[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب ما جاء في الذبح لغير الله من الوعيد وأنه شرك بالله جل وعلا]
" باب ما جاء في الذبح لغير الله من الوعيد وأنه شرك بالله - جل وعلا - " وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163] وقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض» رواه مسلم (1) . وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب " قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما قرّب، قال: ليس عندي شيء أقرّب، قالوا له: قرّب ولو ذبابا، فقرّب ذبابا، فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرّب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله - عز وجل - فضربوا عنقه فدخل الجنة» رواه أحمد (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه مسلم (1978) .
(2) أخرجه أحمد في الزهد (22) وأبو نعيم في " الحلية " 1 / 203 موقوفا على سليمان الفارسي.

(1/136)


فيه مسائل: الأولى: تفسير {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162]
الثانية: تفسير {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تعلن والدي الرجل فيلعن والديك.
الخامسة: لعن من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق لله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك.
السادسة: لعن من غير منار الأرض وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير.
السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين؛ كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر!
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرا لم يقل: " دخل النار في ذباب ".
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» .
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم، حتى عند عبدة الأوثان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/137)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وأما القصد: فهذه جهة عبودية ومقاصد، فمن ذبح باسم الله لله كانت الاستعانة بالله والقصد من الذبح أنه لوجه الله تقربا لله - جل وعلا -، فصارت الأحوال عندنا أربعة:
1 - أن يذبح باسم الله لله، فهذا هو التوحيد.
2 - أن يذبح باسم الله لغير الله، وهذا شرك في العبادة.
3 - أن يذبح باسم غير الله لغير الله، وهذا شرك في الاستعانة، وشرك في العبادة أيضا.
4 - أن يذبح بغير اسم الله ويجعل الذبيحة لله، فهذا شرك في الربوبية.
فإذًا الأحوال عندنا أربعة:
إما أن يكون هناك تسمية بالله مع القصد لله - جل وعلا - وحده، وهذا هو التوحيد، وهو العبادة، فالواجب أن يذبح لله: قصدا تقربا، وأن يسمي الله - جل وعلا - على الذبيحة، فإن لم يسم الله - جل وعلا - وترك التسمية عمدا فإن الذبيحة لا تحل، وإن لم يقصد بالذبيحة التقرب إلى الله - جل وعلا - ولا التقرب لغيره، وإنما ذبحها لأجل أضياف عنده أو لأجل أن يأكلها، يعني: ذبحها لقصد اللحم، ولم يقصد بها التقرب: فهذا جائز، وهو من المأذون فيه؛ لأن الذبح لا يُشترط فيه أن ينوي الذابح التقرب بالذبيحة إلى الله - جل وعلا -.
فالحاصل من الحالة الأولى: أن ذكر اسم الله على الذبيحة واجب، وأن يكون قصد الذابح بها: التقرب إلى الله - إن كان قد نوى بها تقربا - وهذا مثل ما يذبح من الأضاحي، أو يذبح من الهدي ذلك مما يذبحه المرء تعظيما لله - جل وعلا - مما أمر به شرعا، فهذا الذي تذبحه لله: تقصد التقرب به إليه

