تدريب الراوي في شرح تقريب النووي

ج / 1 ص -153-     النوع الثاني: الحسن قال الخطابي هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله،
-------------------------
إذ ليس في الحديث اشتراط ذلك وإنما فيه تحريم القول بنسبة الحديث إليه حتى يتحقق أنه قاله وهذا لا يتوقف على روايته بل يكفي في ذلك علمه بوجوده في كتب من خرج الصحيح أو كونه نص على صحته إمام وعلى ذلك عمل الناس.
النوع الثاني: الحسن للناس فيه عبارات قال أبو سليمان الخطابي هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله فأخرج بمعرفة المخرج المنقطع وحديث المدلس قبل بيانه.
قال ابن دقيق العيد: وهذا الحد صادق على الصحيح أيضا فيدخل في حد الحسن.
وكذا قال ابن الصلاح وصاحب المنهل الروي وأجاب التبريزي بأنه سيأتي أن الصحيح أخص منه ودخول الخاص في حد العام ضرورى والتقييد بما يخرجه عنه مخل للحد.
قال العراقي: وهو متجه قال وقد اعترض ابن رشد ما نقل عن الخطابي بأنه نبينا بخط الحافظ أبي علي الجياني واستقر حاله بالسين المهملة وبالقاف

 

ج / 1 ص -154-     وعليه مدار أكثر الحديث ويقبله أكثر العلماء واستعمله عامة الفقهاء
-------------------
وبالحاء المهملة دون راء في أوله قال وذلك مردود فإن الخطابي قال ذلك في خطبة معالم السنن وهو في النسخ الصحيحة كما نقل عنه وليس لقوله واستقر حاله كبير معنى وقال ابن جماعة يرد على هذا الحد ضعيف عرف مخرجه واشتهر رجاله بالضعف.
ثم قال الخطابي في تتمة كلامه: وعليه مدار أكثر الحديث لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح ويقبله أكثر العلماء وإن كان بعض أهل الحديث شدد فرد بكل علة قادحة كانت أم لا.
كما روي عن ابن أبي حاتم أنه قال سألت أبي عن حديث فقال إسناده حسن فقلت يحتج به فقال لا واستعمله أي عمل به عامة الفقهاء وهذا الكلام فهمه العراقي زائدا على الحد فأخر ذكره وفصله عنه.
وقال البلقيني: بل هو من جملة الحد ليخرج الصحيح الذي دخل فيه ما قبله بل والضعيف أيضا.
تنبيه:
حكى ابن الصلاح بعد كلام الخطابي أن الترمذي حد الحسن بأن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون شاذا ويروي من غير وجه نحو ذلك وأن بعض المتأخرين قال هو الذي فيه ضعف قريب محتمل ويعمل به،

 

ج / 1 ص -155-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--------------------
وقال: كل هذا منهم لا يشفي الغليل وليس في كلام الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح اهـ .
وكذا قال الحافظ أبو عبد الله بن المواق: لم يخص الترمذي الحسن بصفة تميزه عن الصحيح فلا يكون صحيحا إلا وهو غير شاذ ورواته غير متهمين بل ثقات.
قال ابن سيد: الناس بقي عليه أنه اشترط في الحسن أن يروى من وجه آخر ولم يشترط ذلك في الصحيح.
قال العراقي: إنه حسن أحاديث لا تروى إلا من وجه واحد كحديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال غفرانك فإنه قال فيه حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ولا نعرف في الباب إلا حديث عائشة.
قال: وأجاب ابن سيد الناس عن هذا الحديث بأن الذي يحتاج إلى مجيئه عن غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته قال وأكثر ما في الباب أن الترمذي عرف منكراع منه لا بكل أنواعه.
وقال شيخ الإسلام: قد ميز الترمذي الحسن عن الصحيح بشيئين:

 

