عنوان الكتاب:

توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار - الجزء الثاني

ج / 2 ص -5- بسم الله الرحمن الرحيم
مسألة: 37 [في بيان حقيقة المنكر وأقسامه]
"المنكر" اسم مفعول "قال الحافظ أبو بكر أحمد بن هرون البرديجي" بموحدة مفتوحة وتكسر فراء ساكنة فدال مهملة مكسورة فمثناة تحتية فميم فجيم نسبة إلى برديج بزنة فعليل بلدة بينها وبين برذعة نحو أربعة وعشرين فرسخا ينسب إليها هذا الحافظ وبرذعة بموحدة فراء ساكنة فذال معجمة فعين مهملة وهي مدينة بأران إن حقيقة المنكر "هو الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه منه ولا من وجه آخر" هكذا رواه ابن الصلاح عن الحافظ أبي بكر بلاغا فقال بلغنا عن أبي بكر1.
"ثم اعترضه ابن الصلاح وقال هو ينقسم إلى ما ينقسم إليه الشاذ وهو بمعنى الشاذ قلت: وكان يليق إلا يجعل نوعا وحده" ضقال الحافظ ابن حجر: على قول ابن الصلاح إنه ينقسم إلى ما ينقسم إليه الشاذ ما لفظه هما مشتركان في كون كل واحد منهما على قسمين وإنما اختلافهما في مراتب الرواة فالضعيف إذا انفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن فهذا أحد قسمي الشاذ فغن خولف فيما هذه صفته مع ذلك كان أشد شذوذا وربما سماه بعضهم منكرا وإن بلغ تلك المرتبة في الضبط لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط فهذا القسم الثاني من الشاذ وهو المعتمد في تسميته وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ في بعض دون بعض أو الضعيف في بعض مشايخه بشيء لا متابع له ولا شاهد عليه فهذا أحد قسمي المنكر وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث فإن خولف في ذلك فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 105.

 

ج / 2 ص -6- فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلا منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالف انتهى.
وقال في النخبة وشرحها1 وشرح شرحها بعد ذكر نحو ما ذكره الحافظ هنا ما لفظه وعرف بهذا أي بما ذكرناه من التقرير الدال على الفرق بين الشاذ والمنكر أن بينهما عموما وخصوصا من وجه وهو أنه يعتبر في كل منهما شيء لا يعتبر في الآخر ويعتبر في كليهما شيء آخر حيث اعتبر في كليهما مخالفة الأرجح وفي الشاذ مقبولية الراوي وفي المنكر ضعفه لأن بينهما اجتماعا في اشتراط المخالفة وافتراقا في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف أي لسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك.
قال: وقد غفل أي عن الاصطلاح أو عن هذا التحقيق من سوى بينهما أراد به ابن الصلاح فإنه سوى بينهما. انتهى.
"وقال الحافظ ابن حجر: في مقدمة شرح البخاري" المعروف بفتح الباري "في ترجمة بريد بضم بضم الموحدة هو ابن عبد الله بن أبي برده ابن أبي موسى إن أحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة".
قال ابن الصلاح: وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث.
قال ابن حجر: قلت: وهو ما ينبغي التيقظ له فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد المنكر على مجرد التفرد لكن حيث لا يكون المنفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده انتهى.
قلت: وفي مقدمة صحيح مسلم وعلامة المنكر في حديث المحدث ما إذا عوضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم ولم يكذبوا فيها فإذا كان الأغلب من حديثه ذلك كان مهجور للحديث غير مقبولة ولا مستعملة فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم يسمى منكر قال الحافظ وهذا هو المختار
* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ص 36.

 

ج / 2 ص -7- مسألة: 38 [في بيان حقيقة الأفراد]
من أنواع علوم الحديث "الأفراد" لم يفردها بتعريف لأنه يعرف إذ لا يخلو "إما أن يكون الحديث فردا مطلقا" أي غير مقيد بشيء كما يعرف من مقابله "فحكمه حكم الشاذ والمنكر كما تقدم".
قال الحافظ ابن حجر: إنه ينقسم المطلق إلى نوعين:
أحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث دون غيره.
والثاني: قد ينقسم أيضا دون غيره قسمين أحدهما بقيد كون الفرد ثقة والثاني لا بقيد .
فأما أمثلة الأول فكثيرة جدا وقد ذكر شيخنا في منظومته له حديث ضمرة بن سعيد بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي واقد في القراءة في الأضحى قال شيخنا لم يروه أحد من الثقات غير ضمرة بن سعيد وله طريق أخرى من طريق عائشة سندها ضعيف انتهى.
قلت: الحديث المشار إليه لفظه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأضحى والفطر بقاف "واقتربت الساعة" رواه مسلم وأصحاب السنن1.
قال وأما أمثلة الثاني فكثيرة جدا منها في الصحيحين حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي العباس عن عبد الله بن عمر في حصار الطائف تفرد به ابن عيينة عن عمرو وعمرو عن أبي العباس أبو العباس عن عبد الله بن عمر كذلك.
ومثال النوع الثاني حديث عائشة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء له طريقان رواتهما كلهم مدنيون قال الحاكم تفرد أهل المدينة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم في: العيدين: حديث 14, وأبو داود في: الصلاة ب 246. وما لك في العيدين: حديث 8.

