[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب ما جاء في الرقى والتمائم]
" باب ما جاء في الرقى والتمائم " وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري: رضي الله عنه «أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قُطِعَتْ» (1) وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى، والتمائم، والتولة شرك» رواه أحمد وأبو داود (2) (التمائم) : شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين، لكن إذا كان المعلّق من القرآن فقد رخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، وجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه. و (الرقى) هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحُمَة. و (التولة) شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «إن من تعلق شيئا وكل إليه» رواه أحمد والترمذي (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه البخاري (3005) . ومسلم (2115) .
(2) أخرجه أحمد 1 / 381 وأبو داود (3883) وابن ماجه (3576) وابن حبان 7 / 630 والحاكم 4 / 217، 418.
(3) أخرجه أحمد 4 / 310 و311 والترمذي (2073) والحاكم 4 / 216.

(1/105)


وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله: صلى الله عليه وسلم «يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدا بريء منه» (1) وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كَعِدْل رقبة " (2) رواه وكيع. وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن، ومن غير القرآن (3) .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن؛ فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أو لا؟
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه أحمد 4 / 108 و109.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (3524) .
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (3518) .

(1/106)


التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف، لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/107)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
عليه الصلاة والسلام عن حكم الرقى فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (1) وقد قال العلماء: الرقية تجوز بثلاثة شروط مجمع عليها:
الأول: أن تكون بالقرآن، أو بأسماء الله، أو بصفاته.
الثاني: أن تكون بالكلام العربي، أي: بلسان عربي، معلوم المعنى.
الثالث: أن لا يعتقد أنها تنفع بنفسها، بل بتقدير الله - عز وجل -، قال بعض العلماء: يدخل في الشرط الأول أيضا أن تكون بما ثبت في السنة، وعلى هذا: فيكون الشرط الأول: أن تكون من القرآن، أو السنة، أو بأسماء الله وبصفاته، فلا تكون الرقى جائزة إلا باجتماع هذه الشروط الثلاثة.
فإذا تخلف الشرط الأول أو الثاني: ففي جواز الرقية خلاف بين أهل العلم، والشرط الثالث: متفق عليه بينهم، وأما اشتراط كونها بأسماء الله وصفاته أو بالكتاب والسنة، أو أن تكون بلسان عربي مفهوم، فإن هذا مختلف فيه كما تقدم، وقال بعضهم: يسوغ أن تكون الرقية بما يعلم معناه، ويصح المعنى بلغة أخرى، ولا يشترط أن تكون بالعربية، ولا يشترط أن تكون من القرآن أو السنة، وهذه مسائل فيها خلاف وبحث، وأما من جهة تأثير غير القرآن على المرقي وما سبق من الخلاف: ففيه مسائل نرجئ تفصيل الكلام فيها إلى موضع آخر إن شاء الله.
_________
(1) أخرجه مسلم (2200) .

(1/108)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالمقصود: أن الرقى الجائزة بالإجماع هي ما اجتمعت فيها الشروط الثلاثة، وأما الرقى الشركية المحرمة فهي: التي فيها استعاذة، أو استغاثة بغير الله، أو كان فيها شيء من أسماء الشياطين أو اعتقد المرقي فيها أنها تؤثر بنفسها وهي التي قال عليه الصلاة والسلام فيها: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (1) كما سيأتي بيانه.
والتمائم: جمع تميمة - وقد ذكر تفسيرها مختصرا من قبل - وهي تجمع أنواعا كثيرة فالتمائم تجمع كل ما يعلّق، أو يتخذ مما يراد منه تتميم أمر الخير للعبد، أو دفع الضرر عنه ويعتقد فيه أنه سبب. ولم يجعل الله - جل وعلا - ذلك الشيء سببا لا شرعا، ولا قدرا.
فالتميمة - إذًا - شيء يتخذ من جلد، أو ورق، ويكون فيه أذكار وأدعية وتعوذات تعلّق على الصدر، أو في التعضد، وقد تتخذ التميمة من خرزات وحبال ونحو ذلك، يعلق على الصدر، وقد تكون التميمة باتخاذ شيء يجعل على باب البيت، أو في السيارة، أو أي مكان ما، فالحاصل: أن التمائم يجمعها أنها: شيء يراد منه تتميم أمر الخير، وتتيم أمر دفع الضر وذلك الشيء لم يؤذن به لا شرعا، ولا قدرا.
_________
(1) تقدم.