ج / 1 ص -156-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-------------------
أحدهما: أن يكون راويه قاصرا عن درجة راوي الصحيح بل وراوي الحسن لذاته وهو أن يكون غير متهم بالكذب فيدخل فيه المستور والمجهول ونحو ذلك وراوي الصحيح لا بد وأن يكون ثقة وراوي الحسن لذاته لا بد وأن يكون موصوفا بالضبط ولا يكفي كونه غير متهم.
قال: ولم يعدل الترمذي عن قوله ثقات وهي كلمة واحدة إلى ما قاله إلا لإرادة قصور رواته عن وصف الثقة كما هي عادة البلغاء.
الثاني: مجيئه من غير وجه على أن عبارة الترمذي فيما ذكره في العلل التي في آخر جامعه وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده إلى آخر كلامه.
قال ابن سيد الناس: فلو قال قائل إن هذا إنما اصطلح عليه في كتابه ولم يقله اصطلاحا عاما لكان له ذلك.
وقول ابن كثير: هذا الذي روى عن الترمذي في أي كتاب قاله وأين إسناده عنه مردود بوجوده في آخر جامعه كما أشرنا إليه.
وقال بعض المتأخرين: قول الترمذي مرادف لقول الخطابي فإن قوله: ويروى نحوه من غير وجه كقوله ما عرف مخرجه وقول الخطابي اشتهر رجاله يعني به السلامة من وصمة الكذب كقول الترمذي: ولا يكون في إسناده من يتهم بالكذب وزاد الترمذي ولا يكون شاذا ولا حاجة إليه لأن الشاذ ينافي عرفان المخرج فكأن المصنف أسقطه لذلك.
لكن قال العراقي: تفسير قول الخطابي ما عرف مخرجه بما تقدم من الاحتراز

 

ج / 1 ص -157-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
---------------------
عن المنقطع وخبر المدلس أحسن لأن الساقط منه بعض الإسناد لا يعرف فيه مخرج الحديث إذ لا يدري من سقط بخلاف الشاذ الذي أبرز كل رجاله فعرف مخرج الحديث من أين وقال البلقيني اشتهار الرجال أخص من قول ولا يكون في الإسناد متهم لشموله المستور.
وما حكاه ابن الصلاح عن بعض المتأخرين أراد به ابن الجوزي فإنه ذكر ذلك في العلل المتناهية وفي الموضوعات.
قال ابن دقيق العيد: وليس ما ذكره مضبوطا بضابط يتميز به القدر المحتمل من غيره.
قال البدر بن جماعة: وأيضا فيه دور لأنه عرفه بصلاحيته للعمل به وذلك يتوقف على معرفة كونه حسنا.
قلت: ليس قوله ويعمل به من تمام الحد بل زائد عليه لإفادة أنه يجب العمل به كالصحيح ويدل على ذلك أنه فصله من الحديث قال ما فيه ضعف قريب محتمل فهو الحديث الحسن ويصلح البناء عليه والعمل به.
وقال الطيبي: ما ذكره ابن الجوزي مبني على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف لأن الحسن وسط بينهما فقوله قريب أي قريب مخرجه إلى الصحيح محتمل لكون رجاله مستورين.

 

ج / 1 ص -158-     قال الشيخ: هو قسمان: أحدهما: ما لا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس مغفلا كثير الخطأ ولا ظهر منه سبب مفسق ويكون متن الحديث معروفا برواية مثله أو نحوه من وجه آخر.
الثاني: أن يكون راويه مشهورا بالصدق والأمانة ولم يبلغ درجة الصحيح لقصوره في الحفظ والإتقان وهو مرتفع عن حال من يعد تفرده منكرا.
--------------------------
قال الشيخ ابن الصلاح، بعد حكايته الحدود الثلاثة وقوله ما تقدم: قد أمعنت النظر في ذلك والبحث جامعا بين أطراف كلامهم ملاحظا مواقع استعمالهم فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن هو قسمان أحدهما ما لا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه ولا هو متهم بالكذب في الحديث ولا ظهر منه سبب آخر مفسق ويكون متن الحديث مع ذلك معروفا برواية مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله أو بما له من شاهد وهو ورود حديث آخر نحوه فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا منكرا قال وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.
القسم الثاني: أن يكون راويه مشهورا بالصدق والأمانة لكن لم يبلغ درجة الصحيح لقصوره عن رواته في الحفظ والإتقان وهو مع ذلك مرتفع عن حال من يعد تفرده أي ما ينفرد به من حديثه منكرا قال ويعتبر في كل هذا مع بالإجماع الحديث من أن يكون شاذا أو منكرا سلامته من أن يكون معللا. قال: وعلى هذا القسم يتنزل كلام الخطابي.
قال: فهذا الذي ذكرناه جامع لما تفرق في كلام من بلغنا كلامه في ذلك.

