[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

رسالة الشرك ومظاهره

18 - السحر
السحر- بكسر فسكون- مما يلتبس بالكرامات، ويظن صاحبه قادراً على التصرف في الكائنات، نافذاً علمه في حجب المغيبات، فلزم أن نتحدث عنه.

• السحر في اللغة:
السحر- بفتحتين وبسكون ثانيه مع ضم أوله أو فتحه- هو الرئة، يقال: كل ذي سحر يتنفس ويتطلب الغذاء، ثم قد يطلق على الغذاء نفسه وعلى آخر الليل، لأنه متنفس الصبح، وكل هذا فيه معنى الخفاء، فإن الرئة خفية في ذات الحيوان، والنفس ألطف شيء فيه، والغذاء تخفى مجاريه في البدن ويدق تأثيره، ويطلق السحر بمعنى التعليل والتلهية، وقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء: 185]: فسر بالمعللين، وبمَن خُلِق ذا سحر، ويطلق بمعنى الخداع، تقول: سحرت الصبي إذا خدعته، وبمعنى الصرف والاستمالة، وعليه حمل حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند أحمد والبخاري وغيرهما؛ أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (80).
__________
(80) أخرجه البخاري (10/ 237/ 5767) عن عبد الله بن يوسف، وأبو داود (2/ 315) عن عبد الله بن مسلمة، وأحمد (6/ 296 - 297/ 4651) عن يحيى، ثلاثتهم عن مالك، وهذا في " الموطأ " (4/ 403/ 1916) عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ =

(1/227)


قال في " القاموس ": " معناه- والله أعلم- أنه يمدح الإِنسان فيصدق فيه حتى يصرف قلوب السامعين إليه، ويذمه فيصدق فيه حتى يصرف قلوبهم أيضاً عنه ".

السحر في الشرع:
فالسحر يرجع في معناه إلى الخفاء واللطافة، وإلى الخداع والتمويه، وإلى التلهية والتعليل، وإلى الصرف والاستمالة، وعرفه الجصاص في " أحكامه " بقوله: " كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، وجرى مجرى التمويه والخداع " (1/ 42).
وقال ابن العربي في " أحكامه ": " حقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات " (1/ 14).

أنواع السحر:
ونوع الراغب في " مفرداته " السحر إلى ثلاثة أنواع، ونوعه الفخر الرازي في " تفسيره " إلى ثمانية تدخل فيها أنواع الراغب، ونحن نلخصها فيما يلي - توضيحاً لمعناه، وتفصيلًا لأحكامه-:
__________
=
أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجِبَ الناسُ لبيانهما، فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن من البيان لسحراً- أو:- إن بعض البيان سحر».
وأخرجه البخاري (9/ 251/ 5146) أيضاً عن قبيصة عن سفيان، والترمذي (6/ 175 - 176/ 2097) عن قُتيبة عن عبد العزيز بن محمد، كلاهما عن زيد به. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
وأخرجه مسلم (2/ 594/ 869) عن أبي وائل، قال: خطبنا عمّار، فأوجز وأبلغ، فلما نزل، قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أَبْلَغْتَ وأوجزت، فلو كُنْتَ تَنَفَّسْتَ! فقال: إني سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " إنّ طول صلاة الرجل، وقِصَر خُطبته؛ مَئِنَّةٌ من فقهه، فاطيلوا الصلاة وأقصروا الخُطبة، وإنّ من البيان سِحْراً ".

(1/228)


• سحر البابليين:
النوع الأول: سحر البابليين من الكلدان الذين كانوا يعبدون الكواكب، ويرونها مدبرة هذا العالم، فيستميلونها إليهم، أو يصرفون ضررها عنهم بالرقى والدخن وكل ما يناسب الكواكب ويقرب منها في رأيهم.

• سحر أصحاب الأحوال:
النوع الثاني: سحر أصحاب الأحوال ذوي النفوس القوية المؤثرة عندهم، يعملون لتقويتها بتقليل الغذاء والعزلة عن الناس وقطع المألوفات والمشتهيات، ويستعينون على تأثيرها بالرقى والدخن.
قال ابن كثير في " تفسيره ": " والتصرف بالحال على قسمين: تارة تكون حالًا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحراً في الشرع، وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا يتصرف بها في ذلك، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبة لهم؛ كما أن الدجال له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعاً لعنه الله " (1/ 266).

