نزهة النظر - الباب الأول: النص المحقق
مدخل
مقدمة المؤلف
...
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال الشيخ العلامة الرحلة1 شيخ الإسلام علَم الأعلام شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني الشهير بابن حجر، الشافعي، فسح الله في مدته2، وأعاد على المسلمين من بركته:
[مقدّمة المؤلف]
الحمد لله الذي لم يزل عالماً3 قديراً، حياً قيوماً سميعاً بصيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأُكَبِّرُه تكبيراً، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافة4 بشيراً ونذيراً وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
__________
1 الرحلة: المقصود بها: مَن يُرحَلُ إليه؛ لعلمه.
2 هذا دليلٌ على أنّ هذه النسخة قد كُتِبَت في حياة المؤلف، رحمه الله تعالى.
3 هكذا في الأصل. وفي نسخةٍ: عليماً. وهذا هو الأَوْلى، وهو المطابق للآيات ووزن ما بعدها.
4 قوله: كافة. غير موجود في بعض النسخ.

(1/29)


المؤلفون في مصطلح الحديث و مؤلفاتهم
...
[المؤلفون في مصطلح الحديث ومؤلفاتهم]
أما بعد: فإن التصانيف في اصطلاح أهل الحديث، قد كثرت للأئمة في القديم والحديث.
فمِن أوّلِ مَن صَنَّفَ في ذلك1:
__________
1 أَوّلِيّة علم المصطلح والمؤلفات فيه:

(1/29)


ـ
= فيما يتعلق بأولية التأليف فيه ينبغي أن يُلاحظ الآتي:
1- عبارة المؤلف هنا فَمِن أول من صَنَّفَ في ذلك...، وفي تدريب الراوي 1/52 للسيوطي نقلاً عن المصنف: أول مَن صَنَّفَ...، وكأَنّ مِن سقطت خطأً في أثناء النقل والنّسْخ.
2- الأولية هنا إنما هي في التأليف في المصطلح مجموعاً مستقلاً، وقد سَبَق بعضُ الأئمة في الكتابة في علوم الحديث الإمامَ الرامهرمزيَّ، كالإمام مسلم، والإمام الترمذيّ.
3- لا ينبغي أن يُفْهم مِن الوصف بالأوليةِ الأوليةُ الحرفية: بأن نعتقد أنه لم يؤلِّف أحدٌ قبل الرامهرمزي، بل المقصود أنه معدودٌ في المصنفين الأوائل، أو أنه ممن تقدم زمنه بالتصنيف في هذا العلم.
وهذا الفهم جارٍ على ما يجب فهمه من إطلاق الوصف بالأولية في أغلب استعمالات الناس.
4- وجود علم المصطلح لم يكن متوقفاً على الكتابة فيه، باعتباره علماً مستقلاً، بل وجوده سابق على هذه المرحلة بكثير، وإنما وُجِدَتْ قواعده الأساسية ببداية النقل والرواية في الإسلام أَيْ: منذ كان القرآن ينزل والرسول صلى الله عليه وسلم حياً ويتلو كتاب الله ويُحَدِّثُ أصحابه.
ملحوظات حول ما ذكره من المؤلفات:
* الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع.
من أنفس الكتب في بابه، يُعَدُّ متخصصاً في هذا الموضوع، وقد رجع إليه الدكتور أسد رستم النصراني، وأخرج كتابه مصطلح التاريخ، وهو كتاب قد أشاد بمنهج المحدثين، وبمنهج القاضي عياض وما أورده في هذه الرسالة اللطيفة عن أصول الضبط والنقد.
وقد نقل ابن الصلاح في مقدمته كثيراً مما عَرَض له القاضي عياض، وهذه معلوماتٌ لا يستغني عنها طالب العلم بعامة، ولا سيما في كتابة البحوث العلمية تحقيقاً أو دراسة، وطالب الحديث بخاصة.
*أما كتاب الميانجي فاسمه أكبرُ مِن واقعه. صحيح أنه صاغ شيئاً مما لا يسع المحدِّث جهله في وريقات إلاّ أن ما يحتاج إليه المحدِّث أكبر من ذلك بكثير.
* أما مقدمة ابن الصلاح فكما ذكر ابن حجر، رحمه الله، فقد التزم فيها بالجمع من كتب الخطيب وغيره. وتمتاز بالشمول في تَناوُلِ علوم الحديث، وما ذكره من الملاحظة على الترتيب يضاف إليه أن المؤلف رحمه الله عَرَضَ لعلومِ الحديث على عناوين مرقَّمَة أوصلَها إلى 65 نوعاً، وذكرها سرْداً في أول الكتاب، وقال: وهذه فهرست أنواعهثم تناولها على هذا الترتيب الذي ذكر، وهو أسلوبٌ جيّد يَدُلُّ على جودة الترتيب العامّ لموضوعات الكتاب، ولكنّ ملاحظة الإمام ابن حجر تصْدق على ما هو أخصُّ من العناوين العامّة، حيث جاءت كثيرٌ من القضايا في غير مواضعها، وقد أوردها في صورةِ ملاحظات، وتعقيبات، ونحو ذلك، موضوعةً في مظانّ قد يكون غيرها من المواطِن أولى بها منها.
* وسار على هذا السيوطي في تدريب الراوي، وكثيرٌ غيره، ممن كَتَب حول علوم الحديث، أو حول: مقدمة ابن الصلاح، لكن، ملاحظة ابن حجر في مكانها بالنظر إلى التصنيف الذي ابتكره ابن حجر في نزهة النظر، وهي طريقة السبر والتقسيم، الحاصرة لأنواع علوم الحديث، فهذه طريقةٌ عقليةٌ في التأليف منضبطة.

(1/30)


1- القاضي أبو محمد الرامَهُرْمُزِي1 في كتابه: "المحدِّثُ الفاصل"2، لكنه
__________
1 في الأصل هنا حاشية نصها: نسبة إلى رامهرمز، كورة من كور أهواز. قارئ، ق1ب.
والرامهرمزيّ الحسن بن عبدالرحمن بن خلاّد، القاضي، المتوفّى نحو سنة 365هـ، وهو منسوبٌ إلى بلدٍ في خوزستان.
2 اسم كتابه هو: المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي، وقد طُبع بتحقيق د. محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1404هـ-1984م، وكانت وفاة القاضي الرامهرمزي في سنة 360هـ، وقد جاء إكمال اسم الكتاب في الأصل في الحاشية.

(1/31)


لم يَستوعب
2- والحاكم أبو عبد الله النيسابوريّ1، لكنه لم يُهَذِّب، ولم يُرَتّب.
3- وتلاه أبو نعيم الأصْبهاني فعَمِل على كتابه مستخْرَجاً2 وأبقى أشياءَ للمُتَعَقِّب.
4- ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغداديُّ3 فصَنَّفَ في قوانين الرواية كتاباً سَمَّاهُ: "الكفاية"4، وفي آدابها كتاباً سَمَّاهُ: "الجامع لآداب الشيخ والسامع"5، وقَلَّ فَنٌّ مِن فنون الحديث إلا وقد صَنَّفَ فيه كتاباً مفْرَداً؛
__________
1 هو محمد بن عبد الله بن البيّع الحاكم، 321-405هـ، صاحب المستدرَك على الصحيحين. وكتابه: معرفة علوم الحديث كتابٌ نفيس، ويمتاز بإيراد ما ذكره مِن علوم الحديث بالسند، وبإيراد الأمثلة، وهو معدود في الكتب المصنَّفة قبل استقرار الاصطلاح، وقد طُبِع بتحقيق د.السيد معظم حسين، بيروت، المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر، وهي طبعة تَبيّن لي عليها مآخذ كثيرة بمقابلتها ببعض مخطوطات الكتاب، راجعة إلى عدم الدقة في قراءة النسخة، أو سقمها، وسِوى ذلك.
2 أحمد بن عبد الله أبو نعيم، الأصبهانيّ الصوفيّ، 336-430هـ، صاحب التصانيف، ومنها: المستخرج على علوم الحديث للحاكم، وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ودلائل النبوّة.
3 الإمام الحافظ أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي،392-463هـ.
4 كتابه الكفاية في علم الرواية مِن أوسع الكتب في بابه، ويمتاز بأنه كتابُ روايةٍ؛ حيث أوردَ فيه المؤلف معلوماته بالسند.
5 هكذا في الأصل، ولكن الصحيح أن اسم الكتاب: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وهو الذي طُبِعَ به، وورد في مخطوطاته، وهو كتاب جامعٌ على اسمه، جَمَعَ بين بَسْطِ المعلومات وإيرادها بالسند.

(1/32)


فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة1: كلُّ مَن أَنْصف عَلِم أنّ المحدِّثين بعد الخطيب عيالٌ على كُتُبِهِ2.
ثم جاء بعضُ مَنْ تأخر عن الخطيب، فأَخذ مِن هذا العلم بنصيبٍ:
5- فَجَمع القاضي عياض3 كتاباً لطيفاً سَمَّاهُ: "الإلماع"4.
6- وأبو حفْصٍ الميانجي5 جزءاً سَمَّاهُ: "ما لا يسعُ المحدِّثَ جَهْلُهُ"6.
__________
1 هو عبدالغني بن شجاع أبو بكر بن نقطة، 579-629هـ.
2 قال عنه الحافظ ابن نقطة في ترجمته فيالتقييد في رواة السنن والمسانيد: وله مصنفاتٌ في علوم الحديث لم يُسْبق إلى مثلها، ولا شبْهةَ عند كل لبيب أن المتأخرين مِن أصحاب الحديث عيالٌ على أبي بكر الخطيب،1/169-170، بيروت، دار الحديث، 1407هـ-1986م، وقال عنه أيضاً: ومات عن نيّفٍ وخمسين مصنَّفاً، سِوى ما وُجد في الرقاع غير مفروغٍ منه، وانتهى إليه الحفظ والإتقان، والقيام بعلوم الحديث،1/171.
3 هو عياض بن موسى بن عياض اليحصبيّ السَّبْتِيّ، 476-544هـ.
4 هو: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع. وقد نشرتْه دار التراث بالقاهرة، والمكتبة العتيقة بتونس، الطبعة الأولى1389هـ- 1970م، بتحقيق السيد أحمد صقر. وهو الذي أَخذَ فكرته ومادته د.أسد رستم في كتابه: مصطلح التاريخ وأشاد فيه بمنهج المحدِّثين أيما إشادة- كما سبق بيانه قبل قليل-.
5 عمر بن عبد المجيد بن الحسن المَيَانِشي والميانجي، نسبةً إلى مَيانِش قرية بإفريقية. نزيل مكّة شيخ الحرم، المتوفى 581هـ.
6 قد تواردَ كلام المتخصصين على أن الأمر بعكس ما يحمله عنوان هذه الرسالة، وأنّ المحدِّث يَسَعُهُ جهْلُ ما في هذه الرسالة التي جاءت في نحو سبع صفحات، وليست كلها في أمورٍ مهمة!.

(1/33)


وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت، وبُسِطَتْ؛ لِيَتَوَفَّر علمها، واخْتُصِرَتْ؛ لِيَتَيَسَّر فهْمها، إلى أن جاءَ:
7- الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح بن1 عبدالرحمن الشَّهْرَزُوْرِي نزيل دمشق2 فجمع -لَمّا وَلِيَ تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية- كتابَهُ المشهور3، فهذَّب فُنُونَهُ، وأملاه شيئاً بعد شيء؛ فلهذا لم يَحْصُل ترتيبُهُ على الوضع المتناسب4، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرَّقة، فجمع شَتاتَ مقاصِدها، وضَمَّ إليها من غيرها نُخَبَ فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عَكَف الناسُ عليه، وساروا بسيره، فلا يُحْصَى كم ناظمٍ له ومُخْتَصِرٍ، ومستدرِكٍ عليه ومُقْتَصِرٍ، ومعارِضٍ له ومنتَصِرٍ.
__________
1 ابن جاءت في الأصل ملحقةً في الحاشية.
2 وهو مشهور بابن الصلاح، 577-643هـ.
3 واسمه: علوم الحديث، ومقدّمة ابن الصلاح. وقد نُشر في عدة طبعات، منها: ط.المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، بتحقيق نور الدين عتر، ط.الثانية، 1972م.
4 هذا الكلام اشتمل على أدبٍ رفيعٍ عند هذا الإمام الحافظ؛ إذ قَدَّم العذرَ عن الإمام ابن الصلاح قبْل أن يَنتقد عمله، على عكس الحال لدى كثيرٍ مِن الكاتبين في مسائل العِلم اليوم، الذين يَفْرح أحدهم بالزلَّة-أو ما يتوهمه زَلَّةً-عند أحدٍ سبقه إلى الكتابة في الموضوع؛ حتى لَيُخَيَّل للقاريء أنه ليس له هدفٌ أهمَّ مِن التنويه بأخطاء الناس!.

(1/34)


[سبب تصنيف نزهة النظر]
فسألني بعض الإخوان أن أُلَخِّصَ له المهم من ذلك، فلخصته في أوراقٍ لطيفةٍ، سَمّيتها: "نُخْبَةَ الْفِكَرِ في مصطلحِ أهلِ الأثرِ"، على ترتيبٍ ابتكَرْتُهُ، وسبيلٍ انْتَهَجْتُهُ، مع ما ضَمَمْتُ إليه من شوارِد الفرائدِ، وزوائدِ الفوائدِ. فَرَغِبَ إليَّ، ثانياً، أنْ أضَعَ عليها شرحاً يَحُلُّ رموزَها، ويفتحُ كنوزَها، ويوضِّح ما خَفِيَ على المبتدئ مِن ذلك، فأجبتُهُ إلى سؤاله؛ رجاءَ الاندراج في تلك المسالِك، فبالغتُ في شرحها، في الإيضاح والتوجيه، ونَبَّهتُ على خفايا زواياها؛ لأنّ صاحبَ البيتِ أدرى بما فيه، وظهر لي أنّ إيرادَهُ على صورةِ الْبَسْطِ1 أَلْيَقُ، ودمْجَها ضِمْن توضيحها أوفقُ، فسلكتُ هذه الطريقةَ القليلةَ السالكِ2. فأقول طالباً من الله التوفيق فيما هنالك:
__________
1 البَسْط في اللغة: عكْسُ الاختصار.
2 لصعوبتها بالنظر إلى الطريقة الأخرى، طريقةِ شرْح الكلمة في مقابلها فقط.

(1/35)


الفرق بين الخبر و الحديث
...
[الفرق بين الخبر والحديث]
1- الخبر: عند علماءِ هذا الفنِّ مرادِفٌ للحديثِ.
2- وقيل: الحديثُ: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر: ما جاء عن غيره، ومِن ثَمَّةَ قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شَاكَلَهَا: "الإِخْبَارِي"1، ولمن يشتغل بالسنَّة النبوية: "المحدِّث".
__________
1 جاء ضبطُها في الأصل بفتح الهمزةِ وبكسرها.

(1/35)


3- وقيل: بينهما عمومٌ وخصوصٌ مُطْلَق1: فكلُّ حديثٍ خبرٌ، مِن غير عكسٍ2، وعَبّر هنا بـ"الخبر" ليكون أشمل3.
__________
1 هذا اصطلاحٌ، المقصود منه هو أن يكون هناك لفظان: أحدهما دالٌّ على معنى الآخرِ كله وزيادة، مثل: إنسان، ومؤمن، فإنسان تشمل المؤمن وغير المؤمن؛ فنقول: بينهما عمومٌ وخصوص مطْلق، وهكذا: حديث وخبر. انظر: حاشية عتر على هذا الموضع.
2 هنا في الأصل حاشيةٌ، ق 2 ب، نصُّها كالتالي: وكذا الأثرُ عند المختصين، وعلى الإطلاقين الأخيرين الأثر مُسَاوٍ للخبر، وقيل اصطلاحٌ رابعٌ وهو: أن الأثر ما جاء عن الصحابي، والحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر أعمُّ منهما. قاله المصنف.
3 الخبر والحديث:
ذَكَر المؤلف رحمه الله ثلاثة تعريفات للخبر، واختار في التعبير عبارة الخبر للعموم فيها، وأما تخصيص الحديث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع عمومه في أصل اللغة، فهو اصطلاح المحدِّثين.
ومِن طُرُقِ التخصيص لهذه اللفظة:
- استعمال أل العهديّة، فنقول: الحديث.
-استعمال التخصيص بالإضافة فنقول: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا حذفت المخصصات اللفظية ولكن بقيت القرائن المخَصِّصَة، أما كلمة حديث وحدها في أصل اللغة فلا تعني حديث الرسول فقط بل هي أشمل.
الترجيح بين هذه المصطلحات:
- هل هناك راجحٌ من هذه الأقوال في تعريف الخبر؟.
- الإجابة أنه مِن الناحية التاريخية لا ترجيح؛ لأن هذه إطلاقات عند فئات من العلماء، وستبقى كما هي، ومن المهم أن نَعْرفها، وأن نراعيها في تفسير كلامهم، ولا داعي للترجيح؛ لأن المسألة مسألة استعمالات واصطلاحات، ولا مشاحة في الاصطلاح، فلا مسوغ للترجيح في مثل هذه المسالك، ولا مسوغ لإبطال بعض هذه الاستعمالات، دون الآخَر، لأن المسألة مسألةٌ تأريخية، و الحديث من حيث الشيوع أشهر استعمالاً، وخبر أَشْيع عند الفقهاء، وكذلك الخبر أشيع استعمالاً عندما يكون الحديث موقوفاً أو مقطوعاً، أما إن كان مرفوعاً فكلمة الحديث أكثر استعمالاً.

(1/36)


أقسام الخبر باعتبار طرق وصوله إلينا
تعريف المتواتر
...
[أقسام الخبر باعتبار طرق وصوله إلينا]
فهو باعتبارِ وصوله إلينا:
[1- تعريف المتواتر]
إما أن يكون له طُرُقٌ، أي أسانيدُ كثيرةٌ-لأن طُرُقاً جَمْعُ طَرِيق،
و"فَعِيلٌ" في الكثرة يُجْمَع على "فُعُلِ" بضمتين، وفي القلة على "أَفْعُلٍ"- والمراد بالطرق الأسانيد.
والإسنادُ: حكايةُ طريقِ المتن.

(1/37)


[عددُ التواتر]:
وتلك الكثرةُ أحدُ شروطِ التواتر، إذا وردت- بلا حصرِ عددٍ مُعَيَّنٍ، بل تَكُوْن العادة قد أحالت تواطؤَهُم على الكذب، وكذا وقوعُهُ1 منهم اتِّفاقاً مِن غيرِ قصدٍ- فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح.
ومِنْهم مَنْ عَيَّنه في الأربعة.
__________
1 هكذا جاء ضبطها في الأصل، والأَولى أن تكون بفتح العينِ: وقُوعَهُ.

(1/37)


وقيل: في الخمسة.
وقيل: في السبعة.
وقيل: في العشرة.
وقيل: في الاثني عشر.
وقيل: في الأربعين.
وقيل: في السبعين.
وقيل غير ذلك.
وتَمَسَّك كلُّ قائلٍ بدليلٍ جاءَ فيه ذكرُ ذلك العدَدِ؛ فأفاد العلمَ. وليس بلازمٍ أن يَطَّرِدَ في غيره؛ لاحتمال الاختصاص1.
فإذا ورد الخبر كذلك، وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائِه إلى انتهائه -والمراد بالاستواءِ: أن لا تنقصَ الكثرةُ المذكورةُ في بعض المواضع، لا أن لا تزيد؛ إذ الزيادة مطلوبةٌ هنا مِن بابِ الأَولى- وأن يكون مستندُ انتهائه الأمْرَ المُشَاهَدَ أو المسموعَ، لا ما ثبت بِقَضِيِّةِ العقلِ الصِّرْف، كالواحد نصف الاثنين. [فهذا هو المتواتر]2.
__________
1 وهناك سببٌ آخر، وهو: أنه إذا أفاد عددٌ ما اليقينَ، فليس في ذلك دلالةٌ على أنّ ما نقص عنه لا يفيد اليقينَ.
2 زيادةٌ مِن عندي؛ ليكون خبراً عن قوله: فإذا ورد. وهو الذي ورد في كلام المصنف فيما بعد، والذي اقتضى هذا هوأنني قَطَعتُ الكلام عن بعضه؛ للتنسيق.

(1/38)


شروط المتواتر و تعريفه
...
[شروط المتواتر وتعريفه]:
فإذا جَمَع هذه الشروطَ الأربعةَ، وهي:

(1/38)


1- عددٌ كثير أحالت العادة تواطؤَهم، أو توافُقَهم، على الكذب.
2- رووا ذلك عن مثلهم من الابتداءِ إلى الانتهاءِ.
3- وكان مُسْتَنَدُ انْتِهائِهم الحِسَّ.
4- وانضاف إلى ذلك أن يَصْحبَ خبرَهم إفادةُ العلمِ لسامعه.
فهذا هو المتواتر.
وما تخلَّفتْ إفادة العلم1 عنه كان مشهوراً فقط، فكل متواترٍ مشهورٌ من غيرِ عكسٍ2.
__________
1 هذه المسألة فيها استدراك وتفصيل. وذلك أنّ العبارة ليست على إطلاقها في أنّ المقياس هو إفادة العلم وعدمه؛ وإنما: درجة العلم، وطريق حصوله، وذلك لأن الحديث الآحاد الثابت يُفيد العلم، مِن غيرشكٍّ، بل والمحتف بالقرائن منه يُفيد اليقين؛ فلفظة العلم هنا كان ينبغي أن تُقَيَّد؛ حتى لا نحتاج إلى هذا الاستدراك، وتقييدها يكون بتحديد المعنى المقصود، وهو: إمّا العلم الضروريّ، لا النظريّ، أي الذي يَحْصل بمجرّد سماع الخبر والوقوف عليه مِن غير بحثٍ ونظر، بخلاف العلم النظري المتوقّف حصوله على البحث. وإمّا العلم اليقينيّ، لا العلم الذي هو الظن الراجح، أو غالب الظن. أو الاثنان: العلم الضروريّ، والعلم اليقيني. ولعله بسبب هذا الإطلاق الموهم نشأتْ تلك الأقوال تُجاه الأخذ بالحديث الآحاد، والله أعلم.
2 انتقد الشيخ طاهر بن صالح الجزائريّ الدمشقيّ هذه العبارة، حيث قال: قال بعض الأفاضل: كل متواتر مشهور، وليس كل مشهور متوتراً، وذلك بعد أن عرّف كلاً منهما بما عرّفه به الجمهور، فهو مما يُنْتَقَدُ، قال بعضهم: ولعله أراد بالمشهور المعنى اللغويُّ، لا الاصطلاحيَّ، توجيه النظر إلى أُصول الأثر، له، 1/112، ثم التمَسَ وجْهاً لقول ابن حجر. قلت: وفي هذا الاعتراض على الحافظ نظر؛ إذ كلامه مستقيمٌ لا إشكال فيه عندي، والله أعلم.

(1/39)


[هذه الشروط الأربعة تفيد حصول العلم غالباً]:
وقد يقال: إن الشروط الأربعة إذا حصلت اسْتَلْزمتْ حصولَ العلم1، وهو كذلك في الغالب، لكن، قد يتخلف عن البعض لمانعٍ.
وقد وَضَحَ بهذا تعريف المتواتر.
وخِلافُهُ2 قد يَرِدُ:
أ- بلا حصرٍ، أيضاً، لكن، مع فَقْدِ بعض الشروط.
ب- أو مع حصرٍ:
2- بما فوق الاثنين، أي بثلاثةٍ فصاعداً، ما لم تجتمع شروط التواتر.
3-أو بهما، أي: باثنين فقط.
4-أو بواحدٍ.
والمراد بقولنا: أن يَرِدَ باثنين: أن لا يَرِدَ بأقلَّ منهما، فإن وَرَدَ بأكثرَ في بعض المواضع من السند الواحد لا يضر؛ إذ الأقل في هذا يَقْضي على الأكثر.
فالأول: 3[وهو الذي ورد بلا حصر عدد معين هو] المتواتر.
__________
1 أَيْ: القطعيّ-اليقيني- الضروريّ.
2 المقصود بخلافه: ما هو سِواه، لا عكسه.
3 وهو الذي ورد بلا حصر عدد معين.
وجاءت العبارة في الأصل: فأول. والصواب: ما أثبتُّ.
ويُلاحَظ أنّ هذه الأقسام التي بدأها المؤلف بقوله: الأول... هي عَوْدٌ على ما ذكره في التقسيم الذي ذكره قبله، وقد رَقّمتُها بأرقامٍ متسلسلةٍ، لِيَسْهل فهمها وتذكّرها؛ فإذا قال المؤلف: الأول فتنظر إلى رقم 1 في ص37؛ لِتَعْرِف ما هو، وإذا قال: الثاني تنظر إلى رقم 2 في هذه الصفحة، وهكذا في الباقي.

(1/40)


[حكم المتواتر]:
وهو المفيد للعلم اليقيني1 -فأَخرجَ النظريَّ، على ما يأتي تقريره- بشروطه التي تقدمت.
واليقين: هو الاعتقاد الجازم المطابق.
وهذا هو المعْتَمَدُ أن خبر التواتر يفيد العلم الضروري.
__________
1 قوله: فالأول المتواتر وهو المفيد للعلم اليقيني. كان مِن الأَولى إضافة: الضروري كما ذَكَر هو فيما بعد.

(1/41)


[مفهوم العلم الضروري]
وهو: الذي يُضْطر الإنسان إليه بحيث لا يُمْكنه دفعه.
وقيل: لا يفيد العلم إلا نظرياً. وليس بشيء؛ لأن العلم بالتواتر حاصلٌ لمن ليس له أهليةُ النظر كالعاميِّ؛ إِذِ النظر: ترتيبُ أمورٍ معلومةٍ أو مظنونةٍ يُتَوَصل بها إلى علومٍ أو ظنونٍ، وليس في العاميِّ أهليةُ ذلك، فلو كان نظرياً لَمَا حَصَلَ لهم1.
__________
1 قوله: لما حصل لهم، هذا تحقيقٌ جميل للمؤلف، ولكن يبدو أنه، مع هذا، قدْ استخدم-رحمه الله-بعض الإطلاقات التي يَخرج بها عن مراعاة هذا التحقيق، ومِن هذا قوله الذي مضى قبل قليل: وما تخلَّفتْ إفادة العلم عنه كان مشهوراً فقط، وكان حقه أن يُقَيِّد هذا العلم بأن يقول: العلم اليقيني الضروري؛ إذِ الحديث المشهور يُفِيد، أيضاً، العلم، لكن، النظري، ثم إنْ احتفت به قرائن مقويّة له رفعته إلى درجة القطع فأصبح يفيد العلم اليقينيَّ النظريَّ.
فالعلم يتحدد بتحديد درجته، وبتحديد طُرُق التوصل إليه، فلا يتم تحديد المصطلحات هذه إلا بتحديد درجاتها وطرق التوصل إليها.

(1/41)


الفرق بين العلم الضروري و العلم النظري
...
[الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري]
ولاحَ بهذا التقريرِ الفرقُ بين العلم الضروريّ والعلم النظريّ:
1- إِذِ الضروريّ يفيدُ العلمَ بلا استدلالٍ، والنظريّ يفيده، لكن، مع الاستدلال على الإفادة.
2- وأن الضروريَّ يَحْصُلُ لكلِّ سامعٍ، والنظريَّ لا يَحْصُلُ إلا لمن فيه
أهليةُ النظر.
وإنما أُبْهِمَتْ شروط المتواتر في الأصل1؛ لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحثِ علمِ الإسناد2.
__________
1 يَقصد المؤلفُ بالأصل: نخبة الفِكَر.
2 وإنما هو من مباحث علم الأصول.

(1/42)


[تعريف علم الإسناد]:
إذْ علمُ الإسنادِ يُبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه؛ لِيُعْمَلَ به أو يُتْرَكَ من حيث: صفاتُ الرجال وصِيَغُ الأداءِ1، والمتواتر لا يُبْحَث عن رجاله،
__________
1وقوله: صفات الرجال، أَيْ: أحوال الرواة من حيث الثقة وعدمها، ودرجات كلٍّ منهما. وصِيغ الأداء هذه للتعرف على طرق التحمل، وتَبَيُّنِ الاتصال مِن عدمه، ويُنْظر تفصيل هذا الموضوع عند ابن الأثير في جامع الأصول.. 1/ 78-90. وقوله: من غير بحث، أقول: لكن، يُبْحث عنه مِن حيث تحديد شروط التواتر وصفاته، وإنما يوردونه في مصطلح الحديث لهذا الغرض.

(1/42)


بل يجِبُ العمل به من غير بحث1.
__________
1 المتواتر والآحاد:
الخبر إما أن تكون له طرقٌ: كثيرة مِن غير حصرِ عددٍ معين، فهذا إذا توافرت فيه بقية شروط التواتر، فهو حديثٌ متواتر وخبَرٌ متواتر. أو يكون الخبر له طرق محصورة بعددٍ لا يَبْلغ التواتر، فهذا آحاد.
مسألة إفادة كلٍ من المتواتر والآحاد العلم:
وهذه المسألة وهي مدى إفادة الرواية العلم، سواء كانت متواترة أو آحاداً مِن القضايا التي حصل فيها خلاف بين الناس: فمنهم من قال بأن المتواتر يفيد العلم اليقيني الضروري، ومنهم من قال إنه يفيد العلم اليقيني النظريّ.
والآحاد: قد قال قوم إنه يُفيد العلم، وقال آخرون بأنه لا يفيد العلم.
وللنظر والترجيح في هذه المسألة لابد من تحديد المصطلحات أوّلاً؛ ذلك أنه بالتتبع تَبَيَّنَ أن مردّ الخلاف بين المختلفين، في أكثر الأحيان، إنما هو اختلافُ مصطلحاتهم، لا اختلاف مقاصدهم وآرائهم.
فما المصطلحات المستخدمة، وما معناها في هذا الموضوع؟، إليك تفصيل هذا
فيما يلي:
لدينا:
- كلمة: العلم.
- وكلمة: اليقين.
- وكلمة: الظن.
- وكلمة: الضروري.
- وكلمة: القطعي.
- وكلمة: النظري.=

(1/43)


ـ
= وقد حقق الإمام ابن حجر رحمه الله فيما ذهب إليه في هذه المسألة تحقيقاً رَصِيناً، ورأى في هذه القضية فرقاً بين هذه المصطلحات في بعض الجوانب، ولكنه هو الآخر قد استخدم-أحياناً-بعض العبارات الموهمة التي بسببِ إيهامها وقع الخلاف.
فكلمة: علم هي على معناها اللغوي المعهود. وعندما تستخدم في هذا المعنى لا يحصل فيها إيهام، ولكن عندما تستخدم على مصطلحٍ آخر ليس معروفاً، أو ليس ملحوظاً عند بعض الناس، يقع الإيهام ويقع الخلاف.
وقد رأيتُ كثيراً ممن تكلموا في هذا الموضوع قالوا: حديث الآحاد لا يفيد العلم، وقال الآخرون: بل يفيد العلم، فلما تتبعتُ الأمر وجدتُ أن:
1- العلم -بالنظر إلى الدلالة القطعية وعدمها-نوعان: فمنه العلم القطعي اليقيني، والنوع الآخر العلم الذي يَثْبت بأغلب الظن.
2- و ينقسم العلم -بالنظر إلى طريقة التوصل إليه-إلى نوعين: العلم الضروري، وهو الذي لا يحتاج إلى بحثٍ، ولا إلى تتبعٍ، والعلم النظري الذي يتوقف التوصل إليه على البحث والنظر.
وبهذا تكون عندنا الأقسام الآتية:
1- العلم اليقيني القطعي الضروري.
2- العلم اليقيني القطعي النظري.
3- العلم الظني النظري.
وإذا استخدمنا هذه المصطلحات الدالة على هذا التحديد فإن المراد عندئذ سيكون واضحاً، وقد يتبين من خلاله أنه لا خلاف بين كثير من المختلفين في هذه الأمور، ولا يَبْعد أن يكون المتواتر درجاتٍ في التمكن من التواتر، كما أن الآحاد الثابت درجاتٌ في التمكن في صفة الثبوت.
وفي ضوء ذلك يمكن أن ينقسم الخبر الذي يدلّ على القطع واليقين إلى قسمين:=

(1/44)


ـ
= الأول: ما يفيد العلم اليقيني القطعي الضروري.
والثاني: ما يفيد العلم اليقيني القطعي النظري.
والمتواترُ إنما ينحصر النظرُ فيه في مدى توافر التواتر، أما النظر في الآحاد فمن ناحيةِ صدقِ رجاله، وبقية شروط الثبوت، وفرقٌ بين النظرين، فالمتواتر لا يَدْخل في علم المصطلح من حيث ضعف الرواية وصحة الأسانيد، وإنما يَدْخل فيه من حيث النظر في توافر صفات التواتر وشروطه، فإنْ عُلِم فيه ذلك عُلِمتْ إفادته العلم اليقيني-القطعي- الضروري.
ويظهر لي أن مَن قال إن حديث الآحاد لا يفيد العلم، إنما أراد نفي علمٍ مخصوص؛ وهو العلم القطعي الضروري، لأنه أَطلق العلم عليه خاصة، ولكن، هذا التخصيص فيه نظر؛ لأنا متعبدون شرعاً بكل دليلٍ صحيح يفيد العلم، بغضّ النظر عن كونه علماً يقينياً أو ظنياً، أو كونه ضرورياً أو نظرياً.
فلا يُشترط -مِن حيث الثبوت- أيُّ قيد في صحة الدليل ليصحَّ العمل به، ولذلك جاءت الأدلة الشرعية بالتعبد بأغلبية الظن، فالظن هنا هو الراجح، إذ أن كل دليل صحيح فهو يفيد العلم، ثم قد يكون هذا العلم يقينياً أو ظنياً، وقد يكون ضرورياً أو نظرياً.
وقال بعضهم بأن الحديث الآحاد يفيد العلم، ومراده العلم النظري، لا الضروري، ثم قد يكون قصْده العلم اليقيني القطعي، أو العلم الظني، ولكن من لا يوافقه على هذا الاصطلاح قد لا يَفْهم مراده؛ فيترتب على ذلك حصول الخلاف بينهما.
على أنه يتبين لنا بالنظر والتدقيق أن الحديث الآحاد ليس كله يفيد العلم الظني، وإنما بحسب النظر في رواته ورواياته، وفق أصول المحدثين، تكون النتيجة، وهو مِن هذه الحيثيّة ينقسم إلى قسمين:
الأول: خبر الآحاد الصحيح الذي لم تَحْتفّ به قرائن تقوِّيه وترفعه إلى درجة القطع، فهذا يفيد العلم الظني النظري.
الثاني: خبر الآحاد الصحيح الذي احتفَّت به قرائن تقوِّيه وترفعه إلى درجة القطع واليقين، =

(1/45)


ـ
= فهذا يفيد العلم اليقيني النظري.
حكم حديث الآحاد:
من المُسَلَّم به عند جمهور المسلمين أن الحديث إذا صح، قامت به الحجة، دون الالتفات إلى طريق التوصل إلى صحته وثبوته، ودون التفات إلى درجة الثبوت، المهم أن يكون ثابتاً، فالتواتر ليس شرطاً للعمل بالرواية، وإنما الصحة هي الشرط، والتواتر قدرٌ زائد على الصحة، وله فوائد ولا شك، وزيادةُ تمكنٍ في الثبوت، ولكن تلك الزيادة ليست أمراً متوقفاً عليه العمل بالرواية.
وبهذا يتبين لنا أن الحديث إذا صح قامت به الحجة، سواء في أمر العقيدة أو في أمر الشريعة، وإنما رَدَّهُ مَنْ رَدَّهُ في العقيدة بسببِ الخلط في دلالة المصطلحات المستخدَمة لدى مَنْ تكلم في مصطلح الحديث؛ فعبَّرَ بنفي دلالة حديثِ الآحاد على العلم؛ فرتَّبوا على ذلك المصيرَ إلى ردِّه في العقيدة احتجاجاً بكون العقيدة يجب أن تكون يقيناً، وقالوا: لا يُبْنى اليقين على الظن.
والجواب: هو أن العلمَ المنفيَّ دلالةُ الحديث الآحاد عليه هنا، ليس هو مطْلق العلم، وإنما هو العلم القطعي اليقيني، ونحن نقول: هذا اليقين والقطع ليس شرطاً في ثبوت الرواية للعمل بها، سواءٌ في العقيدة أو في الشريعة.
وما قالوه، واحتجوا به: من أن اليقين لا يُبْنى على الظن مبناه على الخطأ في فهم المقصود بقول بعض المحدثين : إن حديث الآحاد لا يفيد العلم وإنما يفيد الظن، إذ حملوا الظن هنا على مجرد الظن الذي لا يدل عليه دليل، ولا يصل إلى درجةِ الثبوت، وليس ذلك هو المراد، بل لو كان مراداً عند أولئك لكان مردوداً بحكم الواقع ودلالة أدلة الشرع التي جاءت بإيجاب العمل بخبر الواحد إذا صح، دون قيدٍ أو شرط.
إنّ من الواجب التسليم بأنّ حديث الآحاد الثابت يدل على العلم، أو يفيد العلم، ولكن المسألة مسألة مصطلحات يجب أن تُدقَّق وتُحرّر.=

(1/46)


فائدة:
ذكر ابن الصلاح أن مثال المتواتر على التفسير المتقدم يَعِزُّ وجودُه، إلا أن يُدَّعَى ذلك في حديثِ: "مَنْ كَذَبَ عليَّ" 1. وما ادّعاه من العِزَّةِ ممنوعٌ،
__________
= وأما قولهم: إن العقيدة يقينٌ؛ واليقين لا يُبْنى على الظن، وأنه يشترط في أَيّ دليلٍ يؤخذ به في العقيدة، أن يكون يقيناً قطعياً؛ فجوابه: أن هذه قاعدة في العقيدة؛ فإذا أردنا أن نأخذ بها، فلْنطَبِّقْها أوَّلَ ما نُطَبِّقُها على نفسها؛ لأنها ليست دليلاً في العقيدة فقط، وإنما هي أعمق من ذلك، فهي قاعدةٌ عامة تُحاكَم إليها سائر أدلة العقيدة؛ فإذا أردنا أن نأخذ بها فلنطبقها أولَ ما نطبقها على نفسها، فنقول: هذا كلامٌ في العقيدة؛ فأين الدليل القطعي عليه؟!. {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُم إِنْ كُنْتُم صَادِقينَ }، 111: البقرة:2.
والجواب: هو أنْ لا دليل، بل الدليل قائم بضدّ ذلك، إذ كل أدلة الاحتجاج بخبر الواحد تردُّ هذه القاعدة، والنبي عليه الصلاة والسلام بَعَث رسله إلى مختلف البلدان واحداً بعد واحدٍ ليُعَلِّمُوهم الإسلام كله: عقيدةً وشريعةً؛ فكيف يصح مثل هذا لو كانت القاعدة المذكورة صحيحة؟! كيف يصح عندئذ أن يتلقى أهل قُطْر، بأكملهم، الدينَ كلَّه، عقيدة وشريعة، عن شخص واحد؟! إنّ هذا مما ينقض هذه القاعدة نقضاً لا مزيد عليه، والحمد لله رب العالمين.
التواتر بين أهل الاختصاص وغيرهم:
هناك فرق بين أمرين: بين الحكم بالتواتر، وهذا لا يكون إلا لأهل الاختصاص، وبين حصول القطع واليقين لدى السامع عند الاطلاع على التواتر، فهذا يحصل لكل أحد يوقَفُ على طبيعة الخبر وشروطه أو طرقه.
1 قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَذب عليَّ متعمداً فليتبوّأْ مقعدَهُ مِن النارِ"، حديثٌ متواتر، قد جاء =

(1/47)


وكذا ما ادعاه غَيْرُهُ مِن العدم؛ لأن ذلكَ نشأَ عن قلةِ اطِّلاعٍ على كثرةِ الطرقِ وأحوالِ الرجالِ وصفاتِهِم المقتضيةِ لإبعادِ العادةِ أن يَتَواطؤا على كذبٍ، أو يَحْصُلَ منهم اتِّفاقاً.