(1/109)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فالتميمة - إذًا - ليست خاصة بصورة معينة، بل تشمل أمورا كثيرة وتعم أصنافا عديدة، مثل ما نراه على كثير من أهل زماننا، من تعليقهم أشياء على صدورهم: مثل جلود صغيرة يجعلونها على رقابهم، أو تكون على العضد، أو يربطونها على بطونهم لرفع الأمراض الباطنية: كالإسهال، والقيء، ونحوهما.
ومنهم من يجعل في سيارته رأس دب، أو أرنب، أو غيرها من الأشكال، كحدوة الفرس، أو يعلق خرزات، ومسابح خشبية، ونحو ذلك على المرايا الأمامية للسيارة. ومنهم من يلبس سلسلة فيها شكل عين صغيرة، وبعضهم قد يعلّق على مدخل الباب رأس ذئب، أو غزال، أو يضع على مطرق الباب حدوة فرس، اعتقادا من أصحابها أنها تدفع العين، أو تجلب لهم النفع.
فكل هذه أنواع، وأصناف، وصور للتمائم، أحدثها الناس على اختلاف الأزمان.
لكن من الناس من يقول: إنما أعلق هذه الأشياء للزينة، ولا أستحضر هذه المعاني المحظورة، فهذا يقوله طائفة قليلة من الناس.
فنقول: إن علق التمائم لدفع الضر، واعتقد أنها سبب لذلك: فيكون قد أشرك الشرك الأصغر، وإن علقها للزينة فهو محرم؛ لأجل مشابهته من يشرك الشرك الأصغر، فدار الأمر - إذًا - على النهي عن التمائم كلها، سواء اعتقد فيها أو لم يعتقد؛ لأن حاله إن اعتقد أنها سبب: فهو شرك أصغر، وإن لم يعتقد فيكون قد شابه أولئك المشركين، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من تشبه بقوم فهو منهم» (1) .
_________
(1) أخرجه أحمد في مسنده (5114) وابن أبي شيبة في مصنفه (19437) وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (6 / 98) .

(1/110)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله - رحمه الله -: (في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه: «أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت» (1) .
وجه الاستدلال بهذا الحديث: أن تعليق القلادة من الوتر على البعير مأمور بقطعه. والأمر بقطعه؛ لأجل أن العرب تعتقد أنها تدفع العين عن الأبعرة، والنَّعَم، فيعلّقون عليها الأوتار على شكل قلائد، وربما ناطوا بالأوتار أشياء من خرز، أو من شعر، أو نحو ذلك لدفع العين، فهذا نوع من أنواع التمائم. فمناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة، وهي: أن قوله: «لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت» ظاهر في النهي عن التمائم، وأن هذا النوع يجب قطعه، وإنما يجب قطعه؟ لأن في تعليقه اعتقاد أنه يدفع الضر أو أنه يجلب النفع، وهذا الاعتقاد اعتقاد شركي.
قوله: (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» ) ، فهذا الحديث تضمن تأكيدا؛ لأن دخول (إن) على الجملة الخبرية بعدها يفيد تأكيد ما تضمنته.
وقوله هنا: (الرقى) لما دخلت عليها (الألف واللام) أفادت العموم، فهذا الحديث أفاد بعمومه أن كل الرقى من الشرك، وأن كل التمائم من الشرك، وأن كل التولة من الشرك، فتكون هذه الأنواع كلها من الشرك.
_________
(1) تقدم.

