[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب ما جاء في حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى التوحيد وسده طرق الشرك]
" باب ما جاء في حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى التوحيد وسده طرق الشرك " عن عبد الله بن الشخير - رضي الله عنه - قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: أنت سيدنا، فقال: «السيد الله تبارك وتعالى» قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» (1) رواه أبو داود بسند جيد. وعن أنس - رضي الله عنه - أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله - عز وجل -» (2) رواه النسائي بسند جيد.
فيه مسائل: الأولى: تحذير الناس من الغلو.
الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا.
الثالثة: قوله: «لا يستجرينكم الشيطان» مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.
الرابعة: قوله: «ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي» .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه أبو داود (4806) .
(2) أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة " (248) و (249) ، وصححه ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي " (246) .

(1/580)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشرح: النبي - عليه الصلاة والسلام - حمى وحرس جناب التوحيد، وحمى حمى التوحيد، وسد كل طريق توصل إلى الشرك، فإن في سنة النبي - عليه الصلاة والسلام - من الدلائل على قاعدة سد الذرائع ما يبلغ مائة دليل أو أكثر، وأعظم الذرائع التي يجب أن تسد ذرائع الشرك التي توصل إليه، ومن تلك الذرائع قول القائل: أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا ونحو ذلك؛ فإن مثل هذه الأقوال فيها من التعظيم الذي لا يجوز أن يواجه به بشر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو سيد ولد آدم، كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كره المواجهة كما سيأتي.
فحماية النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى التوحيد، وسده طرقا الشرك، كان في جهة الاعتقادات ومن جهة الأقوال والأفعال، فإذا تأملت سنته وما جاء في هذا الكتاب - كتاب التوحيد - وجدت أنه - عليه الصلاة والسلام - سد الباب في الاعتقادات الباطلة، وسد الباب في الأفعال الباطلة، كقوله: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (1) وسد الباب أيضا في الأقوال التي توصل إلى الغلو المذموم، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (2) وهذا الباب أيضا من ذلك في بيان حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى التوحيد، فيما يتعلق بالقول الذي قد يتبعه اعتقاد.
_________
(1) تقدم.
(2) تقدم.

(1/581)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" عن عبد الله بن الشخير - رضي الله عنه - قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله تبارك وتعالى "، قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» رواه أبو داود بسند جيد ". في هذا الحديث أن إطلاق لفظ السيد على البشر مكروه، ومخاطبته بذلك يجب سدها، فلا يخاطب أحد بأن يقال له: أنت سيدنا على جهة الجمع، وذلك لأن فيها نوع تعظيم من جهة المخاطبة، يعني: الخطاب المباشر، والجهة الثانية من جهة استعمال اللفظ، والنبي - عليه الصلاة والسلام - سيد كما قال عن نفسه: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (1) ولكن مخاطبته - عليه الصلاة والسلام - مع كونه سيدا كرهها ومنع منها، لئلا تؤدي إلى ما هو أعظم من ذلك، من تعظيمه والغلو فيه عليه الصلاة والسلام، فهذه مناسبة الحديث لهذا الباب: أن في قوله عليه الصلاة والسلام: «السيد الله تبارك وتعالى» مع كونه عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، ما يفيد أنه عليه الصلاة والسلام حمى حمى التوحيد، وسد الطرق الموصله للشرك، ومنها طريق الغلو في الألفاظ.
والقول للرجل بأنه سيد ونحو ذلك إذا كان على وجه المخاطبة له، والإضافة إلى الجمع، أشد وأعظم مما إذا كان بدون المخاطبة والإضافة إلى الجمع. ومما ذكر العلماء: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «السيد الله تبارك وتعالى» يدل على أنه يكره كراهة شديدة أن يقال لبشر: إنه " السيد " هكذا
_________
(1) أخرجه أحمد 2 / 541 من حديث أبي سعيد الخدري وابن ماجه (4308) .

(1/582)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالألف واللام؛ لأن هذا قد يفهم منه استغراق معاني السيادة؛ لأن البشر له سيادة تخصه، ولهذا ترى الذين يشركون ببعض الأولياء كالسيد البدوي يعظمون كلمة " السيد "، ويكثر عندهم التعبيد للسيد، ويريدون به السيد البدوي، فيكثر عندهم عبد السيد ونحو ذلك، ولا يريدون به الله - جل وعلا - ولكن يريدون به ذلك الذي اتخذوه معبودا، وتوجهوا إليه ببعض أنواع العبادة، فيفهمون من كلمة " السيد " أنه ذو السيادة، وذو التصرف في الأمر، وهذا هو الذي اعتقدوه من أن للبدوي ولأمثاله تصرفا في الأرض، وقبولا للمطالب في الحاجات.
«قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» ؛ لأن هذا فيه الثناء والمدح بالمواجهة، وهذا من الشيطان، فالشيطان هو الذي يفتح هذا الباب أن يمدح أحد ويعظم في مواجهته، وذلك حتى يعظم في نفسه فيأتيه الخذلان؛ لأن كل أحد تخلى عن (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، وتخلى عن الازدراء للنفس، والذل والخضوع الذي يعلمه الله من قلبه، فإنه يخذل، ويأتيه الأمر على غرة؛ ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقال مثل ذلك القول مواجهة، ونهى عن المدح؛ لأن فيه إضرارا بالمتكلم، وإضرارا بالمقول فيه ذلك الكلام.
" وعن أنس - رضي الله عنه - «أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: " يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله - عز وجل» - "، رواه النسائي بسند

(1/583)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جيد ": هو عليه الصلاة والسلام كما وصفوه هو خيرهم، وهو سيدهم عليه الصلاة والسلام، لكنه حمى جناب التوحيد، وحمى حمى التوحيد، حتى لا يستدل أحد بعده عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام على أنه يجوز أن يقال لمن ظن الناس فيه ذلك، بل سد الباب في نفسه وهو سيد ولد آدم، وهو خيرهم عليه الصلاة والسلام وأفضلهم، ولكن سد الباب حتى لا يدخل أحد منه بإقراره هذا الفعل، فيعظم أحد ويدخل الشيطان إلى ذلك المعظِّم وإلى المعظَّم، فيجعل القلوب تتعلق بذلك المعظَّم حتى يشرك به، وحتى يعظم بما لا يجوز له من التعظيم.
وهذا الباب كالجامع لما يجب من سد الذرائع الموصلة للشرك، وهذا واجب على المسلم أن يسد كل طريق أو سبيل يجعل نفسه تتعاظم، لأن أعظم مقامات الشرف لك أن يعلم الله - جل وعلا - منك أنك متذلل خاضع بين يديه، وأنك خائف وجل تدعوه راغبا راهبا، فهذه صفة الخلص من عباد الله - جل وعلا - الذين وعدهم الله - جل وعلا - بالخيرات فقال سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] [الأنبياء: 90] ، والخشوع نوعان: خشوع في القلب، وخشوع في الجوارح، وخشوع القلب بالتطامن والذل والخضوع بين يدي الله، وخشوع الجوارح بسكونها، كما قال - جل وعلا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً} [فصلت: 39] [فصلت: 39] .

هذا " باب ما جاء في قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] [الزمر: 67] " ختم به إمام هذه

(1/584)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]