[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره]
" باب من الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره " وقول الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ - وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 106 - 107] [يونس: 106، 107] وقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 17] [العنكبوت: 17] .
وقول الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ - وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5 - 6] [الأحقاف: 5 - 6] .
وقول الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} [النمل: 62] [النمل: 62] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/175)


وروى الطبراني بإسناده: أنه «كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه لا يُستغاث بي إنما يُستغاث بالله» (1) .
فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
الثانية: تفسير قوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} [يونس: 106]
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر.
الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره؛ صار من الظالمين.
الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.
السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا.
السابعة: تفسير الآية الثالثة.
الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله كما أن الجنة لا تطلب إلا منه.
التاسعة: تفسير الآية الرابعة.
العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله.
الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي، لا يدري عنه.
الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " 10 / 159: ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث ".

(1/176)


الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة.
الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس.
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.
السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين.
الثامنة عشرة: حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حِمَى التوحيد، والتأدب مع الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/177)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: " أو يدعو غيره ": هذا لفظ عام يشمل الاستغاثة، والاستعاذة، ويشمل أصنافا من أنواع الدعاء.
قوله: " أن يستغيث ": الاستغاثة: هي طلب الغوث، والغوث يحصل لمن وقع في شدة وكرب يخشى معه المضرة الشديدة، أو الهلاك؛ فيقال: أغاثه: إذا فزع إليه، وأعانه على كشف ما به، وخلصه منه؛ كما قال - جل وعلا - في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] [القصص: 15] فقوله: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ} [القصص: 15] [القصص: 15] يعني: أن مَن كان مِن شيعة موسى طلب الغوث من موسى على من كان عدوا لهما جميعا، فأغاثه موسى عليه السلام.
فالاستغاثة: طلب الغوث؛ وطلب الغوث لا يصلح إلا من الله فيما لا يقدر عليه إلا الله - جل جلاله -؛ لأن الاستغاثة يمكن أن تُطلب من المخلوق فيما يقدر عليه.
لكن متى تكون الاستغاثة بغير الله شركا أكبر؟ ضبطه بعض أهل العلم بقولهم: تكون شركا أكبر، إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه ذلك المخلوق.
وقال آخرون: تكون شركا أكبر، إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهاتان العبارتان مختلفتان. والأصح منهما الأخيرة؛ لأن المرء إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ وهو يعلم أن هذا لا يقدر عليه إلا الله: فهذا شرك أكبر بالله - جل وعلا - لأن حقيقة الأمر: أنه لا يقدر عليه إلا الله.

(1/178)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أما قول من قال من أهل العلم: إن الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، فإن هذا يَرِد عليه: أن ثمت أشياء قد يكون المخلوق في ظاهر الأمر قادرا عليها، ولكنه في الحقيقة لا يقدر عليها، لكن هذا الضابط غير منضبط؛ لأن من وقع في شدة - كغرق مثلا - وتوجه لرجل يراه بأن يغيثه فقال مخاطبا إياه: أستغيث بك، أستغيث بك، أستغيث بك وذاك لا يحسن السباحة ولا يحسن الإنجاء من الغرق، فهذا يكون قد استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، فهل يكون شركا أكبر؟ لا يكون منه؟ لأن الإغاثة من الغرق ونحوه، يصلح - في الغالب - أن يكون المخلوق قادرا عليها فيكون الضابط الثاني هو الصحيح، وهو أن يقال: الاستغاثة بغير الله شرك أكبر إذا كان قد استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما إذا استغاث به فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين، لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء المعيّن: فإنه لا يكون شركا؛ لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئا لا يصلح إلا لله - جل جلاله -.
فالاستغاثة بغير الله إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهي: شرك أكبر، وإذا كانت فيما يقدر عليه المخلوق، فهي جائزة؛ كما حصل من صاحب موسى، إذ استغاث بموسى عليه السلام.
قوله: (أو يدعو غيره) : الدعاء - كما ذكرت لك - هو العبادة، والدعاء نوعان:
دعاء مسألة، ودعاء عبادة، ونعني بدعاء المسألة: ما كان فيه طلب وسؤال؛ كأن يرفع يديه لله - جل وعلا - ويدعوه، فهذا يسمى دعاء مسألة.

