[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

التمهيد لشرح كتاب التوحيد

 [باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب]
باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب وقول الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] [النحل: 120] وقال {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] [المؤمنون: 59] عن حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقضَّ البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت: قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة "، قال قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه. فقال: " هم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/30)


الذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون " فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت منهم " ثم قام رجل، فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال " سبقك بها عكاشة» (1) .
فيه مسائل: الأولى معرفة مراتب الناس في التوحيد.
الثانية: ما معنى تحقيقه.
الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين.
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك.
الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل.
السابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.
الثامنة: حرصهم على الخير.
التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكَمية والكيفية.
العاشرة: فضيلة أصحاب موسى.
الحادية عشرة: عرض الأمم عليه - عليه الصلاة والسلام -.
الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها.
الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________
(1) أخرجه البخاري (3410) ، (5705) ، (5752) ، (6472) ، (6541) ومسلم (220) .

(1/31)


الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده.
الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة وعدم الزهد في القلة.
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحُمَة.
السابعة عشرة: عمق علم السلف لقوله " قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا ". فعُلِم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
الثامنة عشرة: بُعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.
التاسعة عشرة: قوله «أنت منهم» عَلَمٌ من أعلام النبوة.
العشرون: فضيلة عُكَّاشة.
الحادية والعشرون: استعمال المعاريض.
الثانية والعشرون: حُسْنُ خُلُقِه - صلى الله عليه وسلم -.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

(1/32)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
الشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومعنى تحقيق الشهادتين: تصفية الدين من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فصار تحقيق التوحيد يرجع إلى ثلاثة أشياء:
الأول: ترك الشرك بأنواعه: الأكبر، والأصغر، والخفي.
والثاني: ترك البدع بأنواعها.
الثالث: ترك المعاصي بأنواعها.
فيكون تحقيق التوحيد على هذا على درجتين: درجة واجبة ودرجة مستحبة، وعليها يكون الذين حققوا التوحيد على درجتين أيضا، فالدرجة الواجبة: أن يترك ما يجب تركه من الأشياء الثلاثة التي ذكرت، فيترك الشرك خفيه وجليه، صغيره وكبيره، ويترك البدع، ويترك المعاصي، هذه درجة واجبة.
والدرجة المستحبة في تحقيق التوحيد - وهي التي يتفاضل فيها الناس من المحققين للتوحيد أعظم تفاضل - هي ألا يكون في القلب شيء من التوجه أو القصد لغير الله - جل وعلا - يعني: أن يكون القلب متوجها إلى الله بكليته، ليس فيه التفت إلى غير الله، فيكون نطقه لله، وفعله وعمله لله، بل وحركة قلبه لله - جل جلاله -، وقد عبر عنها بعض أهل العلم - أعني هذه الدرجة المستحبة - بقوله: أن يترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس، يعني: في مجال أعمال القلوب، وأعمال اللسان، وأعمال الجوارح.
فإذًا رجع تحقيق التوحيد الذي هذا فضله - وهو أن يدخل أهله الجنة بغير حساب، ولا عذاب - رجع إلى تينك المرتبتين، وتحقيقه تحقيق الشهادتين: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ؛ لأن في قوله، (لا إله إلا الله) الإتيان

(1/33)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
بالتوحيد، والبعد عن الشرك بأنواعه، ولأن في قوله: (أشهد أن محمدا رسول الله) البعد عن المعصية، والبعد عن البدع؛ لأن مقتضى الشهادة بأن محمدا رسول الله: أن يُطاع فيما أمر، وأن يصدَّق فيما أخبر، وأن يُجتَنَبَ ما عنه نَهَى وزَجَرَ، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فمن أتى شيئا من المعاصي والذنوب، أو البدع ثم لم يتب منها أو لم تكفر له فإنه لم يحقق التوحيد الواجب وإذا لم يأت شيئا من البدع، ولكن حسَّنها بقلبه، أو قال: لا شيء فيها؛ فإن حركة قلب من ذا شأنه لما كانت في غير تحقيق التوحيد وفي غير تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله: فإنه لا يكون من أهل تحقيق التوحيد، وكذلك أهل الشرك بأنواعه ليسوا من أهل تحقيق التوحيد. وأما مرتبة الخاصة التي ذُكِرَتْ ففيها يتنافس المتنافسون وما ثمَّ إلا عفو الله، ومغفرته، ورضوانه.
واستدل الشيخ في " باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب " بآيتين وبحديث، أما الآية الأولى فهي قول الله تعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] [النحل: 120] وهذه الآية فيها الدلالة على أن إبراهيم - عليه السلام - كان محققا للتوحيد.
وجه الدلالة: أن الله - جل وعلا - وصفه بصفات:
الأولى: أنه كان (أمة) ، والأمة: هو الإمام الذي جمع جميع صفات الكمال البشري وصفات الخير، وهذا يعني أنه لم ينقص من صفات الخير شيئا وهذا معنى تحقيق التوحيد. والأمة تطلق في القرآن إطلاقات، فمن

