[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب ما جاء في اللو]
" باب ما جاء في اللو " وقول الله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] [آل عمران: 154] . وقوله: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168] [آل عمران: 168] .
في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان» (1) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران.
الثانية: النهي الصريح عن قول: " لو " إذا أصابك شيء.
الثالثة: تعليل المسألة؛ بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.
الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.
الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع، مع الاستعانة بالله.
السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه مسلم (2664) .

(1/529)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عليه أن ينيب وأن يستغفر وأن يقبل على الله. - جل جلاله- وقد قال سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] [طه: 82] .
والشيطان يدخل على القلب، فيجعله يسيء الظن بربه- جل وعلا- وبقضائه وبقدره، وإذا دخلت إساءة الظن بالله ضعف التوحيد ولم يحقق العبد ما يجب عليه من الإيمان بالقدر والإيمان بأفعال الله- جل جلاله-؛ ولهذا عقد المصنف هذا الباب؛ لأن كثيرين يعترضون على القدر من جهة أفعالهم، ويظنون أنهم لو فعلوا أشياء لتغير الحال والله- جل وعلا- قد قدر الفعل وقدر نتيجته، فالكل موافق لحكمته سبحانه وتعالى.
" وقول الله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] [آل عمران: 154] وقوله: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168] [آل عمران: 168] ": تقدم أن قول (لو) في الماضي لا يجوز وأنه محرم ودليل ذلك واضح من الآيتين. ومناسبة الآيتين للباب ظاهرة: وهو أن التحسر على الماضي بالإتيان بلفظ (لو) إنما هو من خصال المنافقين قال- جل وعلا- عن المنافقين: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] وقال: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168] وهذا في قصة غزوة أحد كما هو معروف، فهذا من كلام المنافقين، فيكون استعمال (لو) من خصال النفاق، وهذا يدل على حرمتها.

(1/531)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) ، تفتح عمل الشيطان» : وجه مناسبة هذا الحديث: قوله: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا» و (لو) هنا كانت على الماضي، وقوله: (فلا تقل) نهي، والنهي للتحريم؛ وهذا لأنه سوء ظن؛ ولأنه فتح عمل الشيطان، فالشيطان يأتي المصاب فيغريه بـ (لو) حتى إذا استعملها ضعف قلبه وعجز، وظن أنه سيغير من قدر الله شيئا، وهو لا يستطيع أن يغير من قدر الله شيئا، بل قدر الله ماض؛ ولهذا أرشده عليه الصلاة والسلام أن يقول: «قدر الله وما شاء فعل» ؛ لأن ذلك راجع إلى قدره وإلى مشيئته، هذا كله من النهي والتحريم راجع إلى ما كان من استعمال (لو) أو (ليت) وما شابههما من الألفاظ في التحسر على الماضي، وتمني أن لو فعل كذا حتى لا يحصل له ما سبق، كل ذلك فيما يتصل بالماضي.
أما المستقبل كأن يقول: لو يحصل لي كذا وكذا في المستقبل، فإنه لا يدخل في النهي؛ لأنها حينئذ تكون للتعليق في المستقبل، وترادف (إن) .
فاستعمال (لو) في المستقبل الأصل فيه الجواز، إلا إن اقترن بذلك اعتقاد أن فعله سيكون حاكما على القدر كاعتقاد بعض الجاهليين، أنه إن حصل لي كذا فعلت كذا، تكبرا وأنفة واستعظاما لفعلهم وقدرتهم، فإن هذا يكون من المنهي؛ لأن فيه تجبرا وتعاظما، والواجب على العبد أن يكون ذليلا؛ لأن القضاء والقدر ماض، وقد يحصل له الفعل ولكن ينقلب على عقبيه كحال

(1/532)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الذي قال الله- جل وعلا- فيه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ - فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ - فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75 - 77] [التوبة: 75- 77] فإنهم قالوا: لئن كان لنا كذا وكذا لنفعلن كذا وكذا، فلما أعطاهم الله- جل وعلا- المال بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فهذا فيه نوع تحكم على القدر وتعاظم، فاستعمال (لو) في المستقبل إذا كانت في الخير مع رجاء ما عند الله بالإعانة على أسباب الخير فهذا جائز، أما إذا كان على وجه التجبر والاستعظام، فإنه لا يجوز؛ لأن فيه نوع تحكم على القدر.

الريح مخلوق من مخلوقات الله مسخر، وهي واحدة الرياح، يجريها الله- جل وعلا- كما يشاء، وهي-كالدهر- لا تملك شيئا، ولا تدبر أمرا، فسب الريح كسب الدهر يرجع في الحقيقة إلى أذية الله- جل وعلا-؛ لأن الله هو الذي يصرف الريح كيف يشاء، فيجعل الريح تأتي بأمر مكروه؛ ليذكر العباد بالتوبة والإنابة؛ ويذكر بمعرفة قدرته عليهم، وأنه لا غنى لهم

(1/533)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]