[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب قول الله تعالى أَيُشْرِكَونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. . .]
باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ - وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 191 - 192] وقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13 - 14] [فاطر: 13 - 14] .
وفي الصحيح (1) عن أنس - رضي الله عنه - قال: «شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم " فنزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] » [آل عمران: 128] ، وفيه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: " اللهم العن فلانا وفلانا " بعدما يقول: " سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد " فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] » (2) . وفي رواية " يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) علقه البخاري، ووصله أحمد في "المسند" 3 / 99 و 178 و 206 والترمذي (2005) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(2) أخرجه البخاري (4009) و (4070) و (4559) و (7346) .

(1/191)


والحارث بن هشام، فنزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] (1) "، وفيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] فقال: " يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، ويا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا» (2) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين.
الثانية: قصة أحد.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء، يؤمنون في الصلاة.
الرابعة: المدعو عليهم كفار.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار؛ منها: شجهم نبيهم وحرصهم على قتله. ومنها: التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه البخاري (4070) معلقا، ووصله الترمذي (3007) وأحمد 2 / 93 وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(2) أخرجه البخاري (2753) و (3527) و (4771) .

(1/192)


السابعة: قوله {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} [آل عمران: 128] فتاب عليهم فآمنوا.
الثامنة: القنوت في النوازل.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
الحادية عشرة: قصته صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]
الثانية عشرة: جده صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: «لا أغني عنكم من الله شيئا» ، حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» ؛ فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين له التوحيد وغربة الدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/193)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
إلهيته هو: ما ركز في الفطر من أنه - جل وعلا - واحد في ربوبيته، وقد أقر بهذا، وسلم به المشركون، بل كل أحد على الإقرار بهذا، والاعتراف به؛ فهي البرهان على أن المستحق للعبادة هو: من توحد في الربوبية، فهذا الباب، والباب الذي بعده أيضا: برهان لاستحقاق الله العبادة وحده دون ما سواه بدليل فطري، ودليل واقعي، ودليل عقلي.
ومن المعلوم أن الأدلة العقلية عندنا - أهل السنة والجماعة - تؤخذ من الكتاب والسنة؛ لأن في الكتاب والسنة من الأدلة العقلية ما يغني عن تكلف أدلة عقلية أخرى كما هو ظاهر لمن تأمل نصوص الوحيين.
فهذا الباب فيه بيان أن الذي يخلق هو الله وحده، والذي يرزق هو الله وحده، والذي يملك هو الله وحده، وأن غير الله - جل وعلا - ليس له نصيب من الخلق، وليس له نصيب من الرزق، وليس له نصيب من الإحياء، وليس له نصيب من الإماتة، وليس له نصيب من الأمر، وليس له ملك حقيقي في أمر من الأمور حتى أعلى الخلق مقاما، وهو النبي - عليه الصلاة والسلام - قال له الله جل وعلا: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] [آل عمران: 128] يعني: لست مالكا لشيء من الأمر، وليس من الأمر شيء تملكه، فـ (اللام) هنا لام الملك. فمن الذي يملك إذا؟ ! الذي يملك هو: الله جل وعلا. فإذا كان النبي - عليه الصلاة والسلام - ينفى عنه ذلك الأمر فإنه منفي عمن هو دونه من باب أولى.
والمتوجهون إلى أصحاب القبور أو إلى الصالحين والأولياء والأنبياء يعتقدون بأن هؤلاء المتوجه إليهم يملكون شيئا من الرزق، أو التوسط أو

(1/194)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشفاعة بدون إذن الله - جل وعلا - ومشيئته. فهذا الباب - إذا - هو أحد الأبواب التي فيها البرهان على استحقاق الله للعبادة وحده دون ما سواه.
والقرآن فيه كثير من الأدلة والبراهين على أن المستحق للعبادة هو الله - جل وعلا - وحده دون ما سواه؛ فمن تلك الأدلة والبراهين: ما في القرآن من أدلة فيها إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، فكل ذلك النوع من الأدلة: فيه دليل على أن المستحق للعبادة هو من أقررتم له بالربوبية. ومن الأدلة والبراهين على ذلك - أيضا - ما جاء في القرآن: من نصر الله - عز وجل - رسله وأولياءه على أعدائهم، من طوائف الشرك، وكيف أنهم ذلوا وخضعوا وغلبوا أمام طوائف أهل الإيمان وجند الله - جل وعلا - من الرسل والأنبياء وأتباعهم، فهذا نوع آخر من الأدلة، وهو أنه ما من طائفة موحدة بعث الله - جل وعلا - إمامها ورسولها بقتال المشركين إلا نصرها، وأظفرها، حتى صارت العاقبة لهم. وأدلة هذا في القرآن كثيرة، نقرؤها في: قصص الأنبياء، وقصص القرى، وما جاء في بيان عاقبة الأمم والقرى المخالفين لرسلهم، فهذا دليل على أن التوحيد هو الحق وأن الشرك باطل. ومن الأدلة والبراهين على تقرير استحقاق الله تعالى للعبادة دون من سواه: ما تضمنه القرآن من بيان ضعف المخلوق، الذي يعلم هذا، ويلمسه بنفسه؛ وكيف أنه جاء إلى الحياة بغير اختياره، بل الله - جل وعلا - الذي أتى به إلى هذه الحياة وسيخرجه منها بغير اختياره أيضا. مما يدل على أنه مقهور، وهو يعلم - قطعا - أن الذي قهره وأذله وجعله على هذه الحالة ليست هي تلك الآلهة، وإنما هو الله - جل وعلا - وحده هو الذي يحيي ويميت، وهذا إقرار عام، يعلمه كل أحد من فطرته.

