[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا من دون الله]
" باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرمه، فقد اتخذهم أربابا من دون الله " وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر (1) .
وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] [النور: 63] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك (2) .
وعن عدي بن حاتم: «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] [التوبة: 31] ، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه أحمد (3121) .
(2) أخرجه ابن بطة في " الإبانة الكبرى" (97) .

(1/411)


فتحلونه؟ ! " فقلت بلى، قال: " فتلك عبادتهم» (1) . رواه أحمد والترمذي وحسنه.
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النور.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية. وعبادة الأحبار هي العلم والفقه. ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين. وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه الترمذي (3094) ، وأحمد 4 / 257 و 378.

(1/412)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والعلماء وظيفتهم تبيين معاني ما أنزل الله - جل وعلا - على رسوله صلى الله عليه وسلم وليست وظيفتهم التي أذن لهم بها في الشرع أن يحللوا ما يشاءون، أو يحرموا ما يشاءون، بل وظيفتهم الاجتهاد في فقه النصوص، وأن يبينوا ما أحل الله وما حرم - جل وعلا -، فهم أدوات ووسائل لفهم نصوص الكتاب والسنة، ولذلك كانت طاعتهم تبعا لطاعة الله ورسوله، يطاعون فيما فيه طاعة لله - جل وعلا - ولرسوله، وما كان من الأمور الاجتهادية فيطاعون، لأنهم هم أفقه بالنصوص من غيرهم، فتكون طاعة العلماء والأمراء من جهة الطاعة التبعية لله ولرسوله، أما الطاعة الاستقلالية فليست إلا لله - جل وعلا - حتى طاعة النبي عليه الصلاة والسلام إنما هي تبع لطاعة الله - جل وعلا - فإن الله هو الذي أذن بطاعته وهو الذي أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى الشهادة له بأنه رسول الله، قال - جل وعلا - {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] [النساء: 80] ، وقال - جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] [النساء: 64] .
فالطاعة الاستقلالية نوع من أنواع العبادة، فيجب إفراد الله - جل وعلا - بها، وغير الله - جل وعلا - إنما يطاع لأن الله - جل وعلا - أذن بطاعته، ويطاع فيما أذن الله به في طاعته، فالمخلوق لا يطاع في معصية الله؛ لأن الله لم يأذن أن يطاع مخلوق في معصية الخالق - جل وعلا - وإنما يطاع فيما أطاع الله - جل وعلا - فيه على النحو الذي يأتي.
فهذا الباب عقده الشيخ - رحمه الله - ليبين أن الطاعة من أنواع العبادة، بل إن الطاعة في التحليل وفي التحريم هي معنى اتخاذ الأرباب، كما قال الله

(1/413)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- جل وعلا -: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] [التوبة: 31] ، وما سيأتي من بيان حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
قوله: " باب من أطاع العلماء والأمراء ": العلماء والأمراء هم أولو الأمر في قوله - جل وعلا -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] [النساء: 59] قال العلماء: أولو الأمر يشمل من له الأمر في حياة الناس في دينهم - وهم العلماء - وفي دنياهم - وهم الأمراء -، وقد قال - جل وعلا -: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] ولم يكرر فعل الطاعة، قال ابن القيم وغيره: دل هذا على أن طاعة أولي الأمر ليست استقلالا وإنما يطاعون في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا أمروا بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والأمور الاجتهادية التي ليس فيها نص من الكتاب والسنة فإنهم يطاعون في ذلك؛ لأن الله أذن به، ولما في ذلك من المصالح المرعية في الشرع.
قوله: " في تحريم ما أحل الله ": يعني في تحريم الأمر الذي أحله الله، بحيث هناك حلال في الشرع فيحرمونه: أي يحرمه العالم، أو يحرمه الأمير، فيطيعه الناس، وهم يعلمون أنه حلال، لكن يطيعونه في التحريم، ومثاله: أن الله أحل أكل الخبز فيقولون: الخبز حرام عليكم دينا، فلا تأكلوه تدينا، ويحرمونه لأجل ذلك، فإن أطاعوهم كان ذلك طاعة لهم في تحريم ما أحل الله.

