عنوان الكتاب:

حجية السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي

تأليف:

عبد القادر بن حبيب الله السندي

ص -87-         حجية السنة النبوية
ومكانتها في التشريع الإسلامي
لفضيلة الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي المدرس بمعهد الحرم المكي
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد المصطفى وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فهذه فذلكة مجملة، وكلمة مختصرة عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الأصل الثاني للتشريع الإسلامي العظيم، وإن كنت لست فارسا من فرسان هذا الميدان الخضم إلا أني حملت حبا عظيما، وشعورا فياضا، وعاطفة دينية في نفسي الصغيرة نحو أولئك الأمجاد الكرام من الصحابة التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين خدموا هذا الأصل العظيم خدمة ممتازة ضخمة لا نظير لها في تاريخ الإنسانية الطويل، فأتوا بالعجب العجاب في هذه الخدمة المشار إليها، فأحببت أن يكون لي في تمجيد هؤلاء ورفع شأنهم بعض الحظ حتى أقف به بين يدي المولى سبحانه وتعالى في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وبحب هؤلاء الكرام، وبجهودهم، وخدماتهم الطويلة، ورحلاتهم الشاسعة إلى أقطار العالم في سبيل حفظ هذا الأصل الأصيل - السنة المطهرة على صاحبها أفضل السلام وأتم التسليم - أتقرب إليه جل وعلا إن كان ليس عندي غير هذا العمل وسأذكر في هذه الكلمة المتواضعة:

1- معنى السنة لغة واصطلاحا.
2- مكانتها ومنزلتها من التشريع الإسلامي.
3- ذكر بعض الجهود الضخمة التي قام بها العلماء المحدثون من الصحابة

 

ص -88-         والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في حفظها، وصيانتها، وذكر بعض نماذج السير لرجالها الذين كانوا حماتها وحفاظها.
أما معنى السنة لغة: فهي على وزن فعلة بمعنى مفعولة، وجمعها السنن، قال العلامة الإمام ابن الأثير: "قد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرف منها، والأصل فيها الطريقة، والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ونهى عنه، وندب إليه قولا، وفعلا مما لا ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال: في أدلة الشرع الكتاب والسنة. أي القرآن والحديث". وقال أيضاً: "ويجوز أن تكون من سننت الإبل إذا أحسنت رعيتها، والقيام عليها، ومنه الحديث: "أنه نزل المحصب، ولم يسنه" - أي لم يجعل سنة يعمل بها، وقد يفعل الشيء لسبب خاص لا يعم غيره"1 قلت: ورد هذا المعنى اللغوي في الأحاديث الكثيرة منها حديث ابن عباس رضي الله  تعالى عنهما قال: "رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بسنة" - أي أنه لم يسنه لكافة الأمة، ولكن لسبب خاص وهو أن يرى المشركين قوة أصحابه، وهو مذهب ابن عباس وحده من الصحابة، وغيره يرى أن الرمل في طواف القدوم سنة2. ومنها حديث أخرجه الإمام مالك في موطئه عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عمر قال: "لا أدري ما أصنع بالمجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: "أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"سنوا بهم سنة أهل الكتاب"3. فالمقصود أنها تطلق على الطريقة سواء كانت حسنة أو قبيحة كما جاء في حديث أخرجه مسلم في الصحيح والنسائي في السنن والإمام أحمد في المسند من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه مرفوعا: "من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها"4. ومنها حديث أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا، ذراعا ذراعا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النهاية لابن الأثير 1/186
2 أخرجه الأمام أحمد في المسند 1/229 وأبو داود في السنن، المناسك (50).
3 فتح الباري 6/361 وانظر مسند الحافظ أبي يعلى برقم 456 والموطأ الزكاة (42)
4 مسلم  العلم (15) النسائي الزكاة (64) مسند الإمام أحمد 4/357

 

