[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب ما جاء في السحر]
"باب ما جاء في السحر" وقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] [البقرة: 102] وقوله {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] [النساء: 51] .
قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وقال جابر: الطواغيت: كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات "، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (1) .
وعن جندب مرفوعا: «حد الساحر ضربه بالسيف» رواه الترمذي (2) وقال: الصحيح أنه موقوف. وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة قال: فقتلنا ثلاث سواحر (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه البخاري (2766) و (5764) و (6857) ومسلم (89) .
(2) أخرجه الترمذي (1460) .
(3) أخرجه البخاري (3156) .

(1/295)


وصح عن حفصة -رضي الله عنها- أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت (1) وكذلك صح عن جندب، قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية النساء.
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت، والفرق بينهما.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف بعده!
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه مالك في " الموطأ " (46) بلاغا، ووصله عبد الرزاق 15 / 180.

(1/296)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والسحر في اللغة هو: عبارة عما خفي ولطف سببه، ومعنى خفي: صار سبب ذلك الشيء خفيا لا يقع بظهور، وإنما يقع على وجه الخفاء؛ ولهذا سمي آخر الليل سحرا لذلك، وكذلك قيل في أكلة آخر الليل سحور وذلك لأنها تقع على وجه الخفاء وعدم الاشتهار والظهور من الناس.
فهذه اللفظة (سحر) وما اشتقت منه تدل على خفاء في الشيء؛ ولهذا فإنه في اللغة يطلق السحر على أشياء كثيرة، منها ما يكون من جهة المقال، ومنها ما يكون من جهة الفعل، ومنها ما يكون من جهة الاعتقاد، وسيأتي في هذا الباب وفي الباب الذي بعده " باب بيان شيء من أنواع السحر" ما يتصل بذلك.
وأما السحر الذي هو كفر وشرك أكبر بالله - جل وعلا - فهو استخدام الشياطين والاستعانة بها لحصول أمر بواسطة التقرب لذلك الشيطان بشيء من أنواع العبادة.
والسحر عرفه الفقهاء بقولهم: رقى وعزائم وعقد ينفث فيها فيكون سحرا يضر حقيقة، ويمرض حقيقة، ويقتل حقيقة. فحقيقة السحر إذا: أنه استخدام للشياطين في التأثير، ولا يمكن للساحر أن يصل إلى إنفاذ سحره حتى يكون متقربا إلى الشياطين، فإذا تقرب إليها خدمته شياطين الجن بأن أثرت في بدن المسحور، فلكل ساحر خادم من الشياطين يخدمه، ولكل ساحر مستعان به من الشياطين، فلا يمكن للساحر أن يكون ساحرا على الحقيقة إلا إذا تقرب إلى الشياطين؛ ولهذا فإن السحر شرك بالله- جل وعلا-.
وهناك شيء قد يكون في الظاهر أنه سحر، ولكنه في الباطن ليس بسحر، وهذا ليس الكلام فيه، وإنما الكلام فيما كان من السحر بالاستعانة

(1/297)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالشياطين، وباستخدام الرقى والتعويذات والعقد والنفث فيها، وقد قال - جل وعلا-: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4] [الفلق: 4] والنفاثات: هن السواحر اللاتي يعقدن العقد وينفثن فيها، خصت الإناث بالاستعاذة منهن؛ لأن الغالب في السحر أن الذي يستخدمه النساء، فجرى ذلك لمجرى الغالب، والنفاثات: جمع نفاثة، صيغة مبالغة من النفث؛ لأنها تكثر النفث في العقدة برقى وتعازيم وتعويذات، تستخدم فيها الجن لتخدم هذه العقدة التي فيها شيء من بدن المسحور، أو فيها شيء يتعلق بالمسحور حتى يكون ذلك مؤثرا فيه. وقد سحر يهودي النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة، يعني: في أشياء من شعره -عليه الصلاة والسلام- حتى يخيل للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يفعل الشيء ولا يفعله من جهة نسائه -عليه الصلاة والسلام-، فقد كان سحر ذلك اليهودي مؤثرا في بدنه -عليه الصلاة والسلام-، لكنه لم يكن مؤثرا في علمه، ولا في عقله، ولا في روحه -عليه الصلاة والسلام-، وإنما في بدنه يخيل إليه أنه قد واقع نساءه وهو لم يواقع ونحو ذلك.
وهذا السحر الذي فيه استخدام الشياطين شرك وكفر بالله- جل وعلا-، كما قال سبحانه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] [البقرة: 102] والذي تلته الشياطين على ملك سليمان هو ما قرؤوه في كتاب السحر وما يتصل بذلك من عمل السحر، قال- جل وعلا-. {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102] [البقرة: 102] فعلل كفر الشياطين بقوله: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البقرة: 102] [البقرة: 102]

