النهاية في الفتن والملاحم

باب افتراق الأمم
وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وتَفَرَّقَتْ أمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً1".
ورواه أبو داود عن وهب بن تقية2، عن خالد، عن محمد بن عمرو به.
إشارة نبوية إلى أن الفتن ستفرق الأمة وأن النجاة ستكون في لزوم الجماعة
وقال حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كريش بن دينار الحمصي، حدثنا عباد بن يوسف، حدثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عوف بن مالك قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الحديث رواه أيضا السخاوي في المقاصد الحسنة صفحة 158، 159.
- ورواه العجلوني في كشف الخفاء 1- 369، 370 وجمع جميع طرقه المختلفة فيه.
2 كذا في أصله والصواب: وهبة بن بقية بن عثمان الواسطي ثقة من العاشرة تقريب التهذيب 2-337 رقم 106.

 

ج / 1 ص -35-          قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إِفْتَرَقَ اليَهُود عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ وسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وافْتَرَقَتِ النَّصارَى عَلَى اثْنَتَيْن وسبعينَ فرقةً فإِحْدى وسبعون في النَّارِ وَوَاحِدَةٌ في الجنَّة، والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَتَفتَرِقَنَّ أمَّتِي على ثلاث وسَبعينَ فِرْقَة فواحدة في الجنَّةِ واثنتان وسبعون في النَّارِ" قيل: يا رسول الله من تراهم? قال: "الجماعة".
تفرّد به أيضاً وإسناده لا بأس به أيضاً، وقال ابن جماعة أيضاً حدثنا هشام هو ابن عامر، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو عمرو، وحدثنا قتادة عن أنس بن مالك قال:
قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
"إِنَّ بني إِسرائيلَ افترقتْ على إِحدى وسَبْعِينَ فرقةً وإِن أمّتي ستفترق على اثْنَتَيْن وسَبْعِينَ فرقةً كلُّها في النَّارِ إلا واحدةً وهي الجماعةُ".
وهذا إسناد جيد قوي على شرط الصحيح تفرد به ابن ماجه أيضاً، وقال أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد يحيى بن فارس قالا: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان هو ابن عمرو، حدثنا أزهر بن عبد الله الحراري قال أحمد عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا وقال:
"ألا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أهل الكتاب افْتَرقُوا على اثْنَتَيْن وسبعين ملَّةً وأن هذه المِلَّةَ ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في النَّارِ وواحدةٌ في الجنة وهي الجَماعة".
تفرد به أبو داود وإسناده حسن، وفي مستدرك الحاكم أنهم لما سألوه عن الفرقة الناجية من هم؟ قال:
"ما أنا عليه اليوم وأصحابي". وقد تقدم في حديث حذيفة أن المخلص من الفتن عند وقوعها إتباع الجماعة ولزوم الطاعة.

 

ج / 1 ص -36-          لا تجتمع الأمة على ضلالة
وقد قال: حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا معاذ بن رفاعة السلامي، حدثنا أبو خلف الأعمى أنه سمع أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن أمّتِي لَنْ تَجْتمعَ على ضَلاَلةٍ فإذا رأيتم الاختلافَ فعليكم بالسَّوادِ الأعظَم1"
ولكن هذا حديث ضعيف لأن معاذ بن رفاعة السلامي ضعفه غير واحد من الأئمة، وفي بعض الروايات عليكم بالسواد الأعظم الحق وأهله فأهل الحق هم أكثر الأمة ولا سيما في زمان الصدر الأول لا يكاد يوجد فيهم من هو على بدعة، وأما في الأعصار المتأخرة فلا يعدم الحق عصابة يقومون به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 حديث ضعيف
- رواه عبد بن حميد وابن ماجه عن أنس رفعه إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الإختلاف فعليكم بالسواد الأعظم، ورواه العجلوني في كشف الخفاء 2- 488 رقم 2999.
- والحديث رواه أحمد والطبراني في الكبير وابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي نضرة الغفاري

الاذن باعتزال الناس عند اشتداد الفتن وتحكم الأهواء
كما قال في حديث حذيفة فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة قال:
"فاعْتَزلْ تلكَ الفِرقَ كلَّها وَلَو أَنّ تَعَضَّ بأصل شجرة حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ عَلَى ذلِك".