(1/48)


[الدليل على وجود الحديث المتواتر]:
ومِنْ أحسنِ ما يُقَرَّرُ به كونُ المتواتر موجوداً وجودَ كَثْرةٍ في الأحاديث: أن الكُتَبَ المشهورةَ المُتَدَاوَلَةَ بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً، المقطوعَ عندهم بصحةِ نسبتِها إلى مصنفِيها، إذا اجتمعتْ على إخراجِ حديثٍ، وتعددتْ طُرقُه تعدّداً تُحيل العادةُ تواطُؤَهم على الكَذِبِ، إلى آخر الشروط، أفاد العلمَ اليقينيَّ بصحته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير1.
__________
1 مقدار الأحاديث المتواترة: الحق أن ما ذكروه في الكتب الخاصة بالتواتر ليس كثيراً؛ فقد ذكر الكتاني نحو 311 حديثاً في كتابه: نظم المتناثرمن الحديث المتواتر، وكتاب السيوطي قبله أقل من هذا العدد، ولكن السبب-في رأيي- في هذه القلة هو الشرط الذي بنى عليه كلٌ مِن هؤلاء تحديد المتواتر؛ فالكتاني مثلاً جمع في كتابه ما اجتمعت عنده له عشرة طرق فأكثر من الروايات.
وهناك دليل آخر يُسْتدل به على كثرة الحديث المتواتر ذكَره الإمام ابن تيمية، رحمه الله، وهو أن جمهور أحاديث الصحيحين؛ متواتر، أو ثابتٌ قطْعاً؛ لِتَلقِّي الأمة لهما بالقبول ذكر هذا في عددٍ مِن المواضع، منها: مقدمة في أصول التفسير، 66-67؛، ومجموع الفتاوى، 18/17. وبهذا يُعْلم كثرة الحديث المتواتر والحديث الثابت ثبوتاً قطعيّاً.
وهناك أمر آخر يُمْكن أن نعرف مِن خلاله كثرة الأحاديث المتواترة، وهو النظر إلى جميع أنواع الحديث المتواتر: المتواتر لفظاً، والمتواتر معنى، والمتواتر تواتراً عملياً، وبحصْر ما يَصْدق عليه التواتر في كُلٍّ مِن هذه الأنواع يصبح العدد كبيراً.

(1/48)


[أقسام الآحاد]
[2- تعريف الحديث المشهور]
والثاني -وهو أول أقسام الآحاد-: ما لَهُ طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ مِن اثنين، وهو المشهور عند المحدثين1.
__________
1 أَيْ: في اصطلاح المحدثين، لا الشهرة بمعنى الشهرة على الأَلْسُنِ.

(1/49)


الفرق بين المشهور و المستفيض
...
[الفرق بين المشهور والمستفيض]:
سُمِّيَ بذلك لوضوحه، وهو المستفيض على رأيِ جماعةٍ مِن أئمةِ الفقهاء، سُمِّيَ بذلك لانتشاره، مِن: فاض الماءُ يَفِيض فيضاً، ومنهم مَنْ غاير بين المستفيض والمشهور، بأنّ المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواءً1، والمشهور أعمُّ من ذلك.
ومنهم مَن غاير على كيفيةٍ أخرى، وليس مِن مباحث هذا الفن.
__________
1 في الأصل ق2ب، حاشيةٌ نصُّها: قوله: سواءً، بالفتح، خبر يكون، واسمها مستتر، تقديره: هو، راجعٌ إلى المستفيض، كما هو ظاهر، لكن، توهم بعضهم؛ فلذلك أُثبِتَتْ.

(1/49)


[أقسام المشهور]:
ثم المشهور يُطلَق:
1- على ما حُرِّر هنا.
2- وعلى ما اشتهر على الألسنة؛ فَيَشمل ما له إسنادٌ واحدٌ فصاعداً، بل ما لا يوجد له إسنادٌ أصلاً1.
__________
1 الحديث المشهور: القسم الثاني وهو ما حُصِرَ بما فوق الاثنين، أَيْ: بثلاثة فصاعداً
-ما لم يَجْمَعْ شروط المتواتر-.
- المشهور يطلق على معنيين:
1- في اصطلاح المحدثين، ما كانت الروايات فيه على العدد المذكور، وهذه شهرة اصطلاحيّة.
2- ومشهور بمعنى الشهرة على ألسنة الناس، وهو بهذا المعنى ليس من شرطه ذلك العدد في رواته، بل يَدْخل فيه حتى ما ليس له إسناد.
ويتبين من هذا أن المشهور على المعنى الثاني قد يكون متواتراً، أو آحاداً، أو لا أصل له، وقد كان اهتمام المحدثين بهذا المعنى أَكْبَرَ مِن اهتمامهم بالمشهور بالمعنى الاصطلاحي وذلك للتنبيه على ما يصح، وما لا يصح؛ فقد يشتهر على ألسنة الناس ما يكون مكذوباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاهتم العلماء بهذا النوع من المشهور لهذا السبب، ومما أُلف في هذا المقاصد الحسنة فيما اشتهر من الحديث على الألسنة. وينبغي أن يقرأ؛ لما فيه مِنْ الفوائد.

(1/50)


[تعريف العزيز]:
والثالث: العَزِيز: وهو أن لا يَروِيَه أقلُّ مِن اثنين عن اثنين1.
__________
1 الحديث العزيز: والثالث: العزيز: وهو أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين، وهذا =

(1/50)


وسُمِّيَ بذلك إمّا لقلةِ وجودِهِ، وإمّا لكونه عَزَّ، أَيْ قَوِيَ بمجيئه من طريقٍ أخرى.
وليس شرطاً للصحيح، خلافاً لمن زَعَمَهُ، وهو أبو علي الجُبَّائِي1 مِن المعتزلة، وإليه يومئُ كلام الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث، حيث قال: الصحيح أنْ يرويه الصحابيُّ الزائلُ عنه اسمُ الجَهالة؛ بأن يكون له راويان، ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة.
__________
1 هو محمد بن عبدالوهاب أبو علي المعروف بالجبَّائي، 235-303هـ، أحد أئمة المعتزلة، وإليه تُنسب فرقة الجبَّائية منهم.

(1/51)


[دعوى ابن العربي: بأن العزيز من شرط البخاري في صحيحه]:
وصرّح القاضي أبو بكر بن العربي1 في شرح البُخَارِيّ بأنّ ذلك شرطُ البُخَارِيِّ، وأجاب عما أُوْرِدَ عليه مِن ذلك بجوابٍ فيه نظر؛ لأنه قال: فإن قيل: حديثُ: "الأعمال بالنيات"2 فَرْدٌ3؛ لم يروه عن عُمر إلا علقمة؟
__________
1 هو محمد بن عبدالله بن محمد الإشبيلي، أبو بكر بن العربي، القاضي، 468-583هـ.
2 الحديث هو: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"، أخرجه البخاري، 54، الإيمان، و2529، العتق، وأخرجه في مواضع أخرى، وأخرجه مسلم أيضاً.=

(1/51)


قال: قلنا: قد خَطَبَ به عُمرُ على المنبر بحضرة الصحابة؛ فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه. -كذا قال-.
__________
=
3 حديث: "إنما الأعمال بالنيات":
1- إنما يزيل الغرابة المطلقة فيه لو قال الصحابة كلهم أو بعضهم: نعم سمعنا ذلك.
2- هذا الحديث فردٌ صحيح مِن أعلى درجات الصحة؛ لكونه ورد بطريقٍ صحيح مروي في الصحيحين وتلقته الأمة بالقبول.
فعدّةُ أمور رفعته، وأصبح الحديث عندنا صحيحاً صحةً قطعية، فعلى الرغم من أنه آحاد، فقد احتفت به قرائن قوّته ورفعته إلى درجة اليقين-هذا بالنظر إلى الرواية للحديث على لفظه-أما معناه فمتواتر، ولمعرفة التواتر المعنوي يُرَاجع تخريجه في الابتهاج في تخريج أحاديث المنهاج، للغماري ص27-41، مع الحواشي.
3- تكثر الأحاديث الضعيفة في رواية الأفراد، ولكن ليس مجرد التفرد ضعفاً في الرواية.
فائدة:
أعمال الإنسان في هذه الدنيا يحكمها حديثان:
الأول: حديث: إنما الأعمال بالنيات.
والآخر: حديث عائشة: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ.
لأن أعمال الإنسان تتكون من النيات ومن الأعمال الظاهرة. وهذان الحديثان كلٌ منهما ميزانٌ لواحد من هذين القسمين.
والحديث الثاني يَدْخل فيه ضبط النية؛ على اعتبار أن النية عملٌ من أعمال القلوب.
فهما يُعَدّان قاعدةً أساسية لسعادة الإنسان، وقاعدةً لضبط تصرفات الإنسان وأعماله، وقاعدةً لتمييز المقبول-عند الله تعالى-من أعماله والمردود منها.
فإذا أردت أن تعرف المقبول من المردود من عملك فما عليك إلا أن تَزِنَهُ بهذين الحديثين. إن ذلك هو الإعجاز!!. وقد أشار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي إلى هذا المعنى.

(1/52)


[الرد على جواب ابن العربي]:
وتُعُقِّبَ بأنه لا يَلْزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره، وبأنّ هذا لو سُلِّمَ في عمر مُنِعَ في تَفَرُّدِ علقمةَ ثم تَفَرُّدِ محمد بن إبراهيم به عن علقمة، ثم تَفَرُّدِ يحيى بن سعيد به عن محمدٍ، على ما هو الصحيح المعروف عند المحدثين، وقد وردتْ لهم متابعاتٌ لا يُعْتَبَرُ بها1، وكذا لا يَسْلَمُ جوابُه في غيرِ حديثِ عُمرَ.
قال ابن رُشَيْدٍ2: ولقد كان يكفي القاضِيَ في بطلان ما ادّعَى أنه شرطُ البُخَارِيِّ أولُ حديثٍ مذكور فيه.
__________
1 أَيْ: لضعْفها -كما في بعض النسخ-أَيْ: لا تُكتَب في باب الشواهد والمتابعات.
2 هو محمد بن عمر بن محمد أبو عبدالله بن رُشَيْد، 657-721هـ.

(1/53)


[دعوى لابن حبان]:
وادّعَى ابن حِبّان1 نقيضَ دعواه، فقال: إنّ رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلاً.
__________
1 هو محمد بن حبان بن أحمد البستي، أبو حاتم، 260-354هـ، صاحب الثقات، والمجروحين، وصحيحه: التقاسيم والأنواع.

(1/53)


[الرد على ابن حبان]:
قلت: إن أراد أنّ رواية اثنين فقط عن اثنين فقط1 لا يُوجد أصلاً فَيُمْكِنُ أن يُسَلَّمَ، وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة بأنْ لا يرويَهُ أقلُّ من اثنين عن أقلَّ من اثنين.
__________
1 في بعض النسخ هنا زيادة: إلى أن ينتهي.

(1/53)


[مثال العزيز]:
مثاله: ما رشواه الشيخان مِن حديثِ أنس، والبخاريُّ مِن حديثِ أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ"1 الحديث. ورواه عن أنس: قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة: شعبةُ وسعيد، ورواه عن عبد العزيز: إسماعيل بن عُليَّة وعبدُالوارث، ورواه عن كُلٍّ جماعة.
__________
1 أخرجه البُخَارِيّ عن أبي هريرة، بلفظ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ"، ح 14، الإيمان، وأخرجه برقم 15، عن أنس بلفظ: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"، ومسلم برقم 44، الإيمان، عن أنس، بلفظ: "لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ"- وَفِي لفظٍ: "الرَّجُلُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَمَالِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

(1/54)


[تعريف الغريب]:
والرابع: الغريب: وهو ما يتفرَّد بروايته شخصٌ واحد في أيِّ موضعٍ وَقَعَ التفردُ به من السند.
على ما سنقسم إليه الغريب المطلق والغريب النسبي1.
وكلها أي الأَقْسَامُ الأربعةُ المذكورةُ سِوى الأول -وهو المتواتر- آحادٌ، ويقال لكلٍّ منها خَبَرُ واحدٍ.
__________
1 معنى هذه العبارة غير دقيق. والأصحّ أن يُقال: على ما سنقسم إليه الغريب إلى: غريب مطلقٍ، وإلى غريب نسبيّ.

(1/54)


[تعريف الآحاد وأقسامها وحكمها]
[تعريفها]:
وَخَبَرُ الواحدِ في اللغة: ما يرويه شخصٌ واحدٌ.
وفي الاصطلاح: ما لم يَجْمَعْ شروطَ التواتر1.
__________
1 خبر الواحد: ليس المقصود بخبر الواحد هو ما يبدو من ظاهر اللفظ، بحكم دلالة اللغة؛ لأن الإطلاقَ إطلاقٌ اصطلاحي، وليس إطلاقاً لغوياً.
فليس المراد بخبر الواحد ما يرويه شخص واحد فقط، وإنما المراد به ما ليس بمتواتر، وهو الآحاد بأقسامه الثلاثة، لأن الاستعمال استعمالٌ اصطلاحي.

(1/55)


أقسام الآحاد من حيث القبول و الرد
...
[أقسامها من حيث القبول والردّ]:
وفيها، أي الآحاد:
أ - المقبول1: وهو ما يجب العمل به عند الجمهور.
ب- وفيها المردود: وهو الذي لم يَرْجَحْ صِدْقُ المُخْبِرِ به؛ لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها، دون الأول، وهو المُتَوَاتِرُ، فكلُّهُ مقبولٌ؛ لإفادته القطعَ بصدْقِ مُخْبِرِهِ، بخلاف غيره من أخبار الآحاد.
__________
1 الحديث من حيث القبول وعدمه: عبّرَ المصنِّف، رحمه الله تعالى، بكلمة: مقبول؛ للدقة؛ لِيَدْخُل فيه الصحيح والحسن.
ثم علل التقسيم إلى مقبول ومردود بقوله: ؛ لِتَوَقُّفِ الاستدلال بها على البحث عن أحوال....
وإطلاقه هنا كان ينبغي أن يُقَيَّدَ، إلا إن كان المراد القطع بصدق مخبره بدون بحثٍ أو نظر، فإن أراد هذا -وهو الظاهر- فهو صحيح؛ فالمتواتر مقبولٌ كله ويفيد القطع بصدق مخبره بدون حاجة إلى بحث ونظر بخلاف الآحاد.

(1/55)


صُورُ القبول و الردّ و أساسهما
...
[صُورُ القبول والردّ وأساسهما] 1:
__________
1 الخبر على ثلاثة أقسام:
فالأول: أن يوجد فيها أصل صفة القبول، وَيَغلب على الظن صدق الخبر، لثبوت صدق ناقله فيؤخذ به.
لكننا متعَبَّدون بالعمل بأغلب الظن؛ فلم يُكلَّف العباد بالقطع واليقين في كل شيء، وهذا مِنْ نعم الله؛ ولهذا قامت معظم أدلة الشرع على مجرد الثبوت، دون الثبوت القطعي، فالقطع واليقين شيء زائد على الصحة، ولا شك في أن النفسَ إلى القطع واليقين أَمْيَلُ، وبه أوثق، ولكنه ليس شرطاً، و‘إنما هو أمرٌ زائد على أصل الصحة الذي تقوم به الحجة الشرعية.
والإعراض عن الاحتجاج بالظن الغالب، اتّباعٌ لما يضاده من الظن غير الغالب، وليس بهذا نطقت السنة والكتاب، ولا بهذا قالت العقول والفِطَر التي فطرها رب الأرباب.
والثاني: أن يوجد فيها أصل صفة الرد، ويَغْلب على الظن كذب الخبر؛ لثبوت كذب ناقله فَيُطْرح.
والثالث: أن لا يوجد فيه صفة القبول أو صفة الرد. ومِن حكمة الله أنه ليس مِن شيءٍ مما يحتاجه المرء في دينه لا يثبت الثبوتَ الذي تقوم به الحجة، أَيْ: أن جميع الأدلة الشرعية ثابتة الثبوت الذي تقومُ به الحجة-باختلاف درجات الثبوت-أمّا ما لم يُعْرف صدْقه مِن كذبه مِن الأمور فهذا ليس منه شيء مما يُحْتاج إليه في الدين.
قال ابن تيمية رحمه الله: والعلم إما نقل مُصَدَّق عن معصوم، وإما قولٌ عليه دليل معلوم، وما سِوَى ذلك فإما مزيَّف مردود، وإما موقوفٌ لا يُعْلم أنه بهرجٌ ولا منقود، مقدمة في أصول التفسير، في مقدمتها.
ويقول: "الاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك.=

(1/56)


لكن إنما وجب العمل بالمقبول منها لأنها إما:
1- أن يوجد فيها أصْلُ صفة القبول، وهو ثبوتُ صِدْقِ الناقل.
2- أو أصْلُ صفة الرد، وهو ثبوتُ كَذِبِ الناقل.
3- أوْ لا.
فالأول: يَغْلبُ على الظن صدقُ الخبر؛ لثبوت صدقِ ناقله؛ فيؤخذُ به.
والثاني: يَغْلبُ على الظن كذبُ الخبر؛ لثبوتِ كذب ناقله؛ فَيُطْرَح.
والثالث: إنْ وُجِدَتْ قرينةٌ تُلْحِقه بأحدِ القسمين الْتَحق، وإلا فَيُتَوَقَّفُ
__________
= إذ العلم إمّا نقلٌ مصدَّقٌ، وإما استدلالٌ مُحَقَّق.
والمنقول: إما عن المعصوم، وإما عن غير المعصوم.
والمقصود أن جنس المنقول سواء كان عن معصوم أو غير معصوم -وهذا هو الأول- فمنه ما يمكن معرفة الصحيح من الضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك، وهذا القسم الثاني من المنقول -وهو ما لا طريق لنا بالجزم بالصدق منه- عامته مما لا فائدة فيه، والكلام فيه من فضول الكلام.
وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته؛ فإن الله تعالى نَصَبَ على الحق فيه دليلاً.
فمثال ما لا يفيد، ولا دليل على الصحيح منه، اختلافهم:
- في لون كلب أصحاب الكهف.
- وفي البعض الذي ضُرِبَ به قتيل موسى من البقرة.
- وفي مقدار سفينة نوحٍ، وما كان خشبها؟.
- وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك.
فهذه الأمور طريق العلم بها النقل.
فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، كاسم صاحب موسى أنه الخضر، فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك...فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة...، مُقدّمة في أصول التفسير، بتحقيق د. عدنان زرزور، الكويت - بيروت، دار القرآن الكريم ومؤسسة الرسالة، ط. الثانية، 1392هـ-1972م، ص 55-57.

(1/57)


فيه، فإذا تُوُقِّف عن العمل به صار كالمردود، لا لثبوتِ صفةِ الرد، بل لكونه لم توجد فيه صفةٌ توجب القبول، والله أعلم1.
__________
1 فوارق بين المتواتر والآحاد:
مِنَ الفوارق بين الآحاد والمتواتر ما يلي:
إفادة الحديث المتواتر للعلم القطعي الضروري، أو ثبوت الحديث المتواتر بدرجةِ العلم القطعي الضروري، بمجرد ثبوت كونه متواتراً، فالمتواتر كله على هذه الصفة، بخلاف الآحاد فإن فيها المقبول وفيها المردود؛ لأن ثبوتها متوقف على النظر والبحث، فحكمها إذَنْ مِن حيث القبول والرد متوقف على توافر شروط القبول؛ فما توافرت فيه شروط القبول فهو مقبول، وما تخلف فيه شرط أو أكثر من شروط القبول فهو مردود.
ثم المقبول مِنْ أخبار الآحاد من حيث إفادته للعلم ينقسم إلى قسمين:
- ما يفيد العلم بأغلبية الظن؛ فهذا يفيد العلم النظري غير القطعي.
- ما يفيد العلم القطعي النظري وهو الآحاد الذي احتفت به قرائن حالِيَّة أو مقاليّة تقوّيه وترفعه إلى درجةِ القطع واليقين.

(1/58)


[حكم أخبار الآحاد]:
وقد يقع فيها-أي في أخبار الآحاد المنقسمة إلى: مشهور، وعزيز، وغريب- ما يفيد العلم النظريَّ بالقرائن1 على المختار، خلافاً لمن أبى
__________
1 آثار اختلاف المصطلحات: قال المصنِّف: ما يفيد العلم النظريّ، وكان ينبغي إن يُحَدِّدَ أكثر؛ فكان الأَولى أنْ يُقَيِّد العلم باليقينيّ أيضاً؛ حتى لا يَخْتلط بما يُفِيد العلمَ بأغلب الظن مِن أحاديث الآحاد، ولو قَيَّده باليقين لكان أزال الاحتمال والإشكال، وهذا مصداق ما قلناه مِنْ قبل مِنْ أن بعض الخلاف في هذا الموضوع مبناه على المصطلحات التي استعملها المتكلمون فيه.

(1/58)


ذلك1. والخلاف في التحقيق لفظيٌّ2، لأن مَنْ جَوَّزَ إطلاقَ العلمِ قَيّده بكونه نظرياً، وهو الحاصل عن الاستدلال، ومَن أَبَى الإطلاقَ خَصَّ لَفْظَ العلمِ بالمتواتر3، وما عَدَاهُ عنده ظنيٌّ، لكنه، لا ينفي أنّ ما احْتَفَّ بالقرائن أرجحُ مما خلا عنها.
__________
1 في الأصل ق4 ب هنا حاشيةٌ، نصُّها: قوله: خلافاً لمن أَبى ذلك: هو شيخ الإسلام النووي في شرح مسلم.
2 الأصل في هذه المسألة أنّ الخلاف -في التحقيق- لفظيٌّ لكنه قد انبنى عليه خلافٌ فعليٌّ عمليٌّ في مسائلَ أصوليةٍ، وذلك كالخلاف في قبول خبر الآحاد في العقيدة، وهي قضيّةٌ ذاتُ شأنٍ مِن حيث المبدأُ على أَيِّ حالٍ.
وبناء على هذا فإن هذا الخلاف-في نظري- لا يُخَفِّفُهُ قول الإمام ابن حجر: الخلاف في التحقيق لفظيٌّ.
3 تعليق: مِن أيِّ إطلاقٍ خَصّ لفظ العلم بالمتواتر: هل العلم الضروري أو النظري؟!.
كان الأَولى أن يَذْكر المؤلف، رحمه الله، هنا ما هو الذي في مقابل ما يفيد العلم النظري، وهو الذي يفيد العلم الضروري، وهو الذي يفيده المتواتر.
فلو قال هنا: ومَن أبى إطلاق العلم قصدَ به العلمَ القطعيَّ الضروريَّ، وهو الذي يختص به المتواتر، لو قال ذلك لكان أوضحَ ولَزال الإشكال، وهذا يدل أن الخلاف الحاصل في الموضوع مبناه على استخدام الألفاظ واستعمال المصطلحات للدلالة على المعاني المقصودة لدى المتكلم، ومعنى ذلك عند السامع والقاريء أيضاً -كما ذكرتُ سابقاً-.

(1/59)


[أنواع الخبر المُحْتَفّ بالقرائن]:
والخبرُ المُحْتَفُّ بالقرائن أنواعٌ:
أ - منها: ما أخرجه الشيخانِ في صحيحيهما، مما لم يبلغ1 التواتر، فإنه احتفَّتْ به قرائنُ، منها:
- جلالتهما في هذا الشأن.
- وتقدُّمهما في تمييز الصحيح على غيرهما.
- وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقِّي وحده أقوى في إفادة العِلْم مِن مجردِ كثرةِ الطرق القاصرة عن التواتر.
__________
1 في بعض النسخ: يبلغ حدّ التواتر، وقد ذكَرَ الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في الفتاوى، أنّ جمهور أحاديث الصحيحين مِن قبيل المتواتر.

(1/60)


[الشرط في تلقّي حديث الصحيحين بالقبول]:
إلا أنّ هذا:
1- يختصُّ بما لم ينتقدْه أحدٌ من الحفّاظ مما في الكتابين1.
2- وبما لم يقع التّخالُفُ2 بين مدلوليه مما وقع في الكتابين، حيث لا ترجيح؛ لاستحالةِ أن يفيد المتناقِضَان العلمَ بصدقهما من غير ترجيحٍ لأحدهما
__________
1 قوله: إلا أن هذا يختص بما لم ينتقدْه أحدٌ من الحفاظ مما في الكتابين: مجموع ما انْتُقِد على الإمامين مِن الأحاديث 210، اتفقا على 32، وانفردا بـ 78، ومسلم بمائة، والحقيقة أن هذه الأحاديث المنتقدة أجاب عنها ابن حجر في كتابه العظيم هدي الساري مقدمة فتح الباري في دراسةٍ مطوَّلةٍ، أجاب فيها عن ذلك على وجْه الإجمال والتفصيل.
2 في بعض النسخ: التجاذب.

(1/60)


على الآخر1، وما عدا ذلك فالإجماع حاصلٌ على تسليم صحته.
فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوبِ العملِ به لا على صحته، منعناه، وسَنَدُ المنعِ: أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرّجه الشيخان؛ فلم يَبْقَ للصحيحين في هذا مزيةٌ، والإجماع حاصلٌ على أنَّ لهما مزيةً فيما يَرْجع إلى نفس الصحة.
وممن صرح بإفادة ما خَرّجه الشيخان العلمَ النظريَّ:
1- الأستاذُ أبو إسحاق الإسفرائيني2.
2- ومِن أئمة الحديث: أبو عبدالله الحميدي3.
3- وأبو الفضل بن طاهر4، وغيرهما5. ويُحْتمل أن يقال: المزية
__________
1 النصوص الشرعية والتعارض: قوله: لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما...، يقال فيه: وهل مثْل هذا واقعٌ في أحاديث الصحيحين؟! لا يكفي في هذا الأمرِ الافتراضاتُ النظرية التي لا وجود لها. هذا كلام فيه نظرٌ؛ لأن هذا إنما هو في الظاهر فحسْبُ؛ لأنه في الحقيقة غير واقع، فهذا الكلام ليس مسلّماً على الحقيقة، وإنما يصح بأن يُقَيَّد فيقال: في الظاهر.
والسبب في المنع هو أن التعارض والتناقض في الحقيقة ليس واقعاً في كلام الله تعالى، ولا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يقع في الظاهر بالنظر إلى فهم الناظر.
2 هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق، الإسفرائينيّ، ت418هـ.
3 هو محمد بن الفتوح الأزديّ، 420-488هـ، مِن كتبه: الجمع بين الصحيحين.
4 هو محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسيّ الشيبانيّ، أبو الفضل، 448-507هـ، عُرف بابن القيسراني، له شروط الأئمة الستة، وغيره.
5 في الأصل هنا حاشيةٌ نصُّها: قال البلقيني في محاسن الاصطلاح إن بعض الحفاظ المتأخرين نقل ذلك عن الأستاذ أبي إسحاق والشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيِّب، وتلميذه أبي إسحاق الشيرازي، والسرخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وكثير، ق5 ب.

(1/61)


المذكورة كونُ أحاديثهما أصحَّ الصحيح.
ب - ومنها :1 المشهور إذا كانت له طرقٌ متباينةٌ سالمةٌ مِن ضعف الرواة والعلل، وممن صرح بإفادته العلمَ النظريَّ الأستاذُ أبو منصور البغدادي2، والأستاذ أبو بكر بن فُوْرَك3، وغيرهما.
جـ - ومنها : المسَلْسَلُ بالأئمةِ الحفاظِ المتقنين، حيث لا يكونُ غريباً، كالحديث الذي يرويه أحمدُ بن حنبل4، مثلاً، ويشاركه فيه غيره عن
__________
1 قوله: منها أَيْ: من الآحاد المحتف بالقرائن المشهور وهو القسم الأكثر طرقاً مِن بين أقسام الآحاد، المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين للحفظ والضبط.
ومعلومٌ أن روايات الثقات إذا تعارضت يرجَّح بينها؛ فيؤخذ برواية الأوثق، وتترك رواية الثقة، وتُعَدُّ رواية الثقة شاذة. والأوثق عند المحدثين يَعْنون به زيادةَ التمكن في الثقة، وذلك يكون بالطرق التالية:
1- إما بكثرة العدد من الثقات. 2- أو زيادة التمكن في صفة الثقة. 3- أو بهما معاً.
2 هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي الإسفرائينيّ، البغداديّ الشافعيّ، تلميذ أبي إسحاق الإسفرائينيّ، ت429هـ.
3 هو محمد بن الحسن بن فُوْرَك الأصبهانيّ، أبو بكر، المشهور بابن فُوْرَك، يقال: قاربتْ مؤلفاته المئة.
4 هو إمام أهل السنّة، أحمد بن محمد بن حنبل، الشيبانيّ، أبو عبدالله، 161-241هـ، صاحب المذهب، صنّف المسنَد، وفضائل الصحابة، وهو مِن أذكياء الدنيا، فضائله تَعطّر بها الدهر.

(1/62)


الشافعي1 ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس2، فإنه يفيد العلمَ عند سامعِهِ بالاستدلال مِن جهةِ جَلالةِ رواتِهِ وأنَّ فيهم مِن الصفاتِ اللائقةِ الموجِبةِ للقبولِ ما يقوم مقام العدد الكثير مِن غيرهم، ولا يتشكك مَنْ له أدنى ممارسةٍ بالعلم وأخبار الناس أنّ مالكاً، مثلاً، لو شافهه بخبرٍ3 أنه صادقٌ فيه، فإذا انضاف إليه مَن هو في تلك الدرجة ازداد قوةً4، وبَعُدَ ما يُخْشَى عليه مِن السهو.
__________
1 هو الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ المطّلِبيّ، أبو عبد الله، 150-204هـ، صاحب المذهب شيخ الإمام أحمد، أوّل مَن صنَّف في أصول الفقه بكتابه الرسالة، مِن أذكياء الدنيا.
2 هو إمام دار الهجرة، مِمن سارتْ بفضائله الركبان، 97-179 هـ.
3 في نسخةٍ زيادة: لَعَلِمَ.
4 قوله: فإذا انضاف إليه من هو في تلك ا لدرجة...،أَيْ: زاد العدد في الرواية. مع ملاحظة أنّ المقصود زيادة العدد مِن الأئمة الثقات هؤلاء، أمّا عن غيرهم فقد تتعدد الطرق ولا يصح شيء منها.

(1/63)


القرائن إنما تفيد العلم بصدق الحديث عند المختصين
...
[القرائن هذه إنما تفيد العلم بصدق الحديث عند المختصين]:
وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يَحْصل العلمُ بصدقِ الخبرِ منها إلا للعالِمِ بالحديثِ المتبحرِ فيه العارفِ بأحوالِ الرواةِ، المطَّلِعِ على العلل. وكونُ غيره لا يَحْصلُ له العلمُ بصدْقِ ذلك -لقصوره عن الأوصاف المذكورة التي ذكرناها1- لا يَنفي حصولَ العلمِ للمتبحّر المذكور.
__________
1 في قوله: المذكورة التي ذكرناها. نوعُ تكرارٍ يُغْني عنه إحدى اللفظتين.