(1/34)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
تلك الإطلاقات: أن يكون معنى الأمة الإمام المقتدَى به في الخير، وسُمِّي أمة؛ لأنه يقوم مقام أمة في الاقتداء؛ ولأن من سار على سيره يكون غير مستوحش ولا متردد؛ لأنه ليس مع واحد فقط، وإنما هو مع أمة.
الوصف الثاني الذي فيه تحقيق التوحيد: أنه قال: {قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل: 120] وهاتان الصفتان: - القانت، والحنيف - متلازمتان لأن القنوت لله معناه: دوام الطاعة لله - جل وعلا - وملازمتها فهو ملازم لطاعة الله - جل وعلا -. ولأن " الحنيف " - كما يقول العلماء -: هو ذو الحنف وهو الميل عن طريق المشركين، فالحنيف هو المائل عن طريق المشركين المائل عن هدي وسبيل المشركين فصارت عنده ديمومة وقنوت وملازمة للطاعة وبُعْد عن سبيل المشركين، ومعلوم أن سبيل المشركين الذي صار إبراهيم عليه السلام حنيفا، أي مائلا بعيدا عنه: معلوم أنه يشتمل على الشرك، والبدعة، والمعصية فهذه الثلاث هي أخلاق المشركين: الشرك، والبدعة، والمعصية من غير إنابة ولا استغفار.
قال {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120]
وقوله: {وَلَمْ يَكُ} [النحل: 120] كانت في الأصل: يكن، ويجوز في حالة الجزم - بشروط - حذف نون (يكن) ؛ كما في الآية السابقة. وكما في قوله تعالى في سورة النحل: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127] [النحل: 127] ويجوز إثباتها كما في قوله تعالى: {وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النمل: 70] في سورة النمل [النمل: 70] .

(1/35)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
فإثبات النون وحذفها وجهان جائزان في اللغة - بشروطه المعروفة -.
وقوله تعالى: {مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] المشركين: جمع تصحيح لـ (المشرك) ، والمشرك اسم فاعل الشرك، و (أل) - كما هو معلوم في العربية - إذا دخلت على اسم الفاعل أو اسم المفعول فإنها تكون موصولة، كما قال ابن مالك في الألفية:
وصفة صريحة صلة أل ... وكونها بمعرب الأفعال قل
والاسم الموصول عند الأصوليين يدل على العموم، فيكون معنى قوله - إذًا -: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] أنه لم يك فاعلا للشرك بأنواعه، ولم يك منهم.
ودلَّ قوله - أيضا - {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] على أنه ابتعد عنهم، لأن (مِنْ) تحتمل أن تكون تبعيضية، فتكون المباعدة بالأجسام، ويحتمل أن تكون بيانية، فتكون المباعدة بمعنى الشرك. فالمقصود: أن الشيخ - رحمه الله - استحضر هذه المعاني من الآية فدلته على أنها في تحقيق التوحيد.
قال - جل وعلا -: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] ذلك لأن من جَمَع تلك الصفات فقد حقق التوحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.
وقد فسر إمام الدعوة - المصنف - الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، هذه الآية من أواخر سورة النحل، فقال - رحمه الله -: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120]