سحر أصحاب العزائم:
النوع الثالث: سحر عبدة الشياطين وخدمة الجان، يتقربون إليهم بالرقى والعزائم والدخن، يزعمون عن خيال ووهم زعماً لا يشهد له عقل ولا أثارة من علم أن ما يعزمون به أسماء لله تعالى كانت الملائكة تتصرف بها في الجن على عهد سليمان فمتى ذكَرهَا المعزم؛ انقادت له الجن في استخراج الخبايا أو الخروج من الممسوس.

(1/229)


سحر أصحاب الشعوذة:
النوع الرابع: سحر المشعوذين يخدعون الناس بحركات خفيفة، يصرفون بها الأنظار عما يريدون فعله والاحتيال فيه إلى شيء معين يحدق الحاضرون إليه بأعينهم.

سحر أصحاب التخييل بالصنعة:
النوع الخامس: سحر حذاق أهل الصنعة؛ كتركيب آلات على نسب هندسية تظهر منها أعمال عجيبة، والصناعات- كالعلوم- منها الجلي الذي يدركه كل عاقل رآه أو سمعه، ومنها الخفي الذي لا يدركه إلا الخواص ممن عنوا به، وقد قيل: إن سحر القبط من النوع الرابع، وقيل: من هذا النوع، عمدوا إلى الحبال والعصي، فحشوها زئبقاً، وصارت تتلوى، فخيل للناظرين أنه تسعى باختيارها، وإنما يعد هذا في السحر إذا كتم الصانع أسباب عمله الخفية، وزعم أنه يفعل ذلك خارقاً للعادة بقوة نفسه أو بجاهه عند الله، كالذين يحملون العصي الخاصة لصرخ البارود، يوهمون العامة أنها عصي عادية تصرخ كرامة لهم.

سحر أصحاب التخييل بالخواص:
النوع السادس: سحر الواقفين على خواص الأشياء، كخواص الأعداد المعبر عنها عندنا بعلم الجدول، وكخواص الأعشاب، وكخواص الأحجار مثل المغناطيس، فإن للأشياء كما للعباد طبائع وخواص، إنما بعضها ضروري كإرواء الماء وإحراق النار، وبعضها نظري غامض لا يهتدي إليه إلا القليل من الباحثين.
قال ابن كثير في " تفسيره ": " يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعياً أنها أحوال له؛ [من] مخالطة

(1/230)


النيران، ومسك الحيات ... إلى غير ذلك من المحالات ".
قلت: وقد ارتقى اليوم علم الكيمياء ارتقاء بديعاً، وصارت المركبات الكيماوية بضائع مبتذلة، فتجد عبدة الخوارق يقتنون منها ويدجلون بها على البداة الذين لم يزالوا على الفطرة لم يشعروا بالمدنية الحاضوة وغرائبها.

سحر أصحاب التنويم:
النوع السابع: سحر التنويم، وعبر عنه الرازي بتعليق القلب، وهو أن يهول الساحر على ضعيف العقل قليل التمييز، ويوهمه أنه يتصرف في الجن حتى يؤثر عليه، فيصدقه، ويتعلق قلبه به، ويسلب شعوره من الرعب، فيكون معه كالنائم، وهنالك يفعل الساحر به ما شاء، وعامتنا تعبر عن هذا الساحر بالمصروع، وعن حركاته بالتهوال.

سحر النمام:
النوع الثامن: سحر النميمة بالسعي بين الناس من وجوه خفية لطيفة، ولم ينفرد الرازي بإدخال النميمة في السحر، بل سبقه إليه أبو بكر الجصاص في " أحكامه "، وفعله أيضاً الراغب في " مفرداته "، وهو مقتضى ما أخرجه مسلم عن ابن مسعود رضى الله عنه، أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» (81).
والعضه- بفتح فسكون-: السحر في لغة قريش، والعاضه: الساحر عندهم، قاله في " الصحاح ".
__________
(81) أخرجه مسلم في " صحيحه " في (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم النميمة، 4/ 2012/ 2606) عن عبد الله بن مسعود؛ قال: إن محمداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا انَبِّئُكُمْ ما العَضْهُ؛ هي النميمةُ القالَةُ بين الناس»، وإن محمداً - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حتى يُكْتَبَ صِدِّيقاً، ويكْذِبُ حتى يُكتب كَذَّاباً»