(1/63)


ومحصَّل1 الأنواع الثلاثة التي ذكرناها أنَّ:
الأول: يختص بالصحيحين.
والثاني: بما له طرقٌ متعددة.
والثالث: بما رواه الأئمة.
ويُمْكن اجتماع الثلاثة في حديثٍ واحد، ولا يَبْعُدُ حينئذ القطعُ بصدقه2، والله أعلم.
__________
1 في الأصل حاشيةٌ إلحاقيةٌ هنا، ونصُّها: ومحصَّل الأنواع الثلاثة وهي: تقويتُهُ بالقرائنِ وكثْرةِ طُرُقِه، والتسلسل.، ق5 أ.
2 قوله: فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه. قلتُ: فيكون مشاركاً للمتواتر مِن هذه الحيثية.

(1/64)


[أقسام الغريب]
ثم الغرابة إما أن تكون:
1- في أصل السند1: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويَرْجِعُ، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طَرَفُهُ الذي فيه الصحابي.
2- أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأَنْ يرويَه عن الصحابيّ2 أكثرُ مِن واحدٍ، ثم ينْفَرِدَ بروايته عن واحدٍ منهم شخصٌ واحد.
__________
1 الغريب في أصل السند يقصد به الغرابة المطلقة.
ثم الغرابة: إما أن تكون في أصل السند. هذا هو الأول.
أو في أثنائه. هذا هو الثاني.
والحديث الغريب النسبي يقل إطلاق الفردية عليه.
والصحيح أنّ تَفرُّد الصحابي بالحديث يُعدُّ تفرُّداً مطلقاً، شأنه شأن التابعي فمَن بعده.
2 قوله: كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخصٌ واحد.
الأَولى أن يقول: كأن يرويه من الصحابة أكثرُ مِن واحد، ثم ينفرد بالرواية عن واحدٍ منهم شخصٌ؛ وذلك لأن هذا القِسْم لم يتفرّدْ به صحابي واحدٌ، وإن كان المثال يَقَع في هذه الصورة؛ بأن يكون التفرّدُ نسبياً، بأن يرويه شخص واحدٌ عن شخص واحدٍ من تلاميذ الصحابي الذين رووا الحديث، لكن، ليس مِنْ لازمِ هذا أن ينفرد به الصحابي؛ ولهذا يزيل هذا الاحتمال أن يقال: كأن يرويَه مِن الصحابة أكثرُ مِن واحدٍ...إلى آخر العبارة المقترحة آنفاً، أو يقال: كأن يرويَهُ عن صحابيٍ ما أكثر مِن راوٍ، ثم ينفرد به شخصٌ واحدٌ يرويَه عن واحدٍ مِن أولئك الرواة.

(1/64)


الفرد المطلق و أمثلته
...
[الفرد المطلق وأمثلته]:
فالأول: الفرد المطْلَق:
كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرَّد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد يَنْفَرِدُ به راوٍ عن ذلك المنْفَرد، كحديث شُعَبِ الإيمان، تفرَّدَ به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرَّدَ به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم. وفي مسند البزَّار1، والمعجم الأوسط، للطبراني2 أمثلةٌ كثيرة لذلك.
__________
1 هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصريّ، أبو بكر البزّار، -292هـ، له المسند، المسمّى بالبحر الزّخّار، طُبِع منه تسعة أجزاء، بتحقيق د.محفوظ الرحمن زين الله، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، 1416هـ-1996م.
2 هو سليمان بن أحمد بن أيوب الطبرانيّ، نسبةً إلى طبريّةً، 260-360هـ، له المعاجم =

(1/65)


الغريب النسبي و الفرق بينه و بين الفرد
...
[الغريب النسبي والفرق بينه وبين الفرد]:
والثاني: الفرد النسبيّ:
سُمِّيَ بذلك لكون التفرد فيه حَصَلَ بالنسبة إلى شخصٍ مُعَيَّنٍ، وإن كان الحديث في نفسه مشهوراً، ويقِلُّ إطلاقُ الفردِيّةِ عليه، لأن الغريب والفرد مترادفان لغةً واصطلاحاً، إلا أن أهلَ الاصطلاح غايروا بينهما من حيثُ كثرةُ الاستعمال وقِلَّتُه، فالفردُ أكثر ما يُطْلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يُطْلقونه على الفرد النسبي، وهذا مِن حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما مِن حيثُ استعمالُهم الفعل المشتق فلا يُفَرِّقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرَّد به فلان، أو أغرب به فلان.

(1/66)


الفرق بين المنقطع و المرسل
...
[الفرق بين المنقطع والمرسل]
وقريبٌ مِنْ هذا اختلافُهم في المنقطعِ1 والمرسَل هل هما متغايران أو لا؟ فأكثر المحدثين على التغاير2، لكنه عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمال الفعل المشتق فيستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان، سواء كان
__________
1 في الأصل هنا في ق 5 ب حاشية توضيحية لم يتضح بعض كلماتها.
2 فيُطْلِقون المرسَل على الحديث الذي رواه التابعيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يَذْكر الواسطة، والمنقطع ما سقط منه راوٍ فأكثر، قبْل الصحابيّ. أمّا إذا قالوا: أرسله فلانٌ. فيصلح للأمرين كما أوضحه المصنف. عتر: 54، حاشية 2.

(1/66)


ذلك مرسلاً أم منقطعاً، ومن ثَمَّ أَطلق غير واحدٍ ممن لم يلاحِظ مواقعَ استعمالهم على كثير من المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع، وليس كذلك؛ لِما حرّرناه، وقلَّ مَنْ نَبَّه على النُّكتة في ذلك، والله أعلم.

(1/67)


[أقسام الخبر المقبول]
[الصحيح لذاته]:
وخبرُ الآحاد: بنقلِ عدلٍ1 تامٍّ الضبطِ، متصلَ السند، غيرَ مُعَلَّل ولا شاذٍّ هو الصحيحُ لِذاته2.
وهذا أولُ تقسيمِ المقبول إلى أربعةِ أنواعٍ؛ لأنه إمّا أنْ يشتملَ من صفاتِ القبول على:
1- أعلاها. 2- أوْ لا.
الأول: الصحيحُ لذاته3.
__________
1 في الأصل هنا حاشية، نصّها: قوله: عدلٌ، المراد: عدل رواية لا شهادة. ق5ب.
2 وبعد أن تحدث عن تقسيم الخبر بالنظر إلى تعدد طرقه. يتحدث هنا عن تقسيم الخبر بوصفه بالصحة أو ضدها. والخبر في ذلك درجات أعلاها الصحيح لذاته، ثم الصحيح لغيره، ثم الحسن لذاته، ثم الحسن لغيره. فبدأ المؤلف أوّل ما بدأ بالصحيح لذاته.
3 مراتب الآحاد: إما أن يشتمل مِن صفات القبول على:
أ - أعلاها: الصحيح لذاته. 1
ب- أوْ لا: الصحيح لغيره. 2
الحسن لذاته. 3
الحسن لغيره. 4
وهذه شجرةٌ بهذا التقسيم:
الحديث المقبول:
إما أن يشتمل على أعلى درجات القبول أو لا يشتمل على أعلاها.
وهو الصحيح لذاته الصحيح لغيره الحسن لذاته الحسن لغيره
و هو الحسن لذاته إذا هو الضعيف ضعفا
تعددت طرقه على محتملا إذا انجبر ضعفه
وجه يجبر بعضها بعضا بتعدد طرقه
هو ما كان راويه عدلا ضابطا خف ضبطه و لم تتعدد
طرقه على وجه يرتقي بها إلى درجة الصحيح لغيره

(1/67)


والثاني: إنْ وُجِدَ ما يَجْبُرُ ذلك القُصور ككثرة الطرق، فهو الصحيح أيضاً1، لكن، لا لذاته.
3- وحيث لا جُبْرَانَ فهو الحسن لذاته.
4- وإن قامت قرينةٌ ترجِّح جانبَ قبول ما يتوقف فيه فهو الحسن، أيضاً، لا لذاته.
وقُدِّمَ الكلام على الصحيح لذاته لعلو رتبته.
__________
1 ولكن مع التنبه إلى أن درجة الصحة هنا تقلُّ عنها في الصحيح لذاته.

(1/68)


[العدالة]
والمراد بالعدل1: مَنْ له مَلَكَةٌ تَحْمِلُه على مُلازَمة التقوى والمروءة2. والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شِرْك أو فسقٍ أو بدعةٍ.
__________
1 قلتُ: واختلفت أقوال العلماء في تعريف العدالة، ولكن، لا يصرفْك ذلك عن اتفاقهم؛ فاختلاف تعبيرهم عن العدالة، لا يعني اختلافَهُمْ في العدالة، وقُلْ كذلك بالنسبة للمروءة. ومهما قيل في التعريف فالأصل أن كل ذلك يعود إلى مَلَكَةٍ تَحْمِلُ صاحبها على الاستقامة في الأقوال والأفعال.
والناس يختلفون في تصوّر المعاني، والسِّرُّ في هذا هو أن أسماء المعاني ليست كأسماء الذوات المحسوسة؛ فيحصل الخلاف في أسماء المعاني ولا يحصل في أسماء الذوات، على حدِّ ما يقول الإمام ابن تيمية، رحمه الله.
2 قوله: والمروءة ذكر جمهور فقهاء الشافعية أنها السائر بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه.
وقيل: التوقي عن الأدناس.
وقيل: أن لا يعمل في السرِّ ما يستحيا منه في العلانية.
وفسّرت العدالة بالملكة المانعة عن اقتراف الكبائر والصغائر الخسيسة والرذائل المباحة.
والمراد عدل الرواية، لا عدل الشهادة، فلا يختص بالذَّكَرِ الحُرِّ.
من حاشية الشيخ سر الحق الذرودة [أو: الذروي، غير واضحة]، الأصل، ق 6 أ.

(1/69)


أقسام الضبط و تعريفها
...
[أقسام الضبط وتعريفها]
والضبط:
أ - ضبطُ صَدْرٍ: وهو أن يُثْبِت ما سمعه بحيث يتمكَّنُ من استحضاره متى شاء.
ب- وضبطُ كتابٍ: وهو صِيانَتُهُ لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يُؤَدِّيَ منه. وقُيِّدَ بالتام إشارةً إلى الرتبةِ العُليا في ذلك.

(1/69)


[تعريف الحديث المتصل]:
والمتصل: ما سَلِم إسنادُه مِنْ سقوطٍ فيه، بحيث يكون كلٌّ مِنْ رِجاله سمعَ ذلك المرويَّ مِن شيخه. والسند تقدَّمَ تعريفُهُ.

(1/70)


[تعريف الحديث المعلل]:
والمُعَلَّل لغةً: ما فيه عِلَّةٌ، واصطلاحاً: ما فيه عِلَّةٌ خَفَيّةٌ قادحةٌ.

(1/70)


[تعريف الحديث الشاذ]:
والشاذُّ لغةً: المنفرد، واصطلاحاً: ما يخالِف فيه الراوي1 مَنْ هو أرجحُ منه. وله تفسير آخَرُ سيأتي.
__________
1 قوله: ما يخالف فيه الراوي من هو أرجح منه: المقصود ليس كل راوٍ حتى يَدْخل الضعيف، وإنما المراد الراوي المقبول الرواية؛ ولهذا كان الأَولى أن يُقَيِّد، رحمه الله، العبارة بهذا القيد حتى لا يَدْخل الضعيف في قوله الراوي. ومعلوم أن مخالفة الراوي الضعيف للثقة لا اعتبار بها.
وقد تجَوَّزَ الإمام ابن حجر من هذا القيد لحظاً للشرطين السابقين: العدالة والضبط.
ولَعَلَّهُ عَدَلَ إلى التعبير بقوله: أرجح منه، بدلاً من أوثق منه لِيَدْخُلَ ما ترجّح بكثرة العدد.

(1/70)


تنبيه: [حول القيود في تعريف الصحيح لذاته]:
أ - قوله: وخبر الآحاد: كالجنس،1 وباقي قُيودِهِ كالفصل2.
__________
1 قوله: كالجنس: أَيْ: الذي يشتمل على مجموعةِ أنواعٍ.
2 قوله:الفصل: أَيْ: ما يُمَيَّزُ به أحدُ أنواعِ ذلك الجنس عن بقيةِ أنواعه.

(1/70)


[تفاوت مراتب الصحيح لتفاوت أوصاف الرواة]
وتتفاوت رُتَبُه، أي الصحيح، بسببِ تفاوُتِ هذه الأوصاف المقتضيةِ للتصحيح في القوة، فإنها لَمّا كانت مفيدةً لغلبةِ الظنِّ الذي عليه مدارُ الصحة = اقتضت أنْ يكونَ لها درجاتٌ، بعضُها فوق بعضٍ، بحسب الأمور المقوِّية، وإذا كان كذلك فما تكون رُوَاتُه في الدرجة العليا من: العدالة، والضبط، وسائر الصفات التي توجب الترجيح = كان أصحَّ مما دونَه.
فَمِن الرتبة العليا في ذلك: ما أَطلق عليه بعضُ الأئمة أنه أصح الأسانيد1.
__________
1 عبارةُ: أصح الأسانيد وردت عند المحدثين على معنيين:
1- وردت على معنى أصح الأسانيد مطلقاً.
2- ووردت على معنى أصح الأسانيد مقيَّدةً، كأن يقال: أصح الأسانيد عن علي، أو أصح أسانيدِ هذا الحديث.
والإطلاق الثاني ليس دالاً على المرتبة العليا في الصحة، وإنما الذي يدل على المرتبة الأولى في الصحة هو الإطلاق الأول، وهو أصح الأسانيد مطلقاً.
والمعتَمَدُ أن لا يقال أصح الأسانيد مطلقاً، بل يقال: من أصح الأسانيد.

(1/71)


مراتب أصح الأسانيد و أمثلته
...
[مراتب أصح الأسانيد وأمثلته]:
أ - كالزُّهْرِي، عن سالمٍ بنِ عبد الله بن عمر، عن أبيه.
وكمحمد بن سيرين، عن عَبِيدَةَ بن عمرو، عن علي.
وكإبراهيم النخعي1، عن علقمة، عن ابن مسعود.
ب- ودُونَها في الرتبة:
كرواية بُرَيْد بن عبد الله بن أبي بُرْدَةَ، عن جَدِّه، عن أبيه، أبي موسى.
وكحماد بن سَلَمَة، عن ثابتٍ، عن أنس.
جـ- ودُونَها في الرتبة:
كسُهَيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وكالعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.
فإن الجميع شَمَلَهم اسم "العدالة والضبط"، إلا أن المرتبة الأولى فيهم مِن الصفات المرجِّحة ما يقتضي تقديمَ رِوَايَتِهم على التي تليها، وفي التي تليها مِن قوّةِ الضبط ما يقتضي تقدِيْمَهَا على الثالثة، وهي -أي الثالثة- مقدَّمةٌ على روايةِ مَن يُعَدُّ ما يَنْفَرِدُ به حَسَناً:
كمحمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن جابر.
وعَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده.
وقِسْ على هذه المراتب ما يَشبهُها.
__________
1 في حاشية الأصل، ق6أ: قوله: النخعي، بفتح النون، نسبةً إلى النخع، قبيلة من اليمن، إلى آخر الحاشية التوضيحية التي لم يتضح في التصوير بعض كلماتها.

(1/72)


والمرتبةُ الأُولى هي التي أَطلقَ عليها بعضُ الأئمة أنها أصحُّ الأسانيدِ.
والمعتَمدُ عدمُ الإطلاَقَ لترجمةٍ معيَّنةٍ منها.
نعمْ يُسْتَفَاد مِن مجْموع ما أَطْلَق عليه الأئمة ذلك أَرْجَحِيَّتُهُ على ما لم يُطلقوه.
ويَلْتحِقُ بهذا التفاضلِ1 ما اتفق الشيخانِ على تخريجه2 بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاريُّ بالنسبة إلى ما انفرد به مسلمٌ؛ لاتفاق العلماء بعدهما على تلقِّي كتابيهما بالقبول، واختلافُ بعضهم في أيهما أرجحُ. فما اتفقا عليه أرجحُ مِنْ هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه.
__________
1 هذا إلحاقٌ بموضوع درجات الصحيح، لا إلحاقاً بالمرتبة الأُولى.
2 في الأصل هنا حاشيةٌ، نصُّها: أَيْ: وقد رواه كل واحدٍ منهم مِن طريقٍ آخر. حاشية، 6 ب.

(1/73)


[المفاضلة بين الصحيحين]
وقد صَرَّح الجمهور بتقديم صحيح البُخَارِيّ في الصحة، ولم يُوجَد عن أحدٍ التصريحُ بنقيضه1.
وأما ما نُقِلَ عن أبي علي النيسابوري2، أنه قال: ما تحتَ أديم
__________
1 هذا الرجحان إنما هو رجحان البُخَارِيّ في الجملة على مسلم في الجملة: وما كان على شرط البُخَارِيّ ومسلم يجب أن يُراعَى في تحديده أن يكون الرواة في السند على ترتيبهم عندهما، بالنسبة للتلاميذ والشيوخ؛ لأنهما قد يَقبلان رواية راوٍ عن شيخه ذاك، الذي جاءت روايته عندهما أو عند أحدهما، ولا يَقْبلان روايته عن شيخٍ آخر.
2 هو الحسين بن علي بن يزيد النيسابوريّ، أبو عليّ، 277-349هـ.

(1/73)


السماءِ أصحُّ مِن كتابِ مسلمٍ، فلم يُصرِّحْ بكونه أصحَّ مِن صحيحِ البُخَارِيِّ؛ لأنه إنما نَفَى وجودَ كتابٍ أصح من كتابٍ مسلمٍ؛ إذ المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغةُ "أَفْعَلَ"، من زيادةِ صحةٍ في كتابٍ شاركَ كتابَ مسلمٍ في الصحة، يمتاز بتلك الزيادة عليه، ولم يَنْفِ المساواةَ.
وكذلك ما نُقِلَ عن بعض المغاربة أنه فَضّلَ صحيحَ مسلمٍ على صحيح البُخَارِيّ فذلك فيما يَرْجعُ إلى حُسْن السياقِ، وجَوْدَةِ الوضع والترتيب، ولم يُفْصِحْ أحدٌ منهم بأن ذلك راجعٌ إلى الأصَحِّيَّة، ولو أفصحوا به لردَّه عليهم شاهدُ الوجود1.
فالصفاتُ التي تدور عليها الصحةُ في كتابِ البُخَارِيِّ أتمُّ منها في كتابِ
__________
1 شاهدُ الوجود:
لقد أَحْسنَ الإمام ابن حجر، رحمه الله تعالى، بهذه الطريقة في الاستدلال؛ وذلك لأنّ أقوى الأدلة لإثبات الشيء حقيقةُ وجودِهِ؛ لأنها تُفنِّد أدلة إنكاره، ولذلك كان مِن حكمة الله تعالى -في باب دعوة الله لنا إلى هُدَاه- أنه دعانا إلى الإيمان به بكلِّ سبيلٍ، ومِن ذلك أنه أَرى بعْضَ عباده عمليةَ الخَلْق والإِحياء.
وقد أشهدَ الله تعالى مَن أَشهَدَ مِن عباده، والإشهاد على الإيجاد، من أدلةِ وحججِ الله على العباد.
وهذا يَعْني أنّ مِن المنهجية المهمة، في طريقة الوصول إلى الحق، والطريقةِ المثلى للمنافحة عن الحق، وردِّ الشبهات، الاتِّساء بهذا المنهج، سواء في طريقة العرض والإقناع، أو في طريقة المناقشة ورَدِّ الشبهات. وقد قالوا: شاهدُ العِيان يُغْني عن البيان!.
وقد تعرَّض الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لهذا في كتابه الاستقامة وفي غيره، وذَكَر كلاماً جميلاً فيه.

(1/74)


مسلمٍ وأشدّ، وشَرْطُهُ فيها أقوى وأسدّ.
أما رُجْحانه من حيثُ الاتصال: فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لِقَاءُ مَنْ روى عنه، ولو مرةً، واكتفى مسلمٌ بمطْلَقِ المعاصرة.
وأَلزم البخاريَّ بأنه يَحتاج أن لا يَقبَل العنعنةَ أصلاً، وما ألزمه به ليس بلازمٍ؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرةً لا يجري في رواياته احتمالُ أن لا يكون سَمِع؛ لأنه يَلْزم من جَرَيَانِهِ أن يكون مدلِّساً، والمسألة مفروضة في غير المدلِّس.
وأما رُجْحانُه مِنْ حيثُ العدالةُ1 والضبطُ: فلأنّ الرجالَ الذين تُكُلِّمَ فيهم مِن رجالِ مسلمٍ أكثرُ عدداً من الرجال الذين تُكُلِّمَ فيهم مِنْ رجالِ البُخَارِيّ، مع أن البخاريَّ لم يُكْثِرْ من إخراج حديثهم، بل غالبُهم من شيوخه الذين أَخذ عنهم، ومارس حديثهم، بخلافِ مسلمٍ في الأمرين.
وأما رُجحانُه من حيثُ عدمُ الشذوذِ والإعلالِ: فلأن ما انْتُقِدَ على البُخَارِيّ من الأحاديث أقلُّ عدداً مما انْتَقِدَ على مسلمٍ، هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاريَّ كانَ أجلَّ مِنْ مُسْلم في العلوم، وأعرفَ بصناعةِ الحديث منه، وأن مسلماً تلميذه وخِرِّيجُهُ ولم يَزَلْ يستفيدُ منه ويَتَّبع2 آثارَه، حتى لقد قال الدارقطنيُّ3: لولا البخاريُّ لما راحَ مسلمٌ ولا جاء4.
__________
1 في الأصل ضُبِطتْ بالجرِّ، وكذا الكلمة بعدها، والصواب الرفع.
2 في بعض النسخ المطبوعة: ويتتبعُ. وهو خطأٌ؛ لأن التتبع غير الاتّباع؛ إذ معناها: التعقُّب.
3 هو عليّ بن عمر بن أحمد الدّارَقُطْنِيّ، البغدادي، أبو الحسن، 306-385هـ، يُضرب به المثل في الحفظ والإتقان في الحديث، له مصنفات في الحديث تشهد بإمامته وذكائه، وقد كَتبْتُ فيه أُطروحة للدكتوراه، ونشرتها بعنوان: الإمام أبو الحسن الدَّارَقطْنيّ وآثاره العلمية-وسقط مِن العنوان عبارة: مع دراسة تفصيلية عن كتابه السنن، جدّة، دار الأندلس الخضراء، ط.الأولى، 1421هـ-2000م.
4 ذكرها المؤلف، أيضاً، في هدْي الساري، 11، ولتقرير أصحية صحيح البخاري وتقديمه على صحيح مسلم يُنظر الفصل الثاني مِن هدْي الساري، وتدريب الراوي، للسيوطي، 88-98.

(1/75)


[مراتب الصحيح بحسب مصدره]
ومِن ثَمَّ، أَيْ: ومِن هذه الحيثية -وهي أرجحية شرْط البُخَارِيّ على غيره- قُدِّمَ صحيحُ البُخارِيّ على غيره من الكتب المصنَّفة في الحديث.
ثم صحيحُ مسلمٍ، لمشاركته للبُخَارِيّ في اتّفاق العلماء على تلقِّي كتابه بالقبول، أيضاً، سِوى ما عُلِّل.
ثم يُقَدَّمُ في الأرجحية، مِن حيثُ الأَصَحِّيَّةُ، ما وافقَه شَرْطُهُما؛ لأن المراد به رواتهما مع باقي شروطِ الصحيح، ورواتُهُما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم1، فهُمْ مقدَّمون على غيرهم في رواياتهم، وهذا أصلٌ لا يُخْرَجُ عنه إلا بدليل2.
فإن كان الخبرُ على شرطهما معاً كان دونَ ما أخرجه مسلم أو مثلَه3.
__________
1 قوله: بطريق اللزوم، هذا نوعٌ مِن أنواع الدلالة، إذْ أنّ أنواع الدلالة هي: دلالة اللزوم، ودلالة التضمن، ودلالة المطابقة، فكما قُبِلَ صحيحاهما فقد صار مِن لازمِ ذلك تعديل رواتهما، وهذا دليلٌ على أن ما كان على شرطهما يأتي بعد ما أخرجاه.
2 قوله: وهذا أصلٌ لا يُخرَج عنه إلا بدليل، ولكن، هذا إذا جاءت الرواية عنهم بنفس الكيفية التي رَوى لهم بها الشيخان، وهي تتناول النظر إلى أمرين:
الأول: مراعاة ذلك الترتيب بين التلاميذ والشيوخ الوارد في الصحيحين، أَيْ: مطابقة الرواية لروايته، بأن يكون التلاميذ هم التلاميذ، والشيوخ هم الشيوخ.
الثاني: التدقيق في صفة الرواية عن هذا الراوي في الصحيحين هل جاءت على وجْه الاحتجاج به أم لا؟ إذْ لا يَصْدُقُ شرطُهما إلا على ما رويا له احتجاجاً.
3 أَيْ: في منزلته.

(1/76)


وإن كان على شرط أحدهما فَيُقَدَّمُ شرطُ البُخَارِيّ وحدَه على شرطِ مسلمٍ وحْدَهُ تبعاً لأصلِ كلٍّ منهما.
فخرج لنا مِن هذا ستةُ أقسامٍ تتفاوت درجاتها في الصحة.
وثَمّ قِسمٌ سابع، وهو ما ليس على شرطهما اجتماعاً وانفراداً، وهذا التفاوتُ إنما هو بالنظر إلى الحيثية المذكورة.

(1/77)


[قد يُقَدَّمَ الأدنَى على ما فَوقَه لأمور خارجية]:
أمّا لو رَجَحَ قِسْمٌ على ما هو فوقه1 بأمورٍ أُخرى تقتضي الترجيح؛ فإنه يُقَدَّمُ على ما فوقه؛ إذ قد يَعْرِضُ للمَفُوقِ ما يَجْعله فائقاً.
كما لو كان الحديثُ عند مسلمٍ، مثلاً، وهو مشهورٌ قاصرٌ عن درجة التواتر، لكن، حَفَّتْه قرينةٌ صار بها يُفيدُ العلم، فإنه يُقَدَّم على الحديث الذي يُخرجُه البُخَارِيّ إذا كان فَرْداً مطلقاً.
وكما لو كان الحديث الذي لم يخرِّجاه من ترجمةٍ وُصِفت بكونها أصحَّ الأسانيد، كمالك عن نافع عن ابن عمر، فإنه يُقدَّم على ما انفرد به أحدهما، مثلاً، لا سيما إذا كان في إسناده مَنْ فيه مقال2.
__________
1 قوله: أمّا لو رَجَحَ قِسْمٌ على ما هو فوقه: الصحيحُ درجاتٌ ومراتب، ولكن هذا الترجيح إجماليٌّ؛ فليس مِنْ لازمه تفضيلُ كلِّ درجةٍ على التي بعدها مطلقاً في كلِّ حديثٍ؛ فقد يَرِدُ حديثٌ على شرط مسلم أقوى مِن حديثٍ على شرط البُخَارِيّ، وهذا لا يَنْقض القاعدة العامّة هذه.
2 قوله: مَن فيه مقال: قلت: هذا لا يعني ردَّ الرواية على كل حال؛ فقد تكون الرواية التي فيها مَنْ فيه مقالٌ مقبولةً، وقد تكون مردودة؛ وذلك بحسب نوع الكلام في الراوي ودرجته، وهل جاء مِن طُرُقٍ أُخرى أم لا؟. يُراجع هذا الموضوع في مقدّمة تحقيقي لرسالةِ: مَن تُكُلِّمَ فيه وهو مُوَثَّقٌ أو صالِحُ الحديثِ، للإمام الذهبي، تحت عنوان: "هل يُرَدُّ كل حديثٍ فيه راوٍ مُتَكَلَّمٌ فيه؟".

(1/77)


[الحسن لذاته]
فإنْ خَفَّ الضبطُ، أي قَلَّ -يُقال: خَفَّ القومُ خُفوفاً: قَلُّوا- والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حدِّ الصحيح = فهو الحسنُ لذاته، لا لشيء خارجٍ، وهو الذي يكون حُسْنُه بسببِ الاعتضاد، نحو حديثُ المستُور إذا تعددت طُرُقُه1. وخَرَج باشتراطِ باقي الأوصاف الضعيفُ.
وهذا القِسمُ من الْحَسَنِ مشاركٌ للصحيح في الاحتجاج به، وإِنْ كان دُونَهُ، ومشابِهٌ له في انقسامه إلى مراتبَ بعضُها فوقَ بعض.
__________
1 أَيْ: إذا تعددت طرقه على وجهٍ يَجْبر بعضها بعضاً. وهذا قَيْدٌ مهم؛ لأنه ليس كلُّ تعددٍ في الطرق يَجبر الرواية.

(1/78)


[الصحيح لغيره]
وبكثرة طُرُقِه يُصَحَّحُ، وإنما نحكم له بالصحة عند تعدد الطرق، لأن للصورة المجموعة قوّةً تَجْبرُ القدر الذي قَصُرَ به ضبط راوي الحَسَنِ عن راوي الصحيحِ، ومِن ثَمَّ1 تُطْلَقُ الصحةُ على الإسناد الذي يكون حسناً لذاته - لو تفرد - إذا تعدد. وهذا حيثُ ينفردُ الوصف.
__________
1 أَيْ: مِن هذه الحيثية.

(1/78)


[معنى قولهم: "حديث حسنٌ صحيحٌ"]:
فإن جُمِعا، أي الصحيحُ والحسنُ، في وصفٍ واحدٍ، كقول الترمذي وغيره: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ"، فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل: هل اجتمعتْ فيه شروط الصحة أو قَصُرَ عنها، وهذا حيث يَحْصل منه التفرد بتلك الرواية.
وعُرِفَ بهذا جوابُ مَنِ استشكلَ الجمعَ بين الوصفين؛ فقال: الحَسَنُ قاصرٌ عن الصحيحِ؛ ففي الجمع بين الوصفين إثباتٌ لذلك القصورِ ونَفْيُهُ!.
ومُحَصَّل الجواب: أنّ تردُّدَ أئمة الحديث في حال ناقلِهِ اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحدِ الوصفين، فيُقال فيه: حَسَنٌ باعتبار وصْفِهِ عند قومٍ، صحيحٌ باعتبارِ وصْفِهِ عند قومٍ، وغايةُ ما فيه أنه حُذِف منه حرفُ التردد؛ لأنّ حقه أن يقول: "حسنٌ أو صحيحٌ"، وهذا كما حُذِفَ حرف العطف مِن الذي بعده1.
__________
1 المقصود بالذي بعده هو: ما قيل فيه: حسن صحيح، باعتبار إسنادين؛ فهو بمعنى قولِ: حسن وصحيح، لكن، حُذِف منه حرف العطف الواو. وهذا هو ما عناه المؤلف بقوله، بعد هذا: وإلا إذا لم يحصل.... وقد جاءت هنا في الأصل حاشيةٌ نصُّها: لعله أراد بالذي بعده الغريب، حيث يقول كثيراً: حسنٌ صحيح غريب، والتقدير: وغريب، فحذف حرف العطف، وهو الواو؛ فالضمير في بعده عائدٌ إلى ما ذكر مِن الجمعِ بين الوصفين؛ فتأمّلْ، ق8 أ. قلتُ: والكلام واضحٌ مِن ألفاظِ المؤلف؛ فليس هو في حاجةٍ إلى هذا التكلِّف في التفسير.

(1/79)


وعلى هذا فما قيل فيه: "حسنٌ صحيحٌ" دون ما قيل فيه صحيحٌ؛ لأن الجزمَ أقوى مِن التردد، وهذا حيث التفرد1.
وإلا إذا لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبارِ إسنادين: أحدُهما صحيحٌ، والآخر حسنٌ.
وعلى هذا فما قيل فيه: "حسن صحيح" فوقَ ما قيل فيه: "صحيح" فقط
-إذا كان فرداً- لأن كثرة الطرق تقوِّي.
__________
1 أَيْ: حيث يكون الحديث مروِيّاً بطريقٍ واحدٍ.

(1/80)


[الحسن عند الترمذي]
فإن قيل: قد صرَّح الترمذي بأنَّ شرط الحسن أن يُرْوَى مِن غيرِ وجهٍ1؛ فكيف يقول في بعض الأحاديث: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه"؟.
فالجواب: أن الترمذي لم يُعرِّف الحسن مطلقاً، وإنما عَرَّفَ نوعاً خاصاً منه وَقَعَ في كتابه، وهو ما يقول فيه: "حسنٌ"، مِن غير صفةٍ أخرى؛ وذلك أنه:
يقول في بعض الأحاديث: "حسنٌ".
وفي بعضها: "صحيحٌ".
وفي بعضها: "غريبٌ".
وفي بعضها: "حسنٌ صحيحٌ".
__________
1 أَيْ: يُرْوى مِن أكثرِ مِن طريقٍ.

(1/80)


وفي بعضها: "حسنٌ غريبٌ".
وفي بعضها: "صحيحٌ غريبٌ".
وفي بعضها: "حسنٌ صحيحٌ غريبٌ".
وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته تُرْشِدُ إلى ذلك؛ حيث قال في آخر كتابه: وما قلنا في كتابنا: "حديثٌ حَسَنٌ"، فإنما أردنا به حُسْنَ إسناده عندنا: كُلُّ حديثٍ يُرْوَى، لا يكون راويه متَّهَماً بكَذِبٍ، ويُرْوَى من غير وجهٍ نحوُ ذلك، ولا يكون شاذّاً = فهو عندنا حديثٌ حسنٌ 1.
فَعُرِفَ بهذا أنه إنما عَرَّفَ الذي يقول فيه: "حسنٌ"، فقط، أما ما يقول فيه: "حسنٌ صحيحٌ"، أو: "حسنٌ غريبٌ"، أو: "حسنٌ صحيحٌ غريبٌ"، فلم يُعَرِّجْ على تعريفه، كما لم يُعَرِّجْ على تعريف ما يقول فيه: "صحيحٌ"، فقط، أو: "غريبٌ"، فقط، وكأنه ترك ذلك استغناءً، لِشُهْرَتِه2 عند أهل الفن. واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه: "حسنٌ"، فقط؛ إمّا لغموضه، وإمّا لأنه اصطلاحٌ جديدٌ؛ ولذلك قَيَّدَه بقوله: عندنا، ولم ينسِبْه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي3.
وبهذا التقرير يندفع كثيرٌ مِن الإيرادات التي طال البحث فيها، ولم يُسْفِر وجْهُ توجيهِها، فلله الحمد على ما أَلْهَم وعَلَّم.
__________
1 شرح علل الترمذيّ، لابن رجب الحنبلي، 736-795هـ، بتحقيق نور الدين عتر، 1/340. مع اختلافٍ يسيرٍ في العبارة، والمعنى واحد. ثم بعدها فسّر معنى قوله: حديث غريب.
2 في بعض النسخ: بشهرته.
3 حَمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطّاب البُستيّ، الخطّابي، أبو سليمان،319-388هـ، له معالم السنن، وغريب الحديث، وإصلاح غلط المحدِّثين.

