[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب النهي عن سب الريح]
" باب النهي عن سب الريح" عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم أنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به» (1) . " صححه الترمذي.
فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الريح.
الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره.
الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة.
الرابعة: أنها قد تؤمر بخير، وقد تؤمر بشر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه الترمذي (2252) وقال: حديث حسن صحيح.

(1/534)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عنه- جل وعلا- طرفة عين. وهو الذي يجعل الرياح بشرا، فيسخرها- جل وعلا- لما فيه مصلحة العباد.
فهذا الباب عقده لبيان تحريم سب الريح، كما عقد ما قبله لبيان أن سبب الدهر لا يجوز ومحرم؛ لأنه أذية لله- جل وعلا- وهذا الباب من جنس ذاك، لكن هذا يكثر وقوعه، فأفرده لكثرة وقوعه، وللحاجة إلى التنبيه عليه.
قوله " باب النهي عن سب الريح " النهي للتحريم، وسب الريح يكون بشتمها أو بلعنها، وكما ذكرنا في باب الدهر، فإنه ليس من سبها أن توصف بالشدة، كقول الله- جل وعلا-: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ - سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة: 6 - 7] [الحاقة: 6- 7] فهذا وصف للريح بالشدة، ومثل ذلك وصفها بالأوصاف التي يكون فيها شر على من أتت عليه كقوله: {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات: 42] [الذاريات: 42] فمثل هذا ليس من المنهي عنه.
" عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها وخير ما أمرت به» هذا يدل على أن الريح يكون فيها خير، وتؤمر وتنهى، والله- جل وعلا- يرسل الرياح كيف يشاء، ويصرفها أيضا- جل وعلا- عمن يشاء، فهي مسخرة بأمره- جل وعلا- والملائكة هي التي تصرف الريح بأمره- جل وعلا- فللريح ملائكة تصرفها كيف شاء ربنا

(1/535)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- جل وعلا وتقدس وتعاظم- فيكون فيها خير أو يكون فيها عذاب؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيت ما تكرهون فقولوا. .» فأرشدهم " إلى القول الآتي.
«وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى شيئا في السماء أقبل وأدبر، ودخل وخرج، ورئي ذلك في وجهه، حتى تمطر السماء، فيسرى عنه، ويسر عليه الصلاة والسلام، قالت له عائشة: يا رسول الله لم ذاك؟ قال: " ألم تسمعي لقول أولئك- أو كما قال عليه الصلاة والسلام-: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 24 - 25] » [الأحقاف: 24- 25] " (1) .
فالخوف من الله- جل جلاله- إذا ظهرت هذه الحوادث أو التغيرات في السماء أو في الأرض واجب، والله- جل وعلا- يتعرف إلى عباده بالرخاء، كما أنه يتعرف إليهم بالشدة، حتى يعرفوا ويعلموا ربوبيته وقهره وجبروته، ويعلموا حلمه وتودده ورحمته أيضا لعباده.
فعلى العبد إذا رأى ما يكره أن يتضرع إلى الله، ويستغيث به، وأن يسأله بقوله: «اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» صححه الترمذي.
_________
(1) أخرجه البخاري (3206) ومسلم (899) .

(1/536)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أسأل الله- جل وعلا- أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يجعل وسيلتنا التوحيد وأن يجعل وسيلتنا إليه الإخلاص، فإنا مذنبون، ولولا رحمة الله لهلكنا، اللهم فاغفر جما وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الله - جل وعلا - موصوف بصفات الكمال، وله - جل وعلا - أفعال الحكمة، وأفعال العدل، وأفعال الرحمة والبر، فهو سبحانه كامل في أسمائه، كامل في صفاته، كامل في ربوبيته، ومن كماله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته أنه لا يفعل الشيء إلا لحكمة بالغة، والحكمة هي: أنه - جل وعلا - يضع الأمور في مواضعها التي توافق الغايات المحمودة منها، وهذا دليل الكمال. فالله - جل وعلا - له صفات الكمال، وله نعوت الجلال والجمال، فلهذا وجب لكماله - جل وعلا - أن يظن به ظن

(1/537)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]