(1/179)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهو الذي يغلب عند عامة المسلمين في تسمية الدعاء، فإذا قيل: دعا فلان؛ يعني سأل ربه - جل وعلا -.
والنوع الثاني: دعاء العبادة كما قال جل وعلا: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] [الجن: 18] يعني: لا تعبدوا مع الله أحدا، أو لا تسألوا مع الله أحدا، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» . ودعاء المسألة، غير دعاء العبادة، فدعاء العبادة يتناول كل صنف من أصناف العبادة؛ فمن صلى، أو زكى، أو صام، ونحو ذلك فيقال: إنه دعا، لكن دعاء عبادة.
قال العلماء: دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، يعني: أن من سأل الله - جل وعلا - شيئا: فهو داع دعاء مسألة، وهذا متضمن لعبادة الله؛ لأن الدعاء أعني: دعاء المسألة: أحد أنواع العبادة، فدعاء المسألة متضمن للعبادة؛ لأن الله - جل وعلا - يحب من عباده أن يسألوه.
وقولنا: إن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، يعني: أن من صلى، فيلزم من إنشائه الصلاة أن يسأل الله القبول، ويسأل الله الثواب. فيكون دعاء المسألة متضمنا لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزما لدعاء المسألة.
إذا تقرر ذلك: فاعلم أن هذا التفصيل أو هذا التقسيم: مهم جدا في فهم حجج القرآن، وفي فهم الحجج التي يوردها أهل العلم؛ لأنه قد حصل من الخرافيين والداعين إلى الشرك: أنهم يؤولون الآية التي فيها دعاء العبادة، بدعاء المسألة، أو الآية التي في دعاء المسألة، بدعاء العبادة، وإذا تبين ذلك

(1/180)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عُلم أنه لا انفكاك في الحقيقة بين دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فهذا هو ذاك: إما بالتضمن أو باللزوم. ومعلوم أن دلالات التضمن واللزوم دلالات لغوية واضحة جاءت في القرآن، وجاءت في السنة.
ثم ساق الشيخ - رحمه الله - بعض الأدلة على أن الدعاء والاستغاثة إنما يتوجه بهما إلى الله وحده فيما لا يقدر عليه إلا الله.
قال: (وقول الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ - وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 106 - 107] [يونس: 106 - 107] .
قال في أول الآية: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} [يونس: 106] فقوله: {وَلَا تَدْعُ} [يونس: 106] هذا نهي، والنهي هنا قد توجه إلى الفعل (تدع) وإذا كان كذلك: فإنه يعم أنواع الدعاء، وسبق القول بأن الدعاء منه: دعاء مسألة، ومنه دعاء عبادة؛ والقاعدة: أن النكرة إذا جاءت في سياق النهي، أو في سياق النفي، أو في سياق الشرط: فإنها تعم؛ و (تدع) نكرة؛ لأنه فعل مشتمل على مصدر؛ والمصدر حَدَثٌ نكرة؛ فهو يعم نوعي الدعاء. وهذا مراد الشيخ - أو أحد مراداته - من الاستدلال بهذه الآية، فقد نهى الله - جل وعلا - أن يُتوجه لغير الله بدعاء المسألة، أو بدعاء العبادة، أو بأي نوع من أنواع العبادات؛ فلا يصلح طلب ما يقدر عليه إلا الله: إلا منه جل وعلا،

(1/181)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ويدخل في ذلك الاستعاذة، والاستغاثة التي هي: طلب الغوث، وكذلك دعاء العبادة بأنواعه: كالصلاة، والزكاة، والتسبيح، والتهليل، والسجود، وتلاوة القرآن، والذبح، والنذر، وكذلك: أعمال القلوب، كالتوكل، والمحبة التي هي عبادة والرجاء الذي هو عبادة وخوف السر. فهذه العبادات كلها لا تصلح إلا لله. وهي من أنواع دعاء العبادة.
فهذه الآية دلت على النهي عن أن يتوجه أحد إلى غير الله - جل وعلا - بدعاء مسألة، أو بدعاء عبادة وقد نُهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أعظم النهي، ووجه إليه الخطاب بذلك، مع أنه إمام المتقين، وإمام الموحدين.
وقوله: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} [يونس: 106] يعني: مع الله، أو: من دون الله استقلالا.
وقوله: {مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} [يونس: 106] يعني: الذي لا ينفعك ولا يضرك، و (ما) تشمل العقلاء، فالعقلاء: كالملائكة، والأنبياء، والرسل، والصالحين. وغير العقلاء: كالأصنام، والأحجار، والأشجار، هذا من جهة الدلالة اللغوية لـ (ما) .
وقوله تعالى لنبيه: {فَإِنْ فَعَلْتَ} [يونس: 106] يعني: إن دعوت من دون الله أحدا؛ وذلك الأحد موصوف بأنه: لا ينفعك، ولا يضرك {فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106] وهذا إذا كان في حق النبي عليه الصلاة والسلام الذي كمل الله له التوحيد أنه إذا حصل منه الشرك: فإنه يصبح ظالما، ويصبح مشركا وحاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك: فهو تخويف عظيم لمن هو دونه ممن لم يُعصم، ولم يُعط العصمة من ذلك، من باب أولى.