(1/195)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ومن الأدلة والبراهين أيضا: أن الله - جل وعلا - له الأسماء الحسنى، وله الصفات العلى، وأنه ذو النعوت الكاملة، وذو النعوت الجليلة، فنعوت الجلال، والجمال والكمال له سبحانه، وهو سبحانه له الكمال المطلق في كل اسم له، وفي كل نعت ووصف له، فله الكمال المطلق، الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه.
فهذا الباب ذكر فيه الشيخ - رحمه الله - أحد أنواع أدلة الربوبية، أو براهين التوحيد، وأنه - جل وعلا - هو الواحد في ربوبيته، والباب الذي يلي هو باب قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] [سبأ: 23] ، وفيه دليل على عظمة الله - جل وعلا - في صفاته، ففي هذا الكتاب تنويع براهين توحيد العبادة بأدلة متنوعة من القرآن - كما سيأتي - إن شاء الله تعالى.
باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ - وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 191 - 192] [الأعراف: 191- 192] .
وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] [فاطر: 13] .
ذكرنا أن هذا الباب مع الباب الذي يليه من كتاب التوحيد هما برهان للتوحيد، وبرهان لاستحقاق الله - جل وعلا - العبادة وحده، وحجة دامغة على بطلان عبادة ما سواه، وهذا البرهان هو: تقرير أن الله - جل وعلا - واحد في ربوبيته، ودليل ذلك: الفطرة، والعقل، والنص من الكتاب والسنة، فلا أحد ينكر أن الله - جل وعلا - هو مالك الملك، وهو الذي بيده تصريف

(1/196)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الأمر كما يشاء إلا شرذمة قليلة من الناس - كما قال الشهرستاني وغيره: لا يصح أن تنسب لهم مقالة.
فالناس مفطورون على الإقرار بالرب، وعلى الإقرار بأنهم مخلوقون، وإذا كان كذلك: فإن الحجة عليهم قائمة بوجوب إقرارهم بتوحيد الإلهية؛ لما جعل الله في فطرهم من الإقرار بتوحيد الله في ربوبيته؛ ولهذا: لم يكن المشركون ينكرون توحيد الربوبية، بل كانوا يعترفون أنه تعالى: الرزاق وحده، وأنه الخلاق وحده، وأنه - جل وعلا - هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو الذي ينبت النبات، وهو الذي ينزل الماء، إلى آخر إفراد تدبيره - جل وعلا - للأمر، وإفراد توحيد الربوبية.
فالبرهان على أن الله هو المستحق للعبادة وحده: أنه - جل وعلا - هو مالك الملك وحده، وهو المتفرد بتدبير هذا الملكوت، وهو الذي خلق العباد، والعباد صائرون إليه، أما الآلهة التي توجه إليها العباد بالعبادة من الأنبياء، أو الأولياء، أو الملائكة، فإنما هم: مخلوقون مربوبون، لا يخلقون شيئا، وهم يخلقون، وأيضا: لا يستطيعون نصرا لمن سألهم، وإنما ذلك كله لله - جل وعلا - فإذا كان أولئك المدعوون ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم من الملك شيء، وليس لهم من الخلق شيء، وليس لهم من تدبير الأمر شيء، وإنما تدبير أمر السماوات، وتدبير أمر الأرض بيد الله وحده دون ما سواه، فإن الذي يستحق العبادة وحده، هو الذي يفعل تلك الأفعال، وهو الذي يتصف بتلك الصفات، وهو الذي وحده العباد في ربوبيته؛ فإذا كان كذلك: فيجب أن يوحدوه بأفعالهم؛ وألا يتوجهوا بالعبادة إلا إليه وحده.

