[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب من الشرك الاستعاذة بغير الله تعالى]
" باب من الشرك الاستعاذة بغير الله تعالى " وقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] [الجن: 6] .
وعن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم (1) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الجن.
الثانية: كونه من الشرك.
الثالثة الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره.
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية؛ من كف شر؛ أو جلب نفع؛ لا يدل على أنه ليس من الشرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه مسلم (2708) .

(1/165)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الله " لأن الاستعانة بغير الله تكون بالقول الذي معه اعتقاد؛ ولذلك ناسبت أن تكون بعد " باب من الشرك النذر لغير الله ".
وقوله - رحمه الله -: " من الشرك ": (من) هاهنا تبعيضية كما ذكرنا فيما سبق من الأبواب، والشرك المقصود هنا هو: الشرك الأكبر، أي من الشرك الأكبر الاستعاذة بغير الله؛ لأن (الألف واللام) أو (اللام وحدها) الداخلة على قوله: " الشرك " هي: للعهد؛ فتكون عائدة إلى الشرك المعهود، وهو الأكبر، يعني: باب من الشرك الأكبر الاستعاذة بغير الله.
والاستعاذة: طلب العياذ، يقال استعاذ: إذا طلب العياذ، والعياذ: ما يؤمِّن من الشر، كالفرار من شيء مخوف إلى ما يؤمِّن منه، أو إلى من يؤمِّن منه، ويقابلها اللياذ، وهو: الفرار إلى طلب الخير، والتوجه إليه، والاعتصام به، والإقبال عليه، لطلب الخير.
والاستعاذة: استفعال، ومادة (استفعل) موضوعة في الغالب للطلب، فغالب مجيء (الألف والسين والتاء) للطلب؛ فمعنى: استعاذ، واستعان، واستغاث، واستسقى: طلب تلك الأمور، وتأتي أحيانا للدلالة على كثرة الوصف في الفعل، كما في قوله - جل وعلا -: {وَاسْتَغْنَى اللَّهُ} [التغابن: 6] [التغابن: 6] ؛ فـ (استغنى) ليس معناها طلب الغنى، وإنما جاء بالسين والتاء هنا: للدلالة على عظم الاتصاف بالوصف الذي اشتمل عليه الفعل، وهو: الغني. فـ (استعاذ) و (استغاث) و (استعان) ، وأشباه ذلك فيها طلب، والطلب من أنواع التوجه والدعاء، لأن الطلب يدل على أن هناك من يُطلب منه والمطلوب منه لما كان أرفع درجة من الطالب: كان الفعل المتوجه إليه يسمى دعاء؛

(1/167)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
ولهذا فإن حقيقة الاستعاذة لغة، ودلالتها شرعا هي: طلب العوذ، أو طلب العياذ؛ وهو الدعاء المشتمل على ذلك، والاستغاثة هي: طلب الغوث وهو دعاء مشتمل على ذلك، وهكذا في كل ما فيه طلب نقول: إنه دعاء، وإذا كان دعاء فإنه يكون عبادة، والعبادة حق لله وحده دون من سواه، كما قام الإجماع على هذا، ودلت النصوص عليه، كقوله سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] [الجن: 18] وكقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] [الإسراء: 23] كقوله: أيضا: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] [النساء: 36] إذًا: فكل فعل من الأفعال، أو قول من الأقوال فيه طلب: يكون عبادة؛ لأنه دعاء؛ وكل طلب: فهو دعاء. والطلب يختلف نوعه ومسماه باختلاف المطلوب منه: فإذا كان الطلب من مقارن: فيسمى التماسا، وإذا كان ممن هو دونك: فيسمى أمرا، وإذا كان ممن هو أعلى منك: فيسمى دعاء. والمستعيذ والمستغيث، لا شك أنه طالب ممن هو أعلى منه؛ لحاجته إليه؛ فلهذا يصح أن يكون كل دليل فيه ذكر إفراد الله - جل وعلا - بالدعاء أو بالعبادة، دليلا على خصوص هذه المسألة، وهي: أن الاستعاذة من العبادات العظيمة، وإذ كانت كذلك، فإن إفراد الله بها واجب.
وقوله هنا: " من الشرك الاستعاذة بغير الله ": هذا الغير شامل لكل من يتوجه إليهم بالعبادة، ويشركونهم مع الله، ويدخل في ذلك - بالأولية - ما كان المشركون الجاهليون يتوجهون إليهم بالعبادة: من الجن، والملائكة،

