[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب قول الله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون]
" باب قول الله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون " [البقرة: 22] . قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية: الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب النمل، على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا، هذا كله شرك. رواه ابن أبي حاتم (1) .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (2) . رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم.
وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا (3) .
وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» . رواه أبو داود بسند
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (230) .
(2) أخرجه الترمذي (1535) والحاكم 1 / 18 و 4 / 297 وصححه ووافقه الذهبي.
(3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف 8 / 469، والطبراني في الكبير" (8902) .

(1/452)


صحيح (1) وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك (2) ويجوز أن يقول: بالله ثم بكم، قال: ويقولون: لولا الله ثم فلان ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
الثانية: أن الصحابة رضي الله عنهم يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو و (ثم) في اللفظ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه أبو داود (4980) ، وصححه النووي.
(2) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (347) .

(1/453)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فهذا الباب فيه بيان أن التنديد يكون في الألفاظ، والتنديد هنا المراد به: التنديد الأصغر الذي هو شرك أصغر في الألفاظ وليس التنديد الكامل الذي هو الشرك الأكبر.
" قوله - جل وعلا -: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] [البقرة: 22] : هذا عام يشمل اتخاذ الأنداد بالشرك الأكبر ويشمل أيضا اتخاذ الأنداد بأنواع الإشراك التي دون الشرك الأكبر؛ لأن قوله: (أندادا) نكرة في سياق، النهي فتعم جميع أنواع التنديد، والتنديد منه ما هو مخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة؛ ولهذا ساق عن ابن عباس أنه قال: " الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب النمل " فجعل مما يدخل في هذه الآية الشرك الخفي أو شرك الألفاظ التي تخفى على كثير من الناس.
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: من أن حقيقة التوحيد ألا يكون في الملة إلا الله - جل وعلا - وألا يتلفظ بشيء فيه جعل غير الله - جل وعلا - شريكا أو ندا له كمن حلف بغير الله أو كمن قال: ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ونحو هذه الألفاظ.
قوله " لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك " يعني لا تقل: لولا الله وفلان، بل قل: لولا الله لحصل كذا، هذا هو الأكمل، فالذي ينبغي في استعمال هذه الألفاظ أن تنسب إلى الله، فظهر لنا هنا أن ثمة: درجتين كاملة، جائزة، وغير ذلك لا يجوز:
فالدرجة الأولى - وهي الكاملة -: أن يقول: لولا الله لما حصل كذا.

(1/454)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والدرجة الثانية وهي الجائزة -: أن يقول: لولا الله ثم فلان لما حصل كذا، فهذه جائزة وهي توحيد، لجعله مرتبة فلان نازلة عن مرتبة إنعام الله، ولكن هذا ليس هو الكمال؛ ولهذا قال ابن عباس هنا: " لا تجعل فيها فلانا "؛ لأن الكمال أن تقول: لولا الله لأتانا اللصوص، ولولا نعمة الله لما حصل كذا، ولولا فضل الله لما حصل كذا، هذه هي المرتبة الكاملة، والجواز أن تقول: لولا الله ثم فلان.
وأما الذي لا يجوز والذي قال فيه ابن عباس: " كله به شرك " فهو أن يقول: لولا الله وفلان، بالواو؛ لأن (الواو) تفيد التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه دون تراخ في المرتبة، أما (ثم) فتفيد التراخي في المرتبة، أو التراخي في الزمن، على ما هو معلوم في هذا المبحث في حروف المعاني من النحو؛ فلهذا كان قول القائل: لولا الله وفلان شرك، أو ما شاء الله وشاء فلان شرك أصغر. والواجب أن يقول: لولا الله، أو أن يقول: ما شاء الله وحده، كما سيأتي في باب بعد ذلك.
فاتضح من هذا أن الكمال أن ينسب ذلك إلى الله - جل وعلا - وحده، وأن الجائز أن يقول: لولا الله ثم فلان.
" وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم " قوله: «من حلف بغير الله» يعني: عقد اليمين بغير الله - جل وعلا - «فقد كفر أو أشرك»

