عنوان الكتاب:

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد في إعراب الحديث (2)

 

تأليف:

جلال الدين عبد الرحمن السيوطي

 

دراسة وتحقيق:

حسن موسى الشاعر

 

الناشر:

الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة

السنة السابعة عشرة -العدد الخامس و الستون , السادس و الستون - محرم - جمادى الأخرة 1405هـ/1985م

 

ص -143-      عُقُودُ الزَّبَرجَد على مُسْنَدِ الإمَام أحمَد
في إعْرَاب الحَدِيث
تأليف:                                 تحقيق:
جلال الدين السيوطي                        الدكتور حسن موسى الشاعر
                                   أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة
    ـ2ـ
    مُسند أُبَّيْ بن كَعْب رضي الله عنه
1ـ حديث
"ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فَرَقا"1
[في التمييز]2 .
[عَرَقًا وفَرَقا] هما منصوبان على التمييز. فالأوّل محّوِل عن الفاعل، والأصل: ففاض عرقي، فحّول الإسناد إلى ضمير المتكلم، وانتصب عرقاَ على التمييز.
قال ابن مالك في شرح التسهيل3: "ممّيز الجملة ما ذكر بعد جملة فعلية مبهمة النسبة.وإنـما أطلق على هذا النـوع بخصـوصـه مع أن كلّ تمييز فضلة يلي جملة، لأن لكلّ واحد من جزأي الجملة في هذا النوع قسطاً من الإبهام يرتفع بالتمييز، بخلاف غيره، فإن الإبهام في أحد جزأي جملته، فأطلق على مميزه مميّز مفرد، وعلى هذا النوع مميّز جملة. والأكثر أن يصلح لإسنـاد الفعـل إليـه مضـافـاً إلى المجهـول فاعـلا، كقولك في: طاب زيدٌ نفساً، و
{اشْتَعَلَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  الحديث عن أبي وأوّله : "كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه .."
 انظر: مسند أحمد 15/27، 29 1. مسلم لشرح النووي: فضائل القرآن 6/151.
2  ما بين المعقوفتين زيادة للتوضيح.
3 شرح التسهيل لابن مالك مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 10 نحوش ورقة 131 ومنه مصورة في الجامعة برقم 1411.

 

ص -144-      الرَّأْسُ شَيْباً} 1: طابت نفس زيد، واشتعل شيب الرأس".
وقـال الزمخشري في المفصّل2: هذه التمييزات مزالة عن أصلها، إذ الأصل وصف النفس بالطّيب، والعرق بالتصبب، والشيب بالاشتعال، وأن يقال: طابت نفسُه، وتصبب عرقـهُ، واشتعـل شيبُ رأسي، لأن الفعل في الحقيقـة وصف في الفاعل. والسبب في هذه الإزالة قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتأكيد.
قال ابن يعيش في شرحه3: "ومعنى المبالغة أن الفعل كان مسنداً إلى جزء منه، فصار مسنـداً إلى الجميـع، وهو أبلغ في المعنى. والتأكيـد أنـه لما كان يفهم منه الإسناد إلى ما هو منتصب [بـه]، ثم أسنـد في اللفظ إلى زيد تمكّن المعنى، ثم لما احتمل أشياء كثيرة، وهو أن تطيب نفسه بأن تنبسط ولا تنقبض، وأن يطيب لسانه بأن يعذب كلامه، وأن يطيب قلبه بأن يصفا انجلاؤه، بُيّن المراد من ذلك بالنكرة التي هي فاعل في المعنى، فقيل طاب زيدٌ نفساً، وكذا الباقي. فهذا معنى قوله: والسبب في هذه الإزالة قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتأكيد".
انتهى
وأما الثاني فليس محّولاً عن شيء،  وإنما هو مبـيّن لجهة التشبيه، نحو: أنت الأسدُ شجاعةً، والبحرُ كرماً، والخليفةُ هيبةً.
وفي أوّل هذا الحديث عند مسلم 4 "فسُقِطَ في نفسي من التكذيب ولا إذْ كنتُ في الجاهلية":
[معنى سُقِط]
قال القاضي عياض 5: "معنى سُقِطَ في نفسي لما أي أعزته حيرة ودهشة".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  سورة مريم آية 4.
2   شرح المفصّل لابن يعيش 2/74.
3   شرح المفصـل لابن يعيش 75/2. وابن يعيش هو موفق الـدين يعيش بن علي بن يعيش الحلبي، كان من كبـار أئمـة العـربية، ماهر في النحـو والتصريف، تصـدّر بحلب للإقراء زمـانـا. صنف: شرح المفصل، شرح تصريف ابن جني، مات سنة 643 هـ. انظر بغية الوعاة 2/ 351.
4   صحيح مسلم بشرح النووي- باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف جـ6ص101.
5 القاضي عياض سبقت ترجمته في الحلقة الأولى، وكلامه هنا مذكور في شرح النووي على مسلم 6/102.

 

ص -145-      قال الهروي 1 في قوله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ}2: "أي تحيّروا وندموا، يقال للنادي المتحيرّ على فِعْلٍ فعله: سُقط في يده. وهو كقوله: قد حصل في يده من هذا مكروه".
انتهى.
وقال أبو حيان في البحر3: "ذكر بعض النحويين أن قول العرب "سُقِطَ في يده" فعل لا يتصـرف، فلا يستعمـل منـه مضـارع ولا اسم فاعـل ولا مفعـول. وكان أصله متصرفاَ. تقـول!: سَقَـط الشيء إذا وقـع من علو، فهو في الأصـل متصّرف لازم... وسُقـط مبني للمفعـول، والـذي أوقـع موقـع الفـاعـل هو الجـار والمجـرور، كـما تقول: جُلِسَ في الدار، وضحِـكَ من زيـد. وقيل: سُقِط يتضمن معقولاً وهو هاهنا المصدر الذي هو الإسقاط، كـما يقال: ذُهِبَ بزيد".
قال أبو حيان: "وصـوابـه وهـو هنا ضمير المصدر الذي هو السقوط، لأن سُقِطَ ليس مصدره الإسقاط، وليس نفس المصدر هو المفعول الذي لم يُسَّم فاعلُه، بل هو ضميره4. وقوله: "ولا إذْ كُنْتُ في الجاهلية".
قال أبو البقاء5: "تقديره ولا أشكل علىَّ حال القرآن إذْ أنا في الجاهلية كإشكال هذه القصّة علىَّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  أبو عبيد أحمد به محمد بن عبد الرحمن الهروي ، صاحب الغريبين على أبي سليمان الخطابي وأبي منصور الأزهري
ومات سنة 401 هـ.
انظر طبقات الشافعية للسبكي 4/ 84، بغية الوعاة 1/ 371.
2   سورة الأعراف آية 149.
قال الأخفش في معاني القران 2/ 315 العرب تقول سًقط في يديه. وأًسْقط في أيديهم. وفي اللسان [مادة سقط]: قال الزجاج. يقال للرجل النادم على ما فعل الحسر على ما فرط منه: قد سُقط في يده وأسقط. وقال أبو عمرو: لا يقال اسْقط بالألف على ما يسمّ فاعله، وفي التنزيل "ولما سُقط في أيديهم"لما قال الفارسي: ضربوا لأكفّهم على أكفّهم من الندم. وقد قرئ: "سَقَط في أيديهم " كأنه أضمر الندم..
3  البحر المحيط 4/393-349 وفيه زيادة وتفصيل.
4 مذهب الجمهور أن المجرور الحرف مفعول به في المعنى فصحّت نيابته عن الفاعل. وذهب ابن درستويه والسهيلى والرندي إلى أن النائب الضمير المصدر المفهوم من الفعل المستتر فيه، والتقدير: ولما سُقط هو أي السقوط. انظر التصريح على التوضيح 1/287.
5   هو أبـو البقـاء العكـبري، وقـد سبقت ترجمتـه في الحلقة الأولى. وكـلامه هذا مذكور في الحديث رقم 5 من كتابه إعراب لحديث النبوي لتحقيق د. حسن الشاعر.