ص -89-         حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟"1.
وبهذا المعنى اللغوي جاء به كتاب الله تعالى كقوله تعالى في سورة الأنفال:
{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ}2 وقال تعالى في سورة الحجر حاكيا عن الكفار الذين لا يؤمنون بهذا القرآن قال: {لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}3 وقال جل وعلا في سورة الإسراء: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً}4 وقال عز من قائل في سورة الكهف: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً}5. قال جل وعلا في سورة الأحزاب: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً}6. وقال أيضاً في سورة الأحزاب: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}7. وقال جل وعلا في سورة فاطر: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}8 وقال أيضا في سورة غافر: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}9 وقال جل وعلا في سورة الفتح: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}10 وقال في سورة آل عمران: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}11 وقال في سورة النساء: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}12 فكلمة السنة الواردة في هذه الآيات الكريمات بمعناها اللغوي، وهو الطريقة، والسيرة، وقد اقتصرت على نقل هذه الكلمة من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري: الاعتصام بالسنة (14)
2سورة الأنفال رقم الآية (38)
3 سورة الحجر رقم الآية (13)
4  سورة الإسراء رقم الآية (77)
5 سورة الكهف رقم الآية (55)
6 سورة الأحزاب رقم الآية (38)
7 سورة الأحزاب رقم الآية (62)
8 سورة فاطر رقم الآية (43)
9 سورة غافر رقم الآية (85)
10 سورة الفتح رقم الآية (23)
11 سورة آل عمران رقم الآية (137)
12سورة النساء رقم الآية 26 ومسلم العلم (6)

 

ص -90-         الكتاب الكريم والسنة النبوية لكونهما منبعا أصيلا، ومنهلا عذبا لأخذ العلوم كلها.

معنى السنة اصطلاحا:
وأما معنى السنة في اصطلاح علماء الإسلام، فقد اختلف فيه باختلاف أعراضهم وفنونهم:
1- فهي عند العلماء الأصوليين عبارة عما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عدا القرآن الكريم من قول, أو فعل, أو تقرير، فيخرج من السنة عندهم ما صدر من غيره عليه الصلاة والسلام رسولا كان أو غير رسول، وما صدر عنه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة.
2- وأما الفقهاء فهي عندهم عبارة عن الفعل الذي دل الخطاب على طلبه من غير إيجاب، ويرادفها المندوب والمستحب، والتطوع، والنفل، والتفرقة بين معاني هذه الألفاظ اصطلاح خاص لبعض الفقهاء، وقد تطلق على ما يقابل البدعة منه قولهم طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا، فهم بحثوا عن رسول الله صلة الله عليه وسلم الذي تدل أفعاله على حكم شرعي.
3- وأما المحدثون، فإن الرأي السائد بينهم - ولا سيما المتأخرين منهم - أن الحديث والسنة مترادفان متساويان يوضع أحدهما مكان الآخر وهذا هو بحثنا اليوم1 وعلى هذا المعنى قال العلامة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "الحديث النبوي عند الإطلاق ينصرف إلى ما حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النبوة من قول أو فعل أو إقرار، فإن سنته صلى الله عليه وسلم ثبتت عن هذه الوجوه الثلاثة وإن كان تشريعا إيجابا أو تحريما أو إباحة وجب اتباعه فيه صلى الله عليه وسلم فإن الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله تعالى فلا يكون خبرهم إلا حقاً"2. فالسنة


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نقلا عن رسالة الماجستير التي قدمها أخونا الشيخ لقمان السلفي إلى معهد القضاء العالي بالرياض..
2 مجموع الفتاوى شيخ الإسلام 18/6-10

 

ص -91-         على هذا المعنى  في اصطلاح أهل الحديث ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية.
قال العلامة السيد سليمان الندوي - وهو من علماء الأحناف الكبار في الهند وقد توفي رحمه الله تعالى-: "وأما الذين فرقوا بين الحديث والسنة فقد لاحظوا بينهما معناهما اللغوي فقالوا: إن الحديث اسم من التحديث وهو الإخبار ثم سمي به قول، أو فعل أو تقرير نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأما السنة - فهي تبعا لمعناها اللغوي - كانت تطلق على الطريقة الدينية التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته المطهرة، لأن معنى السنة في اللغة الطريقة والسيرة كما سبق بيانه. فإن كان الحديث عاما يشمل قول النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله، وتقريره فالسنة خاصة بأعمال النبي صلى الله عليه وسلم وفي ضوء هذا التباين الظاهري بين المفهومين نجد أن بعض العلماء يقولون أحيانا هذا الحديث مخالف للقياس والسنة والإجماع، ويقولون أحيانا إمام في الحديث، وإمام في السنة وإمام فيهما معا، فالحديث على هذا هو كل قول، أو فعل، أو تقرير نسب إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبتعبير آخر الحديث هو الرواية اللفظية لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وتقريراته.
وأما السنة فهي اسم لكيفية عمل الرسول صلى الله عليه وسلم المنقول إلينا بالعمل سواء كان متواترا أو آحادا بأنه عمله النبي صلى الله عليه وسلم ثم من بعده الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وهلم جرا، ولا يشترط تواترها بالرواية اللفظية فيمكن أن يكون الشيء متواترا عملا ولا يكون متواترا معنى، وأما المتداول بين علماء الحديث المتأخرين كما سبق فإنهما في معنى واحد، ولا يخفى ارتباط معناهما اللغوي بالمعنى الاصطلاحي وهذا واضح جلي إن شاء الله تعالى"1

