[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب قول الله تعالى إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]
" باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] [آل عمران: 175] . وقوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] [التوبة: 18] . وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 10] [العنكبوت: 10] .
وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- مرفوعا: «إن من ضعف اليقين أن ترض الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره» (1) وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» (2) رواه ابن حبان في صحيحه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه أبو نعيم في " الحلية" 5 / 106 و 10 / 41 والبيهقي في " شعب الإيمان " (203) وإسناده ضعيف.
(2) أخرجه ابن حبان 1 / 247.

(1/367)


فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: تفسير آية العنكبوت.
الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى.
الخامسة: علامة ضعفه ومن ذلك هذه الثلاث.
السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض.
السابعة: ذكر ثواب من فعله.
الثامنة: ذكر عقاب من تركه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/368)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
القسم الأول: الخوف الشركي، وهو خوف السر، يعني: أن يخاف في داخله من هذا المخوف منه، وخوفه لأجل ما عند هذا المخوف منه مما يرجوه أو يخافه من أن يمسه سرا بشيء، أو أنه يملك له في آخرته ضرا أو نفعا، فالخوف الشركي متعلق في الدنيا بخوف السر، بأن يخاف أن يصيبه ذلك الإله بشر وذلك شرك.
والخوف المتعلق بالآخرة، معناه أن يخاف العبد غير الله ويتعلق خوفه بغير الله من أن لا ينفعه ذلك الإله في الآخرة، فلأجل رغبه في أن ينفعه ذلك الإله في الآخرة وأن يشفع له، وأن يقربه منه في الآخرة، وأن يبعد عنه العذاب في الآخرة، خاف منه فأنزل خوفه به.
فالخوف من العبادات العظيمة التي يجب أن يفرد الله- جل وعلا- بها، وسيأتي مزيد تفصيل لذلك.
والقسم الثاني. الخوف المحرم وهو أن يخاف من مخلوق في امتثال واجب، أو البعد عن المحرم، مما أوجبه الله أو حرمه، كأن يخاف من مخلوق في أداء فرض من فرائض الله، وفي أداء واجب من الواجبات، فلا يصلي خوفا من مخلوق، ولا يحضر الجماعة خوفا من ذم المخلوق له أو استنقاصه له، فهذا محرم، قال بعض العلماء: وهو نوع من أنواع الشرك، لأن ترك الأمر والنهي الواجب بشرطه خوفا من ذم الناس، أو من ترك مدحهم له، أو من وصمهم له بأشياء، فيه تقديم لخوف الناس على خوف الله تعالى، وهذا محرم؛ لأن الوسيلة إلى المحرم محرمة.
القسم الثالث: الخوف الطبيعي المأذون به، وهذا أمر طبيعي كخوف من عدو، أو من سبع، أو من نار، أو من مؤذ ومهلك، ونحو ذلك.

(1/369)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] [آل عمران: 175] .
وجه الاستدلال من هذه الآية: أنه قال: {فَلَا تَخَافُوهُمْ} [آل عمران: 175] وهذا نهي عن إنزال عبادة الخوف بغيره، فهذا يدل على أنه نهي عن أحد أفراد الشرك.
قوله: {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] أمر بالخوف منه جل وعلا، فدل على أن الخوف عبادة من العبادات، وتوحيد الله بهذه العبادة توحيد، وإشراك غير الله معه في هذه العبادة شرك؛ والخوف من الخلق- كما ذكرنا- في ترك فريضة الجهاد، إنما يكون من جراء الشيطان، فالشيطان هو الذي يخوف المؤمنين من أوليائه، ويخوف أهل التوحيد وأهل الإيمان من أعداء الله- جل وعلا- لكي يتركوا الفريضة؛ فلهذا كان ذلك الخوف محرما، يعني: الخوف من الأعداء الذي يترتب عليه ترك فريضة من فرائض الله من الجهاد وغيره، والواجب ألا يخاف العبد إلا ربه- جل وعلا- وأن ينزل خوفه به، وألا يخاف أولياء الشيطان.
وقوله -جل وعلا- هنا: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175] معناها على الصحيح من التفسير أو على الراجح: يخوفكم أولياءه، يعني: يخوف أهل الإيمان أولياء الشيطان، ففاعل يخوف ضمير يعود على الشيطان، والمفعول الأول محذوف دل عليه السياق، والتقدير: يخوف الشيطان الناس أولياءه، يعني: يجعل الشيطان أهل التوحيد في خوف من أعدائهم؛ لهذا قال

