[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

رسالة الشرك ومظاهره

خاتمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
معنى المعروف والمنكر ومنزلة الأمر والنهي:
المعروف: ما عرف الشرع حسنه؛ فأمر به إيجاباً واستحباباً، ودعا إليه دعاء طاعة وسنة.
والمنكر: ما نكره الشرع وحكم بقبحه؛ فنهى عنه تحريماً أو تنزيهاً، وحذر منه تحذير معصية أو بدعة.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملاك أمر الدين وصيانة حرمته بين المسلمين، والقيام بهما يحفظ عليهم علم الشريعة المنير للعقول، ويبث فيهم المواعظ المحيية للقلوب، ومن خسر عقله بالجهل وقلبه بالغفلة؛ فقد خسر نفسه وخسر الدنيا والآخرة {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11 والزمر: 15].
وقد جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث العديدة في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فنقتصر منها على آية من آل عمران، وحديث من " صحيح مسلم "، وثان من " صحيح البخاري "، وتقدم في الفصل الرابع حديث ابن مسعود عند أبي داود.

(1/453)


1 - قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
2 - وعن ابن مسعود؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي؛ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ؛ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ؛ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ؛ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ؛ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ». رواه مسلم (242).
3 - وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما؛ أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ؛ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا؛ هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ؛ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا». رواه البخاري (2143).

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وقد أجمع المسلمون على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس، سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع؛ أثم كل من تمكن منه بلا عذر، وقد يتعين على واحد إذا لم يستطعه غيره أو لم ير المنكر والتقصير في المعروف سواه.
__________
(242) أخرجه مسلم (1/ 69 - 70/ 50) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(243) أخرجه البخاري (5/ 132/ 2493) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما.

(1/454)


وقال ابن الحاج في " حاشيته على صغير ميارة ": " يتعين فرض الكفاية بالشروع فيه، أي: يصير فرض عين على الأصح، حتى طلب العلم لمن ظهرت فيه قابلية من نجابة، قاله سحنون، خلاف ما عند المحلي " (1/ 155)، وما قاله في طلب العلم مثله في " أحكام القرآن " لابن العربي (1/ 122).

تأكيد حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
فأما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 155]؛ فقال النووي في " شرح مسلم ":
" المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به؛ فلا يضركم تقصير غيركم؛ مثل قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، وإذا كان كذلك، فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب؛ فلا عتب بعد ذلك على الفاعل، لكونه أدى ما عليه؛ فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول، والله أعلم ".
وفي " الدر المنثور ": " وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجه وابن جرير والبغوي في " معجمه " وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في " الشعب " عن أبي أمية الشعباني، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «بَلْ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ العَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أيَّامَ الصَّبْرِ

(1/455)


الصَّابِرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَابِضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ» (244) (2/ 339).

شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
[و] يشترط للقيام بأمر المعروف ونهي المنكر شروط:
أحدها: العلم بحكم الشرع في الفعل المأمور به أو المنهي عنه.
ثانيها: أن يكون ذلك الفعل مما أجمع العلماء على حكمه أو اختلفوا فيه، ولكن فاعله يعتقد القول بالمؤاخذة ويرتكبه مخالفة للشرع.
ثالثها: أن لا يؤدي القيام بهذا الأمر إلى محظور أشد.
واختلفوا في شرط رابع وهو ظن الإِفادة:
فاعتبره من قال:
مَعْرِفَةُ الْمُنْكَرِ وَالْمَعْرُوفِ … وَالظَّنُّ فِي إِفَادَةِ الْمَوْصُوفِ
__________
(244) ضعيف: أخرجه أبو داود (2/ 217)، والترمذي (8/ 422 - 425/ 5051)، وابن ماجه (4014)، وابن جرير في " تفسيره " (7/ 97)، وابن حبان (2/ 108 - 109/ 385)، والطبراني (22/ 220/ 587)، وأبو نعيم في " الحلية " (2/ 30)، والبغوي في " شرح السنة " (14/ 347 - 348/ 4156) من طرق عن عُتبة بن أبي حكيم؛ قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي: حدثني أبو أمية الشعباني به، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب "!
قلتُ: كذا قال! وأبو أمية وعمرو بن جارية لم يوثقهما أحذ غير ابن حبان، وقال الحافظ في " التقريب " في كلّ منهما: " مقبول " يعني عند المتابعة وإلّا فلين الحديث كما نصّ عليه في " المقدمة "، وعُتبة " صدوق يخطئ كثيراً " كما في " التقريب " أيضاً، فأنىّ لحديثه الحسن؟!
نعم، لجملة " أيام الصبر " شواهد تتقوى بها؛ فانظر: " الصحيحة " (494 و957)، و " صحيح سنن الترمذي " (1844) للألباني.