مكانة السنة ومنزلتها من التشريع الإسلامي:
وأما مكانتها، ومنزلتها من التشريع الإسلامي، فلقد انتهى العلماء المحققون من السلف والخلف رحمهم الله تعالى إلى أن الحديث النبوي الشريف والذي صح حسب القواعد الأصولية حجة على جميع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر تحقيق معنى السنة ص ( 18) نقلا عن رسالة الأخ لقمان السلفي..

 

ص -92-         الأمة، وقد أجمعوا على ذلك إجماعا استناده الكتاب الكريم، والسنة النبوية.
وأما الكتاب فقوله جل وعلا في سورة النساء:
{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً}1
قال الإمام السيوطي: "أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معاوية قال: "يا بني هاشم إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحقيتم2 النبوة ولا يجتمعان لأحد، وتزعمون أن لكم ملكا؟" فقال له ابن عباس: "أما قولك إنا نستحق الخلافة بالنبوة، فإن لم نستحقها بالنبوة فبم نستحقها؟ وأما قولك أن النبوة والخلافة لا يجتمعان لأحد، فأين قول الله تعالى {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً} فالكتاب النبوة، والحكمة السنة"3 هذا هو الشاهد من إيراد هذه الرواية، وقد يسأل السائل أين إسناد هذه الرواية وإن كانت موقوفة، فأقول له قد بحثت عن هذا الكتاب ببعض البحث حتى أطلع على إسناده فلم أجد له أثرا في الفهارس الموجودة بين أيدينا، وقد ذكره بن النديم في الفهرست وعمر ابن شبة النميري في تاريخ المدينة وهو كتاب عظيم نافع جمعه الإمام الزبير بن بكار الأسدي المدني من شيوخ ابن ماجه رحمه الله تعالى وهو صاحب كتاب جمهرة نسب قريش المطبوع منه الجزء الأول بتحقيق الأستاذ محمود محمد شاكر، ولرواية ابن عباس الموقوفة شاهد قوي من مرسل قتادة ابن دعامة السدوسي، والحسن البصري رحمهما الله تعالى أخرجهما الإمام العلامة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره تحت قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} قال أبو جعفر: "اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة التي ذكرها الله تعالى في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي السنة"، ثم قال: "وذكر من قال ذلك" ثم ساق إسناده بقوله: "حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة: الحكمة: أي السنة"4 قلت: لا يخفى على من له علم بأسماء الرجال أن هذا الإسناد هو من أصح الأسانيد المروية إلى قتادة بن دعامة السدوسي الإمام الثقة الحافظ الثبت التابعي.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة النساء ( 54)..
2 كذا في المطبوع والصواب: استحققتم
3 الدر المنثور 173/2
4 ابن جرير الطبري 86-87/3

 

ص -93-         وقال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره في هذا الموضع: "الحكمة السنة قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم"1 وهكذا فسرها في جميع المواضع التي وردت في القرآن الكريم، الحكمة هي السنة، وهكذا قال العلامة الشوكاني في تفسيره فتح القدير2. فإذا علم هذا وفهم فاسمعوا ما قال الله تعالى في سورة البقرة: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}3 وقال أيضاً في هذه السورة: {وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}4، وقال تعالى في سورة آل عمران حاكيا عن عبده ورسوله عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ}5. فهذه الآية، وآية أخرى وهي قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}6 فهذا نص صريح على أن الله تعالى لم يخص نبيه صلى الله عليه وسلم وحده بالسنة بل إنه جل وعلا سن هذه السنة لجميع رسله، وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام الذين أكرمهم بالنبوة والرسالة، ونحو هذا المعنى قوله تعالى في سورة المائدة: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ}7 وقال تعالى في سورة آل عمران: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}8 وقال عز من قائل في سورة النساء: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تفسير بن كثير  184/1
2 تفسير فتح القدير 124/1
3 البقرة ( 151)
4 البقرة ( 231)
5 آل عمران ( 48)
6 آل عمران (81)
7 المائدة (110)
8 آل عمران ( 164)

 

