[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب قول الله تعالى يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون]
" باب قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} [النحل: 83] [النحل: 83] . قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي. وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا. وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا.
وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه «وإن الله تعالى قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. .» الحديث، وقد تقدم -: وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به.
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير.
فيه مسائل: الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
الثانية: معرفة أن هذا جار على ألسنة كثير.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/445)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الآية: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} [النحل: 83] [النحل: 83] . وهذا على جهة الأكثرية، وإلا فقد وردت المعرفة بمعنى العلم كما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يعرفوا الله، فإن هم عرفوا الله. .» (1) فهذا يدل على أن بعض من روى الحديث من التابعين جعل المعرفة بمعنى العلم، وهم حجة في هذا المقام فيدل على أن استعمال المعرفة بمعنى العلم لا بأس به.
وهذا الباب معقود لألفاظ يكون استعمالها من الشرك الأصغر، ذلك أن فيها إضافة النعمة إلى غير الله، والله - جل وعلا - قال: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] [النحل: 53] وهذا نص صريح في العموم؛ لأن مجيء النكرة في سياق النفي يدل على العموم ظهورا، فإن سبقت النكرة بـ (من) دلت على العموم نصا، والتنصيص في العموم معناه أنه لا يخرج شيء من أفراده، فدلت الآية على أنه لا يخرج شيء من النعم أيا كان ذلك الشيء، صغيرا كان أو كبيرا، عظيما أو حقيرا، لا يكون إلا من الله جل وعلا، فكل النعم صغرت أو عظمت هي من الله - جل جلاله - وحده، وأما العباد فإنما هم أسباب تأتي النعم على أيديهم، وأسباب في إيصال النعمة إليك، فمن كان سببا في معالجتك، أو سببا في تعيينك، أو سببا في نجاحك، أو نحو ذلك لا يدل على أنه هو ولي النعمة، أو هو الذي أنعم، فإن ولي النعمة هو الرب
_________
(1) تقدم.

(1/447)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جل وعلا، وهذا من كمال التوحيد فإن القلب الموحد يعلم أنه ما ثم شيء في هذا الملكوت إلا والله - جل وعلا - هو الذي يرسله، وهو الذي يمسك ما يشاء كما قال سبحانه: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 2] [فاطر: 2] فكل النعم من الله - جل وعلا - والعباد أسباب في ذلك، فالواجب إذا أن تنسب النعمة إلى المسدي لا إلى السبب؛ لأن السبب لو أراد الله - جل وعلا - لأبطل كونه سببا، وهذا السبب إذا كان آدميا فقلبه بين إصبعين من أصابع الله - جل وعلا - لو شاء لصده عن أن يكون سببا، أو أن ينفعك بشيء، فالله - جل وعلا - هو ولي النعمة، قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: ما من أحد تعلق بمخلوق إلا وخذل، وما من أحد تعلق بمخلوق في حصول نفع له أو اندفاع مكروه عنه إلا خذل، وهذا في غالب المسلمين؛ وذلك لأن الواجب على المسلم أن يعلق قلبه بالله، وأن يعلم أن النعم إنما هي من عند الله، والعباد أسباب يسخرهم الله - جل جلاله - وهذا هو حقيقة التوحيد ومعرفة تصرف الله - جل وعلا - في ملكوته.
" قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي " (1) يعني أن قول الرجل " مالي ورثته عن آبائي " مناف لكمال التوحيد ونوع شرك؛ لأنه نسب هذا المال إليه ونسبه إلى آبائه، وفي الواقع أن هذا المال أنعم الله به على آبائه ثم أنعم الله به على هذا المؤمن؛ إذ جعل الله
_________
(1) أخرجه ابن جرير في التفسير 14 / 157.