 

ص -146-      وقال التوُّرِبشْتي1  في شرح المصابيح: قيل فاعل "سقط " محذوف، أي فوقع في نفسي من التكذيب ما لمَ أقدر على وصفه، ولم أعهد بمثله ولا إذْ كنتُ في الجاهلية.
وقـال الطّيبىّ في شرح المشكـاة2: "قد أحسن هذا القائـل وأصاب في هذا التقدير، ويشهـد له قولـه: "فلما رأى رسـولُ الله   صلى الله عليه وسلم ما غشيني" أي من التكـذيب. فـَ "مِنْ" على هذا بيانيـة. و الـواو في "ولا إذْ كنتُ" لما تستـدعى معطـوفـاَ عليه، و"لا" المؤكدة توجب أن يكون المعطوف عليه منفياً، وهو هذا المحذوف. وهذا أسدّ في العربية من جعل "ولا إذْ كنتُ" صفة لمصدر محذوف، كـما قدّره المظهري3، حيث قال: "يعنى وقع في خاطري من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في تحسينه لشأنهـما تكذيب أكثر من تكذيبي إياه قبيل الإسلام، لأن واو العطف مانعة، ولو ذهب إلى الحال لجاز على التعسّف".
قال: "وذكر المظهري أن "عرقاً وفرقاً" منصوبان على التمييز، والظاهر أن يكون "فرقاً" مفعولاً له، أوحالا، لأنه لا يجوز أن يقال: انظر فرقي".
قال: "وقوله: "فَرَدَدْتُ إليه أنْ هَوِّن على أمتي".
يجوز أن تكـون "أنْ " مفسّـرة4، لما في رددتُ من معنى القـول، ويجـوز أن تكـون مصدرية، وإن كان مدخوله أمراً. وجوّز ذلك صاحب الكشاف نقلا عن سيبويه"5.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  شهاب الدين فضل الله بن حسير التًوربثتي، محدث فقيه من أهل شيراز. شرح مصابيح السنة للبغوي شرحاً حسناً سمّاه
انظر كتف الظنون 1698/2، طبقات الشافعية للسبكى 349/8، مرقاة المفاتيح للقاري 1/ 59.
2   مشكـاة المصابيـح للخطيب التـبريزي، شرحها الطيبى شرحاً سماه " الكاشف عن حقائق السنن ". ورموزه هكذا: معارا السنن للخطـابي (خـط) شرح السنة للبغـوي (حد) شرح صحيـح مسلم للنووي (مح) والفائق للزمخشري (فا) ومفردات الرأب (غب) والنهاية لابن الأثير (نه) والتوربثتى (تو) والقاضي البيضاوي (قض) والمظهر (مظ) والأشرف (شف).
ومن هذا الشرح عدد من النسخ الخطية. وقد اعتمدت لا توثيق كلام الطيبي هنا على!2 ورقة 46 ا-47 1 مخطوط في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة برقم 613.
3  هو مظهر الدين الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني المتوفي سنة 727 هـ، له شرح على مصابيح السنة سماه "المفاتيح في شرح المصابيح ". انظر: كشف الظنون 2/ 1699.
4  انظر في "أنْ " المفسرة وشروطها مغني اللبيب ص 29 بتحقيق د. مازن المبارك، الطبعة الأولى.
5   قال سيبويه 3/ 162: وأمـا قولـه: كتبت إليه أن أفعـل، وأمرتُه أن قُمْ، فيكون على وجهين: على أن تكون "أن " التي تصب الأفعال ووصلتها بحرف الأمر والنهي... والوجه الآخر: أن تكون بمنزلة أيْ..

 

ص -147-      وقوله : "ولك بكُلِّ رَدَّةٍ مسألةٌ تسْألُنيها".
" تَسْألُنيها" صفة مؤكدة لمسألة، كقوله تعالى:
{وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}1 أي مسألة
ينبغي لك أن تسألها، وأنك لا تخيب فيها. انتهى2.
2- حديث اللُّقَطَة "فإنْ جاء صاحِبُها وإلاّ استَمْتِعْ بها"3.
قال ابن مالـك في توضيحـه4: "تضمَّن هذا الحـديث حذف جواب "إنْ " الأولى وحذف شرط "إنْ " الثانية، وحذف الفاء من جوابها، فإن الأصل: فإنْ جاء، صاحبُها أخذها وإلا يجئ فاسْتمتعْ بها".
3- حديث: "يغسلُ ما مَسَّ المرأةَ منه"5.
قال أبو البقاء: -وهو أول حديث ذكـره في إعرابه-: ""ما" بمعنى الذي، وفاعل "مسَّ " مضمر فيه يعود على الذي، والذي وصلتها مفعول "يغسل"، و" المرأةَ" مفعول "مسَّ ". ولا يجوز أن ترفع "المرأة" بمسَّ على معنى ما مسَّت المرأةُ لوجهين: أحدهما: أن تأنيث المرأة حقيقي، ولم يفصل بينها وبن الفعل فلا وجه لحذف التاء. والثاني: أن إضافة المسّ إلى الرجل وإلى أبعاضه حقيقة، قال تعالى:
{أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ}6 وإضافة المسّ إليها في الجـماع تجوّز". انتهى.
4- حديث موسى والخضر:7
قال أبو البقاء 8: "قوله: "أنَّى بأرضك السلام".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  سورة الأنعام آية 38.
2   أي انتهى كلام الطيبي في شرح المشكاة.
3 الحديث في البخاري- كتاب اللقطة/ باب هل يأخذ اللقطة. انظر فتح الباري 5/ 91 مسند أحمد 5/ 126.
4   شواهد التوضيح والتصحيح ص 135.
 5 قال أبي
(سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: الرجـل يجامـع أهله ولا ينزل. قال: يغسل ما مس المرأة منه ويتوضأ ويصلي). انظر البخاري- كتاب الغسل- فتح الباري1/398، مسند أحمد 5/113.
6  النساء آية 43.
7 حديـث طويل، وفيه "قام موسى النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم...". البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. فتح الباري 6/ 431.
البخـاري: كتـاب التفسـير باب سورة الكهف، كتاب العلم- باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم- فتح الباري1/217,والترمذي: أبواب تفسير القرآن 4/ 371، مسند أحمد 5/120.
8   إعراب الحديث النبوي- الحديث الثاني.

 

ص -148-      في "أنّى" ها هنـا وجهان: أحـدهما: من أين، كقوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا} 1 فهي ظرف مكـان. و"السـلام" لما مبتدأ. والظرف خـبر عنه. والثاني: هي بمعنى كيف، أي كيف بأرضـك السـلام؟ ووجـه هذا الاستفهام أنه لما رأى ذلك الرجل في قفر من الأرض استبعد علمـه بكيفيـة السـلام. فأمـا قولـه "بأرضـك" فموضعـه نصب على الحـال من السلام، والتقدير: من أين استقرَّ السلام كائناً بأرضك؟".
وقوله: "موسى بني إسرائيل":
أي أنت موسى بني إسرائيل؟ فأنت مبتدأ، وموسى خبره.
وقوله: "فكلموهم أن يحملوهما فعُرف الخضر فحملوهما".
المعنى أن موسى والخضر ويوشع قالوا لأصحاب السفينة هل تحملوننا؟ فعرفوا الخضر فحملوهم. فجمـع الضمير في "كلموهم " على الأصل، وثنّى "يحملوهما" لأنهما المتبوعان، ويوشع تبع لهما. ومثله قوله تعالى:
{إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} 2 فثنى ثم وحد لما ذكرنا.
وقوله: "قومٌ حملونا".
أي هؤلاء قوم، أوهم قوم. فالمبتدأ محذوف. وقوم خبره.
وقوله: "فأخذَ برأسه".
في الباء وجهان أحـدهما: هي زائـدة، أي أخذ رأسه. والثاني: ليست زائدة، لأنه ليس المعنى أنه تناولت رأسه ابتداء، وإنما المعنى أنه جرّه إليه برأسه ثم اقتلعه. ولو كانت زائدة لم يكن لقوله "اقتلعه" معنى زائد على أخذه.
وقوله: "لَوددْنا لو صبرَ".
"لو" هنا بمعنى "أنْ " الناصبة للفعل3، كقوله تعالى:
{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ}4 {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُون}5. وقد جاء بأنْ لا قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَه}6 . و"صبر" بمعنى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 آل عمران آية 37.
2 سورة طه 117 .
3  أي المصدرية. وأكثرهم لم يثبت ورود لو مصدرية. وممن أثبته الفراء والفارسي والعكبري وابن مالك. انظر مغني اللبيب  ص 294.
4 سورة القلم آية 9.
5 1لنساء 89 .
6 البقرة 266.