ص -94-         الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}1 وقال جل وعلا في حق أمهات المؤمنين في سورة الأحزاب: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً}2، قال العلامة السيوطي تحت هذه الآية الكريمة: "أخرج بن سعد وعبد الرزاق، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى - ثم ذكر هذه الآية ثم قال - القرآن والسنة عتب عليهن بذلك"3 وقال جل وعلا: في سورة الجمعة {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}4 وهذه الجملة كبيرة من الآيات الكريمات تنص على أن السنة هي وحي الله تعالى إلى سائر رسله، وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام. منهم هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري تحت قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} قال: "وما أنزل عليكم من الحكمة وهي السنن التي علمكموها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنها لكم"5، وقال أيضا تحت قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ} ثم ساق إسناده إلى قتادة برقم (8071) وقال: "الحكمة السنة" وكذا نقل عن عبد الملك بن جريج بإسناده الصحيح. وقال أبو جعفر مفسرا لهذه الآية وهي قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} الآية.. قال: "يعلمهم الله كتاب الله الذي أنزله عليه، ويبين لهم تأويله، ومعانيه، والحكمة السنة التي سنها الله تعالى للمؤمنين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وبيانه لهم" ثم أيد هذا المعنى بأثر قتادة بسياق طويل وهو برقم ( 8177) وإسناده من أصح الأسانيد المروية إلى قتادة وأيد هذا المعنى العلامة السيوطي... في رسالته القيمة (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) نقلا عن أئمة الإسلام الكبار مثل الإمام الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، ومالك رحمهم الله تعالى ونقل أقوالهم، ونصائحهم فيما يتعلق بالعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم6 ونحو هذا المعنى في سورة النور قال الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النساء (113)
2 الأحزاب (34)
3 الدر المنثور5/199
4 الجمعة (2)
5 تفسير بن جرير الطبري 5/15 من نسخة العلامة أحمد شاكر
6  ص(8) 

 

ص -95-         لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}1، ولقد عرفنا إن شاء الله تعالى خلال سرد هذه الآيات البينات أن السنة النبوية لها مكانة سامية، ومنزلة رفيعة في التشريع الإسلامي، وهي مفسرة، ومبينة لكتاب الله تعالى ومقيدة لعمومه كما قال تعالى في هذا المعنى في سورة الأنعام:{وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ}2.
وقال تعالى: في سورة الأعراف: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}3، وقال تعالى في سورة الإسراء: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً}4 وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}5 والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولو تضرب الأمثلة لبيان هذا التفصيل الوارد في الكتاب الكريم لم يكف لنا النهار كله، فالآيات كلها تعطينا بيانا واضحا، وتفسيرا شافيا عن منزلة السنة من القرآن الكريم، ولقد عرفنا جميعا إن شاء الله تعالى حجية السنة والاستدلال بها على ما يستدل به على أحكام الشرع حلالا، وحراما، وأمرا، ونهيا، وقال جل وعلا في سورة النساء: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما}6 قال السيوطي7: "أخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والبيهقي من طريق الزهري أن عروة بن الزبير حدث عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلا من الأنصار وقد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: "سرح الماء يمر" فأبى عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري وقال: "يا رسول الله أن كان ابن


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1النور (51)
2الأنعام ( 119)
3 الأعراف (52)
4الإسراء (12)
5 هود (1)
6 النساء  (65)
7 الدر المنثور 2/180

 

ص -96-         عمتك"، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار، ثم أرسل الماء إلى جارك"، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري، فلما لم يرضى الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير: "ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك، {فَلا وَرَبِّكَ}" وهكذا أخرجه الحميدي في مسنده، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، فقضى للزبير، فقال الرجل إنما قضى له لأنه ابن عمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهكذا أخرجه الإمام ابن الجارود في المنتقى، والإسماعيلي فيما نقل عنه الحافظ في الفتح"1.
قلت: إن هذه الآية الكريمة وما في معناها نص صريح في وجوب اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. قال العلامة أبو جعفر الطبري مفسرا لهذه الآية: "فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد، واستأنف القسم جل ذكره، فقال: وربك يا محمد لا يؤمنون أي لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك، حنى يحكموك فيما شجر بينهم، يقول: حتى يجعلوك حكما بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه، قال رحمه الله تعالى: شجر يشجر شجورا، شجرا، وتشاجر القوم إذا اختلفوا في الكلام والأمر
{بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ} أي لا تأثم بإنكارها ما قضيت وشكها في طاعتك، وإن الذي قضيت به بينهم حق، لا يجوز لهم خلافه، ثم ساق أسانيده الكثيرة بهذا المعنى في أسباب نزول هذه الآية، ومنها حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه المتفق عليه بين الشيخين وغيرهما، وحققها، وخرجها العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على ابن جرير الطبري2  وللإمام عمدة المفسرين العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى كلام جيد في تفسير هذه الآية الكريمة فليراجع منه3. وقال الله تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}4