(1/197)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا النوع من الحجاج والاستدلال كثير في القرآن جدا؛ فإنك تجد في القرآن أن أعظم الأدلة والبراهين على المشركين في تقريره إبطال عبادتهم لغير الله، وفي إحقاق عبادة الله وحده دون ما سواه: أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، والإقرار بتوحيد الربوبية: برهان توحيد الإلهية. فالله - جل وعلا - احتج في القرآن على المشركين بما أقروا به من توحيد الربوبية، على ما أنكروه من توحيد الإلهية؛ ولهذا قال جل وعلا: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] [يونس: 31] يعني: أتقرون بذلك، فلا تتقون الشرك؟ وقد ذكرت أن (الفاء) إذا أتت بعد الهمزة فهي تعطف ما بعدها على جملة محذوفة قبلها دل عليها السياق، فقوله: {أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] يعني: أتقرون بأن الله واحد في ربوبيته، فلا تتقون الشرك به؟ !! {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ} [يونس: 32] باعترافكم وبإيقانكم {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32] [يونس: 32] ، فهذا النوع من الاحتجاج وهو الاحتجاج عليهم بما أقروا به - وهو توحيد الربوبية - على ما أنكروه - وهو توحيد الإلهية - في القرآن كثير، كالآيات العظيمة في سورة النمل في قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ - أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 59 - 60] [النمل: 59- 60]

(1/198)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فقوله تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 60] هنا: إنكار عليهم، بسبب أنهم فيما سبق يقرون له بخلق السماوات والأرض، وغيرها من الأمور الوارد ذكرها في الآيات، فإذا كانوا يقرون بأن الذي خلقها هو الله، فكيف - إذا - يتخذون إلها مع الله؟ ! فهذا سبب الإنكار عليهم؛ لأن الذي أنزل لهم من السماء ماء فأنبت لهم به حدائق ذات بهجة هو الله، فكيف يتخذون إلها معه؟ ولهذا قال جل وعلا: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 60] فهذا إنكار عليهم. وقوله {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] يعني: يعدلون بالله غيره، أو يعدلون غير الله - جل وعلا - به، يعني: يساوون هذا بهذا، أو يعدلون، يعني: يصرفون عن الحق، وينصرفون عنه إلى غيره، فكيف يعدلون عن الحق إلى غيره؟ أو كيف يعدلون بالله غيره من الآلهة؟ !! وهكذا الآية التي بعدها وهي قوله: {أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا} [النمل: 61] وجواب المشركين على هذا السؤال في قوله: {أَمَّنْ} [النمل: 61] هو: الله؛ فقد كانوا مقرين بأنه المتفرد بهذه الأمور، قال جل وعلا {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النمل: 61] ثم قال جل وعلا {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62]

(1/199)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا رجوع من الآيات التي في الآفاق، وفيما حولهم إلى الشيء الذي يعلمونه علم اليقين وهو أن فاعل تلك الأشياء المتقدم ذكرها في الآيات، وما سيأتي - أيضا: هو الله تعالى، ثم قال سبحانه: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] ثم قال جل وعلا: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ - أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 63 - 64] [النمل: 63 - 64] ، وفي الحقيقة: أنه لا برهان لهم؛ قال - جل وعلا - في سورة المؤمنون: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون: 117] ومعنى قوله: {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] أي: أن كل إله متخذ من دون الله فإنه لا حجة قائمة على أنه إله، وإنما اتخذه البشر بالطغيان وبالظلم؛ ولهذا قال متوعدا إياهم، ومبينا فداحة خسارتهم: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] [المؤمنون: 117] ، فهذا الباب قائم على هذه الحجة؛ ولهذا فإن من أعظم الحجة على المشركين الذين توجهوا إلى الأموات، والمقبورين

(1/200)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بطلب تفريج الكربات، وطلب إغاثة اللهفان، وطلب إنجاح الحاجات، وسؤال ما يحتاجه الناس، إن من أعظم الحجة عليهم أن تحتج عليهم بتوحيد الربوبية على ما ينكرونه من توحيد الإلهية، وقد زاد شرك المشركين في هذه الأزمنة، على شرك مشركي الجاهلية - كما قال الشيخ - رحمه الله - في القواعد الأربعة فنسبوا إليهم شيئا من الربوبية، فهم لم يجعلوا توحيد الربوبية - أيضا - خالصا.
وهذا نوع من البراهين عظيم، ينبغي أن تتوسع في دلائله، وأن تعلم حجته من القرآن؛ لأن القرآن كثيرا ما يحتج بهذا البرهان - وهو توحيد الربوبية - على ما ينكره المشركون من توحيد الإلهية.
ومن ذلك ما ساقه الشيخ - رحمه الله - في هذا الباب وهو قوله: " باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] فهذا إنكار وتوبيخ لهم، كيف يشركون الذي لا يخلق شيئا وهم يخلقون؟ مع أن خالقهم هو الله - عز وجل، بل هو الذي خلق من عبد، وهو الذي خلق العابد أيضا، فالذي يستحق العبادة وحده دون وما سواه إنما هو الله ذو الجلال والإكرام.
ثم بين حقيقة هذه الآلهة وعجزها فقال: {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} [الأعراف: 192] [الأعراف: 191 - 192] : لأن النصر في الحقيقة، إنما هو من عند الله - جل وعلا، ولو أراد الله أن يمنع نصر الناصر لمنعه.