(1/36)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، {قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120] لا للملوك، ولا للتجار المترفين، {حَنِيفًا} [النحل: 120] لا يميل يمينا، ولا شمالا، كحال العلماء المفتونين {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] خلافا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين. وهو من التفاسير الرائقة البعيدة المعاني {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35]
ثم قال بعد ذلك: (وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] [المؤمنون: 59] ) : وهذه الآيات في سورة المؤمنون، وهي في مدح خاصة المؤمنين.
ووجه الاستدلال من الآية على الباب: أن الله قال: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] فقوله: {لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] نفي للشرك، وقد ذكرنا من قبل أن النفي إذا تسلط على الفعل المضارع، فإنه يفيد عموم المصدر الذي يدل عليه الفعل، فكأنه - جل وعلا - قال: والذين هم بربهم لا يفعلون شركا، أو لا يشركون لا بشرك أكبر، ولا أصغر، ولا خفي.
والذين لا يشرك هو الموحد، فصار عندنا لازم، وهو أن من لم يشرك بالله أيَّ نوع من الشرك، فإنه ما ترك الشرك إلا لتوحيده، قال العلماء: قدم هنا قوله: {بِرَبِّهِمْ} [المؤمنون: 59] في قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] لأن الربوبية تستلزم العبودية، فصار عدم الإشراك في الربوبية معناه عدم الإشراك في الطاعة، وعدم الإشراك في العبودية وهذا وصف الذين حققوا التوحيد؛ لأنه

(1/37)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
يلزم من عدم الإشراك: ألا يُشرِك هواه؛ لأن المرء إذا أشرك هواه: أتى بالبدع، أو أتى بالمعصية، فصار نفي الشرك نفيا للشرك بأنواعه ونفيا للبدعة، ونفيا للمعصية، وهذا هو تحقيق التوحيد لله - جل وعلا -.
فالآية - إذًا - دالة على ما ترجم له الإمام - رحمه الله - بقوله: " باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ".
أما الحديث فطويل، وموضع الشاهد منه قوله - عليه الصلاة والسلام -: «فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب " ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه. فقال: " هم الذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يكْتَوُون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» . هذا الحديث في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذه صفة من صفاتهم، وتلك الصفة خاصة بهم، لا يلتبس أمرهم بغيرهم؛ لأن هذه الصفة كالشامة يعرفون بها. فَمَنْ هم الذين حققوا التوحيد؟ الجواب في قوله: «هم الذين لا يَسْتَرْقُون، ولا يكْتَوُون، ولا يتطيرون» ، فذكر أربع صفات:
أنهم «لا يَسْتَرْقُون» : ومعنى يَسْتَرْقُون: يعني لا يطلبون الرقية؛ لأن الطالب للرقية يكون في قلبه ميل للراقي، حتى يرفع ما به من جهة السبب. وهذا النفي الوارد في قوله: «لا يسترقون» ؛ لأن الناس في شأن الرقية تتعلق

(1/38)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
قلوبهم بها جدا أكثر من تعلقهم بالطب ونحوه، فالعرب في الجاهلية - وهكذا هو حال أكثر الناس - لهم تعلق بالرقية، فالقلب يتعلق بالراقي، ويتعلق بالرقية؛ وهذا ينافي كمال التوكل على الله - جل جلاله - وأما ما جاء في بعض الروايات أنهم «الذين لا يرقون» فهذا غلط؛ وهو لفظ شاذ، لأن الراقي محسن إلى غيره، والصواب ما جاء في هذه الرواية من أنهم «الذين لا يسترقون» يعني: الذين لا يطلبون الرقية؛ وذلك لأن طالب الرقية يكون في قلبه ميل إلى هذا الذي رقاه وإلى الرقية، ونوع توكل، أو نوع استرواح لهذا الذي يرقي أو للرقية.
ثم قال: «ولا يكتوون» : والكي مكروه في أصله؛ لأن فيه تعذيبا بالنار، مع أنه مأذون به شرعا، لكن فيه كراهة. والعرب تعتقد أن الكي يحدث المقصود دائما؛ فلهذا تتعلق قلوبهم بالكي. فصار تعلق القلب بهذا الكي من جهة أنه سبب يؤثر دائما، ومعلوم أن الكي يؤثر - بإذن الله جل وعلا -: إذا اجتمعت الأسباب، وانتفت الموانع. فالنفي لأجل أن في الكي بخصوصه ما يتعلق الناس به من أجله.
ثم قال: «ولا يتطيرون» : والطيرة شيء يعرض على القلب من جراء شيء يحدث أمامه؛ فيجعله يقدم على أمر، أو يحجم عنه، وهذه صفة من لم يكن التوكل في قلبه عظيما.
ثم قال بعدها: «وعلى ربهم يتوكلون» : وهي جامعة للصفات السابقة. وهذه الصفات ليس المقصود منها أن الذين حققوا التوحيد لا يباشرون الأسباب، كما فهمه بعضهم، وأن الكمال ألا يباشر سببا البتة، أو ألا يتداوى

