[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب قول الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ. . .]
باب قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا - فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 60 - 62] [النساء: 60 - 62] .
وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] [البقرة: 11] ، وقوله: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] [الأعراف: 56] ، وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] [المائدة: 50] .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (1) قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب " الحجة " بإسناد صحيح.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة" (15) والحديث ضعيف.

(1/422)


وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} [النساء: 60] الآية (1) .
وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال الآخر إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله (2) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على معرفة فهم الطاغوت.
الثانية: تفسير آية البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 11] الآية.
الثالثة: تفسير آية الأعراف: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56]
الرابعة: تفسير {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: 50]
الخامسة: ما قال الشعبي في سبب نزول الآية الأولى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه ابن جرير في " التفسير (9891) و (9892) و (9893) .
(2) أخرجه الثعلبي كما في " الدر المنثور" عن ابن عباس، وأخرجه الطبري في " التفسير " من طريق مجاهد (1 -99) بإسناد صحيح. وانظر" فتح الباري " 5 / 37.

(1/423)


السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب.
السابعة: قصة عمر مع المنافق.
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/424)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقد عقد الشيخ - رحمه الله - هذا الباب ليبين أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن ترك الحكم بما أنزل الله وتحكيم غير ما أنزل الله في شؤون المتخاصمين وتنزيل ذلك منزلة القرآن أن ذلك شرك أكبر بالله - جل وعلا -، وكفر مخرج من ملة الإسلام.
قال الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - في أول رسالته " تحكيم القوانين ": إن من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، ليكون حكما بين العالمين، مناقضة ومحادة لما نزل من رب العالمين. انتهى كلامه بمعناه.
فلا شك أن إفراد الله بالطاعة، وإفراده بالحكم، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، كل ذلك يقتضي ألا يحكم إلا بشرعه؛ فلهذا كان الحكم بالقوانين الوضعية، أو الحكم بسواليف البادية، من الكفر الأكبر بالله - جل وعلا -، لقوله تعالى - هنا في هذه الآية -: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: 60] [النساء: 60] فمناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة جلية، وهي: أن التحاكم إلى غير شرع الله قدح في أصل التوحيد، وأن الحكم بشرع الله واجب، وأن تحكيم القوانين، أو سواليف البادية أو أمور الجاهلية، مناف لشهادة. أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ فإن من مقتضيات شهادة أن محمدا رسول الله أن يطاع فيما أمر، وأن يصدق فيما أخبر، وأن يجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.

(1/425)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالحكم بين المتخاصمين لا بد أن يرجع فيه إلى حكم من خلق المتخاصمين، ومن خلق الأرض والسماوات، فالحكم الكوني القدري لله - جل وعلا - وكذلك الحكم الشرعي لله - جل وعلا - فيجب ألا يكون بين العباد إلا تحكيم أمر الله - جل وعلا - فإن ذلك هو حقيقة التوحيد في طاعة الله - جل وعلا - في مسائل التخاصم بين الخلق.
" باب قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: 60] [النساء: 60] ": قوله {يَزْعُمُونَ} [النساء: 60] يدل على أنهم كذبة، فلا يجتمع الإيمان مع إرادة الحكم والتحاكم إلى الطاغوت، قوله: (يريدون) هذا ضابط مهم، وشرط في نفي أصل الإيمان عمن تحاكم إلى الطاغوت، فإن من تحاكم إلى الطاغوت قد يكون بإرادته - وهي الطواعية والاختيار والرغبة في ذلك وعدم الكراهة -، وقد يكون بغير إرادته، بأن يكون مجبرا على ذلك، وليس له في ذلك اختيار، وهو كاره لذلك، فالأول هو الذي ينتفي عنه الإيمان، إذ لا يجتمع الإيمان بالله وبما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت، فالإرادة شرط؛ لأن الله - جل وعلا - جعلها في ذلك مساق الشرط، فقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: 60] و {أَنْ يَتَحَاكَمُوا} [النساء: 60] هذا مصدر، يعني: يريدون التحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت. اسم لكل ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع - كما تقدم بيانه -.

