[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

عقيدة التوحيد في القرآن الكريم

ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات
مدخل
...
الفصل الخامس: ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات
لقد شاعت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر آراء تقول بأن كل شيء في هذا العالم متطور، وهذا التطور يشمل العلوم والصناعات والأخلاق والعقائد وكل شيء، وبناء عليه ظهرت عدة تفسيرات لنشأة العقيدة الدينية تبين مراحل تطوراها خلال التاريخ من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد.
وسأقوم في هذا الفصل بإذن الله تعالى ببيان مذاهب التطوريين والرد عليها، ثم بيان أسباب القول بفكرة التطور، ثم بيان أسباب خطئهم في المنهاج الذي سلكوه، ثم ختمت الفصل برد إجمالي على نظرية التطور.

(1/50)


مذاهب التطوريين والرد عليها
مدخل
...
أ- مذاهب التطوريين والرد عليها
تعددت مذاهب علماء الأديان المقارنة في نشأة العقيدة، وأستطيع حصرها في ثلاثة مذاهب رئيسية هي:

(1/50)


1- المذهب الطبيعي:
وقد نادى به "ماكس مولر" سنة 1856م و"كوهن" سنة 1859م و"شغارتز" سنة 1863م، وملخصه أن الإنسان البدائي عندما نشأ وجد نفسه ضعيفًا بين المظاهر الكونية المختلفة، كالشمس والقمر والنجوم والرياح والصواعق والأنهار وغيرها، فاعتقد أن باستطاعتها أن تنفعه أو

(1/50)


تضره، فأخذ يتقرب إليها ويقدم لها سائر أنواع العبادات دفعًا لشرها.
ورد العالمان جيفونس ودريكايم على هذا المذهب بأن الخوف لا يصلح سببًا لنشوء العقيدة، لأنه مع الزمن يألف الإنسان هذه الأشياء بتكررها على نسق واحد، ويذهب خوفه منها ويترك التقرب إليها1.
__________
1 انظر الدين لمحمد دراز ص 119- ص132 ونشأة الدين للنشار ص 70- 200.

(1/51)


2- المذهب الروحي:
وقد نادى به سبنسر وتيلور، وملخصه أن الإنسان البدائي عندما كان يرى الأحلام فيرى أشخاصًا كانوا قد ماتوا، اعتقد ببقاء أرواح الموتى وأن لها القدرة على الإيذاء أو النفع، وكان يعلل كل ما يصيبه من أمراض بغضب هذه الأرواح عليه وخاصة أنها تمثل أرواح أسلافه، فأخذ يتقرب لها بالعبادة خوفًا من شرها وتقديسًا لآبائه وأجداده.
ورد دور كايم على هذا المذهب بأن اعتقاد الإنسان الأولي ببقاء الأرواح لا يكفي لنشوء عقيدة دينية؛ لأن عبادة الأسلاف وجدت عند الأمم المتحضرة كما وجدت عند الأمم البدائية، بجانب عبادة أشياء أخرى، بل بعض الأمم لم تعبد الأسلاف، فلم يكف هذا لتفسير نشأة العقيدة1.
__________
1 انظر الدين لمحمد دراز ص 139-140 ونشأة الدين للنشار ص 32- 38.

(1/51)


3- المذهب التوتمي:
قال به "دور كايم"، والتوتم عبارة عن رمز تتخذه العشيرة شعارًا لوحدتها وقوتها وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة

(1/51)


هذا التوتم ولا تسمح للنساء والغرباء بلمس هذا التوتم، وتحمله معها في الحروب للنصر.
وقد يكون التوتم جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا وعندها يحرم أكله وقتله.
وقد رد كل من "لانج وتيلور وفوكارت وفريزر وشمت" على هذا المذهب بأن هذا التوتم لا يصلح كمبدأ للعقيدة، لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أممًا بدائية كانت تعبد مع التوتم آلهة أخرى، وربما لم تعبد التوتم إطلاقًا وإن كان رمزًا لها1.
هذا هو ملخص أقوال أصحاب المذاهب الثلاثة في تفسير نشأة العقيدة الدينية، واعتقد كل فريق منهم أن تفسيره هو الصحيح وأن باقي المذاهب الأخرى تابعة من حيث الزمن لمذهبه، وأخذ يرد على مذاهب غيره ويبطل صحتها، ولكنهم جميعًا متفقون على أن العقيدة الدينية من إنتاج البشر وتخيلاتهم، وأن تعدد الآلهة هو الأصل وأن التوحيد مرحلة متأخرة جدًّا، وذلك بعد أن أخذت الأمم تترقى في عقائدها وتقلل من عدد المعبودات، وكانت الأمة الغالبة في الحرب تخضع إله الأمة المغلوبة لإلهها، وهكذا حتى انتهى عدد الآلهة لإلهين, ثم آل الأمر إلى الاعتقاد بوحدانية الإله , إذن فالتوحيد حادث ومتطور عن التعدد.
وقد تأثر كثير من الكتاب المعاصرين بهذه الفكرة التطورية وألفوا مؤلفات - إما عن خبث وإما عن جهالة وانخداع- يؤيدون فيها فكرة التطور هذه، ومن هؤلاء الكتاب عباس محمود العقاد، ويظهر ذلك واضحًا في كتابه الذي سماه الله، فقد افتتح الكتاب بالعبارة التالية:
__________
1 انظر الدين لدراز ص159- 165 ونشأة الدين للنشار ص100 - ص174.