(1/111)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وهذا العموم خص الدليل منه الرقى وحدها، وهو قوله: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا» (1) وبأن النبي صلى الله عليه وسلم رقى ورقي - عليه الصلاة والسلام -، فدل الدليل - إذًا - على أن العموم هاهنا مخصوص، فليس كل أنواع الرقية شرك، بل بعض أنواع الرقية، وهي: التي اشتملت على شرك، فالعموم هنا مخصوص، وقد خرج منه ما لم يكن فيه شرك وقد جاء الحديث بلفظ: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا» (2) وفي لفظ آخر قال: «لا بأس بالرقى ما لم يكن شرك» (3) أما التمائم فلم يخص الدليل بالجواز منها نوعا دون نوع، فتكون التمائم بكل أنواعها شركا لعدم ورود ما يخصص بعضها؛ إذ لم يستثن الشارع منها شيئا، والأصل بقاء العام على عمومه، والتخصيص يكون بالشرع، ولم يرد هنا، فيبقى على الأصل.
قوله: " والتولة ": التولة كما فسرها الشيخ - رحمه الله -: شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى زوجه، وهو نوع من السحر، ويسمى عند العامة الصرف والعطف، فهو نوع من السحر يصنع فيجلب شيئا، ويدفع شيئا - بحسب اعتقادهم - وهي في الحقيقة نوع من أنواع التمائم لأنها تصنع ويكون الساحر هو الذي يرقي فيها الرقية الشركية، فيجعل المرأة تحب زوجها، أو يجعل الرجل يحب زوجته، وهذا نوع من أنواع السحر، والسحر شرك بالله - جل وعلا - وكفر عام في كل أنواع التولة، فهي شرك كلها.
_________
(1) تقدم.
(2) تقدم.
(3) تقدم.

(1/112)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: «من تعلق شيئا وُكِلَ إليه» (1) (شيئا) - هنا - نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الأشياء فكل من علّق شيئا وُكِلَ إليه فمن أخرج صورة من صور التعليق عن هذا العموم كانت الحجة عليه؛ لأن هذا الدليل عام، ويفيد أن من تعلق أي شيء من الأشياء فإنه يُوكل إليه، والعبد إنما يكون عزه، ويكون فلاحه، ونجاحه، وحسن قصده، وحسن عمله في تعلقه بالله وحده، فيتعلق بالله وحده في أعماله، وفي أقواله، وفي مستقبله، وفي دفع المضار عنه، فيكون أنس قلبه بالله، وسروره بالله، وتعلقه بالله، وتفويض أمره إلى الله، وتوكله على الله جل وعلا فمن كان كذلك وتوكل على الله، وطرد الخلق من قلبه: فإنه لو كادته السماوات والأرض لجعل الله - جل وعلا - له من بينها مخرجا؛ لأنه توكل وفوض أمره على العظيم - جل جلاله وتقدست أسماؤه -، فقال هنا: «من تعلّق شيئا وُكِلَ إليه» فإذا تعلق العبد تميمة وكل إليها، فما ظنك بمن وكل إلى خرقه، أو إلى خرز، أو إلى حدوة حصان، أو إلى شكل حيوان، ونحو ذلك، لا شك أن خسارته أعظم الخسارة.
ووجه الاستدلال هنا في قوله: «من تعلق شيئا» أنه ذكر نتيجة التعلق وهو أنه يوكل إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق شيئا وكل إليه، وإذا وكل إليه فمعنى ذلك أنه خسر في ذلك الخسران المبين.
_________
(1) تقدم.