 

ص -149-      يصبر، أي وددنا أن يصبر". انتهى كلام أبى البقاء.
قلت: وبقى فيه أشياء منها قوله: "موسى بني إسرائيل":
فيـه إضافـة العلم وهو"موسى" إلى بني إسرائيـل. والقاعـدة النحوية أن العلم لا يضاف لاستغنائه بتعريف العلمية عن تعريف الإضافة، إلا أنه جاء إضافة العلم قليلاً في قول الشاعر:
علا زيْدُنا يومَ النَّقا رأسَ زَيْدِكُـم 1
فأوّل على أنه تُخُيّل فيه التنكير لوقوع الاشتراك في مسمَّى هذا اللفظ، وكذا يؤول في هذا الحديث.
قال ابن الحاجب 2: "شرط الإضافة الحقيقية تجريد المضاف من التعريف".
قال الرضي3: "فإن كان ذا لام حذفه لامه، وإن كان علماً نكّر بأن يجعل واحداً من جملة من سمّي بذلك اللفظ... قال: وعندي أنه يجوز إضافة العلم مع بقاء تعريفه، إذ لا منع من اجتماع التعريفين كـما في النداء، نحو: يا هذا، ويا عبد الله  . وذلك إذا أضيف العلم إلى ما هو متصف به معنى، نحو: زيدُ الصدّق، ونحو ذلك. وإن لم يكن في الدنيا إلا زيد واحـد. ومثله قولهم: مُضمرُ الحمراء4، وأنـمارُ الشّـاء وزيـدُ الخيل5. فإن الإضافة فيها ليست للاشتراك المتفق… انتهى.
وقوله: "ما نَقَصَ عِلْمي وعلمُك مِنْ عِلْمِ الله   إلا كنقرةِ هذا العصُفورِ مِنْ هذا البحْر"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 صدر بيت لرجل من طيء ـ وعجزه: بأبيض ماضي الشفرتين .
ويوم النقا: يوم الحرب عند النقا وهو الكثيب من الرمل.
انظر العينى على الأشمونى 2/243، شرح الكافية 1/ 274، مغنى اللبيب ص 53، حاشية الأمير 1/50، خزانة الأدب 2/224.
2   شرح الكافية 1/274.
3   العلامة رضي الدين محمد بن الحسن الاستراباذي المتوفي سنة 686 هـ. قال عنه السيوطي: صاحب شرح الكافية لابن الحاجـب، الذي يؤلف عليها بل ولا في غالب كتب النحو مثلها جمعاً وتحقيقاً وحسن تعليل.
انظر بغية الوعاة 1/576 وللرضي أيضا شرح قيم على الشافية لابن الحاجب.
4 مًضر الحمراء وربيعـة الفرس وإيـاد الشمطاء وأنمار المضل أولاد نزار، وردت قصتهم في مجمع الأمثال للميداني عند ذكر المثل "إن العصا من العصبية" ج ا ص 14 لتحقيق محي الدين عبد الحميد.
5 زيد الخير هو ابن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي النبهاني كان يدعى زيد الخيل لشجاعته فسماه النبي صلى الله عليه وسلم لما وفد عليه في سنة تسع من الهجرة زيد الخير لأنه بمعناه، وأثنى عليه، وأقطعه أرضين.
انظر تاج العروس (مادة خيل)، السيرة النبوية لابن هشام- القسم الثاني ص 577.

 

ص -150-      ليس هذا الاستثنـاء على ظاهـره، لأن علم الله لا يدخله النقص، فقيل "نقص" بمعنى أخـذ، وهـو توجيـه حسن، فيكون من باب التضمين1، ويكون التشبيه واقعاً على الآخذ لا على المأخـوذ منـه. وقيل المراد بالعلم المعلوم بدليل دخول حرف التبعيض، لأن العلم القائم بذات الله تعالى صفة قديمه لا تتبعض، والمعلوم هو الذي يتبعض. وقيل هو من باب قول الشاعر:
ولا عَيْـبَ فيـهـم غيرَ أنّ سيـوفـهُـم
بهنّ فُلولٌ مِنْ قِراع الـكـتـائـب 2
لأن نقر العصفور لا يُنقص البحر. وقيل "إلا" بمعنى "ولا"، أي ولا كنقرة هذا العصفور3. كـما قيل بذلك في قوله تعالى:
{لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}4، أي ولا الـذين ظلموا. لكن قال أبـو حيان في البحر5: "إن إثبات "إلا" بمعنى "ولا" لا يقوم عليه دليل.
وقوله : "إني على عِلْم من عِلْم الله". "على" هنا للاستعلاء المجازى.
وقوله: "فبينما هُمْ في ظلِّ صَخْرة في مكانٍ ثَرْيان"6.
قال ابن مالـك في توضيحـه7: "[ثَرْيـان]، هو بلا صرف، وفيـه شاهـد على أن منـع أصرف، فَعْـلان ليس مشـروطـا بأن يكـون له مؤنث على فَعْلى، بل شرطه ألا تلحقه تاء التأنيث، ويستـوي في ذلـك مالا مؤنث له من قبـل المعنى "لَحْيان"8 ومالا مؤنث له من قبل الوضع كـ"ثَرْيان"، وما له مؤنث على فَعْلى في اللغة المشهورةكـ"سَكْران"". انتهى.
 وقال الكرمانى9: "اللام في قوله (لَوَدِدْنا) جواب قسم محذوف. و(لوصَـبَر) في تقدير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال أبو هشام. قد يشربون لفظا معنى لفظ يعطونه حكمه، ويسمى ذلك تضميناً. انظر مغنى اللبيب ص 762
2  البيت للنابغة الذبياني في ديوانه ص 60- بتحقيق د. شكري فيصل. ويستدل به في علم البلاغة على تأكيد المدح بما يشبه الذم- انظر الإيضاح للقـزوينى ص 524 بتحقيق د. خفاجي. والبيت من شواهد سيبويه 2/ 326 بتحقيق هارون، وهمع الهوامع 3/ 281 بتحقيق عبد العال سالم. وخزانة الأدب 3/327 بتحقيق هارون.
3 الكلام كلّه مأخوذ من ابن حجر في فتح الباري 1/ 220 بتصرف يسير، دون إشارة.
4  سورة البقرة: آية 150.
5  البحر المحيط 1/442.
6 ثريان: أي فيه بلل أوندى.
7  شواهد التوضيح والتصحيح ص 156.
8  لحيان: كبير اللحية. قال الأشموني 3/232: وفيه خلاف والصحيح منع صرفه.
9 صحيح البخاري بشرح الكرماني 2/145

 

ص -151-      المصدر، أي والله لوددنا صبر موسى. وهذا حكم كلّ فعل وقع مصدّراً بلو بعد فعل المودّة. قال الـزمخشرى في قولـه تعـالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ}1ودّوا إدهانـك2. و(يُقَصّ) بصيغـة المجهول. و(مِنْ أمرهما) مفعول ما لم يسمّ فاعله".  [انتهى كلام الكرمانى].
5- حديث:
"فُرِجَ سَقْفُ بيتي"3 الحديث.
وفيه "ثم جاء بطَسْتٍ مِنْ ذَهَب مملوءاً حِكْمةً وإيـماناً فأفْرغَها في صدري".
قال أبـو البقاء4: ""مملوءًا" بالًنصب على الحال. وصاحب الحال "طَسْت" لأنه وإن كان نكرة فقد وصف بقوله "مِنْ ذَهَب" فقرب من المعرفة ويجوز أن يكون حالا من الضمير في الجـار، لأن تقـديره بطَسْتٍ كائنِ من ذهب أو مصـوغ من ذهب، فنقـل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار. ولو روي بالجَر جاز على الصفة. وأما "حكمة وإيمانا" فمنصوبان على التمييز".
قال: "والطَّسْت مؤنث ولكنـه غير حقيقي، فيجـوز تذكـير صفتـه حملاً على معنى الإناء" انتهى.
6- حديث:
"أتَدري أي آيةٍ في كتابِ الله مَعكَ أعْظَمُ"5.
قال أبـو البقاء6: "لا يجوز في "أيّ" هاهنا إلا الرفع على الابتداء و"أعظم" خبره. و"تـدرى" معلّق عن العمل7، لأن الاستفهام لا يعمل فيه الفعل الذي قبله، وهو كقوله تعالى:
{لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى}8".
وفي حديث عمـران بن حصـين "أتـدرون أيُّ يوم ذاك"9: "أيّ " مبتـدأ، و"ذاك "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 1لقلم:9.
2 الكشاف 4/ 142.
3 - الحديث: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب مملوءا حكمة وإيماناً فأفرغها في صدري ثم أطبقه". مسند أحمد 5/ 0122 البخاري: كتاب الصلاة- باب كيف فرضت الصلوات 1/458 من فتح الباري.
4 إعراب الحديث النبوي: 7.
5  - تكملة الحديث عن أبي قلت:
"الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر". مسند أحمد 5/143. مسلم: فضائل القرآن 6/93 بشرح النووي. أبو داود: ما جاء في آية الكرسي رقم الحديث1410.
6 إعراب الحديث النبوي: الحديث الثالث.
7 التعليق عن العمل يخص المتصـرف من الأفعـال القلبيـة، وهو إبطال عملها في اللفظ دون التقدير، لاعتراض ما له صدر الكلام بينها وبين معموليها. انظر: شذور الذهب365.
8 1لكهف:12.
9  مسند أحمد 4/ 435، وفي إعراب الحديث للعكبري برقـم 323.

