[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين]
" باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين " وقول الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171] [النساء 171] .
وفي الصحيح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] [نوح: 23] .
قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت (1) .
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم (2) .
وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» أخرجاه. (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه البخاري (4920) .
(2) إغاثة اللهفان. ط دار ابن زيدون 552 - 223.
(3) أخرجه البخاري (3445) (6830) ومسلم (1691) .

(1/234)


وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» (1) ولمسلم: عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون ". قالها ثلاثا» (2) .
فيه مسائل: الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده؛ تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين.
الثالثة: أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم.
الرابعة: قبول البدع، مع كون الشرائع والفطر تردها.
الخامسة: أن سبب ذلك كله: مزج الحق بالباطل، فالأول محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم شيئا، أرادوا به خيرا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد.
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف، أن البدع سبب الكفر.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه أحمد 1 / 215، 347 وابن ماجه (3064) .
(2) أخرجه مسلم (2670) .

(1/235)


الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.
الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.
الثالثة عشرة: معرفة شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات؛ فاعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه، فهو الكفر المبيح للدم والمال.
الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور، أرادوا ذلك.
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم؛ ففيها بيان معرفة قدر وجوده، ومضرة فقده.
العشرون: أن سبب فقد العلم: موت العلماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/236)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جوازه ظاهرة؟ مع أن الرسل جميعا بعثوا، ليعبد الله وحده دون ما سواه، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل: 36] [النحل: 36] ، فما سبب الغواية؟ وما سبب الشرك؟ فإذا كانت قضية التوحيد من أوضح الواضحات، والأبواب السالفة دالة بظهور ووضوح على وجوب إحقاق عبادة الله وحده، وعلى إبطال عبادة كل من سوى الله - جل جلاله وتقدست أسماؤه - فما سبب وقوع الشرك إذا؟ وكيف وقعت فيه الأمم؟ وللأجوبة على هذه الأسئلة أورد الشيخ - رحمه الله - هذا الباب وما بعده؛ ليبين أن سبب الشرك، وسبب الكفر هو: الغلو الذي نهى الله - جل وعلا - عنه، ونهى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء في هذه الأمة أو في الأمم السابقة، فأحد أسباب وقوع الكفر والشرك هو: الغلو في الصالحين، بل هو سببهما الأعظم.
قال هنا: " باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين " هذا ذكر للأسباب، بعد ذكر الأصول والعقائد.
" هو الغلو في الصالحين ": الغلو: مأخوذ من غلا الشيء: يغلو، غلوا: إذا جاوز به حده، وقد جاء في الحديث «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رمى الجمرات بحصيات، قال: " بمثل هذه فارموا وإياكم والغلو» (1) يعني: لا تجاوزوا الحد
_________
(1) رواه أحمد في المسند (1 / 215 - 347) والنسائي (5 / 268) ابن ماجه (3064) وصححه الذهبي والنووي وابن تيمية في الاقتضاء ص106.

(1/237)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
حتى في حجم تلك الحصاة، ومقدارها؛ ولذلك أرشدهم إلى الحجم الذي ينبغي أن تكون عليه بقوله: «بمثل هذه فارموا» فإذا جاوز في المثلية، بأن رمى بكبيرة: فإنه قد غلا، يعني: جاوز الحد الذي حد له في ذلك، فالغلو - إذا - هو: مجاوزة الحد.
والمقصود بـ " الغلو في الصالحين " الذي هو سبب كفر بني آدم، وتركهم، دينهم الذي أمروا به: أنهم تجاوزوا الحد الواجب في تعظيمهم حتى آل بهم الأمر إلى الشرك.
وقوله: " الصالحون ": يشمل كل من قام به هذا الوصف، من الأنبياء، والرسل، والأولياء، من أي أمة كانوا.
وأصل كلمة (الصالحين) أنها جمع (الصالح) . والصالح: هو اسم من قام به الصلاح، والصلاح في الكتاب والسنة تارة يكون بمعنى نفي الفساد أي: ما يقابل الفساد، وتارة يكون بمعنى ما يقابل السيئات، فيقال صالح بمعنى ليس بذي فساد، ويقال أيضا صالح بمعنى: ليس بسيئ.
والصالحون هنا المراد بهم.: أهل الصلاح يعني: أهل الطاعة والإخلاص لله - جل وعلا - الذين اجتنبوا الفساد واجتنبوا السيئات، وهم الذين اشتركوا في فعل الطاعات وترك المحرمات، أو كانوا من السابقين بالخيرات، فاسم الصالح يقع شرعا على المقتصد، وعلى السابق بالخيرات؛ فالمقتصد صالح، والسابق بالخيرات، صالح وكل درجات عند اله جل وعلا.
" والغلو في الصالحين " يعني: مجاوزة الحد فيهم، لكن ما الحد الذي أذن به الشرع في حق الصالحين، حتى نعلم متى يكون تعظيمهم مجاوزة للحد المعلوم؟ الجواب: أنهم إذا كانوا من الرسل: فبالأخذ بشرائعهم، واتباعهم،

