[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب ما جاء في منكري القدر]
" باب ما جاء في منكري القدر " وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم استدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (1) .
وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» . يا بني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من مات على غير هذا فليس مني» (2) وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» (3) وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار» (4) وفي المسند
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه مسلم (8) .
(2) أخرجه أبو داود (4700) .
(3) أخرجه أحمد 5 / 317 والترمذي (2156) و (3316) .
(4) أخرجه ابن وهب في " القدر " (26) ، وابن أبي عاصم في " السنة " (111) .

(1/547)


والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم (1) . حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه.
فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر.
الثانية: بيان كيفية الإيمان به.
الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به.
الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به.
الخامسة: ذكر أول ما خلق الله.
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة.
السابعة: براءته - صلى الله عليه وسلم - ممن لم يؤمن به.
الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء.
التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته؛ وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه أحمد 5 / 182 و 185 و 189، وأبو داود (4699) ، وابن ماجه (77) .

(1/548)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» ، فقوله: «قدر مقادير الخلق» يعني: كتبها.
والدرجة الثانية: ما يقارن وقوع المقدر، فهذا له مرتبتان: الأولى منهما: هي مرتبة عموم المشيئة، فإن الله - جل وعلا - ما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، والعبد لا يشاء شيئا إلا إذا كان الله - جل وعلا - قد شاءه، كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] [الإنسان: 30] ، وقال: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] [التكوير: 29] ، فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله - جل وعلا - والمرتبة الثانية: وهي الإيمان بأن الله - جل وعلا - خالق لكل شيء، للأعيان، وللصفات التي تقوم بالأعيان، أما الأعيان والذوات فإن الله - جل وعلا - خالقها باتفاق أهل الإسلام، يعني: الله - جل وعلا - هو الخالق للإنسان، وللحيوان، وللسماء وللأرض. وكذلك الإيمان بأن الصفات التي تقوم بتلك الأعيان الله - جل وعلا - هو الخالق لها، ومن ذلك أفعال العباد، ففعل العبد داخل في عموم خلقه - جل وعلا - قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] [الزمر: 62] ، وكلمة (شيء) تعرف بأنها ما يصح أن يعلم، فكل ما يصح أن يعلم يقال عنه شيء؟ فلهذا يدخل في عموم قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] العباد، وأفعال العباد، فهذه أربع مراتب. وإنكار القدر الذي بوب عليه الشيخ - رحمه الله - يصدق على إنكار أي مرتبة من هذه المراتب، ولا يقال عن

(1/550)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أحد: إنه مؤمن بالقدر إلا إذا سلم بها جميعا، وآمن بها جميعا؛ لدلالة النصوص على ذلك.
فمن منكري القدر: القدرية الغلاة، وهم نفاة القدر الذين أنكروا العلم السابق، فهؤلاء كفار، ينافي فعلهم أصل التوحيد، فمن أنكر العلم السابق، فقد أنكر القدر إنكارا انتفى معه أصل التوحيد، وكذلك من ينكر الكتابة، فإن إنكار الكتابة السابقة - مع العلم بالنصوص الدالة عليها - مناف لأصل التوحيد، ولا يستقيم معه الإيمان.
وأما إنكار المرتبتين الأخيرتين: عموم المشيئة، وعموم الخلق، كإنكار عموم خلق الله للأفعال كما هو مذهب المعتزلة ونحوهم، فإنه ينافي كمال التوحيد، ولا يحكم عليهم بالكفر والخروج من الإسلام بذلك، وإن بدعوا، وضللوا بسببه.
فإنكار القدر منه ما هو كفر مخرج من التوحيد مخرج من الملة، ومنه ما هو دون ذلك، ويكون منافيا لكمال التوحيد، وبهذا يظهر صلة هذا الباب بكتاب التوحيد.
" وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر "، وإنما كان كذلك لأن الله - جل وعلا - لا يقبل من مسلم - إذ الإسلام شرط في صحة قبول الأعمال - ومن أنكر القدر، ولم يؤمن بالقدر، فإنه لا يكون مسلما، فلا يقبل منه عمل - إذا -، ولو أنفق مثل أحد ذهبا، حتى يؤمن بالقدر.