 

ج / 1 ص -159-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-------------------------
قال: وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن وذكر الخطابي النوع الآخر مقتصرا كل منهما على ما رأى أنه يشكل معرضا عما رأى أنه لا يشكل أو أنه غفل عن البعض وذهل اهـ كلام ابن الصلاح.
قال ابن دقيق العيد: وعليه مؤاخذات ومناقشات وقال ابن جماعة يرد على الأول من القسمين: الضعيف والمنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور وروى مثله أو نحوه من وجه آخر وعلى الثاني المرسل الذي اشتهر راويه بما ذكر فإنه كذلك وليس بحسن في الاصطلاح.
قال: ولو قيل الحسن كل حديث خال عن العلل في سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان لكان أجمع لما حددوه وأخصر.
وقال الطيبي: لو قيل الحسن مسند من قرب من درجة الثقة أو مرسل ثقة وروى كلاهما من غير وجه وسلم من شذوذ وعلة لكان أجمع الحدود وأضبطها وأبعد عن التعقيد.
وحد شيخ الإسلام في النخبة الصحيح لذاته بما نقله عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ ثم قال فإن خف بالضبط فهو الحسن لذاته فشرك بينه وبين الصحيح في الشروط إلا تمام الضبط عند ذكر الحسن لغيره بالاعتضاد.
وقال شيخنا الإمام تقي الدين الشمني: الحسن خبر متصل قل ضبط راويه

 

ج / 1 ص -160-     ثم الحسن كالصحيح في الاحتياج به وإن كان دونه في القوة ولهذا أدرجته طائفة في نوع الصحيح
---------------------------
العدل وارتفع عن حال من يعد تفرده منكرا وليس بشاذ ولا معلل قال البلقيني الحسن لما توسط بين الصحيح والضعيف ثم الناظر كان شيئا ينقدح في نفس الحافظ وقد تقصر عبارته عنه كما قيل في الاستحسان فلذلك صعب تعريفه وسبقه إلى ذلك ابن كثير.
تنبيه:
الحسن أيضا على مراتب كالصحيح قال الذهبي فأعلى مراتبه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وابن وإسحق عن التيمي وأمثال ذلك مما قيل: إنه صحيح وهو من أدنى مراتب الصحيح ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسينه وتضعيفه كحديث الحارث بن عبد الله وعاصم بن ضمرة وحجاج بن أرطأة ونحوهم ثم الحسن كالصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه في القوة ولهذا أدرجته طائفة في نوع الصحيح كالحاكم وابن حبان وابن خزيمة مع قولهم بأنه دون الصحيح المبين أولا ولا بدع في الاحتجاج بحديث له طريقان لو انفرد كل منهما لم يكن حجة كما في المرسل إذا ورد من وجه آخر مسند أو وافقه مرسل آخر بشرطه كما سيجيء قاله ابن الصلاح.
وقال في الاقتراح: ما قيل من أن الحسن يحتج به فيه إشكال لأن ثم أوصافا يجب معها قبول الرواية إذا وجدت فإن كان هذا المسمى بالحسن مما وجدت فيه على أقل الدرجات

 

ج / 1 ص -161-     وقولهم حديث حسن الإسناد أو صحيحة دون قولهم حديث صحيح أو حسن لأنه قد يصح أو يحسن الإسناد دون المتن لشذوذ أو علة فإن اقتصر على ذلك حافظ معتمد فالظاهر صحة المتن وحسنه وأما قول الترمذي وغيره حديث حسن صحيح فمعناه روى بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة والآخر الحسن،
-------------------------
التي يجب معها القبول فهو صحيح وإن لم توجد لم يجز الاحتجاج به وإن سمي حسنا اللهم إلا أن يرد هذا إلى أمر اصطلاحي بأن يقال إن هذه الصفات لها مراتب ودرجات فأعلاها وأوسطها يسمى صحيحا وأدناها يسمى حسنا وحينئذ يرجع الأمر في ذلك إلى الاصطلاح ويكون الكل صحيحا في الحقيقة وقولهم أي الحفاظ هذا حديث حسن الإسناد أو صحيحه دون قولهم حديث صحيح أو حسن لأنه قد يصح أو يحسن الإسناد لثقة رجاله دون المتن لشذوذ أو علة وكثيرا ما يستعمل ذلك الحاكم في مستدركه فإن اقتصر على ذلك حافظ معتمد ولم يذكر له علة ولا قادحا فالظاهر صحة المتن وحسنه لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر.
قال شيخ الإسلام: والذي لا شك فيه أن الإمام منهم لا يعدل عن قوله صحيح إلى قوله صحيح الإسناد إلا لأمر ما وأما قول الترمذي وغيره كعلي بن المديني ويعقوب بن شيبة هذا حديث حسن صحيح وهو مما استشكل لأن الحسن قاصر عن الصحيح فكيف يجتمع إثبات القصور ونفيه في الحديث فمعناه أنه روى بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة والآخر يقتضي الحسن فصح أن يقال فيه ذلك أي حسن باعتبار إسناد صحيح باعتبار آخر.