(1/238)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والاقتداء بهم، مع المحبة، والاحترام، والموالاة، والنصرة، وغير ذلك من المعاني الداخلة في الحد المأذون به في حقهم. أما الغلو فيهم مجاوزة ذلك الحد، وهو بحر لا ساحل له، فمما حصل من الغلو فيهم أنهم جعلت فيهم خصائص الإلهية كما ادعاه في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أنه يعلم سر اللوح والقلم، وأنه من جوده الدنيا وضرتها كما قاله البوصيري في قصيدته المشهورة، المسماة بـ (البردة) :
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
ومن المعلوم: أن هذا لا يليق إلا بالله، فهذا من الغلو المنهي عنه، وكذلك قوله في النبي عليه الصلاة والسلام، غاليا فيه أعظم الغلو:
لو ناسبت قدره آياته عظما ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم
يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعط آية تناسب قدره، قال الشراح: حتى القرآن لا يناسب قدر النبي صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله. يقولون: والقرآن المتلو بخلاف غير المتلو عند الأشاعرة؛ لأنهم يفرقون بين هذا وهذا.
فهذا البوصيري يغلو ويقول: لو ناسبت قدره - يعني النبي عليه الصلاة والسلام - آياته عظما - يعني في العظمة - أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم، فالذي يناسب قدره، عند البوصيري أنه إذا ذكر اسمه على ميت قد درس، وذهب رميمه في الأرض، وذهبت عظامه أن تتجمع هذه العظام وتحيى، لأجل ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وهذا من أنواع الغلو الذي يحصل من الذين يعبدون غير الله - جل وعلا - ويتوجهون إلى الأنبياء والرسل، ويجعلون في حقهم من خصائص الألوهية ما لا إذن لهم به، بل هو من الشرك الأكبر

(1/239)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالله جل وعلا، ومن سوء الظن بالله، ومن تشبيه المخلوق بالخالق، وهذا كفر والعياذ بالله.
فالحد المأذون به شرعا في حقهم مطلوب، وهذه هي الحالة الأولى. والغلو مذموم شرعا، ومنهي عنه، وهذه هي الحالة الثانية، ويقابلها: الجفاء، في حقهم وهي الحالة الثالثة. وهذا الجفاء له صور منها: عدم موالاتهم، وبخسهم حقهم، وترك محبتهم، فالحاصل: أن كل تقصير في حقهم يعد جفاء، وكل زيادة فيه يعد غلو.
قوله: " وقول الله عز وجل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] مناسبته للباب ظاهرة، وهي: أنه تعالى نهى أهل الكتاب عن الغلو، فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] [النساء: 171] ، ووجه الاستدلال من الآية أنه قال: {لَا تَغْلُوا} [النساء: 171] و (تغلو) فعل جاء في سياق النهي فهو يعم جميع أنواع الغو في الدين، أي: لا تغلو بأي نوع من أنواع الغلو في الدين، أي لا تغلو بأي نوع من أنواع الغلو في الدين؛ فنهوا عن أي نوع من أنواع الغلو. فيدخل في هذا عموم الغلو في الصالحين وغيرهم.
والمتأمل لحال أهل الكتاب، ولما قص الله - جل وعلا - من أخبارهم: يجد أنهم قد غلوا في صالحيهم، كغلو النصارى - مثلا - في عيسى - عليه السلام - وفي أمه وفي حوارييه، وكغلو اليهود - أيضا - في عزير، وفي أصحاب موسى، وفي أحبارهم، وفي رهبانهم وهكذا. فحصل الغلو في أهل الكتاب بأن جعلوا للرسل والأنبياء خصائص الألوهية من جهة التوجه لهم، وقد قال الله