 

ص -152-      خبره. وقيل "ذاك " المبتدأ، و"أيّ " الخـبر. ولا يجوز نصبه بتدرون البتة".انتهى.
7- حديث:
"أنـه سأل رسـول الله صلى الله عليه وسلم عن سورة وعده أن يعلمـه إياها، فقال أبيّ: "فقلت: السورةَ التي  قلت لي"1.
قال أبو البقاء2 : "الوجه النصب على تقدير اذكر لي السورة، أو علمني. والرفع غير جائز إذ لا معنى للابتداء هنا".
8- حديث:
"كـان رسـول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنـا إذا أصْبَحْنا أصْبَحْنا على فِطْرَةِ لإسلام،وكلمة الإخلاص، وسنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وملّة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشرَكين"3.
قال أبـو البقاء4: "تقديره: يعلّمنا إذا أصبحنا أن نقول أصبحنا على كذا، فحذف القول للعلم به، كـما قال تعالى:
{وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُم}5 أي يقولون سلام عليكم".
قال الشيـخ عز الـدين بن عبـد السلام6 في أماليه7: "على" إذا استعملت نحو قوله تعالى:
{أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ}8 تدل على الاستقرار والتمكن من ذلك المعنى، لأن الجسم إذا علا شيئاً تمكن منه، واستقر عليه".
 9- حديث
"كأيّنْ تقـرأ سورةَ الأحزاب أو كأيِّن تعـدُّهـا؟ قال: ثلاثـا وسبعين آية.قال: قط"9.
 [كأيّن وقـط]
قال أبو البقاء10: "أمّا "كأيّنْ" فاسم بمعنى كم. وموضعها نصب بتقرأ أو تعد. وقوله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  مسند أحمد 5/114 وفي آخر الحديث
(…فقرأت الفاتحة الكتاب، قال: هي هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم).
2 إعراب الحديث النبوي: 6.
3 - مسند أحمد 5/123.
4 إعراب الحديث: رقم 8.
5 الرعدة 23-24.
6 الشيخ عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء ولد سنة 577 هـ وبرع في الفقه والأصول والعربية ألقى التفسير بمصر دروساً، وهـو أول من فعـل ذلـك. من مصنفاته: تفسير القران، القواعد الكبرى والصغرى توفي بمصر سنة 660 هـ. انظر حسن المحاضرة 314 ـ316.
7 الفوائد في مشكل القرآن للعز بن عبد السلام تحقيق د. رضوان الندوي ص 29.
8 البقرة: 5.
9 - مسند أحمد 5/ 132 الحـديـث عن زر بن حبش قال، قال لي أبي "كأيّن تقرأ سورة الأحزاب أو كأيّن تعدها؟ قال، قلت لي ثلاثاً وسبعين آية. فقال: قط، لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة…"
10  إعراب الحديـث: 9.

 

ص -153-      "ثـلاثـاً وسبعـين" منصـوب بتقـدير أعدّها ثلاثاً وسبعين، فهو مفعول ثانٍ . وأما "قطّ" فاسم مبنى على الضم، وهو للزمـان الماضي خاصـة. ومنهم من يضمّ القاف، ومنهم من يفتح القاف ويخفف الطاء ويضمّها. ولا وجه لتسكينها هنا. والتقدير: ما كانت كذا قط". انتهى.
قلت: في "كأيِّن" خمس لغات. قال ابن مالك في الكافية الشافية 1:
وفي كأيِّنْ قيل كائِنْ وكَإنْ    
وهكذا كَـيَن وكأيِنْ فاسْتَبِنْ
وقـال في شرحهـا: "أصلها "كأيِّنْ " وهي أشهرهـا، وبها قرأ السبعة إلا ابن كثير2. ويليها "كـائِنْ" وبها قرأ ابن كثير، و البواقي لم يقرأ بشيء منها في السبع. وقرأ الأعمش3 وابن مُحيصن4  "وكأيِنْ" بهمزة ساكنة بعد الكاف وبعدها ياء مكسورة خفيفة، وبعدها نون ساكنة في وزن "كَعْيِنْ" ولا أعرف أحداً قرأ باللغتين الباقيتين".
وقـال ابن الأثـير5في النهايـة6 في هذا الحديث: "قوله "أقط " بألف الاستفهام. أي أحَسْب. قال: ومنه حديث حيْوة بن شُرَيح7: "لقيت عقبة بن مسلم8 فقلت له: بلغني أنك حدّثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل المسجد:
"أعـوذ باللّه العظيم وبوجهـه الكـريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم"9 قال: أقط؟ قلت: نعم".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شرح الكافية الشافية 4/1702 وانظر في مغني اللبيب 203.
2 "وكأين من نبي… " آل عمران 146 وابن كثير هو عبد الله به كثير المكي من التابعين توفى بمكة سنة 120هـ. انظر البدور الزاهرة للمرحوم القاضي ص 8.
3  الأعمش. هو أبو محمد سليمان به مهران الأعمش الأسدي الكوفي الإمام الجليل كان ورعاً واسع الحفظ للقرآن، ولد سنة 60 هـ ومات سنة 148هـ. انظر: القراءات الشاذة للمرحوم القاضي ص 16-17.
4  ابن محيصن: هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي مولاهم المكي، مقروء أهل مكة مع ابن كثير. ثقة، روى له مسلم، وكـان عالمـاً بالعـربية كان له اختيار في القراءة على مذهب العربية فخرج به عن إجماع أهل بلده. مات سنة 23 ا هـ انظر. القراءات الشاذة ص 11.
5 المبارك بن محمد أبو السعادات الجزري المشهور ببن الأثير، من مشاهير العلماء ولد سنة 544 هـ وانتقل إلى الموصل وأخذ النحـو عن ابن الدهان وتنقل في الولايات وكتب في الإنشاء. ومن مصنفاته: النهاية في غريب الحديث، جامع الأصول من أحاديث الرسول، البديع في النحو. مات  سنة 606 هـ. انظر: بغية الوعاة 2/ 274-275.
6 النهاية في غريب الحديث 4/ 79.
7 حيـوة به شريـح: شيخ الـديار المصرية، روى عن عقبة بن مسلم وغيره. وثقه أحمد بن حنبل وغيره توفى سنة 158 هـ.
انظر. تذكرة الحفاظ للذهبي 1/185-186.
8 عقبة بن مسلم التجيبي إمام المسجد العتيق بمصر. روى عن ابن عمر وغيره. توفى حوالي سنة 120هـ. انظر: تهذيب التهذيب 7/249-250
9  أبو داود كتاب الصلاة باب 18 رقم الحديث 466 تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.

 

ص -154-      وقال الأندلسي1 في شرح المفصَّل: "قط" مخففة ومشدّدة. فالمخففة معناها. حَسْب، وهي مسكنّـة مبنيّة لوقـوعها موقع فعل الأمر. والمشدّدة معناها ما مضى من الزمان. وبُنيت لأنها أشبهت الفعـل الماضي، إذ لا تكـون إلا له، ولأنها تضمنت معنى "في"، لأن حكم الظرف أن يحسن فيـه "في"، ولماّ لم يحسن ظهوره هنا مع أنه اسم زمان دل على أنها مضمنة لها، وحرِّكت لالتقاء الساكنين، وضمّت لأنها أشبهت "مُنْذُ" لأنها في معناها، فإذا قلت: ما رأيتُه قطُّ، فمعناه: ما رأيته منذُ كنت. انتهى.
10- حديث:
"أنهم جمعوا القرآن في مصـاحف في خلافـة أبي بكـر، وكـان رجـال يكتبون، وُيمِلُّ عليهم.."2.
قال أبو البقاء3: "يُملُّ" لما بضمِ الياء لا غير، وماضيه أمَلَّ. وفي القرآن "أولا يَسْتطيع أنْ يُملَّ هو"4. وفيه لغة أخرى: أمْلى يُمْلي، ومنه قوله تعالى: {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ} 5. 
قلت: ذكر أن أملَّ يُمِلّ لغة الحجازيين، وأمْلى يُمْلي لغة [تميم]6.
11- حديث:
"لمّا كان يومُ الفتْح قال رجل: لا قُريْشَ بعْدَ اليوم"7.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1 القـاسم بن أحمد اللورقي الأندلسي (575-661 هـ) إمـام في العربية ، عالم بالقراءات، يعرف الفقه والأصول. شرح المفصل في أربعة مجلدات، وسماه الموصّل. كـما شرح الجزولية والشاطبية. انظر: بغية الوعاة 2/  250، كثف الظنون 2/1770.
2 - مسند أحمد 5/134 والرواية فيه "ويملي عليهم".
3  إعراب الحديث: رقم 10.
4  البقرة آية 282.
5  الفرقان آية5.
6 قال أبو حيان: أملَّ وأملى لغتان الأولى لأهل الحجاز وبني أسد، والثانية لتميم. البحر المحيط 2/ 342.