(1/52)


"ترقى الإنسان في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلوم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات.." 1.
وكتابه كله ينم عن تأييده لفكرة التطور، وهو وإن كان لا يرجح مذهبًا بعينه من المذاهب التطورية، إلا أنه لا يمانع أن تكون التفسيرات التطورية كلها أسبابًا مختلفة لنشأة العقيدة الدينية، فهو يقول في كتابه:
"وجملة ما يقال فيها أننا لا نجد فرضًا منها يستوعب أسباب العقيدة كلها ويغنينا عن التطلع إلى غيره، ومسألة العقيدة أكبر من أن يحصرها تعليل واحد وأنها قد تتسع لجميع تلك التعليلات معًا ولا تزال مفتحة الأبواب لما يتجدد من البحوث والدراسات ... ويجوز على هذا أن تنبعث العقيدة عن أكثر الفروض المتقدمة لا عن فرض واحد، فنحن لا نهمل سببًا يخطر على البال.." 2 انتهى باختصار.
ويعتقد العقاد أن عبادة الشمس هي أرقى مرحلة توصل إليها العقل البشري، وأنها هي المرحلة السابقة لمرحلة التوحيد مستدلًا بقصة إبراهيم فيقول:
"وهذه الطبقة من طبقات العبادة هي أرقى ما بلغته الإنسانية في أطوارها المتوالية واستعدت بعده للإيمان بإله واحد لجميع الأكوان والمخلوقات.. فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح لأنها أكبر ما تقع عليه العين وتعلل به الخليقة والحياة.. ولنا أن نقول إن ديانة الشمس كانت هي القنطرة الكبرى بين عدوة التعديد وعدوة التوحيد" 3 انتهى باختصار.
__________
1 موسوعة العقاد 1/25.
2 موسوعة العقاد 1/36- 37.
3 موسوعة العقاد 1/43- 52.

(1/53)


ويعتبر أن العرب مروا بهذه الأطوار, ثم يختم بحثه بقوله:
"فالتطور في الديانات محقق لا شك فيه.. هذا التاريخ الطويل هو تاريخ العقل في الترقي إلى التوحيد" 1 انتهى باختصار.
ويعتبر العقاد أن التوحيد ليس نهاية التطور؛ حيث يقول عن العقل: "فترقى في فهم التوحيد ولم تنته جهوده بالوصول إليه" 2، فعلى رأيه هذا سيكون هناك مرحلة بعد مرحلة التوحيد.
ثم تَبِعَت العقاد في ذلك ثريا منقوش في كتابها "التوحيد في تطوره التاريخي" تؤيد فيه آراء العقاد وتزيد عليها حيث تقول:
"فتاريخ التوحيد ليس سوى تتابع لمختلف التطورات التي حدثت في تاريخ الفكر العقائدي, ابتداء بالكثرة الكثيرة إلى التعدد الثلاثي ثم إلى الوحدانية المتجسدة ممثلة بإله سماوي أي طبيعي مرئي ثم بمفهوم للواحد مجرد كلي القدرة والفعالية.." 3.
وتَعتبر أن الظروف المختلفة في الجزيرة واليمن أدت إلى فكرة التوحيد, وأن اليهود أخذوا التوحيد من السبأيين, وتأثر المسلمون باليهود فقالوا بعقيدة التوحيد، فهي تقول في ذلك:
"لقد دفع اليمنيون التوحيد القومي إلى شمال الجزيرة واحتضنه اليهود وأضافوا عليه مفاهيم ذلك العصر الفلسفية التجريدية ونقلوه بدروهم إلى الفكر الديني الذي يليهم وبخاصة الإسلام.."4 انتهى بلفظه.
وسنعرض فيما يلي الأسباب التي دفعت الكثيرين للقول بفكرة التطور.
__________
1 موسوعة العقائد 1/45 - 53.
2 موسوعة العقاد 1/53.
3 التوحيد في تطوره التاريخي لثريا منقوش ص91.
4 التوحيد في تطوره التاريخي ص126. وانظر ص92 من نفس المصدر.