(1/414)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " أو تحليل ما حرم الله ": يعني أحلوا ما يعلم أن الله حرمه، مثاله: حرم الله الخمر فأحله العلماء أو أحله الأمراء، فمن أطاع عالما أو أميرا في اعتقاد أن الخمر حلال، وهو يعلم أنها حرام، وأن الله حرمها، فقد اتخذه ربا من دون الله - جل وعلا -.
ففي هذا الباب حكم وشرط، فالحكم قوله في آخره: " فقد اتخذهم أربابا " وهو جزاء الشرط، والشرط قوله: " من أطاع العلماء والأمراء "، وضابط هذا الشرط ما بينهما وهو قوله: "في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه "، وهذا يستفاد منه - يعني من اللفظ - أنهم عالمون بما أحل الله، فحرموه طاعة لأولئك، عالمون بما حرم، فأحلوه طاعة لهم.
قوله في آخره: " فقد اتخذهم أربابا "؛ ذلك لأجل آية سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] وحديث عدي بن حاتم في ذلك.
والأرباب جمع الرب، والرب والإله لفظان يفترقان إذا اجتمعا، ويجتمعان إذا افترقا، لأن الرب هو: السيد الملك المتصرف في الأمر، والإله هو: المعبود، وقد سئل المصنف الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - عن الفرق بينهما الإله والرب في مثل هذه السياقات في نحو قوله: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] [آل عمران: 80] ، وفي نحو قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]

(1/415)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ما معنى الربوبية هنا؟ قال: الربوبية هنا بمعنى الألوهية؛، بمعنى المعبود؛ لأن من أطاع على ذلك النحو فقد عبد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي حين. قال: " إنا لسنا نعبدهم " فعدي فهم من كلمة " أربابا " العبادة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم مقررا لذلك: " أليس يحرمون " إلخ، فهو إقرار منه عليه الصلاة والسلام بأن معنى الربوبية هنا العبودية.
فلهذا قال الشيخ - رحمه الله - حينما سئل: الألوهية والربوبية أو كلمة الرب والإله من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، يعني: كلفظ الفقير والمسكين، والإسلام والإيمان، ونحوهما؛ لأن الإله يطلق على المعبود، وجاء في نصوص كثيرة إطلاق الرب على المعبود كما ذكرنا في الآيات وفي الحديث، وكقوله عليه الصلاة والسلام في مسائل القبر: ". «فيأتيه ملكان فيسألانه من ربك؟» يعني: من معبودك؛ لأن الابتلاء لم يقع في الرب الذي هو الخالق الرازق المحيي المميت.
إذا لفظ (الرب) و (الإلهية) من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت، فقد يطلق على الأرباب آلهة وعلى الآلهة أرباب، وهل هذا الإطلاق لأجل اللغة؟ يعني أن أصله في اللغة يدخل هذا في هذا وهذا في ذاك، أو أنه لأجل اللزوم والتضمن؟ الظاهر - عندي - الأخير، وهو أنه لأجل اللزوم والتضمن، فإن الربوبية مستلزمة للألوهية، والألوهية متضمنة للربوبية فإذا ذكر الإله فقد تضمن ذلك ذكر الرب، وإذا ذكر الرب استلزم ذلك ذكر الإله، ولهذا قال - جل وعلا - هنا: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} [آل عمران: 80] [آل عمران: 80]

(1/416)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يعني: آلهة؛ لاستلزام لفظ الربوبية للإلهية، وكذلك قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} [التوبة: 31] يعني: آلهة معبودين كما أتى تفصيله في الحديث.
" وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر " (1) هذا الحديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح وإسناده: عن عبد الرزاق، عن معمر، عن طاوس، عن ابن عباس، أو نحو ذلك، وقد ذكر إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع في الفتاوى بنصه، فذكر الإسناد والمتن، وغالب الذين خرجوا كتاب التوحيد قالوا: إن هذا الأثر لا أصل له بهذا اللفظ، وهذه جراءة منهم حيث إنهم ظنوا أن كل كتب الحديث بين أيديهم، ولو تتبعوا كتب أهل العلم لوجدوا أن إسناده والحكم عليه موجود في كتبهم.
ووجه الاستشهاد ما اشتمل عليه هذا الأثر، وهو قوله: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر "؛ لأن الواجب على المسلم إذا سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلم فقهه، أو بينه له أهل العلم ألا يترك ذلك الحديث وفقهه لقول أحد كائنا من كان، إذا كان الحديث ظاهرا في الدلالة على ذلك، وكان القول الآخر لا دليل عليه، أما إذا كانت المسألة اجتهادية في الحديث من جهة الفهم فهذا مجاله واسع، وابن عباس رضي الله عنهما يحمل كلامه هذا على أن هؤلاء الذين قالوا له
_________
(1) أخرجه أحمد (3121) .

