[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه]
" باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه " في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله» (1) قال سفيان: مثل شاهان شاه. وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» (2) وقوله " أخنع " يعني: أوضع.
فيه مسائل: الأولى: النهي. عن التسمي بملك الأملاك.
الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان.
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا، ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه البخاري (6206) ، ومسلم (2143) .
(2) أخرجه مسلم (2143) ، وأحمد في المسند 2 / 315.

(1/471)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أن التسمي بالأسماء التي معناها إنما هو لله - جل جلاله: لا يجوز، والتوحيد يقتضي ألا يوصف بها إلا الله وألا يسمى بها إلا الله - جل وعلا -.
فتسمية غير الله بتلك الأسماء التي ستأتي لا تجوز ومحرم، بل هي أخنع الأسماء وأوضع تلك الأسماء وأبغض الأسماء إلى الله - جل جلاله -.
قوله: " باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه ": " التسمي " يشمل ما إذا سمى نفسه، أو سماه غيره به فرضي، أما إذا سماه غيره به فلم يرض، فإنه لا يدخل في الذم؛ لعدم الرضا، فيلحق الوعيد المسمي، ومن رضي بذلك الاسم.
قوله: " بقاضي القضاة ونحوه ": ونحو قاضي القضاة مثل: ملك الأملاك، وشاهان شاه، ونحو ذلك، وقاضي القضاة: هو الذي يقضي بين القضاة، تقول: قاضي المسلمين، يعني: الذي يقضي بين المسلمين، وقاضي الرياض، يعني: الذي يقضي في الخصومات التي بين أهل الرياض، فقاضي القضاة لفظ حقيقة معناه: الذي يقضي بين القضاة، وهذا إنما هو لله - جل جلاله - فهو الذي يقضي بين العباد، وبين القضاة وبين العبيد، فهو قاضي القضاة على الحقيقة سبحانه وتعالى فيخبر عنه بذلك، لأن " قاضي القضاة " ليست من أسماء البشر، فالذي يقضي بين القضاة هو الله - جل جلاله.
والذي أطلقوا هذه التسمية على كبير القضاة، أو على كبير العلماء، لا يعنون بها أن ذاك يقضي بين القضاة، وإنما يعنون بها أنه وصل إلى مرتبة في القضاء أو في العلم أعلى من درجة القاضي، فصار قاضي القضاة، كما شاع

(1/472)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
في الزمن المتأخر في الدولة العثمانية أنهم يسمون المفتي: شيخ الإسلام، ووكيل المفتي: وكيل شيخ الإسلام، وهي تسمية خاصة.
وقد انتشر في بلاد المسلمين التسمية بقاضي القضاة ونحوه، منذ القرن الرابع الهجري إلى أوقات متأخرة قريبة من هذا الزمان، والواجب على العبد ألا يجعل هذه التسمية جارية على لسانه، ولا أن يرضى بها.
وكذلك مالك الأملاك، أو شاهان شاه، يعني: ملك الأملاك، لأن فيه تسمية البشر بما يختص بالله، فإن ملك الأملاك هو الله - جل وعلا -، والأملاك واسعة، والإنسان إنما يطلق عليه أنه مالك للشيء المعين، وليس مالكا لكل شيء، فالذي يملك كل شيء هو الله وحده، والبشر يملكون بالإضافة بعض الأشياء.
وكذلك الملك - بالضم - وهو: نفاذ الأمر والسيطرة، فإنه يكون في بعض الأرض وليس في كل الأرض، فالذي يملك يقال له: مالك إذا كان يملك ملكا، أو ملك إذا كان يملك ملكا، بمعنى: نفاذ الأمر، ويضاف إلى بقعته فيقال: ملك المملكة العربية السعودية، وملك الأردن، ونحو ذلك.
وأما الإطلاق العام ملك الأملاك، أو شاهان شاه، فإن الأملاك منها ما هو على الأرض ومنها غير ذلك وهذا إنما هو لله - جل وعلا -، فالتوحيد يوجب ألا يتسمى بذلك أحد، وألا يرضى بتسمية أحد بذلك، حتى لو وجد في بعض الكتب لا ينقل كما هو، وقد يغلط بعض الباحثين وبعض طلبة العلم فينقل قولا عن بعض أهل العلم المتقدمين، ممن يتجوزون في مثل هذه الألفاظ وفيه: " وقال: قاضي القضاة كذا "، " وكان قاضي القضاة كذا "، ولا

(1/473)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يغيره، والواجب أن يغيره تعظيما لله - جل وعلا -، وأمانة النقل التي يدعون هي في مرتبة دون توحيد الله - جل وعلا - بكثير كثير، فالواجب تغيير. ذلك، وهذا من توحيد الله وتغيير اشتراك الخلق مع الله - جل وعلا - في حقه فيما يزعمه بعض الخلق.
" في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك» : " أخنع " يعني: أوضع، وأحقر، وأبعد الأسماء عند الله، رجل تسمى ملك الأملاك.
قوله: «لا مالك إلا الله» وهذا من أساليب الحصر، يعني: أن الملك إنما هو لله وحده، وهناك فرق بين مالك وملك، فمالك: اسم فاعل من الملك، يقال: ملك الشيء، يعني: اقتناه وصار مختصا به من الملك، وهذا راجع إلى التصرف بالأعيان.
وأما الملك - بالضم - فالاسم منه الملك، وهو: الذي ينفذ أمره ونهيه. فالملك راجع إلى الأعيان، والملك راجع إلى المعاني، هذا في قول عدد من محققي أهل اللغة.
" قال سفيان: مثل شاهان شاه، وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» وسبب كونه أغيظ رجل وأخبث رجل أنه جعل نفسه مماثلا لله - جل وعلا - في الحق بهذه التسمية.

هذا الباب فيه الإرشاد إلى الأدب الذي يجب أن يصدر من قلب الموحد ومن لسانه، فإن الموحد متأدب مع الله- جل جلاله-، ومتأدب مع أسمائه، وصفاته، ومع دينه، فلا يهزل- مثلا- بشيء فيه ذكر الله، ولا يلقي الكلمة عن الله- جل وعلا- دون أن يتدبر ما فيها، وكذلك لا يسمي أحدا بأسماء

(1/474)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]