(1/231)


وقال يحيى بن أبي كثير: " يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة ".
ومقتضاه أن النمام غير الساحر، ولكن يلتحق به في المعنى.
والهيتمي في " الزواجر " تبع الرازي في عَدِّه أنواع السحر بترتيبه وألفاظه، إلا في هذا النوع، فإنه أسقطه.
وصرح في " الفتاوى الحديثية " بأن من السحرة أو في معناهم من تجتمع عليهم الخلق في الطرقات لإِلهاء الناس بأشياء عجيبه؛ كقطع رأس الإِنسان وإعادتها، وندائهم له بعد ذلك فيجيبهم، وجعل نحو دارهم من التراب وغير ذلك مما هو مشهور عنهم، وكذلك من يكتبون للمحبة والقبول وإخراج الجان.

ما يقع بالسحر:
قال القرطبي في " تفسيره ": " قال علماؤنا: لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات بما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو ... إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات البشر. قالوا: ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوّات والخوخات، والانتصاب على رأس قصبة، والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب، وغير ذلك، ومع ذلك؛ فلا يكون السحر موجباً لذلك، ولا علة لوقوعه، ولا سبباً مولداً، ولا يكون الساحر مستقلًّا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والري عند شرب الماء ".
وروى سفيان عن عمار الدّهني أن ساحراً كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل ويدخل في است الحمار ويخرج من فيه، فاشتمل له جندب على

(1/232)


السيف، فقتله جندب (82).
هذا هو جندب بن كعب الأزدي- ويقال: البجلي-، وهو الذي قال في حقه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ: جُنْدُبٌ، يَضْرِبُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ»؛ فَكَانُوا يَرَوْنَهُ جُنْدُبًا هَذَا قَاتِلُ السَّاحِرِ (83).
__________
(82) قويٌّ إن شاء الله تعالى: قال الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (1/ 252): " وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه ... " فذكر القصة بنحو ما ساقها المؤلف، وهي عند البخاري في " تاريخه "، والبيهقي في " الدلائل "، والطبراني في " معجمه الكبير " (2/ 177/ 1725)، والدارقطني في " سننه " (3/ 114) وغيرهم.
وانظر: " الاستيعاب " (1/ 220 - 221) لابن عبد البر، و " سير أعلام النبلاء " (3/ 175 - 176) للذهبي، و " الإِصابة " (1/ 251 - 252 و566) لابن حجر، و " الضعيفة " (3/ 642) للألباني.
(83) ضعيف: أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (10/ 181 - 182، رقم: 18748) - وعنه ابن عبد البر في " الاستيعاب " (1/ 221) - من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار؛ قال: سمعت بجالة التيمي؛ فذكر حديثاً مطولاً، وفيه قال: " وأمّا شأنُ أبي بستان، فإن النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لجندب: " جندب وما جندب! يضرب ضربةً يفرّق بها بين الحقّ والباطل ... " الحديث.
قلتُ: وهذا إسناد مرسل ضعيف، بجالة التيمي تابعي ثقة وليس صحابيّاً، وابن جريج مدلس وقد عنعنه!
وروى ابن السكن- كما في " الإِصابة " (1/ 251) - من طريق يحى بن كثير صاحب البصري: حدثني أبي، حدثنا الجُريري، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه؛ قال: ساق رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأصحابه؛ فجعل يقول: " جندب! وما جندب؛ " حتى أصبح، فقال أصحابه لأبي بكر: لقد لفظ بكلمتين، ما ندري ما هما، فسأله فقال: " يضرب ضربةً فيكون أمّة وحده ... " الحديث.
ويحى بن كثير " ضعيف " كما في " الميزان " و " التقريب " وغيرهما، والجُريري- وهو سعيد =

(1/233)


ما لا يقع بالسحر:
" وأجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد، والقمل، والضفاح، وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام؛ فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر.
قال القاضي أبو بكر بن الطيب: " وإنما منعنا ذلك بالإِجماع، ولولاه؛ لأجزناه " (2/ 47).