(1/113)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
والشيخ - رحمه الله - لم يصدِّر الباب بحكم، فيكون الاستدلال على حكمها مستفاد من هذه الأحاديث.
قوله: (التمائم شيء يعلّق على الأولاد يتقون به العين) : (شيء) هنا شاملة لأي شيء يعلّق دون صفة معينة، وخص بعض العلماء التمائم بما كان متخذا من الخرز، وبعضهم خصة بما كان مصنوعا من الجلد ونحوه، وهذا ليس بجيد، بل التمائم اسم يعم كل ما يعلق لدفع العين واتقاء الضرر، أو لجلب خير نفسي.
ثم قال: (لكن إذا كان المعلّق من القرآن فرخص فيه بعض السلف) يعني: إذا كان المعلّق من القرآن بمعنى أنه جعل في منزله مصحفا؛ ليدفع العين، أو علّق على صدره شيئا كسورة الإخلاص، أو آية الكرسي، ليدفع العين، أو ليدفع الضرر عنه، فهذا من حيث التعليق يسمى تميمة، فهل هذه التميمة جائزة أو غير جائزة؟ قال الشيخ - رحمه الله -: إن التمائم إذا كانت من القرآن فقد اختلف فيها السلف، فجوزها، ورخّص فيها بعض السلف، ويعني ببعض السلف: بعض كبار الصحابة، ومال إلى هذا القول بعض أهل العلم الكبار، وبعضهم لم يرخّص فيها كابن مسعود رضي الله عنه، وكأصحاب ابن مسعود الكبار، منهم: إبراهيم النخعي، وعلقمة، وعبيدة، والربيع بن خثيم، والأسود، وأصحاب ابن مسعود جميعا، فالحاصل: أن السلف اختلفوا في ذلك، ومن المعلوم أن القاعدة: أن السلف إذا اختلفوا في مسألة وجب الرجوع فيها إلى الدليل، والدليل قد دل على أن كل أنواع التمائم منهي عنها، كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «من تعلّق

(1/114)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
شيئا وُكِلَ إليه» ، وقوله: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» فمن تعلّق القرآن أو شيئا منه كان داخلا في النهي، لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فلا يكون مشركا؛ لأنه علق شيئا من صفات الله - جل وعلا - وهو كلام الله - جل وعلا - فلا يكون قد أشرك مخلوقا؛ لأن الشرك معناه: أن تشرك مخلوقا مع الله - جل وعلا - والقرآن ليس بمخلوق؛ بل هو كلام الله الباري - جل وعلا - منه بدأ، وإليه يعود، فإذا أخرجت التميمة المتخذة من القرآن عن كونها شركا من عموم قوله: «إن التمائم شرك» فلأجل كون القرآن كلام الله، ليس بمخلوق. لكن هل هي منهي عنها، أو غير منهي عنها؟؟ الجواب: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «من تعلق شيئا وكل إليه» ، ونهيه عن التمائم بأنواعها، دليل على أن تخصيص القرآن بالإذن من بين التمائم، ومن بين ما يعلق: يحتاج إلى دليل خاص؛ لأن إبقاء العموم على عمومه هو إبقاء لدلالة ما أراد الشارع الدلالة عليه بالألفاظ اللغوية، والتخصيص نوع من أنواع التشريع، فلا بد فيه من دليل واضح؛ لهذا صارت الحجة مع من يجعل التمائم التي من القرآن مما لا يُرخّص فيه كابن مسعود، وكغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك هو قول عامة أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها المحققون من أصحابه، وعليها المذهب عند المتأخرين.
بقي أن نقول: إن تجويز اتخاذ التمائم من القرآن يترتب عليه مفاسد منها:
1 - أنه يفضي إلى الاشتباه فقد نرى من عليه التميمة، فيشتبه علينا الأمر، هل هذه تميمة شركية، أو من القرآن؟ وإذا ورد هذا الاحتمال فإن المنكر على الشركيات يضعف عن الإنكار؛ لأنه سيقول: يحتمل أن تكون من القرآن،