(1/456)


وَالْأَمْنُ فِيهِ مِنْ أَشَدِّ النُّكْرِ … كَقَتْلِ شَخْصٍ فِي قِيِامِ الْخُمْرِ
ولم يعتبره جمع من العلماء منهم النووي؛ قال في " شرح مسلم ": " قال العلماء رضي الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله؛ فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول، وكما قال الله عز وجل: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [المائدة: 99].

مطالبة المقصر في طاعة غيره بها:
ولم يشترطوا للقيام بهذه المهمة أشياء:
أحدها: الاستقامة؛ فعلى المخل بالشيء أن يأمر غيره به.
قال النووي: " فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه؛ فإذا أخل بأحدهما؛ كيف يباح له الإِخلال بالآخر ".

• حرية الوعظ والإِرشاد:
ثانيها: الولاية من الأمير؛ فعلى غير المتولي القيام بهذا الشأن.
قال النووي عن إمام الحرمين: " والدليل عليه إجماع المسلمين؛ فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية، والله أعلم ".
ألا؛ فليعلم هذا من سعوا في منع العلماء غير المتوظفين من الوعظ بالمساجد، وليعلمه من سرهم ذلك المنع، وليعلمه المؤيدون للعلماء في الاحتجاج على ذلك المنع.

(1/457)


• الشجاعة في الوعظ والإِرشاد:
ثالثها: الهيبة؛ فعلى غير المهيب أن ينكر على المهيب أو يأمره؛ لخبر الترمذي وغيره: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ» (245).
قال النووي في هذا المقام: " واعلم أن الأجر على قدر النصب "، وساق من الآيات: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40]، {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2 - 3].

• لزوم النصيحة في الوعظ والإِرشاد:
رابعها: المحافظة على رابطة من صداقة أو حظوة؛ فعلى المرء أن يأمر صديقه وينكر عليه، ولو خشي تغير قلبه عليه وسقوط حظوته لديه.
قال النووي: " فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقّاً، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، وصديق الإِنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه،
__________
(245) صحيح: أخرجه أحمد (3/ 19 و44 و46 - 47 و50 و53 و61 و 84 و87 و92)، والترمذي (6/ 428 - 432/ 2286)، وابن ماجه (4007)، والحاكم (4/ 506)، وغيرهم من طرق عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً.
وقال الترمذي: " حديث حسن ".
وانظر: " الصحيحة " (168).

(1/458)


وإنما كان إبليس عدوّاً لنا لهذا، وكانت الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إليها ".

عناية السلف بالأمر والنهي:
وقد مرَّ في كلام النووي التنبيه على عناية السلف بهذا الواجب الديني الاجتماعي، وعدم مبالاتهم في تنفيذه بالأمراء، ومواقفهم في هذا الباب لا يتسع لها كتاب، ولكني أقتصر منها على قصتين:

سعيد بن المسيب والدولة الأموية:
إحداهما: عن المطلب بن السائب، قال: " كنت جالساً مع سعيد بن المسيب في السوق، فمر بريد لبني مروان، فقال له سعيد: من رسل بني مروان أنت؟ قال: نعم. قال: كيف تركت بني مروان؟ قال: بخير. قال: تركتهم يجيعون الناس ويشبعون الكلاب؟ فاشرأب الرسول، فقمت إليه، فلم أزل أرجيه حتى انطلق. فقلت لسعيد: يغفر الله لك! تشيط بدمك؟ فقال: اسكت يا أحيمق، فوالله، لا يسلمني الله ما أخذت بحقوقه ". ذكرها الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (1/ 52).

الأوزاعي والأمير العباسي:
ثانيتهما: عن الفريابي؛ قال: " اجتمع سفيان والأوزاعي وعباد بن كثير بمكة، فقال سفيان: يا أبا عمرو! حدثنا حديثك مع عبد الله بن علي عم السفاح. فقال: لما قدم الشام، وقتل بني أمية، جلس يوماً على سريره وعبى أصحابه أربعة أصناف: صنف بالسيوف المسللة، وصنف معهم الجزرة، وصنف معهم الأعمدة، وصنف معهم الكافركوب، ثم بعث إلي، فلما صرت إلى الباب، أنزلوني عن دابتي، وأخذ اثنان بعضدي، وأدخلوني بين الصفوف،

(1/459)