(1/54)


أسباب القول بفكرة التطور
مدخل
...
ب- أسباب القول بفكرة التطور 1
نذكر فيما يلي ثلاثة مصادر للأسباب الدافعة للقول بفكرة التطور هي:
__________
1 انظر الدين لمحمد دراز ص81- ص83 وكتاب أخطاء المنهج الغربي الوافد لأنور الجندي ص73- ص75.

(1/55)


1- المصدر الأول: الكنيسة:
كانت الكنائس الأوروبية في القرنين المنصرمين مصدرًا لفكرة التطور لعدة نواحي:
أ- كانت الكنائس تفرض على أتباعها ضرائب باهظة.
ب- كانت الكنائس تمنع تفسير الإنجيل إلا للباباوات والقساوسة.
جـ- الانحلال الخلقي عند رجال الكنسية.
د- كانت الكنائس تحارب العلم والاكتشافات العلمية.
كل هذه الأسباب مجتمعة، أدت لنتائج سيئة، حيث ثار الشعب على الكنيسة وكفر بالدين وبكل ما تقوله الكنيسة، ونادى بالفكرة القائلة: الدين أفيون الشعوب، معتبرًا الدين من اختراع رجال الكنيسة ليخدروا الشعوب وتتم لهم السيطرة عليهم.

(1/55)


2- المصدر الثاني: المبشرون:
وهناك طائفة من علماء الأجناس والأديان المقارنة كانوا مبشرين بالنصرانية، وممهدين لدولهم للسيطرة العسكرية والاقتصادية، مدفوعين بدافع الحقد الصليبي، ولا يتم لهم ذلك إلا بتشويه عقيدة الإسلام الصافية وشريعته النقية، فلذلك كثر تهجمهم على التوحيد والوحي والرسول صلى الله عليه وسلم والهجرة والجهاد والحدود وغيرها، وأخذوا يبثون الشبه على

(1/55)


الإسلام وعقائده الصافية، وكان من جملة هذه الشبه وأخطرها شبهة فكرة تطور عقيدة التوحيد.

(1/56)


3- المصدر الثالث: الكتاب المعاصرون:
هناك طائفة من الكتاب الجهلة الذين خدعهم بريق التقدم العلمي فظنوا أن كل ما يأتي من الغرب صحيح ومخالفته لا تجوز, ليس في العلوم والصناعات فحسب بل في العقائد والأخلاق.

(1/56)


جـ- بيان أسباب خطئهم في المنهاج الذي سلكوه 1
لقد أخطأ علماء الأديان المقارنة في المنهاج الذي سلكوه فترتب على ذلك خطؤهم في النتائج التي توصلوا إليها, وتتركز أسباب خطئهم في النقاط الأتية:
1- عدم إيمانهم ببعثة الرسل وإنزال الكتب عليهم؛ لأن ذلك يستلزم إيمانهم بالوحي، ولو تم ذلك لكان فيه هدم لمذهبهم من أساسه، ولذلك فهم يصفون الأنبياء بأنهم عباقرة ملهمين استطاعوا أن يبرزوا على غيرهم.
2- عدم تمييزهم بين العقائد الإسلامية الموحي بها إلى الرسل، والعقائد الوثنية والأساطير الهمجية، بدليل أنهم يعتبرون عقائد الإسلام على قدم المساواة مع غيرهم في مقارنتهم فلا يميزون بين دين الله ودين البشر.
3- يعتبرون المفهوم الإسلامي للدين والعقائد الإسلامية الصحيحة نوعًا من التعصب وانعدام الروح العلمية في البحث.
ونحن وإن كنا لا نلوم الباحثين غير المسلمين في هذا لأنهم يعبرون بذلك عن
__________
1 انظر الدين لدارز ص81- ص83 وأخطاء المنهج الغربي الوافد لأنوار الجندي ص73- ص75.