(1/139)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- سبحانه -، فهذا من العبادات العظيمة التي يحبها الله - جل وعلا - وهي عبادة النحر والذبح.
لكن قد يذبح المرء باسم الله، ولكن يقول: أريدها للأضياف، أو أريدها للحم ويعني للأكل، ولم أتقرب بها لغير الله، وأيضا لم أتقرب بها لله، فنقول: هذه الحالة جائزة؛ لأنه سمى وقال باسم الله، ولم يذبح لغير الله، فليس داخلا في الوعيد، ولا في النهي، بل ذلك من المأذون فيه.
الحالة الثانية: أن يذبح باسم الله، ويقصد بذلك التقرب لغير الله، فيقول مثلا: باسم الله، وينحر الدم، وهو ينوي بإزهاق النفس، وبإراقة الدم التقرب لهذا العظيم المدفون، أو لهذا النبي، أو لهذا الصالح، فهذا وإن ذكر اسم الله فإن الشرك حاصل من جهة أنه أراق الدم تعظيما للمدفون، وتعظيما لغير الله، ويدخل في ذلك أيضا: أن يذكر اسم الله على الذبيحة، أو على المنحور، ويكون قصده بالذبح أن يتقرب به للسلطان، أو للملك، أو لأمير ما، كما يحدث عند بعض البادية، وكذلك بعض الحضر إذا أرادوا أن يعظموا ملكا قادما، أو أميرا، أو سلطانا، أو شيخ قبيلة، فإنهم يستقبلونه بالجمال، أو بالبقر، أو بالشياه، ويذبحونها في وجهه، فيسيل الدم عند إقباله، فهذا الذبح وإن سمى الله عليه، فإن الذبيحة قصد بها غير الله - جل وعلا - ولذا أفتى العلماء بتحريمها؛ لأن إراقة دم لغير الله - جل وعلا - فلا يجوز أكلها ومن باب أولى قبل ذلك لا يجوز تعظيم أولئك بمثل هذا التعظيم؛ لأن إراقة الدم إنما يعظم به الله - جل وعلا - وحده؛ لأنه سبحانه هو الذي يستحق العبادة والتعظيم بهذه الأشياء وحده، فهو الذي أجرى الدماء في العروق سبحانه وتعالى.

(1/140)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الحالة الثالثة: أن يذكر غير اسم الله على الذبيحة، وأن يقصد بها غير الله - جل وعلا - فيقول مثلا: باسم المسيح، ويحرك يده، ويقصد بها التقرب للمسيح، فهذا الذبح جمع شركا في الاستعانة، وشركا في العبادة، ومثله: الذين يذبحون باسم البدوي، أو باسم الحسين، أو باسم السيدة زينب، أو باسم العيدروس، أو باسم الميرغياني، أو غيرهم من الذين توجه إليهم بعض الخلق بالعبادة، فيذبح باسمهم ويقصد بذبحه هذا المخلوق؛ وينوي حين ذبح أن يريق الدم تقربا لهذا المخلوق. فهذا الشرك جاء من جهتين:
الجهة الأولى: جهة الاستعانة.
والجهة الثانية: جهة العبودية والتعظيم، وإراقة الدم لغير الله - جل وعلا -.
والحالة الرابعة: أن يذبح باسم غير الله ويجعل ذلك لله - جل وعلا - وهذا نادر الوقوع وربما يحصل، كمن يذبحون لمعظميهم: كالبدوي، أو العيدروس، أو الشيخ عبد القادر، أو غيرهم. فينوون بذلك الذبح التقرب إلى الله - جل وعلا -، وهذا في الحقيقة راجع إلى الشرك في الاستعانة، والشرك في العبادة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في مَعرِض كلام له في هذه المسائل قال: " ومعلوم أن الشرك بالله - جل وعلا - والصورة المتقدمة في الحالة الثانية وهي: أن يذبح لسلطان ونحوه، فبعض العلماء لم يطلق القول عليها: بأنها شرك وإنما قال: تحرم؛ لأجل أنه قد لا يقصد بذلك تعظيم المذبوح له كتعظيم الله - جل وعلا -، فالمقصود: أن قصد غير الله بالذبح شرك في العبودية، وذكر غير اسم الله على الذبيحة شرك في الاستعانة؛ ولهذا قال

(1/141)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
- جل وعلا - {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] [الأنعام: 121] يعني: إن أطعتموهم في الشرك فإنكم مشركون، كما أنهم مشركون.
وأنبه هنا على مسألة مهمة: وهي أن الكلام في مسائل التوحيد تقريرا واستدلالا، وبيان وجه الاستدلال: من الأمور الدقيقة، والتعبير عنها يحتاج إلى دقة من جهة المعبر، وأيضا من جهة المتلقي، أقول هذا؛ لأن بعض الناس قد استشكلوا بعض العبارات ومدار الاستشكال: أنهم لم يدققوا، ولم يقيدوا ما يقال، فهم إما أن يحذفوا قيدا، أو يحذفوا كلمة، أو يأخذوا المعنى الذي دل عليه الكلام، ويعبروا عنه بطريقتهم، وهذا غير مناسب، لهذا ينبغي أن يكون المتلقي لهذا العلم دقيقا فيما يسمع؛ لأن كل مسألة لها ضوابطها، ولها قيودها، وأيضا: فإن بعض المسائل يكون الكلام عليها تارة مجملا، ويكون المتلقي قد سمع أحد أحوال المسألة، وهي تحتمل تفصيلا، لكن كان الكلام في مقام الإجمال: غير الكلام في مقام التفصيل.
قال الإمام: محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162 - 163] [الأنعام: 162 - 163] هذه الآية تدل على أن عبادة الصلاة،