 [دخول لا النافية للجنس على المعرفة]
قلت: هو من مشاهير الأحاديث التي تكلمت النحاة على تخريجها، لدخول "لا" فيه على المعـرفـة، وبنائها معها على الفتح، وذلك على خلاف القاعدة. ومثله قول عمر بن الخطاب "قضية ولا أبا حسنٍ لها" في أشياء أخر. ونسوق كلام النحاة في ذلك.
قال ابن مالك في شرح الكافية: "يُتَأوَّل العلم بنكرة فيجعل اسم لا مركباً معها إن كان مفردًا, كقول الشاعر:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
7 - مسند أحمد 5/135.

 

ص -155-      أرى الحـاجـاتِ عنْـدَ أبـي خُبـيْـبٍ
نكِـدْن ولا أمـيَّـة في الـبــــــلاد1
وكقول آخر:
لا هَيْثَمَ الليلةَ للمطيِّ 2
ومنصـوبـاً بها إن كان مضافـاً، كقولهم: قضيـةٌ ولا أبا حسن لها3. ولابدَّ من نزع الألف والـلام مما هما فيـه، ولـذلك قالوا: ولا أبا حسنٍ، ولم يقولوا: ولا أبا الحسن. فلو كان المضاف مضافاً إلى ما يلازمه الألف واللام [كعبد الله]4 لم يجز فيه هذا الاستعمال5.
وللنحويين في تأويـل العلم المستعمل هذا الاستعمال قولان: أحدهما أنه على تقدير إضـافـة "مِثْـل" إلى العلم، ثم حُذف "مِثْـل" فخلفـه المضافُ إليـه في الإعراب والتنكير. والثاني أنـه على تقـدير: لا واحد من مسمّيات هذا الاسم. وكلا القولين غير مرضي، أما الأول فيـدل على فسـاده أمران: أحـدهما التزام العرب تجرد المستعمل ذلك الاستعمال من الألف والـلام، ولـو كانت إضافة "مثل" منوية لم يحتج إلى ذلك. الثاني: إخبار العرب عن المستعمل ذلك الاستعمال بمثل، كقول الشاعر:
تُبـكّـي على زيْـدٍ ولا زيْـدَ مِثْـلهُ                
برئ من الحُـمَّى سليـمُ الجـوانـــــح6
فلو كانت إضافة "مثل" منوية لكان التقدير: ولا مثل زيد مثله. وذلك فاسد.
وأمـا القـول الثاني فضعفـه بينِّ لأنـه يستلزم أن لا يستعمـل هذا الاستعمال إلاّ علم مشترك فيه كزيد، وليس ذلك لازماً، كقولهم: لا بَصْرَةَ لكـم، ولا قُريْشَ بعد اليوم، وكقول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لفضالة بن شريك الأسدي، وقيل لابن الزبير الأسدي من أبيات يهجو بها عبد الله بن الزبير. وأبو خُبيب كنية عبد الله بن الـزبـير، وكـان بخيلا. انظر: سيبويـه 2/297, شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي 1/ 569، الأصول لابن السراج 1/ 466، المقتضب للمبرد 4/ 362، همع الهوامع 2/ 195، شرح الأشموني 2/ 4.
2 شطر رجز  لم يعرف قائله، وهو من شواهد سيبويه 2/ 296، والمقتضب 4/ 362، والأصول لابن السراج 1/ 465 وهمع الهوامع 2/ 195 والأشموني 2/ 4 وخزانة الأدب 2/ 57.
3  انظر سيبويـه 297/2. وقـال الأشمـونى 2/ 4: هو نثـر من كلام عمر في حقّ علي رضي الله عنهما كـما في شرح الجامع، لشطر بيت، ولهذا لم يذكره العيني في شواهده، وصار مثلا يضرب عند الأمر العسير...
4 أثبتها من شرح الكافية الشافية.
5 قال البغدادي لا الخزانة 4/58: رأيت في (تذكرة أبي حيان) ما نصّه: قال الفرّاء: من قال قضية ولا أبا حسن لها لا يقول ولا أبا الحسن، بالألف واللام، لأنها تمحض التعريف في ذا المعنى وتبطل مذهب التنكير. وقال: إنما أجزنا "لا عبدَ الله لك" بالنصب لأنه حرف مستعمل، يقال لكل أحد عبد الله، ولا نجيز لا عبدَ الرحمن ولا عبدَ الرحيم، لأن الاستعمال لم يلزم هذين كلزومه الأول وكان الكسائى يقيس عبد الرحمن وعبد العزيز على عبد الله، وما لذلك صحة. أهـ.
6 قائله مجهول، انظر: همع الهوامع 2/196، حاشية يس على التصريح 1/236.

 

ص -156-      النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده"1.
وإنما الوجه في هذا الاستعمال أن يكون على قصد: لا شيء يصدق عليه هذا الاسم كصدقه على المشهور به، فضمّن العلم هذا المعنى، وجُرِّد لفظُه مما ينافي ذلك.
انتهى كلام ابن مالك في شرح الكافية.
وقـال في شرح التسهيـل2: قد يؤوّل العلم بنكرة، فيركبّ مع "لا" إن كان مفرداً، وينصب بها إن لم يكن مفـرداً، فالأوّل كقـول النبي صلى الله عليه وسلم:
"إذا هلك كسـرى فلا كسـرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده" وكقول الشاعر:
أرى الحـاجـات عنـد أبـي خُبـيـبٍ 
نكـدْن ولا أمـيَّـة بالـبــلاد3
وكقول الراجز:
إنَّ لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكـم 4
والثاني نحو: "قضيةٌ ولا أبا حسنٍ لها". لما أوقعوا العلم موقع نكرة جرّدوه من الألف والـلام إذ كانتـا فيـه، كقوله: ولا عُزَّى لَكم. أو فيما أضيف إليه كقولهم: ولا أبا حسن. فلو كان العلم "عبـد الله" لم يعـامـل بهذه المعـاملة للزوم الألف والـلام، وكذا عبد الرحمن على الأصحّ لأن الألف واللام لا ينزعان منه إلا في النداء.
وقـدّر قوم العلم المعـامـل بهذه المعاملة مضافاً إليه ["مثل" ثم]5 حذف مضافه وأقيم العلم مقـامـه في الإعراب والتنكـير، كـما فُعل بأيـدي سبـا في قولهم: "تفرّقوا أيدي سبا"6 يريدون مثل أيدي سبا، فحذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه في النصب على الحال. وقـدّره آخرون بلا مسمَّى بهذا الاسم، أو بلا واحـد من مسمّيـات هذا الاسم. ولا يصـحّ واحد من التقديرات الثلاثة على الإطلاق.
أما الأول فممنوع من ثلاثة أوجه: أحدهما: ذكَر "مثْل" بعده كقول الشاعر:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
"إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده "انظر فتح الباري 6/219.
2  شرح التسهيل لابن مالك مصور في الجامعة الإسلامية عن مخطوطة دار الكتب  ورقة 75-76.
3  ما بين المعقوفتين من شرح التسهيل لابن مالك وقد مرّ ذكر البيت قريباً.
4  قاله أبو سفيان به حرب بعد انتهاء غزوة أحد، وهو يومئذ مع المشركين. انظر: فتح الباري 7/ 349 كتاب المغازي، ولم يذكر إنَّ في أوله. وذكره أبن مالك في شرح التسهيل 1/195 من المطبوع هكذا: إنّ لنا عُزّى ولا عزّى لكم.
 5 ما بين المعقوفين من شرح التسهيل- المخطوط.
6  في القـاموس (مـادة سبأ): تفرقـوا أيدي سبا وأيادي سبا تبدّدوا. ضرب المثل بهم لأنه لما غرق مكانهم وذهبت جـناتهم تبددوا في البلاد.

