[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]

الإرشاد إلى توحيد رب العباد

في ذكر السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قبره والسلام على صاحبيه
ليست زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبةً ولا شرطًا في الحج ولا في غيره، كما يظنه بعض العامة وأشباههم؛ بل هي مستحبَّةٌ في حق من زار مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو كان قريبا منه من الرجال، والذي يستحب لزائر مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أن يقدم رجلَه اليمنى عند دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك. كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد؛ إذ ليس لدخول مسجده - صلى الله عليه وسلم - ودخول المسجد الحرام ذكر مخصوص، كما قال ذلك أهل التحقيق، ثم يصلي ركعتين فيدعو الله فيهما بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، وإن صلَّاهما في الروضة الشريفة فهو أفضل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة».
أما الفريضة فينبغي للزائر والمستوطن أن يتقدم إليها ويحافظ على الصف الأول فالأول، وإن كان في الزيادة القبْلية؛ لما جاء في

(1/116)


الأحاديث الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحث والترغيب في الصف الأول؛ مثل قوله: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». رواه البخاري ومسلم. ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال الرجل يتأخر عن الصلاة حتى يؤخره الله». أخرجه مسلم.
والأحاديث في هذا كثيرة معلومة، وهي عامَّةٌ في مسجده - صلى الله عليه وسلم - وغير مسجده، والدليل على عمومها: حثُّه - صلى الله عليه وسلم - الصحابة على ميامن الصفوف، ومعلوم أن يمين الصف في مسجده - صلى الله عليه وسلم - خارج عن الروضة، أما النساء فلا يجوز لهن التقدم؛ بل يتأخرون خلف الرجال، وكلما كانت المرأة بعيدة عن مشاهدة الرجال فذلك أفضل، ثم بعدما يصلي الزائر تحية المسجد يزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر، فيقف تجاه قبره - صلى الله عليه وسلم - بأدب. وأبو حنيفة يرى أن يقف الزائر متوجها إلى القبلة، ثم يسلم عليه - صلى الله عليه وسلم - ويغض صوته ويقول: السلام عليكم يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
والأحاديث الصحيحة الثابتة دالَّة على أنه - صلى الله عليه وسلم - ميت كما دل على ذلك القرآن الكريم، وموته - صلى الله عليه وسلم - أمر متفق عليه بين أهل العلم، ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية، كما

(1/117)


أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم المذكورة في القرآن الكريم، وكذلك جميع الأموات، كما تقدم ذكر ذلك في الكلام على الحياة البرزخية.
ثم بعد السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - يسلم على صاحبيه، والاقتصار على السلام هو المأثور عن الصحابة - رضي الله عنهم، وهو الذي يقول به الأئمة، وكان ابن عمر إذا سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه لايزيد غالبا على قوله: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ثم ينصرف.
وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو؛ ولكن يسلِّم ويمضي، وكان الصحابة لا يكثرون المجيء إلى القبر للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لعلمهم بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ قبره عيدا، ولعلمهم أن ما شرع من الصلاة والسلام عليه في الصلاة وعند دخول المسجد والخروج منه وفي كل وقت وسؤال الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود له بعد الأذان تحصل به الفضيلة، ولعلمهم أن الصلاة والسلام عليه يَصِلان إليه من البعيد كما يصلان من القريب؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه أبو داود: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وكما قال: «إن لله ملائكة

(1/118)


سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». رواه النسائي.
وأما رفع الصوت عند قبره - صلى الله عليه وسلم - وطول القيام هناك فهو خلاف المشروع؛ لأن الله نهى الأمة عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحثَّهم على غضِّ الصوت عنده؛ كما قال - سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 3].
والرسول - صلى الله عليه وسلم - محترم حيًّا وميتًا؛ فلا ينبغي للمؤمن أن يفعل عند قبره ما يخالف الأدب الشرعي، وقد رأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلين يرفعان أصواتهما في مسجده - صلى الله عليه وسلم - ورآهما غريبين فقال: أما علمتما أن الأصوات لا تُرفع في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! لو أنكما من أهل البلد لأوجعتُكما ضربًا، وهكذا ما يفعله البعض من تحرِّي الدعاء عنده - صلى الله عليه وسلم - مستقبلًا للقبر؛ فإنه خلاف ما كان عليه السف الصالح، وقد رأى عليٌّ بن الحسين زين العابدين - رضي الله عنهما - رجلا يدعو عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فنهاه عن ذلك وقال: ألا أحدثك حديثا سمعتُه من

(1/119)


أبي عن جدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم». رواه أبو داود وخرجه الحافظ محمد المقدسي في المختارة.
وهكذا ما يفعله البعض عند السلام عليه - صلى الله عليه وسلم - من وضع يمينه على شماله فوق صدره أو تحته كهيئة المصلي؛ فهذه الهيئة لا تجوز عند المخلوق حيًّا أو ميتا؛ لأنها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله؛ كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر عن العلماء، وكذا ما يفعله بعض الجالسين في المسجد من استقبال القبر الشريف وتفضيل ذلك على استقبال القبلة، وربما حرك الواحد منهم شفتيه بالسلام والدعاء، وهذا من جنس ما قبله من المحدثات، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله، وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة، وقد أنكر الإمام مالك - يرحمه الله - هذا العمل وأشباهه وقال: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ومعلوم أن الذي أصلح أول هذه الأمة هو السير على منهاج النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأتباعه بإحسان.
وقد تقدم الكلام على عدم جواز التمسح بالقبر أو بحائط الحجرة، والأئمة مجمعون على ذلك؛ روى يحيى بن معين قال: حدثنا

(1/120)


أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره مس قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وممن ذكر هذا الشيخ علي بن عمر القزويني في أماليه، وهذا موافق لما ذكره الأئمة أحمد وغيره عن ابن عمر.
وما ذكره الفقهاء في بعض المناسك وكتب الفقه من استحسان قول الزائر حين سلامه على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قبره: السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين، أشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاد. فذلك لأنه من أوصافه - صلى الله عليه وسلم -؛ ولكنه لم يرد به سنة. وهذه الزيارة لقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما تشرع في حق الرجال، أما النساء فإنه يترتب على زيارتهن له مزاحمة الرجال وفتنتهم والافتتان بهم، وهذا لا يجوز.
وأما قصد المدينة للصلاة في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والدعاء فيه ونحو ذلك مما يشرع في سائر المساجد فهو مشروع في حق الجميع. والله أعلم.

(1/121)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]