(1/426)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء: 60] يعني أن يكفروا بالطاغوت، وأن يكفروا بكل تحاكم إلى غير شرع الله - جل وعلا -، فالأمر بالكفر بالتحاكم إلى الطاغوت أمر واجب، ومن إفراد التوحيد، ومن إفراد تعظيم الله - جل وعلا - في ربوبيته، فمن تحاكم إلى الطاغوت بإرادته، فقد انتفى عنه الإيمان أصلا، كما دلت عليه الآية.
قوله: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] دل ذلك على أن هذا من وحي الشيطان، ومن تسويله.
وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] [البقرة: 11] الإفساد في الأرض: الإشراك بالله، وبتحكيم غير شرع الله، فالأرض إصلاحها بالشريعة والتوحيد، وإفسادها بالشرك بأنواعه الذي منه الشرك في الطاعة؛ ولهذا ساق الشيخ هذه الآية تحت هذا الباب، لأجل أن يبين لك أن صلاح الأرض بالتوحيد الذي منه إفراد الله - جل وعلا - بالطاعة وأن لا يحاكم إلا إلى شرعه، وأن إفساد الأرض بالشرك، الذي منه أن يجعل حكم غير الله - جل وعلا - جائز التحاكم إليه.
وهذه الآية ظاهرة في أن من خصال المنافقين أنهم يسعون في الشرك وفي وسائله وأفراده ويقولون: إنما نحن مصلحون وفي الحقيقة أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون؛ لأنهم إذا أرادوا الشرك ورغبوا فيه وحاكموا وتحاكموا إلى غير شرع الله فإن ذلك هو الفساد والسعي فيه سعي في الإفساد.

(1/427)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] [المائدة: 50] وحكم الجاهلية هو: أن يحكم بعضهم على بعض، بأن يسن البشر شريعة فيجعلونها حكما، والله - جل وعلا - هو الذي خلق العباد، وهو أعلم بما يصلحهم، وما فيه العدل في الفصل بين الناس في أقضيتهم وخصوماتهم، فمن حاكم إلى شرائع الجاهلية فقد حكم البشر، ومعنى ذلك أنه اتخذه مطاعا من دون الله، أو جعله شريكا لله - جل وعلا - في عبادة الطاعة، والواجب أن يجعل العبد حكمه وتحاكمه إلى الله - جل وعلا - دون ما سواه، وأن يعتقد أن حكم الله - جل وعلا - هو أحسن الأحكام، {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام: 114] [الأنعام: 114] وقال هنا: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] فدل على أن حكم غيره إنما هو - كما قال طائفة - زبالة أذهان ونحاتة أفكار لا تساوي شيئا عند من عقل تصرف الله - جل وعلا - في ملكه وملكوته وأن ليس ثم حكم إلا حكم الرب - جل وعلا -.
وهذه المسألة - أعني مسألة التحاكم إلى غير شرع الله - من المسائل التي يقع فيها خلط كثير، خاصة عند الشباب في هذه البلاد وفي غيرها، وهي من أسباب تفرق المسلمين؛ لأن نظر الناس فيها لم يكن واحدا، والواجب أن يتحرى طالب العلم ما دلت عليه الأدلة وما بين العلماء من معاني تلك الأدلة وما فقهوه من أصول الشرع والتوحيد وما بينوه في تلك المسائل.

