[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان]
" باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " وقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51] [النساء: 51] .
وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] [المائدة: 60] .
وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] [الكهف: 21] .
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟» أخرجاه (1) . ولمسلم عن ثوبان - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر، والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه البخاري (3456) ، ومسلم (2669) بنحوه.

(1/278)


يهلكها بسنة بعامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» (1) رواه البرقاني في صحيحه وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم وحتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى» .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النساء.
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: وهي أهمها ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ وهل هو اعتقاد قلب؟ أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه مسلم (2889) .

(1/279)


الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين.
السادسة: - وهي المقصود بالترجمة - أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة، كما تقرر في حديث أبي سعيد.
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
الثامنة: - العجب العجاب - خروج من يدعي النبوة، مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة. وأن الرسول حق وأن القرآن حق. وفيه أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح. وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة وتبعه فئام كثيرة.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية، كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى: أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيهن من الآيات العظيمة.
منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك، فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال.
وإخباره بأنه أعطي الكنزين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/280)


وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين.
وإخباره بأنه منع الثالثة.
وإخباره بوقوع السيف وأنه لا يرفع إذا وقع.
وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة.
وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة.
وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها من أبعد ما يكون في العقول.
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/281)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقد يحتج بعض المشركين والخرافيين بأن هذه الأمة حماها الله - جل وعلا - من أن تعود إلى عبادة الأوثان، وعصمت من الوقوع في الشرك الأكبر بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» (1) فلما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب» (2) علمنا أن عبادة الشيطان لا تكون في هذه الأمة، وأن الشرك الأكبر لا يكون، هكذا يدعي القبوريون.
والجواب: أن هذا الاحتجاج في غير موضعه، وفهم ذلك الدليل، وذلك الحديث، ليس على ذلك النحو، وجواب ما قالوا من أن قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب» هو أن نقول: إن الشيطان لا يعلم الغيب، وهو حريص على إغواء بني آدم، كما قال تعالى: {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 62] [الإسراء: 62] هو أيس ولكن لم يأيسه الله - جل وعلا - فالشيطان أيس بنفسه لما رأى عز الإسلام، ولما رأى ظهور التوحيد على الكفر في جزيرة العرب، فأيس لما رأى ذلك ولكنه لم يأيسه الله - جل وعلا - من أن يعبد في جزيرة العرب.
ثم إن في قوله: " أيس أن يعبده المصلون " إشارة إلى أن أهل الصلاة، هم الذين لا تتأتى منهم عبادة الشيطان، لأن المصلين لا شك أنهم آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر؛ لأن المصلي هو الذي أقام الصلاة، ومن أقام الصلاة فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأعظم المنكر الذي سينكره
_________
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.

(1/282)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
المصلي، هو: الشرك بالله -جل وعلا- فيكون الشيطان بذلك قد يأس أن يعبده من أقام الصلاة على حقيقتها كما أراد الله -جل وعلا-.
فليس في هذا الحديث - إذًا - أن عبادة الشيطان لا تكون في هذه الأمة، بل فيه: أن الشيطان أيس لما رأى عز الإسلام ولكنه لم يُأيَّس؛ ولهذا فإن طائفة من العرب ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقليل، ولا شك أن ذلك الارتداد كان من عبادة الشيطان؛ لأن عبادة الشيطان تكون - أيضا - بطاعته؛ كما قال - جل وعلا -: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60] [يس: 60] وعبادة الشيطان كما في تفسير الآية: بطاعته في الأمر والنهي، وطاعته في الشرك، وطاعته في ترك الإيمان وترك لوازمه.
وقد كان إمام الدعوة -رحمه الله- مستحضرا لهذا الدليل الذي يحتج به المشركون من هذه الأمة، من أهل عصره وغيرهم على نفي عبادة هذه الأمة للأوثان، وعدم وقوع الشرك منهم، فأراد -رحمه الله- التنبيه على بطلان الاستدلال بذلك الدليل على ما ادعوه، بل هو لا يدل على قولهم، إذ قد عرفنا معناه وتفسيره فيما تقدم. والأدلة جاءت مصرحة أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، وهذا مما يصحح معنى ما أشرنا إليه من كون الشيطان قد يأس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب.
وقول الإمام -رحمه الله-: " باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " معناه: أن عبادة الأوثان واقعة في هذه الأمة بنص قول النبي صلى الله عليه وسلم، كما وقعت في الأمم السالفة، فهذه الأمة فيها عبادة غير الله سبحانه وتعالى -أيضا-.

