[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب لا يرد من سأل بالله]
" باب لا يرد من سأل بالله " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل بالله فأعطوا ومن استعاذ بالله فأعيذوا ومن دعاكم فأجيبوا ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (1) . رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله.
الثانية: إعطاء من سأل بالله.
الثالثة: إجابة الدعوة.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه.
السادسة: قوله: حتى تروا أنكم قد كافأتموه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه أبو داود (1672) والنسائي 5 / 82 وصححه النووي في " رياض الصالحين " (653) .

(1/522)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
التوحيد ومن تحقيق التوحيد، ومن سأل بالله- جل جلاله- فقد سأل بعظيم، ومن استعاذ بالله فقد استعاذ بعظيم، بل استعاذ بمن له هذا الملكوت، وله تدبير الأمر - جل وعلا- فكيف يرد من جعل مالك كل شيء وسيلة؟ ولهذا كان من تعظيم الله التعظيم الواجب ألا يرد أحد سأل بالله- جل وعلا - فإذا سأل سؤالا وجعل الله- جل وعلا- هو الوسيلة فإنه لا يجوز أن يرد تعظيما لله- جل وعلا- والذي في قلبه تعظيم الله- جل وعلا- ينتفض إذا ذكر الله كما قال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] [الأنفال: 2] بمجرد ذكر الله تجل القلوب لعلمهم بالله- جل وعلا- وما يستحق، وعلمهم بتدبيره وملكوته وعظمة صفاته وأسمائه- جل وعلا- فإذا سأل أحد بالله فإن قلب الموحد لا يكون رادا له؛ لأنه معظم لله مجل لله- جل وعلا- فلا يرد أحدا جعل وسيلته إليه رب العزة سبحانه وتعالى.
ومن أهل العلم من قال: إن السائل بالله قد تجب إجابته ويحرم رده، وقد لا يجب ذلك، وهذا القول هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية واختيار عدد من المحققين بعده، وهو القول الثالث في المسألة.
وأما القول الأول: فهو أن من سأل بالله حرم أن يرد مطلقا.
والقول الثاني: أن من سأل بالله استحب إجابته، وكره رده.
ومراد شيخ الإسلام رحمه الله بحالة الوجوب: أن يتوجه السؤال لمعين في أمر معين، يعني: ألا يكون السائل سأل عددا من الناس بالله، ليحصل على شيء؛ فلهذا لم يدخل فيه السائل الفقير الذي يأتي فيسأل هذا ويسأل هذا،

(1/523)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
كما لم يدخل فيه من يكون كاذبا في سؤاله، أما إذا لم يتوجه لمعين في أمر معين، فإنه لا يجب عليه أن يؤتيه مطلبه، ويجوز له أن يرد سؤاله، وعلى هذا التفصيل يكون للمسألة ثلاثة أحوال:
حال يحرم فيها رد السائل، وحال يكره فيها رد السائل، وحال يباح فيها رد السائل بالله.
فيحرم رد السائل بالله: إذا توجه لمعين في أمر معين، كما إذا خصك بهذا التوجه، وسألك بالله أن تعينه وأنت قادر على أن تؤتيه مطلوبه.
ويستحب: إذا كان التوجه ليس لمعين، كأن يسأل أشخاصا كثيرين، ويباح: إذا كان من سأل بالله يعرف منه الكذب.
قوله: " باب لا يرد من سأل بالله " فيه عموم لأجل الحديث الوارد.
" عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل بالله فأعطوه» : وإنما وجب إعطاؤه تعظيما لله- جل وعلا-. قوله: «ومن استعاذ بالله فأعيذوه» من استعاذ منك بالله فيجب أن تعيذه، فمن قال: أعوذ بالله منك، تعظيما لله- جل جلاله- تجيبه إلى ذلك وتتركه؛ لأن من استعاذ بالله فقد استعاذ بأعظم مستعاذ به؛ وفي قصة الجونية التي دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام واقترب منها، قالت له: أعوذ بالله منك، فابتعد عنها عليه الصلاة والسلام وقال: «لقد استعذت بمعاذ، الحقي بأهلك» (1) . فلما استعاذت بالله منه تركها عليه الصلاة والسلام.
_________
(1) أخرجه البخاري (5254) .

(1/524)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: «ومن دعاكم فأجيبوه» عامة أهل العلم على أن هذا مخصوص بدعوة العرس، وأما سائر الدعوات فهي على الاستحباب.
قوله: «ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه» من صنع إليك معروفا فكافئه، ولتكن مكافأته من جنس معروفه، إن كان معروفه من جهة المال فكافئه من جهة المال، وإن كان معروفه من جهة الجاه فكافئه من جهة الجاه، وهكذا.
وعلاقة هذا بالتوحيد كما قال المحققون: أن الذي صنع له معروف يكون في قلبه ميل ونوع تذلل وخضوع في قلبه واسترواح لهذا الذي صنع إليه المعروف، ومعلوم أن تحقيق التوحيد لا يتم إلا بأن يكون القلب خاليا من كل ما سوى الله- جل جلاله- وأن يكون ذله وخضوعه وعرفانه بالجميل هو لله - جل وعلا- وتخليص القلب من ذلك يكون بالمكافأة على المعروف، وأنه إذا أدى إليك معروفا فخلص القلب من رؤية ذلك المعروف بأن ترد إليه معروفه؛ ولهذا قال: «فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» ، لأجل أن يتخلص القلب من أثر ذلك المعروف، فترى أنك دعوت له بقدر ترجو معه أنك قد كافأته، وهذا لتخليص القلب مما سوى الله- جل وعلا- وهذه مقامات لا يدركها إلا أرباب الإخلاص، وتحقيق التوحيد جعلنا الله وإياكم منهم.

الشرح: هذا باب: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» ومناسبته لكتاب التوحيد ظاهرة: في أن تعظيم صفات الله- جل وعلا- الذاتية والفعلية من تحقيق التوحيد، ومن كمال الأدب والتعظيم لله- جل وعلا-، فإن تعظيم الله- جل جلاله- وتعظيم أسمائه وصفاته يكون بأمور كثيرة، منها: ألا يسأل بوجه الله أو بصفات الله- جل جلاله- إلا المطالب العظيمة التي أعلاها الجنة.

(1/525)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]