تفسير الطبري 20/127 وفي تفسير ابن كثير 4/191.

(1/228)


الفريقين، فريق الموحدين في الجنة، وفريق الكافرين في النار مقسمًا على ذلك بثلاثة أقسام: يقول تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ, وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ, وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ. قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ, وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ, إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ, إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} 1.
وقد بين الله سبب قتلهم لهؤلاء المؤمنين وهو إيمانهم بالله العزيز الحميد وعدم إيمانهم بالكفر والوثنية اليهودية وعقائدها المزيفة.
وأنتم يا أهل مكة, ليكن لكم عبرة في هذه القصة القريبة العهد منكم، إما أن تكفوا عن إيذاء محمد وأصحابه المؤمنين الموحدين وتدخلوا في دينه فيكون لكم جنات تجري من تحتها الأنهار، وإما أن تستمروا على إيذائكم الموحدين من المؤمنين والسخرية بهم كما صنع ذو نواس بالموحدين؛ فعندئذ تدخلون مع اليهود في اللعنة والغضب والوعيد الشديد بعذاب جهنم وعذاب الحريق.
ثم لتكن طبيعة اليهود معروفة لديكم، إنهم يزينون لكم الكفر بالله ومحاربة دينه وإيذاء الموحدين؛ لأنهم أعداء الله وأعداء دينه وأعداء رسله ورسالاته والمؤمنين الموحدين من القدم, وهم لا يريدون دخولكم في دين التوحيد حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فكيف تطيعون مَن هؤلاء تاريخهم ومواقفهم من دعوة التوحيد.
__________
1 سورة البروج آية 1-12.

(1/229)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]