 

ج / 1 ص -162-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--------------------------
قال ابن دقيق العيد يرد على ذلك الأحاديث التي قيل فيها ذلك مع أنه ليس لها إلا مخرج واحد كحديث خرجه الترمذي من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا وقال فيه حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ وأجاب بعض المتأخرين بأن الترمذي إنما يقول ذلك مريدا تفرد أحد الرواة عن الآخر لا الفرد المطلق قال ويوضح ذلك ما ذكره في الفتن من حديث خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة يرفعه من أشار إلى أخيه بحديدة الحديث قال فيه حسن صحيح غريب من هذا الوجه فاستغربه من حديث خالد لا مطلقا.
قال العراقي: وهذا الجواب لا يمشي في المواضع التي يقول فيها لا نعرفه إلا من هذا الوجه كالحديث السابق.
وقد أجاب ابن الصلاح بجواب ثان هو: أن المراد بالحسن اللغوي دون الاصطلاحي كما وقع لابن عبد البر حيث روى في كتاب العلم حديث معاذ بن جبل مرفوعا تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة الحديث بطوله وقال هذا حديث حسن جدا ولكن ليس له إسناد قوي فأراد بالحسن حسن اللفظ لأنه من رواية موسى البلقاوي وهو كذاب نسب إلى الوضع عن عبد الرحيم العمي وهو متروك

 

ج / 1 ص -163-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
---------------------------
وروينا عن أمية بن خالد قال قلت لشعبة تحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي وتدع عبد الملك بن أبي سليمان وقد كان حسن الحديث فقال من حسنها فررت يعني أنها منكرة.
وقال النخعي: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن ما عنده قال السمعاني عني بالأحسن الغريب قال ابن دقيق العيد ويلزم على هذا الجواب أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ أنه حسن وذلك لا يقوله أحد من المحدثين إذا جروا على اصطلاحهم.
قال شيخ الإسلام: ويلزم عليه أيضا أن كل حديث يوصف بصفة فالحسن تابعه فإن كل الأحاديث حسنة اللفظ بليغة ولما رأينا الذي وقع له هذا كثير الفرق فتارة يقول حسن فقط وتارة صحيح فقط وتارة حسن صحيح وتارة صحيح غريب وتارة حسن غريب عرفنا أنه لا محالة جار مع الاصطلاح مع أنه قال في آخر الجامع وما قلنا في كتابنا حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا فقد صرح بأنه أراد حسن الإسناد فانتفى أن يريد حسن اللفظ.
وأجاب ابن دقيق العيد بجواب ثالث: وهو أن الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة إلا حيث انفرد الحسن أما إذا ارتفع إلى درجة الصحة فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة لأن وجود الدرجة العليا وهي الحفظ والإتقان لا ينافي وجود الدنيا كالصدق فيصح أن يقال حسن باعتبار الصفة

 

ج / 1 ص -164-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--------------------------
الدنيا صحيح باعتبار العليا ويلزم على هذا أن كل صحيح حسن وقد سبقه إلى نحو ذلك ابن المواق.
قال شيخ الإسلام: وشبه ذلك قولهم في الراوي صدوق فقط وصدوق ضابط فإن الأول قاصر عن درجة رجال الصحيح والثاني منهم فكما أن الجمع بينهما لا يضر ولا يشكل فكذلك الجمع بين الصحة والحسن.
ولابن كثير جواب رابع وهو أن الجمع بين الصحة والحسن درجة متوسطة بين الصحيح والحسن قال فما تقول فيه حسن صحيح أعلى رتبة من الحسن ودون الصحيح قال العراقي وهذا تحكم لا دليل عليه وهو بعيد.
ولشيخ الإسلام جواب خامس وهو: التوسط بين كلام ابن الصلاح وابن دقيق العيد فيخص جواب ابن الصلاح بماله إسنادان فصاعدا.
وجواب ابن دقيق العيد بالفرد. قال: وجواب سادس وهو: الذي أرتضيه ولا غبار عليه وهو الذي مشى عليه في النخبة وشرحها أن الحديث إن تعدد إسناده فالوصف راجع إليه باعتبار الإسنادين أو الأسانيد قال وعلى هذا فما قيل فيه ذلك فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فردا لأن كثرة الطرق تقوي. وإلا فبحسب اختلاف النقاد في راويه فيرى المجتهد منهم بعضهم يقول فيه صدوق.
وبعضهم يقول ثقة ولا يترجح عنده قول واحد منهما أو يترجح ولكنه يريد أن يشير إلى كلام الناس فيه فيقول ذلك وكأنه قال حسن عند قوم صحيح عند قوم قال وغاية ما فيه انه حذف منه حرف التردد لأن حقه أن يقول حسن أو صحيح قال وعلى هذا ما قيل فيه ذلك دون ما قيل فيه صحيح لأن الجزم أقوى من التردد اهـ