(1/142)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وعبادة النسك - وهو الذبح - هما لله - جل وعلا - وحده. وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ و (إِنَّ) من المؤكدات، ومجيء التأكيد في الجمل الخبرية يفيد: أن من خوطب بذلك مُنكِر لهذا الأمر، أو مُنَزَّل مَنْزِلَةَ المُنكِر له، ولهذا يكون الاستدلال بهذه الآية على التوحيد من جهة أنها خوطب بها من ينكر أن الصلاة لله وحده استحقاقا، وأن الذبح لله وحده استحقاقا - هم المشركون - فدل على أن هذه الآية في التوحيد وأن الذبح يجب أن يكون لله - جل وعلا - وأن الذبح لغيره مخالف لما يستحقه الرب - جل وعلا -.
والنسك في قوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] هو: الذبح أو النحر، يعني: التقرب بالدم، والتقرب بالدم لله - جل وعلا -: عبادة عظيمة؛ لأن الذبائح، أو المنحورات من الإبل أو البقر، أو الغنم، أو الضأن، مما تعظم في نفوس أهلها، ونحرها تقربا إلى الله - جل وعلا - والصدقة بها عبادة عظيمة، فيها إراقة الدم لله، وفيها تعلق القلب بحسن الثواب من الله - جل وعلا -، وفيها حسن الظن بالله تبارك وتعالى، وفيها التخلص من الشح، والرغب فيما عند الله سبحانه، بإزهاق نفس عزيزة عند أهلها؛ ولهذا كان النحر، والذبح عبادة من العبادات العظيمة التي يحبها الله - جل وعلا -.
وقد دلت هذه الآية على أن النحر والصلاة عبادتان؛ لأنه جعل النسيكة لله، والله - جل وعلا - له من أعمال خلقه العبادات فدل قوله (وَنُسُكِي) على أن النسك عبادة من العبادات، وأنه مُستحَق لله - جل وعلا -.
واللام - هنا - في قوله: {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] متعلّقة بمحذوف خبر (إن) في قوله {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] وهي تفيد الاستحقاق، واللام في اللغة

(1/143)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تأتي لمعان، واستعمالات؛ فتأتي للملك، كما في قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف: 79] يعني: يملكونها. وتأتي للاختصاص - وهو شبه الملك - وتأتي للاستحقاق، كما في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: أن جميع أنواع المحامد مستحقة لله - جل وعلا -.
واللام في قوله سبحانه {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} [الأنعام: 162] مع أنها واحدة، لكن يكون معناها برجوعها للأول غير معناها برجوعها للمحيا والممات، فإن الله - جل وعلا - قال في هذه الآية من آخر سورة الأنعام: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} [الأنعام: 162] والمحيا والممات يعني: الإحياء والإماتة، وهذه بيد الله - جل وعلا - وملك له، فهو الذي يملكها سبحانه؛ لأنها من أفراد ربوبيته - جل وعلا - على خلقه، فهذه الآية بما اشتملت عليه من هذه الألفاظ الأربع دلت على توحيد الإلهية، وعلى توحيد الربوبية فقوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] يدل على توحيد العبادة، وقوله {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} [الأنعام: 162] يدل على توحيد الربوبية، واللام في قوله: لِلَّهِ إذا أرجعتها للأوليين وهما: الصلاة، والنسك، كان معناها: الاستحقاق، وإذا أرجعتها للأخير كان معناها الملك ولهذا يقول أهل التفسير هنا: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] لله استحقاقا، {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} [الأنعام: 162] لله ملكا، وتدبيرا، وتصرفا.