ساحر الوليد:
وذكر ابن عبد البر في " الاستيعاب " والحافظ في " الإِصابة " جندباً هذا والحديث الذي ورد في حقه، وحديثه مع ساحر الوليد، وأن ذلك الساحر كان يلعب بين يدي الوليد بن عقبة، وهو أمير بالعراق، فيرى أنه يقطع رأس رجل ثم يعيده، أو يضرب رأس نفسه، فيرمي به، ثم يشتد، فيأخذه، ثم يعيده مكانه، فجاءه جندب، فضرب عنقه، وقال: قولوا له: فليحي نفسه الآن ".

حكم السحر:
وقال القرطبي في " تفسيره " أيضاً: " من السحر ما يكون كفراً من فاعله، مثل ما يدعون من تغيير صور الناس وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في الهواء، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه مُحِقٌّ؛ فذلك كفر منه ".
__________
=
ابن إياس- وإن كان " ثقة من رجال الشيخين؛ فقد اختلط قبل موته بثلاث سنين " كما في " التقريب " (1/ 291)؛ فلا أدري هل سمع منه أبو يحيى قبل الاختلاط أم بعده؟!
ورواه ابن منده بنحوه- كما في " الإِصابة " (1/ 566) أيضاً- من طريق الجُريري به.

(1/234)


وفي " تفسير ابن كثير " عن ابن هبيرة؛ أنه قال في كتابه " الإِشراف على مذاهب الأشراف ": " واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو يجتنبه؛ فلا يكفر، ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفعه؛ كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء؛ فهو كافر. وقال الشافعي رحمه الله: إذا تعلم السحر؛ قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يُلتمس منها؛ فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر؛ فإن اعتقد إباحته؛ فهو كافر " (1/ 270).
وما نسبه لبعض أصحاب أبي حنيفة من عدم تكفير متعلمه اتقاء له ليس معناه الجواز؛ فإن بين الكفر والجواز درجات.
قال أبو البقاء الحنفي في " كلياته ": " والصحيح من مذهب أصحابنا أن تعلمه حرام مطلقاً، لأنه توسل إلى محظور عنه غني، وتوقيه بالتجنب أصلح وأحوط " [ص:208].
وقال الهيتمي في " الفتاوى الحديثية ": " الصواب أن التقرب إلى الروحانيات وخدمة ملوك الجان من السحر، وهو الذي أضل الحاكم العبيدي لعنه الله حتى ادعى الألوهية، ولعبت به الشياطين حتى طلب المحال " [ص:88].

ما جاء في السحر:
وهذا بعض ما جاء في السحر:
1 - قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ... } الآية [البقرة: 102].

(1/235)


2 - وقال حكاية عن موسى وخطابه للسحرة: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81].
3 - وقال جل شأنه: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69].
4 - وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا هُنَّ؛ قال: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ» (84).
فجعل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السحر متصلاً بالشرك العلني، ومتقدماً على القتل.
5 - وأخرج النسائي عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا؛ فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ، فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ ِشَيْئاً وُكِّلَ إلَيْهِ» (85).
قال في " الزواجر ": " ولم يسمع الحسن من أبي هريرة عند الجمهور " (2/ 93).
__________
(84) أخرجه البخاري في (كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}، 5/ 393/ 2766)، ومسلم في الإِيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، 1/ 92/ 89) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(85) ضعيف: أخرجه النسائي (7/ 112) بإسناد ضعيف، لأنه من رواية الحسن- وهو البصري- عن أبي هريرة، ولم يسمع منه عند الجمهور- كما قال المنذري في " الترغيب " (5/ 244)، ونقله المؤلف عن صاحب " الزواجر " -.
وانظر: " ضعيف [سنن النسائي " (276)، و " الجامع الصغير " (5714)].
لكن جملة " ومن تعلق ... " لها شاهد، فانظر رقم (96) الآتي.

(1/236)


6 - وروى البزار أن عبد الله رضي الله عنه، قال: " من أتى كاهناً أو ساحراً، فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] " (86).
قال ابن كثير: " وإسناده صحيح، وله شواهد أخر ".