 

ج / 1 ص -165-     وأما تقسيم البغوي أحاديث المصابيح إلى حسان وصحاح مريدا بالصحاح ما في الصحيحين وبالحسان ما في السنن فليس بصواب لأن في السنن الصحيح والحسن والضعيف والمنكر.
---------------------------
وهذا الجواب مركب من جواب ابن الصلاح وابن كثير وأما تقسيم البغوي أحاديث المصابيح إلى حسان وصحاح مزيدا بالصحاح ما في الصحيحين وبالحسان ما في السنن فليس بصواب لأن في السنن الصحيح والضعيف والمنكر كما سيأتي بيانه ومن أطلق عليها الصحاح كقول السلفي في الكتب الخمسة اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب وكإطلاق الحاكم على الترمذي الجامع الصحيح وإطلاق الخطيب عليه وعلى النسائي اسم الصحيح فقد تساهل.
قال التاج التبريزي ولا أزال أتعجب من الشيخين يعني ابن الصلاح والنووي في اعتراضهما على البغوي مع أن المقرر انه لا مشاحة في الاصطلاح وكذا مشى عليه علماء العجم آخرهم شيخنا العلامة الكافيجي في مختصره.
قال العراقي: أجيب عن البغوي بأنه يبين عقب كل حديث الصحيح والحسن والغريب قال وليس كذلك فإنه لا يبين الصحيح من الحسن فيما أورده من السنن بل يسكت ويبين الغريب والضعيف غالبا فالإيراد باق في مزجه صحيح ما في السنن بما فيها من الحسن.
وقال شيخ الإسلام: أراد ابن الصلاح أن يعرف أن البغوي اصطلح لنفسه

 

ج / 1 ص -166-     فروع:
أحدها:
كتاب الترمذي أصل في معرفة الحسن وهو الذي شهره
--------------------------
أن يسمى السنن الأربعة الحسان ليغتني بذلك عن أن يقول عقب كل حديث أخرجه أصحاب السنن فإن هذا اصطلاح حادث ليس جاريا على المصطلح العرفي.
فروع:
أحدها: في مظنة الحسن كما ذكر في الصحيح مظانه وذكر في كل نوع مظانه من الكتب المصنفة فيه إلا يسيرا نبه عليه كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحسن وهو الذي شهره واكثر من ذكره.
قال ابن الصلاح وإن وجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبله كأحمد والبخاري وغيرهما.
قال العراقي: وكذا مشايخ الطبقة التي قبل ذلك كالشافعي قال في اختلاف الحديث عند ذكر حديث ابن عمر: " لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا " الحديث: حديث ابن عمر مسند حسن الإسناد وقال فيه أيضا وسمعت من يروي بإسناد حسن أن أبا بكرة ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ركع دون الصف الحديث وكذا يعقوب بن شيبة في مسنده وأبو علي الطوسي

 

 

ج / 1 ص -167-     وتختلف النسخ منه في قوله حسن صحيح ونحوه فينبغي أن تعتني بمقابلة أصلك بأصول معتمدة وتعتمد ما اتفقت عليه ومن مظانه سنن أبي داود فقد جاء عنه أنه يذكر فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه وما كان فيه وهن شديد بينه وما لم يذكر فيه شيئا فهو صالح فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقا ولم يصححه غيره من المعتمدين ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود
----------------------
أكثر من ذلك إلا أنهما ألفا بعد الترمذي وتختلف النسخ منه أي من كتاب الترمذي في قوله حسن أوحسن صحيح ونحوه فينبغي أن تعتني بمقابلة أصلك بأصول معتمدة وتعتمد ما اتفقت عليه ومن مظانه أيضا سنن أبي داود فقد جاء عنه أنه يذكر فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه وما كان فيه وهن شديد بينه وما لم يذكر فيه شيئا فهو صالح قال وبعضها أصح من بعض فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مطلقا ولم يكن في أحد الصحيحين ولم يصححه غيره من المعتمدين الذين يميزون بين الصحيح والحسن ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود لأن الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما ولا يرتقي إلى الصحة إلا بنص فالأحوط الاقتصار على الحسن وأحوط منه التعبير عنه بصالح وبهذا التقرير يندفع اعتراض ابن رشيد بأن ما سكت عليه قد يكون عنده صحيحا وإن لم يكن كذلك عند غيره وزاد ابن الصلاح أنه قد لا يكون حسنا عند غيره ولا مندرجا في حد الحسن إذ حكى ابن منده أنه سمع محمد بن سعد الباوردي يقول كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه.
قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنه أقوى عنده من رأى الرجال.

