[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

شرح كتاب التوحيد للحازمي

عناصر الدرس
* الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
* هل دعت الرسل إلى توحيد الربوبية.
* هل بعثت الرسل من أجل توحيد الربوبية؟
* الأصل في بني آدم التوحيد , والأدلة على ذلك
* نصوص الأئمة في إقرار المشركين بتوحيد الربوبية.

س: هذا يقول: هل هناك فرق بين الطبعة القديمة والحديثة لكتاب ... ((القول المفيد)) من حيث التحقيق والتعليق؟
ج: ما أدري ما قارنت بينهما، لكن دائمًا الطبعة الثانية تكون أجود.
س: أثناء دراسة التوحيد أن نقرأ من ((حاشية ابن القاسم))، و ((القول المفيد)) معًا أم ننتظر حتى إذا انهينا ((الحاشية)) نقرأ من ((القول المفيد)).
ج: إن أمكن الجمع جيد، وإن لم يمكن فـ ((حاشية ابن القاسم)).
س: ما الفرق بين الأُلوهية والإِلهية.
ج: هذا سيأتي إن شاء الله في باب السادس على كلٍ الألوهية مصدر، والإلهية نسبة سيأتي إن شاء الله.
س: الفرق بين دلائل الالتزام ودلالة المطابقة والتضمن والاشتمال.
ج: لذلك نقول: العلوم متداخلة، هذا شرحناه هنا في:
دَلالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وَافَقَهْ ... يَدْعُونَهَا دَلاَلَةَ المُطَابَقَهْ
وَجُزْئِهِ تَضَمُّنًا وَمَا لَزِمْ ... فَهْوَ التِزَامٌ إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ

هذا درس كامل أخذناه، إذا أردت ترجع إلى شرح ((السلم)).
س: ذكرت فيما سبق أن التوحيد نسبة الوحدة إلى الله لا للجعل.
ج: نعم الوحدة المراد بها الإنفراد، الله موصوفٌ بالإنفراد كما أنه موصوفٌ بالعلم وهو العليم، والعليم يدل على ماذا؟ على صفة العلم، الله موصوف فحينئذٍ العلم قائم بذات الرب جل وعلا، والإنفراد كذلك صفة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] الواحد الأحد، ما مدلول الواحد، وما مدلول الأحد؟ قل المراد به التفرد، لا للجعل، إيش المراد بالجعل؟ الإيجاد، هل أنت أوجدت هذه الصفة؟ عندما تقول وحدتُ الله هل أنت جعلته واحدًا؟ لا، أنت ليس لك تأثير، إذا قلتَ وحدت الله بمعنى أنك جعلته في الخارج في نفسه جل وعلا واحدًا كأنك جعلته متصفًا بصفة العلم والسمع والبصر، نقول: هذه ليس لك، وإنما أنت نعتقد مدلول اللفظ، فتجعله في قلبك متصفًا بصفة العلم، ثم تنفي هذا العلم صفة المشابهة والمماثلة والنقص وما يلحقه من الصفات التي هي معلومة في باب المعتقد، وإذا جعلت الله عز وجل أو اعتقدت أنه متصف بصفة البصر كذلك، كذلك متصف بصفة ماذا؟ الوحدانية، كذلك تجعله في قلبك، أما الخارج لا ليس لك فيه شأن، والله عز وجل قبل أن يخلق الخلق هو متصفٌ بصفاته، ومن هذه الصفات ما ذكرناه.
س: هل هناك فرق بين الْوِحْدَة والْوَحْدَة؟
ج: فَعْلَة، والوِحدة فِعْلَة.
س: إذ قلنا: بجواز الأخذ منهما قل أشكل عليَّ في قولكم في الدرس السابق فأما التوحيد في المعنى اللغوي فهو أعمّ. يعني من التوحيد الشرعي.

(3/1)


ج: وهذا قاعدة، المعاني اللغوية أعم من المصطلحات، وذكرنا استثناءً فقط هو به بعض الأشياء لكن الإيمان هو الذي يستحضره. إذا قلت: الصلاة في اللغة الدعاء، وفي اصطلاح الشرع أو الحقيقة الشرعية أقوالٌ وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، أيهما أعم؟ الدعاءٌ مطلق أو دعاءٌ على هيئةٍ معينة. الثاني مقيد، أيهما أعم نقول: الصلاة بمعنى الدعاء في اللغة أعم، وهذا في كل شي الحج في اللغة القصد، يعني قصد مكة، قصد الغرب، قصد الشرق .. إلى آخره داخل فيه، لكن تعيين مكة على جهة الخصوص قصد مكة لعملٍ مخصوص أو في زمنٍ مخصوص فهذا خاص بالشرع حقيقة شرعية، حينئذٍ المعنى اللغوي أعم، وهذه قاعدة، يعنى أحفظها هكذا، دركتها أو لا، المعنى اللغوي أعم من المعنى الاصطلاحي إذا كان في غير الشرعيات، أو المعنى الذي هو الشرع الحقيقي الشرعية، ما هو الفاعل؟ الفاعل ما هو؟ كل من أوجد فعلاً فهو فاعل، زيدٌ قائمٌ، زيدٌ أحدث القيام، إذًا زيدٌ فاعلٌ، صحيح؟ [نعم صحيح] زيدٌ في المعنى اللغوي يُعتبر فاعلاً، وأما عند النحاة فالفاعل لا، هو الذي يُذْكَرُ بعد فعله على هيئةٍ مخصوصة، حينئذٍ زيدٌ قام زيدٌ ليس بفاعل وإن كان في المعنى اللغوي فاعل لأنه أوجد القيام، وأما عند النحاة المصطلح الخاص فزيدٌ مبتدأ، وقام هذا فعلٌ. إذًا فرقٌ بين النوعين.
التوحيد ما هو التوحيد؟ جعل الشيء واحدًا، جعل الشيء أي شيء يصدق على الله عز وجل وعلى غيره، وأما في الشرع فهو جعل الله عز وجل واحدًا، فأيهما أعم؟ اللغوي أعم لا إشكال في هذا، ما الذي أشكل عليك. التوحيد المعنى اللغوي فهو أعم ويشمل الآلهة كلها.
س: كيف ذلك وهو التوحيد في اللغة هو جعله الله واحدًا فرضًا؟
ج: ها هو هذا الخطأ، أنت ساويت بينهم جعلت المعنى اللغوي هو المعنى الشرعي، ففسرت المعنى اللغوي بالمعنى الشرعي، جعل الله واحدً فردًا، هذا ترادف صار التوحيد اللغوي هو عين التوحيد الشرعي، نحن ما قلنا هذا، لكن انتبه يا طالب العلم في نسبة الشيء إلى قائله.
هل قلنا المعنى اللغوي هو جعل الله واحدًا؟ لا، فلا بد من الرجوع.
س: وهل هذا التعريف يقتضي دخول آلهةً أخرى؟
ج: نقول: لا يختص بالشرك وحسب، جعل الشيء واحدًا مطلقًا، إذا وحَّدت المزور وأنت قد زرته حينئذٍ جعلت الشيء واحدًا وهو مزورك واحدًا، وحَّدت المشروب حينئذٍ جعلت المشروب شيئًا واحدًا، وحَّدت المأكول المطعوم لا يختص، ويشمل أيضًا كذلك تعدد الآلهة.
س: ثم تقولون يا شيخ النسبة في التوحيد هو نسبة، وليس بجعل كيف ذلك وتذكون يا شيخ في التصريف أنه جعل؟
ج: على كلٍّ أظنك تسمع الشريط مرة ثانية أحسن لك.
س: أشكل عليَّ النسبة والجعل في التوحيد ...
ج: أنتم ما حضرتكم الدروس ولا إيش، على كلٍّ هذه المسألة، مسألة حساسة تحتاج إلى تأمل، ولا تنسب إليّ شيء قبل أن تسمع الشريط مرتين وثلاث.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:

(3/2)


سبق معنا في حدّ التوحيد في اللغة والاصطلاح، وبيان الحقيقة الشرعية للتوحيد وسيأتي باب مستقل يتعلق بشرح وتفسير التوحيد أكثر المسائل هذه تأتي موضحةً هناك، وبيَّنَّا أن أقسام التوحيد:
- إما أن تقسم بطريقة ثنائية.
- وإما تقسم بطريقة ثلاثية.
وأن كلاًّ من التقسيمين راجعًا إلى نوع يختص به، فليس مورد التقسيم والتنويع شيء واحد، لئلا يقال بأنه ثم اضطراب بين التقسيمين، فتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام هذا باعتبار المتعلَّق، اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، اعتقاد هذا محله القلب، فإن تعلّق بوحدانية الرب جل في أفعاله حينئذٍ فهو توحيد الربوبية، وإن تعلّق بوحدانية الرب جل وعلا من حيث فعل المكلّف حينئذٍ هو توحيد الألوهية أو الإلهية أو توحيد العبادة، وإن تعلقَّ بأسمائه وصفاته يعني - اعتقاد الوحدة - حينئذٍ هو توحيد الأسماء والصفات. وهذا بالنظر إلى الرب جل وعلا، التقسيم هذا بالنظر على الخالق جل وعلا لأنه إما موصوف بالربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، وكلها قلنا: تدخل في حد واحد وهو إفراد الله تعالى فيما اختص به من الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات. وإن جئت بالواو فهو أفضل لأن التوحيد يصدق العام مطلق يصدق على هذا الأنواع الثلاثة، ومن حيث ما يجب على المكلف قسمه ابن تيمية وكذلك ابن القيم وجرى كذلك صاحب ((معارج القبول)) على ذلك وهو أنه يُنظر على فعل المكلف يعني باعتبار ما يجب على المكلّف، ما الذي وَجَبَ عليك، إما علم وإما عمل، حينئذٍ توحيد علم وهذا متعلَّقه الربوبية والأسماء والصفات، وأما متعلقة فعل العبد من حيث الإيجاد وهو العمل وهو الإرادي والقصدي. إذًا لا خلاف أو لا اختلاف بين النوعين، إن قلت: الأول. فهو حسن، وإن قلت بالثاني فهو حسن، وكلا الحدَّين أو كلا التقسيمين واردين على شيئين منفكين، ولا يُقال بالاضطراب أو الاختلاف، وإنما هو خلاف أو اختلاف تنوع ولا إشكال في ذلك.
[وقفنا عند مسألة] وذكرنا كذلك أن هذا التقسيم حقيقة شرعية، والدليل على ذلك كما سبق بيانه في أقوال أهل العلم وكذلك التتبع والاستقراء، وينبني على هذا أنه لا يجوز إحداث نوعٍ رابع أو ثالث، نوع رابع باعتبار القسمة الثلاثية، ونوع ثالث باعتبار القسمة الثنائية، حينئذٍ إذا زيد كما يقال بعض الآن توحيد الحاكمية، نقول: هذا مردود، وإن كان المعنى قد يكون له من حيث الشرع المعنى صحيح، إن الحكم إلا لله {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [يوسف: 40]، لا حاكم إلا الله، هذا مقرر في موضعه ولا إشكال فيه، فمن نفى هذا القسم لا ينفي أن الله عز وجل منفرد بالحكم، لأن الحكم إما داخل في أفراد الربوبية، وإما داخل في أفراد الألوهية، وللحكم جهتان:
- جهة متعلقة بالرب من حيث وصفه بصفه الحكم.
- وجهة من حيث تحكيمه وهو فعل المكلّف والتحاكم إلى الرب جل وعلا.
ففيه حينئذٍ نظران:
- نظرٌ إلى كونه فعلاً من أفعال الرب. [أو صفةً نعم فعلاً من أفعال الرب]
- ونظرًا إلى كون المكلف يجب عليه أن يُحَكِّمَ الشرع وأن يتحاكم إلى الشرع.

(3/3)


وإما زيادته هكذا نقول: هذه مردودة لِمَا ذكرناه سابقًا أن أهل العلم أجمعوا على أن القسمة ثلاثية، ثم الحاكمية اللفظ هكذا هذا غلط من جهة اللغة النسبة الحاكمية لأنه نسبة إلى الحاكم، والحاكم هذه إن ثبت أنه اسم لله عز وجل حينئذٍ صار الحاكمية مصدرًا صناعيًّا، مثل ما ذكرناه أول قومية ونحو ذلك، على كلٍّ كلما جاء قسم زائد حينئذٍ نقول: هذا مردود بما ذكرناه سابقًا أن التتبع والاستقراء قد دلاَّ على أن التوحيد محصور في هذه الأنواع، فمن زاد نوعًا حينئذٍ نقول له: هذا جهدك وهذا فهمك، وكلُّ نوع من هذه الأنواع وهذا النوع الذي زدته هو إما داخل في توحيد الربوبية، وإما داخل في توحيد العبادة، وإما داخل في توحيد الأسماء والصفات، ولسنا بحاجة إلى نوع زائد، لأنه إذا فتح الباب كلّّ من رأى مسألةً قد غفل عنها كثير من الناس زادها، حينئذٍ يصبح التوحيد مائة قسم، وكلما طرأ على الناس شيء جديد وأردنا رده كذا جعلنا التوحيد قسمًا أو زدنا التوحيد قسمًا على الأقسام المذكورة، حينئذٍ نقول: هذا يسد الباب ابتداءً، ويجعل التوحيد محصور في هذه الأنواع الثلاثة أو هذين النوعين، وأما هذا النوع الذي بُلي به بعض الناس الآن وقد فسروه أيضًا على غير وجهه، توحيد الحاكمية، هذا فيه نظر، وأما إثبات الحكم لله عز وجل لا يختلف فيه اثنان هذا، ما من مسلم إلا ويعتقد أنه لا يُحَكَّم إلا الله عز وجل، والتحاكم إنما يكون للشرع، وأما إذا انتفى شيء من التحاكم أو الحكم هذا يأتي على مسألة التحاكم إلى غير الشرع فيُنظر فيه، ليس كله يعتبر كفرًا مخرجًا من الملة بل فيه تفصيل، وقد مر شيء من ذلك.
ونذكر الآن فروقًا - مسألة وقفنا عليها - وهي الفروق بين نوعي توحيد الربوبية والألوهية، وإن شئت قل: العلمي، والعملي.
العلمي: الذي هو توحيد الربوبية، ويدخل فيه توحيد الأسماء والصفات.
والعملي: الذي يُعبر عنه بالإداري أو القصدي أو الطلبي، نقول: هذا مرده إلى العمل.
وقد ذكر بعضهم - بعض أهل العلم - فروقًا بين نوعي التوحيد الربوبية والألوهية، منها: من أجل أن نميز بين النوعين، وهذه الفروق تفيدك في مقام:
أولاً: فهم النصوص وهذا واضح بين.
وثانيًا: في رد الشبه المعارض.