(1/56)


أحقادهم ضد الإسلام وأهله، إلا أننا لا نعفي الكتاب المسلمين الذين تأثروا بتلك النظريات مبهورين بهذه الاكتشافات الخاطئة، ونلوم كذلك الذين يحاولون الدفاع عن خاتمة الرسالات فيقولون بأنها أول رسالة جاءت بالتوحيد الصحيح، ونسوا أن القرآن أخبرنا بأن التوحيد هو دين الأنبياء جميعًا على مرور الزمان.

(1/57)


د- الرد الإجمالي على نظرية التطور
سبق أن بينا الرد على كل قول من الأقوال في نظرية التطور, ولما لهذه النظرية من الخطورة أعقبتُ هذا الرد المفصل برد إجمالي للنظرية وبيانه في الكتاب والسنة وأبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور، وفيما يلي بيان ذلك:
1- الرد من الكتاب والسنة: وقد جمعت بينهما لارتباط الكلام عن الآيات والأحاديث ببعضه, ولأن الأحاديث الواردة هي تفسير للآيات الواردة في هذه النقطة, فنقول:
أ- أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابة أن الفطرة التي فطرت عليها البشرية كلها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 1.
وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} 2.
__________
1 الروم آية 30.
2 الأعراف 172.

(1/57)


فهاتان الآيتان تبينان أن العباد كلهم مفطورون على التوحيد, وأنه الأصل في بني آدم، وقد فسر مجاهد الفطرة بأنها الإسلام1.
قال الطبري: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: "واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك وإقرارهم به.. عن ابن عباس: مسح ربك ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة" 2، انتهى باختصار.
عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" 3.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} 4.
__________
1 انظر تفسير الطبري 21/40.
2 تفسير الطبري 9/110- 111.
3 رواه مسلم ورواه الترمذي عن أنس. انظر صحيح مسلم ج 17 ص196، رقم 2865.
4 رواه البخاري في كتاب الجنائز بلفظ كل مولود، ورواه مسلم في كتاب القدر ج 4/2047.

(1/58)


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الحديث: "فالصواب أنها فطرة الإسلام وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة.. وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فقال: "كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ "1. انتهى باختصار.
وقال ابن القيم رحمه الله: "فجمع عليه الصلاة والسلام بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها وغير الصورة بالجدع والبتك، فغير الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح وهذا تغيير خلقة الصورة" 2.
ويقول كذلك: "فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة" 3.
وبما أن معرفة الله وتوحيده فطرة في النفوس لذلك لما شك الأقوام المكذبون لرسلهم في الدعوة لتوحيد الله استغرب الرسل هذا الشك فقالوا: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} 4.
__________
1 الفتاوى 4/245 وانظر تلبيس الجهمية 2/480 والتنبيهات السنية ص11.
2 إغاثة اللهفان 2/107.
3 إغاثة اللهفان 2/158 وانظر الفتاوى 4/32 والدين الخالص 3/180.
4 سورة إبراهيم آية 10.

(1/59)


ب- بين الله سبحانه أن البشرية كانت أول أمرها على التوحيد ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة لقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} 1، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} 2.
وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله ليردوهم إلى التوحيد. قال الطبري: "وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة.. وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح عليهما السلام كما روى عكرمة عن ابن عباس وكما قاله قتادة" 3 انتهى باختصار.
وعن ابن عباس: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" 4.
وعن قتادة قال: "ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عليهما
__________
1 سورة البقرة آية 213.
2 سورة يونس آية 19.
3 تفسير الطبري 2/336 وانظر كذلك 11/98 وتفسير الكشاف 1/355.
4 الفتاوى 20/106.

(1/60)


السلام عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله عز وجل نوحًا وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"1.
ورجح ابن كثير قول ابن عباس وقتادة معللًا ترجيحه بقوله: "لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض2"، ويقول: ثم أخبر الله تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام"3.
(ج) بين الله في كتابه أن التوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 4، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} 5، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 6، وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} 7، وكل رسول افتتح دعوته لأمته بالدعوة
__________
1 انظر إغاثة اللهفان 2/203 - 205.
2 تفسير ابن كثير 1/250.
3 تفسير ابن كثير 2/411.
4 سورة الشورى آية 13.
5 سورة الأنبياء آية 25.
6 سورة النحل آية 36.
7 سورة الزخرف آية 45.