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح الباري 5/26
2 ابن جرير الطبري8/524-525
3 تفسير ابن كثير 1/252-254
4 سورة النور (63)

 

ص -97-         قال العلامة الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره تحت هذه الآية بعد إيراده روايات عديدة في أسباب نزولها، قال: "{يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سبيله، ومنهاجه، وطريقته، وسنته، وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال، بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مردود على قائله، وفاعله، كائنا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، {فَلْيَحْذَرِ} وليخش من خالف شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم باطنا، وظاهرا، {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي في قلوبهم من كفر، أو حد، أو حبس، أو نحو ذلك كما روى الإمام أحمد، فقال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش، وهذه الدواب اللائي يقعن في النار وجعل يحجزهن، ويغلبنه فيقتحمن فيها" قال: "فذلك مثلي، ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار (أمنعكم عن النار) فتغلبوني وتقتحمون فيها" أخرجاه من حديث عبد الرزاق". قلت: أخرجه البخاري1 ومسلم2 والترمذي3 والإمام أحمد في مسنده4 والغوي في شرح السنة5. ورواه همام بن منبه عند البغوي بالإخبار. وقال العلامة الإمام البغوي في نهاية الحديث هذا حديث: "متفق على صحته أخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وأخرجاه من أوجه عن أبي هريرة" اهـ. ونحو هذا المعنى قوله جل وعلا في سورة النور: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}6.
الآيات في هذا المعنى كثيرة جدا وكلها نص صريح في وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه يتمثل في اتباع سنته الصحيحة الثابتة


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 1البخاري: كتاب الاعتصام، كتاب الأنبياء (6) الرقاق (26)
2 مسلم: الفضائل حديث رقم (17)
3 الترمذي الأدب (82)
4 مسند الإمام أحمد 2/244/1312
5 البغوي شرح السنة 1/189
6 سورة النور (51) (52)

 

ص -98-         عنه صلى الله عليه وسلم، وتثبت حجية السنة النبوية ثبوتا واضحا مبينا من قوله جل وعلا في سورة البقرة قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}1. والشاهد في هذه الآية الكريمة هو أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يؤمر بالتوجه إلى الكعبة المشرفة، وكان صلاته صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى ولكن أين هذا الأمر في القرآن الكريم؟ قال العلامة الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى ملخصا ما ذكره قبل هذا الكلام: "حاصل الأمر أنه كان صلى الله عليه وسلم أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس فكان بمكة يصلي بين الركنين، فيكون بين يدي الكعبة وهو مستقبل الصخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، قاله ابن عباس والجمهور". ثم قال: "وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة"2. وهكذا قال الإمام العلامة أبو جعفر في تفسيره3 أخرج الإمام الشافعي في الرسالة4 والإمام أحمد في المسند5 وأبو داود6 والترمذي7 وابن ماجه8 والبغوي في شرح السنة9 وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم10 من حديث أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول لا أدري ما وجدناه في كتاب الله تعالى اتبعناه". قال العلامة الإمام البغوي في شرح السنة: "قال الأزهري: كل من اتُكِئَ عليه فهو أريكة. وأراد بهذه الصفة أصحاب الترفه، والدعة، الذين لزموا البيوت، وقعدوا عن طلب العلم". وفي الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث إلى أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حجة بنفسه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" قلت: أورده السيوطي في مفتاح الجنة في


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البقرة (143)   
2 تفسير ابن كثير 1/195
3 تفسير ابن جرير الطبري /138-140
4 رسالة الإمام الشافعي 295
5 مسند الإمام أحمد 6/8
 6أبو داود رقم 4605
7 الترمذي 2665
8 ابن ماجه المقدمة 13
9 شرح السنة 1/200-201
10 الحاكم في المستدرك1/108-109

 