(3/4)


لأن التوحيد قلنا: له حقيقة شرعية، فمرده حينئذٍ من الشرع، ولكن في الواقع نجد ثَمَّ اختلافًا في فهم التوحيد، ما هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، فالمعتزلة لهم فهم خاص، والجهمية لهم فهم خاص، والأشاعرة لهم فهم خاص، والقبورية لهم فهم خاص، وبعض الأحزاب كذلك المعاصرة لهم فهم خاص، حينئذٍ اختلفت المفاهيم في فهم التوحيد، وإذا اختلفوا في شيء وجب رده إلى الشرع، فنجد أن التوحيد له حقيقة شرعية، والغريب أنهم يتفقون في فهم الصلاة والحج والصيام والزكاة وهذه الأشياء التي تكون من الفرعيات، التي هي أدنى من التوحيد بكثير، لأن التوحيد هذا شأنه عظيم، فإذا بهم يتفقون على هذه المفاهيم ويجعلون لها حقائق شرعية، ولا شك أن التوحيد أعظم وأعظم وأعظم من الصلاة فضلاً عن غيرها، فإذا سُلِّمَ بأن الصلاة لها حقيقة شرعية، فالتوحيد الذي خُلِقَ الخلق من أجله أن يكون له حقيقة شرعية من بابٍ أولى، وإذا أجمعوا على حقيقة الصلاة الشرعية فمن بابٍ أولى أن يكون ثَمَّ إجماعٌ على مفهوم التوحيد عند السلف، سواء رضوا أو لم يرضوا، إجماعهم على أن للصلاة مفهومًا شرعيًّا إذا أُطْلِق لفظ الصلاة انصرف إليه، نقول: هذا قول الإجماع نستصحبه في ماذا؟ في فهم أن التوحيد لا بد وأن يكون مجمعًا عليه، فله حقيقة شرعية، حينئذٍ يكون المرد إلى الكتاب والسنة، يجادلك من يجادل بأن التوحيد الذي أُنْزِلَتْ به الكتب وأرسلت به الرسل إنما هو توحيد الربوبية مثلاً، حينئذٍ لا بد أن يكون لك سعة اطلاع في الفرق بين النوعين، وأما في اعتقاد ما جاء في الكتاب والسنة فهذا واضح بين، ولذلك يدرس التوحيد من الجهتين، من جهة التقرير المسائل الشرعية المتعلقة بالتوحيد على طريقة السلف كما ذكرنا، لأن ثم طريقًا للخلف، حينئذٍ طريقة السلف في فهم التوحيد هي التي تقرر وهو أمرٌ سهل واضح بين، ويُنظر في التوحيد من جهة أخرى وهو ما يتضمنه المخالف مما عنده من علمٍ يظن أنه علم حينئذٍ لا بد وأنه قد استند إلى أدلة من كتاب أو سنة أو أقوال لبعض السلف يجعلها ماذا؟ يجعلها أصلاً، ويرد إليها جميع ما ورد في الكتاب والسنة، حينئذٍ لا بد أن تكون على علمٍ بطريقة الرد، أو أولاً بما عنده من خلاف، ما هو التوحيد عند المعتزلة، ما هو التوحيد عند الأشاعرة، ما هو التوحيد عند القبورية، لأنه سيقرر لك أن لا إله إلا الله مفادها كذا، على الفهم السقيم عنده، فإذا لم تكن على علم بذلك حينئذٍ يصعب عليك أن ترد ما عنده من شُبَهٍ، وهذا يُنظر فيه في محله، وقد ذكرنا شيئًا من ذلك في شرح ((كشف الشبهات)) وخاصة القبورية والأشاعرة فلهم في التوحيد كلام فاسد، وذكرنا شيئًا من ذلك فيما سبق.

(3/5)


أولاً: الفرق بين النوعين توحيد الربوبية والألوهية، الاختلاف في الاشتقاق، فالربوبية مشتقة من اسم الرب، والألوهية من لفظ الإله، وأعظم خطأ عند الأشاعرة هو تسوية اللفظين، فسَّروا الإله بمعنى الرب، والرب بمعنى الإله، فقالوا: لا إله لا رب لا خالق لا قادر على الاختراع، فلما أخطئوا في اعتقاد أن ثَمَّ ترادفًا بين مفهوم الرب ومفهوم الإله حينئذٍ وقع عندهم خلل في فهم التوحيد، وهذا أصل ضلالهم أنهم قد فسّروا لا إله إلا الله لا خالق أو لا قادر على الاختراع إلا الله، فردوا مفهوم الإله إلى معنى الرب، وهذا خطأ، قد بينا فيما سبق في شرح ((الكشف)) أو ... ((القواعد)) - لا أذكر - أن الرب له معنًى في اللغة ومعنى في الشرع وأن الإله له معنى في اللغة وله معنى في الشرع، ولذلك قال عز وجل: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ} [الناس: 1، 2، 3]، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ}، {بِرَبِّ النَّاسِ}، جاء برب {مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ}، لو كان رب الناس إله الناس بمعنى واحد لصار فيه تكرارًا، لا لفائدة، حينئذٍ نقول: هذا النص الذي يحفظه الصغير قبل الكبير وإن لم يكن يعي مدلوله دل على أن ثَمَّ فرقًا بين الرب والإله، وهذا يأتي بسطه في الباب السادس إن شاء الله تعالى. إذًا الاختلاف في الاشتقاق كل منهما توحيد الربوبية مصدر مرده إلى الرب، والرب بمعنى المالك والخالق والمدبر والمتصرف. إذًا مرد هذا الاسم إلى أفعاله جل وعلا، وأما الإله فمرده إلى أَلِهَ يَأْلَهَ إِلَهَةً إذا عُبد عبادة، فمرده إلى العبودية، فهو معبود فـ (إله) فِعَال بمعنى مفعول.
الثاني: أن متعلق الربوبية الأمور الكونية كالخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها، هذه أفعاله جل وعلا وهي علامة تشمل الكافر والمؤمن، تشمل الحيوان والبهائم، الحيوان بمعنى الإنسان - إن رضيتم - فهي عامة أفعاله جل وعلا عامةٌ، تشمل هذا وذاك، ومتعلق توحيد الألوهية الأوامر والنواهي، افعل لا تفعل، لماذا؟ لأن مرده إلى فعل المكلّف، وقد ذكرنا أن توحيد الألوهية هو الذي عناه ابن القيم بقوله: التوحيد العملي. عمل نسبة إلى ماذا؟ إلى فعل المكلّف اعتقادًا وقولاً وعملاً بالجوارح والأركان فهو عام. حينئذٍ كونه عمليًّا نقول دل على أن ثَمَّ فرقًا بين الربوبية والألوهية، مرد الربوبية أفعاله جل وعلا، ومرد الألوهية فعل العبد لأنه افعل ولا تفعل، إما أمرٌ وإما نهي، واجب، مستحب، محرم، مكروه، مباح، هذه أحكام تُنَزّل على ماذا؟ على من؟ على فعل المكلف، ولذلك موضوع علم الفقه أفعال المكلفين من حيث إثبات الأحكام الشرعية الخمسة لها، فعلك هذا حرام، هذا واجب، هذا مستحب، هذا مكروه، هذا مباح. إذًا الفعل منك والحكم من الله تعالى، إذًا أوامر ونواهي، متعلَّق بالألوهية أوامر ونواهي من واجب ومستحب وسائر الأحكام الشرعية.