(1/182)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فقوله: {فَإِنْ فَعَلْتَ} [يونس: 106] يعني: إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك: {فَإِنَّكَ إِذًا} [يونس: 106] يعني: بسبب الدعوة {مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106] والظالمون جمع تصحيح للظالم، والظالم: اسم فاعل الظلم، والظلم: المراد به هنا: الشرك كما قال جل وعلا: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]
ثم قال: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} [يونس: 107] اعلم أن غرض من يلجأ إلى غير الله، أو يستغيث، أو يستعيذ بغيره: إنما هو طلب كشف الضر. وقد أبطل الله تعالى هذا التعلق الشرعي بقاعدة عامة تقطع عروق الشرك من القلب؛ حيث قال: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} [يونس: 107] يعني: إذا مسك الله بضر فمن يكشف الضر؟؟ الجواب: يكشفه من قدره، ومن قضاه عليك، وهكذا كل أنواع التوجه لغير الله - جل وعلا -، أيا كانت. ولكن ما دام أنه أذن بالتوجه إلى المخلوق فيما يقدر عليه، كالتوجه إليه بطلب الغوث، أو نحو ذلك: فإنه يكون مما رخص فيه، والحمد لله.
وقوله في هذه الآية: {بِضُرٍّ} [يونس: 107] نكرة جاءت في سياق الشرط فتعم جميع أنواع الضر: سواء أكان ضرا في الدين، أم كان ضرا في الدنيا، يعني: كان ضرا في الدنيا من جهة الأبدان، أو من جهة الأموال، أو من جهة الأولاد، أو من جهة الأعراض، ونحو ذلك إذًا: فمعنى قوله: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} [يونس: 107] أي بأي نوع من أنواع الضر: {فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} [يونس: 107] أي: الذي يكشف الضر في الحقيقة: هو الله - جل وعلا -، لا يكشف البلوى إلا هو

(1/183)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
سبحانه وتعالى، وإذا كان المخلوق يقدر على ذلك الكشف: فإنما هو من جهة أنه سبب، فالله هو الذي جعله سببا يقدر على أن يكشف بإذن الله - جل وعلا -، وإلا فالكاشف حقيقة هو الله - جل وعلا -، والمخلوق ولو كان يقدر فإنما قدر بإقدار الله له؛ إذ هو سبب من الأسباب، فالحاصل: أن الكاشف على الحقيقة هو الله وحده، وإذا تبين ذلك: ظهر لك وجه استدلال المصنف بهذه الآية ومناسبة الآية للترجمة، من عدة جهات كما ذكرنا.
ثم أورد الشيخ - رحمه الله - قوله تعالى: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} [العنكبوت: 17] [العنكبوت: 17] .
ليبين أن الاستغاثة والدعاء هما من أعظم أسباب الحياة؛ فمن لم يكن عنده رزق فإنه يوشك على الهلاك؛ ولهذا ذكر الإمام هذه الآية التي فيها النص على توحيد جهة طلب الرزق؛ لأن معظم حال المستغيثين إنما هي لطلب الرزق.
والرزق اسم عام يشمل كل ما يصلح أن يُرزق، يعني: أن يُمنح ويُعطى؛ فيدخل في ذلك الصحة، والعافية، والمال، والطعام، والمنزل، والدواب، وكل ما يحتاجه المرء.
وقوله في الآية: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت: 17] أصل تركيب الكلام فيها: فابتغوا الرزق عند الله، و (ابْتَغُوا) فعل أمر، و (الرزق) مفعول، و (عند الله) الأصل أن يتأخر على المفعول، أي فابتغوا الرزق عند الله. قال علماء المعاني - من علوم البلاغة -: إن تقديم ما حقه