(1/283)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: " باب ما جاء" يعني: من النصوص في الكتاب وفي السنة.
وقوله: " أن بعض هذه الأمة" نص على وقوع ذلك من بعضهم، لا من كلهم؛ لأن عبادة الأوثان لم تكن من الأمة كلها، وإنما كانت من بعض هذه الأمة، وإلا فلا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة على الحق كما قال -عليه الصلاة والسلام-. «ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى قيام الساعة» .
والمقصود ب " بعض هذه الأمة": ذلك البعض المرذول، فنفهم من هذا أن هناك من الأمة من يقوم بالاستمساك بالأمر الأول الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته، في أمر التوحيد، وأمر العبادة والسنن.
لكن هل المقصود بقوله. " هذه الأمة". أمة الدعوة أو أمة الإجابة؟
إذا قلنا: أمة الدعوة. فلا شك أن هناك من أمة الدعوة- وهم جميع الجن والإنس- من عبد الأوثان، واستمر على عبادتها، بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرض ببعثته، ولم يقبل ذلك.
وإذا قلنا: إن المراد بالأمة أمة الإجابة، يعني: أن من أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته، تتقادم بهم العهود، حتى يرتدوا على أدبارهم، ويتركوا دينهم، كما جاء في بابٍ سلف في أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم الغلو في الصالحين، لكن الظاهر هنا أن قوله: " بعض هذه الأمة يعبد الأوثان " يعني به أمة الإجابة في أنهم يتركون دينهم، ويتوجهون إلى الأوثان ويعبدونها.
و" الأوثان ": جمع وثن، والوثن هو: كل شيء توجه إليه الناس بالعبادة، إما بأن يدعوه مع الله- جل وعلا- أو أن يستغيثوا به، أو أن يعتقدوا فيه أنه

(1/284)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ينفع ويضر بدون إذن الله- جل وعلا- أو أنه يرجى رجاء العبادة، ويخاف منه كخوف الله- جل وعلا- أي: خوف السر، ونحو ذلك من التوجهات، والعبادات، فمن اعتقد فيه شيء من ذلك فهو وثن من الأوثان، وقد يكون راضيا بتلك العبادة، وقد لا يكون راضيا.
والوثن ليس هو المصور على شكل صورة، بل الصنم هو ما كان على شكل صورة- كما سبق أن ذكرنا- فالفرق بين الأوثان والأصنام. أن الأصنام هي: الآلهة التي صورت على شكل صور، كأن يجعل لنبي من الأنبياء صورة ويعبدها، أو يجعل لرجل من الرجال- كبوذا ونحوه- صورة ويسجد لها، ويعبدها، فهذه تسمى أصناما. أما الأوثان فهي الأشياء المعبودة أيا كانت؛ فقد تكون جدارا، أو قبرا، أو رجلا ميتا، أو صفة من الصفات يتخذها معبودة من دون الله. فكل ما توجه إليه العباد بنوع من أنواع العبادة: فهو وثن من الأوثان.
قوله: " وقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] [النساء: 51] الجبت: اسم عام لكل ما فيه مخالفة لأمر الله- جل وعلا- وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في الاعتقاد، فقد يكون الجبت سحرا- وهذا هو الذي فسر به كثير من السلف الجبت، وقد يكون الجبت الكاهن، وقد يكون الجبت الشيء المرذول الذي يضر صاحبه.
ومعنى قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] يعني: يؤمنون بالسحر، ويؤمنون بالباطل، وبعبادة غير الله- جل وعلا-.