(1/370)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
السلف في تفسيرها. {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175] يعني: يخوفكم أولياءه، وهذا ظاهر من الآيات قبلها كقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] [آل عمران: 173] .
" وقوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18] [التوبة: 18] : وجه الدلالة من الآية قوله {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18] وهذا نفي واستثناء، وتقدم أن مجيء أداة الاستثناء بعد النفي يدل على الحصر والقصر، فالآية دالة بظهور على أن الخشية يجب أن تكون من الله، وأن الله أثنى على أولئك لأنهم جعلوا خشيتهم لله وحده دون ما سواه، والخشية أخص من الخوف.
وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 10] [العنكبوت: 10] : قوله: {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 10] بأن خاف منها، وترك ما أوجب الله عليه، أو أقدم على ما حرم الله عليه، خشية من كلام الناس.
" وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- مرفوعا: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤت الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية

(1/371)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
كاره» (1) وجه الاستدلال من هذا الحديث قوله: " إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ".
" من ضعف اليقين ": يعني من أسباب ضعف الإيمان، والذي يضعف الإيمان ارتكاب المحرمات؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فدل على أن إرضاء الناس بسخط الله معصية وذنب ومحرم لأن هذا الذي أرضى الناس بسخط الله خافهم أو رجاهم، وهذا مناسبة إيراد الحديث في الباب.
" وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» رواه ابن حبان في صحيحه (2) هذا جزاء الذي أفرد الله بعبادة الخوف وجزاء الذي لم يكمل التوحيد في عبادة الخوف، فالذي التمس رضا الله بسخط الناس عظم الله وخافه، ولم يجعل فتنة الناس كعذاب الله؛ بل جعل عذاب الله- جل وعلا- أعظم فخاف الله وخشيه وطمع فيما عنده، فلم يلتفت إلى الناس، ولم يرفع بهم رأسا، فكان جزاؤه أن رضي الله عنه، وجعل الناس يرضون عنه.
«ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» : لأنه ارتكب ذنبا بأن خاف الناس، وجعل خوفه من الناس سببا لعمل المحرم، أو ترك فريضة من فرائض الله؛ لهذا قال " من التمس رضا الناس بسخط الله " فكان جزاؤه أن سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس.

مناسبة الباب لكتاب التوحيد أن التوكل على الله فريضة من الفرائض، وواجب من الواجبات، وأن إفراد الله - جل وعلا- به توحيد، وأن التوكل على غير الله شرك مخرج من الملة، والتوكل على الله شرط في صحة الإسلام، وشرط في صحة الإيمان فالتوكل عبادة عظيمة، فعقد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب لبيان هذه العبادة.
وحقيقة التوكل على الله - جل جلاله-: أن يعلم العبد أن هذا الملكوت إنما هو بيد الله- جل وعلا- يصرفه كيف يشاء، فيفوض الأمر إليه، ويلتجئ بقلبه في تحقيق مطلوبه وفي الهرب مما يسوءه، يلتجئ في ذلك ويعتصم بالله - جل جلاله- وحده، فينزل حاجته بالله ويفوض أمره إلى الله، ثم يعمل السبب الذي أمر الله به " فحقيقة التوكل في الشرع تجمع تفويض الأمر إلى الله- جل وعلا-، وفعل الأسباب، بل إن نفس الإيمان سبب من الأسباب التي يفعلها المتوكلون على الله، بل إن نفس التوكل على الله- جل وعلا- سبب من الأسباب، فالتوكل حقيقته في الشرع تجمع عبادة قلبية عظيمة، وهي تفويض الأمر إليه، والالتجاء إليه، والعلم بأنه لا أمر إلا أمره، ولا شيء إلا بما قدره وأذن به كونا، ثم فعل السبب الذي أوجب الله- جل وعلا- فعله أو
_________
(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية 5 / 106 والبيهقي في شعب الإيمان (203) .
(2) أخرجه ابن حبان في الصحيح 1 / 247 وابن أبي شيبة في المصنف 13 / 436-573.

(1/372)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]