(1/61)


إلى عبادة الله فقال: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه} 1.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الناس كانوا بعد آدم عليه السلام وقبل نوح عليه السلام على التوحيد والإخلاص كما كان أبوهم آدم أبو البشر عليه السلام حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة، قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوهم لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين وقوم على مذاهب أخرى.. فابتعث الله نبيه نوحًا عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه.. وجاءت الرسل بعده تترى إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين لما كانت النماردة والفراعنة, فبعث الله تعالى إليهم إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام.. فجعل الأنبياء والمرسلين من أهل بيته، وبعث الله بعده أنبياء من بني إسرائيل.. ثم بعث الله عيسى المسيح ابن مريم.."2 انتهى باختصار.
__________
1 سورة الأعراف آية 59، والمؤمنون آية 32.
2 الفتاوى 28/603 وانظر الفتاوى 1/154، 3/397، 19/106، ومدراج السالكين 3/447 وإغاثة اللهفان 2/203 وشرح الطحاوية ص22 والتفسير القيم ص201.

(1/62)


من هذا يتبين لنا أن الشرك لم يكن أصلًا في بني آدم بل كان آدم ومن جاء بعده من ذريته على التوحيد إلى أن وقع الشرك.
2- وأما ردنا على نظرية التطور من أبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور فنقول:
أ- انقسم علماء الأجناس والأديان المقارنة إلى فريقين:
فريق قال بنظرية التطور وقد سبق ذكرها، وفريق آخر من العلماء قال بنظرية معاكسة تمامًا للنظرية الأولى، من أمثال هؤلاء العلماء: لانج وشريدر، وفريزر، وشميدت، وبتا تزوني، وفوكارت، فقد توصل هؤلاء العلماء من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم نظرية فطرية التوحيد وأصالته1، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القدم لم تكن تعرف تعدد الآلهة وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا على هذه الحفريات والكتابات المكتشفة نظريتهم القائلة بأن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد.
ب- ونرد عليهم كذلك بأن المنهج الذي سلكه العلماء القائلون بنظرية التطور حتى توصلوا لما توصلوا إليه من نتائج تطورية، هو منهج خاطئ؛ لأن مقارناتهم كانت لا تفرق بين الدين الصحيح والخرافات الأسطورية الهمجية، التي كانت منتشرة
__________
1 انظر الدين لدراز ص112 ونشأة الدين للنشار ص202.

(1/63)


عند الشعوب القديمة عن الأرواح والأحلام وما إلى ذلك، جعلوا عقيدة التوحيد على قدم المساواة بالعقائد الأخرى الباطلة، فهم لا يفرقون بين اليهودية والنصرانية والصابئية والمجوسية والبوذية والهندوكية وسائر أنواع الشرك من جهة، وبين الإسلام من جهة أخرى.
ج- ونرد عليهم كذلك بأن بحوثهم قامت على افتراضات وتخمينات بسبب أنهم بحثوا في أمم مر عليها آلاف السنين وهي تعتبر في عالم الغيب الذي لا مصدر صحيح لمعرفته إلا بالوحي، ولذلك جاءت أبحاثهم مناقضة للمنهج العلمي الصحيح؛ لأنهم بحثوا فيما لا يستطيع العقل أن يبحث فيه، وكانت أقوالهم رجمًا بالغيب ليأتوا بما يوافق أهواءهم من النتائج1.
وبهذا بتبين لنا أن القائلين بنظرية التطور كانوا في أحكامهم مخطئين في الهدف الذي دفعهم لهذه النتائج وفي الوسيلة التي سلكوها في أبحاثهم، وبالتالي فلا قيمة علمية لأبحاثهم تلك.
وبهذا تبطل نظرية التطور التي نادى بها هؤلاء، ونحن لا ننفي أن عبادة الأسلاف والكواكب وسائر مظاهر الطبيعة والحيوانات كانت موجودة في بعض الأمم والشعوب، ولكن الذي ننفيه هو ادعاؤهم أن هذه العبادة للآلهة المتعددة كانت هي أصل نشأة العقيدة، وأن التوحيد لاحق لهذه المرحلة؛ لأن هذا معناه أن الدين من اختراع البشر أولًّا، وأن التوحيد طارئ على البشرية ثانيًا، وأن عقيدة التوحيد لا مانع أن تتطور إلى مرتبة أرقى كما زعم العقاد وغيره، ولا أرى هذه المرتبة التالية للتوحيد في نظرهم إلا الإلحاد، وهذا ما يريده أعداء الله لهذه الأمة.
__________
1 انظر الدين لدراز ص118 ونشأة الدين ص180 وأخطاء المنهج الغربي الوافد ص79.

(1/64)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]