(1/81)


زيادة الثقة و أقسامها
أقسامها
...
[زيادة الثقة وأقسامها]
وزيادةُ راويهما، أَيْ: الصحيح والحسن، مقبولةٌ1، ما لم تَقَع منافيةً لروايةِ مَنْ هو أوثق ممن لم يَذْكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة:
1 - إمّا أن تكون لا تَنافِيَ بينها وبين روايةِ مَن لم يَذْكُرْها؛ فهذه تُقْبَلُ مطلقاً؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيرُه.
2 - وإمّا أن تكون منافيةً، بحيث يَلْزم من قبولها ردُّ الرواية الأخرى؛ فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين مُعارِضها؛ فَيُقْبَلُ الراجحُ ويُرَدُّ المرجُوحُ.
واشتهر عن جمعٍ من العلماء القولُ بقبول الزيادة مطلقاً، من غير تفصيلٍ، ولا يتأتّى ذلك على طريقِ المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذّاً، ثم يُفسِّرون الشذوذ بمخالفة الثقة مَن هو أوثقُ منه.
والعَجَبُ ممن أَغفل ذلك منهم، مع اعترافه باشتراط انتفاءِ الشذوذ في حدّ الحديث الصحيح، وكذا الحسن!.
__________
1 زيادةُ الثقة إذا لم تكن مخالِفَةً لمن هو أوثق منه فهي مقبولة، وكذلك حالةُ المخالفة لمن هو أقل ثقة، أو لِمن هو ضعيف. أما المماثل فمتوقَّفٌ فيها.

(1/82)


[رأيُ الأئمةِ في قبول الزيادة المنافية لرواية الأوثق]:
والمنقولُ عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي1، ويحيى
__________
1 هو عبدالرحمن بن مهدي بن حسان البصري، 135-198هـ، إمام مِن أئمة الحديث.

(1/82)


القطانِ1، وأحمدَ بنِ حنبل، ويحيى بن معين2، وعليّ بن المدِيني3، والبُخَارِيّ4، وأبي زُرْعَة5، وأبي حاتم6، والنسائي7، والدارقطني، وغيرهم، اعتبارُ الترجيح فيما يتعلقُ بالزيادة وغيرها، ولا يُعْرَفُ عن أحدٍ منهم إطلاقُ قبولِ الزيادةِ.
وأَعْجَبُ من ذلك إطلاقُ كثيرٍ مِن الشافعية القولَ بقبولِ زيادةِ الثقة، مع أن نَصَّ الشافعي يدل على غير ذلك، فإنه قال -في أثناء كلامه على ما يَعْتَبَرُ
__________
1 هو يحيى بن سعيد بن فرُّوخ، أبو سعيد القطّان، البصري، 120-198هـ، مِن كبار الأئمة.
2 هو يحيى بن معين بن عون، أبو زكريا، البغدادي، ت233هـ، إمامٌ مِن أئمة الجرح والتعديل، قيل فيه: كأنما خُلِق للحديث. له: التاريخ والعلل ومعرفة الرجال.
3 هو علي بن عبدالله بن جعفر بن المديني البصري، أبو الحسن، الإمام، أعلمُ أهل عصره بالحديث وعلله، ت234هـ، له مؤلفات كثيرة.
4 هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، الجُعْفِيّ، أبو عبدالله، ت256هـ، الإمام الجَهْبَذ في الحديث وعلله، وقدوة المحدِّثين، أوّل مَن أَلّف في الحديث الصحيح مستقلاًّ، وكتابه: الجامع المسنَد الصحيح المختصر مِن أمور رسول صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه هو أصحُّ الكتب بعد كتاب الله تعالى.
5 هو عبيدالله بن عبدالكريم الرازيّ، أبو زُرعة، وُلِد نحو 200، وتوفي 264هـ، مِن الأئمة المعدودين في الحديث وعلله، وفي الزهد والعبادة.
6 هو محمد بن إدريس الحنظليّ، أبو حاتم الرازيّ، 195-277هـ، إمام في الحديث والعلل.
7 هو أحمد بن شعيب بن علي بن سنان، أبو عبدالرحمن، النسائي، 225-303هـ، مِن أئمة الحديث الكبار، له: السنن الكبرى، والمجتبى، وغيرهما.

(1/83)


به حالُ الراوي في الضبط ما نصه-: ويكونَ إذا شَرِكَ أحداً مِن الحُفَّاظِ لم يخالِفْه، فإنْ خالفه فَوُجِد حديثُه أَنقصَ كان في ذلك دليلٌ على صحة مَخْرَجِ حديثه. ومتى خالف ما وَصفتُ أضَرّ ذلك بحديثه، انتهى كلامه، ومقتضاه أنه إذا خالف فوُجِد حديثُهُ أَزْيَدَ أَضرَّ ذلك بحديثه، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقاً، وإنما تُقبَلُ من الحفاظ، فإنه اعْتَبَرَ أن يكون حديثُ هذا المخالف أنقصَ مِن حديث مَنْ خَالفه مِنَ الحُفّاظ، وجَعَلَ نقصانَ هذا الراوي مِن الحديث دليلاً على صحته؛ لأنه يدل على تحرّيه، وجَعَلَ ما عدا ذلك مضراً بحديثه؛ فدخلتْ فيه الزيادة؛ فلو كانت عنده مقبولةً مطلقاً لم تكن مضِرّةً بحديثِ1 صاحبها2.
__________
1 في الأصل أُلحِقت كلمةُ: بحديث إلحاقاً في الحاشية.
2 المخالفة وأثرها في المروي: إذا كثرت المخالفةُ عاد أثرها، كذلك، على الراوي ودلت على طعنٍ في ضبطه؛ ومعنى هذا أن هناك فرقاً بين قولنا: مخالفة الثقات، وبين قولنا: كثرة مخالفة الثقات، إذ الأُولى لا تستلزم الطعن في الراوي، بخلاف العبارة الثانية، أما الرواية فإنها تتأثر بالمخالفة مطلقاً، إذا كانت المخالفة في أمرٍ أساسٍ في الرواية، بخلاف ما لو كان في أمرٍ ثانويّ لا علاقة له بأساس الرواية.

(1/84)


المحفوظ و الشاذ
...
[المحفوظ والشاذ]
فإن خولف بأرجحَ منه: لِمَزِيد ضبطٍ، أو كثرةِ عددٍ، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: "المحفوظ".
ومقابِلُهُ، وهو المرجوح، يقال له: "الشاذ".

(1/84)


مثال ذلك: ما رواه الترمذي1، والنسائيّ، وابن ماجه2، من طريقِ ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرو بن دينار، عن عَوْسَجَةَ، عن ابن عباس: "أن رجلاً تُوُفِّيَ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يَدَعْ وارثاً إلا مولىً هو أعتقه..."3، الحديث، وتابع ابنَ عُيَيْنَةَ على وصله ابنُ جُرَيْجٍ وغيرُهُ، وخالفهم حمادُ بنُ زيدٍ؛ فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجةَ. ولم يَذْكر ابنَ عباسٍ. قال أبو حاتم: "المحفوظُ حديثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ". انتهى.
فحمادُ بنُ زيد مِن أهل العدالة والضبط، ومع ذلك، رَجَّحَ أبو حاتمٍ روايةَ مَنْ هم أكثرُ عدداً منه.
وعُرِفَ مِن هذا التقريرِ أن الشاذ: ما رواه المقبول مخالفاً لِمَنْ هو أَولى منه، وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح.
__________
1 هو محمد بن عيسى بن سَوْرَة، الترمذيّ، أبو عيسى، 209-279هـ، أخذَ عن البخاري، إمام حافظ وَرِع، كُفَّ بصره في آخر عمره؛ لكثرة بكائه مِن خشية الله تعالى.
2 هو محمد بن يزيد بن ماجه، القزوينيّ، 209-273هـ، كان إماماً حافظاً، سَمِع منه الكبار، وصنّف التصانيف.
3 أخرجه الترمذي برقم2106،الفرائض، بلفظ: "أَنَّ رَجُلاً مَاتَ عَلَى عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثاً إِلا عَبْداً هُوَ أَعْتَقَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِيرَاثَهُ". قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ: إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَتْرُكْ عَصَبَةً، أَنَّ مِيرَاثَهُ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وأخرجه أبو داود، 2905، الفرائض، بلفظ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلاً مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثاً، إِلا غُلاماً لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟". قَالُوا: لا، إِلا غُلاماً لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ؛ "فَجَعَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِيرَاثَهُ لَهُ"،

(1/85)


المعروف و المنكر
تعريفه
...
[المعروف والمنكر]
وإنْ وقَعَتِ المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: "المعروف"، ومقابلُهُ يقال له: "المنكَر"1.
مثاله: ما رواه ابن أبي حاتم2 من طريق حُبَيِّبِ بن حَبِيبٍ3 -وهو أخو حمزة بن حَبِيبٍ الزيّات المقْرئ- عن أبي إسحاقَ عَن العَيْزَار بن حُرَيْثٍ عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج4، وصام، وقَرَى الضيفَ = دخل الجنة"5.
قال أبو حاتم: هو منكرٌ؛ لأن غيره مِن الثقات رواه عن أبي إسحاقَ موقوفاً وهو المعروف.
__________
1 اصطلاح المحدثين في المنكر: للمحدِّثين اصطلاح في كلمة منكر؛ فهو عندهم:
1- رواية الضعيف في مقابل الثقة.
2- رواية الضعيف ضعفاً شديداً مما سوى المتروك.
2 هو عبدالرحمن بن أبي حاتم، محمد بن أدريس التميميّ، الحنظليّ الرازيّ، أبو محمد، 240-323هـ، أخذ العلم عن أبيه وعن عمّه أبي زُرعة، وكان إماماً بحراً في العلوم، زاهداً، له مؤلفات، أشهرها كتابه: الجرح والتعديل، والعلل.
3 الضبطُ في الأصل هكذا: حَبِيبِ بن حُبَيّبٍ، والتصويب مِن المشتبه، للذهبي، 215، وغيره.
4 هذا لفظُهُ في الأصل، وفي نسخةٍ: وحج البيت. وعلى هذا الأخير جاء عند الطبراني في الكبير.
5 أخرجه ابن عدي في الكامل، 2/821، والطبراني في الكبير، 12/12692، وذكره ابن أبي حاتم في العلل، 2043، وقال: قال أبو زرعة: هذا حديثٌ منكَرٌ؛ إنما هو عن ابن عباس موقوف.

(1/86)


الفرقُ بين الشّاذ و المنكر
...
[الفرقُ بين الشّاذ والمنكر]:
وعُرِفَ بهذا أن بين الشاذ والمنكر عموماً وخصوصاً مِن وجهٍ1؛ لأن بينهما اجتماعاً في اشتراط المخالفة، وافتراقاً في أن الشاذَّ روايةُ2 ثقةٍ، أَوْ صَدُوْقٍ3، والمنكَر روايةُ ضعيفٍ. وقد غَفَلَ مَنْ سَوّى بينهما، والله تعالى أعلم.
__________
1 العموم والخصوص مِن وجْه، ويُسمَّى، أيضاً: العموم والخصوص الوجْهيّ، هو: أن يشترك لفظان، أو أكثر، في صفةٍ، ثم يفترق كلُّ واحدٍ بخصلةٍ يختص بها دون غيره، د.عتر.
2 في نسخةٍ: راويه.
3 قوله: أو صدوق، هذا على اصطلاحٍ خاصٍ للإمام ابن حجر في الصدوق. والصدوق عنده حديثه حسن، أَيْ صدوق ضابط ضبطاً خفيفاً. أما في اصطلاح المحدثين فالصدوق بمعنى العدل؛ وهذا وصفٌ لا يفيد إلا تزكية العدالة دون الضبط، وهذا لا يكفي لقبول رواية الراوي.

(1/87)


المتابعة
أقسامها
...
[المتابعة]
وما تقدم ذِكْره من الفرد النِّسبي، إن وُجِد -بعد ظَنِّ كونه فرداً- قد وافقه غيرُهُ فهو المتابِع بكسر الموحَّدة.
والمتابَعَةُ على مراتبَ:
- إن حصلت للراوي نفْسِهِ فهي التامة.
- وإن حصلت لشيخه فَمَنْ فوقَهُ فهي القاصرة.
ويُستفاد منها التقويةُ1.
__________
1 قوله: ويستفاد منها التقوية قلت: ولكن، هذا إذا كان المتابِع والمتابَع يَصْلح لذلك؛ لأنه قد استقر في منهج المحدِّثين أن الضعيف ضعفاً شديداً لا ينجبر
بتعدد الطرق.
قال ابن الصلاح: ومِن ذلك ضعفٌ لا يَزول بمجيئه مِن وجْهٍ آخر؛ لقوّة الضعف، وتقاعُدِ الجابر عن جَبْره ومقاومته، كالضعف الذي ينشأُ مِن كون الراوي متَّهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذّاً. وهذه جمْلةٌ يُدْرَك تفاصيلها بالمباشرة.
قال الإمام ابن حجر، في النكت على ابن الصلاح؛ تعليقاً على هذا: أقول: لم يَذْكر للجابر ضابطاً يُعْلم منه ما يَصْلح أن يكون جابراً أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يَرْجع إلى الاحتمال في طَرَفَي القبول والردّ؛ فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يَصْلح لأنْ ينجبر، وحيث يَقوى جانب الردّ فهو الذي لا ينجبر.
وأمّا إذا رَجَحَ جانبُ القبول فليس مِن هذا، بل ذاك في الحُسْن الذاتيّ، والله أعلم، النكت.، 1/408-409.

(1/87)


أمثلة المتابعة التامة و القاصرة
...
[أمثلة المتابعة التامة والقاصرة]:
مثال المتابعةِ: ما رواه الشافعي في "الأم"، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشهرُ تِسْعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حتى تَرَوْه، فإنْ غُمَّ1 عليكم فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثين"2.
__________
1 جاء الحديث في طبعة د.عتر بلفظ: فإن غمي عليكم، وما أَثبتُّهُ هو الوارد في الأصل ق9ب، وهو كذلك في مسند الشافعي وفي موطأ الإمام مالك.
2 ترتيب مسند الشافعي، نشر وتصحيح: السيد يوسف على الحسني، والسيد عزت العطار، 1370هـ-1951م، ط. مصورة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1/272، وهكذا هو عند مالك في الموطأ، ح643، الصيام.

(1/88)


فهذا الحديث، بهذا اللفظ، ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك، فعدَّوْهُ في غرائبه؛ لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسنادِ بلفظِ: "فإن غُمَّ علَيْكُم فاقْدُرُوا له"1. لكنْ وجدنا للشافعي متابِعاً، وهو عبدُ الله بن مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ2، كذلك أخرجه البُخَارِيّ عنه، عن مالك3، وهذه متابَعَةٌ تامة.
ووجدنا له، أيضاً، متابَعَةً قاصِرَةً في صحيح ابن خُزَيمَةَ من روايةِ عاصمِ بنِ محمدٍ، عن أبيه -محمد بن زيدٍ- عن جده عبد الله بن عمر، بلفظِ: "فكملوا ثلاثين"4، وفي صحيح مسلم مِن روايةِ عُبَيْد الله بن عُمَر، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظِ: "فاقْدُرُوا ثلاثين"5.
ولا اقتصار في هذه المُتَابَعَةِ -سواء كانت تامّة أمْ قاصِرة- على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصةٌ بكونها من رواية ذلك الصحابي.
__________
1 تُنْظر الحاشية السابقة.
2 كان عبد الله هذا من المتقنين، وكان يحيى بن معين لا يُقدِّم عليه في مالك أحداً.
3 البخاري، 1906، الصوم.
4 صحيح ابن خزيمة، تحقيق د.محمد مصطفى الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، ط. الأُولى، 1395هـ-1975م، 3/202، وهو فيه: "...فإنْ غم عليكم فأكملوا ثلاثين".
5 صحيح مسلم، ح1080، الصيام.

(1/89)


الشاهد و مثاله
...
[الشاهد ومثاله]
وإنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُرْوَى مِن حديثِ صحابيّ آخر يَشْبَهُهُ في اللفظ والمعنى، أو في المعنى فقط = فهو "الشاهد".ومثاله في الحديث الذي قدمناه: ما رواه النسائي1 مِن رواية محمد بن حُنَين، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثلَ حديثِ عبد الله بن دينار عن ابن عمر سَواءٌ، فهذا باللفظ.
وأما بالمعنى فهو ما رواه البُخَارِيّ من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة، بلفظِ: "فإن غُمِّيَ عليكم فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شعْبانَ ثلاثين"2.
وخَصَّ قومٌ المتابعةَ بما حصل باللفظ، سواءٌ كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهدَ بما حصل بالمعنى كذلك.
وقد تُطْلَقُ المتابعةُ على الشاهدِ، وبالعكس، والأمر فيه سهلٌ3.
__________
1 في سننه برقم 2125، الصيام.
2 البخاري، 1909، الصوم، بلفظ: "فإِنْ غُبِّيَ....".
3 قوله: والأمر فيه سهلٌ؛ لأن التقوية حاصلةٌ بهما كِلَيْهما، ولا مشاحة
في الاصطلاح.

(1/90)


[الاعتبار]
واعْلم أنّ تَتَبُّعَ الطُرُقِ: من الجوامع1، والمسانيد، والأَجْزَاءِ، لذلك الحديث الذي يُظَنُّ أنه فَرْدٌ؛ ليُعْلَمَ: هل له متابِعٌ أم لا؟ هو "الاعتبار".
وقول ابن الصلاح: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد قد يُوهِم أن
__________
1 الجوامع جَمْع جامعٍ، وهو اسمٌ يُطلق على كتاب الحديث المرتّبة فيه الأحاديث على الأبواب، ويَشمل كل الأبواب، غير مقتصرٍ على بعضها، كصحيح البخاري وصحيح مسلمٍ المسنَد الصحيح المختصر مِن السنن، بنقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف كتاب السنن، مثلاً الذي يُقتَصرُ فيه على أحاديث الأحكام، غالباً.

(1/90)


الاعتبار قَسِيمٌ لهما1، وليس كذلك، بل هو هيئةُ التوصل إليهما.
وجميع ما تقدم من أقسام المقبولِ تَحْصُلُ فائدةُ تقسيمِهِ باعتبارِ مراتبه عند المعارضة2، والله أعلم.
__________
1 أي: يُوهِم أنه قسمٌ مقابلٌ للمتابعات والشواهد، متمم لهما.
2 في قوله: وجميع ما تقدم من أقسام المقبول...إلخ، قلتُ: لكن، ينبغي التنبُّهُ هنا إلى أنَّ مجرد حصول المعارضة في الظاهر ليس مسوِّغاً لأخذِ الأقوى وردِّ القوي؛ لأن الحديث إما أن يَثبتَ؛ فيجب الأخذ به، أو لا يَثبتَ؛ فيجب عدمُ الاحتجاج بمفرده، وفَهْم الأدلةِ والجمْع بينها بابٌ آخر، وهو مِن الأهمية بمكانٍ. والقاعدة الثابتة في هذا الباب هي: أنّ التعارض الحقيقيّ لا يَقع بين الآيات والآيات، ولا بين الأحاديث الثابتة والآيات، ولا بين الأحاديث والأحاديث الثابتة بحالٍ، وهذه قاعدة كان ينبغي أن يُشير إليها المؤلف -رحمه الله- هنا، وأن يؤكِّد عليها.

(1/91)


المُحْكَم
تعريفه
...
[المُحْكَم]
ثم المقبولُ: ينقسم، أيضاً، إلى معمولٍ به وغيرِ معمولٍ به؛ لأنه إنْ سَلِم من المعارضة، أَيْ: لم يأتِ خَبَرٌ يُضَادُّهُ، فهو "المُحْكم"، وأمثلته كثيرة.
وإنْ عُورِضَ فلا يَخْلو: إما أنْ يكونَ مُعارِضُه مقبولاً مثلَه، أو يكونَ مردوداً.
فالثاني لا أثر له لأن القوي لا يؤثر فيه مخالفةُ الضعيف.

(1/91)


مختلف الحديث، و طُرق دفَعِ التعارض بين الحديثين المتعارضين في الظاهر
تعريفه و مثاله
...
[مختلف الحديث، وطُرق دفَعِ التعارض بين الحديثين المتعارضين في الظاهر]
وإن كانت المعارضة بمثله؛ فلا يَخْلو: إما أن يمكن الجمع بين مدلوليهما بغير تعسُّفٍ، أو لا، فإن أمكن الجمع فهو النوع المسمَّى: مختَلِفَ الحديث.

(1/91)


[الكتب المؤلفة في مختَلِف الحديث]:
وقد صَنَّفَ في هذا النوع الشافعي كتابَ "اختلاف الحديث"1، لكنه لم يقصد استيعابه، وصَنَّفَ فيه بعده ابنُ قُتَيْبَةَ2،
__________
1 وهو كتابٌ نفيسٌ، يَدلُّ على فقْه هذا الإمام، رحمه الله تعالى. وقد طُبِع الكتاب طبعةً سيئةً، يَكْثر فيها الأخطاء المطبعية، تحقيق عامر أحمد حيدر، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، 1405هـ/1985هـ.
2 عبدالله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد، 213-276هـ، له كتاب: تأويل مُخْتَلِف الحديث، بيروت، المكتب الإسلامي، بتحقيق محمد محيي الدين الأصفر. وهو كتابٌ مفيدٌ، وعليه بعض المؤاخذات في عددٍ مِن أجوبته عن بعض الاستشكالات في دلالة الأحاديث.

(1/94)


والطّحاوِيُّ1، وَغَيْرُهما.
وإن لم يُمْكن الجمع فلا يخلو: إمّا أن يُعْرَف التاريخ، أو لا، فإنْ عُرِفَ وثَبَتَ المتأخر -به2، أو بأصرح منه- فهو الناسخ، والآخَرُ المنسوخ3.
__________
1 هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، 239-321هـ، له مِن المؤلفات في هذا الباب: شرح معاني الآثار، وشرح مشكل الآثار، وقد طُبِع هذا الأخير في 16 مجلداً، بالفهارس، بتحقيق شعيب الأرناوُوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط.الأُولى، 1415هـ-1994م. على أنّ هناك اختلافاً بين هذه التسمية للكتاب، وبين التسمية الواردة في مخطوطاته.
2 أَيْ: بالتاريخ.
3 في قوله: فإن عُرِف، وثبت المتأخر، به، أو بأصرح منه، فهو الناسخ، والآخِر المنسوخ، أقول: ليس مجرد التقدم والتأخر نسخاً، بل إنما يكون نسخاً إذا كان النسخ مُراداً بورود دليلِ الشرع على إرادة النسخ.

(1/95)


النَّسْخ و علاماته
تعريفه و بما يعرف
...
[النَّسْخ وعلاماته]
والنَّسْخُ: رَفْعُ تَعَلُّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخرٍ عنه.
والناسخ: ما دل على الرفع المذكور.
وتسميته ناسخاً مجاز؛ لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى.
ويُعْرَفُ النسخُ بأمور:

(1/95)


1- أصْرَحُها ما ورد في النص، كحديث بُرَيْدَة في صحيح مسلم: "كنتُ نَهيتُكم عن زيارة القبورِ، فَزُورُوها فإنها تُذَكِّرُ الآخرة"1.
2- ومنها ما يَجْزِمُ الصحابي بأنه متَأَخِّرٌ2، كقول جابرٍ: "كان آخرُ الأَمْرين مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركَ الوضوءِ ممّا مَسَّتِ النَّارُ "3، أخرجه أصحاب السنن.
3- ومنها ما يُعْرَفُ بالتاريخ، وهو كثير.
- وليس منها ما يرويه الصحابي المتأخر الإسلام معارِضاً لمتقدمٍ عنه؛ لاحتمالِ أن يكون سَمِعه من صحابيٍّ آخر أقْدَمَ من المتقدم المذكور، أو مِثْلِه فأرسله، لكن إن وقع التصريح بسماعه له من النبي صلى الله عليه وسلم فيتَّجِهُ أن يكون ناسخاً، بشرطِ أنْ يكونَ لم يتحملْ عن4 النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً قبل إسلامه.
__________
1 مسلم، 1977، الأضاحي، و977، الجنائز. وليس عند مسلمٍ: فإنها تُذَكِّرُ الآخرة، واللفظ عنده: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا..."، الحديث. وفي لفظٍ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ....".
2 قوله: ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر...، هذا ليس على إطلاقه، ولكن، مِن شرط ذلك، في باب النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن يكون هذا مِن الصحابي على وجهٍ يريد به بيان النسخ.
وقد يحصل مجرد الإخبار بالمتقدم والمتأخر ولا نسخ.
وقد يُخْبِرُ الصحابي بالنسخ، لكن على رأيه، اجتهاداً، لا نقلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب التفريق بين الأمرين.
3 أبو داود، 192، الطهارة، والنسائي، 185، الطهارة، وانظر الترمذي، 80، الطهارة.
4 في بعض النسخ: يتحمل من، والصحيح ما أثبتُّه، كما في الأصل.

(1/96)


وأما الإجماع فليس بناسخٍ، بل يَدُلّ على ذلك1.
وإن لم يُعْرَف التاريخُ فلا يخلو: إما أن يُمْكِنَ ترجيحُ أحدهما على الآخر، بوجهٍ مِن وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن، أو بالإسناد، أوْ لا.
فإنْ أَمكن الترجيحُ تَعَيَّن المصيرُ إليه، وإلا فلا.
فصار ما ظاهره التعارض واقعاً على هذا الترتيب:
1- الجَمْعُ إن أمكن. 2- فاعتبار الناسخ والمنسوخ. 3- فالترجيح إنْ تَعَيّن.
4- ثم التوقف عن العمل بأَحَدِ الحديثين2. والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدِهما على الآخر إنما هو بالنسبة لِلمُعْتَبِرِ في الحالة الراهنة، مع احتمالِ أن يَظْهر لغيره ما خَفِيَ عليه. والله أعلم.
__________
1 أورد ابن رجب عدداً مِن الأحاديث اتفق العلماء على عدم العمل بها، انظرها في شرحه لعلل الترمذيّ، 1/9، فما بعدها. وهذا ليس دليلاً على ترك العمل بالحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو عملٌ بما أدى إليه الدليل بعد النظر في الأدلة الواردة في الباب.
2 مراده: التوقف عن العمل بأيٍّ مِن الحديثين.

(1/97)


المردود و أقسامه
موجب الرد
...
[المردود وأقسامه]
ثم المردود1:
ومُوجِبُ الردِّ: إما أن يكون لسقطٍ من إسنادٍ، أو طعنٍ في راوٍ،2 على اختلافِ وجوه الطعن 1، أعمُّ من أن يكون لأمرٍ يرجع إلى ديانةِ الراوي، أو إلى ضبطه.
__________
1 بعد أن انتهى المصنّف، رحمه الله تعالى، من المقبول، وترتيب درجاته، انتقل هنا إلى المردود.
2 هذا يضاف إليه: أو إلى طعنٍ فيهما معاً.

(1/97)


[المردود للسقط]
فالسَّقْطُ إما أَنْ يكون:
1- مِن مبادئ السند من تَصَرُّفِ مُصَنِّفٍ.
2- أو مِن آخره، أي الإسناد، بعد التابعي.
3- أو غير ذلك.

(1/98)


[المُعَلَّق]
فالأول1: المُعَلَّق، سواءٌ كان الساقطُ واحداً، أم أكثر.
__________
1 انظرْه، هو وما بعْده، بحسبِ الترقيم الذي مَرَّ آنفاً.

(1/98)


الفرق بين المعلق و المعضل
...
[الفرق بين المعلق والمعضل]:
وَبَيْنَهُ وبين المُعْضَل، الآتي ذكْره، عمُومٌ وخصوصٌ مِن وجهٍ: فَمِن حيث تعريفُ المُعْضَل بأنه: سقط منه اثنان فصاعداً؛ يجتمع مع بعضِ صورِ المُعَلَّق، ومن حيث تَقْييدُ المُعَلَّق بأنه مِن تَصرُّف مصنِّفٍ مِن مبادئ السند يَفْترقُ منه؛ إذ هو أعمُّ من ذلك.
ومِن صُوَرِ المُعَلَّق: أن يُحْذَفَ جميعُ السند ويقال مثلاً: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/98)


[قد يكون المعلقُ صحيحاً]:
وقد يُحْكَمُ بصحته إنْ عُرِفَ، بأن يجيءَ مُسَمّىً مِن وجهٍ آخر.
فإن قال: جميعُ مَن أَحْذِفُهُ ثِقَاتٌ، جاءت مَسْأَلَةُ التعديل على الإبهام1، والجمهور: لا يُقْبَلُ حتى يُسَمَّى2.
__________
1 وهو أن يقول: حدثني الثقة، أو مَن أثق به.
2 والحق أنه يُقْبل في حق مَنْ يُقَلِّدُهُ. أما مطلقاً فالصحيح أنه لا يقبل.

(1/99)


لكن، قال ابنُ الصلاح هنا: إن وقع الحذف في كتابٍ اُلْتُزِمَتْ صِحَّتُه، كالبُخَارِيّ، فما أتَى فيه بالجزم دلَّ على أنه ثَبتَ إسنادُه عنده، وإنما حُذِفَ لغرضٍ من الأغراض، وما أَتى فيه بغير الجزم ففيه مقال1، وقد أوضَحْتُ أمثلةَ ذلك في النُّكَتِ على ابن الصلاح2.
__________
1 قوله: وما أَتى فيه بغير الجزم ففيه مقال، قلتُ: الصواب أن هذا ليس كذلك على كل حال، على ما أَوضحه هو، رحمه الله تعالى، في هدْي الساري...، وفي النكت على ابن الصلاح، 2/323-332؛ لأن هذه الصيغة لا تكون تضعيفاً، وإنما ليس فيها الجزمُ بالرواية المقتضي الصحةَ.
فما أتى بصيغة التمريض فالصحيح أنه بمجردها لا يكون تضعيفاً، وإنما ليس فيها الجزم بالرواية، فالمعلق بغيرِ جزمٍ عند البُخَارِيّ: منه الصحيح ومنه الحسن، ومنه الضعيف، ومن الضعيف ما ضعفه البُخَارِيّ نفسه كحديث سلمة بن الأكوع: مرفوعاً قال: يَزُرُّه ولو بشوكةٍ. قال أبو عبد الله: في إسناده نظرٌ، ثم الصحيح منه ما هو على شرط البُخَارِيّ، ومنه ما ليس على شرط البُخَارِيّ.
2 ذَكَر ذلك ضِمْن كلامه في النوع الحادي عشر: المعضل، 2/575-613. وقد أوضحَ فيه أوْجُهَ تعليقات البخاري في: 599-600.

(1/100)


المُرْسَل و مثاله
...
[المُرْسَل ومثاله]
والثاني: وهو ما سقط مِن آخره مَنْ بَعد التابعي1، هو "المرسل".
__________
1 أَيْ: مِن جهة النبي صلى الله عليه وسلم .
والإرسال: روايةُ الحديث بصيغة الإرسال.
والمرسِل: الذي فَعَلَ الإرسال، بأن روى الحديث مرسلاً.
والمرسَل: الحديث الذي حصل فيه الإرسال.

(1/100)


وصورتُهُ: أن يقول التابعي -سواءٌ كان كبيراً أم صغيراً1-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، ونحو ذلك.
وإنما ذُكِرَ في قِسْم المردود للجهل بحالِ المحذوفِ؛ لأنه يُحتمل أن يكون صحابياً، ويُحتمل أن يكون تابعياً.
وعلى الثاني يُحتمل أن يكون ضعيفاً، ويُحتمل أن يكون ثقةً، وعلى الثاني2 يُحتمل أن يكون حَمَل عن صحابي، ويُحتمل أن يكون حَمَل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمالُ السابقُ، ويَتعدد. أمّا بالتجويز العقليّ فإلى ما لا نهاية له، وأمّا بالاستقراء فإلى ستةٍ أو سبعةٍ، وهو أكثرُ ما وُجِدَ مِن روايةِ بعضِ التابعين عن بعض.
__________
1 التابعي الكبير هو الذي يروي عن كبار الصحابة، وهذا يكون أغلب رواياته عن الصحابة. أمّا التابعي الصغير فهو الذي يروي عن صغار الصحابة، وهم الذين تأخرت وفاتهم، وهذا يكون أغلب رواياته عن التابعين.
2 أَيْ: على احتمالِ أن يكون ثقةً.

(1/101)


[حكم المرسل]:
فإنْ عُرِفَ مِن عادةِ التابعي أنه لا يُرْسِل إلا عن ثقةٍ، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف؛ لبقاء الاحتمال، وهو أحَدُ قَوْلَي أحمد، وثانيهما- وهو قول المالكيِّين والكوفيين-: يُقْبَلُ مطلقاً، وقال الشافعي: يُقْبَلُ إن اعْتَضَد بمجيئه مِن وجهٍ آخرَ يُبايِنُ الطريقَ الأُولى1، مسنَداً أو مرسَلاً، لِيَرْجَحَ
__________
1 يُبَايِنُ الطريق الأُولى، أَيْ: يَسْتَقِلُّ عنها؛ فلا يَعْتَمِدُ عليها في بعض السند.

(1/101)


احتمالُ كونِ المحذوفِ ثقةً في نفسِ الأمر.
ونَقل أبو بكر الرازي1 من الحنفية، وأبو الوليد الباجي2 من المالكية: أن الراوي إذا كان يُرْسِل عن الثقات وغيرهم لا يُقْبَلُ مُرْسَلُه اتّفاقاً.
__________
1 هو أحمد بن علي، الجصّاص، 305-370هـ، له مؤلفات كثيرة، مِن أهمها: أحكام القرآن.
2 هو سليمان بن خلف الباجي، الأندلسي المالكي المذهب، 403-474هـ، له مؤلفات، منها: شرح الموطأ، والتعديل والتجريح لمن خَرَّج له البخاري في الجامع الصحيح.

(1/102)


والقِسْمُ الثالث من أقسام السقط من الإسناد:
[المعضل]
إن كان باثنين فصاعداً، مع التوالي، فهو "المُعْضَل".

(1/102)


[المنقطع]
وإلا، فإنْ كان الساقط1 باثنين2 غير متواليين، في موضعين مثلاً، فهو المنقطع، وكذا إن سَقَط واحدٌ، فقط، أو أكثر من اثنين، لكن،3 يُشْتَرَطُ4 عدم التوالي.
__________
1 في نسخةٍ: السقط.
2 في حاشية الأصل هنا: فائدةٌ: مثاله: قول الحسن البصري: حدثنا ابن عباس على منبر البصرة. فإنه لم يسمع مِن ابن عباس. وكذلك قول: ثابت البناني. ولم أهتدِ إلى تحديد موضع هذه الحاشية مِن هذه الصفحة بالضبط، لكنها في ق 12أ.
3 في نسخةٍ: لكنه.
4 في نسخةٍ: بشرط.

(1/102)


[أقسام السقط]
ثم إن السَّقْط مِن الإسناد قد:
1- يكونُ واضحاً يَحْصل الاشتراك في معرفته، ككون الراوي، مثلاً، لم يعاصِرْ مَنْ رَوى عنه.
2- أو يكونُ خفيّاً فلا يُدْرِكه إلا الأئمة الْحُذّاقُ المطَّلِعون على طرقِ الحديث وعِلل الأسانيد.
فالأول: وهو الواضح، يُدْرَكُ بعدم التلاقي بين الراوي وشيخِه، بكونه لم يُدْرِكْ عَصْرَه، أو أدركه لكن1، لم يجتمعا، وليست له منه إجازةٌ، ولا وِجَادة.
ومِنْ ثَم، احْتِيْجَ إلى التاريخ؛ لِتَضَمُّنِهِ تحريرَ مواليدِ الرواةِ ووفِيّاتِهم، وأوقاتِ طلبهم وارتحالهم.
وقد افْتَضَح أقوامٌ ادَّعَوْا الرواية عن شيوخٍ ظهرَ بالتاريخ كذِبُ دعواهم2
__________
1 في نسخةٍ: لكنهما.
2 قال سفيان الثوري: لَمّا استعمل الرواةُ الكذبَ استعملنا لهم التأريخ.

