[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب ما جاء في الرياء]
" باب ما جاء في الرياء " وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] [الكهف: 110] .
وعن أبي هريرة مرفوعا «قال الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (1) . رواه مسلم. وعن أبي سعيد مرفوعا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل» رواه أحمد (2) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الكهف.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى.
الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه مسلم (2985.
(2) أخرجه أحمد 3 / 30، وابن ماجه (4204) ، وقال البوصيري: هذا إسناد حسن.

(1/397)


الخامسة: خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه من الرياء.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/398)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
التوحيد، والله - جل وعلا -. قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] [النساء: 48 و 116] على قول من قال: إن قوله: {لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] يدخل فيه الشرك الخفي والأصغر.
" باب ما جاء في الرياء، وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] [الكهف: 110] ، قوله. {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] هذا نهي عن الإشراك، والنهي هنا عام لجميع أنواع الشرك ومنها شرك الرياء، ولهذا يستدل السلف بهذه الآية على مسائل الرياء، كما أوردها الإمام - رحمه الله تعالى - هنا؛ لأنه. قال: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] يعني: بما يشمل ترك المراءاة، فإن الرياء شرك، وقوله: {وَلَا يُشْرِكْ} [الكهف: 110] هذا عموم يعم أنواع الشرك جميعا؛ لأن {يُشْرِكْ} [الكهف: 110] نكرة جاءت في سياق النهي، فعمت أنواع الشرك.
وقوله: {أَحَدًا} [الكهف: 110] يعم جميع الخلق بمراءاة أو بتسميع أو بغير ذلك، فدلالة الآية على الباب ظاهرة، وأن المراءاة نوع من الشرك الأصغر، وضرب من الشرك الخفي، لأننا نقول: الرياء شرك أصغر باعتبار أنه ليس بأكبر،

(1/399)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ولا مخرج من الملة، وتارة نقول: الرياء شرك خفي؛ لأنه ليس بظاهر وإنما هو باطن خفي في قلب العبد؛ ولهذا تجد أن كثيرين من أهل العلم يعبرون عن الشرك الأصغر بيسير الرياء، وتارة يعبرون عن الشرك الخفي بالرياء؛ ذلك لأن الشرك يختلف من حيث الإطلاق - كما سبق - من عالم إلى آخر، فتارة يقسمون الشرك إلى أكبر وأصغر، ومنهم من يقسمه إلى أكبر وأصغر وخفي، وكل له اصطلاحه، وكل الأقوال صواب.
" عن أبي هريرة مرفوعا، «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (1) هذا الحديث يدل على أن الرياء مردود على صاحبه، وأن الله - جل وعلا - لا يقبل العمل الذي خالطه الرياء، والعلماء فصلوا في ذلك فقالوا: الرياء - إذا عرض للعبادة - له أحوال:
الحالة الأولى: أن يعرض للعبادة من أولها، فإذا عرض للعبادة من أولها فإن العبادة كلها باطلة، كأن ينشئ الصلاة لنظر فلان، فهو لم يرد أن يصلي، لكن لما رأى فلانا ينظر إليه صلى، فهذا عمله حابط، يعني أن الصلاة التي صلاها حابطة وهو مأزور على مراءاته ومرتكب الشرك الخفي، الشرك الأصغر.
والحال الثانية: أن يكون أصل العبادة لله، ولكن خلط ذلك العابد عمله رياء، كمن أطال الركوع وأكثر التسبيح وأطال القراءة والقيام لأجل من يراه، فأصل العبادة - والتي كانت لله - له، وما عدا ذلك فهو حابط؛ لأنه راءى في الزيادة على الواجب فيحبط ذلك الزائد وهو إثم عليه، لا يؤجر عليه
_________
(1) أخرجه مسلم (2985) .

(1/400)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ولا ينتفع منه، ويؤزر على إشراكه وعلى مراءاته في العبادات البدنية. أما العبادات المالية فيختلف الحال عن ذلك.
قوله: «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» : يعني بجميع أنواع المشركين وبجميع أنواع الأعمال؛ لأن (عملا) في قوله: " من عمل عملا " نكرة جاءت في سياق الشرط، فعمت جميع الأعمال: الأعمال البدنية، والأعمال المالية، والأعمال التي اشتملت على مال وبدن، فالبدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة والصدقة، والمشتملة على بدن ومال: كالحج والجهاد ونحو ذلك، والمقصود من قوله: " من عمل عملا " أنه أنشأه " أشرك فيه معي غيري " جعله لله ولغير الله جميعا، فإن الله - جل وعلا - أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل إلا ما كان له وحده سبحانه وتعالى.
" وعن أبي سعيد مرفوعا: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل» (1) هذا فيه بيان أن هذا النوع من الشرك هو أخوف على هذه الأمة عند النبي صلى الله عليه وسلم من المسيح الدجال؛ ذلك أن أمر المسيح أمر ظاهر بين، والنبي عليه الصلاة والسلام بين ما في شأنه، وبين صفته، وحذر الأمة منه، وأمرهم بأن يدعوا آخر كل صلاة، وأن يستعيذوا من شر المسيح الدجال، ومن فتنة المسيح الدجال، أما الرياء فإنه يعرض للقلب كثيرا، والشيطان يأتي إلى القلوب، وهذا الشرك يقود العبد إلى
_________
(1) أخرجه أحمد في المسند 3 / 30، وابن ماجه (4204) .

(1/401)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أن يتخلى شيئا فشيئا عن مراقبة الله - جل وعلا - ويتجه إلى مراقبة المخلوقين؛ لذلك صار أخوف عند النبي صلى الله عليه وسلم علينا من المسيح الدجال، ثم فسره بقوله: «الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل»

هذا الباب باب عظيم من أبواب هذا الكتاب ترجمه الإمام - رحمه الله - بقوله: " باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا "
" من الشرك " يعني: من الشرك الأصغر أن يريد الإنسان بأعماله التي يعملها من الطاعات الدنيا ولا يريد بها الآخرة، وإرادة الإنسان الدنيا، يعني: ثواب الدنيا، فهو أعم من حال الرياء، فالرياء حالة واحدة من أحوال إرادة الإنسان الدنيا، فهو يصلي أو يزيد ويزين صلاته لأجل الرؤية ولأجل المدح، لكن هناك أحوال أخر لإرادة الناس بأعمالهم الدنيا، فلهذا عطف الشيخ - رحمه الله - هذا الباب على الذي قبله ليبين أن إرادة الإنسان الدنيا تأتي في أحوال كثيرة أعم من حال الرياء بخاصة، لكن الرياء جاء فيه الحديث وخافه النبي عليه الصلاة والسلام على أمته، فهو في وقوعه كثير والخوف منه جلل.
وهذا الباب اشتمل على الحكم بأن إرادة الإنسان بعمله الدنيا من الشرك.
وقوله: " إرادة الإنسان " يعني: أن يعمل العمل وفي إرادة، أي الذي بعثه على العمل ثواب الدنيا، فهذا من الشرك بالله - جل جلاله - وسيأتي تفصيل أحوال ذلك.

(1/402)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]