 

ج / 1 ص -168-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
---------------------------
وهذا أيضا رأي الإمام أحمد فإنه قال إن ضعيف الحديث أحب إليه من رأى الرجال لأنه لا يعدل إلى القياس إلا بعد عدم النص وسيأتي في هذا البحث مزيد كلام حيث ذكر المصنف العمل بالضعيف فعلى ما نقل عن أبي داود يحتمل أن يريد بقوله صالح الصالح للاعتبار دون الاحتجاج فيشمل الضعيف أيضا لكن ذكر ابن كثير أنه روى عنه وما سكت عنه فهو حسن فإن صح ذلك فلا إشكال.
تنبيه:
اعترض ابن سيد الناس ما ذكر في شأن سنن أبي داود فقال: لم يرسم أبو داود شيئا بالحسن وعمله في ذلك شبيه بعمل مسلم الذي لا ينبغي أن يحمل كلامه على غيره أنه اجتنب الضعيف الواهي وأتى بالقسمين الأول والثاني وحديث من مثل به من الرواة من القسمين الأول والثاني موجود في كتابه دون القسم الثالث قال فهلا ألزم مسلم من ذلك ما ألزم به أبو داود فمعنى كلامهما واحد قال وقول أبي داود وما يشبهه يعني في الصحة ويقاربه يعني فيها ايضا هو نحو قول مسلم ليس كل الصحيح نجده عند مالك وشعبة وسفيان فاحتاج أن ينزل إلى مثل حديث ليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب ويزيد بن زياد لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق وإن تفاوتوا في الحفظ والإتقان ولا فرق بين الطريقين غير أن مسلما شرط الصحيح فيخرج من حديث الطبقة الثالثة وأبا داود لم يشترطه فذكر ما يشتد وهنه عنده والتزم البيان عنه

 

ج / 1 ص -169-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-------------------------
قال: وفي قول أبي داود إن بعضها أصح من بعض ما يشير إلى القدر المشترك بينهما في الصحة وإن تفاوتت لما يقتضيه صيغة أفعل في الأكثر.
وأجاب العراقي بأن مسلما التزم الصحيح بل المجمع عليه في كتابه فليس لنا أن نحكم على حديث خرجه بأنه حسن عنده لما عرف من قصور الحسن عن الصحيح وأبو داود قال إن ما سكت عنه فهو صالح والصالح يشمل الصحيح والحسن فلا يرتقي إلى الأول إلا بيقين.
وثم أجوبة أخرى منها: أن العملين إنما تشابها في أن كلا أتى بثلاثة اقسام لكنها في سنن أبي داود راجعة إلى متون الحديث وفي مسلم إلى رجاله وليس بين ضعف الرجل وصحة حديثه منافاة ومنها: أن أبا داود قال: ما كان فيه وهن شديد بينته ففهم أن ثم شيئا فيه وهن غير شديد لم يلتزم بيانه ومنها أن مسلما إنما يروي عن الطبقة الثالثة في المتابعات لينجبر القصور الذي في رواية من هو من الطبقة الثانية ثم أنه يقل من حديثهم جدا وأبو داود بخلاف ذلك.
فوائد:
الأولى: من مظان الحسن أيضا سنن الدارقطني فإنه نص على كثير منه قاله ابن الصلاح.

 

ج / 1 ص -170-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-----------------------
الثانية: عدة أحاديث كتاب أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة حديث وهو روايات أتمها رواية أبي بكر بن داسة والمتصلة الآن بالسماع رواية أبي علي اللؤلؤي:
الثالثة: قال أبو جعفر بن الزبير أولى ما أرشد إليه ما اتفق المسلمون على اعتماده وذلك الكتب الخمسة والموطأ الذي تقدمها وضعا ولم يتأخر عنها رتبة.
وقد اختلفت مقاصدهم فيها وللصحيحين فيها شفوف وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جليلة ولأبي داود في حصر أحاديث الإحكام واستيعابها ما ليس

لغيره وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها.