(1/240)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
جل وعلا: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 72 - 73] [المائدة: 72 - 73] ، وفي آخر سورة المائدة أيضا قال الله جل وعلا: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة: 116] يعني: تنزيها وتعظيما لك أن أقول لهم ذلك؛ لأن ذلك من الشرك، فكيف أقول لهم ذلك؟ ! {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 116 - 117] [المائدة: 116 - 117] ، وهذا كله في التوحيد. فالحاصل: أن الغلو وقع من أتباع الرسل، وأتباع الأنبياء في الأنبياء والرسل، وغلوا - أيضا - في الصالحين من أتباعهم، وجعلوا لهم بعض خصائص الإلهية، وجعلوا لهم الشفاعة، وزعموا أن لهم نصيبا من الملك، أو أنهم يدبرون الأمور، أو أنهم يصرفون شيئا من الملكوت، وهذا كما يعتقده بعض الصوفية: أن للكون أقطابا أربعة يدبرون أمر هذا العالم،

(1/241)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وربما قالوا: الربع الفلاني، المسؤول عنه: القطب الفلاني، والربع الفلاني، المسؤول عنه: القطب الفلاني، وهكذا. فجعل هؤلاء المتصوفة لأقطابهم المزعومين نصيبا من الملك والربوبية، وجعلوا لهم - أيضا - نصيبا من الإلهية؛ فتقربوا إليهم بأنواع القربات: من الذبح، والاستغاثة، والتذلل، والخضوع، والمحبة، والتوكل، والرغب، والرهب، وخوف السر، وغيرها من أنواع العبادات القلبية والعملية.
قوله: " وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 23 - 24] [نوح 23 - 24] .
قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم. . . . ": هذه القصة، أو هذا الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - محمول على الرفع؛ لأن هذا خبر غيبي لا يستقى إلا من مشكاة النبوة. و (ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا) هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح.
ونوح - عليه السلام - هو أول رسول بعثه الله بعبادة الله وحده دون من سواه، وبالدعوة إلى التوحيد، لما وقع في قومه. لكن كيف دخل الشرك في قوم نوح؟ الجواب: أن القرآن ذكر أصلين في الحالين، من أصول الشرك وذكر غيرهما أيضا: الأصل الأول: شرك قوم نوح، والأصل الثاني: شرك قوم إبراهيم.

(1/242)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأما شرك قوم نوح فكان بالغلو في الصالحين، وأرواحهم؛ فجاءهم الشيطان من جهة روح ذلك العبد الصالح، وأثر تلك الروح، وأن من تعلق به فإنه يشفع له، ثم ساقهم من ذلك التعظيم إلى أن صوروا لهم صورا، ونصبوا لهم أنصابا، وأوثانا، وأصناما حتى إذا طال عليهم الأمد عبدوهم.
الأصل الثاني: شرك قوم إبراهيم، وذلك شرك في التأثير، يعني: من جهة النظر في الكواكب ومن يؤثر ويحرك، فهذا شرك في الربوبية، وما تبعه من الشرك في الألوهية؛ لأنهم جعلوا لتلك الكواكب أصناما، وجعلوا لها صورا، وجعلوها أوثانا، فعبدوها من دون الله - جل وعلا - وتوجهوا إليها. فسبب وقوع الشرك في قوم نوح هو الغلو في الصالحين، كما قال ابن عباس هنا في بيان أصل وقوع هذا الشرك: " فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم عبدت.
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: " لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم ": الشاهد من هذا: أن أولئك توجهوا إلى الصور - صور الصالحين - وكانوا أهل علم يعلمون أنهم إذا اتخذوا هذه الصور فإنهم لن يعبدوها. لكن كانت تلك الصور للصالحين والمعظمين وسيلة وطريقا وسببا لأن عبدت في المستقبل، لما نسي العلم. ومن حرص الشيطان المريد على إضلال العبيد: أنه ربما أتى إلى الصورة المتعلق بها، فأوهم الناظر إليها، أو المخاطب لها. أنها تتحدث