(1/103)


[المُدَلَّس]
والقِسْم الثاني: وهو الخفي: المُدَلَّس -بفتح اللام- سُمِّيَ بذلك لكون الراوي لم يُسَمِّ مَنْ حدثه، وأَوْهَمَ سماعَه للحديث ممَّنْ لم يحدِّثْه به.
واشتقاقُه من الدَّلَسِ بالتحريك، وهو اختلاط الظلام1، سُمِّيَ بذلك لاشتراكهما في الخَفَاءِ.
__________
1 في نسخةٍ: اختلاط الظلام بالنور.

(1/103)


ويَرِدُ المُدَلَّسُ بصيغةٍ من صِيَغ الأداء تحتمل وقوع اللُّقيّ بين المُدلِّس ومَنْ أَسنَد عنه، كـ "عن"، وكذا "قال". ومتى وقع بصيغةٍ صريحةٍ لا تَجَوُّزَ فيها كان كَذِباً.

(1/104)


[حكم رواية المُدَلِّس]:
وحُكم مَنْ ثبت عنه التدليس-إذا كان عَدْلاً-: أن لا يُقْبَلَ منه إلا ما صَرَّح فيه بالتحديث، على الأصح.

(1/104)


[المُرْسَل الخفيّ]
وكذا المرسَلُ الخفي، إذا صَدَرَ من معاصرٍ1 لَمْ يَلْقَ مَنْ حدَّث عنه، بل بينه وبينه واسطةٌ.
__________
1 أَيْ: في أَيِّ موضعٍ مِن السند؛ فالمرسل الخفيّ لا يُشترطُ له موضعٌ في السند؛ بخلاف المرسل الظاهر الذي هو قول التابعيّ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنّ هذا هو موضعه.

(1/104)


الفرق بين المُدَلَّس و المُرْسَل الخفي
...
[الفرق بين المُدَلَّس والمُرْسَل الخفي]
والفرق بين المُدَلَّس والمُرْسَل الخفي دقيقٌ، حَصَل تحريره بما ذُكِر هنا: وهو أن التدليس يَختص بمن روى عمّن عُرِفَ لقاؤه إياه.
فأمّا إن عاصره، ولم يُعْرَفْ أنه لقيه، فهو المُرْسَل الخفي.
ومَنْ أدخل في تعريف التدليس المعاصَرَةَ ولو بغير لُقِيٍّ، لَزِمَهُ دخولُ المرسَل الخفيِّ في تعريفه. والصواب التفرقة بينهما.
ويَدل على أنّ اعتبار اللُّقِيّ في التدليس -دون المعاصرةِ وحدها- لابد منه

(1/104)


[القائلون باشتراط اللقاء في التدليس]:
وممن قال باشتراطِ اللقاء في التدليس الإمامُ الشافعي، وأبو بكر البزار، وكلامُ الخطيب في الكفاية يقتضيه، وهو المُعْتَمَدُ.
ويُعْرَفُ عدمُ الملاقاة بإِخباره عن نفسه بذلك، أو بجزْم إمامٍ مُطَّلِعٍ.
ولا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادةُ راوٍ1 بينهما؛ لاحتمال أن يكون مِن المزيد، ولا يُحْكم في هذه الصورة بحكمٍ كليٍّ، أيْ: جازمٍ2؛ لِتَعارُضِ احتمالِ الاتصال والانقطاع.
__________
1 في نسخةٍ: أو أكثر.
2 لفظة: أَيْ: جازمٍ مِن حاشية الأصل.

(1/105)


المؤلفات في معرفة المرسل و المزيد في متصل الأسانيد
...
[المؤلفات في معرفة المرسل والمزيد في متصل الأسانيد]:
وقد صَنَّفَ فيه الخطيب كتابَ "التفصيل لِمُبْهَمِ المراسيل"، وكتابَ "المَزيد في مُتَّصِل الأسانيد".
وانتهت هنا أقسامُ حكمُ الساقطِ من الإسناد.

(1/105)


الطعن في الراوي و أسبابه
أسباب الطعن في الراوي
...
[الطعن في الراوي وأسبابه]
ثم الطَّعْنُ يكون بِعَشَرَةِ أشياء بعضُها أشدُّ في القدح من بعض: خمسةٌ منها تتعلق بالعدالة، وخمسةٌ تتعلق بالضبط.
ولم يَحْصل الاعتناءُ بتمييز أحد القسمين مِن الآخر؛ لمصلحةٍ اقتضتْ ذلك، وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجبِ الردِّ على سبيل التّدلِّي؛ لأن الطعن إما أن يكون:
1- لكذب الراوي في الحديث النبوي: بأن يروي عنه صلى الله عليه وسلم ما لم يَقُلْه،
متعمِّداً لذلك.
2- أو تُهمتِهِ بذلك: بأن لا يُرْوَى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكونَ مخالفاً للقواعد المعلومة، وكذا مَن عُرِفَ بالكذب في كلامه، وإنْ لم يَظهر منه وقوعُ ذلك في الحديث النبويّ، وهذا دُونَ الأولِ1.
__________
1 التهمة بالكذب: التهمة بالكذب سببها أمران:
1- إما رواية الراوي للحديث بحيث يكون مداره عليه مع مخالفة الحديث للقواعد الكليّة العامّة، أو تفرُّده بحديثٍ باطلٍ.
2- وإما أن يُعْرَفَ منه الكذب في كلامه -ولم يظهر منه ذلك في الحديث النبوي-.
فالتهمة بالكذب-عندهم-بدليلٍ، ولذلك تُطْلق التهمةُ بالكذبِ على مَن حصل منه أحد الأمرين السابقين، بحيث لو قال أحدهم في شخصٍ خارجٍ عن هاتين الصورتين بأنه عنده
متهمٌ بالكذب، لَقِيل له: وأين الدليل؟. أما التهمة بغير دليلٍ فلا يَبْنون عليها.

(1/106)


3- أو فُحْشِ غَلَطِهِ، أي: كثرته.
4- أو غفلتهِِ عن الإِتقان.
5- أو فسقِهِ: أي: بالفعل أو القول، مما لم يَبْلُغ الكفر. وبينه وبين الأوَّلِ عموم، وإنما أُفْرِدَ الأوَّلُ لكون القدْحِ به أشدَّ في هذا الفن، وأما الفسق بالمعتقد فسيأتي بيانه.
6- أو وَهْمِهِ: بأن يَرْوِي على سبيل التوهمِ.
7- أو مخالفتِهِ، أي للثقات.
8- أو جهالتِهِ: بأن لا يُعْرَفَ فيه تعديلٌ ولا تَجْرِيحٌ مُعَيَّنٌ.
9- أو بدعتِهِ: وهي اعتقاد ما أُحْدِثَ على خِلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا بمعاندةٍ، بل بنوعِ شُبْهَةٍ.
10- أو سوءِ حفظِهِ: وهي عبارةٌ عمّن يكون1 غلطُهُ أقلَّ من إصابته2.
__________
1 هذا هو الصواب، كما في الأصل، وفي بعض النسخ التي اطّلعتُ عليها: عن أن لا يكون غلطه أقل.... وهذا غلطٌ واضحٌ وعكسٌ للمقصود مِن العبارة!.
2 هنا في الأصل حاشيةٌ، نصُّها: وكذا إذا استويا، ق 13، أ.

(1/107)


[1-الموضوع]
فالقسم الأول: -وهو الطعن بكذب الراوي في الحديث النبويّ- هو الموضوع.
والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريقِ الظنِّ الغالبِ، لا بالقطْع1؛ إذ قد
__________
1 قلتُ: هذا ليس دائماً؛ إذ قد يقوم الدليل القطعيّ على ذلك. ثم إنّ القطْع ليس شرطاً للحكم، وإنما العبرة بقيام الدليل أو الأدلة، ولا عبرة بالاحتمالات والظنون بعد ذلك.

(1/107)


يَصْدق الكذوب1، لكن، لأهل العلم بالحديث ملَكَةٌ قويّةٌ يُمَيِّزون بها ذلك2، وإنما يَقوم بذلك منهم مَن يكون اطِّلاعه تاماً، وذِهْنه ثاقباً، وفهْمه قوياً، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكِّنة.
وقد يُعْرَف الوضع بإقرار واضعِهِ، قال ابن دقيق العيد3: لكن لا يُقْطَع
__________
1 قلتُ: ومع ذلك لا ينفعنا صِدْقُهُ في هذا، بحسب منهج المحدثين، فرواياته مردودة مطلقاً. والاحتمالات الضعيفة هنا لا يُلْتَفَتُ لها، بحسب منهج المحدِّثين. وما يقوله بعضهم: الحكم على الحديث بالصحةِ لا يعني أنه كذلك قطعاً، والحكم على الحديث بالضعف لا يَعني أنه كذلك قطعاً = هو مِن قبيل الكلام العقليّ الافتراضي، ولا يَصِح أن يكون له أَيُّ أثرٍ في الحكم بقبول الحديث أو ردّه، وإنما العمدة في ذلك منهج المحدِّثين.
2 لكن، مِن محاسن منهجهم، رحمهم الله تعالى، أنهم ردُّوا الحديث مِن طريق الكذّاب على كل حال، ولم ينشغلوا بتمييز الصدق مِن الكذب في روايات الكذّاب مِن طريقه هو، وإنما اعتبروا مجرّد وجود الكذّاب في سند الحديث حُكماً على الحديث بالوضع. ثم يُحققون في مدى ثبوت أصل الحديث مِن الطرق الأخرى، فعند ذلك قد يَصحُّ مِن طريقٍ أو طرق، وقد لا يَصحّ.
3 هو محمد بن وهب القشيري، أبو الفتح، تقي الدين ابن دقيق العيد، 625-702هـ، نشأ على حالٍ واحدةٍ: مِن الصمت، والاشتغال بالعلم، والتحرز في أقواله وأفعاله، له عدة مؤلفات، منها: اختصاره لعلوم الحديث: الاقتراح في تحقيق فن الاصطلاح، والعمدة شرح عمدة الأحكام، وهو شاهدٌ بعلمه وفضله.

(1/108)


بذلك، لاحتمال أن يكونَ كَذَب في ذلك الإقرار"، انتهى. وفَهِم منه بعضُهم أنه لا يُعمل بذلك الإقرار أصلاً، وليس ذلك مُرادَه، وإنما نَفْيُ القطعِ بذلك، ولا يلزم مِن نَفْيِ القطع نَفْيَ الحكْمِ؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك1، ولو لا ذلك لما ساغ قَتْلُ الْمُقِرِّ بالقتل، ولا رَجْمُ المعترفِ بالزنى؛ لاحتمال أن يكونا كاذبيْنِ فيما اعترفا به2.
ومِن القرائن، التي يُدرَكُ بها الوضعُ، ما يُؤخذُ مِن حال الراوي.
كما وقع للمأمون بن أحمد3 أنه ذُكِرَ بحضرته الخلاف في كون الحَسَن4 سمع من أبي هريرة أَوْ لا، فساق في الحال إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سَمِعَ الحسنُ مِن أبي هريرة.
__________
1 قلتُ: بل هذا ليس كذلك على كل حال، وإنما قد يقع هنا الظن الغالب، وقد لا يقع؛ إذ هو بحسب القرائن واختلاف الأحوال، وهذا أيضاً مِن محاسن منهجهم أنهم تنبهوا لهذا الأمر، واستخدموا العقل في موضعه.
2 هذا صحيح، ولكن مع ملاحظة الفارق بين الأمرين في وجْه الشبه الذي يوجب التفريق في الحكم؛ إذْ أنّ الاعتراف باختلاق الحديث مقتضاه الطعن في الدين وتحريفه، ولا يَعْلم الكذّاب يقيناً أنّ ذلك يُهْدر دمه، بخلاف الاعتراف بموجبٍ مِن موجبات الحدود على المعترف.
3 هو مأمون بن أحمد الهروي، السُّلَمِي، دجّال مِن الدجاجلة، وضع أحاديث كثيرة ظاهرة السقوط.
4 هو الحسن بن يسار البصري، 21-110هـ، رضع مِن أُمّ سلمة أم المؤمنين، كان مِن سادات التابعين وكبرائهم، جمع كل فنٍّ: مِن علمٍ، وزهدٍ، وورعٍ، وعبادةٍ، مع غاية الفصاحة.

(1/109)


وكما وَقَع لغياث بن إبراهيم1، حيث دخل على المهدي2 فوجده يلعب بالحَمَام؛ فساق في الحال إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا سَبَق إلا في نَصْلٍ أو خُفٍّ أو حافرٍ أو جَناحٍ" ، فزاد في الحديث: "أو جناح"؛ فَعَرف المهديُّ أنه كذَب لأجله فأَمر بذبح الحمام3.
ومنها ما يؤخذ مِن حال المروي، كأنْ يكون مناقضاً لنصِّ القرآن، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، أو صريحِ العقل، حيث لا يَقْبلُ شيءٌ مِن ذلك التأويلَ.
__________
1 هو غياث بن إبراهيم، النخعي، أبو عبدالرحمن، تركوه، قال أبو داود: كذاب.
2 هو محمد بن عبدالله بن محمد الهاشمي، الخليفة العباسي، الملقب بالمهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور، 127-169هـ.
3 الحديث عند أبي داود، 2574، الجهاد، والترمذيّ، 1700، الجهاد، وقال: حديث حسن. والنسائي، 3585، و3586، الخيل، وغيرهم. وخَبَرُ غياثٍ مع المهديّ مذكور في تاريخ بغداد 12/324.

(1/110)


[طرق الوضع]
ثم المروي:
1- تارةً يخترعه الواضع.
2- وتارةً يأخذ كلام غيره: كبعضِ السلف الصالح، أو قدماء الحكماء، أو الإسرائيليات.
3- أو يأخذ حديثاً ضعيفَ الإسنادِ فيركِّبَ له إسناداً صحيحاً لِيَرُوْجَ.

(1/110)


[دوافع الوضع]
والحامل للواضع على الوضع:
1- إما عدمُ الدين كالزنادقة.
2- أو غلبةُ الجهل كبعض المتعبِّدين.
3- أو فَرْط العصبية، كبعض المقلِّدين.
4- أو اتِّباع هوى بعضِ الرؤساءِ.
5- أو الإغرابُ لقصْدِ الاشتهارِ.

(1/111)


[حكمُ الوضعِ]:
وكلُّ ذلك حرامٌ بإجماعِ مَنْ يُعْتَدُّ به، إلا أن بعض الكِرَّامية1، وبعض المتصوفة نُقِلَ عنهم إباحةُ الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأٌ مِن فاعله، نشأَ عن جهلٍ، لأن الترغيب والترهيب مِن جُمْلة الأحكام الشرعية، واتفقوا على أنّ تعمُّدَ الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم مِن الكبائر2، وبالغ3 أبو محمد
__________
1 هكذا ضُبطتْ في الأصل، بكسر الكاف، والصواب: بفتحها. والكرَّامية، هم أتباع محمد بن كرّام القائل بالتجسيم والتشبيه لله تعالى بخلقه، وهم-ومَن نُقِل عنه هذا القول- ممن لا يُعْتَدُّ بهم؛ فلا يؤخذ عنهم شيءٌ مِن منهج المحدِّثين في هذا الباب.
2 بل منه ما هو مخرجٌ مِن الملّة، وذلك بحسب الدافع له.
3 لماذا بالغ؟! لا شكّ عندي في كفر صاحب أنواعٍ مِن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومِن ذلك الكذب الذي يَحْصل مِن صاحبه بدافع الرغبة في الطعن في الدِّين، وكذلك الكذب الذي يحصل مِن صاحبه بدافع الرغبة في تحريف الدين، كالكذب لابتداع بدعةٍ؛ فإنّ هذين النوعين مِن الكذب يجتمع فيهما الكذب والطعن في الدين، والتشريع مِن دون الله، ومعلومٌ أن الإقدام على وضْعِ تشريعٍ بديل عن شرع الله كفرٌ، بخلاف مجرد الكذب الذي هو هفوة، وإنْ كان الكذب على رسول الله كذباً عليه وعلى الله؛ فهو هفوةٌ كبيرة خطيرة.

(1/111)


الجويني1 فكفّر من تعمَّدَ الكذبَ على النبي صلى الله عليه وسلم.
__________
1 عبدالله بن يوسف بن عبدالله بن يوسف، أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين، ت438هـ.

(1/112)


[حكمُ رواية الموضوع]:
واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقروناً ببيانه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَدَّثَ عني بحديثٍ يُرَى أنه كذِبٌ فهو أحدُ الكاذِبَين"، أخرجه مسلم1.
__________
1 مسلم، مقدمة صحيحه -وكان حقه أن يبين المصنف، رحمه الله، أنّ مسلماً أخرجه في المقدمة، لا في أصل الصحيح- وابن ماجه، 41، المقدمة.

(1/112)


[2- المتروك]
والقسم الثاني من أقسام المردود: -وهو ما يكون بسببِ تُهمة الراوي بالكذب- هو المتروك.

(1/112)


[3،4،5- المُنْكَر]1
والثالث: المُنْكَر2 -على رأيِ مَنْ لا يَشترط في المنكَرِ قَيْدَ المخالفة-
__________
1 ذَكَرْتُ هذه الأرقام محافظةً على التطابق في عدِّ المؤلف لهذه الأنواع في أوّل ذِكْره لأسباب الطعن في الراوي، ليتطابق ذلك مع قوله في الحديث عنها: فالأول، والثاني،..إلى آخره. وهذا الترقيم قاعدةٌ سِرْتُ عليها في إخراج النصِّ المحقَّق، كما ترى؛ تسهيلاً للفهم وضبْطِ المعدودات والتقسيمات.
2 الحديث المنكر: -في إطلاق بعض الأئمة المتقدمين- هو: الحديث الذي تفرد به الراوي الضعيف، وأما منكر الحديث فمعناها: مردودُهُ، وهو طعنٌ في الراوي، وهو في الأصل ناشئ عن مخالفته للثقات.

(1/112)


[6- الوهم]
ثم الوهم: -وهو القِسْم السادس، وإنما أُفْصِحَ به لطول الفصل- إن اطُّلِعَ عليه، أي الوهم، بالقرائن الدالة على وهَم راويه -مِن وصْلِ مرسلٍ أو منقطعٍ أو إِدخالِ حديثٍ في حديثٍ، أو نحو ذلك مِن الأشياء القادحة، وتَحْصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجَمْع الطرق- فهذا هو المعلَّل.

(1/113)


[المعلَّل]
وهو مِن أَغْمضِ أنواعِ علومِ الحديثِ وأدقِّها، ولا يقوم به إلا مَنْ رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً، وحفظاً واسعاً، ومعرفةً تامة بمراتب الرواة، وملَكَةً قويةً بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يَتكلم فيه إلا القليل مِن أهل هذا الشأن: كعلي

(1/113)


[7- المخالفة]
ثم المخالفة، وهي القسم السابع:

(1/114)


[أ- المُدْرج]
إن كانت واقعةً بسببِ:
1- تَغَيّرِ السياقِ، أَيْ: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مُدْرَجُ الإسناد1.
__________
1 المدرج: هذا النوع مِن علوم الحديث مما يشهد شهادةً واضحة للمحدثين بشدة حرصهم على تمييز حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمحيصه مِن كل ما سواه بكل سبيل.
وهو مِن المهمات التي ينبغي أن يُعْنى بها مَنْ يتطلب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإدراج يُصَيِّرُ ما ليس حديثاً حديثاً، وكشْف الإدراج يُخَلِّص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس منه.

(1/114)


[أقسام المدرج باعتبار الإسناد]:
وهو أقسامٌ:
الأول: أن يرويَ جماعةٌ الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ فيَجمع الكل على إسنادٍ واحدٍ مِنْ تلك الأسانيد ولا يُبَيِّن الاختلاف.
الثاني: أن يكونَ المتنُ عند راوٍ إلا طرفاً منه فإنه عنده بإسنادٍ آخَرَ، فيرويه راوٍ عنه تامّاً بالإسناد الأول.
ومنه أن يسمعَ الحديثَ مِن شيخه إلا طرفاً منه فيسمعه عن شيخه بواسطة، فيرويه راوٍ عنه تماماً بحذْفِ الواسطة.
الثالث: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيرويهما راوٍ عنه مقتصراً على أحدِ الإسنادين، أو يروي أحدَ الحديثين بإسناده الخاص به، لكن، يَزيدُ فيه مِن المتن الآخَرِ ما ليس في الأول.
الرابع: أن يسوقَ الإسناد فَيَعْرِض له عارض، فيقولَ كلاماً مِنْ قِبَل نفسه، فَيَظن بعضُ مَن سَمِعه أن ذلك الكلامَ هو متنُ ذلك الإسناد؛ فيرويه عنه كذلك.
هذه أقسام مُدْرَج الإسناد.

(1/115)


[أقسام المدرج باعتبار المتن]:
وأما مُدْرَج المتن: فهو أن يقع في المتن كلامٌ ليس منه. فتارةً يكون في أوّله، وتارةً في أثنائه، وتارةً في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملةٍ على جملة، أو بدمْجِ موقوفٍ مِن كلامِ الصحابة، أو مَنْ بَعْدَهم، بمرفوعٍ مِن كلامِ النبي صلى الله عليه وسلم، مِن غير فصل، فهذا هو مُدرج المتن.

(1/115)


[ما يُعرفُ به الإدراج]:
ويُدْرَكُ الإدراج بِوُرُوْدِ روايةٍ مُفَصِّلَةٍ للقَدْرِ المُدْرَج فيه. أو بالتنصيص على ذلك مِن الراوي، أو مِنْ بعضِ الأئمة المطّلعين، أو باستحالةِ كون النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.

(1/116)


[المؤلفات في المدرج]:
وقد صَنَّفَ الخطيب في المدْرَج كتاباً، ولَخَّصْتُهُ، وزدتُ عليه قدْرَ ما ذَكَر مرتين، أو أكثر، ولله الحمد1.
__________
1 اسم كتاب الخطيب هو: الفصل للوصل المُدرج في النقل، وكتاب ابن حجر هو: تقريب الْمَنْهَج بترتيب المُدْرَج.

(1/116)


[ب- المقلوب]
2- أو إن كانت المخالفةُ بتقديمٍ أو تأخيرٍ أي في الأسماء كمُرَّةَ بن كَعْبٍ، وكَعْبٍ بن مُرَّة؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخَرِ، فهذا هو المقلوب، وللخطيب فيه كتابُ: "رافع الارتياب"1. وقد يقع القلب في المتن، أيضاً، كحديث أبي هريرة عند مسلمٍ في السبعة الذين يظلهم الله في عرشِهِ، ففيه: "ورجل تصدق بصدقةٍ أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تُنفِق شماله"2. فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: "حتى لا تَعلم شماله ما تنفق
__________
1 وهو: رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب.
2 مسلم، 1031، الزكاة.

(1/116)


[جـ- المزيد في الأسانيد]
3- أو إن كانت المخالفة بزيادةِ راوٍ في أثناء الإسناد، ومَن لم يزدها أَتقنُ ممن زادها، فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد.
وشرْطه أن يقع التصريح بالسماع في موضعِ الزيادة، وإلا فمتى كان معنعناً، مثلاً، تَرجَّحتِ الزيادة.

(1/117)


[د- المضطرب]
4- أو كانت المخالفة بإبداله، أَيْ: الراوي، ولا مرجِّحَ لإحدى الروايتين على الأخرى، فهذا هو المُضْطَرِبُ.
وهو يقع في الإسناد غالباً. وقد يقع في المتن.
لكن قَلَّ أنْ يُحْكَمَ المحدِّث على الحديث باضطرابٍ بالنسبة إلى اختلافٍ في المتن دون الإسناد.
وقد يقع الإبدال عَمْداً لمن يراد اختبارُ حفْظِهِ، امتحاناً مِن فاعله، كما

(1/117)


[هـ- المُصَحَّف]
5- أو إن كانت المخالفة بتغيير حرْفٍ، أو حروفٍ، مع بقاءِ صورة الخط في السياق: فإنْ كان ذلك بالنسبة إلى النَقْطِ فَالمُصَحَّفُ.

(1/118)


وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمُحَرَّفُ.
ومعرفةُ هذا النوع مهمةٌ.
وقد صَنَّفَ فيه العسكريّ1، والدارقطنيّ، وغيرهما.
وأكثرُ ما يقع في المتون، وقد يقع في الأسماء التي في الأسانيد.
ولا يجوز تعمُّد تغييرِ صورةِ المتنِ مطلقاً، ولا الاختصارُ منه بالنقص، ولا إبدالُ اللفظ المرادِفِ باللفظِ المرادِفِ له، إلا لعالمٍ بمدلولات الألفاظ، وبما يحيل المعاني، على الصحيح في المسألتين.
__________
1 هو الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكريّ، 292-382هـ، له تصانيف حسنة في اللغة والأدب والأمثال.

(1/119)


[اختصار الحديث]
أما اختصار الحديث: فالأكثرون على جوازه، بشرطِ أن يكون الذي يَخْتَصِرُهُ عالماً؛ لأن العالم لا يَنْقُص من الحديث إلا ما لا تَعَلُّقَ له بما يُبْقيه منه، بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختلُّ البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خَبَرَيْنِ، أو يدل ما ذكره على ما حذفه، بخلاف الجاهل فإنه قد يُنْقِص ما له تَعَلُّقٌ، كترك الاستثناء.

(1/119)


[الرواية بالمعنى]
وأما الرواية بالمعنى1: فالخلاف فيها شهيرٌ:
1- والأكثر على الجواز أيضاً، ومِن أقوى حججهم الإجماع على جواز
__________
1 في الأصل هنا حاشيةٌ، نصُّها: مطلب: جواز الرواية بالمعنى.

(1/119)


[غريب الحديث]
فإنْ خَفِي المعنى، بأن كان اللفظ مستعمَلاً بِقِلَّةٍ، احتيج إلى الكتبِ المصنَّفةِ في شرْح الغريب.

(1/120)


1- ككتاب أبي عبيد القاسم بن سلاّم1، وهو غير مرتَّبٍ، وقد رتَّبه الشيخ موفق الدين بن قُدَامَة2 على الحروف.
2- وأجمعُ منه كتاب أبي عبيد الهروي3، وقد اعتنى به الحافظ أبو موسى المديني4، فَنَقَّب عليه واستدرك.
3- وللزمخشري5 كتاب اسمه "الفائق" حَسَنُ الترتيب.
__________
1 هو القاسم بن سلام بن عبدالله البغدادي، أبو عبيد، 157-224هـ، كان عالماً بالحديث، وعارفاً بالفقه والمذاهب، رأساً في اللغة، إماماً في القراءات، له كتاب الأموال، وفضائل القرآن، وغريب الحديث، وهو هامّ جداً، قال فيه: هو كان خلاصة عمري.
2 هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قُدَامَة المَقْدِسِي ثم الدمشقي، موفق الدين، 541-620هـ، برع في علوم زمانه، وصار المرجعَ في الفقه الحنبلي، له مؤلفات كثيرةٌ، منها: المغني، والمقنع، وروضة الناظر، وغيرها.
3 هو أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو عبيد الهروي، نسبته إلى هراة، من مُدن خراسان، إمام لغوي بارع وأديبٌ، ت401هـ، له كتبٌ، منها: كتاب الغريبين أي: غريب القرآن وغريب الحديث، وهو أول من جمع بينهما.
4 محمد بن أبي بكر بن عمر الأصفهاني، أبو موسى المديني، 501-581هـ، وكان شيخ زمانه إسناداً وحفظاً وإتقاناً، شديد التواضع، له تصانيف أربى فيها على المتقدمين، منها: لطائف المعارف، غَنِيٌّ بالفوائد الحديثية. وله أيضاً كتاب: إضاعة العمر والأيام في اصطناع المعروف إلى اللئام.
5 هو محمود بن عمر بن محمد الخُوَارِزْمي الزَّمَخْشَرِي، جار الله، 467-538هـ، علامةٌ معتزليٌّ جَلْدٌ، ومحدثٌ ومفسرٌ ولغويٌ وأديبٌ، له: الكشاف، والفائق =

(1/121)


4- ثم جَمَعَ الجميعَ ابنُ الأثير1، في "النهاية"، وكتابه أسهلُ الكتب تناولاً، مع إعْوَازٍ قليل فيه.
وإن كان اللفظ مستعمَلاً بكثرةٍ، لكن، في مدلوله دِقَّةٌ، احتيج إلى الكتب المصنَّفة في شرح معاني الأخبار، وبيان المشكل منها2.
__________
1 هو مبارك بن محمد الجَزَرِي، مجد الدين أبو السعادات، الشهير بابن الأثير، محدثٌ كبيرٌ ولغويٌ بارعٌ وأصوليٌّ، ت606هـ، له: جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والنهاية في غريب الحديث.
2 مِن الكتب المصنفة في مشكل الحديث:
1- مجمع البحار في معاني الأحاديث والآثار، لملك المحدِّثين محمد طاهر الصديقي الهندي، المتوفى سنة 986هـ-1578م، الهند، حيدر آباد الدكن، دائرة المعارف العثمانية، 1391هـ-1971م.
2- مشكل الحديث وبيانه، لابن فُوْرَك.
3- اختلاف الحديث، للإمام الشافعي.
4- الرسالة، للإمام الشافعي، وفيه من هذا كثير، وكذلك كتاب الأم، له، فقد كان الشافعي رحمه الله شديد العناية بهذا النوع.
والمصنفات في توضيح الأحاديث ومعانيها، أنواع:
1- فمنها ما كان مؤلفاً في غريب الألفاظ.
2- ومنها ما كان مؤلفاً في مختلف الحديث.
3- ومنها ما كان مؤلفاً في ما يسمى بمشكل الآثار.
4- ومنها ما كان مؤلفاً في شرح الحديث، واستنباط الأحكام منه.
ولكلٍ منها أمثلةٌ كثيرة وكتبٌ لا يَستغني عن الاطلاع عليها طالب العلم. ومما كُتِب في مشكل الحديث:
1- مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها، للقصيمي.
2- وقد كَتبتُ حول هذا الموضوع بعض الكتابات، منها: مدخل لدراسة مشكل الآثار.

(1/122)


وقد أَكْثَرَ الأَئِمَّةُ من التصانيف في ذلك كالطحاوي والخطابي وابن عبدالبر1 وغيرهم.
__________
1 هو يوسف بن عبد الله أبو عمر ابن عبد البَرّ النَّمرِي القرطبي، حافظ المغرب وفقيهه، ولغويُّهُ، ت463هـ، له تصانيف كثيرة متقنةٌ، أشهرها: التمهيد، شرح الموطأ، وجامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، والاستذكار لمذاهب علماء الأمصار.

(1/123)


الجهالة و سببها
...
[8- الجهالة وسببها]
ثم الجهالة بالراوي: -وهي السبب الثامن في الطعنِ- وسبَبُها أمران:
أحدهما: أن الراوي قد تكثُر نُعُوتُه: مِن اسمٍ، أو كُنيةٍ، أو لَقَبٍ، أو صِفةٍ، أو حِرْفَةٍ، أو نَسَبٍ، فَيُشْتَهَرُ بشيءٍ منها، فُيُذْكَرُ بغير ما اشْتُهِر به، لغرضٍ من الأغراض فَيُظَنُّ أنه آخَرُ، فَيَحْصُل الجهل بحاله1.
وصنفوا فيه أي في هذا النوع "المُوضِح لأوهام الجمع والتفريق"، أجاد فيه الخطيبُ2، وسبقه إليه عبد الغني هو ابن سعيد المصري، وهو الأزدي، أيضاً، ثم الصوْريّ3.
__________
1 قوله: فيحصل الجهل بحاله قلتُ: وربما يحصل الجهل بعينه.
2 الموضح لأوهام الجمع والتفريق، نُشِر بتحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، دار الفكر الإسلامي، ط. الثانية، 1405هـ-1985م.
3 هو عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد الأزدي المصري، 332-409هـ، محدث مصر وحافظها، نقادة دقيق، من كتبه: المؤتلف والمختلف، وجزء فيه أوهام الحاكم في المدخل إلى الصحيح.

(1/123)


[الوحدان]
ومن أمثلته: محمد بن السائب بن بِشْرِ الكلْبي1، نَسَبَهُ بعضُهم إلى جده، فقال: محمد بن بشر، وسَمَّاهُ بعضُهم حمادَ بنَ السائب، وكناه بعضُهم: أبا النضر، وبعضُهم: أبا سعيد، وبعضُهم: أبا هشام؛ فصار يُظَنُّ أنه جماعةٌ، وهو واحد، ومَن لا يَعْرِفُ حقيقةَ الأمر فيه لا يعرف شيئاً من ذلك2.
والأمر الثاني: أن الراوي قد يكون مُقِلاًّ من الحديث؛ فلا يَكْثُرُ الأخذ عنه.
وقد صَنَّفوا فيه الوُحْدان، وهو مَن لم يروِ عنه إلا واحد، ولو سُمِّيَ.
فَمِمَّنْ جَمَعَهُ: مسلمٌ3، والحسن بن سفيان4، وغيرهما.
__________
1 هو محمد بن السائب بن بِشْرِ الكلْبِي، أبو النضر الكوفي، عالم بالتفسير والأخبار، متهم بالكذب، وكان غالياً في الرفض، سبئيّاً، ت146هـ.
2 ومن الأسباب التي دعت إلى تسيمته بكل هذه الأسماء ضعف صاحبها وأنه متروك متهم بالكذب، تُنْظَر ترجمته في التهذيب، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1416هـ-1996م، 3/569-570.
3 هو: مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري، الحافظ الإمام الفقيه، من خاصّة تلاميذ البخاري، صاحب الجامع المسنَد الصحيح...، ت261هـ.
4 هو الحسن بن سفيان بن عامر أبو العباس الشيباني، النسوي، الحافظ الكبير اليقظ محدث خراسان في عصره، ت303هـ، له: المسند الكبير، والأربعين.

(1/124)


[المُبْهَم]
أوْ لا يُسَمَّى الراوي، اختصاراً مِن الراوي عنه.
كقوله: أخبرني فلانٌ، أو شيخٌ، أو رجلٌ، أو بعضُهم، أو ابن فلانٍ.
ويُستدل على معرفة اسم المُبْهَم بوروده من طريقٍ أخرى مسمَّىً.
وصَنَّفوا فيه: المُبْهَمات.
ولا يُقْبَلُ حديث المُبْهَم، ما لم يُسَمَّ، لأن شرط قبول الخبر عدالة رواته، ومَنْ أُبْهِمَ اسْمُه لا يُعرفُ عَيْنهُ؛ فكيف عدالته1.
وكذا لا يُقْبَل خبره وَلَو أُبْهِمَ بلفظِ التعديل، كأَنْ يقولَ الراوي عنه: أخبرني الثقة؛ لأنه قد يكون ثقة عنده مجروحاً عند غيره. وهذا على الأصح في المسألة، ولهذه النكتة لم يُقْبَلِ المُرْسَلُ، ولو أرسله العدل جازماً به؛ لهذا الاحتمال بعينه. وقيل: يُقْبَل تمسكاً بالظاهر؛ إذ الجرح على خلافِ الأصل، وقيل: إن كان القائل عالماً أجزأه ذلك في حق مَن يوافقه في مذهبه، وهذا ليس من مباحث علوم الحديث، والله تعالى الموفق.
__________
1 المبهم ومجهول العين حكمهما واحد بالنظر إلى عدم معرفة عين الشخص.