(1/551)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" ثم استدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» ، وفي قوله: «تؤمن بالقدر خيره وشره» دليل على أن القدر منه ما هو خير، ومنه ما هو شر، أي: خير بالنسبة لابن آدم، وشر بالنسبة لابن آدم، فالمكلف قد يكون عليه قدر هو بالإضافة إليه خير، وقد يكون عليه القدر بالإضافة إليه شر، وأما بالنسبة لفعل الله - جل وعلا - فالله - جل وعلا - أفعاله كلها خير؛ لأنها موافقة لحكمته العظيمة؛ فلهذا جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ثنائه على ربه: «والشر ليس إليك» (1) . فالله - جل وعلا - ليس في فعله شر، فالشر بما يضاف للعبد، فإذا أصيب العبد بمصيبة فهي شر بالنسبة إليه، أما بالنسبة لفعل الله فهي خير، لأنها موافقة لحكمة الله - جل وعلا - البالغة، والله - سبحانه وتعالى - له الأمر كله.
" وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك " (2) وهذا لأن القضاء والقدر قد فرغ منه، يعني: تقدير الأمور قد فرغ منه، والله - جل وعلا - قد قدر الأشياء وقدر أسبابها، فالسبب الذي سيفعله المختار من عباد الله مقدر، كما أن نتيجته مقدرة، ومن الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله - جل وعلا - جعلك مختارا، وأنك
_________
(1) أخرجه مسلم (771) .
(2) أخرجه أبو داود (4700) .

(1/552)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لست مجبورا، فالقول بالجبر لا يستقيم مع الإيمان بالقدر؛ لأن الإيمان بالقدر إيمان معه الإيمان بأن العبد مختار وليس بمجبر؛ لأن التكليف وقع بذلك.
والجبرية طائفتان: طائفة غلاة، وهم الجهمية، وغلاة الصوفية الذين يقولون إن العبد كالريشة في مهب الريح، وحركاته حركات اضطرارية، ومنهم طائفة ليست بالغلاة، وهم الأشاعرة ونحوهم الذين يقولون بالجبر في الباطن، وبالاختيار في الظاهر، ويقولون: إن العبد له كسب، وهذا الكسب هو أن يكون العبد في الفعل الذي فعله محلا لفعل الله - جل وعلا - فيفعل به، فيكون هو محلا للفعل، ويضاف الفعل إليه على جهة الكسب، على ما هو معروف في موضعه من التفاصيل في كتب العقيدة المطولة.
" سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» (1) هذا فيه دليل على مرتبة الكتابة، وقوله: «إن أول ما خلق الله القلم» معناه - على الصحيح عند المحققين - إنه حين خلق الله القلم، فـ (أول) هنا ظرف بمعنى: حين و (إن) اسمها ضمير الشان محذوف: إنه أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، يعني: حين خلق الله القلم قال له: اكتب، فيكون قول اكتب هذا من جهة الظرفية، يعني: حين خلق الله القلم قال له: اكتب.
وأما أول المخلوقات فالعرش سابق في الخلق على القلم، كما قال - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الذي في الصحيح: «قدر الله مقادير الخلق قبل أن
_________
(1) أخرجه أبو داود (4700) .

(1/553)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» (1) فقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب» يدل على أنه حين خلق الله القلم قال له: اكتب، والكتابة كانت بعد الخلق مباشرة، ودل الحديث الثاني على أن العرش كان سابقا، والماء كان سابقا أيضا؛ ولهذا فالقول الصحيح: أن العرش مخلوق قبل القلم، كما قال ابن القيم - رحمه الله - في النونية:
والناس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو بعده ... قولان عند أبي العلى الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه ... عند الكتابة كان ذا أركان
إلى آخر ما في هذا الباب من مباحث في الإيمان بالقدر.

هذا " باب ما جاء في المصورين "، والمصورون جمع تصحيح للمصور، والمصور: هو الذي يقوم بالتصوير، والتصوير معناه: التشكيل، تشكيل الشيء حتى يكون على هيئة صورة لآدمي أو لغير آدمي من حيوان، أو نبات، أو جماد، أو سماء، أو أرض، فكل هذا يقال له: مصور، إذا كان يشكل بيده شيئا على هيئة صورة معروفة، هذا من حيث المعنى، أما من حيث الحكم فسيأتي بيانه إن شاء الله.
وقوله: " باب ما جاء في المصورين " يعني: من الوعيد، ومن الأحاديث التي فيها أنهم جعلوا أنفسهم أندادا لله - جل وعلا -.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن التوحيد هو ألا يجعل لله ند فيما يستحقه - جل وعلا -. والتصوير تنديد من جهة أن المصور جعل فعله ندا لفعل الله - جل وعلا -؛ ولهذا يدخل الرضى بصنيع المصور في قول الله - جل
_________
(1) أخرجه مسلم (2653) .

(1/554)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]