(1/243)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وتتكلم، أو يسمع منها كلاما، أو نحو ذلك من الأشياء، وأصناف التصرفات التي تجعل القلوب تتعلق بتلك الروحانيات كما يقال، أو تلك الأرواح فيغري أولئك بهم، وهذا هو الحاصل عند عباد القبور، والعاكفين عليها؛ يأتي أحدهم، ويقول: ذهبت إلى القبر الفلاني، فكلمني أبي، ويكون ذلك شيطانا نطق على لسان أبيه، وربما تصور بصورة أبيه فخرج له في ظلام ونحوه، فيحدثه أبوه بصوته الذي يعرفه، أو يحدثه العالم، أو الوالي بصوته الذي يعرفه منه، فتقع الفتنة، وهذا من قبيل الشيطان؛ ولهذا قال ابن عباس هنا كلمة تبين السبب في ذلك؛ فقال: " أوحى الشيطان إلى قومهم " والوحي: إلقاء في خفاء، والشيطان لا يتحدث علنا، ولكن يوحي، يعني: يلقي في خفاء، فالوحي هو إلقاء الخبر في خفاء، فألقى الشيطان في روعهم وأنفسهم ذلك الأمر: فكان سببا للشرك بالله - جل وعلا - ولم يكونوا في أول الأمر يعبدونها، لكنهم لما صوروا صور أولئك الصالحين، ونصبوا لهم الأنصاب: كان ذلك سببا ووسيلة إلى عبادتهم، لكن أولئك الذين جعلوها وسائل، كان عندهم من العلم ما حجزهم عن عبادة الصالحين، لكن لما نسي العلم عبدت.
وهذا الفعل الذي فعلوه بإيحاء الشيطان هو من الغلو في أولئك الصالحين. وهذا وجه الشاهد، وهو أنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، أو صوروا صورهم، أو نصبوا الأنصاب في أماكنهم ليتذكروهم، وليكون ذلك أنشط لهم في العبادة أو العلم، ولكن هذه الأفعال التي فعلوها، كانت سببا من أسباب عبادة أولئك الصالحين، الذين غلوا في حبهم. وهذا هو مراد الشيخ - رحمه الله - من إيراد هذا الأثر.

(1/244)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
" وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» (1) هذا الحديث فيه: النهي عن إطرائه عليه الصلاة والسلام، والإطراء هو: مجاوزة الحد - أيضا - في المدح، أما الغلو فهو يعم أمور كثيرة؛ فقد يكون في المدح، وقد يكون في الذم، وقد يكون في الفهم، وقد يكون في العلم، وقد يكون في العمل، أما الإطراء فهو: الغلو في المدح، والثناء والوصف. والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إطرائه كإطراء النصارى ابن مريم، فقال: «إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» .
وقد ظن بعض الناس أن (الكاف) في قوله «كما أطرت النصارى ابن مريم» أنها كاف المثلية؛ يعني: لا تطروني بمثل ما أطرت النصارى ابن مريم، ويقول هذا الظان: إن النصارى أطرت ابن مريم في شيء وحد، وهو أن قالوا: هو ابن الله جل وعلا، فيكون النهي عن أن تجعل له صلى الله عليه وسلم رتبة النبوة فقط، فإذا كان كذلك فما عداه جائز. وهذا هو فهم الخرافيين لهذا النهي؛ كما قال قائلهم البوصيري في هذا المقام:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت فيه واحتكم
أو كما قال، يعني: لا تقل: إنه ولد لله، أو إنه ابن لله، فهذا هو القدر المنهي عنه فقط، ولك أن تقول فيه بعد ذلك ما شئت غير ملوم وغير مثرب عليك.
الوجه الثاني وهو الفهم الصحيح، وهو الذي يدل عليه السياق: أن (الكاف) هنا هي كاف القياس، والمعنى: لا تطروني إطراء، كما أطرت النصارى ابن مريم.
_________
(1) أخرجه البخاري (3445) والدارمي (2787) وأحمد (3029) وتقدم الحديث.

(1/245)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وكاف القياس هي كاف التمثيل الناقص، وحقيقتها: أن يكون هناك شبه بين ما بعدها وما قبلها في أصل الفعل، فنهى صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تطروني كما أطرت» عن أن يطري عليه الصلاة والسلام كما حصل أن النصارى أطرت ابن مريم فهو تمثيل للحدث بالحدث، لا تمثيل أو نهي عن نوع الإطراء، فمعنى قوله: «لا تطروني كما أطرت» هو نهي عن إطرائه عليه الصلاة والسلام؛ لأجل أن النصارى أطرت ابن مريم، فقادهم ذلك إلى الكفر، والشرك بالله، وادعاء أنه ولد لله جل وعلا ولهذا قال: «إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» .
فالكاف هنا ليست كاف التمثيل الكامل؛ بأن يكون ما بعدها مماثلا لما قبلها من كل وجه، وإنما هي كاف التمثيل الذي يكون ما بعده مشتركا مع ما قبله في المعنى، وهي القياسية التي تجمعها العلة؛ ولهذا قال العلماء كما هو معلوم: هذا كهذا، فيقولون مثلا: نبيذ غير التمر والعنب، كنبيذ التمر والعنب، مساواة بين هذا وهذا، لوجود أصل المعنى بينهما، وهنا نهي عن الإطراء، لأجل وجود أصل الإطراء، في الاشتراك بين إطراء النصارى وما سببه من الشرك، وإطراء ما لو أطري النبي صلى الله عليه وسلم وما سيسببه من الشرك.
وكثير من طوائف هذه الأمة خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن إطرائه حتى جاوزوا الحد في ذلك، فزعم زاعمهم أن له من الملك نصيبا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. مع أنه صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى ما ينبغي أن يكون عليه الأمر بقوله: «إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» وهذا هو الكمال في حقه عليه الصلاة والسلام: أن يكون عبدا رسولا، فهذا أشرف مقاماته عليه الصلاة والسلام.