حتى أقاموني بحيث يسمع كلامي، فقال لي: أنت عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي؛ قلت: نعم؛ أصلح الله الأمير. قال: ما تقول في دماء بني أمية؛ قلت: قد كان بينك وبينهم عهود، وكان ينبغي أن يفوا بها. قال: ويحك! اجعلني وإياهم لا عهد بيننا. فأجهشت نفسي، وكرهت القتل، فذكرت مقامي بين يدي الله، فلفظتها، فقلت: دماؤهم عليك حرام. فغضب، وانتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، فقال لي: ويحك! ولم؟ قلت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: ثَيِّبٌ زَانٍ، وَنَفْسٌ بِنَفْسٍ، وَتَارِكٌ لِدِينِهِ» (246). قال: ويحك! أوليس الأمر لنا ديانة؟ قلت: كيف ذاك؟ قال: أليس كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوصى لعلي؟ قلت: لو أوصى إليه، لما حكم الحكمين. فسكت وقد اجتمع غضباً، فجعلت أتوقع رأسي يسقط بين يدي، فقال بيده هكذا (أومى أن أخرجوه). فخرجت، فما أبعدت؛ حتى لحقني فارس، فنزلت، وقلت وقد بعث ليأخذ رأسي: أصلي ركعتين. فكبرت، فجاء وأنا أصلي، فسلم وقال: إن الأمير بعث إليك هذه الدنانير. قال: ففرقتها قبل أن أدخل بيتي ". عن " تذكرة الحفاظ " (1/ 171).
__________
(246) صحيح: روي من حديث ابن مسعود وعائشة وعثمان رضي الله عنهم.
1 - أما حديث ابن مسعود، فأخرجه البخاري (12/ 201/ 6878)، ومسلم (3/ 1302 - 1303/ 1676) وغيرهما.
2 - وأمّا حديث عائشة، فأخرجه مسلم (1676)، وأبو داود (2/ 219)، والنسائي (7/ 91 و 101 - 102).
3 - وأمّا حديث عثمان؛ فأخرجه أبو داود (4502)، والترمذي (6/ 372 - 373/ 2247)، وقال: " حديث حسن "، والنسائي (7/ 91 - 92 و103 و104)، وابن ماجه (2533) وغيرهم.

(1/460)


تقصير الخلف عن صراحة وشجاعة السلف:
ذلك موقف سعيد بن المسيب من كبار التابعين ومن فقهاء المدينة السبعة مع الأمويين في شباب دولتهم، وهذا موقف ابن عمرو الأوزاعي عصري الإِمام مالك وأحد الأئمة المجتهدين مع العباسيين في فجر دولتهم وغلبة الشره إلى الدماء عليهم؛ فوازن بين موقفهما وموقف رجال الدين الحكومي مع الدولة الحاضرة وهي دولة مدنية بعد عهدها بأيام الاحتلال، ثم وازن بين تلك الصراحة في الحق وبين ما سمعناه كثيراً من قول رجال الدين الحكومي: وافق أو نافق أو فارق! يريدون وافق الحكام على أعمالهم ظاهراً وباطناً، أو ظاهراً فقط، أو اخرج من مملكتهم.
الحق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد قل رجالهما منذ قرون.
فهذا الإِمام النووي في القرن السابع قرن أئمة العلوم وحفاظ الحديث يشكو ضياع هذا الواجب، فيقول: " واعلم أن هذا الباب (أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدّاً ".

• الإِنكار على الاحتجاج بسكوت العلماء:
أبعد هذا يحتج محتج لتقرير بدعة بسكوت من يعرفه من العلماء عنها؛!
على أن العلماء العاملين لم يتواطؤوا على السكوت، وقد نقلنا في هذه الرسالة من الأقوال ما تعرف به استمرار الإِنكار على البدع في كل زمان، وأن ما أنكرناه على أهل زماننا أنكره مَن قبلنا على أهل زمانهم، ولم ينفرد بهذه الخطة التقي ابن تيمية رحمه الله، وإن انفرد بالشهرة فيها.

الغرض من بيان مواد الرسالة:
وفيما يلي نثبت أسماء الكتب التي صرحنا بالنقل منها في صلب الرسالة،

(1/461)


إظهاراً للصلة بين كلامنا وكلام المتقدمين، ونرسم أمام أغلبها تاريخ طبعه؛ ليصحح من شاء نقلنا على نفس النسخة المنقول عنها، وإذا كان الطبع في غير مصر، صرحنا بمدينته أيضاً، ونذكر وفيات مؤلفيها تقريراً لاستمرار دعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأكيداً للثقة بهم، ومن لم نقف الآن على وفاته، أثبتنا تاريخ إتمامه لتأليفه إن أرخه.

ختم الرسالة بما فتحت به من تنزيه الله والصلاة على رسوله:
وقد انتهينا من تحرير هذه الرسالة في ذي الحجة، سنة خمس وخمسين وثلاث مئة وألف.
وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين (*).
• • • • •
__________
(*) وبهذا ينتهي " تخريج أحاديث رسالة " الشِّرك ومظاهره " للعلّامة مبارك الميلي الجزائري رحمه الله تعالى، وكان ذلك ليلة السبت غُرّة محرّم الحرام سنة خمس عشرة بعد أربع مئة وألف من هجرته صلى الله عليه وآله وسلم.
" والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، مباركاً عليه، كما يحب ربنا ويرضى، اللهم لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ".
و" سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ".
وكتب:
أبو عبد الرحمن محمود

(1/462)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]