(1/428)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومن أوجه الخلط في ذلك: أنهم جعلوا المسألة - مسألة الحكم والتحاكم - واحدة، يعني: جعلوها صورة واحدة، وهي متعددة الصور، فمن صورها: أن يكون هناك تشريع لتقنين مستقل، يضاهى به حكم الله - جل وعلا -. هذا التقنين من حيث وضعه كفر، والواضع له، والمشرع والسان لذلك، وجاعل هذا التشريع منسوبا إليه وهو الذي حكم بهذه الأحكام، هذا المشرع كافر، وكفره ظاهر؛ لأنه جعل نفسه طاغوتا، فدعا الناس إلى عبادته، عبادة الطاعة وهو راض، وهناك من يحكم بهذا التقنين - وهذه الحالة الثانية - فالمشرع حالة، ومن يحكم بذلك التشريع حالة، ومن يتحاكم إليه حالة، ومن يجعله في بلده من جهة الدول هذه حالة رابعة.
فصارت عندنا الأحوال أربعا: المشرع، ومن أطاعه في جعل الحلال حراما والحرام حلالا ومناقضة شرع الله؛ هذا كافر. ومن أطاعه في ذلك فقد اتخذه ربا من دون الله. والحاكم بذلك التشريع فيه تفصيل: فإن حكم مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك ولم يكن ذلك ديدنا له وهو يعلم أنه عاص بتحكيم بغير شرع الله، فهذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب، ولا يكفر حتى يستحل؛ ولهذا تجد أن بعض أهل العلم يقول: الحاكم بغير شرع الله لا يكفر إلا إذا استحل، وهذا صحيح، ولكن لا تنزل هذه الحالة على حالة التقنين والتشريع، كما قال ابن عباس: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، هو كفر دون كفر. . يعني: أن من حكم في مسألة أو في مسألتين بهواه بغير شرع الله وهو يعلم أنه عاص ولم يستحل، هذا كفر دون كفر.
أما الحاكم الذي لا يحكم بشرع الله بتاتا ويحكم دائما ويلزم الناس بغير شرع الله، فهذا من أهل العلم من قال: يكفر مطلقا ككفر الذي سن القانون؛

(1/429)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لأن الله - جل وعلا - قال: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: 60] فجعل الذي يحكم بغير شرع الله مطلقا طاغوتا وقال: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء: 60]
ومن أهل العلم من. قال: حتى هذا النوع لا يكفر حتى يستحل؛ لأنه قد يعمل ذلك ويحكم وهو يعتقد في نفسه أنه عاص، فله حكم أمثاله من المدمنين على المعصية الذين لم يتوبوا منها. والقول الأول - وهو أن الذي يحكم دائما بغير شرع الله ويلزم الناس بغير شرع الله أنه كافر - هو الصحيح - عندي - وهو قول الجد الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - في رسالته تحكيم القوانين "؛ لأنه لا يصدر في الواقع من قلب قد كفر بالطاغوت، بل لا يصدر إلا ممن عظم القانون، وعظم الحكم بالقانون.
الحال الثالثة: حال المتحاكمين، يعني: الذي يذهب هو وخصمه ويتحاكمون إلى قانون، فهذا فيه تفصيل - أيضا -، وهو: إن كان يريد التحاكم إلى الطاغوت، وله رغبة في ذلك، ويرى أن الحكم بذلك سائغ ولا يكرهه، فهذا كافر أيضا: لأنه داخل في هذا الآية، ولا تجتمع - كما قال العلماء - إرادة التحاكم إلى الطاغوت مع الإيمان بالله، بل هذا ينفي هذا، والله - جل وعلا - قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} [النساء: 60]
وأما إن كان لا يريد التحاكم ولا يرضاه، وإنما أجبر على ذلك، كما يحصل في البلاد الأخرى، من إلزامه بالحضور مع خصمه إلى قانوني أو إلى قاض يحكم بالقانون، أو أنه علم أن الحق له في الشرع فرفع الأمر إلى القاضي