(1/125)


[مجهول العين]
فإن سُمِّيَ الراوي، وانفرد راوٍ واحدٌ بالرواية عنه، فهو مجهول العين، كالمبهم، إلا أن يوثقه غير مَن ينفرد به عنه على الأصح، وكذا مَن ينفرد عنه إذا كان متأهلاً لذلك.

(1/125)


[مجهول الحال]
أو إنْ روى عنه اثنان فصاعداً، ولم يُوَثَّقْ1 فهو مجهول الحال، وهو المستور.
وقد قَبِلَ رِوَايَتَهُ جَمَاعَةٌ بغيرِ قيدٍ، وردَّها الجمهورُ.
والتحقيقُ أن روايةَ المستورِ، ونحوِهِ، مما فيه الاحتمال؛ لا يُطْلَقُ القولُ بردِّها، ولا بقبولها، بل يقال: هي موقوفةٌ إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين، ونحوه قول ابن الصلاح فيمن جُرِحَ بجَرْحٍ غير مُفَسَّر.
__________
1 ليس المراد أنه لم يَرِد فيه توثيق، وإنما المراد أنه لم يَرِد فيه جرحٌ أو تعديل.

(1/126)


البدعة و رواية المبتدع
...
[9- البدعة ورواية المبتدع]
ثم البدعة1: وهي السبب التاسع من أسباب الطعن في الراوي: وهي
__________
1 البدعة: المبتدع ولو كان غالياً، طالماً أنه لا يكفر ببدعته، فإن روايته مقبولة إذا كان من أهل الصدق والضبط، فلنا روايته وعليه بدعته، سواء وافقت روايتُهُ بدعَتَهُ أو لم تؤيدها، ويُرَاجَع مناقشات المعلِّمي في التنكيل فقد ناقش ابن حجر في كلامه في حكم المبتدع، وقال: إذا كان الراوي ليس من أهل الثقة، إذا روى في موضوع بدعته، فمعناه أنه غير ثقة في غيرها، ينظر: حكم رواية المبتدع في التنكيل، بتحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الباكستان، فيصل آباد، حديث أكادمي نشاط آباد، 1401هـ-1981م: 1/42-52.
إِذَن، ففي رواية المبتدع يُسأل: هل هو صادق الرواية أم لا؟.
فالمبتدع الغالي: الصحيح فيه هو: إن كان ثقة أن تقبل روايته، وهذا بخلاف ما ذهب إليه جمال الدين القاسمي في كتابه: الجرح والتعديل مِن أن كل جرْحٍ بالبدعة فإنه لا يُقْبل.

(1/126)


إما أن تكون بمكَفِّرٍ:
1- كأن يَعتقد ما يَسْتلزم الكفرَ.
2- أو بمُفَسِّقٍ.
فالأول: لا يَقْبَلُ صاحِبَهَا الجمهورُ.
وقيل: يُقبل مطلقاً.
وقيل: إن كان لا يَعْتقد حِلَّ الكذب لنصرة مقالته قُبِلَ.
والتحقيقُ أنه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكَفَّرٍ ببدعةٍ1؛ لأن كلَّ طائفةٍ تدعي أن مخالفيها مبتدعةٌ، وقد تُبالغ فتكفِّر مخالفها، فلو أُخِذَ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميعِ الطوائفِ.
فالمعتمد أن الذي تُرَدُّ روايته مَن أَنكر أمراً متواتراً مِن الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا مَن اعتقدَ عكسَهُ، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضَبْطُهُ لِما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع مِن قبوله.
والثاني: وهو مَنْ لا تقتضي بدعتُهُ التكفيرَ أصلاً، وقد اختُلِف، أيضاً، في قبوله وَرَدِّهِ:
فقيل: يُرَدُّ مطلقاً. وهو بعيد، وأكثر ما عُلِّلَ به أن في الرواية عنه ترويجاً لأمره وتنويهاً بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يُرْوَى عن مبتدعٍ شيءٌ يُشاركه فيه غيرُ مبتدعٍ.
وقيل: يُقْبَل مطلقاً، إِلاَّ إن اعتقد حلَّ الكذب، كما تقدم.
__________
1 في نسخةٍ: بعته.

(1/127)


وقيل: يُقْبَلُ مَن لم يكنْ داعيةً إلى بدعته؛ لأن تزيين بدعته قد يَحْمِلُهُ على تحريفِ الرواياتِ وتسويتها على ما يَقْتضيه مذهبُهُ، وهذا في الأصح.
وأغربَ ابنُ حبان؛ فادّعى الاتفاقَ على قبولِ غير الداعية، مِن غيرِ تفصيلٍ.
نعمْ، الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أنْ يَروي ما يُقَوِّي بدعته فَيُرَدُّ، على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجاني1، شيخ أبي داود والنسائي، في كتابه "معرفة الرجال"، فقال في وصْف الرواة: ومنهم زائغٌ عن الحق -أي عن السنة- صادقُ اللهجة؛ فليس فيه حيلةٌ إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكَراً، إذا لم يُقَوِّ به بدعته انتهى.
وما قاله مُتَّجِهٌ؛ لأن العلةَ التي لها رُدَّ حديثُ الداعية واردةٌ فيما إذا كان ظاهرُ المرويِّ يوافِق مذهبَ المبتدع، ولو لم يكن داعيةً، والله أعلم2.
__________
1 هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، من الحفاظ المصنفين، ت259هـ، وهو منحرف عن علي رضي الله عنه، كتبه تدل على وفرة علمه، له: الجرح والتعديل، والضعفاء.
2 تعليق على رواية المبتدع:
الصواب أن ينظر في هذا المبتدع إذا كان ليس ممن يكفر ببدعته إجماعاً، وكان من أهل الصدق والضبط، فإن روايته مقبولة مطلقاً، سواء كان غالياً أو غير غالٍ، داعيةً إلى بدعته أم غير داعية، أيدتْ روايتُه بدعَتَه أم لم تؤيدها؛ لأن الراوي إما أن يكون ثقةً أو غير ثقة، فإن كان غير ثقة رُدَّتْ روايته مطلقاً، وإن كان ثقة قُبِلتْ روايته مطلقاً، إلا أن يتبين خطؤه فيها.
أما أن يكون الراوي ثقةً في مجال، أو روايةٍ، غير ثقةٍ في مجالٍ، أو في روايةٍ، فهذا لا يستقيم على أصول منهج المحدثين، ولا يستقيم في حكم العقل.

(1/128)


سوء الحفظ و الشاذ و المختلط
...
[10- سوء الحفظ والشاذ والمختلط]
ثم سوءُ الحِفْظ: وهو السببُ العاشر مِن أسباب الطعن، والمراد به: مَنْ لم يَرْجَحْ جانبُ إصابته على جانب خطئه، وهو على قِسْمَين:
1- إن كان لازماً للراوي في جميع حالاته فهو الشاذُّ، على رأيِ بعض أهل الحديث.
2- أو إن كان سوء الحفظ طارئاً على الراوي؛ إما لِكِبَره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه أو عدَمِها، بأن كان يعتمدها فَرَجَعَ إلى حفظه فساءَ فهذا هو المُخْتَلِطُ.
والحكم فيه أن ما حَدَّث به قَبْل الاختلاط إذا تَمَيَّز قُبِل1، وإذا لم يتميز تُوُقِّفَ فيه، وكذا مِن اشتبه الأمر فيه، وإنما يُعرف ذلك باعتبارِ الآخذين عنه2.
__________
1 قوله: قُبِلَ مُرَادُهُ أَيْ: إذا كان من أهل الثقة.
2 ومعرفةِ تاريخِ أخْذِهم عنه.

(1/129)


[الحسن لغيره]
ومتى تُوبعَ السيءُ الحفظ بمُعْتَبَرٍ1: كأَنْ يكونَ فَوْقَهُ، أو مِثلَهُ، لا دونه،
__________
1 جَبْرُ الرواية بتعدد الطرق:
شَرْطها في المتابَعِ، بالفتح، أن يكون ضعفه محتمَلاً، بحيث يمكن جبره بتعدد الطرق؛ وذلك إذا لم يكن الطعن منصباً على العدالة، كسوء الحفظ، والاختلاط الذي لم يتميز، والمستور، والمرسَل، والمدلَّس.
وشَرْطها في المتابِعِ، بكسر الباء، أن يكون المتابِعُ معتَبَراً في المتابعة، أو معتَبَراً به في هذا الباب، وذلك بأن يكون -في درجة الثقة- أعلى من المتابَع، أو مثلَهُ، لا دُونَهُ.

(1/129)


وكذا المختلِط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس إذا لم يُعْرف المحذوف منه = صار حديثُهم حسناً، لا لذاته، بل وصْفُهُ بذلك باعتبارِ المجموع، مِن المتابِع والمتابَع؛ لأن1 كلَّ واحدٍ منهم احتمالُ أن تكون روايته صواباً، أو غير صوابٍ، على حدٍّ سواء، فإذا جاءت من المُعْتَبَرِين روايةٌ موافِقةٌ لأحدهم رَجَحَ أحدُ الجانبين من الاحتمالين المذكورين، وَدَلَّ ذلك على أن الحديثَ محفوظٌ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما تَوقَّف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه.
وقد انقضى ما يتعلق بالمتن من حيثُ القبولُ والردُّ.
ثم الإسناد: وهو الطريق الموصِلةُ إلى المتن2.
و المتنُ: هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام.
__________
1 في نسخةٍ: لأن مع.
2 مباحث علم الحديث تنقسم في أصلها العام إلى قسمين:
قِسْم يتعلق بمتن الحديث، وقِسْم يتعلق بسنده.
وهنا قد انتهى الكلام على المباحث المتعلقة بالمتن.
وسيشرع المؤلف هنا في المباحث المتعلقة بالسند، وإن كان قد دخل في ما مضى أبحاثٌ متصلة بالسند، ولكن استلزمها الحديث عن المتن.
فائدة:
قاعدة في التمييز بين ما يتعلق بالمتن أو بالسند:
إذا أردت أن تنظر في مصطلحٍ ما، أو نوعٍ مِن أنواع علوم الحديث؛ لتعرف هل هو متعلق بالسند أو بالمتن فعليك النظر في المصطلح: هل هو وصْفٌ للمتن، أو للسند؛ فما كان وصفاً له منهما فهو مِن علومه فالمرفوع والمقطوع وصفان للمتن في الاصطلاح العام، وقد خرج عن ذلك بعضهم فوصَفَ المنقطع الذي لم يتصل سنده بالمقطوع، كالشافعي، والدارقطني، وغيرهما.

(1/130)


المرفوع تصريحاً أو حكماً
تعريفه
...
[المرفوع تصريحاً أو حكماً]
وهو:
1 إما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم1 ويقتضي لفظُهُ-:
أ- إما تصريحاً.
ب- أو حكماً-أنّ المنقولَ بذلك الإسنادِ مِن قوله صلى الله عليه وسلم، أو مِن فِعْله، أو مِن تقريره.
مثال المرفوع من القول تصريحاً: أن يقول الصحابي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أو: حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أو يقول، هو أو غيره: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا، ونحو ذلك.
ومثال المرفوع مِن الفعل تصريحاً: أن يقولَ الصحابي: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَل كذا، أو يقولَ، هو أو غيره: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا.
ومثال المرفوع من التقرير تصريحاً: أن يقول الصحابي: فعلتُ بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم كذا، أو يقول، هو أو غيره: فَعَل فلان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم كذا، ولا يَذْكر إنكاره لذلك.
__________
1 المرفوع: المرفوع قسمان: مرفوع تصريحاً، وهو: ما عزاه الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم صراحةً، والقسم الثاني: مرفوع حكماً، لا تصريحاً.

(1/131)


ومثال المرفوع مِن القول، حكماً لا تصريحاً: أن1 يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات- ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا له تعلق ببيان لغةٍ أو شرحِ غريبٍ، كالإِخبار عن الأمور الماضية: مِن بَدْءِ الخلق، وأَخبارِ الأنبياء، أو الآتية2: كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبارِ3 عما يَحْصل بفعله ثوابٌ مخصوصٌ، أو عقابٌ مخصوص4.
__________
1 في الأصل ما والصواب ما أثبتُّ. والله أعلم.
2 أَيْ: الإخبار عن الأمور الآتية.
3 صوابه: الإخبار. بكسر الهمزة، وليس بالفتح كما في بعض النسخ.
4 وقول الصحابي، أو الموقوف على الصحابي، إنما يأخذ حكم الرفع بشرطين:
الأول: أن يكون هذا الصحابي لا يأخذ عن الإسرائيليات.
الثاني: أن يكون الكلام مما لا مجال للاجتهاد فيه.
وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على قول الصحابي: كنَّا نفعل، أو نقول كذا، إن لم يُضِفْه إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم: فقال أبو بكر البَرْقاني عن شيخه أبي بكر الإسماعيلي: إنه من قَبِيل الموقوف، وحكم النَّيْسابوري برفعه، لأنه يدل على التقرير، ورجَّحه ابنُ الصلاح.
قال: ومن هذا القَبيل قولُ الصحابيّ: كنَّا لا نَرى بأساً بكذا، أو كانوا يفعلون أو يقولون، أو يقال كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم-: إنه من قبيل المرفوع. =

(1/132)


ـ
= وقولُ الصحابي أُمِرنا بكذا، أو نُهينا عن كذا: مرفوع مسنَد عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق، منهم أبو بكر الإسماعيلي، وكذا الكلام على قوله من السّنة كذا، وقول أنَسٍ أُمِرَ بلال أن يَشْفَع الأذانَ ويُوتر الإقامةَ.
قال: وما قيل من أن تفسير الصحابي في حكم المرفوع، فإنما ذلك فيما كان سَببَ نُزولٍ، أو نحوَ ذلك.
أما إذا قال الراوي عن الصحابي: يَرفعُ الحديثَ أو يَنْميه أو يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح في الرفع. والله أعلم، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص46-47.
وعلق الشيخ أحمد شاكر على أن قول الصحابي: أُمِرنا بكذا أو نُهينا عن كذا يُعَدُّ مرفوعاً؛ فقال: وهو الصحيح، وأقوى منه قول الصحابي أُحل لنا كذا، أو حُرِّم علينا كذا، فإنه ظاهر في الرفع حكماً، لا يحتمل غيره، انظر شرحنا على مسند أحمد، في الحديث 5723، وانظر أيضاً الكفاية للخطيب ص 420-422. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص47، حاشية 1.
وعلق، أيضاً، على القول بأن تفسير الصحابي في حكم المرفوع؛ فقال: أما إطلاق بعضهم أن تفسير الصحابة له حكم المرفوع، وأن ما يقوله الصحابي، مما لا مجال فيه للرأي مرفوع حكماً كذلك: فإنه إطلاقٌ غير جيد، لأن الصحابة اجتهدوا كثيراً في تفسير القرآن، فاختلفوا، وأفتوا بما يرونه من عمومات الشريعة تطبيقاً على الفروع والمسائل، ويظن كثير من الناس أن هذا مما لا مجال للرأي فيه. وأما ما يحكيه بعض الصحابة من أخبار الأمم السابقة، فإنه لا يعطى حكم المرفوع أيضاً، لأن كثيراً منهم، رضي الله عنهم، كان يروى الإسرائيليات عن أهل الكتاب، على سبيل الذكرى والموعظة، لا بمعنى أنهم يعتقدون صحتها، أو يستجيزون نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاشا وكلا. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، ص47، حاشية 2. وهذا تحقيق نفيس.
وقد قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى: 13/340: وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: نزلت الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، فالبُخَارِيّ يُدْخله في المسند، وغيره لا يُدْخله في المسند، وأكثر المساند على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره؛ بخلاف ما إذا ذكر سبباً نزلت عقبه، فإنهم كلهم يُدخِلون مثل هذا في المسند.

(1/133)


وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إِخْبَارَهُ بذلك يقتضي مُخْبِراً له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقِّفاً للقائل به، ولا مُوَقِّفَ للصحابة إلا النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعضُ مَنْ يُخْبِرُ عن الكتب القديمة1؛ فلهذا وَقَعَ الاحتراز عن القسم الثاني.
فإذا كان كذلك، فله حُكمُ ما لو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مرفوعٌ سواءٌ كان مما سمعه منه، أو عنه بواسطة.
ومثال المرفوع مِن الفعل حكماً: أن يَفْعل ما لا مجال للاجتهاد فيه، فَيُنَزَّلُ على أن ذلك عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الشافعي في صلاة عَلِيٍّ في الكسوف في كلِّ ركعةٍ أكثرَ مِن ركوعين.
ومثال المرفوع مِن التقرير حكماً: أن يُخْبِرَ الصحابيُّ أنهم كانوا يفعلون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فإنه يكون له حُكْم الرفع مِن جهةِ أنَّ الظاهر اطِّلاعُهُ صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ لِتَوَفُّرِ دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم، ولأن ذلك الزمانَ زمانُ نزولِ الوحي؛ فلا يقع من الصحابة فِعْل شيء ويستمرون عليه إلا وهو

(1/134)


غيرُ ممنوعِ الفعل.
وقد استدل جابر وأبو سعيد رضي الله عنهما على جواز العَزْل بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن يَنْزل، ولو كان مما يُنْهَى عنه لَنَهَى عنه القرآن.

(1/135)


[الألفاظ الدالة على الرفع حكماً]:
1- ويَلتحق بقوله "حُكْماً" ما ورد بصيغةِ الكنايةِ في موضعِ الصِّيَغِ الصريحة بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم، كقول التابعي عن الصحابي: يَرْفع الحديث، أو يَرْويه، أو يَنْمِيه، أو روايةً، أو يَبْلُغُ1 به، أو رواه.
2- وقد يقتصرون على القول مع حذف القائل. ويُرِيْدُونَ به النبي صلى الله عليه وسلم، كقول ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال: "تقاتلون قوماً..."، الحديث2، وفي كلام الخطيب أنه اصطلاحٌ خاصٌّ بأهل البصرة.
__________
1 ضَبَطها في طبعة د.عتر بفتح اللام، وهو خطأ.
2 البخاري، 3591، المناقب، ولفظه: عن قَيْس، قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، فَقَالَ: صَحِبْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثَلاثَ سِنِينَ، لَمْ أَكُنْ فِي سِنِيَّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِيَ الْحَدِيثَ مِنِّي فِيهِنَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ- وَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ-: "بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ" .

(1/135)


[قول الصحابيّ: "مِن السُّنَّةِ كذا"]:
3- ومِن الصيغ المحتَملَةِ قولُ الصحابي: مِن السُّنَّة كذا:
أ- فالأكثر أن ذلك مرفوع، ونَقل ابن عبد البر فيه الاتفاق، قال: وإذا قالها غير الصحابي فكذلك، ما لم يُضِفْها إلى صاحبها، كسنة العُمَرَيْن، وفي

(1/135)


[قول الصحابي: "أُمِرنا بكذا أو نُهِينا عن كذا"]:
4- ومِنْ ذلك قول الصحابي: "أُمِرنا بكذا"، أو "نُهِينا عن كذا"، فالخلاف فيه كالخلافِ في الذي قَبْلَهُ؛ لأن مُطْلَق ذلك ينصرف بظاهره إلى مَنْ له الأمر والنهي، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم.
وخالف في ذلك طائفةٌ تَمَسّكوا باحتمالِ أن يكون المرادُ غيرُهُ، كأمر القرآن، أو الإجماع، أو بعض الخلفاء، أو الاستنباط؟ وأُجيبوا: بأن الأصل هو الأول، وما عداه محتَمِلٌ، لكنه بالنسبة إليه مرجوحٌ، وأيضاً، فَمَن كان في طاعةِ رئيسٍ إذا قال: أُمِرْتُ، لا يُفْهَمُ عنه أنّ آمِرَه إلا رئيسُهُ.
وأمّا قول من قال: يُحْتمل أنْ يُظَنَّ ما ليس بأَمْرٍ أَمْراً1، فلا اختصاصَ له بهذه المسألة، بل هو مذكورٌ فيما لو صَرَّح؛ فقال: أَمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، وهو احتمالٌ ضعيفٌ؛ لأن الصحابي عدْلٌ عارفٌ باللسان؛ فلا يُطْلِقُ ذلك إلا بعد التحقيق.
__________
1 في نسخةٍ: بآمر آمراً. وهو خطأٌ قطعاً؛ لأن الاعتراض بهذا المعنى قد سبق في الفقرة السابقة، وهذا الاعتراض في هذه الفقرة اعتراضٌ جديد، لا علاقة له بتحديد الآمر، وإنما بفهْم الأمر ذاته. ولهذا كان جواب المؤلف -رحمه الله تعالى- هو قوله: فلا اختصاص له بهذه المسألة، بل هو مذكورٌ فيما لو صَرَّح فقال: أَمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1/138)


[قول الصحابي: "كنا نفعل كذا"]:
5- ومِن ذلك قوله: كنا نفعل كذا، فله حكم الرفع، أيضاً، كما تقدم.
6- ومِن ذلك أن يَحْكم الصحابيُّ على فعلٍ مِن الأفعال بأنه طاعةٌ لله، أو

(1/138)


لرسوله، أو معصيةٌ1، كقولِ عمارٍ: "مَن صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". فهذا حُكْمُهُ2 الرفعُ، أيضاً؛ لأن الظاهر أن ذلك مما تلقاه عنه صلى الله عليه وسلم3.
__________
1 هذا ليس على إطلاقه، وإنما يأخذ حكم الرفع إذا كان كلاماً لا مجال للرأي فيه؛ لأن الصحابة قد تكلّموا في مثل هذا بالاستنباط؛ فشرْطه ليأخذ حكم الرفع أن لا يكون الصحابيّ قاله استنباطاً واجتهاداً.
2 في نسخةٍ: فلهذا حَكَمَ.
3 قوله: لأن الظاهر أن ذلك مما تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قلتُ: ليس هذا هو الظاهر دائماً، وإنما هو الظاهر إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، وكان الصحابي ليس ممن يأخذ عن الإسرائيليات.

(1/139)


[الموقوف]
2 أو ينتهي غايةُ الإسناد إلى الصحابي كذلك1، أَيْ: مِثْلُ ما تقدم في كون اللفظ يقتضي التصريحَ بأنّ المنقولَ2 هو مِن قولِ الصحابي، أو مِن فِعْلِهِ، أو مِن تقريرِهِ3، ولا يَجِيءُ فيه جميعُ ما تَقدمَ4، بل
__________
1 أَيْ: مِن قوله أو فعله أو تقريره، تصريحاً أو حكماً، أَيْ: كما مضى في تعريف المرفوع.
2 في نسخةٍ: المقول، والصواب: المنقول، كما مضى في المرفوع؛ ولأن المنقول ليس كله قولاً، بل منه ما هو فعلٌ.
3 قوله: أو مِن تقريره، هذه فيها خلاف، والذي يترجح أنه لا يَتناوله اسم الموقوف؛ لأنّ هناك فرقاً بين النظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنظر إلى مَن سِواه.
4 أَيْ: في المرفوع. أَيْ: ليس كل ما قلناه في المرفوع يجيء هنا. لماذا؟. الجواب: لأن التشبيه لا يُشترط فيه المساواة مِن كل وجهٍ.

(1/139)


معظمُهُ، والتشبيه1 لا تُشترط فيه المساواة مِنْ كلِّ جهةٍ.
ولَمَّا2 كان هذا المختصَر شاملاً لجميعِ أنواعِ علومِ الحديث3 اسْتطردْتُ منه إلى تعريف الصحابي ما4 هو؛ فقلت:
__________
1 أَيْ الحاصل بقوله: كذلك.
2 في نسخةٍ: ولما أن.
3 انظر ما مضى في مقدمة التحقيق مِن ميزات نزهة النظر.
4 في نسخةٍ: من. وما أثبتُّه هو الذي في الأصل. وقد كُتِبَ في الحاشية في الأصل هنا: مطلب.

(1/140)


تعريف الصحابي
تعريفه
...
[تعريف الصحابي]
وهو مَن لَقِيَ النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام، ولو تَخَلَّلتْ رِدَّةٌ
في الأصح1.
والمراد باللقاء: ما هو أعمُّ: من المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالِمْهُ، ويَدْخُل فيه رؤيةُ أحدِهما الآخَرَ، سواءٌ كان ذلك بنفْسِهِ أم بغيرِهِ.
والتعبير باللُّقيِّ أَولى مِن قول بعضهم: الصحابيُّ مَنْ رأى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه
__________
1 تعريف الصحابي، هو: مَنْ لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام...، هذا التعريف هو الذي عليه البُخَارِيّ كما ذكر في فضائل الصحابة مِن صحيحه.
وبعضهم اعتبر الصحبة بطول المجالسة، ولكن هذا ليس الذي عليه الجمهور.
فالصواب هو الاكتفاء بتوافر هذين العنصرين الأساسيين في صحة الصحبة:
1- أن يَلْقى النبيَّ صلى الله عليه وسلم.
2- أن يكون لُقُيُّهُ وهو مؤمن به.

(1/140)


يُخْرِج1 ابنَ أُمِّ مكتوم، ونحوَه مِن العُمْيان، وهُمْ صحابةٌ بلا تردُّدٍ.
__________
1 في نسخةٍ: يخرج حينئذٍ.

(1/141)


[شرح التعريف]:
و"اللُّقِيُّ" في هذا التعريف كالجنس.
1- وقولي: "مؤمناً به" كالفصْلِ، يُخْرِجُ مَنْ حصَل له اللقاء المذكور، لكن، في حالِ كونه كافراً.
2- وقولي: "به". فصْلٌ ثانٍ يُخْرجُ مَنْ لقيه مؤمناً، لكن، بغيره من الأنبياء. لكن، هل يُخْرِج مَنْ لقيه مؤمناً بأنه سيبعث ولم يُدْرِك البعثة؟. فيه نَظَرٌ2.
3- وقَوْلي: "ومات على الإسلام"، فصْلٌ ثالثٌ يُخْرِجُ مَن ارتدَّ، بعد أن لقيه مؤمناً، ومات على الردة، كعبيد الله بن جحش، وابن خَطَلٍ.
4- وقَوْلي: "ولو تخلَّلت رِدَّةٌ"، أي: بين لُقِيِّهِ له مؤمناً به، وبين موته على الإسلام، فإنّ اسم الصُحْبَةِ باقٍ له، سواءٌ رجع إلى الإسلام في حياته صلى الله عليه وسلم، أم بعده، سواءٌ لقيه ثانياً أم لا.
5- وقَوْلي: "في الأصح" إشارةٌ إلى الخلاف في المسألة، ويدل على رجحان الأول قصةُ الأشعثِ بنِ قيسٍ؛ فإنه كان ممن ارتدَّ، وأُتِيَ به إلى أبي بكر الصديق أسيراً؛ فعاد إلى الإسلام فقَبِلَ منه وزَوَّجه أُخْتَهُ، ولم يتخلَّفْ أحدٌ عن ذكْرِه في الصحابة، ولا عن تخريجِ أحاديثِهِ في المسانيد وغيرها.
__________
1 قوله: فيه نظر؛ وذلك لأن التعريف لا ينطبق عليه.

(1/141)


تنبيهان:
لا خفاء برجحانِ1 رتبةِ مَنْ لازمه صلى الله عليه وسلم وقاتَلَ معه أو قُتِلَ تحتَ رايته على مَنْ لم يلازمْه، أو لم يَحْضر معه مَشْهَداً، وعلى مَن كلّمه يسيراً، أو ماشاه قليلاً، أو رآه على بُعْدٍ، أو في حال الطفولية2، وإن كان شرفُ الصحبةِ حاصلاً للجميع.
ومَنْ ليس له منهم سماعٌ منه فحديثُهُ مرسَلٌ3 مِن حيثُ الروايةُ، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة؛ لما نالوه مِن شرف الرؤية4.
ثانيهما 5 : يُعْرَفُ كَوْنُه صحابياً.
1- بالتواتر.
__________
1 في نسخةٍ:لا خفاء في رجحان.وهي أَولى مِن الباء. والمثبت هو الذي في الأصل.
2 هكذا في الأصل. ولا يَبْدو داعٍ لهذه النسبة. ثم إنه -كما علّق د. عتر- المقصود بهذا: الطفولة في حالِ التمييز.
3 في الأصل هنا حاشية: مطلب: ما يُعرف به الصحابي، ق19ب.
4 مرسل الصحابي فَعَلَه صنفان من الصحابة:
الأول: الصحابة الصغار الأسنان، الذين لم يتمكنوا من السماع مِن النبي صلى الله عليه وسلم لصغر سنهم.
والثاني: مَنْ لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ولكن، لم يَسْمع منه حديثاً.
فهذان الصنفان إذا حدَّث أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث؛ فإن حديثه يكون مرسلاً عندئذ-وإن جاء في صورةِ المرفوع-.
ولا يَعْرف هذا إلا مَنْ عَرف حال هؤلاء.
5 في حاشية الأصل هنا: مطلب.

(1/142)


2- أو الاستفاضة أو الشهرة.
3- أو بإخبارِ بعضِ الصحابةِ.
4- أو بعضِ ثقاتِ التابعين1.
5- أو بإِخباره عن نفسه بأنه صحابي، إذا كانت دعواه ذلك تدخل تحت الإمكان2.
وقد اسْتَشْكل هذا الأخيرَ جماعةٌ مِن حيثُ إنّ دعواه ذلك نظيرُ دعوى مَن قال: أنا عدْلٌ، ويَحْتاج إلى تأمُّلٍ3.
__________
1 في الأصل هنا حاشية، هي: قوله: أو بعض ثقات التابعين، هذا مبني على قبول التزكية مِن واحد، وهو الراجح، ق19ب. وقد جاءت هذه العبارة في طبعة نور الدين عتر: الثقات التابعين. وهو مخالفٌ لما في الأصل.
2 هنا في الأصل حاشية في ق19ب، لم تظهر في التصوير، تتعلّقُ -فيما يبدو-بشهادة التابعي الثقة على تأييد دعوى مَن ادّعى الصحبة للنبي صلى الله عليه وسلم.
3 قلتُ: الفرق بينهما أنّ الأَول تزكيةٌ، وأما الثاني فروايةٌ، وإنْ كان مِن لازِمها الحكم له بالعدالة، وقد قام الإجماع على قبول روايات الصحابة، ومنها ما ثبت مِن فضائلهم مِن رواياتهم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودوّنها الأئمة في كتب الحديث، على حَدِّ ما قاله عبد الرحمن المعلِّمي في التنكيل.

(1/143)


التابعي
تعريفه
...
[التابعي]
3 أو تنتهي غايةُ الإسناد إلى التابعي.
وهو مَن لقي الصحابيّ كذلك. وهذا متعلق باللُّقِيِّ وما ذُكِر معه، إلا قيدُ الإيمان به، فذلك خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المختار، خلافاً لِمَن اشترط في

(1/143)


التابعي طولَ الملازمة، أو صحةَ السماعِ أو التمييز1.
__________
1 قلتُ: الظاهر أنّ التمييز يختلف عن اشتراط طول الملازمة، وصحة السماع؛ لأن لاشتراطه وجهاً معقولاً، ويدل عليه قياسُهُ على اشتراطه في الصحابي.

(1/144)


المُخَضْرَمون
تعريفه
...
[المُخَضْرَمون]
وبَقِيَ1 بين الصحابةِ والتابعين طبقةٌ أُخرى، اخْتُلِفَ في إلحاقهم بأيِّ القِسمين، وهم: المُخَضْرَمون الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يَرَوا النبي صلى الله عليه وسلم.
فعدَّهم ابنُ عبد البر في الصحابة، وادَّعى عياضٌ، وغيرُهُ، أنَّ ابنَ عبد البر يقول: إنهم صحابةٌ، وفيه نَظَرٌ؛ لأنه أَفصح في خطبةِ كتابِهِ بأنه إنما أوردهم لِيَكونَ كتابه جامعاً مستوعِباً لأهل القَرْن الأول.
والصحيح أنهم معدودون في كبار التابعين، سواءٌ عُرِف أن الواحد منهم كان مسلماً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كالنجاشي أم لا، لكن، إنْ ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء كُشِفَ له عن جميع مَنْ في الأرض فرآهم؛ فينبغي أنْ يُعَدَّ مَنْ كان مؤمناً به في حياته إذ ذاك، وإنْ لم يُلاقِهِ، في الصحابة، لحصول الرؤية في حياته صلى الله عليه وسلم2.
__________
1 في حاشية الأصل هنا: مطلب.
2 قلتُ: هذا فيه نظر؛ لكون الرواية ليست صحيحة -والله أعلم- وعلى فرض صحتها فليست كافيةً لِعَدّهم في الصحابة؛ لأنهم لم يَروا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يَلقوه، وَفق تعريف الصحابي. وأيضاً ليست رؤية النبي افتراضاً، وإنما رؤيةُ لُقْيا ومُجَالسة....

(1/144)


تعريف المرفوع و الموقوف و المقطوع
تعريف المرفوع و الموقوف و المقطوع
...
[تعريف المرفوع والموقوف والمقطوع]
فالقِسم الأول مما تقدم ذكره، مِن الأقسامِ الثلاثةِ -وهو ما تنتهي إليه غايةُ الإسناد- هو المرفوع، سواءٌ كان ذلك الانتهاء بإسنادٍ متصل أم لا.
والثاني الموقوف -وهو: ما انتهى إلى الصحابي-.
والثالث: المقطوع، وهو ما انتهى إلى التابعي.
ومَنْ دون التابعي مِن أَتْباع التابعين، فَمَنْ بعدهم، فيه، أَيْ: في التسمية مثلُهُ، أي: مثل ما ينتهي إلى التابعي في تسميةِ جميعِ ذلك مقطوعاً، وإن شئتَ قلتَ: موقوفٌ على فلان.

(1/145)


الفرقُ بين المقطوع و المنقطع
...
[الفرقُ بين المقطوع والمنقطع]
فحصَلَت التفرقةُ في الاصطلاح بين المقطوع والمنقطع؛ فالمنقطع مِن مباحث الإسناد -كما تقدم- والمقطوع مِن مباحث المتن، كما ترى، وقد أَطلقَ بعضُهم هذا في موضعِ هذا، وبالعكس، تجوُّزاً عن الاصطلاح.
ويقال للأخيرين، أي الموقوف والمقطوع: الأثر.

(1/145)


[المسند]
والمُسْنَدُ1 في قول أهل الحديث: "هذا حديثٌ مسندٌ" هو: مرفوعُ صحابيٍ بسندٍ ظاهرُهُ الاتصال.
__________
1 اصطلاحات المسند: يُطْلَق المسنَد على المعاني التالية:
1- الحديث المرفوع المتصل السند.
2- وقيل: الحديث المرفوع مطلقاً، بغضِّ النظر عن السند.
3- الحديث المسنَد أَيْ: المتصل.

(1/145)


العالي
تعريفه
...
[العالي]
فإنْ قلَّ عَدَدُهُ، أَيْ: عددُ رجالِ السندِ، فإما:
1- أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك العدد القليل بالنسبة إلى سندٍ آخَرَ، يَرِدُ به ذلك الحديثُ بعَيْنِهِ بعددٍ كثيرٍ.
2- أو ينتهيَ إلى إمامٍ مِنْ أئمة الحديث ذي صفةٍ عَلِيَّةٍ: كالحفظِ، والفقهِ،

(1/146)


والضبطِ، والتصنيفِ، وغير ذلك مِن الصفات المقتضية للترجيح، كشعبةَ ومالكٍ، والثوريِّ1، والشافعيِّ، والبُخَارِيّ، ومسلمٍ، ونحوِهِمْ.
__________
1 هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الكوفي، 97-161هـ، وهو إمام في الفقه والحديث والزهد والورع، روى له الستة.