ص -99-         الاحتجاج بالسنة، وقال رحمه الله تعالى: "وأخرج البيهقي بسنده عن المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء يوم خيبر من الحمار الأهلي وغيره فقال صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث حديثي، فيقول بيني وبينكم كتاب الله تعالى فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه وإنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله"، الحديث أخرجه العلامة البغوي في شرح السنة برقم (101) وخرجه الشيخ شعيب في التعليق وقال: "أخرجه أحمد والدارمي وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وقال: حسنه الترمذي" اهـ قلت: نعم أخرجه الإمام الترمذي في الجامع تحت باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسنه ثم قال: "وروى بعضهم عن سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وسالم أبي النضر عن عبيد الله ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ابن عيينة إذا روى هذا الحديث على الانفراد بين حديث المنكدر من حديث سالم أبي النضر، وإذا جمعهما روى هكذا" وأبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم. قال العلامة المحدث المباركفوري: "روي هذا الحديث موقوفا على أبي رافع كما ترى في طريق الترمذي ورواه أبو داود في السنن مرفوعا" ثم قال: "رواه أبو داود في السنن فقال: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، وعبد الله بن محمد النفيلي، قالا: حدثنا سفيان، عن أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الحديث". قلت: الذين رووه بالرفع هم أكثر عددا من الذين رووه بالوقف، ورواه البغوي مرفوعا وكذا ابن ماجه، وأبو داود، وأحمد في المسند، والدارمي في سننه من غير هذا الوجه مرفوعا برقم (592) ثم قال العلامة المباركفوري: "وهذا الحديث دليل من دلائل النبوة، وعلامة من علاماتها، فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم فإن رجلا قد خرج في البنجاب من أقليم الهند. وسمى نفسه بأهل القرآن، شتان بينه وبين أهل القرآن بل هو من أهل الإلحاد، وكان قبل ذلك من الصالحين - قلت ما كان من الصالحين ولم يتمكن الإيمان من قلبه - فأضله الشيطان، وأغواه، وأبعده عن الصراط المستقيم فتفوه بما لا يتكلم به

 

ص -100-      أهل الإسلام، فأطال لسانه في رد الأحاديث النبوية بأسرها ردا بليغا   وقال هذه كلها مكذوبة، ومفتريات على الله تعالى، وإنما يجب العمل على القرآن العظيم فقط دون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت صحيحة متواترة، ومن عمل على غير القرآن فهو داخل تحت قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، وغير ذلك من أقواله الكفرية وتبعه على ذلك كثير من الجهال، وجعلوه إماما، وقد أفتى علماء العصر بكفره، وإلحاده، وأخرجوه من دائرة الإسلام كما قالوا". ثم خرج هذا الحديث بقوله: "أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي في الدلائل"1. قلت: أخرجه الإمام أحمد في مسنده من ثلاث طرق، طريق أبي هريرة رضي الله  تعالى عنه وفيه أبو معشر وهو ضعيف إلا أنه يكتب حديثه ويستشهد به، وطريق آخر وهو طريق أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه أسلم وهو طريق جيد، وطريق ثالث وهو طريق المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه وهو أيضا طريق جيد، وأنهي هذا الموضوع بآيات من الذكر الحكيم قال تعالى في سورة الحشر: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا}2 وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}3  وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً. وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}4 وقال جل وعلا في سورة الأحزاب: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا}5 وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}6 وقال عز من قائل في سورة الحديد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تحفة الأحوذي 3/374
2 الحشر 7
3 الأحزاب 36
4 الأحزاب 22
5 الأحزاب 66
6 النساء 59

 

ص -101-      لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. فالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإيمان الكامل بما جاء به من عند الله تعالى من كتاب وسنة صحيحة ثابتة والعمل بهما ظاهرا وباطنا وتسليم الأمر إليهما والدعوة إليهما، والاستماتة في سبيلهما حتى يأتيه الموت فيلقى ربه بلقاء عظيم مرضي.

جهود العلماء في حفظ السنة:
أما جهود العلماء المحدثين من الصحابة ومن تبعهم في حفظ السنة النبوية فإنها جهود مباركة ضخمة، وقعت مصداقا لقوله جل وعلا في سورة الحجر
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}1 ولقوله جل وعلا: في سورة التوبة: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}2 و مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه الإمام أحمد في المسند3 وأبو داود في السنن4 والترمذي في الجامع5 وابن ماجه6 والدارمي7 في سننيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نضر الله امرأً سمع مني حديثا فحفظه، حتى يبلغه فرب مبلغ أحفظ له من سامع" قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى (في مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة): "هذا الحديث متواتر"8. وقال في تدريب: "روي من ثلاثين صحابيا". وقال الشافعي رحمه الله تعالى: "فلما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى استماع مقالته، وحفظها، وأدائها دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة، على من أدى إليه، وأن ما يؤدى عنه حلال يؤتى، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ، ويعطى، ونصيحة في دين، ودنيا". أخرج الإمام نصر المقدسي في كتاب الحجة على ترك المحجة بسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من غدا أو راح في طلب سنة مخافة أن تندرس كان كمن غدا أو راح في  سبيل الله ومن كتم علما علمه الله إياه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار" وأخرج عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الحجر 9
2 التوبة 122
3 مسند الأمام أحمد 1/437، 3/225، 4/80، 4/82، 5/183
4 سنن أبي داود العلم 10
5 الترمذي العلم 7
6 ابن ماجه المقدمة 8
7 الدارمي المقدمة 20
8 ص6