(3/6)


الثالث: إن توحيد الربوبية قد أقرَّ المشركون به - في الغالب - وسيأتي معنى إقرارهم وكلام أهل العلم فيهم. توحيد الربوبية أقر به المشركون غالبًا أو قل في الجملة يعني لم يأتوا به على وجه التمام والكمال، لأنهم لو أتوا به لآمنوا واستجابوا، لكنهم لَمَّا لم يستجيبوا لتوحيد الألوهية قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً} [ص: 5] علمنا أن ثَمَّ خللاً في توحيد الربوبية، وسيأتي كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
إذًا من الفوارق أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون في الجملة أو غالبًا، وأما توحيد الألوهية فقد رفضوه أصلاً وفرعًا {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً} دل على ماذا؟ على أنهم لَمَّا فهموا من لا إله إلا الله نفي وإبطال تعدد الآلهة وحصر العبادة في معبود واحد وهو الله جل في علاه رفضوا، إذًا توحيد الربوبية أقروا به في الجملة، وتوحيد الألوهية رفضوه أصلاً وفرعًا.
الرابع: إن توحيد الربوبية مدلوله علمي لأنك ماذا؟ تعتقد أن الله عز وجل متصف بصفة الخلق، إذًا علم يقوم في القلب، متصف بصفة الرَّزق، علم يقوم في القلب، كذلك ما اتبع من الأسماء والصفات، المدبر المصرف .. إلى آخره، فهذه تكون من باب العلم. قال ابن تيمية في ((التدمرية)) - الخاتمة -: هذا القسم العلمي دائر هذا من جهة الرب جل وعلا أن يخبر لأنه من قبيل الخبر ولذلك يُسمى التوحيد العلمي الخبري لم قيل الخبري؟ قال: الدائر بين التصديق والتكذيب من جهة المكلَّف، فالله يخبرك، فحينئذٍ أنت أيها المكلف إما أن تصدق وإما أن تكذب، لأن الخبر ما هو ما احتمل الصدق والكذب لذاته، حينئذٍ المخاطب إذا أُخبر {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] المؤمن يقول: استوى على معناه اللغوي ويعتقد ما دل عليه النص، من لم يؤمن يقول: لا حاشا وكلا. فيعترض على النص ويأت بمعان لم تأت، هذا مصدق أو مكذب، قل: مكذب، لم يؤمن بما دلّ عليه النص، كذلك إذا اعتقد أن الله هو الرازق، هو المحيي، هو المميت حينئذٍ نقول: هذا صدَّق ما دلّت عليه النص، إن لم يفرد الرب جل وعلا بهذه الأوصاف واعتقد النفع والضُّرّ في ذلك المقبور نقول: هذا مكذب، إذا اعتقد بأن الله تعالى محيي ومميت وأنه المتصرف في كل شيء، {وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ} [يونس: 31] حينئذٍ إذا اعتقد في المقبور، نقول: هذا مكذب، لِماذا؟ لأن التصديق الذي يكون نافعًا إذا أفرد الرب جل وعلا بتلك الصفة، يعني إذا اعتقد أن الله خالق في قلبه واعتقد أن ثَمَّ مُشارك من ولي وغيره في صفة الرب جل وعلا الخلق هل هذا معتقد بأن الرب خالق؟ هل هذا الاعتقاد وهو الذي أراده الله عز وجل وطلبه من العباد؟ لا، فمن شَرَّكَ في صفة الخلق كمن كذَّب وأنكر، وإن كان أهون من ذلك المنكر كليًّا، إلا أنه لم يأت بما أُمِرَ به، وهو قد أُمر أن يؤمن بما دلت عليه النصوص من إثبات صفة الخلق للرب جل وعلا ونفي هذه الصفة عن غيره، لأن التوحيد هو هذا الشأن إفراد الله بأفعاله، ومن أفعاله الخلق، حينئذٍ يعتقد أن الرب متصف بهذه الصفة، وينفي هذا الوصف عن غيره، فإن سوَّى أو شرَّك حينئذ لم يؤمن الإيمان الذي طُلِبَ منه.

(3/7)


الحاصل أن مرد توحيد الربوبية إلى العلم وهذا دائر - هذا من جهة الرب جل وعلا - يُخبرك حينئذٍ إما أن تصدق وإما أن تكذب، والألوهية مدلوله عملي وعرفنا المراد بالعملي فعل المكلف، وهذا عَبَّر عنه ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: الدائر بين الامتثال - يعني من جهة المكلّف - أو عدمه، أقم الصلاة هذا من لوازم وحقوق التوحيد كما سبق بيانه من كلام ابن القيم، حينئذٍ إما أن يمتثل وإما أن لا يمتثل، {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] يعني انحر لربك فقط ولا تنحر لغيره، حينئذٍ إما أن يمتثل ويفرد الرب جل وعلا بالنحر، وإما أن يُشَرِّك معه غيره فلا يكون ممتثلاً.
إذًا توحيد الربوبية مداره على الخبر والعلم الدائرين بين التصديق والتكذيب من قبل المكلف.
وتوحيد الألوهية مداره على العمل - عمل المكلف - الدائرين بين الامتثال والترك من قبل المكلف.
إذًا المحل بينهما فرق، يعني محل توحيد الربوبية ومحل توحيد الألوهية بينها فرق.

(3/8)


خامسًا: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، يستلزمه بمعنى أنه لا يثبت لوحده دون توحيد الربوبية إن وُجِدَ توحيد الربوبية حينئذٍ لا بد وأن يكون معه توحيد الألوهية لماذا؟ لأنه إذا وصف الرب جل وعلا بصفات الكمال من الخلق والرزق والتدبير والأحياء والإماتة والنفع والضر .. إلى آخر وسائر أفعال الرب جل وعلا، هل يمكن أن يُتصور أن يصرف العبادة للعاجز الذي ليس بيده النفع ولا الضر ولا الإحياء ولا الإماتة؟ لا يمكن هذا، لا يمكن أن يُقِرَّ بمفردات توحيد الربوبية على وجهة الكمال ثم بعد ذلك يصرف العبادة لمن ينفي عنه تلك الصفات، وإلا كان في عقله خلل، لماذا؟ لأن المتصف بصفات الكمال هو المستَحِقُّ للعبادة وحده دون ما سواه. توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية بمعنى أن [توحيد الألوهية خارج عن مدلول] (1) توحيد الربوبية خارج عن مدلول توحيد الألوهية هذا له لفظ يدل عليه، وهذا لفظ يدل عليه، توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية بمعنى أنه خارج عن اللفظ، هذا لفظ دال على معنى، وهذا لفظ آخر دال على معنى. إذًا لا يدخل في الأصل في الأصل لا يدخل هذا تحت هذا إلا من جهة المعنى الشرعي، لكن لا يتحقق توحيد الربوبية إلا بتوحيد الألوهية، يعني هل يكفي أن يأتي بتوحيد الربوبية ويُحكم عليه بالإسلام؟ لا، لا يكفي لا بد وأن يأتي معه بتوحيد الألوهية، إن وُجِدَ هل يُتصور وجود توحيد الربوبية على وجه الكمال دون الألوهية؟ لا يُتصور، لكن إن وُجِدَ كما هو الشأن في حال المشركين العرب، إن وُجِدَ حينئذٍ نقول: ثَمَّ خلل في ذلك التوحيد، وهو أن مراد أهل العلم بأن المشركين أقروا بتوحيد الربوبية المراد به في الجملة، يعني في بعض الأفعال لا في كل الصفة وفعل الله عز وجل، لأنه وقع عند بعضهم نوع شرك في مفردات توحيد الربوبية. إذًا توحيد الربوبية لا يتحقق إلا بتوحيد الألوهية، وأن توحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية، توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، ما هو توحيد الألوهية؟ إفراد الله تعالى بالعبادة، جعلته معبودًا. إذًا جزء من هذا المعنى أنه متصف بصفات الكمال، لِماذا؟ لأنه ليس من العقل أن تُفرد من تعبده دون ما سواه ثم لا يكون كاملاً في جميع صفاته، هذا ما يُتصور عقلاً، وإن وُجِدَ حينئذٍ نقول: ثَمَّ خلل لا نحكم بفك الجهة، وإنما نقول: ثَمَّ خلل وقع فيه عند ذلك العابد. إذًا توحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية جزء من معنى توحيد الألوهية، بعضه، دلالة التضمن يعني بعضه جزء منه، حينئذٍ توحيد الربوبية داخل في فهم توحيد الألوهية فإذا قلت: توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة. نقول: هذا النص وهذا التعريف يدل على أن من أفردته بالعبادة متصف بصفات الكمال وهي أفعاله جل وعلا وما وصف به نفسه في كتابه وكذلك في السنة.
سادسًا: يقال في توحيد الربوبية توحيد المعرفة والإثبات لأن مداره على الإثبات، تسمع النص فتثبت، ليس عندك امتثال، تسمع النص فتثبت، والمعرفة محلها أين محل المعرفة؟ القلب، إذًا مبناه على المعرفة والإثبات.
__________
(1) ما بين المعكوفتين سبق، استدركه الشيخ بعدها.