(1/39)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
البتة! وهذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رُقي: (1) ولأنه - عليه الصلاة والسلام - تداوى وأمر بالتداوي (2) وأمر أيضا بعض الصحابة بأن يكتوي (3) ونحو ذلك فليس في الحديث أن أولئك لا يباشرون الأسباب مطلقا، أو لا يباشرون أسباب الدواء، وإنما فيه ذكر لهذه الثلاث بخصوصها، لأنه يكثر تعلق القلب والتفاته إلى الراقي، أو إلى الكي، أو الكاوي، أو إلى التطير، ففيها إنقاص من مقام التوكل. أما التداوي: فهو مشروع، وهو: إما واجب، أو مستحب، وقد يكون في بعض الأحوال مباحا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام» (4) فالمقصود من هذا: أن التداوي ليس خارما لتحقيق التوحيد ولكن الذي هو من صفة أهل تحقيق التوحيد أنهم لا يسترقون بخصوص الرقية، ولا يكتوون بخصوص الكي، ولا يتطيرون، وأما ما عدا ذلك مما أذن به، فلا يدخل فيما يختص به أهل تحقيق التوحيد.
والأظهر عندي أن قوله في هذا الحديث «لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون» أنه مخصوص بهذه الثلاثة.
قال: «فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت منهم " ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " سبقك بها عكاشة» : هذا فيه دليل على
_________
(1) أخرجه مسلم (2186) والترمذي (972) .
(2) أخرجه أحمد (4 / 278) والترمذي (2039) .
(3) أخرجه البخاري (5680) ، (5681) .
(4) أخرجه أبو داود (3874) والترمذي (2045) .

(1/40)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
أن أهل تحقيق التوحيد قليل وليسوا بكثير، ولهذا جاء عددهم في هذا الحديث بأنهم سبعون ألفا، وقد جاء في بعض الروايات عند الإمام أحمد وعند غيره بأن الله - جل وعلا - أعطى النبي صلى الله عليه وسلم مع كل ألف من السبعين سبعين ألفا (1) فيكون العدد قرابة خمسة ملايين من هذه الأمة، فإن كان ذلك الحديث صحيحا - وقد صحح إسناده بعض أهل العلم - فإنه لا يكون للعدد في هذا الحديث مفهوم، أو كان ذلك قبل سؤال النبي صلى الله عليه وسلم أن يُزاد في عدد أولئك الذين حققوا التوحيد. فإن قيل: ما معنى أن يُزاد في عددهم؟ فالجواب: أن المعنى أن الله - جل وعلا - يَمُنُّ على أناس من هذه الأمة - غير السبعين ألفا - ممن سيأتون بَعْدُ، فيوفقهم لعمل تحقيق التوحيد؛ فالله - جل وعلا - هو الذي يوفق، وهو الذي يهدي، ثم هو الذي يجازي. فما أعظمه من محسن، بَرٍّ، كريم، رحيم.

كل من حقق التوحيد فلا بد أن يخاف من الشرك؛ ولهذا كان سيد المحققين للتوحيد محمد - عليه الصلاة والسلام - يُكثر من الدعاء بأن يبعد عنه الشرك، وكذلك كان إبراهيم - عليه السلام - يكثر من الدعاء؛ لئلا يدركه الشرك، أو عبادة الأصنام.
فمناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة، وهي أن تحقيق التوحيد عند أهله لا بد أن يقترن معه الخوف من الشرك، وقَلَّ من يكون مخاطرا بتوحيده أو غير خائف من الشرك، ويكون مع هذا على مراتب الكمال، بل لا يوجد. فكل محقق للتوحيد، وكل راغب فيه حريص عليه: يخاف من الشرك، وإذا خاف من الشرك فإن الخوف الذي هو فزع القلب وهلعه، يجعل العبد حريصا كل الحرص على البعد عن الشرك والهروب منه والخوف من الشرك يثمر ثمرات منها:
_________
(1) أخرجه أحمد في المسند (2 / 359) والبيهقي في الشعب (416) .

(1/41)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]