 

ص -157-      تبكى على زَيْدٍ ولا زيْدَ مِثْله
فتقـدير"مثـل" قبـل زيـد مع ذكـر"مثل" بعده وصفاً أو خبراً يستلزم وصف الشيء بنفسـه، أو الاخبـار عنـه بنفسـه وكـلاهما ممتنـع. الثاني: أن المتكلم بذلك إنما يقصد نفي مسمَّى العلم المقـرون بلا، فإذا قدّر"مثـل" لزم خلاف المقصـود، لأن نفي مثـل الشيء لا تعـرّض فيـه لنفي ذي المثـل. الثالث: أن العلم المعامل بها قد يكون انتفاء مثله معلوماً لكل أحد فلا يكون في نفيه فائدة نحو: لا بصرة لكم.
[و أمـا التقـدير الثاني والثالث فلا يصح اعتبارهما مطلقا، فإنّ]1 من الأعلام المعاملة بذلك ماله مسمّيات كثيرة كأبي حسن، وقيصر. فتقدير ما كان هكذا بلا مسمَّى لهذا الاسم أو بلا واحد من مسمّياته لا يصح لأنه كذب.
فالصحيـح أن لا يقـدّر هذا النـوع بتقـديـر واحد، بل يقدّر ما ورد منه بـما يليق به وبما يصلح له، فيقـدر"لا زيـد مثله" بلا واحـد من مسميات هذا الاسم مثله، ويقدّر"لا قُريش بعد اليوم" بلا بطن من بطون قريش بعد اليوم، ويقدّر"لا أبا حسن لها" و"لا كسرى بعده" و"لا قيصر بعـده" بلا مثـل أبي حسن، ولا مثـل كسـرى ولا مثل قيصر، وكذا لا أمية ولا عُزَّى. ولا يضرّ في ذلك عدم التعرّض لنفي المثل. فإن سياق الكلام يدلّ على القصد.
انتهى.
وقـال الـرضيّ2: أعلم أنـه قد يؤول العلم المشتهر ببعض الخـلال بنكـرة فينصب بـ "لا" التبرئة، وينزع منه لام التعريف إن كان فيه، نحو: "لا حسنَ" لا الحسن البصري، و"لا صَعِقَ" في الصَّعق3. أو مما أضيف إليه نحو: "لا أمرأ قيس" و"لا ابنَ زبير". ولا تجوز هذه المعاملة في لفظي عبد الله وعبد الرحمن، إذ الله والرحمن لا يطلقان على غيره تعالى حتى يقدّر تنكرهما قال:
لا هيثمَ الليلةَ للمطيّ
وقال:
أرى الحـاجـاتِ عنـد أبـي خُبـيـبٍ          
نكـدْنَ ولا أمـيـةَ في الـبـلاد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ما بين المعقوفتين من شرح التسهيل.
2 شرح الكافية 1/259-260.
3 الصَّعِق. الشديد الصوت. ولقب خويلد بن نُفيل، فارسي لبني كلاب (القاموس المحيط. صعق).

 

ص -158-      ولتأويله بالمنكر وجهان: إما أن يقدر مضاف هو"مثل"، فلا يتعرف بالإضافة لتوغله في الإبهام، وإنـما يجعـل في صورة المنكـر بنزع اللام، وإن كان المنفي في الحقيقة هو المضاف المـذكـور، الذي لا يتعرف بالِإضافة إلى أي معرف كان، لرعاية اللفظ وإصلاحه. ومن ثمّ قال الأخفش1 على هذا التأويل يمتنع وصفه لأنه في صورة النكرة، فيمتنع وصفه بمعرفة، وهو معرفة في الحقيقة فلا يوصف بنكرة. وإما أن يجعل العلم لاشتهاره بتلك الخلة كأنه اسم جنس موضـوع لإفـادة ذلـك المعنى، لأن معنى "قضية ولا أبا حسن لها": ولا فَيْصلَ لها، إذ عليّ رضي الله   عنه كان فيصلا في الحكومات على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقضاكم عليّ"2 فصار اسمـه كالجنس المفيـد لمعنى الفصل والقطـع، كلفـظ الفيصل، وعلى هذا يمكن وصفـه كالمنكر. وهذا كـما قالوا: "لكل فرعون موسى"، أي لكل جبّار قهّار، فيصرف موسى وفرعون لتنكيرهما بالمعنى المذكور. انتهى.
12- حديث:
"إن مَطْعَمَ ابْنِ آدمَ جُعِلَ مثلا للدُّنيـا، وإنْ قزَّحَهُ3 وملَّحَهُ، فانظروا إلى ما يصير"4.
قلت: "مـا" موصـولة وعائدها محذوف، لأنه جُرّ بمثل الحرف الذي جرّ الموصول به، والتقدير: إلى ما يصير إليه، ونظر به يتعدى.
13- حديث:
"جاءت الرّاجفةُ تتْبعُها الرادفة"5.
قلت: هذه الجملة الفعلية حال من الراجفة.
وقوله: "جاء الموت بما فيه".
جملة الجار والمجرور حال من الموت، والباء للمصاحبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو الحسن سعيد بن مسعدة، الأخفشي الأوسط، سكن البصرة وقرأ النحو على سيبويه دخل بغداد وناظر الكسائي. من مصنفاته: معاني القرآن. انظر بغية الشاة 1/ 590، معاني القرآن للأخفشي تحقيق د. فايز فارس  جـ 1/ الدراسة.
2 قال عبد القادر البغدادي في تخريج أحاديث شرح الكافية ورقة 19: "أقضاكم علي" أخرجه ابن ماجة عن ابن عمر لكن بلفظ أرحم أمتي أبو بكر وأقضاهم على. وقال السخاوي في المقاصد: لم أقف على حديث "أقضاكم على" مرفوع. ويروي في المرفوع عن أنس "أقضى أمتي على". ما أورده البغوي في المصابيح وأخرجه الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علىّ. وقال إنه صحيح ولم يخرجاه.
أقول وفي البخاري8/167 من فتح الباري، ومسند أحمد 5/113 قال عمر: " أقرؤنا أبي وأقضانا عليّ ".
3 قال ابن الأثـيرفي النهايـة 4/58: "وإن قزًحـه وملّحـه " أي توبله من القزح وهـو التابل الذي يطرح في القدركالكموّن والكًزبرة ونحو ذلك. يقال: قزّحت القدر إذا تركت فيها الأبازير.
4 - مسند أحمـد 5/136.
5 - مسند أحمد 5/136، وفي الترمذي: أبواب صفة القيامة 4/53 رقم الحديث 2574.

 

ص -159-      14- وقوله: "أرأيتَ إن جَعَلْتُ صَلاتي كلّها عليك". "أرأيت" هنا بمعنى أخبرني. وقـولـه : "إذنْ يكْفِيَك الله ما أهمّك مِنْ دنياك وآخرتِك"1. "إذن" هنا للجواب والجزاء معا، وهي ناصبة للفعل لاستيفائها الشروط من التصدّر وغيره 2.
15- حديث:
"مثلي في النبيين كمثـل رجـل بنى دارا فأحْسَنها وأكْمَلَها وتركَ فيها مَوْضِعَ لَبِنَةٍ لم يَضَعْها، فجعل الناسُ يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون: لو تمَّ موضعُ اللبنة"3.
قلت: "جعل" لها معان: أحدها: الشروع في الفعل، كأنشأ وطفق، ولها اسم مرفوع وخبر منصـوب، ولا يكـون غالبا إلا فعلا مضارعا مجرّدا من أنْ، وهي في هذا الحديث بهذا المعنى. قال ابن مالـك4: وقـد يجيء جملة فعليـة مصـدرة بإذا كقول ابن عباس: "فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا"5.
    الثاني: بمعنى اعتقد، فتنصب مفعولين نحو:
{وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً}6.
    الثالث: بمعنى صيرّ، فتنصب مفعولين أيضاً، نحو:
{فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} 7.
    الرابع: بمعنى أوجد وخلق، فتتعدى إلى مفعول واحد، نحو:
{وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور}8.
    الخامس: بمعنى أوجب، نحو: جعلتُ للعامل كذا.
    السادس: بمعنى ألقى، كجعلتُ بعض متاعي على بعض.
16- حديث:
"قال مَعْبَد: أيْ رسولَ الله  ، يُخْشى علىَّ مِنْ شبهه"9.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - عن أبي قال (قـال رجـل: يا رسـول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلّها عليك. قال:
إذاً يكفيك الله   تبارك وتعالى ما من دنياك وآخرتك). انظر: مسند أحمد 5/136.
2 شروط النصب بإذن ثلاثة: الأول: أن يكون الفعل مستقبلا، الثاني: أن تكون مصدرة. الثالث: أن لا يفصل بينها وبين الفعل بغير القسم. انظر شرح الأشموني 4/ 287 ـ 288.
3 ـ تكملته
" فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة"  الترمذي: المناقب 5/246 رقم الحديث 3692. مسند أحمد 5/137.
4  انظر شواهد التوضيح ص 78.
5 البخاري: كتاب التفسير/ سورة الشعراء. انظر فـتح الباري 8/501.
6 1لزخرف:19.
7  الفرقان: 23.
8 1لأنعـام:1.
 9-حديث طويل في مسند أحمد 5/137 ـ 138.