(3/9)


وتوحيد الألوهية توحيد الإرادة والقصد لأنه متعلّق بالقلب النية وتجاه العبادة الله عز وجل دون ما سواه بأن يتوجه العبد بسائر أفعاله إلى معبود واحد، المراد بأفعاله هنا العبادات.
سابعًا: توحيد الربوبية لا يُدخل من آمن به في الإسلام، فلا يُحكم عليه بكونه مسلمًا وهذا محل إجماع بين أهل العلم، بعكس توحيد الألوهية فإن الإيمان به يُحكم على المؤمن بكونه مسلمًا، من أتى بتوحيد الألوهية فهو مؤمن فهو مسلم.
ثامنًا: توحيد الربوبية دليل لوجوب توحيد الألوهية، ولذلك يحتج الرب جل وعلا بإقرارهم بمفردات من توحيد الربوبية على عدم إقرارهم بكونه هو المألوه الواحد الأحد، ولذلك كثير {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] حينئذٍ أقروا أو لا؟ أقروا، ونص صريح أوضح من هذا {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] أثبت الإيمان وأثبت الشرك، الإيمان إيش المراد به هنا؟ الإيمان الشرعي، {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} والإيمان هنا المراد به نوع من أنواع الإيمان وهو توحيد الربوبية، هل هو إيمان؟ لا نقول: هو الإيمان، ما قلت بـ (أل) فرق بين أن أقول هل هو إيمان، هل هو الإيمان، ما هو السؤال؟ هل هو إيمان؟ الجواب: نعم، هل هو الإيمان؟: لا، فرق، (أل) سقطت اختلف المعنى، يا أهل العربية، إذا قلت: هل هو إيمان؟ نعم قطعًا هو إيمان معلوم من الدين بالضرورة أنه إيمان، هل هو الإيمان المطلوب؟ لا، ليس هكذا {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} ولذلك بعض المفسرين قد أشكلت عليه هذه الآية، كيف يُثبت الرب جل وعلا الإيمان ويُثبت له الشرك في وقت واحد. هذا إذا فُهم الإيمان، الإيمان الشرعي الخاص نعم، كيف يكون مؤمن مشرك، ما يمكن هذا، موحد مشرك ما يجتمعان، فوقع في حيرة، والصواب أن الجهة منفكة ليس المراد بالإيمان الشرعي الخاص، وإنما المراد به بعض الإيمان أو مراد به إيمان خاص وهو الإيمان بالربوبية بشيء منها، وأما {وَهُم مُّشْرِكُونَ} فالمراد به صرف العبادة لغير الله جل وعلا. حينئذٍ قد يجتمع فيه إيمان وشرك أكبر، والمراد بالإيمان هنا اعتقاد مفردات من توحيد الربوبية، وهل هذا ينفعهم؟ الجواب: لا، لا ينفعهم ألبته، لأن الذي حصل ووقع فيه الخصومة بين الرسل وأقوامهم ما هو؟ توحيد الألوهية، وليس من يكون حاكمًا يقوله البعض هذا فاسد وإنما هو توحيد الألوهية.
إذًا توحيد الربوبية لا يُدخل من آمن به في الإسلام بعكس توحيد الألوهية.

(3/10)


ثامنًا: توحيد الربوبية دليل لوجوب توحيد الألوهية، فإذا أردت أن تدلل على أن توحيد الألوهية واجب تأتي بالأدلة الدالة على إفراد الرب جل وعلا بصفة الخلق والرزق والتدبير .. إلى آخره لأنه من ثبت له ذلك حينئذٍ هو الذي يتعين على المكلّف أن يتوجه إليه بسائر العبادة دون ما سواه، توحيد الربوبية ملزوم وتوحيد الألوهية لازم، هذا لا بد من فهمه، توحيد الربوبية ملزوم وتوحيد الألوهية لازم ولذلك قلنا: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وهذا بمعنى أنه خارج عنه، لكنه إن وقع توحيد الربوبية لا بد وأن يقع معه توحيد الألوهية هذا المراد باللزوم، أيهما يطلب الثاني، الربوبية يطلب الألوهية، إن وُجِدَ الأول - الربوبية - لزم منه وجود الثاني وهو الألوهية. إذًا الربوبية ملزوم والألوهية لازم، توحيد الربوبية دليل وتوحيد الألوهية مدلولٌ عليه.
إذًا نقول: هذه ثمان فوارق بين النوعين، لا بد من إدراكها وفهمها حق الفهم من أجل أن تفهم التوحيد الذي جاءت به الرسل لأن ثَمَّ شُبَهٍ في كلِّ زمان ومكان تتبدل من حيث الصياغة والتعبير فحسب وإلا هي هي.
س: هل الرسل دعت إلى توحيد الربوبية؟
[دعت]؟ نعم.
هل الرسل بُعثت من أجل توحيد الربوبية؟
لا.
إذًا فرق بين المسألتين، لا يقال بأن الرسل إنما وقعت الخصومة بينهم وبين أقوامهم في توحيد الألوهية، ليس المراد أن توحيد الربوبية يُهمش وأنه ليس من دعوة الرسل، وكذلك توحيد الأسماء يُهمش لأنه لم تقع فيه خصومة ولأنه ليس مما بُعثت من أجله الرسل، نقول: لا. الرسل بُعِثَتْ بالتوحيد بأنواعه الثلاثة إلا أنهم لَمَّا وُجد عندهم نوعان من أنواع التوحيد ما حصل فيه خلاف. الناس الآن يخالفون في ماذا؟ يخالفوك في شيء يوافق أهواءهم أو يخالف أهواءهم، مخالفة الناس الآن للدعاة في أي شيء؟ فيمن دعا إلى الله عز وجل؟ يخالفونهم في شيء يوافق أهواءهم أو يخالفها؟ يخالفها. إذًا إذا دعوت الناس حتى الموجود الآن إن دعوت الناس إلى شيء يوافق ما عندهم قبَّلوا رأسك، وإن دعوتهم إلى شيء هم مبتلون فيه ليل نهار صباح مساء حينئذٍ متشدد ومتزمت .. إلى آخره لماذا؟ لأنك خالفت ما عندهم. كذلك الرسل مع أولئك الأقوام عندهم شيء من توحيد الربوبية، وقد بينه الله عز وجل، وعندهم شيء من توحيد الأسماء والصفات ولم يكن عندهم النوع الثالث وهو توحيد الألوهية فدعت الرسل إلى الأنواع الثلاثة إلا أنهم لَمَّا وافقوا أو وافق ما عندهم في النوعين الأولين وخالف ما عندهم في النوع الثالث وقعت الخصومة في توحيد الألوهية. إذًا النزاع والخصومة والمعركة بين الرسل وأقوامهم في توحيد الألوهية ليس في توحيد الربوبية ولا في توحيد الأسماء والصفات، والرسل دعت إلى هذين النوعين ولم يكن ثم تهميش لهما.
ما الأصل في بني آدم، حتى تعرف الشرك كما سيأتي، هل الأصل في بني آدم التوحيد أم الشرك؟ لا شك أنه التوحيد، هذا الأصل فيه، فالأصل في بني آدم أنهم مفطورون على التوحيد، والشرك حينئذٍ يكون طارئًا، بمعنى أنه عرض لم يكن ثم كان، فالأصل في الإنسان التوحيد، والكفر والشرك طارئ عليهم بأدلة.
أولاً - الدليل الأول - من أول إنسان في الوجود؟