(1/115)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فإجازة تعليق التمائم من القرآن فيه إبقاء للتمائم الشركية؛ لأن التمائم تكون مخفية غالبا، وإما في جلد، أو في نوع من القماش ونحو ذلك، فإذا رأينا من علق تميمة: وقلنا يحتمل أن تكون من القرآن، أو غيره، فإذا استفصلت منه، وقلت له: هل هذه تميمة شركية أو من القرآن؟ فمعلوم أن صاحب المنكر سيجيب: بأنها من القرآن حتى ينجو من الإنكار؛ لأنه يريد أن يسلم له تعليقها، فمن المفاسد العظيمة أن في: إقرار التمائم من القرآن إبقاء للتمائم الشركية، وفي النهي عنها سد لذريعة الإشراك بالتمائم الشركية، ولو لم يكن إلا هذا لكان كافيا.
2 - أن الجهلة من الناس إذا علقوا التمائم من القرآن تعلقت قلوبهم بها، فلا تكون عندهم مجرد أسباب، بل يعتقدون أن فيها خاصية بنفسها بجلب النفع، أو دفع الضر، ولا شك أن هذا فتحا لباب الاعتقادات الفاسدة على الناس يجب وصده ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بسد الذرائع.
3 - ومن المفاسد المتحققة أيضا أنه إذا علق شيئا من القرآن، فإنه يعرضه للامتهان، فقد ينام عليه، أو يدخل به مواضع قذرة، أو يكون معه في حالات لا يليق أن يكون معه فيها شيء من القرآن فهذا مما ينبغي اجتنابه وتركه.
فتحصل - بالدليل وبالتعليل -: أن تعليق التمائم بكل أنواعها: لا يجوز، فما كان منها من القرآن فنقول يحرم على الصحيح ولا يجوز، ويجب إنكاره، وما كان منها من غير القرآن، فهذا نقول فيه: إنه من الشرك بالله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (1) والتخصيص نوع من العلم فيجب أن يكون فيه دليل خاص.
_________
(1) تقدم.

(1/116)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بقي في تتمة الباب: ما رواه أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه» (1) هذا الحديث وارد في " باب ما جاء في الرقى والتمائم " وفيه ذكر تقلّد الوتر وأن محمدا عليه الصلاة والسلام بريء ممن تقلد وترا، وقد تقدم في أول الباب حديث أبي بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رسولا: «أن لا يبقين في عنق بعير قلادة من وتر، أو قال قلادة إلا قطعت» ، وهذا الحديث في معناه.
وقوله: في هذا الحديث: «تقلد وترا» فيه تقييد بالوتر، وهذا له مفهوم، وهو أن النهي ليس راجعا إلى القلادة من حيث هي بل إلى القلادة التي يُعتقد فيها أنها تدفع العين، وخص الوتر منها هنا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يقلدون الأوتار، وينوطون بها بعض الخرق، أو بعض الشعر، أو بعض العظام، لكي تدفع العين عن الأبعرة، وأما مجرد التقليد فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشعر هديه وأيضا فتلت له القلائد، وعلق القلائد لبيان أن ما أرسله إلى مكة هدي.
فالتقليد هنا خُص بالوتر؛ فيقال: القلادة التي تجعل على الحيوان أو على غيره إذا كانت مما يُعتقد فيها، أو يختص بها أهل الاعتقادات: فإنه يُنهى عنها ولهذا قيدها في حديث أبي بشير الأول بقوله: «لا يبقين في رقبة بعير
_________
(1) تقدم.

(1/117)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قلادة من وتر» (1) و (مِن) ها هنا بيانية، وكذلك هنا قال: «أو تقلد وترا» وهذا واضح المعنى في أنه جعل الوتر الذي قُلد تميمة.
وقوله في هذا الحديث: «فإن محمدا بريء منه» : هذا من الألفاظ التي تدل على أن هذا الفعل من الكبائر؛ لأن مما يستدل به على كون الفعل، أو القول، من الكبائر: أن يقال عن مرتكبه: الله ورسوله منه بريئان، أو يتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم منه؛ لأن ذلك يدل على عظم المعصية، وأن الشرك الأصغر من الكبائر كما أن الشرك الأكبر من الكبائر، والكبائر العملية - التي ليس معها اعتقاد - كالزنا والسرقة، وشرب الخمر: هي من حيث جنس المحرم والكبيرة أقل مرتبة من الشرك الأصغر فضلا عن الشرك الأكبر؛ ولهذا نقول: إن جنس الشرك الأصغر كاتخاذ التمائم، أو نحو ذلك هذا جنسه أعظم من حيث الذنب والكبيرة من جنس الكبائر العملية التي لا يصحب فاعلها حين فِعلها اعتقاد، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك. قوله: (وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة ") (2) يعني كان كتحرير رقبة، وهذا فيه فضيلة قطع التمائم وذلك لأنها شرك بالله - جل وعلا -، والشرك الأصغر مدخل للنار، وفاعله متوعد بالنار؛ كما في قوله - جل وعلا - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] [النساء: 48، 116] ونحو قوله صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا
_________
(1) تقدم.
(2) تقدم.