(1/184)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
التأخير: يفيد الاختصاص، والأصل: فابتغوا عند الله الرزق واجعلوا ذلك الابتغاء مختصا بالله - جل وعلا -، هكذا يفهم العربي معنى الآية، أي: فليكن ابتغاؤكم الرزق من عند الله وحده، فلا تستغيثوا بغيره في طلب رزق، ولا تستنجدوا بغيره في طلب رزق، وإنما ذلك لله - جل وعلا -.
ثم قال: {وَاعْبُدُوهُ} [العنكبوت: 17] ؛ ليجمع أصناف السؤال بما يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة.
ثم قال: (وقوله {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف: 5] [الأحقاف: 5] ) :
دلالة الآية ظاهرة في أنها واردة في سياق الدعاء؛ لأن الله تعالى قال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأحقاف: 5] فهي ظاهرة في أن ثَمَّ داعيا، وثم مدعوا، وذاك المدعو: غير الله - جل وعلا -.
ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى وصف كل من يدعو من دون الله بأنه في غاية الضلال، ومنتهى الغواية، وأنه لا أحد أضل منه، والدليل على أنه أراد الأموات ولم يرد الأصنام والأحجار والأشجار أنه قال {مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5] فجعل غاية المنع من الإجابة إلى يوم القيامة، وهذه في الأموات؛ لأن الميت إذا كان يوم القيامة: نشر وصار يسمع وربما أجاب طلب من طلبه لأنه يكون في ذلك المقام حيا وربما كان قادرا.

(1/185)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأما المَيْت - الذي هو في البرزخ - فهو الذي يصْدُق عليه وصف الله - جل وعلا - بقوله: {مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأحقاف: 5] والأصل في اللغة: أن لفظ (مَنْ) تُستعمل للعقلاء - كما يقول النحاة - والأصح: أن يقال: لفظ (مَنْ) الأصل فيها لغة: أنها تطلق على من يعلم، لورود بعض الآيات في القرآن أطلق فيها هذا اللفظ في حق الله - عز وجل - هذا الأحسن من حيث استعمال هذا اللفظ، وإن كان الذي جرى عليه القول عند علماء النحو: استعمال (مَنْ) للعاقل، و (ما) لغير العاقل. فتلخص مما سبق: أن الأصح في استعمال (مَن) أنها: لمن يعلم، وهؤلاء المذكورون في الآية: كانوا بشرا يخاطِبون ويخاطَبون، ويعلمون ويُعلَم منهم.
وقوله: {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف: 5] هذا الوصف ليس مقصودا به الأصنام، وإنما هو في الأموات.
ثم قال تعالى: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 6] [الأحقاف: 6] ولذلك قال جل وعلا في سورة النحل {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ - إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 21 - 22] [النحل: 21 - 22] .
قال: (وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] [النمل: 62] )

(1/186)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
هذه الآية من سورة (النمل) فيها: أن دعاء المضطر إنما هي لله - جل وعلا - وحده، فقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] هذا في دعاء المسألة، وكشف السوء في قوله. {وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] تارة يكون بالاستغاثة، وتارة بغير ذلك؛ ولهذا يكون هذا القدر من الآية صالحا لما ترجم به المؤلف - رحمه الله - من اللفظين: لفظ (الاستغاثة) ، ولفظ (الدعاء) .
ثم قال بعدها: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 62] [النمل: 62] ، وهذا الاستفهام إنكاري، ينكر عليهم أن يتخذوا إلها مع الله، وينكر عليهم أن يدعوا غير الله، أو يتوجهوا في كشف السوء لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا معنى الإنكار في قوله: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62]
قال: (وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم. . . . . .) المراد بالبعض هنا: أبو بكر الصديق، كما جاء في بعض الروايات.
ثم قال في الحديث:. . . . . «قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله» واستغاثة الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم كانت جائزة؛ لأنهم طلبوا الإغاثة من النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقدر عليه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان قادرا في هذا المقام على إغاثتهم، إما بالأمر بقتل المنافق، أو الأمر بسجنه، أو بتهديده، أو معاقبته بتعزير، أو بغيره؛ لأنه كان يؤذي المؤمنين.