 

ص -102-      ظهرت البدع في أمتي وشتم أصحابي فليظهر العالم علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". ومن هنا كانت تلك الجهود الضخمة والمباركة التي كانت فريدة في نوعها، وعزيزة في وجودها ولا يوجد لها مثيل في سائر الأمم الماضية، يقول الدكتور اسبر نكر أحد علماء الألمان البارزين فيما نقل عنه العلامة المحدث المباركفوري في سيرة البخاري قال: "إن علم أسماء الرجال اختصت به هذه الأمة الإسلامية دون سائر الأمم، وإنه مفخرة كبيرة للمسلمين، وثورة علمية هائلة جُمِعَت لهم من أسلافها، وميدان خضم ولهم في ذلك أقدام راسخة". قلت: هكذا يمجد هذا المستشرق هذا العلم الشريف وهو بكلامه هذا يقضي على جميع الشبه التافهة التي أوردها أعداء السنة النبوية حديثا، وقديما، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الجامع الصحيح في كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم: "ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد". وأشار رحمه الله تعالى بهذا التعليق إلى الحديث رواه في كتاب الأدب المفرد في باب المعانقة ص 337 من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "بلغني من رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيرا، ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت نعم.. فخرج عبد الله بن أنيس فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم فخشيت أن أموت، أو تموت قبل أن أسمعه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة عراة، غرلا، بُهْماً، قلنا ما بهما؟ قال: ليس عليهم شيء، فينادهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة" يعني لا يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار إلا بعد تصفية الحساب. قال الحافظ في الفتح بعد إيراد حديث جابر هذا ورحلته إلى عبد الله بن أنيس: "وفي هذا الحديث ما كان عليه الصحابة من الحرص على تحصيل السنن النبوية قال الخطيب البغدادي في رسالته القيمة (الرحلة في طلب الحديث) بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال: "بلغني عن

 

ص -103-      أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله ليكتب لعبده بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فحججت ذلك العام، ولم أكن أريد الحج إلا للقائه في هذا الحديث فأتيت أبا هريرة ,فقلت: يا أبا هريرة بلغني عنك حديث فحججت العام ولم أكن أريد الحج إلا لألقاك، قال: فما هو؟ قلت إن الله ليكتب لعبده المؤمن الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فقال أبو هريرة: ليس هكذا قلت: إنما قلت إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة، ثم قال: أو ليس في كتاب الله تعالى ذلك؟ قلت: كيف؟ قال: لأن الله تعالى يقول: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} والكثير عند الله أكثر من ألفي ألف وألف ألف" اهـ وقال الخطيب أيضا في هذه الرسالة بإسناده الطويل: "عن عطاء بن أبي رباح قال: خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة ابن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر، فأخبر به فعجل فخرج إليه فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب قال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن قال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ستر مؤمنا في الدنيا ستره الله يوم القيامة" فقال له أبو أيوب: صدقت ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة". قلت: هكذا نجدهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين حريصين أشد الحرص على حفظ السنة وصيانتها، ثم قال الخطيب بإسناده عن عبد الله بن بريدة: "إن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه، فقال: إني لم آتيك زائرا ولكن سمعت أنا وأنت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم رجوت أن يكون عندك منه علم قال: فما هو؟ قال كذا وكذا". وساق الحديث، وهكذا نجد سيد التابعين وعالم المدينة الإمام سعيد بن المسيب، كما قال الإمام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية قال مالك عن يحي بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: "كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد". قال الحافظ الإمام ابن أبي حاتم الرازي الحنظلي في مقدمة الجرح والتعديل في ترجمة أبيه الإمام أبي حاتم الرازي عند ذكر رحلته في طلب الحديث قال ابن أبي

 