(1/430)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
في القانون لعلمه أنه يوافق حكم الشرع، فهذا الذي رفع أمره في الدعوى على خصمه إلى قاض قانوني لعلمه أن الشرع يعطيه حقه وأن القانون وافق الشرع في ذلك، فهذا الأصح أيضا - عندي - أنه جائز.
وبعض أهل العلم يقول: يتركه ولو كان الحق له، والله - جل وعلا - وصف المنافقين بقوله: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور: 49] [النور: 49] فالذي يرى أن الحق ثبت له في الشرع وما أجاز لنفسه أن يترافع إلى غير الشرع إلا لأنه يأتيه ما جعله الله - جل وعلا - له مشروعا، فهذا لا يدخل في إرادة التحاكم إلى الطاغوت فهو كاره ولكنه حاكم إلى الشرع، فعلم أن الشرع يحكم له فجعل الحكم الذي عند القانوني وسيلة للوصول إلى الحق الذي ثبت له شرعا.
الحال الرابعة: حال الدولة التي تحكم بغير الشرع، تحكم بالقانون، فالدول التي تحكم بالقانون - أيضا - فقد فصل الشيخ محمد بن إبراهيم الكلام في هذه المسألة في فتاويه، وخلاصة قوله: أن الكفر بالقانون فرض، وأن تحكيم القانون في الدول إن كان خفيا نادرا فالأرض أرض إسلام، يعني: أن الدولة دولة إسلام، فيكون له حكم أمثاله من الشركيات التي تكون في الأرض، قال: وإن كان ظاهرا فاشيا، فالدار. دار كفر، يعني: الدولة دولة كفر، فيصبح الحكم على الدولة راجع إلى هذا التفصيل:
إن كان تحكيم القانون قليلا وخفيا، فهذه لها حكم أمثالها من الدول الظالمة، أو التي لها ذنوب وعصيان ووجود بعض الشركيات في دولتها. وإن كان ظاهرا فاشيا - والظهور يضاده الخفاء، والفشو يضاده القلة - قال: فالدار

(1/431)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
دار كفر، وهذا التفصيل هو الصحيح؛ لأننا نعلم أنه صار في دول الإسلام تشريعات غير موافقة لشرع الله - جل وعلا - والعلماء في الأزمنة الأولى ما حكموا على الدار بأنها دار كفر ولا على تلك الدول بأنها دول كفرية إلا لأن الشرك له أثر في الدار، وإذا قلنا: الدار فنعني الدولة، فمتى كان التحاكم إلى الطاغوت ظاهرا فاشيا فالدولة دولة كفر، ومتى كان قليلا خفيا أو كان قليلا ظاهرا وينكر، فالأرض أرض إسلام، والدار دار إسلام، والدولة دولة إسلام.
فهذا التفصيل يتضح به هذا المقام وبه تجمع بين كلام العلماء ولا تجد مضادة بين قول عالم وعالم ولا تشتبه المسألة - إن شاء الله تعالى -.

هذا الباب ترجم له إمام هذه الدعوة بقوله: " باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات " يعني: وما يلحقه من الذم، وأن جحد شيء من الأسماء والصفات مناف لأصل التوحيد ومن خصال الكفار والمشركين.
وقد ذكرنا فيما سبق أن توحيد الإلهية عليه براهين، ومن براهينه توحيد المعرفة والإثبات وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فمن أدلة توحيد الإلهية توحيد الربوبية كما سبق في " باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] [الأعراف: 191] "، وكذلك توحيد الأسماء والصفات برهان على توحيد الإلهية، ومن حصل عنده ضلال في توحيد الأسماء والصفات فإن ذلك سيتبعه ضلال في توحيد الإلهية؛؛ ولهذا تجد المبتدعة الذين ألحدوا في أسماء الله وفي صفاته من هذه الأمة: من الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، والأشاعرة، والماتريدية، ونحو هؤلاء، تجد أنهم لما انحرفوا في باب توحيد الأسماء والصفات لم يعلموا حقيقة معنى توحيد الإلهية ففسروا (الإله) بغير معناه وفسروا: (لا إله إلا الله) بغير معناها الذي

(1/432)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]