(1/187)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فاستغاثتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في قولهم: " قوموا بنا نستغيث برسول الله " استغاثة به يقدر عليه، لكن النبي - عليه الصلاة والسلام - علمهم الأدب في ذلك، وعلمهم الأكمل في ذلك؛ حيث قال: «إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله» .
وحقيقة الاستغاثة على وجه الكمال، إنما هي بالله جل وعلا لا بنبيه صلى الله عليه وسلم، فكأنه حصل منهم نوع التفات للنبي عليه الصلاة والسلام فيما يقدر عليه، فبين لهم: أن الواجب عليهم أن يستغيثوا بالله - جل وعلا - أولا؛ فقال: " إنه لا يستغاث بي "، وهذا نفي فيه معنى النهي، يعني: لا تستغيثوا بي، بل استغيثوا بالله في هذا الأمر، وإذا أغاثهم الله جل وعلا كف شر ذلك المنافق عنهم.
وقد أعل بعض العلماء هذا الحديث بأن في إسناده ابن لهيعة، وحاله معروف. لكن إيراد أئمة الحديث للأحاديث التي قد يكون في إسنادها بعض مقال في مثل هذا المقام: لا بأس به، بل فعلهم هذا صواب إذا كان ما في الحديث من المعنى قد عضدته الأدلة من القرآن ومن السنة، كما في هذا الحديث؛ فإن قوله عليه الصلاة والسلام: «إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله» قد دلت عليه الآيات التي سلفت، وهذا الذي درج عليه صنيع الراسخين في العلم من أهل الحديث، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلام له في (الفتاوى) ؛ قال: أهل الحديث لا يستدلون بحديث ضعيف في أصل من الأصول، بل إما في تأييده يعني: في تأييد ذلك الأصل أو في فرع من الفروع.

(1/188)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا هو صنيع الشيخ - رحمه الله - أيضا في هذا الكتاب؛ فإنه يستدل بأحاديث هي من جهة المعنى الذي اشتملت عليه صحيحة - كما سبق إيضاحه - وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث مستدلا به في رده على البكري المعروف بـ (الاستغاثة) أعني: كتاب (الاستغاثة الكبرى) ، أو (الرد على البكري) ، وقال إن هذا الحديث هو معنى ما جاء في النصوص.
فقوله عليه الصلاة والسلام: " إنه لا يستغاث بي " يعني: لا تستغيثوا بي، وإنما استغيثوا بالله؛ لأن لفظ (يستغاث) تقدمه نفي، والمراد منه: النهي.
وهذا الباب ظاهر المناسبة لما قبله ولما بعده أيضا في أن الاستغاثة بغير الله نوع من أنواع الدعاء، وأن الدعاء عبادة، وأن الاستغاثة عبادة، وصرف العبادة لغير الله جل وعلا: كفر وشرك.
ومما يدل على أن الدعاء عبادة قول الله جل وعلا: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي} [البقرة: 186] [البقرة: 186] ، وقوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] يدل على أن إجابة الدعوة تكون برفع المكروه، أو بمنع وقوعه، وتكون أيضا بالعطاء، والإثابة فيما إذا عبد، فيجيب الدعوة بإعطاء السائل سؤله، ويجيب أيضا الدعاء بإثابة الداعي العابد على عبادته؛ ولهذا يفسر السلف الآيات التي فيها إجابة الدعاء ونحو ذلك: بأن فيها إعطاء سؤل السائل، وإثابة العابد؛ لأن الصحابة والسلف: يعلمون أن الدعاء يشمل هذا وهذا. وقوله: {إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] يعني: إذا سألني، أو عبدني، مع أنها في السؤال ظاهرة، وفي الدعاء بينة.

(1/189)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والآيات في مثل ذلك كقوله - جل وعلا - في سورة إبراهيم، فيما ذكره عن نبيه عليه السلام {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 48] قال الله - جل وعلا - بعدها {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [مريم: 49] [مريم 48 - 49] ، فإبراهيم عليه السلام قال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ} [مريم: 48] وقال الله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ} [مريم: 49] فدل على أن الدعاء هو العبادة، والعبادة هي الدعاء. والدعاء يفسر تارة بدعاء المسألة، وتارة بدعاء العبادة، وهذا حاصل من أولئك ولأصنامهم وأوثانهم.

هذا الباب هو باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ - وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} [الأعراف: 191 - 192] [191 - 192] . وَإِيرَادُ هَذَا الْبَابِ بعد الأبواب المتقدمة هو من أحسن الإيراد، ومن أعظمها فقها ورسوخا في العلم؛ ذلك أن برهان وجوب توحيد الله - جل وعلا - في

(1/190)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]