(1/417)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تلك المقالة، قالوا له: قال أبو بكر وعمر، عارضوا قوله في المتعة بقول أبي بكر وعمر الذي هو مناقض لصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يذهبان إلى أن إفراد الحج أفضل من التمتع وابن عباس كان يوجب أفضلية التمتع ويسوق الأدلة في ذلك، وقول أبي بكر وعمر أخذ به طائفة من أهل العلم كمالك وغيره، بل قال طائفة: إن إفراده الحج وسفره مرة أخرى للعمرة خير له من أن يجمع بين حج وعمرة في سفرة واحدة، كما هو اختيار شيخ الإسلام، واختيار غيره من المحققين.
والمقصود من ذلك أن كلام ابن عباس هذا ليس في المسألة الفقهية، يعني: أن المؤلف رحمه الله لم يسق قول ابن عباس لخصوص مسألة التمتع والإفراد، ولكن في مسألة عموم لفظه، وهو أنه لا يعارض قول النبي عليه الصلاة والسلام الظاهر معناه بقول أحد لا دليل له على قوله، ولو كان ذلك القائل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فكيف بمن دونهما من التابعين أو من الصحابة، فكيف بأئمة أهل المذاهب وأصحاب أهل المذاهب - رحمهم الله تعالى -؟؟!! واحترام العلماء وأهل المذاهب واجب، لكن أجمع أهل العلم على أن من استبانت له سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يتركها لقول أحد كائنا من كان.
" وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان ": وسفيان هو: ابن سعيد بن مسروق الثوري أحد العلماء المعروفين، وكان له مذهب وله أتباع.
قوله: " يذهبون إلى رأي سفيان " يدل على أن سفيان لم يكن له مستند على ما ذهب إليه، وهو عالم من العلماء، وأحد الزهاد الصالحين المشهورين،

(1/418)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ولكن قد تخفاه السنة فيكون قد حكم برأيه أو بتقعيد عنده، لكن السنة جاءت بخلاف ذلك، فلا يسوغ أن يجعل رأي سفيان في مقابل الحديث النبوي.
" والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] [النور: 63] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك": إذا رد بعض قول النبي عليه الصلاة والسلام لقول أحد يخشى عليه أن يعاقب فيقع في قلبه زيغ، قال الله - جل وعلا - عن اليهود: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] فهم زاغوا بمحض إرادتهم واختيارهم مع بيان الحجج وظهور الدلائل والبراهين، لكن لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم عقوبة منه لهم على ذلك، وهذا معنى قوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور: 63] أي: نوع شرك، وقد يصل ذلك إلى الشرك الأكبر بالله - جل وعلا - إذا كان في تحليل الحرام مع العلم بأنه حرام، وتحريم الحلال مع العلم بأنه حلال.
" عن عدي بن حاتم: «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] فقلت له: إنا لسنا نعبدهم» : فيه أنه فهم من قوله: {أَرْبَابًا} [التوبة: 31] أنهم المعبودون.

