[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة]
باب (1) لا يسأل بوجه الله إلا الجنة " عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» (2) . رواه أبو داود.
فيه مسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
الثانية: إثبات صفة الوجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) الشيخ- رحمه الله- صنع هذا كصنيع البخاري في صحيحه، والبخاري في صحيحه على ثلاثة أصناف: تارة يضيف فيقول: باب كذا، وتارة يقول: باب فتقول: باب وتكمل، أو تقول: باب وتسكت ثم تكمل الكلام، فهذه ثلاثة أصناف في البخاري جارية في هذا الكتاب.
(2) أخرجه أبو داود (1671) وله شاهد من حديث أبي موسى أخرجه الطبراني في " الدعاء " (2112) بإسناد حسن.

(1/526)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: «لا يسأل» هذا نفي مضمن النهي المؤكد، كأنه قال: لا يسأل أحد بوجه الله إلا الجنة، أو لا تسأل بوجه الله إلا الجنة، فعدل عن النهي إلى النفي لكي يتضمن أن هذا منهي عنه وأنه لا يسوغ وقوعه أصلا لما يجب من تعظيم الله- جل جلاله- وتعظيم توحيده، وتعظيم أسماء الله- جل وعلا- وصفاته.
قوله: «بوجه الله» وجه الله- جل جلاله- صفة ذات من صفاته سبحانه، وهو غير الذات. والوجه في اللغة: ما يواجه به، وهو مجمع أكثر الصفات في اللغة، فالله- جل وعلا- متصف بالوجه على ما يليق بجلاله وعظمته، نثبت ذلك إثباتا نعلم أصل المعنى، ولكن كمال المعنى أو الكيفية فإننا نكل ذلك إلى عالمه وإلى المتصف به- جل جلاله- ولكن نثبت على أصل عدم التمثيل والتعطيل، كما قال- جل وعلا-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] [الشورى: 11] .
قوله: «إلا الجنة» الجنة: هي دار الكرامة التي أعدها الله- جل وعلا- للمكلفين من عباده الذين أجابوا رسله، ووحدوه، وعملوا صالحا، وهي أعظم مطلوب لأن الحصول عليها حصول على أعظم ما يسر به العبد؛ فلهذا كان من غير السائغ واللائق بل كان من غير الجائز أن يسأل الله- جل وعلا- بنفسه أو بوجهه أو بصفة من صفاته أو باسم من أسمائه الحسنى إلا أعظم مطلوب، فإن الله- جل جلاله- لا يسأل بصفاته الأشياء الحقيرة الوضيعة؛ بل يسأل بها أعظم المطلوب، وذلك لكي يتناسب السؤال مع وسيلة السؤال، وهذا معنى هذا الباب، وهو أن من تعظيم صفات الله- جل

(1/527)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وعلا- أن لا تدعو الله بها إلا في الأمور الجليلة، فلا تسأل الله- جل وعلا- بوجهه أو باسمه الأعظم أو نحو ذلك في أمور حقيرة وضيعة لا تناسب تعظيم ذلك الاسم.
" عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» رواه أبو داود ودلالة الحديث على ما بوب له الإمام المصنف - رحمه الله تعالى- ظاهرة جلية، وقد قال العلماء هنا: إن وجه الله- جل جلاله- يسأل به الجنة، ولا يجوز أن يسأل به غيرها إلا ما كان وسيلة إلى الجنة، أو كان من الأمور العظيمة التي هي من جنس السؤال بالجنة، أو من لوازم السؤال بالجنة كالنجاة من النار، وكالتثبيت عند السؤال، ونحو ذلك.
فالأمر المطلوب الجنة أو ما قرب إليها من قول أو عمل، والنجاة من النار أو ما قرب إليها من قول وعمل، فهذا يجوز أن تسأل الله- جل وعلا- إياه متوسلا بوجهه العظيم سبحانه وتعالى.
وأما غير الوجه من الصفات أو من الأسماء فالأدب أن لا يسأل به إلا المطالب العظيمة، أما المطالب الوضيعة أو غيرها مما ليس بعظيم، فلا يتوسل إليها بصفات الله الجليلة العظيمة، بل يقال: اللهم أعطني كذا، اللهم أسألك كذا، والله أعلم.

قلب الموحد المؤمن، لا يكون محققا مكملا للتوحيد حتى يعلم أن كل شيء بقضاء الله- جل وعلا- وبقدره، وأن ما فعله سببا من الأسباب والله- جل وعلا- ماض قدره في خلقه، وأنه مهما فعل فإنه لن يحجز قدر الله- جل وعلا-، فإذا كان كذلك كان القلب معظما لله- جل وعلا- في تصرفه في ملكوته، وكان القلب لا يخالطه تمني أن يكون شيء فات على غير ما كان، وأنه لو فعل كذا لتغير ذلك السابق، بل الواجب أن يعلم أن قضاء الله نافذ، وأن قدره ماض، وأن ما سبق من الفعل قد قدره الله- جل وعلا- وقدر نتائجه، فالعبد لا يمكنه أن يرجع إلى الماضي فيغير. وإذا استعمل لفظ (لو) أو لفظ (ليت) وما أشبهها من الألفاظ التي تدل على الندم، وعلى التحسر على ما فات، فإن ذلك يضعف القلب، ويجعله متعلقا بالأسباب، منصرفا عن الإيقان بتصريف الله- جل وعلا- في ملكوته، وكمال التوحيد إنما يكون بعدم الالتفات إلى الماضي فإن الماضي الذي حصل إما أن يكون مصيبة أصيب بها العبد فلا يجوز له أن يقول: لو فعلت كذا لما حصل كذا، بل الواجب عليه أن يصبر على المصيبة، وأن يرضى بفعل الله- جل وعلا- ويستحب له الرضى بالمصيبة.
وإذا كان ما أصابه في الماضي معصية فإن عليه أن يسارع في التوبة والإنابة وأن لا يقول: لو كان كذا لم يكن كذا بل يجب عليه أن يسارع في التوبة والإنابة حتى يمحو أثر المعصية.
فتبين أن ما مضى من المقدر للعبد معه حالان: إما أن يكون ذلك الذي مضى مصايب، فحالها كما ذكرنا، وإما أن يكون معايب ومعاصي فالواجب

(1/528)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]