 

ج / 1 ص -171-     وأما مسند أحمد بن حنبل وأبي داود الطيالسي وغيرهما من المسانيد فلا تلتحق بالاصول الخمسة وما أشبهها في الاحتجاج بها.
--------------------------
وقال الذهبي: انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما.
وأما مسند الإمام أحمد بن حنبل وأبي داود الطيالسي وغيرهما من المسانيد.
قال ابن الصلاح: كمسند عبيد الله بن موسى وإسحاق بن نبيناويه والدارمي وعبد بن حميد وأبي يعلى الموصلي والحسن بن سفيان وأبي بكر البزار فهؤلاء عادتهم أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه غير مقيدين بأن يكون محتجا به أولا فلا تلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها.
قال ابن جماعة: من الكتب المبوبة كسنن ابن ماجة في الاحتجاج بها

 

 

ج / 1 ص -172-     والركون إلى ما فيها
-----------------------
والركون الى ما فيها لأن المصنف على الأبواب إنما يورد أصح ما فيه ليصلح للاحتجاج.
تنبيهات:
الأول: اعترض على التمثيل بمسند أحمد بأنه شرط في مسنده الصحيح قال العراقي ولا نسلم ذلك والذي رواه عنه أبو موسى المديني: أنه سئل عن حديث فقال انظروه فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة فهذا ليس بصريح في أن كل ما فيه حجة بل ما ليس فيه ليس بحجة قال: على أن ثم أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحين وليست فيه ومنها حديث عائشة في قصة أم زرع قال وأما وجود الضعيف فيه فهو محقق بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء ولعبد الله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع اهـ.
وقد ألف شيخ الإسلام كتابا في رد ذلك سماه:" القول المسدد في الذب عن المسند " قال في خطبته: فقد ذكرت في هذه الأوراق ما حضرني من الكلام على الأحاديث التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة وهي في مسند أحمد ذبا عن هذا التصنيف العظيم الذي تلقته الأمة بالقبول والتكريم وجعله إمامهم حجة يرجع إليه ويعول عند الاختلاف عليه. ثم سرد الأحاديث التي جمعها العراقي وهي تسعة وأضاف إليها خمسة عشر حديثا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وهي فيه وأجاب عنها حديثا حديثا.
قلت: وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي وهي فيه وجمعتها في جزء سميته الذيل الممهد مع الذب عنها وعدتها أربعة عشر حديثا.

 

ج / 1 ص -173-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--------------------------
وقال شيخ الإسلام في كتابه تعجيل المنفعة: في رجال الأربعة ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن ابن عوف أنه يدخل الجنة زحفا قال والاعتذار عنه أنه مما أمر احمد بالضرب عليه فترك سهوا أو ضرب وكتب من تحت الضرب وقال في كتابه تجريد زوائد مسند البزار إذا كان الحديث في مسند أحمد لم نعزه إلى غيره من المسانيد وقال الهيثمي في زوائد المسند مسند أحمد أصح صحيحا من غيره وقال ابن كثير لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته وقد فاته أحاديث كثيرة جدا بل قيل إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين وقال الحسيني في كتابه التذكرة في رجال العشرة عدة أحاديث المسند أربعون ألفا بالمكرر.
الثاني: قيل: وإسحاق يخرج أمثل ما ورد عن ذلك الصحابي فيما ذكره أبو زرعة الرازي عنه قال العراقي ولا يلزم من ذلك أن يكون جميع ما فيه صحيحا بل هو أمثلة بالنسبة لما تركه وفيه الضعيف.
الثالث: قيل: ومسند الدارمي ليس بمسند بل هو مرتب على الأبواب.

 

ج / 1 ص -174-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-------------------------
وقد سماه بعضهم بالصحيح قال شيخ الإسلام ولم أر لمغلطاي سلفا في تسمية الدارمي صحيحا إلا قوله أنه نبينا بخط المنذري وكذا قال العلائي.
وقال شيخ الإسلام: ليس دون السنن في الرتبة بل لو ضم إلى الخمسة لكان أمثل من ابن ماجه فإنه أمثل منه بكثير.
وقال العراقي: اشتهر تسميته بالمسند كما سمى البخاري كتابه بالمسند لكون أحاديثه مسندة قال إلا أن فيه المرسل والمعضل والمنقطع والمقطوع كثيرا على أنهم ذكروا في ترجمة الدارمي أن له الجامع والمسند والتفسير وغير ذلك فلعل الموجود الآن هو الجامع والمسند فقد.
الرابع: قيل: ومسند البزار يبين فيه الصحيح من غيره قال العراقي ولم يفعل ذلك إلا قليلا إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواة الحديث ومتابعة غيره عليه.
فائدة:
قال العراقي: يقال إن أول مسند صنف مسند الطيالسي، قيل: والذي

 