(1/144)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وقوله: {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162 - 163] فيه وجه استدلال ثالث على التوحيد، حيث قال: {لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 163] يعني: فيما مر، أي لا شريك له في الصلاة، والنسك؛ فلا يتوجه بالصلاة والنسك إلى أحد مع الله - جل وعلا - أو من دونه، وكذلك لا شريك له في ملكه للمحيا والممات، بل هو المتفرد سبحانه بأنواع الجلال، وأنواع الكمال، وهو المستحق للعبادة، وهو ذو الملكوت الأعظم.
قال: وقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] [الكوثر: 2] فأمر بالصلاة، وأمر بالنحر، وإذا أمر به فهو داخل في حد العبادة؛ لأن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فأمره - جل وعلا - بالصلاة دليل على أنها محبوبة لديه، وأمره سبحانه بالنحر دليل على أنه محبوب له، ومرضي، فتكون الصلاة والنحر إذًا عبادة لله - جل وعلا -.
وعلى التعريف الآخر: إن العبادة: هي كل ما يتقرب به العبد إلى الله - جل وعلا - ممتثلا به الأمر والنهي. ويكون النحر عبادة أيضا؛ لأنه يُعمل تقربا إلى الله - جل وعلا - بامتثال الأمر الوارد فيه.
قال سبحانه {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] [الكوثر: 1] والكوثر هو: الخير العظيم، ومنه النهر الذي في الجنة. والفاء في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] [الكوثر: 2] هي فاء السببية، والمعنى: أنه بسبب ذلك: اشكر الله - جل وعلا - بتوحيده، بأن صَلِّ لربك الذي أعطاك الخير الكثير، وتقرب إليه بالنحر،

(1/145)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وبنَسْك النسائك له سبحانه؛ لأن الخير الذي حصل لك إنما أسداه - جل وعلا - وحده.
إذن: فوجه الدلالة من هذه الآية على الباب: أن النحر عبادة، وقد قال - جل وعلا - {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] [الكوثر: 2] يعني: وانحر لربك، فأصبح النحر والذبح لغير الله خارجا عما أمر الله فمن نحر أو ذبح لغير الله: فقد صرف العبادة لغيره - جل وعلا -.
قال - رحمه الله -: وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا لعن الله من غيّر منار الأرض» رواه مسلم.
الشاهد من هذا قوله: «لعن الله من ذبح لغير الله» ، وهذا وعيد يدل على أن الذابح لغير الله ملعون، واللعن هو: الطرد والإبعاد من رحمة الله - جل وعلا - فإذا كان الله هو الذي لعن فيكون قد طرد وأبعد هذا الملعون من رحمته الخاصة. وأما رحمته العامة فهي تشمل المسلم والكافر، وجميع أصناف الخلق. وإن كان قوله: «لعن الله من ذبح لغير الله» دعاء عليه باللعن؛ فكأن النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك؛ داعيا على من ذبح لغير الله - جل وعلا - باللعن وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله - جل وعلا -، وهذا يدل على أن الذبح لغير الله من الكبائر ومن المعلوم أن اقتران ذنب من الذنوب باللعن يدل على أنه من كبائر الذنوب، وهذا ظاهر من جهة: أن الذبح لغير الله شرك بالله - جل وعلا - يستحق صاحبه اللعنة والطرد والإبعاد من رحمته - جل وعلا -.

(1/146)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
واللام في قوله: «لعن الله من ذبح لغير الله» معناها: أن من فعل ذلك من أجل غير الله تقربا إليه وتعظيما، فذبح لغير الله تقربا إلى ذلك الغير، وتعظيما له فهو مستحق للعن، وهذا وجه مناسبة هذا الحديث لـ " باب ما جاء في الذبح لغير الله " يعني: من الوعيد وأنه شرك وصاحبه ملعون.
الحديث الآخر وجه الدلالة منه: أن التقريب للصنم بالذبح كان سببا لدخول النار وذلك أن ظاهر المعنى يدل أن من فعله كان مسلما، وأنه دخل النار بسبب ما فعل، وهذا يدل على أن الذبح لغير الله شرك أكبر؛ لأن ظاهر قوله: «دخل النار» يعني: استوجبها مع من يخلد فيها.
وفيه وجه آخر للدلالة: وهو أنه إذا كان تقريب هذا الذي لا قيمة له - وهو الذباب - سببا في دخول النار، فإنه يدل على أن من قرب ما هو أبلغ، وأعظم منفعة عند أهله وأغلى، أنه سبب أعظم لدخول النار.
وقولهم هنا: " قرِّب ": يعني اذبح تقربا، والملاحَظ هنا في هذا الحديث، أنه لم يدل على أنهم أكرهوه على هذا الفعل؛ لأنه قال «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا» . . فظاهر قوله: «لا يجوزه أحد» يعني أنهم لا يأذنون لأحد بمجاوزته عن ذلك الطريق حتى يقرب، وهذا ليس إكراها؛ إذ يمكن أن يقول: سأرجع من حيث أتيت ولا يجوز ذلك الموضع ويتخلص من أذاهم، فهذا يدل على أن الإكراه بالفعل لم يحصل من أولئك فلا يدخل هذا في قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 106] [النحل: 106] لأنه ليس في