 

ج / 1 ص -37-          وتقدم الحديث الصحيح. بدأ الإِسلام غريباً وسيعود غريباً. وورد في الحديث:
"لا تقوم الساعة على أحدٍ يقولُ اللَّهُ اللَّه".
والمقصود أنه إذا ظهرت الفتن فإنه يسوغ اعتزال الناس حينئذ كما ثبت في الحديث:
"فإِذا رأَيت شُحّاً مُطَاعاً وَهَوَى مُتَّبَعاً وإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رأي برأيه فَعَلَيْكَ بخوَيصَةِ1 نفسِكَ وَدَعْ أَمْرَ العَوام".
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يُوشِكُ أن يَكُونَ خَيْر مال المسلم غنمٌ يُتَّبَعُ بِهَا شَعَف2 الجبالِ ومواضِعَ الْقطْر ناجياً بدينِه من الفِتَن".
لم يخرجه مسلم، وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طريق ابن أبي صعصعة به، ويجوز حينئذ سؤال الوفاة عند حلول الفتن وإن كان قد نهى عنه لغير ذلك كما صحّ به الحديث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1أي الزم ما يخصك
2 شعفة الجبل أعلاه ج شعف وشعاف وشعوف.

النهي عن تمني الموت
وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا ابن يونس، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

ج / 1 ص -38-          "لا يَتَمَنَّينَّ أحدُكُمُ الموتَ لاَ يَدْعُو بِهِ مِنْ قَبْل أنْ يَأتِيَهُ وإنَّه إذا مَات انقطع عملهُ وإنَّهُ لا يَزيدُ المؤمنَ عمرُهُ إلا خيراً1".
والدليل على جواز سؤال الموت عند الفتن الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل في حديث المنام الطويل وفيه:
"اللَّهًمَّ اني اسألُك فعلَ الخَيْراتِ وأنْ تَغْفِرَ لي وتَرْحَمَنِي وإذا أرَدْتَ بقوم فِتنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَمَفْتُونٍ اللَّهُمَّ إِني أسْألُكَ حُبًكَ وحبَّ مَن يُحِبُّك وحُبَّ كُلِّ عَمَل يقربُني إلى حُبَّك".
وهذه الأحاديث دالة على أنه يأتي على الناس زمان شديد لا يكون للمسلمين جماعة قائمة بالحق إما في جميع الأرض وإما في بعضها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رواه أحمد في مسنده 2- 263 ، 359، 3- 100، 104، 5- 109، 110

رفع العلم بموت العلماء
وقد ثبت في الصحيح، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قّال:
"إنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العلمَ انتِزَاعاً يَنْتَزِعهُ مِنَ النَّاس ولكِنْ يَقبضُ العلمَ بِموت العلماء حتى إنّه إذا لم يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النّاسُ رؤَساءَ جهالاً فَسئِلُوا فَأفْتَوْا بغيْرِ علم فَضَلوا وأضلّوا".

إشارة نبوية إلى بقاء طائفة من الأمة على الحق حتى تقوم الساعة
وفي الحديث الآخر:
"لا تَزَال طائفةٌ مِنْ أمَّتِي ظَاهِرين على الحَقِّ لا يَضُرهُمْ من خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ خالفهُمْ حَتّى يأتِي أمرُ اللَّهِ وهُم كذلك".
وفي صحيح البخاري وهم على ذلك.

 

ج / 1 ص -39-          إشارة نبوية إلى أن اللّه سيبعث لهذه الأمة كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها
قال عبد الله بن المبارك وغير واحد من الأئمة: وهم أهل الحديث، وقال أبو داود: حدثنا سلمان بن داود النهري، حدثنا ابن وهب، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد المغازي عن أبي علقمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إن اللَّهَ يَبْعَثُ لهذه الأمةِ على رأس كُل مائَةِ سَنَةٍ من يُجدِّدَ لَهَا أمرَ دِينَها1".
تفرد به أبو داود، ثم قال عبد الرحمن بن شريح لم يتحر شراحيل يعني أنه موقوف عليه، وقد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر والله أعلم أنه يعم جملة أهل العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ونحاة ولغويين إلى غير ذلك من الأصناف والله أعلم، وقوله في حديث عبد الله بن عمرو: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلماء" ظاهر في أن العلم لا ينتزع من صدور الرجال بعد أن وهبهم الله إياه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الحديث رواه السخاوي في المقاصد الحسنة صفحة 121 وقال مانصه:
"رواه أبو داود في الملاحم من سننه وقد أخرجه الطبراني في الأوسط كالأول وسنده صحيح ورجاله كلهم ثقات، وكذا صححه الحاكم فإنه أخرجه في مستدركه من حديث ابن وهب وسعيد الذي رفعه أولى بالقبول لأمرين: أحدهما أنه لم يختلف في توثيقه بخلاف عبد الرحمن فقد قال فيه ابن سعد إنه منكر الحديث. والثاني أن معه زيادة علم على من قطعه وقوله فيما أعلم ليس بشك في وصله. بل قد جعل وصله معلوما له وقد اعتمد الأئمة لهذا الحديث!.هـ.