ص -104-      حاتم: "سمعت أبي يقول: أول ما خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، لم أزل أحصي فلما زاد على ألف فرسخ تركته، وأما ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصى كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، خرجت من البحر من قرب مدينة (سلا) إلى مصر ماشيا، ومن مصر إلى الرملة ماشيا، ومن الرملة إلى بيت المقدس ماشيا، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية إلى طرسوس ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي عليَّ شيء من حديث أبي اليماني، فسمعته، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت إلى الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل ومن النيل إلى الكوفة كل ذلك ماشيا هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين، خرجت من الري سنة 213هـ، في شهر رمضان، ورجعت سنة 221هـ"، هكذا نجدهم رحمهم الله تعالى في رحلاتهم، وسفراتهم يتنقلون راجلين يقطعون آلاف من الأميال والفراسخ لحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الدارقطني صاحب السنن يعلن في بغداد في الأسواق والشوارع: "يا أهل بغداد لا يمكن لأحد منكم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دمت حيا". وهذا أبو حامد الشرقي صاحب كتاب الصحيح وهو تلميذ نجيب للإمام مسلم النيسابوري كانت حياته كلها حاجزة بين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو زكريا يحي بن معين نودي في جنازته بصوت عال مرتفع هذا الذي كان يذب الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الجبل الناطح الإمام البارع أبو عبد الله أحمد بن حنبل وقف وقفة رائعة مثالية في الدفاع عن السنة النبوية أمام أكبر حكومة كانت على وجه الأرض حتى قال الإمام ابن حبان البستي فيما نقل عنه الحافظ بن حجر في التهذيب: "أغاث الله تعالى به أمة محمد صلى الله عليه وسلم". وهذا البخاري صاحب الصحيح الذي اتسم كتابه بأصح الكتب بعد كتاب الله تعالى قال الحافظ في مقدمة الفتح قال: "وراقة محمد بن خراش يقول: سمعت أحيد بن حفص يقول: دخلت على إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته

 

ص -105-      فقال: لا أعلم من مالي درهما من حرام، ولا درهما من شبهة". ثم قال الحافظ: "حكى وراقة أنه ورث من أبيه مالا جليلا، وكان يعطيه مضاربة، فقطع له غريم خمسة وعشرين ألفا، فقيل له: استعن بكتاب الوالي فقال: إن أخذت منهم كتابا طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياي، ثم صالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله". ثم قال الحافظ: "ومات إسماعيل ومحمد صغير، فنشأ في حجر أمه، ثم حج مع أمه، وأخيه أحمد، وكان أسن منه فأقام بمكة مجاورا، يطلب العلم، ورجع أخوه أحمد إلى بخارى، فمات بها". روى نمنجار في تاريخ البخاري واللالكائي في شرح السنة في باب كرمات الأولياء منه: "أن محمد بن إسماعيل ذهبت عيناه في صغره، فرأيت والدته الخليل إبراهيم في المنام، فقال لها: يا هذه رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك قال: فاصبح وقد رد الله عليه بصره"، قال الفربري: "سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخاري يقول: سمعت البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث وأنا في  الكتاب، قلت: كم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يوماً فيما كان يقرأ الناس، سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت يا أبا الزبير: لم يرو عن إبراهيم1، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل، إن كان عندك؟ فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير وهو ابن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت، قال: فقال له إنسان ابن كم حين رددت عليه فقال: ابن إحدى عشرة سنة". قلت: هذه الرواية تدل على عظمة الرجل العظيم في الإسلام في هذه السن المبكرة يوجهه الله تعالى إلى أن يقف هذا الموقف العظيم من معرفة الرجال الذين نقلوا إلينا هذا العلم الشريف، وكان لما ورث من أبيه من مال حلال أثر عظيم في تربيته، وتنشئته ثم قال الحافظ: "قال البخاري: فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء  يعني أصحاب الرأي قال: ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج".


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا في الأصل 

 

ص -106-      قلت: فكان أول رحلة على هذا سنة عشر ومائتين ولو رحل أول ما طلب لأدرك ما أدركته أقرانه من طبقة عالية وإن كان أدرك ما قاربها كيزيد بن هارون، وأبي داود الطياليسي، ثم قال: "فلما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين، ثم صنفت التاريخ في المدينة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم" وقال: "وكنت أكتبه في الليالي المقمرة". قال: "وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب" ثم ذكر الحافظ رحلة البخاري في طلب الحديث، تلك رحلة عظيمة تعطينا فكرة أصيلة عن اهتماهم البالغ، وسعيهم الحثيث لحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه جهود فردية قام بها هؤلاء رحمهم الله تعالى في هذا الميدان العظيم وأما الجهود الجماعية فإنها جهود كبيرة شامخة لا يتسع لها هذا الوقت وأرجو أن أوفق لها إن شاء الله في حلقة قادمة.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.