ضرر السحر في الدين:
تلك أقوال الفقهاء مجمعة على أن السحر معصية، ثم جلهم يرونها معصية شرك وكفر بإطلاق، وبعضهم لا ينتهي بها إلى الكفر ما لم ينضم إليها: إما استحلال لها، وإما اعتقاد ينافي التوحيد، وإما فعل يخالف الإِسلام.
وهذه الآيات والآثار تنكر على الساحر أي إنكار، وتحذر من السحر كل تحذير، وما ذلك إلا لشدة ضرر هاته الآفة في الدين والدنيا، وأول أضرارها الصد عن كتاب الله، وهذا ما وقع فيه قبلنا بنو إسرائيل، فعابه القرآن عليهم في آية {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 101 - 102].
__________
(86) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 436)، والبزار (2/ 443/ 2067) من طريقين عنه موقوفاً، قال الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (1/ 251) - كما نقله المؤلف- في أحدهما: " وهذا إسناد صحيح، وله شواهد أخر ".
وزاد الهيثمي في " المجمع " (5/ 118) نسبته للطبراني في " الكبير " و " الأوسط "، وقال: " ورجال الكبير والبزار ثقات ".
وقال في الطريق الأخر: " رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، خلا هبيرة بن مريم وهو ثقة ".
والأثر قواه الحافظ المنذري في " الترغيب " (5/ 247/ 4394 و4395)، وابن حجر في " الفتح " (10/ 217).

(1/237)


ولوع بعض الطبقات به:
أبَعْدَ هذا التنبيه وذلك التحذير يتسابق أصحاب هذا الكتاب وأتباع ذلك الرسول إلى ضروب السحر، ويتنافسون في إتقانها، ويفخر فاخرهم بالمهارة فيها؟!
تجد بعض المنتسبين إلى بيوت الصلاح أو دور الطرق الصوفية- وما أكثرهم! - يدجلون على بله العوام بمخاريق سحرية، يوهمونهم بها أنهم ذوو كرامات أولوا تصرف في الروحانيات، وترى بعض من تعلموا القراءة والكتابة يكبون على شمس المعارف للبوني، يأخذون منها أقوالاً وأعمالًا مبنية على علم الحروف المنظور فيه إلى طبائع الكواكب المزعوم أنها الحاكمة في هذا العالم، فيعتقدون اعتقاد الكلدان، ويلبسون لباس أهل القرآن، كل ذلك لينعتوا بالحكمة، ويشار إليهم بتطويع ملوك الجان.

• العبيدي الميلي:
وقد أدركت بميلة جيلاً كله إعجاب برجل يدعونه: العبيدي، وينقلون في مجالسهم أحاديث تصرفه في الجن (*)؛ فهذا يقول: أخرجه من فلانة وسجنه في زجاجة!! وذاك يحدثك عن إحراقه وتصاعد دخانه!! وآخر يروي لك توبيخه لهم وتهديده إياهم!! فهذا الحكيم العبيدي بميلة يكاد يحظى حظوة ذلك الحاكم العبيدي بمصر، وقد قرأت القرآن على من ورث العبيدي الميلي في صنعته، وإن كان دون شهرته، وكنت أتمنى لو يطلعني شيخي على هذا السر، فحفظني الله من ذلك الشر.

ولوع النساء بالسحر:
أما النساء؛ فلا تسأل ... هذه تربط الزوج عن زوجه أوتحله، وتلك تبلد
__________
(*) في الأصل: " الجنون ".

(1/238)


الرجل حتى تروج عليه زوجه كل شيء، وماهرة تنزل القمر في القصعة كأن القمر خبزة، ولا تجد في الأغلب من تتزوج إلا وهي متزوده من العجائز بوصايا سحرية ورقى وأدوية (وفيهن- لا نكذب- نساء صوالح)، ولو عنيت أمتنا بالعلم عنايتها بالسحر، لم تنحرف في حياتها عن سلم الرقي، ولكنها حادت عن سنة التقدم، وأحاطت بها خطاياها، فحاق بها سوء عملها، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].
• • • • •

(1/239)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]