(1/246)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» : هذا نهي عن الغلو بأنواعه، وأن من قبلنا إنما أهلكهم الغلو؛ أهلكهم من جهة الدين، وأهلكهم - أيضا - من جهة الدنيا، فالغلو سبب لكل شر، والاقتصاد سبب في كل فلاح وخير، والغلو منهي عنه بجميع صوره، في الأقوال والأعمال يعني: في جميع أقوال القلب وأعماله، وكذلك أقوال اللسان وأعمال الجوارح، فالغلو سبب لهلاك العبد في دينه ودنياه.
قوله: " ولمسلم: عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون» يعني: هلك الذين تنطعوا فيما يأتون به في أفعالهم، أو أقوالهم، وهم الذين جاوزوا الحد في ذلك، وابتغوا علم شيء أو تكلفوا شيئا، لم يأذن به الله؛ فزادوا عما أذن لهم، وابتغوا علم شيء أو تكلفوا شيئا، لم يأذن به الله؛ فزادوا عما أذن لهم، فأتوا بأشياء، لم يؤذن لهم فيها. والتنطع، والإطراء، والغلو، متقاربة المعنى يجمعها مجاوزة الحد المشروع، والغلو يشمل الإطراء، ويشمل التنطع؛ فكل تنطع، وكل إطراء: غلو، والغلو اسم جامع لهذه جميعا، فالشيخ - رحمه الله - في هذا الباب - بين أن سبب كفر بني آدم، وسبب تركهم دينهم: هو الغلو في الصالحين، بأن جاوزوا الحد فيهم، كما جاوز قوم نوح الحد في صالحيهم، فعكفوا على قبورهم، وألهوها، فصارت آلهة، والنصارى غلت في رسولهم عيسى عليه السلام، وفي الحواريين، وفي البطارقة، حتى جعلوهم آلهة مع الله - جل وعلا - يستغيثون بهم، ويؤلهونهم، ويسألونهم ويعبدونهم، وكذلك وقع الغلو في هذه الأمة من الذين جعلوا للنبي عليه الصلاة والسلام نصيبا من

(1/247)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
خصائص الألوهية، وهذا هو عين ما نهى عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» .

في هذا الباب مع الأبواب بعده بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على هذه الأمة، وأنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، ومن تمام حرصه على الأمة أن حذرهم كل وسيلة تصل بهم إلى الشرك، وسد جميع الذرائع الموصلة إلى ذلك، وغلظ في ذلك، وشدد فيه، وأبدى وأعاد، حتى إنه بين ذلك؛ خشية أن يفوت تأكيده، وهو يعاني سكرات الموت عليه الصلاة والسلام.
فهذه الأبواب في بيان وسائل الشرك الأكبر، وما ينبغي سده ومنعه من الذرائع الموصلة إليه؛ رعاية وحماية للتوحيد؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - غلظ على من يفعلون شيئا من تلك الوسائل، أو الذرائع الموصلة إلى الشرك.
وهذا الباب في بيان أحد الوسائل الموصلة إلى الشرك، والذرائع التي يجب منعها.
قوله - رحمه الله: " باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح ". صورة ذلك: أن يأتي آت إلى قبر رجل صالح، يعلم صلاحه - كأن يكون من الأنبياء والمرسلين، أو أن يكون من صالحي هذه الأمة، أو صالحي أمة غير هذه الأمة - فيتحرى ذلك المكان؛ كي يعبد الله وحده دون ما سواه؛ رجاء بركة هذه البقعة.
وقد راج هذا الأمر عند الكثيرين من الناس، والدهماء، حيث اعتقدوا أن ما حول قبور الأنبياء والصالحين من الأمكنة والبقاع مبارك، وأن العبادة عندها ليست كالعبادة عند غيرها. والنبي عليه الصلاة والسلام غلظ في ذلك

(1/248)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]