ج / 1 ص -175-     الثاني: إذا كان راوي الحديث متأخرا عن درجة الحافظ الضابط مشهورا بالصدق والستر فروى حديثه من غير وجه قوي وارتفع من الحسن إلى الصحيح.
------------------------
حمل قائل هذا القول عليه تقدم عصر ابي داود على أعصار من صنف المسانيد وظن أنه هو صنفه وليس كذلك فإنما هو من جمع بعض الحفاظ الخرسانيين جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب خاصة عنه وشذ عنه كثير منه ويشبه هذا مسند الشافعي فإنه ليس تصنيفه وإنما لقطه بعض الحفاظ النيسابوريين من من الأم وسمعه عليه فإنه كان سمع الأم أو غالبها على الربيع عن الشافعي وعمر وكان آخر من روى عنه وحصل له صمم فكان في السماع عليه مشقة.
الثاني: إذا كان راوي الحديث متأخرا عن درجة الحافظ الضابط مع كونه مشهورا بالصدق والستر وقد علم أن من هذا حاله فحديثه حسن فروى حديثه من غير وجه ولو وجها واحدا كما يشير إليه تعليل ابن الصلاح قوى بالمتابعة وزال ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء الحفظ وانجبر بها ذلك النقص اليسير وارتفع حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح.
قال ابن الصلاح: مثاله حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن

 

ج / 1 ص -176-     الثالث: إذا روى الحديث من وجوه كمال لا يلزم أن يحصل من مجموعها حسن بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر وصار حسنا
---------------------------
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة فحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة لكن لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته فحديثه من هذه الجهة حسن فلما انضم إلى ذلك كونه روى من آخر حكمنا بصحته والمتابعة في هذا الحديث ليست لمحمد عن أبي سلمة بل لأبي سلمة عن أبي هريرة فقد رواه عنه أيضا الأعرج وسعيد المقبري وأبوه وغيرهم.
ومثل غير ابن الصلاح بحديث البخاري عن أبي بن العباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده في ذكر خيل النبي صلى الله عليه وسلم فإن أبيا هذا ضعفه لسوء حفظه أحمد وابن معين والنسائي وحديثه حسن لكن تابعه عليه يتحقق عبد المهيمن فارتقى إلى درجة الصحة.
الثالث: إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها أنه حسن بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر وعرفنا بذلك أنه قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه وصار الحديث حسنا بذلك كما رواه الترمذي وحسنه من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول لله صلى الله عليه وسلم أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم فأجاز

 

ج / 1 ص -177-     وكذا إذا كان ضعفها لإرسال زال بمجيئه من وجه آخر وأما الضعف لفسق الراوي فلا يؤثر فيه موافقة غيره
---------------------------
قال الترمذي وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي حدرد فعاصم ضعيف لسوء حفظه وقد حسن له الترمذي هذا الحديث لمجيئه من غير وجه.
وكذا إذا كان ضعفها لإرسال أو تدليس أو جهالة رجال كما زاده شيخ الإسلام زال بمجيئه من وجه آخر وكان دون الحسن لذاته مثال الأول يأتي في نوع المرسل ومثال الثاني ما رواه الترمذي وحسنه من طريق هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب مرفوعا إن حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة وليمس أحدهم من طيب أهله فإن لم يجد فالماء له طيب فهشيم موصوف بالتدليس لكن لما تابعه عند الترمذي أبو يحيى التيمي وكان للمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره حسنه.
وأما الضعيف لفسق الراوي أو كذبه فلا يؤثر فيه موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر نعم يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكرا أو لا أصل له صرح به شيخ الإسلام قال بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور السيء الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن.
خاتمة:
من الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول الجيد والقوي والصالح

 

ج / 1 ص -178-     . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
---------------------------
والمعروف والمحفوظ والمجود والثابت.
فأما الجيد فقال شيخ الإسلام في الكلام على أصح الأسانيد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل أن أصحها الزهري عن سالم عن أبيه: عبارة أحمد أجود الأسانيد كذا أخرجه الحاكم.
قال: هذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك: من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة وفي جامع الترمذي في الطب هذا حديث جيد حسن وكذا قال غيره لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم إلا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته ويتردد في بلوغه الصحيح فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح وكذا القوي.
وأما الصالح فقد تقدم في شأن سنن ابي داود أنه شامل للصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج ويستعمل أيضا في ضعيف يصلح للاعتبار.
وأما المعروف فهو مقابل المنكر والمحفوظ مقابل الشاذ سيأتي تقرير ذلك في نوعيهما والمجود والثابت يشملان أيضا الصحيح.
قلت: ومن ألفاظهم أيضا المشبه وهو يطلق على الحسن وما يقاربه فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح.
قال أبو حاتم: أخرج عمرو بن حصين الكلابي أول شيء أحاديث مشبهة حسانا ثم أخرج بعد أحاديث موضوعة فأفسد علينا ما كتبنا