 

ص -160-      قال أبو البقاء 1: "أيْ" بفتح الهمزة وتخفيف الياء، مقلوب "يا" وهو حرف نداء.
17- حديث شرح الصدور2.
قال أبو البقاء3: "قوله: فرجعتُ بها أغدو بها رقّةً على الصغير ورحمةً للكبير" تقديره ذا رقة وذا رحمة. وهو منصوب على أنه خبر أغدو، وهى من أخوات كان، فحذف المضاف ونصب المضاف إليه".
قلت: ويجوز أن يكون النصب على الحال.
18- حديث:
"إذا كان يومُ القيـامـة كنتُ إمـام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر"4.
قلت: "كـان" في أول الحـديث تامـة بمعنى وجـد. و"يـومُ القيامة" بالرفع فاعلها.و"كان" الثانية ناقصة. والتاء اسمها. و"إمام" خبرها وقوله "غير فخر" منصوب على الحال. قال التوربشتي: "إمام النبيين" بكسر الهمزة. والذي يفتحها وينصبه على الظرف لم يصب.
وقـال الـرافعي في تاريـخ قزوين5: "قوله وصاحب شفاعتهم" يجوز أن يقال معناه: وصاحب الشفاعة العامة بينهم. ويجوز أن يريد وصاحب الشفاعة لهم".
19- حديث:
"يوشك الفراتُ أن يحْسرَ عنْ جبل من ذهب"6.
قال ابن مالك: "اقتران خبر "أوشك" بأنْ أكثر من تجريده منها، بعكس كاد، كقوله:  
ولو سُئِـلَ النـاسُ الـتراب  لأوشكوا   
إذا قيـل هاتـوا أن يَملُّوا وَيمْنَعُـوا 7

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 إعراب الحديث : رقم 11 .
2 ـ حديث طويل عن أبي، انظر مسند أحمد 5/139.
3 إعراب الحديث: رقم 12.
4 - مسند أحمد 137/5، 138. وفي الترمذي: المناقب 5/247 برقم 3692 وفي ابن ماجة برقم4314.
5 الـتدوين في أخبـار قزوين للإمـام أبي القـاسم عبـد الكـريم بن محمد الرافعي القزويني المتوفى السنة 623 هـ. انظر كشف  الظنون 382-383.
6 ـ مسند أحمد 5/ 139-140. وفي البخاري. كتاب الفتن13 /78 من فتح الباري. وفي مسلم بشرح النووي: كتاب الفتن 18/19.
7  استشهد به ابن مالك في شرح عمدة الحافظ ص 817. وهو من شواهد الأشموني 1/261 وأوضح المسالك1/311 وهمع الهوامع 2/140.

 

ص -161-      ومثال التجريد قوله:
يُوشِـكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِـيَّـتِـه              
في بَعْضِ غِرَاتِـه يُوافِـقُـهـا 1
قال: "واختص كاد وأوشك باستعمال مضارعهما. وسائر أفعال المقاربة لزمت لفظ الماضي"2.
قلت: ففي الحديث شاهد للأمرين معاً.
20- حديث: "صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  الصُّبح فقال: شاهدٌ فلان؟ فقالوا: لا"3.
قال أبـو البقاء4: "يريـد الهمزة فحـذفها للعلم بها. وهـو مرفـوع بأنه خبر مقدّم. و"فـلان" مبتـدأ، ويجـوز أن يكـون "شاهد" مبتدأ لأن همزة الاستفهام فيه مرادة. ولو ظهرت لكان مبتدأ البتة، و"فلان" فاعل يسدّ مسدّ الخبر". انتهى.
قلت: الحـديث أخـرجـه أبـو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ "أشاهد" بإثبات الهمزة فعرف أن إسقاطها من تصرّف الرواة.
وقوله: "صلّى بنا".
قال الِطّيبي5 : "أي أمَّنا. والباء إما للتعدية أي جعلنا مصلين خلفه، أو للحال أي صلى ملتبساً بنا".
وقوله:
"ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبْوا".
يحتمِل أن يكـون من باب حذف كان واسمها بعـد لو وهو كثير، والتقدير: ولوكان الإتيان حبوًا. ذكره الطّيبي قال: "ويجوز أن يكون التقدير: ولو أتوهما حابين، تسمية بالمصدر مبالغة".
قوله: "وإنّ الصف الأول على مثل صفّ الملائكة".
قال الطيبي6: "قوله "على مثْل " خبر إنّ، والمتعلق كائن".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  البيت لأمية بن أبي الصلت. وقد استشهد به ابن مالك في شرح الكافية 1/456 وفي شواهد التوضيح ص 144  وهو من شواهد سيبويه 3/ 161 والأشموني 1/ 262 وهمع الهوامع 2/ 135.
2   شرح عمدة الحافظ ص 823.
3 ـ مسند أحمد 5/140 ، 141 . أبو داود:فضل صلاة الجماعة رقم522.
4  إعراب الحديث: رقم 13.
5 شرح مشكاة المصابيح مخطوط في المكتبة المحمودية برقم 613 ج 2 ورقة 3.
6  شرح مشكاة المصابيح جـ2 ورقة 3.

 

ص -162-      21  - حديث الصدقـة1.
قولـه:
"فلما جمع إليّ مالـه لم أجـد عليـه فيه إلاّ ابنة مخاض، فأخـبرته أنها صدقته فقال: ذاك ما لا لَبَنَ فيه ولا ظَهْر".
قلت: الإشارة بذاك وهو صيغـة المـذكـر إلى ابنة مخاض وهي مؤنث. وكذا ضمير "فيه" عائد إليه. لأنه قد ينزل المؤنث منزلة المذكر على إرادة معنى الشخـص.
وقوله: "وقد عرضتُ عليه ناقةً فتيةً سمينةً ليأخذها، فأبى وردّها عليّ، وها هي ذه قد جئتُك بها".
قال ابن مالـك في شرح التسهيل2: "تفصـل هاء التنبيه من اسم الإشارة المجرد بأنا وأخـواتـه كثيراً كقـولك: ها أنا ذا، وها نحن أولاء إلى ها هن أولاء. ومنه قول السائل عن وقت الصلاة "ها أنا ذا يا رسول الله"3 وقوله تعالى:
{هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ}4"0 انتهى. 
وفي حديث جابر في الذي اخترط سيفه: "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال لي: مَنْ يمنَعُك منّي؟ قلت: الله. فها هو ذا جالساً"5. وفي حديث جُليبيب فقال: "يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه"6.
وقـال الأندلسي في شرح المفصل: "وأما قولهم "ها أنا" ونحوه، فـ"ها" عند سيبويه7داخله على الأسماء المضمرة. وعند الخليل8 مع الأسماء المبهمة في التقدير، على أنهم أرادوا أن يقولوا "هذا أنا" فجعلوا أنا بين ها وذا".
وقـال السـيرافي9:" "هـا" في هذه الحـروف للتنبيه، والأسماء بعدها مبتدآت، والخبر أسـماء الإشـارة ذا ونحـوه. وإن شئت جعلت أنت ونحـوه الخبر والإشارة هي الاسم". قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الحـديث عن أبي، وفيه قال: "بعثتي رسول الله عليه وسلم مصـدقـاً على بلى وعـذرة وجميـع بني سعـد…). مسند أحمـد5/ 142. أبو داود: زكاة السائمة برقم 1521.
2  شرح التسهيل لابن مالك 1/375.
3 في البخـاري السائـل عن السـاعـة قال "ها أنا يا رسول الله" فتح الباري 1/142 وفي مسلم بشرح النووي 4 /115بريدة أن السائل عن وقت الصلاة قال "أنا يا رسول الله ".
4  آل عمران 119.
5  رواه البخاري في كتاب الجهاد وكتاب المغازي عن جابر برواية "فها هو ذا جالس" انظر فتح الباري 6/97، 7/ 426.
6    مسند أحمد 4/422.
7   كتاب سيبويه 2/353.
8   كتاب سيبويه 2/ 354.
9   كتاب سيبويه2 /353 الحاشية. والسيرافي هو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرِزبان نسب إلى سيراف مدية بفارس، كان إماماً في النحو والفقه واللغة والشعر أخذ النحو عن ابن السراج شرح كتاب سيبويه شرحاً لم يسبق إلى مثله، توفى سنة 368 هـ انظر بغية الوعاة 1/507.