(3/11)


آدم، أول إنسان في الوجود هو آدم، وآدم نبي، ومعناه يعرف التوحيد أو لا؟ يعرف التوحيد، أُوحي إليه بالتوحد ولا شك، وعلَّم أولاده التوحيد ولا شك، حينئذٍ أول زُمرة من بني آدم هو آدم - هو أبوهم - حينئذٍ نشئوا على التوحيد، إن أول إنسان في الوجود هو آدم عليه السلام وقد كان نبيًّا، والنبي يُبعث بالتوحيد، فآدم موحد ولا شك في ذلك، وعلّم أولاده التوحيد، ثم وقع بنو آدم في الشرك بعده بأزمان، ثم وقع بنو آدم - بعد آدم - في الشرك بأزمان يعني بوقت. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولم يكن الشرك أصلاً في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لإتباعهم النبوة لأن آدم نبي وأولاده أولاد نبي.

(3/12)


ثانيًا: قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] كان في الزمن الماضي، وهي على بابها أو لا هنا؟ على بابها؟ إيش معنى على بابها؟ إيش المراد على بابها؟ ما معنى على بابها؟ على بابها يعني تدل على الانقطاع، كان زيدٌ قائمًا في الزمن الماضي والآن انقطع، كان زيدٌ قائمًا، كان زيدٌ صائمًا، والآن ليس بقائم ولا بصائم، ما الذي دلنا على ذلك كان لفظ كان لأنها فعل ماضي، والمراد به الربط بين المبتدأ والخبر بكونه وقع في زمن قد مضى، زيدٌ قائم هذا لا يدل على الزمن الماضي، لما أرادوا أن يتصف زيد بالقيام في الزمن الماضي أدخلوا كان فرفعت الاسم ونصبت الخبر، وقيل: كان زيدٌ قائمًا، إذًا الزمن الماضي وقد تخرج كان عن دلالتها في وقوع الحدث في الزمن الماضي إلى الدلالة على الاستمرار، ولذلك يختلف الأصوليون هل كان من صيغ العموم أو لا؟ بحثهم في كان هل هي كان الأصلية أو هي خارجة عن بابها؟ الثاني، (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء قال: «بسم الله». مثلاً كان تدل على الاستمرار أو شيء وقع وانقطع؟ [ها يا فقهاء] الاستمرار؟ يعني خرجت عن بابها؟ نعم خرجت عن بابها وإلا لا يصح أن يستدل بهذا النص بأنك تستمر على شيء لم يستمر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما تفعله في وقت وتتركه في وقت آخر لتجمع لأن السنة كما هي فعل هي كذلك ترك، سنة فعلية، سنة قولية، سنة تركية، كثير يجهلون النوع الثالث سنة تركية، أن تترك ما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم -، لو قيل: كان هنا للدلالة على الزمن الماضي المنقطع، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء قال: «بسم الله». إذًا كان ليس في كل دخول، وإنما في بعض الدخول. إذًا نفعل كما فعل بعض الأحيان نقول: بسم الله، وبعض الأحيان تتعمد الترك لكن هذا ليس مرادًا، وإنما كان الدالة على كلما دخل قال، من أين زدنا كلما؟ نقول: لأن كان قد تخرج عن أصلها {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [الفتح، 4] كيف تفهم؟ كثير في القرآن، ما من صفحة وإلا فيها {وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفتح، 14] كان زمان والآن لا، أو متصف بصفة المغفرة، متصف بصفة المغفرة. إذًا كان في هذا التركيب تقول: كان منزوعة الزمن. منزوعة الزمن هكذا يعبر عنها بعض النحاة، منزوعة الزمن يعني دلت على زمن لكنه ليس هو الماضي الذي يتبعه الانقطاع، وإنما مطلق الزمن، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} متصف جل وعلا بهاتين الصفتين في الماضي والحال والمستقبل، ليس له أول وليس له آخر، يعني وصف حينئذٍ استمرار هذا أُخِذَ من كان، ولذلك عنوان عند الأصوليين هل كان من صيغ العموم أو لا؟ من هذه الحيثية.

(3/13)


إذًا {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] في الزمن الماضي بدليل ماذا؟ {فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ} قال أهل العلم: الفاء هنا تدل على محذوف، أمة واحدة فبعث الله النبيين، النبيين لأي شيء؟ فاختلفوا وقع الخلاف، والخلاف ما هو؟ وجود الشرك خالفوا الأصل الذي هو أصل في أبيهم آدم عليه السلام، إذًا كان على بابها، بدليل قوله {فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ}، والفاء هذه تشير إلى ثَمَّ محذوف {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ} [البقرة: 60]، فضرب فانفجرت {اضرب بعصاك الحجر فانفجرت}، فضرب فانفجر، لا بد من محذوف ما يصح الكلام، لماذا؟ لأنك لو جعلت فانفجرت جوابًا، وإذ قلنا: اضرب، من القائل اضرب؟ الله عز وجل. إذًا منذ أن قال الله اضرب انفجرت، لم يفعل موسى شيء، لكن لا بد، فضرب موسى فانفجرت، هذه مثلها ... {فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ} أي فاختلفوا لسان العرب لا بد منه، ما تفهم من القرآن على الوجه الصحيح إلا بلسان العرب ((الآجرومية)) ما تكفيك ولا ((القطر))، {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} مصاحبًا بالحق {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ}، انظر اختلفوا فيه فبعث الله النبيين فدل على ماذا؟ على المحذوف وهو أنه يقدر بالاختلاف، والذي دلنا على ذلك الفاء، وهذا مر معنا في شرح ((الألفية)) أن الفاء تدل على محذوف. قال الطبري في تفسير الآية: وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة. وهو التوحيد للنص {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} يعني مجتمعين على التوحيد، ولا اجتماع إلا على التوحيد، تأخذه من النص، لا يمكن أن تجتمع الأمة على غير التوحيد، يمكن؟ محال هذا، محال أن تجتمع الأمة على غير التوحيد، فالأصل الأصيل الذي يُكون منه الانطلاق أو الانطلاقة الكبرى إنما هو توحيد الله عز وجل بفهم السلف ليس بفهم الأشاعرة ولا الجهم بن صفوان ولا غيرهم، إنما هو بفهم السلف، إن الله عز وجل أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة، وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح عليهما السلام كما روى عكرمة عن ابن عباس وكما قاله قتادة، تجويز الطبري هنا يجوز هو لا شك أنه في عهد آدم على التوحيد، وإنما مراده هل هو مستمر إلى عهد نوح أم قبله؟ وأما آدم فلا إشكال فيه، فلا يفهم من كلام الطبري: وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح. مراده الابتداء الزمني من إلى، هذا الذي قال: قد يجوز. نعم قد يجوز لأنه ليس فيه نص لأن الله تعالى قال: {فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ} ولم يبين في هذه الآية أن أولهم مثلاً نوح وقبل نوح هل كانوا مسلمين أم لا؟ هل أرسل نوح إلى قومه وُجِدَ الشرك فيهم أو أنه نشأ من بينهم ثُمَّ وُجِدَ الشرك؟ هذا سبق معنا أنه فيه خلاف.