(1/298)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قال- سبحانه-: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102]
وتعلم السحر وفهم كيف يكون، وكيف يعمل السحر، كل هذا لا يمكن أن يكون إلا بالكفر والشرك، لكن هناك مراتب: إحداها: أن يتعلم ذلك نظريا ولا يعمله، والثانية: أن يتعلمه ويعمله ولو مرة، وهناك مرتبة الساحر الذي يتعلم ويعمل به دائما فما حكم هذه المراتب؟ قال- جل وعلا-: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102] [البقرة: 102] ، فدل على أن تعلمه بمجرده كفر، ولهذا نقول: الصحيح أن تعلم السحر- ولو بدون عمل- شرك وكفر بالله- جل وعلا- بنص الآية، لأنه لا يمكن أن يتعلم السحر إلا بتعلم الشرك بالله- جل وعلا- وكيف يشرك، وإذا تعلم الشرك فهو مشرك بالله- جل وعلا-.
وبعض العلماء يقول: السحر قسمان: - كقول الشافعي وغيره- منه ما يكون بالاستعانة بالشياطين فهذا كفر وشرك أكبر، ومنه ما يكون بالأدوية والتدخينات فهذا فسق ومحرم ولا يكفر فاعله إلا إذا استحله.
وهذا التقسيم من الشافعي ومن تبعه، هو من جهة الواقع، يعني: نظروا في الذين يمارسون ذلك، فمنهم من يقول إنه ساحر وليس كذلك من حيث النظر الشرعي يعني: أنه ليس السحر الذي وصف في الشرع، فيقول: هو ساحر، وهو يستخدم أدوية وتعويذات، وفي الحقيقة هو مشعوذ، ولا يصدق عليه اسم الساحر، وهذا فيما يفعل يؤثر عن طريق الأدوية.

(1/299)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأما الصرف والعطف، يعني: جلب محبة امرأه لزوجها، أو صرف محبة المرأة لزوجها، أو العكس، فهذا من القسم الأول؛ لأنه من نواقض الإسلام، فالسحر من نواقض الإسلام؛ لأنه شرك بالله ومنه الصرف والعطف؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى روح وقلب من يراد صرفه أو العطف إليه إلا بالشرك؛ لأن الشيطان هو الذي يؤثر على النفس ولن يخدم الشيطان الإنسي الساحر إلا بعد أن يشرك بالله- جل وعلا-.
فتحصل أن السحر بجميع أنواعه فيه استخدام للشياطين واستعانة بها، والشياطين لا تخدم إلا من تقرب إليها بالذبح، أو بالاستغاثة، أو بالاستعاذة، ونحو ذلك. يعني أن يصرف إليها شيئا من أنواع العبادة، بل قد نظرت في بعض كتب السحر، فوجدت أن الساحر- بحسب ما وصف ذلك الكاتب- لا يصل إلى حقيقة السحر، وتخدمه الجن كما ينبغي، حتى يهين القرآن، ويهين المصحف، وحتى يكفر به، ويسب الله- جل وعلا- ونبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا قد ذكره بعض من اطلع على حقيقة الحال.
فالسحر إذًا شرك بالله تعالى، وكل ساحر مشرك. وقتل الساحر- فيما سيأتي- على الصحيح أنه قتل ردة، لا قتل تعزير، فالشيخ -رحمه الله- عقد هذا الباب " باب ما جاء في السحر" لبيان تلك المسألة.
" وقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] [البقرة: 102] ". وجه الاستدلال بهذه الآية قوله: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] يعني: ما له في الآخرة من نصيب، والخلاق هو: النصيب. وقوله:

(1/300)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
{لَمَنِ اشْتَرَاهُ} [البقرة: 102] يعني: اشترى السحر، والاشتراء: أن يأخذ شيئا ويدفع عوضه، فحقيقة الشراء أن تشتري سلعة مثلا وتدفع ثمنها، فتأخذ مثمنا وتدفع ثمنه. والساحر ومن تعلم السحر اشترى السحر. أي: أخذ السحر، وبذل توحيده عوضا، فالثمن هو التوحيد، والإيمان بالله وحده، والمثمن هو السحر؛ ولهذا قال- جل وعلا- هنا: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ} [البقرة: 102] يعني: من دفع دينه عوضا عن ذلك الشيء الذي أخذه وهو السحر {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] يعني: من نصيب، وهكذا المشرك ليس له في الآخرة من نصيب، فوجه الاستدلال ظاهر في أن الساحر قد جعل دينه عوضا عن ذلك الذي اشتراه وتعلمه وعمل به.
" وقوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] [النساء: 51] قال عمر: الجبت السحر " وهذا في ذم أهل الكتاب، فإن أهل الكتاب لما آمنوا بالسحر ذمهم الله- جل وعلا- ولعنهم وغضب عليهم، لأنه يكثر السحر واستعماله فيهم؛ فذمهم الله- جل وعلا- بسبب ذلك، وإذا كان الله ذمهم ولعنهم وغضب عليهم لأجل ذلك، فهذا يفيد أنه من المحرمات ومن الكبائر، وإذا كان فيه إشراك بالله- جل وعلا- فظاهر أنه شرك بالله- جل وعلا-.
قوله: " والطاغوت: الشيطان " يعني: أن الجبت اسم عام يشمل أشياء كثيرة- كما تقدم- ومن أبرزها وأظهرها عند اليهود السحر، فيؤمنون بالجبت يعني بالسحر؛ لأنه هو أظهر الأشياء عندهم، ويؤمنون بالطاغوت يعني بالشيطان، وهو كل ما توجهوا إليه بالطاعة، وبعد عن الحق، وعن الصواب.

(1/301)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" قال: جابر (1) الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد ": وهذا يأتي بيانه في " باب ما جاء في الكهان ".
" وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك بالله، والسحر» وجه الاستدلال من ذلك: أن السحر من الموبقات، والموبقات: هي التي توبق صاحبها، وتجعله في هلاك وخسار في الدنيا وفي الآخرة، وهذه السبع أكبر الكبائر، وعطف السحر على الشرك بالله ليس عطفا بين متغايرين في الحقيقة، وإنما هو عطف بين خاص وعام، فالشرك بالله يكون بالسحر ويكون بغيره، فعطف السحر على الشرك للتنصيص عليه، والسحر- كما ذكرنا- أحد أفراد الشرك بالله- جل وعلا- وعطف الخاص على العام أمثلته كثيرة منها قوله- جل وعلا-: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98] فعطف جبريل وميكال على الملائكة، وهما منهم، من باب عطف الخاص على العام.
قوله: " وعن جندب مرفوعا: «حد الساحر ضربه بالسيف» رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف " روي هكذا" ضربه " وهو الأصح، وروي " ضربة" فحد الساحر قتله بالسيف، وعلى رواية" ضربة" لا يكون لها مفهوم، يعني: إن مات بضربة أو يضرب ضربتين أو ثلاثا حتى يموت لأن العدد لا مفهوم له.
_________
(1) يعني ابن عبد الله.