(1/419)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" قال عليه الصلاة والسلام: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟! فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم» رواه أحمد والترمذي وحسنه (1) . هذا الحديث فيه بيان أن طاعة الأحبار والرهبان قد تصل إلى الشرك الأكبر، واتخاذ أولئك أربابا ومعبودين، والأحبار هم: العلماء. والرهبان هم: العباد.
وطاعة الأحبار في التحليل والتحريم على درجتين:
الدرجة الأولى: أن يطيع العلماء أو الأمراء في تبديل الدين، يعني: في جعل الحرام حلالا وفي جعل الحلال حراما، فيطيعهم في تبديل الدين، وهو يعلم أن الحرام قد حرمه الله، ولكن أطاعهم تعظيما لهم، فحلل ما أحلوه طاعة لهم وتعظيما وهو يعلم أنه حرام، يعني: اعتقد أنه حلال وهو حرام في نفسه، أو حرم حلالا تبعا لتحريمهم، وهو يعلم أن ما حرموه حلال ولكنه حرم تبعا لتحريمهم، هذا يكون قد أطاع العلماء أو الأمراء في تبديل أصل الدين، فهذا هو الذي اتخذهم أربابا، وهو الكفر الأكبر والشرك الأكبر بالله - جل وعلا -، وهذا هو الذي صرف عبادة الطاعة إلى غير الله؛ ولهذا قال الشيخ سليمان - رحمه الله - في شرحه لكتاب التوحيد: " الطاعة هنا في هذا الباب المراد بها طاعة خاصة، وهي الطاعة في تحليل الحرام أو تحريم الحلال " وهذا ظاهر.
الدرجة الثانية: أن يطيع الحبر، أو يطيع الأمير، أو يطيع الرهبان، في تحريم الحلال أو في تحليل الحرام من جهة العمل، أطاع وهو يعلم أنه عاص بذلك
_________
(1) أخرجه الترمذي (3094) .

(1/420)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومعترف بالمعصية لكن اتبعهم عملا وقلبه لم يجعل الحلال حراما متعينا أو سائغا، ولكن أطاعهم حبا له في المعصية، أو حبا له في مجاراتهم، ولكن في داخله يعتقد أن الحلال هو الحلال، والحرام هو الحرام، فما بدل الدين، قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: هذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب، وهاتان الدرجتان هما من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الآية، فهذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب والعصيان؛ لأنه ما حرم الحلال ولا أحل الحرام، وإنما فعل الحرام من جهة العصيان، وجعل الحلال حراما من جهة العصيان، لا من جهة تبديل أصل الدين. ويريد الشيخ - رحمه الله - بذكر الرهبان وبإيراده للآية: التنبيه على أن الطاعة في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، جاءت أيضا من جهة الرهبان العباد، وهذا موجود عند المتصوفة وأهل الغلو في التصوف، والغلاة في تعظيم رؤساء الصوفية، فإنهم أطاعوا مشايخهم والأولياء الذين زعموا أنهم أولياء، أطاعوهم في تغيير الملة، فهم يعلمون أن السنة هي كذا وكذا، وأن خلافها بدعة، ومع ذلك أطاعوهم تعظيما للشيخ، وتقديسا للولي، أو يعلمون أن هذا شرك والدلائل عليه من القرآن والسنة ظاهرة، لكن تركوه وأباحوا ذلك الشرك وأحلوه؛ لأن شيخهم ومقدمهم ورئيس طريقتهم أحله، وهذا كان في نجد كثيرا إبان ظهور الشيخ بدعوته، وهو موجود في كثير من الأمصار، وهو نوع من اتخاذ أولئك العباد أربابا من دون الله - جل وعلا، وهذا المقام أيضا فيه تفصيل على نحو الدرجتين اللتين ذكرتهما عن شيخ الإسلام - رحمه الله -.

هذا الباب من الأبواب العظيمة المهمة في هذا الكتاب، وذلك لأن إفراد الله - جل وعلا - بالوحدانية في ربوبيته وفي إلهيته يتضمن ويقتضي ويستلزم - جميعا - أن يفرد في الحكم، فكما أنه - جل وعلا - لا حكم إلا حكمه في ملكوته، فكذلك يجب أن يكون لا حكم إلا حكمه فيما يتخاصم فيه الناس وفي الفصل بينهم، فالله - جل وعلا - هو الحكم، وإليه الحكم سبحانه، قال - جل وعلا -: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12] [غافر: 12] ، وقال - جل وعلا - {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] [الأنعام: 57] فتوحيد الله - جل وعلا - في الطاعة وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يكون إلا بأن يكون العباد محكمين لما أنزل الله - جل وعلا - على رسوله. فترك تحكيم ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بحكم الجاهلية، أو بحكم القوانين، أو بحكم سواليف البادية، أو بكل حكم مخالف لحكم الله - جل وعلا - هذا من الكفر الأكبر بالله - جل جلاله - ومما يناقض كلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

(1/421)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]