(3/14)


ثالثا: أن الله قد فطر الناس على الإسلام والتوحيد. قال سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30]. وقال في الميثاق: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} ميثاق أُخذ على ماذا على كونه معبودًا أو ربًّا مربوبًا، ربًا؟ معبودًا، وهنا قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}، الرب إذا أُطلق دخل فيه الإله والعكس بالعكس، يعني توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، يُقال فيهما كما يُقال في المسكين والفقير، والإسلام والإيمان، الإسلام والإيمان إذا اجتمعا فُسِّر الإيمان بالعمل الباطن والإسلام بالعمل الظاهر، وإذا افترقا حينئذٍ دخل الإسلام في الإيمان وكذلك الإيمان في الإسلام فكلٌ منهما يشمل الباطن والظاهر. {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} أي معبودكم {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] ربنا الله يعني معبودنا حينئذٍ يُفسر الرب بمعنى المعبود، {بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ} الرب حينئذٍ يفسر بالربوبية، والإله يفسر بالألوهية. يعني إذا افترقا. {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] (لا إله) قلنا: لا معبود حينئذٍ دخل فيه توحيد الربوبية.
رابعًا: من السنة حديث عياض بن حمار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيما يرويه عن ربه: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم». كليّة هذه لا يخرج عنهم فرد البتة لأنه نص، وصرح فيه بلفظ كلّ، وعند بعضهم لفظ كل من أقوى صيغ العموم، والسبكي الكبير له رسالة في لفظ كل فقط، له رسالة في أوراق في لفظ كل اقرؤها، «كلهم فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أُنْزِلْ به سلطانًا». هذا نص واضح بَيِّن أنه خلق الرب جل وعلا العباد على التوحيد.

(3/15)


وحديث أبي هريرة مرفوعًا «ما من مولود إلا يولد على الفطرة»، ... «ما من مولود إلا» ما إلاَّ، أعلى صيغ الحصر، إذًا ما من مولود لا يمكن أن يوجد مولود إلا يولد على الفطرة، والفطرة المراد بها الإسلام. «ما من»، «من» زائدة تأكيد نص في العموم، لأن مولود هذا نكرة في سياق النفي ودخلت عليه من، حينئذٍ تفيد التنصيص على العموم، إذًا لا يمكن أن يخرج فرد من أفراد المولود، «ما يولد مولود إلا يولد الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه». الحديث. ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤا إن شئتم {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]. الحديث يُفسَّر بالآية، فهذه الأدلة تدل على أن الأصل في بني آدم التوحيد ولم يكن الشرك أصلاً، وإنما وقع الشرك بعد فترة من الزمن كما سيأتي في باب الشرك إن شاء الله تعالى، باب الخوف من الشرك. حينئذٍ الكفر طارئ، كل كافر هل كفره أصلي أم طارئ؟ طارئ، هو عند الفقهاء يقسمون الكافر إلى قسمين: كفر أصلي كافر أصلي، وكافر ليس بأصلي. الذي هو المرتد حينئذٍ هل هذا يخالف ما سبق، لو أردنا الحقيقة نقول: نعم يخالف، كيف كافر أصلي والله عز وجل بين لأنه مخالف للنصوص «ما من مولود إلا يولد على الفطرة». إذًا ما ولد على الكفر، فكيف يقال بأنه كافر أصلي نقول: المراد به هنا كفر نسبي باعتبار ماذا؟ أصل ولادته نشأته بيئته فنشأ على اليهودية مثلاً نقول: هذا كافر أصلي باعتبار ماذا؟ باعتبار أنه لم يسلم يدخل في الإسلام ثم يخرج، إذ لو كان كذلك فله حكم خاص، يعني من أجل تمييز حكم المرتد عن غيره، لأن حكم المرتد إنما هو خاص بالمسلم الذي دخل في الإسلام ثم خرج منه بأي ناقض من نواقض الإسلام، فحكمه أنه كافر مثل ذاك إلا أنه يتميز في عدم جواز إقراره على ما هو عليه يجب أن يقتل: «من بدل دينه فاقتلوه». هذا نص واضح بَيّن، فيجب قتله، أَمَّا ذاك الذي نشأ على اليهودية والنصرانية ونحو ذلك فلا يجب قتله، وأما قول الفقهاء كافر أصلي ومرتد فهذا نسبي يعني باعتبار بيئته وما نشأ عليه.
إذًا الحاصل أن الأصل في بني آدم هو الإسلام هو التوحيد، وأما كفره فهو طارئ، سبق معنا أن الكفار مقرون أو المشركون مقرون بتوحيد الربوبية، ثَمّ نصوص للأئمة مثل شيخ الإسلام وابن القيم تبين المراد بإقرار أولئك المشركين بتوحيد الربوبية. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون. والإقرار هذا مراد لشيخ الإسلام لأن لفظ أقر بمعنى أنه نطق ما اعتقد، لا يكون مقرًّا إلا إذا نطق بما اعتقد وهو معنى الشهادة أشهد، لا بد وأنه يُخبر بشيء اعتقده، فإن كان كذلك سميت شهادة وسُمِيَّ إقرارًا، إن انتفى الاعتقاد لا تسمى شهادة، وهذا مر معنا كما في أول سورة المنافقون.
أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون وكانوا يعبدون مع الله غيره ويحبونهم كما يحبونه، فكان ذلك التوحيد الذي هو من توحيد الربوبية حجة عليهم.
إذًا أقر المشركون بتوحيد الربوبية، ومع ذلك كانوا يصرفون العبادة لغير الله جل وعلا منهم من أفرد المعبودات بالعبادة دون الله عز وجل، ومنهم وهم الأكثر من شَرَّكُوا بين الرب جل وعلا وغيره.

(3/16)


قال ابن القيم: والإلهية التي دعت إليها الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقرّ به المشركون، فاحتج الله به عليهم فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الألوهية. من اعتقد بتوحيد الربوبية على الوجه الصحيح حينئذٍ يلزمه أن يُقر بتوحيد الألوهية، فإن انتفى الثاني دل على أن ثَمَّ خللاً في الأول، يعني بأنه لم يكن على وجه الكمال والتمام.
قال في ((الدرر السنية)): لم يقل أحد من الكفار - هذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - لم يقل أحد من الكفار أن أحدًا يخلق أو يرزق أو يدبر أمرًا، الكفار الذين بُعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل أحد منهم: أن ثَمَّ رازقًا مع الله، أو أن ثَمَّ خالقًا مع الله عز وجل، أو أن ثَمَّ مدبرًا مع الله عز وجل، بل يُقرون بهذه الأصول العامة، بل كلهم يُقِرُّون أن الفاعل لذلك هو الله ـ وهم يعرفون الله بذلك، وهذا الإقرار لم يدخلهم في الإسلام، ولا أوجب الكف عن قتالهم وتكفيرهم. يعني الحكم باقٍ فلا يحكم بإسلام البتة حتى يأتوا بلازم ومدلول توحيد الربوبية. وقال في ((الدرر)) كذلك - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -: فأما توحيد الربوبية فهو الأصل ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه كما قال الله تعالى فيمن أقر بمسألة منه {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87]. إذًا لا يقع الغلط في توحيد الإلهية إلا لمن لم يُعط توحيد الربوبية حقه، فإن أتى بشيء منه كالإقرار بأصل الوصف الخلق والرزق والتدبير لا على وجه التمام ولم يوجد لازمها فحينئذٍ يكون خللاً في الإقرار بالتوحيد.