 

ج / 1 ص -40-          بعض أشراط الساعة التي أخبر بها الرسول عليه السلام
وقد ورد في الحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه عن بندار ومحمد بن المثنى عن غندر عن شعبة سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد بعدي?
سمعت منه:
"أنَّ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أن يُرفَعَ العلمُ ويَظْهَرَ الجهل وَيَفْشُو الزنا وتُشْرَبَ الخَمْر ويَذْهَبَ الرِّجالُ وتَبْقَى النِّسَاءُ حَتَّى يكونَ لخمسين امرأةً قَيِّمٌ واحِدٌ".
وأخرجاه في الصحيحين من حديث غندر به.

رفع العلم من الناس في آخر الزمان
وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي وكيع، عن الأعمش عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يكون بين يدي الساعة أيام، يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج"، والهرج القتل، وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به.
وقال ابن ماجة: حدثنا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يدْرُسُ الإِسْلاَمُ كَمَا يدْرُس1 وشَي2 الثوبِ حَتَّى مَا يُدْرَى صِيَامٌ وَلاَ صَلاةٌ وَلاَ نُسُكٌ وَلاَ صَدَقَةٌ وَيسْرِي النسيان على الكِتَابِ في لَيْلَةٍ فَلاَ يَبْقَى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1يدرس: يعفو ويذهب أثره.
2 وشى الثوب أعلام تزيينه.

 

ج / 1 ص -41-          في الأَرْض مِنْهُ آيةٌ وتبقَى طَوائِفُ مِنَ النَّاس الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ يقولون: أَدْرَكْنَا أبَانَا على هَذِهِ الكَلِمَةِ لا إِلهَ إلاَّ اللَّهُ" وهم لا يَدْرُون مَا صَلاَةٌ وَلا صِيَام وَلا نُسُكٌ وَلا صَدَقَةٌ؟ فَأَعرَضَ عنه حُذيفَة فَرَدَّدَها عليه ثلاثاً كلُّ ذلك يُعْرِض عنه حذيفةُ ثم أقْبَلَ علَيْه في الثالثة فقال: فاصلةٌ تُنْجِيهم من النارِ". ثلاثا.
وهذا دال على أن العلم قد يرفع من الناس في آخر الزمان حتى إن القرآن يسري عليه النسيان في المصاحف والصدور ويبقى الناس بلا علم، وإنما الشيخ الكبير والعجوز المسنة يخبران بأنهم أدركوا الناس وهم يقولون لا إله إلا الله فهم يقولونها على وجه التقريب إلى الله عز وجل فهي نافعة لهم وإن لم يكن عندهم من العمل الصالح والعلم النافع غيرها، وقوله: تنجيهم من النار يحتمل أن يكون المراد أنها تدفع عنهم دخول النار بالكلية ويكون فرضهم القول المجرد لعدم تكليفهم بالأفعال التي لم يخاطبوا بها والله تعالى أعلم، ويحتمل أن يكون المعنى أنها تنجيهم من النار بعد دخولها، وعلى هذا فيحتمل أن يكونوا من المراد بقوله تعالى في الحديث القدسي.
"وعزَّتي وجلالِي لأخْرِجَنَّ من النّارِ مَنْ قَال يَوماً مِنَ الدّهرِ لاَ إِلهَ إلاَّ اللَّه".
كما سيأتي بيانه في مقامات الشفاعة، ويحتمل أن يكون أولئك قوماً آخرين والله أعلم، والمقصود أن العلم يرفع في آخر الزمان ويكثر الجهل، وفي هذا الحديت إخبار بأنه ينزل الجهل أي يلهم أهل ذلك الزمان الجهل وذلك من الخذلان نعوذ بالله منه، ثم لا يزالون كذلك في تزايد من الجهالة والضلالة إلى أن تنتهي الحياة الدنيا كما جاء في الحديث ما أخبر به الصادق المصدوق في قوله:
"لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أحَدٍ يقُولُ اللَّهُ اللَّهُ وَلاَ تقومُ إِلاَّ على شِرَارِ الناس".