(1/302)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله. " حد الساحر" هنا لم يفرق بين ساحر وساحر، ولم يأت في أدلة الكتاب والسنة التفصيل في اسم الساحر الذي يحد، أو الذي وصف بالكفر بين نوع ونوع من التأثير، فالأنواع التي يستخدمها السحرة مما يصدق عليها أنها سحر في التأثير، وفي الإمراض، وفي التفريق، وفي التأثير على العقول وعلى القلوب، ونحو ذلك من أنواع التأثير الخفي الذي يكون باستخدام الشياطين أو بأمور خفية، فهذا كله لا يفرق فيه بين فاعل وفاعل، والأدلة ما فرقت؛ فلهذا قال العلماء: الصحيح أن الساحر من أي نوع حده أن يقتل، وهل حده حد كفر وردة، أو حد لأجل أنه قتل، فيكون حد لأجل القتل، أو حد تعزير؟ اختلف العلماء في ذلك. والصحيح من هذه أنه في الجميع حد ردة؛ لأن حقيقة السحر أنه لا بد أن يكون فيه إشراك بالله- جل وعلا- فمن أشرك بالله- جل وعلا- فقد ارتد وحل دمه وماله.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل يقول فيه ما مقتضاه: إن الساحر قد لا تدرك حقيقة سحره فيترك أمره في قتله إلى الإمام، إذا رأى المصلحة في قتله قتله، وإن لم ير المصلحة في قتله لم يقتله، ويعني بالمصلحة المصلحة الشرعية، فتحصل من ذلك أن الأقوال في حد الساحر هي:
الأول: أنه يقتل مطلقا ردة؛ لأنه لا يكون السحر إلا بشرك.
والقول الثاني: أنه يقتل ردة إذا كان سحره بشرك، ويقتل حدا إذا كان سحره أدى إلى قتل غيره بغير ما فيه إشراك، من مثل الأدوية، والتعويذات، ونحو ذلك مما ذكرنا.
والثالث: القول الذي عزي إلى شيخ الإسلام: من أنه كالزنديق يترك أمره إلى الإمام بحسب ما يراه، إن رأى المصلحة الشرعية في قتله قتله، وإلا عاقبه بما دون القتل.

(1/303)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبده قال: كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة قال: فقتلنا ثلاث سواحر" هذا ظاهر في الأمر بقتل الساحر والساحرة بدون تفصيل؛ ولأن حقيقة السحر لا تكون إلا بشرك بالله- جل وعلا- وذلك ردة.
قوله: "وصح عن حفصة -رضي الله عنها - أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت، وكذلك صح عن جندب، قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "
. يعني أن الساحر يجب أن يقتل وهذا حده سواء قلنا: إنه يقتل لحد الردة، أو يقتل لحد القتل، أو يقتل تعزيرا، فالصحابة -رضوان الله عليهم- أفتوا بقتله، وأمروا بقتله، وذلك بدون تفريق، وهذا هو الواجب ألا يفرق بين نوع ونوع، والواجب على المسلمين أن يحذروا السحر بأنواعه، وأن يتعاونوا في الإبلاغ عن كل من يعلمون عنده شعوذة، أو استخداما لشيء من الخرافات، أو السحر، ونحو ذلك، إبراء للذمة، وإنكارا للمنكر؛ لأنه كما قال الأئمة: ما دخل السحرة إلى بلد إلا فشا فيها الفساد، والظلم، والاعتداء، والطغيان؛ ذلك لأنهم يستخدمون الشياطين، فتطيع الشياطين السحرة، أعاذنا الله منهم، ومن أقوالهم، وأعمالهم وتأثيراتهم.

هذا " باب بيان شيء من أنواع السحر ". لما ذكر الإمام -رحمه الله تعالى- ما جاء في السحر، وما اتصل بذلك من حكمه وتفصيل الكلام فيه، ذكر أن السحر قد يأتي في النصوص، ولا يراد منه السحر الذي يكون بالشرك بالله- جل وعلا-، فإن اسم السحر عام في اللغة، يدخل فيه ذلك الاسم الخاص الذي فيه استعانة بالشياطين والتقرب إليها وعبادتها لتخدم الساحر، ويدخل فيها أمور أخرى يطلق عليها الشارع أنها سحر، وليست كالسحر الأول في الحقيقة ولا في الحكم، وهو درجات.

(1/304)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]