(1/147)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الحديث دلالة - كما هو ظاهر - على حصول الإكراه، وإنما قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا» . . فما صفة عدم السماح بعدم المجاوزة، هل هي أنه لا يجوزه حتى يقتل أو يقرب؟ أو يجوزه حتى يقرب أو يرجع؟ استظهر بعض العلماء من قتلهم لأحد الرجلين أن المعنى لا يجوزه حتى يقرب، أو يقتل، وأن هذا عُلم بالسياق فصار ذلك نوع إكراه؛ فلهذا استشكلوا كون هذا الحديث دالا على أن من فعل هذا الفعل يدخل النار مع أنه مكره.
والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا الحديث على هذا القول وما فيه من عدم إعذار المكرَه ولو بالقتل كان في شرع مَن قبلنا. وأما رفع الإكراه، أو جواز قول كلمة الكفر، أو عمل الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان فهذا خاص بهذه الأمة، هذا ما أجاب به بعض أهل العلم.
وعلى القول الأول الذي قدمناه وهو أن السياق ليس فيه ما يُعين أنهم هددوه بالقتل فيكون الحديث مجملا، فكيف يُحمل الحديث على شيء مجمل لم يعين.
وقوله: «فضربوا عنقه» ليس فيه إشكال، ولا يَرِدُ على ما قلناه؛ لأنهم ربما قتلوا الذي لم يقرب شيئا، لأنه أهان صنمهم بقوله: «ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله - عز وجل -» لهذا استشكل هذا الحديث طائفة من أهل العلم كما سبق وهو بحمد الله ليس بمشكل؛ لأنه إما أن يحمل على أنه فيمن كان قبلنا فلا وجه إذًا لدخول الإكراه، أو يحمل على أنهم لم يكرهوه حين أراد المجاوزة ولكن قتلوه لأجل قوله: «لم أكن لأقرب لأحد شيئا دون الله - عز وجل -» .

(1/148)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
إذن فهذا الباب وهو قوله: " باب ما جاء في الذبح لغير الله " ظاهر في الدلالة على أن التقرب لغير الله - جل وعلا - بالذبح شرك به - سبحانه - في العبادة؛ فمن ذبح لغير الله؛ تقربا وتعظيما؛ فهو مشرك الشرك الأكبر المخرج من الملة.

قال الإمام - رحمه الله -: " باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله ". قوله: " لا يذبح لله " هذا على جهة النفي المشتمل على النهي؛ لأن من أساليب اللغة العربية أنه يُعْدَل عن التصريح بالنهي إلى التصريح بالنفي؛ ليدل دلالة أبلغ على أن النفي والنهي معا مقصودان، فكأنه لا يصلح أن يقع أصلا؛ ولهذا أتى بصيغة النفي فقال: " باب لا يذبح لله ".
وقال بعض أهل العلم: يحتمل أن تكون (لا) للنهي، فيكون الفعل المضارع بعدها مجزوما، أي: " باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
". وقوله: " لله " يعني: أن تكون النسيكة، أو أن تكون الذبيحة مرادا بها وجه الله - جل جلاله -.
" بمكان يذبح فيه لغير الله ": و (الباء) هنا لها معنى زائد على كلمة (في) ، وهذا المعنى الزائد أنها أفهمت معنى الظرفية ومعنى المجاورة جميعا؛ لأن (الباء) تكون للمجاورة أيضا كما تقول: مررت بزيد، يعني، بمكان قريب من مكان زيد، أو بمكان مجاور لمكان زيد، والظرفية بـ (في) نفيد أنه في المكان

(1/149)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]