(1/147)


[العلو المطلق]
فالأول: -وهو ما ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم-: العلوُّ المطْلَق، فإن اتفق أن يكونَ سندُهُ صحيحاً كان الغايةَ القُصْوى، وإلا فصورةُ العلوِّ فيه موجودةٌ، ما لم يكن موضوعاً؛ فهو كالعدم.

(1/147)


[العلو النسبي]
والثاني: العلوُّ النسبيّ، وهو ما يَقِلُّ العَدد فيه إلى ذلك الإمام، ولو كان العدد مِن ذلك الإمام إلى منتهاه كثيراً.
وقد عَظُمَتْ رغبةُ المتأخرين فيه، حتى غَلب ذلك على كثيرٍ منهم، بحيث أَهملوا الاشتغال بما هو أهم منه.
وإنما كان العلوُّ مرغوباً فيه لكونه أقرب إلى الصحةِ وقلةِ الخطأِ؛ لأنه ما مِن راوٍ مِن رجال الإسناد إلا والخطأُ جائزٌ عليه، فكلَّما كَثُرَت الوسائط وطالَ السندُ كَثُرَت مظانُّ التجويز، وكلَّما قلَّتْ قلَّتْ.

(1/147)


[قد يترجح النزولُ على العُلوِّ]:
فإن كان في النزول مَزِيَّةٌ ليست في العلوِّ: كأنْ تكونَ رجاله أوثقَ منه، أو أحفظَ، أو أفقَهَ، أو الاتصالُ فيه أظهَرُ، فلا تردُّدَ1 أنّ النزولَ، حينئذٍ، أَولى.
وأما مَن رجَّح النزول مطلقاً واحتجَّ بأنَّ كثرة البحث تقتضي المشقةَ؛ فَيَعْظُمُ الأجر، فذلك ترجيحٌ بأمرٍ أَجنبيٍّ عما يتعلق بالتصحيح والتضعيف.
__________
1 في نسخةٍ: فلا تردد في.

(1/148)


أقسام العلوّ النسبيِّ و معنى الموافقة و البدل و المساواة و المصافحة
...
[أقسام العلوّ النسبيِّ ومعنى الموافقة والبدل والمساواة والمصافحة]:
1- وفيه، -أَيْ: العلوِّ النسبيِّ-: الموافَقَةُ 1، وهي: الوصول إلى شيخِ أحدِ المصنِّفين مِن غيرِ طريقِهِ، أي: الطريق التي تصل إلى ذلك المُصَنِّفِ المعَيَّنِ.
مثاله: روى البُخَارِيّ عن قتيبة2 عن مالكٍ حديثاً، فلو رويناه مِن طريقِهِ كان بيننا وبين قتيبةَ ثمانيةٌ، ولو روينا ذلك الحديثَ، بعَيْنِهِ، مِن طريقِ أبي العباس السَرَّاج3، عن قتيبة، مثلاً، لكان بيننا وبين قتيبةَ فيه سبعةٌ؛ فقد حَصَلَ لنا الموافقةُ مع البُخَارِيّ في شيخه بعَيْنِهِ مع عُلُوِّ الإسناد إليه.
2- وفيه، -أَيْ: العلوِّ النسبيِّ-: البَدَلُ: وهو الوصول إلى شيخِ شيخِهِ كذلك، كأنْ يَقَعَ لنا ذلك الإسنادُ، بعَيْنِهِ، من طريقٍ أُخرى إلى القَعْنَبِي عن مالكٍ؛ فيكون القعنبيُّ بَدَلاً فيه مِن قتيبةَ. وأكثرُ ما يَعْتبرون الموافقةَ والبدَلَ إذا قارَنَا العلوَّ، وإلا فاسم الموافقةِ والبدَلِ واقعٌ بدونه.
__________
1 في الأصل هنا حاشيةٌ، نصها: تفريعه على العلو النسبي غير ظاهر، وإنما هو مفرّع على القسم الثالث، الذي ذكره في التقريب، فراجعْه، ق20ب.
2 هو: قتيبة بن سعيد، ثقة ثبت، ت240هـ.
3 هو: محمد بن إسحاق بن إبراهيم السرَّاج، شيخ خراسان، ثقةٌ حافظٌ، 216-313هـ.

(1/148)


3- وفيه، -أَيْ: العلوِّ النسبيِّ-: المساواةُ: وهي استواءُ عددِ الإسناد مِن الراوي إلى آخره، أي: الإسناد مع إسنادِ أحدِ المصنِّفِين. كأن يَرْوِي النسائيُّ، مثلاً، حديثاً يقع بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحدَ عشرَ نفساً، فيقع لنا ذلك الحديث، بعَيْنِهِ، بإسنادٍ آخرَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يَقَع بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم أحدَ عشرَ نفساً؛ فَنُساوي النسائيَّ، مِن حيثُ العددُ، مع قطْع النظرِ عن ملاحظةِ ذلك الإسناد الخاصِّ.
4- وفيه، -أَيْ: العلوِّ النسبيِّ أيضاً-: الْمُصَافَحَةُ: وهي: الاستواء مع تلميذِ ذلك المصنِّف، على الوجه المشروح أوَّلاً، وسُمِّيت مصافحةً لأنّ العادة جَرَت، في الغالب، بالمصافحة بين مَن تَلاقَيَا، ونحن في هذه الصورة كأَنَّا لَقِيْنَا النسائيَّ؛ فكأَنَّا صافحناه.

(1/149)


النزول
تعريفه
...
[النزول]
ويُقابِل العلوَّ، بأقسامه المذكورة، النزولُ؛ فيكون كلُّ قِسْمٍ مِن أقسام العلوِّ يُقابِله قِسْمٌ مِن أَقسام النزول، خلافاً لِمَن زعم أن العلوَّ قد يقع غيرَ تابعٍ لنزولٍ.

(1/149)


رواية الأقران و المدبَّج
...
[رواية الأقران والمدبَّج]
فإنْ تشارك الراوي ومَنْ رَوى عنه، في أمرٍ من الأمور المتعلقة بالرواية: مثلَ السنّ، واللقيّ، والأَخْذِ عن المشايخ = فهو النوع الذي يُقال له: روايةُ الأَقْران؛ لأنه حينئذٍ يكون راوياً عن قَرِينِهِ.
وإنْ رَوى كلٌّ منهما، أي: القَرِينين1، عن الآخر فهو المُدبَّج. وهو
__________
1 الأقران هم الرواة المتقاربون في السن والإسناد، واكتفى بعضهم بالتقارب في الإسناد، وهو الاشتراك في الأخذ عن المشايخ. ورواية القرين عن القرين قسمان:
الأول: المدبج، وهو أن يرويّ كل منهما عن الآخر.
الثاني: غير المدبج، وهو أن يرويَ أحد القرينين عن الآخر، ولا يروي الآخر عنه.
وفائدة هذا النوع الصيانة عن الخطأ. حاشية عتر.

(1/149)


رواية الأكابر عن الأصاغر
تعريفه
...
[رواية الأكابر عن الأصاغر]
وإن روى الراوي عمن هو دونه في السن، أو في اللُّقِيِّ، أو في المِقْدار = فهذا النوع هو روايةُ الأكابر عن الأصاغر.

(1/150)


[الآباء عن الأبناء]
ومِنْهُ، أَيْ: مِن جُمْلةِ هذا النوعِ -وهو أَخَصُّ مِن مُطْلقِهِ- روايةُ الآباء

(1/150)


السابق و اللاحق
...
[السابق واللاحق]
وإن اشترك اثنان عن شيخٍ وتَقدَّم موتُ أحدِهما على الآخر؛ فهو السابق واللاحق.
وأكثرُ ما وقفنا عليه مِن ذلك ما بين الراويين فيه في الوفاة مائة وخمسون سنة، وذلك أن الحافظ السِّلَفِيَّ1 سَمِع منه أبو علي البَرَدَاني2-أحدُ مشايخه- حديثاً، ورواه عنه، ومات على رأس الخمسمائة، ثم كان آخِرَ3 أصحابِ السِّلَفِيّ بالسماعِ سِبْطُهُ أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي، وكانت وفاتُهُ سنةَ خمسين وستمائة.
ومِن قديم ذلك أن البُخَارِيّ حدَّث عن تلميذه أبي العباس السَّرَّاج أشياء4، في التاريخ وغيرِه، ومات سنة ست وخمسين ومائتين، وآخِرُ مَن حَدَّث عن السَّرَّاج، بالسماع، أبو الحسين الْخَفَّاف5، ومات سنةَ ثلاثٍ وتسعين وثلاثِ مئةٍ.
وغالِبُ ما يقع من ذلك أن المسموع منه قد يتأخر بعد6 أحدِ الراويين
__________
1 هو: أحمد بن محمد بن أحمد سِلَفَه، الأصفهاني، أبو طاهر السِّلَفِي، إمام حافظ فقيه مُعَمَّر، 472-576هـ، شاع حديثه وكلامه مع القبول، وقد جاوز المائة، له مؤلفات كثيرة.
2 هو: أحمد بن محمد بن أحمد أبو علي البَرَداني، 426-498هـ، كان أحد المبرزين في الحديث، فقيهاً حنبلياً.
3 في نسخةٍ: آخرُ. وضَبَطَ سبطُهُ، بعدها، بفتح الطاء.
4 في نسخةٍ: شيئاً. وهو خطأٌ.
5 هو: أحمد بن محمد النيسابوري، الخفّاف، نسبة إلى الخُفّ، لأنه كان يصنع الخِفاف أو يبيعها، اشتهر بالزهد والورع، ت393هـ.
6 في نسخةٍ: بعد موت.

(1/152)


عنه زماناً؛ حتى يسمع منه بعضُ الأحداث، ويعيش بعد السماع، دهراً طويلاً؛ فَيَحْصل مِن مجموعِ ذلك نحوُ هذه المدة. والله الموفق.

(1/153)


[الرواية عن مُتَّفِقي الاسم]
وإنْ رَوى الراوي عن اثنين مُتَّفِقِي الاسم، أو مع اسم الأب، أو مع اسم الجدِّ، أو مع النسبة، ولم يتميزا بما يَخُصُّ كلاً منهما = فإنْ كانا ثقتين لم يَضُرَّ.
ومِن ذلك ما وقع في البُخَارِيّ في روايته عن أحمد، غير منسوبٍ، عن ابن وهب؛ فإنه إما أحمد بن صالح، أو أحمد بن عيسى.
أو عن محمدٍ، غير منسوبٍ، عن أهل العراق؛ فإنه إما محمد بن سلام، أو محمد بن يحيى الذُّهْلِي. وقد استوعبتُ ذلك في مقدمة شرح البُخَارِيّ.
ومَن أراد لذلك ضابطاً كُلِّياً يمتاز1 أحدهما عن الآخر فباختصاصِهِ، أي الشيخِ المرويِّ عنه، بأحدهما يتبين المهمل، ومتى لم يتبين ذلك، أو كان مختصاً بهما معاً، فإِشكاله شديدٌ؛ فَيُرْجَع فيه إلى القرائنِ والنظرِ2 الغالب.
__________
1 في نسخةٍ: يمتاز به.
2 في نسخةٍ: والظن. وأشار في حاشية الأصل إلى أن هذا خلاف نسخةٍ.

(1/153)


[إنكار الراوي لحديثه]
وإنْ رَوى عن شيخٍ حديثاً فَجَحَد الشيخُ مَرْوِيَّهُ:
فإنْ كان جزْماً: كأَنْ يقولَ: كذب عليَّ، أو: ما رويتُ هذا، أو نحو ذلك، فإنْ وَقَع منه ذلك رُدَّ ذلك الخبرُ1 لِكَذِب واحدٍ منهما، لا بعينه،
__________
1 في حاشية الأصل: قوله: ذلك الخبر إنما قال الخبر ولم يقل الحديث أدباً؛ ولأنه لم يَثْبُت كونُه حديثاً؛ ولهذا قال فيما بعده: قُبِل ذلك الحديث.

(1/153)


[المُسَلْسَل]
وإن اتفق الرواة في إسنادٍ من الأسانيد في صِيِغِ الأداء: كسمعت فلاناً، قال: سمعت فلاناً، أو: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، وغير ذلك من الصيغ، أو غيرها من الحالات القولية، كسمعت فلاناً يقول: "أشهد بالله1 لقد حدثني فلان..."، إلى آخره، أو الفعلية كقوله: "دخلنا على فلان فأطعمنا تمراً..." إلى آخره، أو القولية والفعلية معاً كقوله: "حدثني فلان وهو آخذ بلحيته قال: آمنتُ بالقَدَر..."، إلى آخره = فهو المسَلْسَلُ2.
وهو مِن صفات الإسناد، وقد يقع التسلسل في مُعْظم الإسناد، كحديث
__________
1 في نسخةٍ: أشهد الله. وما أثبتُّه هو الصحيح.
2 المسلسل: يكثر الضعف في المسلسلات، ولكن صَحَّتْ أحاديث مسلسلة، ومنها ما هو في الصحيحين.
ولهذا التسلسل دلالةٌ خاصة في التوثيق، حينما يكون الحديث ثابتاً، وبه تمتاز السنّة النبوية.

(1/155)


المسلسَل بالأوَّلية، فإن السَّلْسَلَةَ تنتهي فيه إلى سفيان بن عُيَيْنَةَ فقط، ومَنْ رواه مسلسلاً إلى منتهاه فقد وَهِمَ.

(1/156)


صيغ الأداء و مراتبها
مراتبها
...
[صيغ الأداء ومراتبها]
وصِيغ الأداء المشار إليه على ثمانية1 مراتب:
الأولى: سمعتُ وحدثني.
ثم أخبرني وقرأتُ عليه وهي المرتبة الثانية.
ثم قُرِئ عليه وأنا أسمع وهي الثالثة.
ثم أنبأني وهي الرابعة.
ثم ناولني وهي الخامسة.
ثم شافهني أَيْ بالإجازة وهي السادسة.
ثم كتب إليَّ أَيْ بالإجازة وهي السابعة.
ثم "عن" ، ونحوها: مِن الصِّيَغ المحتَمِلَةِ للسماع والإجازة، ولعدم السماع أيضاً، وهذا مثل: قال وذَكر ورَوَى.
__________
1 يراجع في صيغ الأداء: الإلماع..، للقاضي عياض، وجامع الأصول..، لابن الأثير، 1/ 78-90.

(1/156)


[محل استعمال تلك الصِيَغِ]
واللفظان الأَوَّلان مِن صِيَغ الأداء، وهما: سمعتُ وحدثني صالحان لِمَنْ سَمِع وحده مِن لفظ الشيخ. وتخصيصُ التحديث بما سُمِع من لفظ الشيخ

(1/156)


مفهوم الإنباءِ لغةً و اصطلاحاً
...
[مفهوم الإنباءِ لغةً واصطلاحاً]
والإنباءُ مِن حيثُ اللغةُ1 واصطلاحُ المتقدمين بمعنى الإخبارِ، إلا في عُرْف المتأخرين فهو للإجازة كـ"عن"، لأنها في عرف المتأخرين للإجازة.
__________
1 ضُبِطتْ في الأصل بالكسر، وهو خطأ. مع أنه ضَبط اصطلاح بعدها بالرفع.

(1/158)


المعنعن و حكمه
...
[المعنعن وحكمه]
وعنعنة المعاصِرِ محمولةٌ على السماع1، بخلاف غير المعاصر فإنها تكون مرسَلةً أو منقطعةً، فشرْطُ حملها على السماع ثبوت المعاصَرَةِ، إلا مِن
__________
1 العنعنة: بعد أن أنهى المؤلف صِيَغَ الأداء التي تُعَدُّ أصلاً في الاتصال، جاء بالأداة التي ليست أصلاً في الاتصال، وهي العنعنة.
وحكمها: إذا كانت عنعنةَ معاصرٍ فحكمها الاتصال، ما لم يكن مدلِّساً؛ فَشَرْطُ حمْلِ العنعنة على الاتصال؛ إِذَنْ، شرطان:
1- المعاصرة.
2- عدم التدليس. وقد كَتَب المعلمي في التنكيل تحقيقاً عِلْميّاً في هذا الموضوع، بعنوان: مباحث في الاتصال والانقطاع، في: 1/78-83.

(1/158)


أحكام طرق التحمل و الأداء
...
[أحكام طرق التحمل والأداء]
وأطلقوا المشافهةَ في الإجازة المتلفَّظ بها تجوزاً، وكذا الْمُكاتَبَةُ في الإجازة المكتوبُ بها: وهو موجود في عبارةِ كثيرٍ من المتأخرين، بخلاف المتقدمين؛ فإنهم إنما يطلقونها فيما كَتب به الشيخ من الحديث إلى الطالب، سواءٌ أَذِن له في روايته أم لا، لا فيما إذا كَتَب إليه بالإجازة فقط.

(1/159)


[شرط الرواية بالمناولة]
واشترطوا في صحة الرواية بالمناولة اقترانَها بالإذن بالرواية، وهي إذا حَصَل هذا الشرط أرفعُ أنواعِ الإجازة؛ لِما فيها من التعيين والتشخيص.
وصُوْرَتُها: أن يَدفع الشيخُ أصلَهُ، أو ما قام مقامَهُ للطالب، أو: يُحْضِرُ1 الطالبُ الأصلَ للشيخ، ويقول له في الصورتين: هذا روايتي عن
__________
1 هكذا ضُبطتْ في الأصل بالرفع، والأولى ضَبطُها بالفتح عطفاً على ما قبله.

(1/159)


شرط الوِجَادة و الوصيّة بالكتاب و الإعلام
...
[شرط الوِجَادة والوصيّة بالكتاب والإعلام]
وكذا اشترطوا الإذن في الوِجَادة:
وهي: أن يَجِدَ بخطٍّ يَعْرِفُ كاتِبَهُ1 فيقول: وجدت بخط فلان، ولا يَسُوغُ فيه إطلاق أخبرني بمجرد ذلك، إلا إن كان له مِنه إذْنٌ بالرواية عنه،
__________
1 كاتِبَهُ، هذا هو الصواب، كما في بعض النسخ، ولأنه ضَبطَ في الأصل كلمةَ يَعرِف بفتح الياء وكسْر الراء، وقد جاءت في طبعة د.عتر بضم الباء، وهو غلطٌ، ولم تُضْبط بالشكل في الأصل.

(1/160)


وأَطْلَقَ قومٌ ذلك فَغُلِّطوا1.
وكذا الوصية بالكتاب:
وهو2: أن يوصي عند موته، أو سفره، لشخصٍ مُعَيَّنٍ، بأصله، أو بأصوله، فقد قال قوم من الأئمة المتقدمين: يجوز له أن يروي تلك الأصول عنه بمجرد هذه3 الوصية، وأَبَى ذلك الجمهور، إلا إنْ كان له منه إجازةٌ.
وكذا اشترطوا4 الإذن بالرواية في الإعلام:
وهو: أن يُعْلِمَ الشيخُ أحدَ الطلبة بأنني أروي الكتاب الفلاني عن فلان، فإن كان له منه إجازةٌ اعْتُبِرَ، وإلا فلا عِبْرَةَ بذلك.
كالإجازة العامة في الْمُجَازِ له، لا في المجاز به، كأن يقول: أجزت لجميع المسلمين، أو لِمَن أَدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلاني، أو لأهل البلد5 الفلانية، وهو أقرب إلى الصحة؛ لقرب الانحصار.
وكذا6 الإجازة للمجهول، كأن يكون مبهماً أو مُهْمَلاً.
وكذا الإجازة للمعدوم كأنْ يقولَ: أجَزْتُ لمن سيولد لفلان، وقد قيل: إنْ عَطَفَه على موجودٍ صحّ، وكأنْ يقول: أجزت لك ولِمَن سيولد لك، وقد
__________
1 في نسخةٍ: فَغَلِطُوا.
2 في نسخةٍ: وهي.
3 سقطت من بعض النسخ.
4 في نسخةٍ: شرطوا.
5 في نسخةٍ: البلدة.
6 في نسخةٍ: وكذلك. وهكذا جعل الباقي الآتي كله.

(1/161)


وقد قيل: الأقرب عدمُ الصحة، أيضاً، وكذلك الإجازة لموجودٍ، أو معدومٍ، عُلِّقَتْ بشرطِ مشيئةِ الغير، كأنْ يقول: أجزتُ لك إن شاء فلان، أو أجزتُ لِمَن شاء فلان، لا أن يقول: أجزت لك إن شئت. وهذا في1 الأصح في جميع ذلك.
وقد جَوَّز الرواية بجميع ذلك -سِوى المجهول، ما لم يتبين المراد منه- الخطيبُ، وحكاه عن جماعةٍ من مشايخه، واستعمَلَ الإجازةَ للمعدوم مِن القدماء أبو بكر بن أبي داود2، وأبو عبد الله بن مَنْدَه3، واستعمل المعلَّقةَ منهم، أيضاً، أبو بكر بن أبي خيثمة4، ورَوى بالإجازة العامة جَمْعٌ كثير جَمَعَهُمْ بعض الحُفّاظ في كتَاب، ورتَّبهم على حروف المعجم لكثرتهم5.
__________
1 في نسخةٍ: على.
2 هو: عبدالله بن سليمان بن الأشعث بن أبي داود، المتوفى سنة 316هـ، كما في طبقات الحفاظ، 1/326، وقد كنت ذكرتُ في الطبعة الأولى من هذا الكتاب أنه: محمد بن داود بن سليمان، اشتهر بابن داود المحدث، حافظ، وشيخ الصوفية، ت342هـ، ولكن هذا خطأٌ أوقعني فيه نقلُ حواشي التراجم عن نور الدين عتر.
3 هو: محمد بن إسحاق بن محمد المشهور بابن منده، وكذا اشتهر جده محمد بن يحيى بذلك، 316-395هـ، ورحل في الآفاق، وسمع وكتب عن ألف وسبعمائة شيخ، ووصف بمحدث العصر، له مؤلفات كثيرة.
4 هو: أحمد بن أبي خيثمة، زهير بن حرب أبو بكر، الحافظ الحجة الإمام 185-279هـ، وأخذ عن الأئمة: أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما، وكان عَلَماً في التاريخ ومعرفة أيام الناس، له كتاب: التاريخ في تاريخ رواة الحديث، قالوا: لا يعرف كتاب أغزر فوائد من كتابه هذا في التاريخ.
5 قال الحافظ العراقي بعد أن ذَكرَ عدداً مِن المجيزين للرواية بالإجازة العامّة: وخلائق كثيرون جمعهم الحافظ أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي البدر، الكاتب، البغدادي، في جزءٍ كبير رتّب أسماءهم على حروف المعجم لكثرتهم...، التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، للعراقيّ، 154-155، وقال البلقيني: وقد جمع أبو جعفر البغدادي كتاباً فيه ذِكْر مَن جَوَّزها وكتب بها، محاسن الاصطلاح، 267.

(1/162)


وكلُّ ذلك، كما قال ابن الصلاح: توسُّعٌ غيرُ مَرْضيٍّ؛ لأن الإجازة الخاصة المُعَيَّنَةَ مُخْتَلَفٌ في صحتها اختلافاً قوياً عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين، فهي دون السماع بالاتفاق، فكيف إذا حَصَل فيها الاسترسال المذكور! فإنها تزداد ضعفاً، لكنها، في الجملة، خيرٌ مِن إيراد الحديث مُعْضَلاً1. والله تعالى أعلم.
وإلى هنا انتهى الكلام في أقسام صيغ الأداء.
__________
1 قلتُ: مما ينبغي أن يلاحَظ أن الرواية بالإجازة، بأنواعها، قد روى بها بعض الناس، على الخلاف في الحاصل في حكم الجواز، لكن، لم تكن هي الأصل في نقْل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل اعلمْ أنها لم يتوقف عليها شيء مِن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما النقل بها أَمْرٌ ثانويٌّ، ثمّ هي لم ينتشر الأخذ بها إلا في المتأخرين، بعد انتهاء عصر التدوين، وبعد أن أَصبح الاعتماد على الكتب أَمراً ظاهراً، والحمد لله رب العالمين.

(1/163)


المتفق و المفترق
...
[المُتَّفِقُ والمُفْتَرِقُ]
ثم الرواة:
1- إن اتفقتْ أَسماؤهم وأسماء آبائهم فصاعداً، واختلفتْ أشخاصهم، سواء اتفق في ذلك اثنان منهم أو أكثر، وكذلك إذا اتفق اثنان فصاعداً في الكنية والنسبة = فهو النوع الذي يقال له: المُتَّفِقُ والْمُفْتَرِقُ.

(1/163)


وفائدة معرفته: خشيةُ أن يُظَنَّ الشخصانِ شخصاً واحداً، وقد صَنَّفَ فيه الخطيب كتاباً حافلاً، وقد لَخَّصتُه وزدتُ عليه شيئاً كثيراً.
وهذا عكس ما تقدم من النوع المسمى بالمهمل؛ لأنه يُخشى منه أن يُظَنَّ الواحد اثنين، وهذا يُخشى منه أن يظن الاثنان واحداً.

(1/164)


المؤتلف و المختلف
...
[المُؤتَلِفُ والمُخْتَلِفُ]
2-وإن اتفقت الأسماء خطّاً واختلفت نُطْقاً سواء كان مرجع الاختلاف النَّقْط أم الشَّكْل فهو الْمُؤْتَلِفُ والْمُخْتَلِفُ.
ومعرفته مِن مهمَّات هذا الفن حتى قال علي بن المديني: أشدُّ التصحيف ما يقع في الأسماء. ووجَّهَهُ بعضُهم بأنه شيء لا يَدْخله القياسُ، ولا قَبْله شيء يَدُلُّ عليه، ولا بَعْدَهُ، وقد صَنَّفَ فيه أبو أحمد العسكري، لكنه، أضافه إلى كتابِ التصحيف له، ثم أفرده بالتأليف عبد الغني بن سعيد فَجَمع فيه كتابين: كتاب1 في مُشْتَبَهِ الأسماء، وكتاب2 في مُشْتَبَهِ النسبة، وجَمَع شيخُهُ الدارقطني في ذلك كتاباً حافلاً ثم جَمَع الخطيب ذيلاً.
ثم جَمَع الجميعَ أبو نصر بن ماكولا3 في كتابه "الإكمال"،
__________
1 في نسخةٍ: كتاباً.
2 في نسخةٍ: كتاباً.
3 هو: علي بن هبة الله المعروف بابن ماكولا، سمع الحديث الكثير، وكان نحوياً وشاعراً مجيداً وأميراً، قتل سنة 485هـ، من كتبه: الإكمال في رفع الارتياب عن المتشابه من الأسماء والكنى والأنساب، مرجع هامٌ في بابه، خُلِّد به مؤلفه وشهر.

(1/164)


واستدرك عليهم في كتابٍ آخرَ جَمَع فيه أوهامهم وبَيَّنها، وكتابُه مِنْ أجمعِ ما جُمِعَ في ذلك، وهو عمدُة كلِّ محدِّثٍ بعده.
وقد استدرك عليه أبو بكرٍ بنُ نقطةَ ما فاته، أو تَجدَّد بعده في مجلدٍ ضخم، ثم ذَيّل عليه منصور بن سَليم1 -بفتح السين- في مجلدٍ لطيف، وكذلك، أبو حامد بن الصابوني2، وجَمَع الذهبي3 في ذلك كتاباً مختصَراً جدّاً اعتمد فيه على الضبط بالقلم؛ فَكَثُرَ فيه الغلط والتصحيف الْمُبَايِنُ لموضوعِ الكتاب.
وقد يَسَّر4 الله تعالى بتوضيحه في كتاب سَمَّيتُه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه"، وهو مجلدٌ واحدٌ؛ فضبطتُه بالحروف على الطريقة المرْضِيَّة، وزدتُ عليه شيئاً كثيراً مما أهمله، أو لم يقف عليه، ولله الحمد على ذلك.
__________
1 هو: منصور بن سَليم ا لهَمَذاني، حافظ مؤرخ، ت763هـ، من كتبه: الذيل على تذييل ابن نقطة على الإكمال.
2 هو: محمد بن علي بن محمود جمال الدين أبو حامد ابن الصابوني، 604-680هـ، وكتب الحديث ببلاد الشام ومصر والحجاز، وهو محدث مشهور حافظ، له مجلد في المؤتلف والمختلف ذيل على ابن نقطة.
3 هو: محمد بن أحمد بن عثمان أبو عبد الله شمس الدين الذهبي، الدمشقي، 673-748هـ، ورحل إلى مختلف البلدان، وأخذ من أزيد من ألف ومائتي نفس بالسماع والإجازة، فهو محدث الشام ومفيده، مؤلفاته كثيرة جداً، وكلها قيمة، منها: سير أعلام النبلاء، وميزان الاعتدال، والمغني في الضعفاء، والمشتبه في أسماء الرجال وغيرها.
4 في نسخةٍ: يسرنا.

(1/165)


[المتشابه من الرُّواة]
3- وإن اتفقت الأسماء: خَطّاً ونُطْقاً، واختلف الآباء نُطْقاً، مع اختلافهما1 خَطّاً: كمحمد بن عَقيل -بفتح العين- ومحمد بن عُقَيْل -بضمها-: الأول نيسابوريٌّ، والثاني فِرْيابيّ، وهما مشهوران وطبقتُهُما متقاربة.
أو بالعكس: كأنْ تختلف الأسماء: نُطْقاً، وتَأْتَلِف خَطّاً، وتتفق الآباء: خَطّاً ونُطْقاً: كشُرَيْح بن النعمان، وسُرَيْج بن النعمان، الأول بالشين المعجمة والحاء المهملة وهو تابعيٌّ يروي عن علي رضي الله عنه، والثاني بالسين المهملة والجيم وهو من شيوخ البُخَارِيّ = فهو النوع الذي يقال له: المتشابه.
وكذا إنْ وَقَعَ ذلك الاتفاق في الاسم واسم الأب، والاختلافُ في النسبة، وقد صَنَّفَ فيه الخطيب كتاباً جليلاً سَمَّاهُ "تلخيص المتشابه" ثم ذيّل2 عليه أيضاً بما فاته أَوَّلاً وهو كثير الفائدة.
ويتركب منه ومما قبله أنواع: منها: أن يَحْصل الاتفاق أو الاشتباه في الاسم واسم الأب، مثلاً، إلا في حرفٍ أو حرفين، فأكثرَ، مِن أحدهما، أو منهما. وهو على قسمين:
أ- إما بأن3 يكون الاختلاف بالتغيير، مع أن عدد الحروف ثابتةٌ4
__________
1 قال في حاشية الأصل هنا: صوابه: مع ائتلافهما، ق 25 -ب.
2 في نسخةٍ: ذيل هو.
3 في نسخة: أنز
4 كذا في الأصل، والصواب أن يقال: ثابتٌ.

(1/166)


في الجهتين.
ب- أو يكون الاختلاف بالتغيير مع نقصانِ بعض الأسماء عن بعض.
فَمِن أمثلة الأول: محمد بن سِنان -بكسر المهملة ونونين بينهما أَلِفٌ- وهُمْ جماعةٌ، منهم العَوَقِيّ -بفتح العين والواو ثم القاف- شيخ البُخَارِيّ، ومحمد بن سَيَّار -بفتح المهملة وتشديد الياء التحتانية وبعد الألف راء- وهُمْ أيضاً جماعةٌ، منهم: اليماني1 شيخ عمر بن يونس.
ومنها: محمد بن حُنَين -بضم المهملة ونونين الأولى مفتوحة بينهما ياء تحتانية- تابعيٌّ يَروي عن ابن عباس وغيره، ومحمد بن جُبَيْر -بالجيم بعدها موحدة وآخره راء- وهو محمد بن جُبَيْر من مُطْعِم، تابعي مشهور، أيضاً.
ومِن ذلك: مُعَرِّف بن واصل كوفي مشهور، ومُطَرِّفُ بن واصل -بالطاء بدل العين- شيخٌ آخرُ يروي عنه أبو حذيفة النَّهْدِي.
ومنه، أيضاً: أحمد بن الحسين صاحب إبراهيم بن سعد2، وآخرون، وأَحْيَدُ بن الحسين، مثله، لكن، بدل الميم ياء تحتانية، وهو شيخٌ بخاريٌّ يروي عنه عبد الله بن محمد3 البِيكَنْدِي.
ومِن ذلك، أيضاً: حفص بن ميسرة، شيخٌ مشهور من طبقة مالك، وجعفر بن ميسرة شيخ لعبيد الله بن موسى الكوفي، الأول بالحاء المهملة
__________
1 في نسخةٍ: اليمامي.
2 في نسخةٍ: سعيد.
3 في نسخةٍ: محمد بن.

(1/167)


والفاءِ بعدها صاد مهملة، والثاني بالجيم والعين المهملة بعدها فاء ثم راء.
ومن أمثلة الثاني: عبد الله بن زيد، وهُم جماعة:
منهم في الصحابة:
- صاحب الأذان، واسم جده عبد ربه.
- وراوي حديث الوضوء، واسم جده عاصم. وهما أنصاريان.
وعبد الله بن يزيد، بزيادة ياء في أول اسم الأب والزاي مكسورة، وهُم أيضاً جماعة:
منهم في الصحابة:
- الخَطْمِي يُكْنَى أبا موسى وحديثه في الصحيحين.
- والقارئ، له ذكْرٌ في حديث عائشة. وقد زعم بعضهم أنه الخطمي. وفيه نظرٌ.
ومنها: عبد الله بن يحيى، وهم جماعةٌ، وعبد الله بن نُجَيّ -بضم النون وفتح الجيم وتشديد الياء- تابعيٌّ معروف يَرْوِي عن علي.

(1/168)


المتشابه و المقلوب
...
[المتشابه والمقلوب]
4- أو يحصل الاتفاقُ في الخط والنطق، لكن، يحصل الاختلاف أو الاشتباه بالتقديم والتأخير: إما في الاسمين جملةً، أو نحو ذلك، كأن يقع التقديمُ والتأخيرُ في الاسم الواحد في بعض حروفه بالنسبة إلى ما يشتبه به.
مثال الأول: الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود وهو ظاهر، ومنه عبدالله
ابن يزيد ويزيد بن عبد الله.
ومثال الثاني: أيوب بن سَيّار، وأيوب بن يَسار، الأول مدني مشهور ليس بالقوي، والآخر مجهول.