(1/285)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ويؤمنون ب (الطاغوت) والطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فالطاغية هو الذي تجاوز الحد في أمر الدين، بأن جعل ما لله له؛ ولهذا يعرف ابن القيم -رحمه الله- الطاغوت بأنه: " كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع ".
ومعنى مجاوزة العبد به حده: أنه تعدى حد ذلك الشيء الذي توجه إليه، وهو الحد الذي لم يأذن به الشرع مجاوزته له، فتوجهه إليه بالعبادة، أو اعتقاده فيه بعض خصائص الإلهية من أنه: يغيثه كيف ما شاء، ومن أنه يملك غوثه، ويملك الشفاعة له، أو أن يغفر له، وأن يعطيه، ويملك أن يقربه إلى الله- جل وعلا-، ونحو ذلك مما لا يملكه المعبودون، فإن كل ذلك مجاوزته بذلك المتخذ عن الحد الذي جعل له في الشرع.
فهذا معنى مجاوزة الحد في المعبودين، والمقصود بقوله: " أو متبوع " مثل العلماء، والقادة في أمر الدين، ومعنى مجاوزة الحد فيهم: أنهم صاروا يتبعونهم في كل ما قالوا، وإن أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، أو جعلوا لهم السنة بدعة، والبدعة سنة، وهم يعلمون أصل الدين، ولكنهم خالفوا لأجل ما قال فلان، فإن هذا قد تُجُوِّز به حده، فإن حد المتبوع في الدين: أن يكون آمرا بما أمر به الشرع، ناهيا عما نهى عنه الشرع. فإذا أحل الحرام، أو حرم الحلال فإنه يعتبر طاغوتا، ومن اتبعه فإنه يكون قد تجاوز به حده، وقد أقر بأنه طاغوت، واتخذه كذلك.
وقوله: " أو مطاع " يشمل الأمراء، والملوك، والحكام، والرؤساء، الذين يأمرون بالحرام فيطاعون، ويأمرون بتحريم الحلال فيطاعون في ذلك مع علم المطيع بما أمر

(1/286)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الله- جل وعلا- به فهؤلاء اتخذوهم طواغيت؛ لأنهم جاوزوا بهم حدهم. فهذا الشرح لمعنى ما ذكره الإمام ابن القيم -رحمه الله- من تعريف الطاغوت.
وقوله في الآية المتقدمة. (الطاغوت) يدخل فيه كل هذه الأنواع، أي الذين عبدوا، والذين اتبعوا، والذي أطيعوا.
ووجه مناسبة هذه الآية للباب، أن الإيمان بالجبت والطاغوت، حصل ووقع من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، من اليهود والنصارى، وإذا كان قد وقع منهم، فسيقع في هذه الأمة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر أن ما وقع في الأمم قبلنا سيقع في هذه الأمة، كما قال في حديث أبي سعيد الآتي: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» فمثل بشيء صغير، وهو دخول جحر الضب- الذي لا يمكن أن يفعل- تنبيها على أن ما هو أعلى من ذلك سيقع من هذه الأمة، كما وقع من الأمم قبلنا. وقد حصل- كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فإن من هذه الأمة من آمن بالسحر، ومنهم من آمن بعبادة غير الله، ومنهم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، فكانوا بذلك متبعين سنن من كان قبلهم، وحصل منهم إيمان بالجبت والطاغوت كما حصل من الأمم قبلهم.
" وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] [المائدة: 60] على هذه القراءة (عبد الطاغوت) يكون الطاغوت مفعول (عبد) ، و (عبد) فعلا معطوفا على قوله: (لعن) ، كأنه قال بتقديم وتأخير: من

(1/287)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لعنه الله ومن عبد الطاغوت. ووجه الاستشهاد من الآية أن عبادة الطاغوت وقعت في أولئك الملعونين، وبما أن ما وقع في الأمم السالفة بخبر النبي صلى الله عليه وسلم سيقع في هذه الأمة، فإننا نعلم أن في هذه الأمة من سيعبد الطاغوت كما عبدها أولئك، وعبادة الطاغوت عامة- كما ذكرنا- يدخل فيها عبادة الأوثان من عبادة القبور، وتأليه أصحابها، والتوسل بهم إلى الله- جل وعلا-، والاستشفاع بهم إلى الله- جل وعلا-، أو طلب الشفاعة منهم، ونحو ذلك من الوسائل الشركية، أو ما هو من الشرك الأكبر، فحصلت عبادة الأوثان من القبور، ومن المشاهد، ومن الأشجار ومن الأحجار، ونحو ذلك مما اعتقد فيه الجهلة الذين تركوا دين محمد -عليه الصلاة والسلام-. " وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] [الكهف: 21] : قصة أصحاب الكهف معروفة، وهذه الجملة بعض آية من قصة أصحاب الكهف، جعلهم الله- جل وعلا- آية، كما قال تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: 25] [الكهف: 21] واطلع الناس على أنهم مكثوا أحياء هذه المدة الطويلة، فاعتقدوا فيهم، ولما ماتوا تنازعوا في أمرهم.
فمنهم من قال: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} [الكهف: 21]
ومنهم من قال: اجعلوا لهم فناء ودارا، وعظموا مكانهم، واختلف الناس فيهم في ذلك الزمان، قال الله- جل وعلا-: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] [الكهف: 21] .