(1/201)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} [فاطر: 13 - 14] [فاطر: 13 - 14] الآيات، وموطن الشاهد من هذه الآيات قوله: {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} [فاطر: 13] فحتى هذا القطمير وهو غلاف النواة أو الحبل الواصل من أعلى النواة إلى ظاهر الثمرة لا يملكونه.
فغيره مما هو أعلى منه من باب أولى وأولى، وإذا كانوا لا يملكون هذا الشيء الحقير، وهو مما لا يحتاجه الناس، ولا يطلبونه، فكيف إذا يطلبون منهم أشياء لا يملكونها وقوله - جل وعلا - هنا: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} [فاطر: 13] (الذين) هذا اسم موصول، يعم كل من دعي من دون الله من الملائكة، أو الأنبياء والرسل، أو الصالحين من الأموات أو الطالحين، أو الجن أو الأصنام، أو الأشجار، أو الأحجار، فكل من دعي وما دعي فإنه لا يملك ولو قطميرا، فإذا كانوا لا يملكون هذا الشيء مع حقارته، فلم يسألون؟ ! فالواجب أن يتوجه بالسؤال لمن يملك ذلك.
ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - بعد ذلك عدة أحاديث في هذا الباب، وهذه الأحاديث مدارها على بيان قول الله - جل وعلا: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث، وإيراد هذه الآية هنا: أن النفي توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم.

(1/202)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فقوله: {لَيْسَ لَكَ} [آل عمران: 128] أي: يا محمد {مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] واللام في قوله: (لك) هي لام الاستحقاق، أو لام الملك، يعني: لا تستحق شيئا، أو لا تملك شيئا، يعني: لا تستحقه بذاتك، وإنما بما أمر الله - جل وعلا - وبما أذن به، فتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته فرع عن محبة الله، وتعظيمه جل وعلا، فليس له صلى الله عليه وسلم وراء ذلك شيء إلا ما أذن به؛ كما قال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] ولو كان له عليه الصلاة والسلام من الأمر شيء لنصر نفسه وأصحابه يوم أحد، ولكن حصل في يوم أحد ما حصل، فأنزل الله قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]
وكذلك الحديث الآخر: لما لعن النبي صلى الله عليه وسلم في قُنُوتُ الْفَجْرِ فُلَانا وَفُلَانًا مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ آذُوا الْمُؤمنين أنزل الله قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] (1) يعني: لست تملك شيئا من الأمر. وهكذا الحديث الذي بعده.
وهذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك شيئا من ملكوت الله. وهو عليه الصلاة والسلام قد بلغ ذلك وبينه، فمن هم دونه عليه الصلاة والسلام منفي عنه هذا الأمر من باب أولى، فالملائكة، والأنبياء والصالحون من أتباع الرسل وأتباعه عليه الصلاة والسلام: أولى بأن ينفى عنهم ذلك، فإذا كان
_________
(1) تقدم.

(1/203)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
كذلك بطلت كل التوجهات إلى غير الله - جل وعلا - ووجب أن يتوجه بالعبادات، وأنواع التوجهات من: دعاء، واستغاثة، واستعاذة، وذبح، ونذر، وغير ذلك: إلى الحق -جل وعلا - وحده دون ما سواه.
ثم ذكر الحديث الأخير في الباب، وهو: أنه لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا» ، وهذا ظاهر في أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن ينفع أحدا من أقربائه إلا بما جعله الله له من الرسالة، وأداء الأمانة، وأما أنه يغني عنهم من الله شيئا، ويدفع عنهم العذاب؛ أو النكال، أو العقوبة: فالله - جل وعلا - لم يجعل لأحد من خلقه من ملكوته شيئا، وإنما هو سبحانه المتفرد بالملكوت والجبروت، والمتفرد بالكمال والجمال والجلال.

مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد - كما ذكرنا سابقا -: أن فيه برهانا على أن المستحق للعبادة هو الله جل جلاله؛ لأنه هو المتصف بصفات الكمال والجلال.
وهذا الباب فيه ذكر لصفات الجلال لله - جل وعلا؛ إذ كل من في السماوات والأرض خائف منه، ووجل؛ لأنه - سبحانه - الجليل؛ ولذلك كان أعرف عمار السماء به هم الملائكة الذين قال الله تعالى في وصفهم: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] وقال - جل وعلا

(1/204)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]