(1/448)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- جل وعلا - قسمة الميراث تصل إليه، وهذا كله من فضل الله - جل وعلا - ومن نعمته، والوالد سبب في إيصال المال إليك، ولهذا لا يجوز للوالد أو لصاحب المال أن يقسم الميراث على ما يريد هو؛ لأن المال في الحقيقة ليس مالا له كما قال - جل وعلا -: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] [النور: 33] ، فهو مال الله - جل وعلا - يقسمه كيف يشاء «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم» (1) فالواجب على العبد أن يعلم أن ما وصله من المال، أو وصله من النعمة عن طريق آبائه هو من فضل الله - جل وعلا - ونعمته، والده أو والدته أو قريبه سبب من الأسباب، فيحمد الله - جل وعلا - على هذه النعمة، ويقابل ذلك السبب بجزائه إما بدعاء وإما بغيره.
" وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا " (2) كقول القائل: لولا الطيار لذهبنا في هلكة، ولولا أن سائق السيارة كان ماهرا لذهبنا في كذا وكذا، أو يقول: لولا أن الشيخ كان معلما وأفهمنا هذه المسألة لما فهمناها أبدا، أو يقول: لولا المدير الفلاني لفصلت، ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها تعليق حصول الأمر بهذه الواسطة. والأمر إنما حصل بقضاء الله وبقدره، وبفضل الله وبنعمته من حصول النعم، أو اندفاع المكروه والنقم؛ ولهذا يجب على العبد أن يوحد فيقول: لولا الله ثم فلان، فيجعل
_________
(1) أخرجه أحمد 1 / 387.
(2) أخرجه ابن جرير في التفسير 14 / 157.

(1/449)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
مرتبة السبب ثانية ولا يجعلها هي الأولى الوحيدة؛ لأن الله - جل وعلا - هو المسدي للنعم المفضل بها.
قوله: " لولا فلان لم يكن كذا " إنما قال هنا: " فلان " من جهة كثرة الاستعمال، أما في الواقع فإن الناس يستعملونها فيما يتعلقون به من جمادات، كبيت، أو سيارة، أو طيارة، أو بقعة، أو مطر، أو ماء، أو سحاب، أو هواء، ونحو ذلك، فنسبة النعمة إلى إنسان، أو إلى بقعة، أو إلى فعل فاعل، أو إلى صنعة، أو إلى مخلوق، كل ذلك من نسبة النعم إلى غير الله، وهو نوع من أنواع الشرك في اللفظ وهو من الشرك الأصغر بالله - جل وعلا - كما سيأتي في الباب بعده إن شاء الله.
وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا " يعني: إذا حصلت لهم نعمة، أو جاءتهم أمطار، أو مال، أو نجحوا في تجارتهم، إذا حصل لهم ذلك توجهوا للأولياء، أو توجهوا للأنبياء، أو توجهوا للأصنام، أو للأوثان، فصرفوا لها شيئا من العبادة فقالوا: الآلهة شفعت لنا فلذلك جاءنا هذا الخير، فيتذكرون آلهتهم وينسون أن المتفضل بذلك هو الله - جل وعلا - وأن الله سبحانه لا يقبل شفاعة شركية من تلك الشفاعات التي يذكرونها.
" وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: «وإن الله تعالى قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. . .» الحديث، وقد تقدم: وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره، ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على

(1/450)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ألسنة كثير: وهذا باب ينبغي الاهتمام به وتنبيه الناس عليه؛ لأن نعم الله على أهل الإيمان في كل مكان كثيرة لا حصر لها؛ ولهذا يجب أن تنسب النعم إلى الله - جل وعلا - وأن يذكر بها وأن يشكر؛ لأن من درجات شكر النعمة أن تضاف إلى من أسداها كما قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] [الضحى: 11] ، فأول درجات الشكر التحديث بالنعمة كأن تقول: هذا من فضل الله، وهذه نعمة الله، فإذا التفت القلب إلى مخلوق فإنه يكون قد أشرك هذا النوع من الشرك المنافي لكمال التوحيد.

هذا " باب قول الله تعالى {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] [البقرة: 22] "، وفيه بيان أن هناك ألفاظا فيها التنديد، والتنديد معناه: أن تجعل غير الله ندا له، فيكون التنديد في نسبة النعم إلى غير الله، ويكون في الحلف بغير الله، ويكون في قول: ما شاء الله وشاء فلان، وغير ذلك من الألفاظ.

(1/451)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]