(3/17)


وقال كذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كما في ((الدرر)) الجزء الأول صفحة اثنين وستين: ومن المعلوم أن لله تعالى أفعالاً وللعبيد أفعال. الله عز وجل له أفعال نصفه بصفة الفعل {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] هذا وصف يخلق ويفعل ما يشاء، {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ} [هود: 107] فعَّال صيغة مبالغة {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} إذًا نصفه بالفعل ولا شك، ومن المعلوم أن لله تعالى أفعالاً وللعبيد أفعالاً، فأفعال الله الخلق والرزق والنفع والضر والتدبير وهذا أمر لا يُنازع فيه لا كافر ولا مسلم. يعني في أصل الوصف لا ينازع فيه لا كافر ولا مسلم. وأفعال العبد العبادة، عبادة يعني امتثال الأوامر واجتناب النواهي، كونه ما يدعو إلا الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يذبح إلا لله، ولا يخاف خوف السر إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه، فالمسلم - وهذا تفريق مهم جدًا احفظه الفرق بين المسلم والمشرك وهذا سيأتي أنه قول لبعض السلف في تفسير قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]- فالمسلم من وحّد الله بأفعاله سبحانه وأفعاله بنفسه. قلنا: العبيد لهم أفعال، والله عز وجل له أفعال، من هو المسلم؟ الذي أتى بالتوحيدين وحّد الله في أفعاله جل وعلا، ووحّد الله في أفعاله هو بنفسه، جمع بين الأمرين. والمشرك الذي يوحد الله بأفعاله سبحانه ويشرك بأفعاله بنفسه. هذا التفريق جيد يفيدك كثيرًا في فهم الشبه التي يلقيها أهل البدعة والمشركون. ونقل الشيخ الإجماع على هذا كما في ((الدرر)).
إذًا هذا التوحيد لم يكن ثَمَّ نزاع فيه بين الرسل وأقوامهم، وإنما التوحيد الذي وقع فيه النزاع هو توحيد الألوهية، هذا ما يتعلق بقوله: التوحيد ... ((كتاب التوحيد)).
ثم قلنا: ذكر بابًا ولم يبّوب له، واختلف في هذا الباب هل هو الأول، وما بعده الثاني أم هذا مقدمة وما بعده (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) هو الأول، وماذا أراد؟ وقلنا: الصواب أنه عنى به بابًا مستقلاً فهو الأول، وماذا أراد بهذا التبويب فقد قدره صاحب ((التيسير)) بأنه باب بيان أهمية التوحيد، ولكن الآيات التي ذكرها لا تدل على ذلك، والأولى أن يُعبر بأنه باب وجوب التوحيد أو بيان حكم التوحيد، ولو زيد فيه بيان مكانته وأهميته فلا إشكال في ذلك.
ونأتي إن شاء الله تعالى في الدرس القادم على قوله: جل وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} لأن الحديث فيها طويل وأظنه يحتاج إلى درس مستقل.
وهذا الدرس سيكون إن شاء الله آخر درس يعني ما يتعلق بكتاب التوحيد سيكون آخر درس، ونعاود إن شاء الله تعالى مع أول الفصل الثاني متعمدًا إنما نبدأ في الكتاب إلا من الفصل الثاني. هذه مقدمات لا بد منها، لا بد أن تحفظها، وفي ظني أن من فهم ما سبق من الدروس السابقة ثلاثة دروس من فهمه على وجهه لو قرأ ((كتاب التوحيد)) في بيته يستفيد، لا إشكال في ذلك.
س: كيف تجمع بين كون الأصل في بني آدم التوحيد، وقوله في الحديث القدسي «كلكم ضال إلا من هديته».

(3/18)


ج: «إلا من هديته» مفسر له، يعني لولا هداية الله. إذا قلنا: الأصل هو التوحيد من عنده من ذاته، أو بأن الله عز وجل هداه لذلك؟ الثاني. إذًا لولا الله عز وجل خلق آدم موحدًا ما كان على التوحيد، واضح لا إشكال فيه، لا تعارض، ولا يغرم طالب العلم بإيجاد الاعتراضات - انتبه - النص واضح بين {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ} .. إلى آخر، [والله] «خلقت عبادي حنفاء كلهم». كلهم حنفاء، «ما من مولود» نصوص قطعية واضحة بينة ما يحتمل فإذا جاء شيء لا تقول يعترض، يعارض كذا، قل: كيف نفهم هذا «كلكم ضال». كيف نفهمه مع بقية أو أصل المسألة.
س: ما توجيه قوله تعالى: {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} [التغابن: 2]؟
ج: قلنا: المسألة فيها أصل قطعي «ما من مولود إلا يولد على الفطرة»، {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم} هذا فيما بعد، من قَبِلَ التوحيد لأنه لو تُرِكَ وشأنه إن كانت البيئة بيئة توحيد سيمشي على التوحيد، وإن لم يكن كذلك كانت البيئة بيئة شرك سيمشي على ماذا؟ على الشرك هذا هو الغالب، حينئذٍ {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} لا إشكال فيه واضح بين.
س: كيف أعرف أن كان خارجةٌ عن أصلها؟
ج: هذا تعرفه بالممارسة، إن نُصَّ، قيل لك: هذا نص. فلا إشكال، لا إشكال فيه، أما سائر الأحكام الفقهية كـ كتاب الطهارة والصلاة كان كان فالأصل فيها الاستمرار هذا الأصل فيها، إلا إن دل دليل على أنه إذا قيل كان ولم يفعله إلا مرة واحدة حينئذٍ نحتاج إلى قرينة، وأما ما عداه فالأصل فيه الاستمرار، والقرآن واضح إذا ارتبطت بصفة لله عز وجل فتدل على الاستمرار، إما استمرار الآحاد، وإما استمرار النوع. الآحاد واضح والنوع واضح.
س: حديث السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب لا يسترقون، هل الرجل المصاب بالسحر أو العين يذهب للرقية أم لا؟
ج: طبعًا لا يسترقون، أقول لك النبي ?: «لا يسترقون». يعني لا يطلب السين للطلب لا يطلب الرقية، فإن أصبت بعين أو سحر لا تطلب، لكن يُنظر في مثل هذه المسائل يعني مسألة ترجيح المصالح والمفاسد، يعني بعض الناس قد يصاب بعين فتطرحه على الفراش، وبعضهم قد يُصاب بسحر ولا يدري قد يخرج عاريًا كذا يفعل أشياء، فمثل هذه الأمور لا يقال يقف مع النص ويترك طلب الرقية، إذا سمع أن ثَمَّ من قراءته طيبة ويعتقد صلاحه ونحو ذلك فالأولى هنا أن يذهب ويطلب الرقية لا بأس لأن بقائه سليم صحيحًا معافًا ويعبد الله عز وجل العلم ويعلم، مصالح عظيمة جدًا في كونه على صحةٍ وعافية، فكونه يقف مع هذا النص ويقول: لا، يكره. لأنه كراهة فقط لا يقال: يُحرم أن يطلب الرقية إنما هي الكراهة حينئذٍ الأولى في مثل هذا أن يطلب الرقية ولا إشكال ولا نقول لكل مصابٍ بمرض أو بعين أو سحر: لا تطلب «لا يسترقون». نقول: لا، هذه المسائل يفصل فيها على ما ذكرناه، فإن كانت المصلحة تقتضي أن يذهب ويطلب فليذهب ويطلب ولا إشكال فيه، واضح هذا.
س: هل يجوز حجز الأماكن أمام الشيخ؟
ج: هذا لكم انتبهوا، إذا كان مثل هذا ما في بأس، ليس مكان صلاة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

(3/19)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]