(1/168)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والرسل، والأنبياء، والصالحين، والأشجار، والأحجار، وغير ذلك من معبوداتهم.
لكن هل مقصوده بقوله: " باب من الشرك الاستعاذة بغير الله " شمول هذا الحكم على فاعله بالشرك، لكل أنواع الاستعاذة، ولو كان فيما يقدر عليه المخلوق؟ والجواب: أن هذا فيه تفصيل، فمن العلماء من يقول: الاستعاذة توجه القلب، واعتصامه، والتجاؤه، ورغبه، وهذه المعاني جميعا لا تصلح إلا لله - جل وعلا -.
وقال آخرون: قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن حقيقة الاستعاذة: طلب انكفاف الشر، وطلب العياذ، وهو: أن يستعيذ من شر أحدق به، وإذا كان كذلك: فقد يملك المخلوق شيئا من ذلك، وعلى هذا فتكون الاستعاذة بغير الله شركا أكبر، إذا كان ذلك المخلوق لا يقدر على أن يعيذ، أو طلبت منه الإعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله.
والذي يظهر أن المقام كما سبق فيه تفصيل، وهو: أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر، وفيها عمل باطن، فالعمل الظاهر: أن يطلب العوذ، وأن يطلب العياذ، وهو أن يُعصم من هذا الشر، أو أن ينجو من هذا الشر، وفيها أيضا عمل باطن وهو: توجه القلب وسكينته، واضطراره، وحاجته إلى هذا المستعاذ به، واعتصامه بهذا المستعاذ به، وتفويض أمر نجاته إليه.
فإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يقال: إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، لأن منها ما هو عمل قلبي كما تقدم وهو بالإجماع لا يصلح التوجه به إلا لله. وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر فقط وهو

(1/169)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
طلب العياذ والملجأ، فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها.
فحقيقة الاستعاذة إذًا تجمع بين الطلب الظاهر، والمعنى الباطن؛ ولهذا اختلف أهل العلم في جواز طلبها من المخلوق، فالذي ينبغي أن يكون منك دائما على ذكر: أن توجُّه أهل العبادات الشركية لمن يشركون به من الأولياء، أو الجن، أو الصالحين، أو غيرهم، أنهم جمعوا بين القول باللسان، وأعمال القلوب التي لا تصلح إلا لله - جل وعلا -، وبهذا يبطل ما يقوله أولئك الخرافيون من: أن الاستعاذة بهم إنما هي فيما يقدرون عليه، وأن الله أقدرهم على ذلك؛ فيكون إبطال مقالهم راجعا إلى جهتين:
الجهة الأولى: أن يُبطل قولهم بأن يقال: إن هذا المَيْت، أو هذا الجني يقدر على هذا الأمر الذي طلب منه، فإذا لم يقتطع بذلك، أو حصل عنده اشتباه ما، انتقل الجني إلى الجهة الثانية من الإبطال: وهو إثبات أن الاستعاذة فيها توجه بالقلب إلى المستعاذ به واضطرار إليه، واعتصام به، وافتقار إليه؛ وهذا الذي توجه إلى ذلك الميت أو الولي قد قامت هذه المعاني بقلبه، ولا يجوز أن يكون شيء من ذلك إلا لله وحده - عز وجل -.
فنقول إذًا: الاستعاذة بغير الله شرك أكبر؛ لأنها صرف عبادة لغير الله - جل جلاله -. لكن إن كان الاستعاذة في الظاهر فقط مع طمأنينة القلب بالله وتوجهه إلى الله، وحسن ظنه بالله، وأن هذا العبد إنما هو سبب، وأن القلب مطمئن لما عند الله فإن هذه تكون استعاذة بالظاهر، وأما القلب: فإنه لم تقم به حقيقة الاستعاذة. وإذا كان كذلك: كان هذا جائزا.

(1/170)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قال - رحمه الله -: (وقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] [الجن: 6] .
قوله: (وَأَنَّهُ) هذه معطوفة على أول السورة، وهو ما أوحى الله - جل وعلا - إلى نبيه بقوله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن: 1] [الجن: 1] ثم قال بعد آيات: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] [الجن: 6] ومعنى {رَهَقًا} [الجن: 6] أي: خوفا، واضطرابا في القلب؛ أوجب لهم الإرهاق، والرهق: في الأبدان وفي الأرواح، فلما كان كذلك تعاظمت الجن، وزاد شرها، وقد كان المشركون يعتقدون أن لكل مكان مخوف جنيا أو سيدا من الجن يخدم ذلك المكان، هو له ويسيطر عليه، فكانوا إذا نزلوا واديا، أو مكانا قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يعنون الجن، فعاذوا بالجني لأجل أن يكف عنهم الشر مدة مقامهم؛ لهذا قال جل وعلا: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] يعني: زاد الجن الإنس خوفا، واضطرابا، وتعبا في الأنفس، وفي الأرواح، وإذا كان كذلك: كان هذا عقوبة لهم. والعقوبة إنما تكون على ذنب، فدلت الآية على ذم أولئك، وإنما ذموا؛ لأنهم صرفوا تلك العبادة لغير الله - جل وعلا - والله سبحانه أمر أن يستعاذ به دون ما سواه فقال سبحانه {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: 1] [الفلق: 1] وقال:

(1/171)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1] [الناس: 1] وقال {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ - وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98] [المؤمنون: 97] والآيات في ذلك كثيرة، كقوله: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200] [الأعراف: 200] ، فَعُلِمَ من التنصيص على المستعاذ به وهو الله - جل وعلا - أن الاستعاذة حصلت بالله، وبغيره وأن الله أمر نبيه أن تكون استعاذته به وحده دون ما سواه. وقد ذكرت لكم أصل الدليل في ذلك، وأن الاستعاذة عبادة، وإذا كانت عبادة فتدخل فيما دلت عليه الآيات من إفراد العبادة بالله وحده.
وقال قتادة وبعض السلف: إن معنى قوله: {رَهَقًا} [الجن: 6] إثما، (1) أي: فزادوهم إثما، وهذا أيضا ظاهر من جهة الاستدلال، لأن الاستعاذة إذا كانت موجبة للإثم، فهي إذًا عبادة شركية إذا صرفت لغير الله، وعبادة مطلوبة إذا صرفت لله - جل جلاله - وهذا يستقيم مع الترجمة من أن الاستعاذة بغير الله شرك.
قوله: (وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم.
_________
(1) تفسير ابن كثير (8 / 226) .

(1/172)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين فضل الاستعاذة بكلمات الله فقال: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» وجعل المستعاذ منه: المخلوقات الشريرة والمستعاذ به هو: كلمات الله وقد استدل أهل العلم لما ناظروا المعتزلة، وردوا عليهم بهذا الحديث، على أن كلمات الله ليست بمخلوقة، قالوا: لأن المخلوق لا يستعاذ به، والاستعاذة به شرك، كما قاله الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة. فوجه الدلالة من الحديث: إجماع أهل السنة على الاستدلال به على أن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وأنه ما أمر بالاستعاذة بكلمات الله إلا لأن كلمات الله - جل وعلا - ليست بمخلوقة.
قال: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» : المقصود بـ " كلمات الله التامات " هنا الكلمات الكونية التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وهي المقصودة بقوله جل وعلا: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109] [الكهف: 109] وبقوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27] [لقمان: 27] وقوله {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] [الأنعام: 115] وفي القراءة الأخرى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] [الأنعام: 115] فهذه الآية في الكلمات الشرعية، وكذلك في الكلمات الكونية.
إذًا: فقوله: «أعوذ بكلمات الله التامات» يعني: الكلمات الكونية.

(1/173)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ": يعني: من شر الذي خلقه الله - جل وعلا -، وهذا العموم المقصود منه: من شر المخلوقات التي فيها شر، إذ ليست كل المخلوقات فيها شر، بل ثَمَّ مخلوقات طيبة ليس فيها شر: كالجنة، والملائكة، والرسل، والأنبياء، والأولياء، وهناك مخلوقات خلقت وفيها شر، فاستُعيذ بكلمات الله - جل وعلا - من شر الأنفس الشريرة، والمخلوقات التي فيها شر.

قوله: " باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره " الشرك: المراد به كما ذكرنا فيما سبق: الشرك الأكبر.
قوله: " أن يستغيث ": يعني الاستغاثة؛ لأن (أن) مع الفعل تؤول بمصدر، يعني: (باب من الشرك الاستغاثة بغير الله) ، أو (استغاثة بغير الله) ، وكذلك قوله: " يدعو " يؤول بمصدر، يعني: من الشرك، (دعوة غيره) ، أو (دعاء غيره) . والاستغاثة - كما ذكرنا -: طلب؛ والطلب نوع من أنواع الدعاء؛ ولهذا قال العلماء: إن في قوله: " أو يدعو غيره " بعد قوله: " أن يستغيث بغير الله " عطفا للعام على الخاص، ومن المعلوم: أن الخاص قد يعطف على العام، وأن العام قد يعطف على الخاص.
وقوله: " أن يستغيث بغير الله ": هذا أحد أفراد الدعاء - كما ذكرنا - لأن الاستغاثة طلب، والطلب دعاء.

(1/174)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]