(1/455)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
واليمين هي: تأكيد الكلام بمعظم به بين المتكلم والمخاطب، بأحد حروف القسم الثلاثة: الواو، أو الباء، أو التاء، والواجب ألا يؤكد الكلام إلا بالله - جل وعلا -؛ لأن المعظم على الحقيقة هو الله - جل وعلا -، وأما البشر فليسوا بمعظمين بحيث يحلف بهم، نعم ربما عظموا بشيء يناسب ذاتهم التعظيم البشري اللائق بهم، أما التعظيم الذي يصل إلى حد أن يحلف به فهذا إنما هو لله - جل وعلا -.
فالواجب إذا ألا يؤكد الكلام إلا بالله - جل وعلا - إذا أراد الحلف، فمن كان حالفا فليحلف بالله، وليؤكد الكلام بالله - جل وعلا - باستخدام أحد الأحرف الثلاثة: الواو، أو الباء، أو التاء.
وأما إذا استخدم غير هذه الأحرف كلفظ (في) ونحو ذلك فإنه لا يعد حلفا إلا إن كان في قلبه أنه يمين ولكنه أخطأ التعبير، فالعبرة بما في النفس من المعاني، أما ما في اللفظ فإنه في هذا المقام يؤول إلى ما في القلب؛ لهذا قال هنا: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» ، وإنما كفر أو أشرك؛ لأنه عظم هذا المخلوق كتعظيم الله - جل وعلا - في الحلف به وكفره وشركه شرك أصغر، وقد يصل إلى أن يشرك بالحلف شركا أكبر إذا عظم المحلوف به تعظيم الله - جل وعلا - في العبادة.
فالحلف بغير الله تعالى تعظيم لذلك المحلوف به في الحلف، فإن انضاف إلى ذلك تعظيم المحلوف به تعظيم عبادة صار شركا أكبر، كحلف الذين يعبدون الأوثان بأوثانهم فإنه شرك أكبر؛ لأنه يعظم ذلك الوثن، أو ذلك القبر، أو تلك البقعة، أو ذلك المشهد، أو ذلك الولي، يعظمه كتعظيم الله في العبادة

(1/456)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فيكون حلفه حلفا بمعظم به في العبادة، ويكون شركا أصغر بمجرد الحلف بغير الله، فكل من حلف بغير الله فهو مشرك الشرك الأصغر، قد يصل في بعض الأحوال إلى أن يكون مشركا الشرك الأكبر إذا كان يعبد هذا الذي حلف به.
وهناك يمين بغير الله في اللفظ فهذه أيضا شرك، ولو لم يعقد القلب اليمين، كمن يكون دائما على لسانه استعمال الحلف بالنبي، أو بالكعبة، أو بالأمانة، أو بولي، ونحو ذلك وهو لا يريد حقيقة اليمين، وإنما يجري على لسانه مجرى اللغو، فهذا أيضا شرك؛ لأنه تعظيم لغير الله - جل وعلا -.
" وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا ": هذا لأجل عظم الحلف بغير الله - جل وعلا - وأن الحلف بغير الله شرك، وأما الكذب فإنه كبيرة والشرك الأصغر هذا أعظم من الكبائر؛ فلهذا استحب أن يكذب مع التوحيد وألا يصدق مع الشرك؛ لأن حسنة التوحيد أعظم من سيئة الكذب؛ ولأن سيئة الشرك أشنع من سيئة الكذب.
" وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» رواه أبو داود بسند صحيح ":: هذا من جهة الإرشاد إلى ما ينبغي أن يقال، فلا تجعل مشيئة العبد مقارنة مشتركة مع مشيئة الله، بل الواجب أن ينزه العبد لفظه حتى يعظم الله - جل وعلا -، والقلب المعظم لله - جل وعلا - لا يمكن أن يستعمل لفظا فيه جعل لمخلوق في مرتبة الله - جل وعلا - في المشيئة، أو في الحلف، أو في الصفات ونحو ذلك؛ لهذا قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان» وهذا النهي للتحريم؛ لأن هذا التشريك في المشيئة، شرك أصغر بالله - جل وعلا -.

(1/457)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: «ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» : لأن (ثم) تفيد التراخي في المشيئة، وهذا لأن مشيئة العبد تبع لمشيئة الله - جل وعلا - قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] [التكوير: 29] فمشيئة العبد ناقصة ومشيئة الله كاملة.
" وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك) : لأن (الواو) تقتضي التشريك في الاستعاذة، والاستعاذة كما ذكرنا لها جهتان: جهة ظاهرة، وجهة باطنة، أما الجهة الباطنة وهي: الالتجاء، والاعتصام، والرغب، والرهب، وإقبال القلب على المستعاذ به، فهذه لا تصلح إلا لله.
والاعتماد في الاستعاذة على المخلوق فيما أقدره الله عليه جائز، لأن الاستعاذة بالمخلوق ظاهرا فيما أقدره الله عليه جائزة؛ لهذا " كان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك " والكراهة في استعمال السلف يراد منها غالبا المحرم، وقد ترد لغير المحرم ولكن يستعملونها فيما لا نص فيه.
ومجيء الكراهة بمعنى التحريم في القرآن في قوله تعالى لما ذكر الكبائر في سورة الإسراء: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 38] [الإسراء: 38] ، وفي القراءة الأخرى: كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها أي: محرما التحريم الشديد.
" ويجوز أن يقول: بالله ثم بك": لما فيها من التراخي " قال: ويقولون: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان "

" باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله "، قوله: " لم يقنع " استفاد منه كثير من الشراح أن المراد بهذا الباب ما يكون عند توجه اليمين على أحد المتخاصمين، فإنه إذا كانت الخصومة، وتوجهت اليمين في الدعوى فإن الواجب على الآخر أن يقنع بما حلف عليه الآخر بالله - جل وعلا - فخصوا ما جاء من الدليل، وخصوا هذا الباب بمسألة الدعاوى، يعني: اليمين عند القاضي.

(1/458)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]