(1/118)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
دخل النار» وفي نحو قوله أيضا: «من مات وهو يشرك بالله شيئا دخل النار» فمن قطع تميمة من عنق من علقها: فهو في مقام إعتاق رقبة ذاك الذي قطعت منه التميمة من النار؛ لأنه استوجب بذلك الفعل الوعيد بالنار، فإذا قطع التميمة كان جزاؤه من جنس فعله، فكما أنه أعتق رقبة هذا المسلم من النار أثيب بأن له مثل إعتاق رقبة أي: في الأجر.
وهذا القول من سعيد بن جبير محمول على أنه مما سمعه من الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأن هذا مما لا يقال بالرأي، وإذا كان كذلك فله حكم المرسل؛ لأن فيه فضيلة خاصة جعلها سعيد بن جبير لمن قطع تميمة من رقبة إنسان، فيكون ذلك من قبيل المرسل، يعني: من قبيل المرفوع، وسعيد بن جبير تابعي من أصحاب ابن عباس فيكون مرسلا.
وفي حجية المرسل كلام: فالإمام أحمد، ومالك، يحتجون بالمرسل، وكذلك الإمام أبو حنيفة يحتج بالمرسل، ومنهم من يجعل له شروطا كالشافعي، ومنهم من يحتج بالمرسل إذا كان المعنى معروفا في الباب كما هاهنا.
وقال بعض أهل العلم: قول التابعي في الأشياء التي لا تدرك الاجتهاد، ولا يناط بها الرأي يكون محمولا على أنه قول صحابي، يعني: أنه سمعه من الصحابي، فيكون اجتهاد صحابي، وهذا ليس بقوي؛ لأنه إذا كان محمولا على أنه سمعه من الصحابي، فنقول أيضا: الصحابي لا يقوله من جهة الرأي، فلا بد أن يكون - إذًا - سمعه من الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن مثل هذا لا مدخل فيه للاجتهاد، والقول الأول هو المعروف، وهو أن هذه الصيغة من قبيل المرسل.

(1/119)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قوله: " وله ": يعني لوكيع.
" عن إبراهيم ": وهو النخعي، تلميذ ابن مسعود وإبراهيم النخعي عالم أهل الكوفة بعد ابن مسعود.
قوله: " كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن ": قوله: (كانوا) يعني: أصحاب ابن مسعود، كالأسود، وعلقمة، وكالربيع بن خثيم وكعبيدة السلماني، ونحو هؤلاء.

" باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما " يعني: ما حكم هذا الفعل؟
الجواب: هو مشرك يعني: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما فهو مشرك. وقوله: " من تبرك ": التبرك تفعُّل من البركة، وهو طلب البركة.
والبركة مأخوذة من حيث الاشتقاق من مادة (بروك) ، أو من كلمة (بركة) ، أما اشتقاقها من البروك: فبروك البعير يدل على ملازمته وثبوته في ذلك المكان، وأما اشتقاقها من البركة: فالبركة هي: مجتمع الماء، وهي تدل على كثرة الماء في هذا الموضع، وعلى لزومه له، وعلى ثبوته فيه.
فيكون معنى البركة - إذًا -: كثرة الشيء الذي فيه الخير، وثباته، ولزومه، فالتبرك هو: طلب الخير الكثير، وطلب ثباته، وطلب لزومه، فتبرّك، يعني: طلب البركة.
والنصوص في القرآن والسنة دلت على أن البركة من الله - جل وعلا - وأن الله - جل وعلا - هو الذي يبارك، وأنه لا أحد من الخلق يبارك أحدا، قال سبحانه {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] [الفرقان: 1] يعني: عَظُمَ خير من نزّل الفرقان على عبده، وكثر، ودام، وثبت. وقال: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] [الملك: 1] .

(1/120)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]