(1/288)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فمن الذين غلبوا على الأمر؟ اختلف المفسرون في ذلك:
فقال قائلون: هم المسلمون- مسلمو ذلك الزمان- حصل منهم تعظيم لأصحاب الكهف، فقالوا: {ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} [الكهف: 21] [الكهف: 21] وقالوا: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] تعظيما لهم ودلالة للناس عليهم، فإذا كان هذا القول راجحا فإنه من وسائل الشرك بالله ويؤدي إلى عبادة تلك القبور والاعتقاد في أصحاب الكهف، وهذا القدر حصل في هذه الأمة.
والقول الثاني: أن الذين غلبوا على أمرهم هم المشركون، يعني: أتباع ذلك الدين لاعتقادهم الجاهلي، ولما في قلوبهم من الشرك والبدع التي خالفوا بها أنبياءهم، قالوا {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] والقول الثالث: - وهو الذي رجحه ابن كثير -رحمه الله- ورجحه عدد أيضا من أهل العلم- أن الذين غلبوا على أمرهم هم الكبراء، والأمراء، وأصحاب النفوذ فيهم، لأن الذي له الغلبة في الأمر هو من يملك الأمر والنهي في المنكر وهم الكبراء، وأصحاب النفوذ، وملوك ذلك الزمان، وأمراؤه، عظموا هؤلاء الصالحين وقالوا {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] وقد حصل هذا في تلك الأمة، وما دام أنه حصل فإنه سيحصل في هذه الأمة؛ لأنه ما من خصلة من الشرك حصلت في الأمم قبلنا إلا وحصلت في هذه الأمة حتى ادعى بعض هذه الأمة أنه الله- جل وعلا- وأن الله يحل فيه ونحو ذلك،

(1/289)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بل قد ادعوا أن روح الإله تتناسخ في أناس معنيين كما هو اعتقاد طوائف من الباطنيين ونحو ذلك، وهذا كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» .
قوله: (سنن) يروى بضم السين وفتح النون، وهو: جمع سنة، وهي. الطريقة، يعني كأنه قال: لتتبعن طرائق من كان قبلكم يعني في الدين. ويروى بفتح السين والنون معا، وهو على هذه الرواية مفرد، ومعناه: السبيل والطريق، يعني: لتتبعن سبيل من كان قبلكم.
واللام في قوله: " لتتبعن " هي الواقعة في جواب القسم، فيفهم من ذلك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أقسم على ذلك، فقال مؤكدا: والله لتتبعن سنن من كان قبلكم.
وإنما أقسم -عليه الصلاة والسلام- ليؤكد هذا الأمر تأكيدا عظيما، وأن هذه الأمة ستتبع- لا محالة- طريق وسبيل من كان قبلها من الأمم، وهذا تحذير لأن الأمم السالفة إما أن يكونوا من أهل الكتاب اليهود والنصارى، وهؤلاء قد وصفهم الله- جل وعلا- بأنهم مغضوب عليهم وضالون، فإذا اتبعت هذه الأمة سبيلهم، فمعنى ذلك أنها تعرضت للغضب واللعنة، وقد وجد في هذه الأمة من سلك سبيل اليهود، ومن سلك سبيل النصارى؛ ولهذا قال بعض السلف: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى؛ لأن اليهود خالفوا على علم، والنصارى خالفت على ضلالة وقد قال- جل وعلا-: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] [الفاتحة: 7] والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم "

(1/290)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " حذو القذة بالقذة " أي: مثلا بمثل، وهو مثل للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان، مأخوذ من قذة السهم، وهي أذنه؛ لأن كل قذة تقر على صاحبتها، ثم تقطع على قياسها، فلا يكون بينها تفاوت. وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فحصل في هذه الأمة مثل ما حصل في الأمم قبلنا في أبواب الربوبية، وفي أبواب الإلهية، وفي الأسماء والصفات، وكذلك في العمل، وفي السلوك، وكذلك القول في أفعال الله- جل وعلا- فكل شيء كان فيمن قبلنا جاء ووقع في هذه الأمة، نسأل الله- جل وعلا- السلامة والعافية.
قوله: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟» أخرجاه (1) ": وجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، بل عماد هذا الباب على هذا الحديث من أن كل كفر وشرك وقع في الأمم السالفة فسيقع في هذه الأمة، فإن الأمم السالفة عبدت الأوثان وكفرت بالله- جل وعلا- وسيقع في هذه الأمة من يعبد الأوثان ومن يكفر بالله- جل وعلا- في الربوبية وفي الإلهية وفي الأسماء والصفات وفي أفعال الله- جل وعلا- وفي الحكم والتحاكم، وهكذا في أنواع كثيرة مما حصل فيمن قبلنا حتى في أمور السلوك والبدع، بل حتى في أمور الأخلاق والعادات التي تتصل بالدين فإنه سلكت هذه الأمة مسلك الأمم قبلها مخالفة نهي النبي صلى الله عليه وسلم.
ووجه الاستشهاد من حديث ثوبان -وهو حديث طويل- قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» والأئمة المضلون هم الذين اتخذهم الناس أئمة، إما من جهة الدين، وإما من جهة ولاية الحكم.
_________
(1) يعني البخاري ومسلم.

(1/291)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والأئمة المضلون يملكون زمام الناس، فيضلون الناس بالبدع وبالشركيات، ويحسنونها لهم حتى تغدو في أعينهم حقا، وكذلك أصحاب النفوذ وأصحاب الحكم فإنهم إذا كانوا مضلين فإن بيدهم الأمر الذي يجعلهم يفرضون على الناس أمورا ويلزمونهم بأشياء مضادة لشرع محمد صلى الله عليه وسلم من أمور العقيدة والتوحيد، ومن أمور السلوك والعمل، ومن أمور الحكم والتحاكم، وهكذا وقع في هذه الأمة ما خاف منه -عليه الصلاة والسلام-، فكثر الأئمة المضلون في الأمة: الأئمة المضلون من جهة الاتباع، والأئمة المضلون من جهة الطاعة.
قوله: «وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» : هذا نص صحيح من رواية البرقاني في صحيحه. فهل المراد من قوله: «حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين» أن هذا الحي يترك بلاد المسلمين، ويذهب إلى أرض المشركين؟ أو أنه يلحق بالمشركين في الصفات والخصال؟ يحتمل هذا وهذا.
قوله: «وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» الفئام، هي الجماعات الكبيرة، وهذا ظاهر المناسبة لقول الشيخ -رحمه الله- في الباب " باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان ".
قوله -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث. «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى» هذه الطائفة المنصورة هي التي قال فيها -عليه الصلاة والسلام- في حديث آخر.

(1/292)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
«ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» ، وهي التي قال فيها -عليه الصلاة والسلام-: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» فالطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية وهي الجماعة بجمع أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام-. وسميت منصورة؛ لأن الله- جل وعلا- نصرها على من ناوأها بالحجة والبيان، ونصرها الذي وعدت به ليس نصرا بالسنان، ولكنه نصر بالحجة والبيان، فهم وإن هزموا في بعض المعارك أو أديلت دولتهم في بعض الأحيان فهم الظاهرون على من سواهم بالحجة والبيان، وهم المنصورون بما أعطاهم الله- جل وعلا- من الحجة والنصوص والصواب والحق على من سواهم. فهم على الحق وسواهم على الباطل.
وهذان اللفظان- فرقة ناجية، وطائفة منصورة- اسمان لشيء واحد، وإنما هو من باب تنوع الصفات فقال عنها الطائفة المنصورة هنا «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة» ؛ لأنها موعودة بالنصر كما قال- جل وعلا-: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] [غافر 51] وكما قال أيضا: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] [الصافات: 171-173] ، فقولهم هو المنصور وهو الظاهر وحجتهم هي الظاهرة، وقد يكون أيضا لهم من النصر والتمكين في أرض الله ما أعطاهم الله- جل وعلا- من ذلك.

(1/293)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهم أيضا الفرقة الناجية التي جاءت في حديث الافتراق، لأنها موعودة بالنجاة من النار، فهم موصوفون بالنصر، وموصوفون بالنجاة من النار، وموصوفون بالنصر على عدوهم بالحجة والبيان، وقد يكون مع ذلك نصر بالسيف والسنان ونحو ذلك.

هذا " باب ما جاء في السحر " ومناسبة ذكر السحر لكتاب التوحيد. أن السحر نوع من الشرك، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «من سحر فقد أشرك» ، فالسحر أحد أنواع الشرك الأكبر بالله- جل وعلا- فمناسبته ظاهرة، لأنه مضاد لأصل التوحيد.

(1/294)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]