(1/168)


خاتِمَةٌ
ومِن المهم عند المحدثين معرفةُ طبقاتِ الرواة .
[طبقات الرواة]
وفائدته: الأمن مِن تداخل المشتبهين. وإمكان الاطّلاع على تبيين المدلِّسين1.
والوقوفُ على حقيقة المراد مِن العنعنة.
والطبقة في اصطلاحهم: عبارةٌ عن جماعةٍ اشتركوا في السِّنِّ ولقاءِ المشايخ.
وقد يكون الشخص الواحد من طبقتين باعتبارين، كأنس بن مالك رضي الله عنه، فإنه من حيثُ ثبوتُ صحبتِهِ للنبي صلى الله عليه وسلم يُعَدُّ في طبقة العشرة، مثلاً، ومن حيثُ صِغَرُ السِّنِّ يُعَدُّ في طبقةٍ2 بعدهم، فمَنْ نظر إلى الصحابة باعتبار الصحبة جَعَلَ الجميعَ طبقةً واحدةً، كما صنع ابن حِبّان، وغيره، ومَنْ نظر إليهم باعتبارِ قدرٍ زائدٍ، كالسَّبْقِ إلى الإسلام، أو شهودِ المَشاهِدِ الفاضلة، جعَلهم طبقاتٍ، وإلى ذلك جَنَح صاحب الطبقات أبو عبد الله محمد بن سعد البغدادي3، وكتابُه أجمعُ ما جُمِعَ في ذلك.
وكذلك مَن جاء بعد الصحابة، وهم التابعون: مَن نظر إليهم باعتبارِ الأخذِ عن بعض الصحابةِ = فقد جعَل الجميعَ طبقةً واحدةً، كما صنع ابن حبان، أيضاً، ومَن نَظر إليهم باعتبار اللقاء قسَّمهم، كما فعل محمد بن سعد، ولكلٍ منهما وجْهٌ.
__________
1 في نسخةٍ: التدليس.
2 في نسخةٍ: طبقةِ مَن. وهو خطأ.
3 هو: محمد بن سعد بن مَنيع الهاشمي مولى بني هاشم، كاتب الواقدي، محدثٌ عالم بالأخبار، صدوق فاضل ت262هـ، روى له أبو داود، أشهر كتبه: الطبقات الكبرى.

(1/169)


التاريخ
أهمية معرفة مواليد و وفيات الرواة
...
[التاريخ]
ومِن المهم، أيضاً، معرفة مواليدهم، ووفياتهم1.
لأنَّ بمعرفتِها يَحْصل الأمْنُ مِنْ دَعوى المدِّعي لِلِقاءِ بعضهم، وهو في نفس الأمر ليس كذلك.
__________
1 ذكْر تاريخ الولادة والوفاة مفيد في التمييز بين الأسماء المتفقة أحياناً ومفيد في معرفة الأقران والمتقدم والمتأخر، ومفيد في معرفة العصر الذي عاش فيه الشيخ، ومفيد في معرفة مكان ترجمته في الكتب المؤلفة على التواريخ لو أراد الإنسان ذلك.

(1/170)


أوطان الرواة
فائدة معرفة أوطان الرواة
...
[أوطان الرواة]
ومن المهم، أيضاً، معرفةُ بُلْدانهم وأوطانهم، وفائدتُهُ الأمنُ مِن تداخل الاسمين إذا اتَّفقا1، لكن، افترقا بالنسب.
__________
1 في نسخةٍ: نطقاً.

(1/170)


معرفة الثقات و الضعفاء
أهميته
...
[معرفة الثقات والضعفاء]
ومِن المهم، أيضاً، معرفةُ أحوالهم: تعديلاً وتجريحاً، وجهالةً؛ لأن الراوي إما أن تُعرَفَ عدالتُهُ، أو يُعرَفَ فِسْقُهُ، أوْ لا يُعرَف فيه شيءٌ مِن ذلك1.
__________
1الجرح والتعديل: تعريفهما:
الجرح: وصْف متى الْتحق بالراوي أو الشاهد رَدَّ روايتهما أو ضعّفها.
التعديل: وصْف متى الْتحق بالراوي أو الشاهد حُكم بقبول روايتهما أو قوّاها.
حال الرواة وأصنافهم مع الجرح والتعديل:
وقد تكلّم أئمة الجرح والتعديل على رواة الحديث، وشمل كلامهم كل رواة الحديث جرحاً وتعديلاً -باستثناء الصحابة رضوان الله عليهم فكلهم عدول- وأَلَّفوا في =

(1/170)


[مراتب الجرح]
وللجرح مراتب1:
__________
1 مراتب ألفاظ الجرح والتعديل:للجرح والتعديل ألفاظ متعددة غير منحصرة، وبحسب دلالة كل لفظ وبحسب اصطلاح قائله تكون درجته في باب الجرح أو التعديل.
واختلفت طريقة الأئمة في عدّهم لمراتب الجرح ومراتب التعديل، والذي يعنينا هنا هو العلْم بأن ألفاظ الجرح والتعديل ليست في مرتبة واحدة، فالتعديل بأوثق الناس أو ثقة ثقة ليس كالتعديل بثقة أو لا بأس به أو صالح.
والجرح بأكذب الناس أو كذاب أو دجّال أو يضع الحديث ليس كالجرح بـ ليّن أو سيّء الحفظ أو يخطئ أو كثير الوهم.
ولم يستوف المصنف، رحمه الله، مراتب الجرح والتعديل كلها، للاختصار وفيما يلي بيانٌ لها:
مراتب الجرح: مرتَّبةً مِن الأسهل إلى الأسوأ:
1- نحو قولهم: فيه مقال. فيه ضعف. ليس بذاك القويّ....إلى آخره.
2- نحو قولهم: لا يُحتجُّ به، مضطرب الحديث...إلى آخر ما هنالك.
3- نحو قولهم: رُدَّ حديثه. ضعيفٌ جِدّاً. واهٍ بمرةٍ.
4- نحو قولهم: يسرق الحديث. متَّهَمٌ بالكذب، أو الوضع. ساقط.
5- نحو قولهم: دجّالٌ. كذّاب. وضّاعٌ. يضع. يكذب.
6- ما يدلّ على المبالغة، ك: أكذب الناس. إليه المنتهى في الكذب. ركْن الكذب.
وحُكم هذه المراتب أنه: لا يُحتجُّ بأصحابها، لكن، المرتبتان الأُوليان يكتب حديث أصحابهما للاعتبار. وتصنيفُ هذه المراتب أمرٌ اجتهاديٌّ، والعبرة بدلالة اللفظة وحُكْمِ صاحبها.
مراتب التعديل: مرتَّبةً مِن الأعلى إلى الأسفل:
1- الصحابة.
2- ما جاء التعديل فيها بالمبالغة نحو: أوثق الناس، إليه المنتهى في التثبت.
3- ما كُرِّرَ فيه لفظُ التوثيق، ك: ثقة ثقة.
4- ما انفرد بصيغةٍ دالةٍ على التوثيق، مثل: حجة. ثقة.=

(1/174)


أسوأُها1 الوصف بما دل على المبالغة فيه، وأصرح ذلك التعبير
بأَفْعَلَ، كأكذب الناس، وكذا قولهم: إليه المنتهى في الوضع، أو رُكْن الكذب، ونحو ذلك.
ثم: دجّال، أو وَضّاع، أو كذّاب؛ لأنها وإن كان فيها نوعُ مبالغةٍ، لكنها دون التي قبلها.
وأَسْهَلُها، أي: الألفاظ الدالة على الجرح = قولهم: فلانٌ لَيِّنٌ، أو سَيِّءُ الحفظ، أو: فيه أدنى مقالٍ.
وبَيْنَ أسوأِ الجرح وأسهلِهِ مراتبُ لا تخفى.
__________
= 5- ما قيل فيه: ليس به بأس.
6- ما أشعر بالقرب من التجريح مثل: ليس بعيداً عن الصواب.
حُكْمُ هذه المراتب:
وحُكْمُ هذه المراتب: الاحتجاجُ بالأربع الأُوَلِ، أما الأخرى فلا يحتج بها.
تعارُضُ الجرح والتعديل: ليس كل جرح وتعديل في الراوي الواحد متعارضاً دائماً، فإذا كان التعارض حاصلاً بين الجرح والتعديل، فإنَّ الحق أن نَدْرسهما كليهما، ونأخذ بما تَصِلُ إليه الدراسة، فإن ثبتا جميعاً، وليس بينهما تعارض، أخذْنا بهما جميعاً، وإلا أخذْنا بالثابت، وإلا رجّحنا.
ولابن حجر اجتهادٌ خاصٌّ في عَدِّ مراتب الجرح والتعديل، فأوصلها إلى ثنتي عشرة مرتبةً، ذكرها في أول تقريب التهذيب. وقد نحوتُ في ذكرها على ما ذكره السخاوي في فتح المغيث، وعلى ما ذكره عتر في تعليقه على النزهة.
1 في نسخةٍ مطبوعة: أسؤوها، وهو خطأ.

(1/175)


قولهم: 1 متروكٌ، أو ساقطٌ، أو فاحشُ الغلطِ، أو منكرُ الحديثِ، أشدُّ مِن قولهم: ضعيفٌ، أو ليس بالقوي، أو فيه مقالٌ.
__________
1 في نسخةٍ: فقولهم.

(1/176)


[مراتب التعديل]
ومِن المهم، أيضاً: معرفة مراتب التعديل:
وأرفعها الوصف، أيضاً، بما دَلَّ على المبالغة فيه، وأصْرَحُ ذلك: التعبيرُ بأفعلَ، كأوثقِ الناس، أو أثبتِ الناس، أو إليه المنتهى في الثبتِ.
ثم ما تأكد بصفةٍ مِن الصفات الدالة على التعديل، أو وصفين: كثقةٍ1 ثقةٍ، أو ثبتٍ ثبتٍ، أو ثقةٍ حافظٍ، أو عدلٍ ضابطٍ، أو نحو ذلك.
وأدناها ما أَشْعَر بالقربِ من أسهل التجريح: كشيخٍ، وَيُرْوَى حديثه، ويُعْتَبَرْ به، ونحوِ ذلك.
وبَيْنَ ذلك مراتبُ لا تَخْفَى.
__________
1 في نسخةٍ ضبطها هكذا: كثقةٌ...إلخ، وكذا ما بعدها!.

(1/176)


أحكام الجرح و التعديل
...
[أحكام الجرح والتعديل]
وهذه أحكامٌ تتعلق بذلك، ذُكِرَتْ1 ها هنا لتكملةِ الفائدة، فأقول:
تُقبَل التزكيةُ مِن عارفٍ بأسبابها، لا مِن غير عارفٍ؛ لئلا يُزَكِّيَ بمجردِ ما ظهر له ابتداءً، مِن غير ممارسةٍ واختبارٍ، ولو كانت التزكية صادرةً من مُزَكٍّ
__________
1 في نسخةٍ: ذكرتها.

(1/176)


[ليس كل جَرْح جارحٍ يُقْبَل]
وينبغي1 أن لا يُقْبل الجرح والتعديل إلا من عدلٍ مُتَيَقِّظٍ؛ فلا يُقْبل جرحُ مَن أَفْرَطَ فيه؛ فَجَرَحَ2 بما لا يقتضي ردَّ حديث المحدِّث، كما لا
__________
1 في نسخةٍ: وكذا لا ينبغي.
2 في نسخةٍ مطبوعة: مجرّحٌ !

(1/177)


تُقبل1 تزكيةُ مَن أَخذ بمجرد الظاهر؛ فأَطلق التزكيةَ.
وقال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال-: لم يَجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قطُّ على توثيقِ ضعيفٍ، ولا على تضعيفِ ثقةٍ2 انتهى.
ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يُترَكُ حديثُ الرجلِ حتى يجتمعَ الجميعُ على تركه.
وَلْيَحْذَر المتكلمُ في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل؛ فإنه إنْ عدّلَ بغيرِ تثبتٍ كان كالمُثْبِتِ حُكْماً ليس بثابتٍ، فَيُخْشَى عليه أن يَدْخل في زمرة مَن روى حديثاً وهو يُظَن أنه كَذِبٌ3، وإن جَرَحَ بغيرِ تحرزٍ أَقدَمَ على الطعن في مسلمٍ بريءٍ من ذلك، ووَسَمه بِمِيْسَمِ سوءٍ يَبْقى عليه عارُهُ أبداً.
والآفة تَدْخل في هذا تارةً مِن الهوى والغرضِ الفاسدِ. وكلامُ المتقدمين سالِمٌ مِن هذا، غالباً. وتارةً مِن المخالفةِ في العقائد، وهو موجود كثيراً، قديماً وحديثاً.
ولا ينبغي إطلاق الجرح بذلك، فقد قدَّمنا تحقيقَ الحالِ في العمل بروايةِ المبتدعة.
__________
1 في نسخةٍ: يُقبل.
2 قوله: وقال الذهبي: كلام الذهبي رحمه الله ليس على إطلاقه؛ فقد قَسّمَ المتكلمين على الجرح والتعديل إلى ثلاث فئات: المتشددين، والمعتدلين، والمتساهلين. ويَقْصد بالإجماع هنا اجتماع اثنين من طبقتين مختلفتين من هذه الطبقات الثلاث، وقد ذَكَر هذا في رسالته: ذِكْر مَن يُعْتمد قوله في الجرح والتعديل، وهي مطبوعة.
3 بل قد يكون أشنع من ذلك؛ لأنّ ضرره لا يقتصر على حديثٍ واحدٍ، وإنما يشمل كلَّ ما رواه ذلك الراوي مِن الحديث؛ فيتعدد الضرر بتعدد رواياته.

(1/178)


[تقديم الجرح على التعديل]
والجَرْحُ مقدَّمُ على التعديل1، وأَطلقَ ذلك جماعةٌ، ولكن، محلُّهُ إنْ صدر مُبَيَّناً مِن عارفٍ بأسبابه؛ لأنه إن كان غيرَ مُفَسَّرٍ لم يَقدح فيمن ثبتت عدالتُهُ، وإنِ صدر مِن غيرِ عارفٍ بالأسبابِ لم يُعتبر به، أيضاً.
__________
1 قوله: والجرح مقدم على التعديل. قلتُ: هذا في الحقيقة ليس بسديد سواء على الإطلاق- كما قال به جماعة، على ما ذكره المصنف رحمه الله- أو على تقييده؛ بأن يكون مبيَّناً مِن عارفٍ بأسبابه-على ما رجحه المصنف-لأنه لا وجه للقول بتقديم الجرح على التعديل مطلقاً؛ إذْ كلٌ منهما كلام في الراوي، وإذا كانا جميعاً كلاماً في الراوي، فمعنى ذلك أن المتعين أن ننظر لهما جميعاً بمنظارٍ واحدٍ؛ فلا يصح أيضاً أن نُرَجِّح بالنوع، لا بالجرح ولا بالتعديل، إذْ لا مُسَوِّغ لذلك.
والصواب هو أن ندْرس كلاً من الجرح والتعديل بميزانٍ واحدٍ، نَنْظر فيه إلى أمرين:
- مدى ثبوتِ كلٍ منهما.
- ومدى حصول التعارض بينهما.
وبعد ذلك نأخذ بنتيجة هذه الدراسة وهي على الاحتمالات الآتية:
1- إما أن لا يَثْبت أحدهما؛ فنردّه؛ ونأخذ بالآخر الثابت.
2- أو يَثْبتا، كلاهما؛ فننظر عندئذ في مدى حصول التعارض بينهما.
3- والاحتمال بعد ذلك أن لا يكون بينهما تعارضٌ؛ فنأخذ بهما جميعاً -طالما أنهما ثابتان- أو يَحْصل بينهما تعارضٌ في الظاهر؛ فَنَنْظر في طُرُقِ الجمع بينهما؛ ونأخذ بالنتيجة.

(1/179)


فإنْ خلا المجروح عن تعديلٍ قُبِلَ الجرحُ فيه مُجمَلاً غيرَ مُبَيَّنِ السبب، إذا صدَر مِن عارفٍ على المختار، لأنه إذا لم يكن فيه تعديلٌ فهو في حَيِّزِ المجهول، وإعمالُ قول المجرِّح أَوْلى مِن إهماله.
ومالَ ابن الصلاح في مثل هذا إلى التوقف فيه.

(1/180)


الأسماء و الكنى
أهميته
...
فصل: [الأسماء والكنى]
ومِن المهم، في هذا الفن:
معرفُةُ كُنى المسمَّيْنَ ممن اشْتُهِرَ باسمه وله كنية لا يُؤْمَن أن يأتي في بعض الروايات مَكْنِيّاً1؛ لئلا يُظَنَّ أنه آخَرُ.
ومعرفة أسماء المُكَنَّيْن، وهو عكس الذي قبله.
ومعرفة مَن اسمُهُ كُنْيَتُهُ، وهُمْ قليل.
ومعرفة مَن اخْتُلِفَ في كنيته، وهُمْ كثير.
ومعرفةُ مَنْ كثرت كُناه، كابن جُرَيْج، له كنيتان: أبو الوليد، وأبو خالد، أو كثُرت نعوته وألقابه.
ومعرفة مَن وافقت كُنْيَتُهُ اسمَ أبيه، كأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق المدني، أحد أَتْباعِ التابعين، وفائدة معرفته نَفْيُ الغلط عمَّن نَسَبَهُ إلى أبيه فقال: أَخبرنا
__________
1 في نسخةٍ: مكَنَّياً.

(1/180)


ابنُ إسحاق؛ فَنُسِبَ إلى التصحيف، وأن الصواب: أنا1 أبو إسحاق.
أو بالعكس: كإسحاق بن أبي إسحاق السَّبِيعي.
أو وافقتْ كُنيتُهُ كنيةَ زوجته، كأبي أيوب الأنصاري، وأُم أيوب، صحابيان مشهوران.
أو وافق اسمُ شيخِهِ اسمَ أبيه، كالربيع بن أنس، عن أنس، هكذا يأتي في الروايات فَيُظن أنه يروي عن أبيه، كما وقع في الصحيح عن عامرِ بن سعد، عن سعدٍ، وهو أبوه، وليس أنسٌ -شيخُ الربيع-والدَه، بل أبوه بكريٌّ، وشيخه أنصاريٌّ، وهو أنس بن مالك الصحابي المشهور، وليس الربيعُ المذكورُ مِن أولاده.
__________
1 هذا رمزٌ لأَخبَرَنا في اصطلاح الْمُحَدِّثين. وكُتِب في الأصل بين السطور: أَيْ أخبرنا.

(1/181)


[المنسوبون لغير آبائهم]
ومعرفة من نُسِبَ إلى غير أبيه:
كالمقداد بن الأسود نسب إلى الأسود الزهري لكونه تبناه، وإنما هو المقداد1 بن عمرو.
أو2 إلى أُمِّهِ، كابن عُلَيّة، هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَمٍ، أحدُ الثقات، وعُلَيَّةُ اسمُ أُمِّهِ، اشتُهِرَ بها، وكان لا يُحِبُّ أن يقال له: ابنُ عُلَيَّة؛ ولهذا كان يقول الشافعي: أخبرنا إسماعيل الذي يقال له: ابنُ عُلَيَّة.
__________
1 في نسخةٍ: مقداد.
2 في نسخةٍ: أو نُسب.

(1/181)


[نسب على خلاف ظاهرها]
أو نُسِبَ إلى غَيْرِ ما يَسبق إلى الفهم:
كالحَذَّاء، ظاهرُهُ أنه منسوبٌ إلى صِناعتها أو بَيْعِها، وليس كذلك، وإنما كان يجالسهم؛ فَنُسِب إليهم.
وكسليمان التيمي، لم يكن مِن بني التيم، ولكن، نَزَل فيهم.
وكذا مَن نُسِب إلى جده؛ فلا يُؤْمَن التباسه، كَمَن1 وافق اسْمُهُ واسمُ أبيهِ اسمَ الجد المذكور.
ومعرفة مَن اتفق اسمه، واسم أبيه، وجده، كالحسن بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب، وقد يَقَعُ أكثرُ من ذلك. وهو مِن فروع المسَلسَل.
وقد يتفق الاسمُ واسمُ الأب مع الاسمِ واسمِ الأبِ فصاعداً2، كأبي اليمن الكِنْدي هو زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن.
أو يتفق اسم الراوي واسم شيخه، وشيخ شيخه، فصاعداً: كعمران عن عمران عن عمران، الأول: يُعْرف بالقصير، والثاني: أبو رجاء العُطَارِديّ، والثالث: ابن حُصَين الصحابي، وكسليمان عن سليمان عن سليمان، الأول: ابن أحمد بن أيوب الطبراني، والثاني: ابن أحمد الواسطي، والثالث: ابن عبد الرحمن الدمشقي المعروف بابن بنت شُرَحْبيل.
__________
1 في نسخةٍ: بمن وافق اسمُه اسمَه، واسمُ أبيه اسمَ الجد المذكور. وكلُّه له وجْهٌ، والمثبت هو الذي في الأصل.
2 في نسخةٍ: مع اسم الجد واسم أبيه فصاعداً. والمثبت هو الذي في الأصل.

(1/182)


وقد يقع ذلك للراوي ولشيخه معاً، كأبي العلاء الهَمَدَاني العطّار، مشهور1 بالرواية عن أبي علي الأصبهاني الحدّاد، وكلٌّ منهما اسمه الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد2 فاتفقا في ذلك، وافترقا في الكنية والنِّسْبَةِ إلى البلد والصناعة. وصَنَّفَ فيه أبو موسى المديني جزءاً حافلاً.
ومعرفة من اتفق اسم شيخه والراوي عنه، وهو نوعٌ لطيفٌ، لم يتعرض له ابن الصلاح، وفائدته رَفْع اللبس عمن يُظُنُّ أن فيه تكراراً أو انقلاباً.
فَمِن أمثلته:
البُخَارِيّ، روى عن مسلم وروى عنه مسلم، فشيخه مسلم بن إبراهيم الفَرادِيسي البصري، والراوي عنه مسلم بن الحجَّاج القُشَيري صاحب الصحيح.
وكذا وقع ذلك لعَبْدِ بن حُمَيْدٍ، أيضاً: روى عن مسلم بن إبراهيم، وروى عنه مسلم بن الحجاج في صحيحه حديثاً بهذه الترجمة بعينها.
ومنها: يحيى بن أبي كثير: روى عن هشام، وروى عنه هشام: فشيخُهُ هشام بن عروة، وهو مِنْ أَقرانِهِ، والراوي عنه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي.
ومنها: ابن جريج روى عن هشام، وروى عنه هشام، فالأعلى ابن عروة، والأدنى ابن يوسف الصنعاني.
__________
1 في نسخةٍ: المشهور.
2 في نسخةٍ: الحسن بن أحمد مرتان فقط. والمثبت هو الذي في الأصل.

(1/183)


ومنها: الحَكَم بن عُتَيْبةَ يروي1 عن ابن أبي ليلى، وعنه2 ابن أبي ليلى، فالأعلى عبد الرحمن، والأدنى محمد3 بن عبد الرحمن المذكور، وأمثلته كثيرة.
__________
1 في نسخةٍ: روى.
2 في نسخةٍ: وروى عنه.
3 في نسخةٍ: ابن عبد الرحمن، ولم يذكر محمد.

(1/184)


الثقات و الضعفاء
...
[الثقات والضعفاء]
ومن المهم، في هذا الفن: معرفة الأسماء المجرَّدة، وقد جَمَعَها جماعةٌ مِن الأئمة.
فمنهم مَنْ جمعها بغيرِ قيدٍ، كابن سعدٍ في الطبقات، وابن أبي خَيْثَمَةَ، والبُخَارِيّ في تاريخهما1، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.
ومنهم مَنْ أفرد الثقات، كالعِجْلي2، وابن حبان، وابن شاهين3.
ومنهم مَنْ أفرد المجروحين، كابن عَدِيّ4، وابنِ حِبّانَ، أيضاً.
__________
1 في نسخةٍ: تاريخيهما.
2 هو: أحمد بن عبد الله العِجْليّ، الإمام الحافظ، سكن طرابلس الغرب أيام محنة القول بخلق القرآن، ت261هـ، من كتبه: الثقات في مجلد، لكنه غير مرتب، فرتبه السبكي وسماه: ترتيب الثقات.
3 هو: عمر بن أحمد بن عثمان، 297-382هـ، شيخ العراق في الإكثار من الرواية، وما كان بالبارع في غوامض صناعة المحدثين، وكتابه: الثقات.
4 هو: عبد الله بن عدي الجرجاني، الإمام الحافظ، 266-365هـ، وكان حافظاً متقناً، لم يكن في زمانه مثله، أشهر كتبه: الكامل في الضعفاء.

(1/184)


ومنهم مَنْ تَقَيَّدَ بكتابٍ مخصوصٍ، كرجالِ البُخَارِيّ، لأبي1 نصرٍ الكلاباذي2، ورجالِ مسلم، لأبي بكر بن منجويه3، ورجالِهما معاً لأبي الفضل ابن طاهر، ورجالِ أبي داود، لأبي علي الجِيَانيّ4، وكذا رجالُ التِّرمذي، ورجالُ النِّسائي، لجماعةٍ مِن المغاربة، ورجال الستة: الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، لعبد الغني المقدسي5 في كتابه "الكمال"، ثم هذَّبه المِزِّيُّ6 في "تهذيب الكمال"، وقد لَخّصتُه، وزِدتُ عليه أشياءَ كثيرة وسميته "تهذيب التهذيب"، وجاءَ مع ما اشتمل عليه مِن الزيادات، قَدْرَ ثلثِ الأصلِ.
__________
1 في الأصل: لابن.
2 هو: أحمد بن محمد بن حسين البخاري الكَلاباذي، أبو نصر، 323-398هـ، كان أحفظ أهل بلاد ما وراء النهر في زمانه، له: رجال البخاري وغيره.
3 هو: أحمد بن علي بن محمد أبو بكر، المشهور بابن منجويه، ت428هـ، وله 81 سنة، إمام كبير في علم الحديث، له مؤلفات عديدة.
4 في نسخةٍ: الجَيّانيَّ.
هو: الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الأندلسي أبو علي الجِيَّانيّ، نسبته إلى بلدة جيان، 427-498هـ، محدث حافظ، إمام عالم بالرجال، لغوي أديب، له: تقييد المهمل وتمييز المشكل، فيه دراسة رجال الصحيحين، ودفاع عما استشكل عليهما.
5 هو: عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي، الدمشقي، الحنبلي، 541-600هـ، إمام حافظ، متعبد، زاهد، له كتب كثيرة أشهرها: الكمال في أسماء الرجال وهو أول كتاب خاص برجال الستة.
6 هو: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف الملقب بالزكي المِزِّي، أبو الحجاج، الحلبي ثم الدمشقي، 654-742هـ، وانتقل إلى المزة، وطلب العلم واجتهد فصار الحافظ الكبير شيخ المحدثين عمدة الحفاظ، له: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، وتحفة الأشراف بمعرفة الأطراف.

(1/185)


[الأسماء المفردة]
ومِن المهم، أيضاً، معرفة الأسماء المفردة.
وقد صَنَّفَ فيها الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون البَرْديجي1، فذكر أشياء تَعَقَّبُوا عليه بعضَها:
مِن ذلك قوله: صُغْدِيُّ بن سنان، أحدُ الضعفاء، وهو بضم المهملة، وقد تُبْدَلُ سِيناً مهملة، وسكون الغين المعجمة بعدها دالٌ مهمَلة ثم ياءٌ كياءِ النسب، وهو اسمُ عَلَمٍ بلفظِ النسب، وليس هو فرداً؛ ففي "الجرح والتعديل"، لابن أبي حاتم: صُغْدِي الكوفي، وثقه ابن معين، وفرَّق بينه وبين الذي قبله فضعفه، وفي تاريخ العُقَيْلي: صُغْدِي بن عبد الله يروي عن قتادة: قال العُقيلي: حديثه غير محفوظ. انتهى. وأظنه هو الذي ذكره ابن أبي حاتم، وأما كون العقيلي ذكره في "الضعفاء" فإنما هو للحديث الذي ذكره، وليست الآفة منه، بل هي من الراوي عنه: عنبسة بن عبد الرحمن. والله أعلم.
ومِن ذلك: سَنْدَر -بالمهملة والنون- بوزن جَعْفَر، وهو مولى زِنْباع الجُذَاميّ، له صحبة ورواية، والمشهور أنه يُكْنَى أبا عبد الله، وهو اسمُ فردٍ لم يَتَسَمَّ به غيرُهُ، فيما نعلم. لكن ذَكَر أبو موسى، في "الذَّيْلِ على معرفة
__________
1 هو: أحمد بن هارون بن روح البَرْدِيجي بفتح الباء وكسرها البرذعي، نسبة إلى بَرْدِيج وبرذعة، في آذربيجان، وهو من الحفاظ الأئمة سكن بغداد، ت301هـ، من كتبه: الأسماء المفردة.

(1/186)


الصحابة"، لابن منده: سَنْدَر أبو الأسود، وروى له حديثاً، وتُعُقِّب عليه ذلك، فإنه هو الذي ذكره ابن منده، وقد ذَكَرَ الحديثَ المذكورَ محمدُ بن الربيع الجيزيّ، في "تاريخ الصحابة الذين نزلوا مصر"، في ترجمة سَنْدَرٍ مولى زِنْباع، وقد حَرَّرْتُ ذلك في كتابي في1 الصحابة.
__________
1 في سقطت من بعض النسخ.

(1/187)


[الألقاب]
وكذا معرفة الكنى المجردة والألقاب1 وهي تارةً تكون بلفظِ الاسم، وتارةً تكون بلفظ الكُنْية، وتقع نسبةً إلى عاهةٍ أو حِرْفَة.
__________
1 لابن حجر كتابٌ في الألقاب بعنوان نزهة الألباب في الألقاب، وقد نُشِر بتحقيق عبد العزيز بن محمد السديري، الرياض، مكتبة الرشد، ط. الأولى، 1409هـ-1989م.

(1/187)


[الأنساب]
وكذا1 الأنساب وهي تارةً تقع إلى القبائل، وهو في المتقدمين أكثريٌّ، بالنسبة إلى المتأخرين، وتارةً إلى الأوطان، وهذا في المتأخرين أكثريٌّ، بالنسبة إلى المتقدمين، والنسبة إلى الوطن أعمُّ مِن أن تكون2 بلاداً
__________
1 في نسخةٍ: وكذا معرفة.
2 في نسخةٍ: يَكون.

(1/187)


[الموالي]
ومعرفة الموالي مِن أعلى أو أسفل، بالرِّق وبالحِلْفِ، أو بالإسلام؛ لأن كلَّ ذلك يُطلَق عليه مَوْلَى، ولا يُعرَف تمييز ذلك إلا بالتنصيص عليه.

(1/188)


[الإخوة]
ومعرفةُ الإخوةِ والأخواتِ: وقد صَنَّفَ فيه القدماء، كعلي بن المديني.

(1/188)


آداب الشيخ و الطالب
...
[آداب الشيخ والطالب]
ومِن المهم، أيضاً، معرفةُ آداب الشيخ والطالب.
ويشتركان في تصحيح النية، والتّطهر1 مِن أعراض الدنيا، وتحسين الخُلُقِ.
وينفرد الشيخ بأن يُسْمِع إذا احْتِيج إليه، ولا يحدِّثَ ببلدٍ فيه أَوْلى منه، بل يُرْشِد إليه، ولا يَتْرُك إسماعَ أحدٍ لنيةٍ فاسدةٍ، وأن يتطهرَ ويجلسَ بوقارٍ، ولا
__________
1 في نسخةٍ: والتطهير.

(1/188)


كتابة الحديث
صفة كتابة الحديث
...
[كتابة الحديث]
ومِن المهم: معرفةُ صفةِ كتابةِ الحديثِ:
وهو أن يكتبه مُبَيَّناً مفسَّراً، ويَشْكُلَ الْمُشْكِلَ منه ويَنْقُطَهُ، ويكتبَ الساقطَ في الحاشية اليمنى، ما دام في السطر بقية، وإلا ففي اليسرى.
وصفةِ عَرْضِه وهو مقابلته مع الشيخ المسمِع، أو مع ثقةٍ غيره، أو مع نفسه شيئاً فشيئاً.
وصفةِ سماعه بأن لا يتشاغل بما يُخِلُّ به: مِن نَسْخٍ أو حديثٍ أو نُعاسٍ.
وصفةِ إسماعه، كذلك، وأن يكون ذلك مِن أصله الذي سَمِع فيه، أو مِن فرعٍ قُوبِلَ على أصله، فإنْ تعذَّر فَلْيَجْبُرْه بالإجازة لِما خالف، إن خالف.

(1/190)


الرحلة للحديث
صفة الرحلة
...
[الرحلة للحديث]
وصفةِ الرحلة فيه، حيث يبتدئ بحديثِ أهل بلدِهِ، فيستوعبه، ثم يرحل، فيحصِّل في الرحلة ما ليس عنده، ويكون اعتناؤه1 بتكثير المسموع أَوْلى من اعتنائه بتكثير الشيوخ.
__________
1 في نسخةٍ: اعتناؤه في أسفاره.

(1/190)


وصفةِ تصنيفه.
وذلك: إما على المسانيد بأن يَجْمع مسندَ كلِّ صحابيٍّ على حِدَةٍ، فإنْ شاءَ رتَّبه على سوابقهم، وإن شاء رتَّبه على حروف المعجم، وهو أسهل تناولاً.
أو تصنيفه على الأبواب الفقهية، أو غيرها، بأن يَجْمع في كلِّ بابٍ ما ورد فيه مما يدل على حكمه، إثباتاً أو نفياً، والأَوْلى أن يَقْصُرَ1 على ما صَحَّ أو حَسُنَ، فإنْ جَمع الجميعَ فَلْيُبَيِّنْ عِلَّةَ الضعيف2.
__________
1 في بعض النسخ: يَقْتَصِرَ.
2 في نسخةٍ: الضعف.

(1/190)


[أسباب الحديث]
ومِن المهم: معرفةُ سببِ الحديثِ.
وقد صَنَّفَ فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي1، وهو أبو حفص العُكْبُري2، قد ذَكر الشيخ تقيّ الدِّين ابن دقيق العيد أن بعض أهل عصره شرع في جمع ذلك، وكأنه ما رأى تصنيفَ العُكْبري المذكور.
وصَنَّفوا في غالب هذه الأنواع، على ما أشرنا إليه غالباً، وهي أَيْ: هذه الأنواع المذكورة في هذه الخاتمة نقْلٌ مَحْضٌ، ظاهرةُ التعريف، مستغنيةٌ عن التمثيل، وحصْرها متعسِّرٌ، فَلْتُراجَع لها مبسوطاتها؛ لِيَحْصُل الوقوفُ على حقائقها.
والله الموفق والهادي، لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه أُنيب.
__________
1 هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف أبو يعلى المعروف بابن الفراء، 380-458هـ، برع في حفظ الحديث والفقه الحنبلي، وإليه انتهت رئاسة الحنابلة، من كتبه: الأحكام السلطانية، وأحكام القرآن.
2 هو: أبو حفص العكبري عمر بن إبراهيم بن عبد الله العكبري، فقيه حنبلي، ت387هـ، من كتبه: المقنع، وشرح الخِرَقي.

(1/191)


خاتمة
...
انتهتْ "نزهة النظر في توضيح نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر"، وقد جاء في آخرها بخط الناسخ نفسه ما يلي:
"علق ذلك لنفسه الفقير المذنب العاصي أحمد بن محمد بن الأخصاصي الشافعي، اللهم أحسن إليه ولوالديه ولجميع المسلمين، ووافق الفراغ من نسخها في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وثمانمائة".
وبإزاء ذلك في الحاشية بخط المصنف: "بلغ صاحبه قراءة عليَّ، كتبه ابن حجر".
وعلى آخر النسخة تحت هذا في الطرف الأيسر من أسفل الصفحة بلاغ قراءة النسخة إلى آخرها على الشيخ عبد القادر الصّفوري سنة 1077هـ، وبجانبه إلى اليمين: "وقف على طلبة العلم مؤرخ بسنة 1246هـ".
* * *
وقد انتهى العمل في تحقيق "نزهة النظر " في مساء يوم الجمعة 2/3/1422هـ الموافق 25/5/2001م، ثم استمرّت المراجعة والنظر فيها على مدى أكثرِ مِن شهرين، أسأل الله تعالى أن يتقبَّل العمل. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

(1/192)