 

ص -163-        "وإنما يقول القائل: "ها أنا ذا" إذا طُلب رجلٌ لم يُدْر أحاضر هو أم غائب، فيقول المطلوب: ها أنا ذا، أي الحاضر عندك".
    قال ابن الأنبـاري1: "إنـما يجعلون المكنىّ بين "هـا" و"ذا " إذا أرادوا القـريب في الأخبار، فمعنى ها أنـا ذا ألقى فلانـاً: قد قرب لقائي إياه. قال: وقول العامة "هو ذا لقي فلاناً" خطأ عند جميعِ العلماء، لأن العرب إذا أرادت هذا المعنى قالوا: ها هو ذا يلقى فلاناً، وها أنا ذا ألقى فلاناً. وأنشد قول أمية:
     لبيكُما لبيكُما   
ها أنا ذا لديكمُا 2
    وقـال في موضـع آخـر: قولك "هـا أنا ذا" إنـما يقع جواباً لمن طلب إنساناً شك في أنه حاضـر أم غائب، فتقـول مجيبـاً له: "هـا أنا ذا"، ولا تقول مبتدئا "ها أنا" فتعرف بنفسك، لأنك إذا أشرت إلى نفسك بـ "ذا" فالإخبار "أنا" بعده لا فائدة فيه". انتهى.
    قوله: "فإن تطوّعت بخير".
    هو على الأصل. وجاء قوله تعالى:
{وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراًً}3بالنصب على إسقاط الخافض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، كان من أعلم الناس بالنحو واللغة والأدب. له مصنفات كثيرة منها: المذكر والمؤنـث، الزاهر، شرح القصائد السبع الطوال، إيضاح الوقف والابتداء. توفي ببغداد سنة 328 هـ. انظر بغية الوعاة 1/212.
2كلام ابن الأنباري هنـا مذكـور في كتابـه الزاهر 2/278-279 والبيت لأمية بن أبي الصلت. وانظر المذكر والمؤنث لابن الأنباري 738ـ 739.
3 البقرة: 158.

 مراجع هـذه الحلقـة
    ا- الأصـول في النحـو: لأبى بكـر بن السـراج، تحقيق د. عبد الحسـين الفتلي، الطبعة لأولى،مطبعة النجف1393 هـ 1973م.
    2- إعراب الحديث النبوي: العكبري، تحقيق د. حسن موسى الشاعر، الطبعة الأولى,عمان
    3- أوضـح المسـالـك إلى ألفية ابن مالـك: ابن هوام الأنصـاري، تحقيق الشيـخ محمد محمى الدين، الطبعة الخامسة- دار الجيل- بيروت 1399 هـ 1979 م.

 

ص -164-          4- الإيضاح: الخطيب القزويني، تحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي.
    5- البحر المحيط: أبو حيان، مطبعة السعادة 1328 هـ.
    6- البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة: المرحوم عبد الفتاح القاضي، الطبعة الأولى،  دار لكتاب العربي 1401 هـ1981 م.
    7- بغية الـوعـاة: السيوطى: تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- مطبعة عيسى الحلبي الطبعة
    الأولى 1384 هـ 1964 م.
    8- تاج العروس: الزبيدي.
    9- تخريـج أحـاديث شرح الكـافيـة: عبد القادر البغدادي، مخطوطة مصورة بالجامعة الإسلامية برقم 266 عن شهيد علي.
    10- تذكـرة الحفـاظ: الذهبي، مطبوعـات دائرة المعـارف العثـمانية، نشر دار إحياء التراث  العربي, بيروت.
    11- التصريح على التوضيح: الشيخ خالد الأزهري. دار إحياء التراث العربية، عيسى الحلبي.
    12- تهذيب التهذيب: ابن حجر, دار صادر عن الطبعة الأولى بحيدر آباد الدكن.
    13- حاشية الأمير على مغني اللبيب.
    14- حسن المحاضرة: السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 1387 هـ  1967 م
    15- خزانة الأدب: عبد القادر البغدادي، تحقيق عبد السلام هارون.
    16- ديوان النابغة الذيباني، تحقيق د. شكر فيصل.
    17- الزاهر: أبو بكر بن الأنباري، تحقيق د. حاتم الضامن, بغداد 1399 هـ 1979 م.
    18- سنن أبي داود: تحقيق محمـد محي الـدين عبـد الحميد. ومختصـر سنن أبي داود للحـافظ المنذري وعليه معالم السنن للخطابي، تحقيق أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي.
    19- سنن ابن ماجه: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة عيسى الحلبي.
    20- سنن الترمذي: تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان, مطبعة الفجالة الجديدة.
    21- السيرة النبوية: ابن هشام، تحقيق مصطفى السقا وجماعة، مطبعة الحلبي، الطبعة الثانية 1375 هـ 1955م.
    22- شذور الذهب: ابن هشام الأنصاري، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
    23- شرح أبيات سيبـويـه: ابن السيرافي، تحقيق د. محمد عاب سلطاني, دار المأمون للتراث،دمشق 1979 م.
    24- شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، ومعه حاشية الصبان، دار إحياء الكتب العربية.
    25- شرح التسهيـل: ابن مالـك، مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 15 ش نحو. ومنه مصورة بالجامعة الإسلامية برقم 1411.
    26- شرح التسهيل: ابن مالـك، الجـزء الأول، تحقيق د. عبد الرحمن السيد، الطبعة الأولى 1394 هـ 1974م القاهرة.

 

ص -165-          27- شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ: ابن مالك، تحقيق عدنان الدوري، بغداد 1397 هـ1977 م.
    28- شرح الكافية: الرضي. دارا لكتب العلمية, بيروت.
    29- شرح الكافية الشافية: ابن مالك، تحقيق د. عبد المنعم هريدي, منشورات جامعة أم القرى.
    30- شرح مشكـاة المصـابيح: الطيبي، مخطوط بالمكتبة المحمودية في المدينة المنورة، الجزء الأول برقم 548 والثاني برقم 613 والرابع برقم 945.
    31- شرح المفصّل: ابن يعيش، إدارة الطباعة المنيرية.
    32- شواهد التوضيح والتصحيح: ابن مالك، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
    33- شواهد العينى على شرح الأشموني.
    34- صحيح البخاري بشرح الكرماني، الطبعة الأولى 1933 ـ1938 م.
    35- صحيح مسلم بشرح النووي, دار إحياء التراث العربي.
    36- طبقات الشافعية: السبكي، تحقيق محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو, الطبعة الأولى.
    37- فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ابن حجر, دار المعرفة, بيروت.
    38- الفوائد في مشكل القرآن: العز بن عبد السلام، تحقيق د. رضوان الندوي.
    39- القاموس المحيط: الفيروز آبادي.
    40- القراءات الشاذة: المرحوم عبد الفتاح القاضي.
    41- الكتاب: سيبويه، تحقيق عبد السلام هارون. الهيئة المصرية العامة للكتاب.
    42- كشف الظنون: حاجي خليفة، منشورات مكتبة المثنى, بيروت.
    43- مجمع الأمثال: الميداني، تحقيق المرحوم محمد محي الدين عبد الحميد.
    44- المذكر والمؤنث: ابن الأنباري، تحقيق د. طارق الجنابي، بغداد الطبعة الأولى 1978 م.
    45- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: علي بن سلطان القاري.
    46- مسند الإمام أحمد بن حنبل. وبهامشه منتخب كنز العمال، بيروت 1398 هـ 1978م.
    47- معاني القرآن: الأخفشي، تحقيق د. فايز فارس، الطبعة الثانية 1401 هـ 1981 م.
    48- مغني اللبيب: ابن هشام، تحقيق د. مازن المبارك وزميله، الطبعة الأولى 1964م.
    49- النهاية في غريب الحـديث والأثـر: ابن الأثـير، تحقيق طاهر أحمد الزاوي وزميله، الطبعة  الأولى1383 هـ 1963 م.
    50- همع الهوامع: السيوطي، تحقيق د. عبد العالم سالم، دار البحوث العلمية- الكويت.