 

ج / 2 ص -8- بهذه السنة1.
أو يكون مقيدا وهو نوعان:
الأول: قوله: "أو مقيدا بالنسبة إلى الثقات كقولهم لم يروه من الثقات إلا فلان فلا يحتج به إلا أن من رواه من غير الثقات قد بلغ مرتبة الاعتبار" ويأتي تحقيقها قريبا "كذا نص عليه الزين ولفظه إذا كان القيد بالنسبة لرواية الثقة كقولهم لم يروه ثقة إلا فلان فإن حكمه قريب من حكم الفرد المطلق لأن رواية غير الثقة كلا رواية إلا أن يكون قد بلغ رتبة من يعتبر بحديثه انتهى والصحيح أنه يأتي فيه ما يأتي في الشاذ من التفصيل" وقد مضى ذلك.
والثاني: قوله: "أو مقيدا بالنسبة إلى بلد كأفراد الكوفيين والبصريين فلا ضعف فيه" لأنه ليس مفردا ما تفرد به جماعة من أهل الكوفة أو البصرة نعم إن تفرد به واحد منهم فهو الذي أشارة إليه بالاستثناء بقوله "إلا أن ينسب إليه مجازا والمنفرد به واحد منهم" كأن يقال تفرد به الكوفيين مثلا والمنفرد به واحد من أهل الكوفة فنسب التفرد إليهم مجازا من باب عقروا الناقة "فيكون حكمه حكم ما انفرد به واحد كما تقدم" لأنه هو إنما قال فيه بالنسبة.
قلت: قد جعل الحافظ ابن حجر النسبي أربعة أنواع:
الأول: تفرد شخص عن شخص كحديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر في قصة الكدية التي عرضت لهم يوم الخندق أخرجه البخاري2 وقد تفرد به عبد الواحد بن أيمن عن أبيه وقد روى من غير حديث جابر وأمثلة ذلك في كتاب الترميذي كثيرة جدا بل قد ادعى بعض المتأخرين أن جميع ما فيه من الغرائب من هذا القبيل وليس كما قال لتصريحه في كثير منه بالتفرد المطلق.
الثاني: تفرد أهل بلد عن شخص كحديث القضاة ثلاثة3 تفرد به أهل مرو عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وقد جمعت طرقه في جزء.
الثالث: تفرد شخص عن أهل بلد أخرى مثاله ما رواه أبو داود4 من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 97: ذكر النوع الخامس والعشرين.
2 البخاري في: المغازي ب 29, والدارمي في: المقدمة: ب 7.
3 الترمذي 1322. والبيهقي 10/116- 117. وشرح السنة10/94.
4 في: الطهارة ب 126. والبيهقي 1/227, 228, والبغوي 1/532.

 

ج / 2 ص -9- حديث جابر في قصة الشجوج إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقه قال أبي داود فيما حكاه الدار قطني في السنن هذه سنة تفرد بها أهل مكة وحلها عنهم أهل الجزيرة انتهى.
قلت: ظاهر هذا الكلام أن التفرد شامل لتفرد الصحابي وأنه يجرى فيه ما ذكر من الأحكام وهو مشكل فإنه كم من حديث تفرد به صحابي فإن خصوا هذا التفرد بمن عدا الصحابة فهو تخصيص لبعض الثقات عن بعض فلينظر وهذا يجرى فيما سلف من بعض أقسام الشاذ.
"وهذا القسم" وهو الأفراد "آخره إبن الصلاح وزين الدين إلى ما بعد الاعتبار والمتابعات ورأيت تقديمه أكثر مناسبة" لما بينه وبين ما سبقه من المناسبة "والله أعلم".

 

ج / 2 ص -10-          مسألة: 39 [في بيان حقيقة الاعتبار والمتابعات والشواهد]
من أنواع علوم الحديث "الاعتبار والمتابعات والشواهد" هكذا عبارة ابن الصلاح ضقال الحافظ ابن حجر: عليها قلت: هذه العبارة توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد وليس كذلك بل الاعتبار هي الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد وعلى هذا كان حق العبارة أن يقول معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد وما أحسن قول شيخنا في منظومته1:

الاعتبار سبرك الحديث هل                   تابع راو غيره فيما حمل

فهذا سالم من الاعتراض. انتهى.
وذلك لأن الاعتبار هو نقس معرفة القسمين أو علة معرفتهما وليس قسيما لهما لعدم اندراج الثلاثة تحت أمر واحد فإن التقسيم هو ضم القيود المتباينة أو المتخالفة إلى القسم وليس هذا كذلك بل الاعتبار هيئة للتوصل إلى المتابع أو الشاهد فكيف يكون قسما لهما2؟.
"هذه ألفاظ يتداولها أهل الحديث بينهم فالاعتبار" حقيقته أن يأتي المحدث إلى حديث لبعض الرواة فتعتبره بروايات غيره من الرواة واعتباره يكون بسيره أي المحدث أي بتتبعه طرق الحديث ليعرف المحدث هل يشاركه أي يشارك الراوي في رواية ذلك الحديث الذي سبر طرقه راو غيره أي غير ذلك البعض فرواه أي ذلك الغير عن شيخه عن شيخ البعض فيكون شيخا لهما فإذا لم يجد من يشاركه في شيخه تتبع الطرق فإذا لم يجد فيها من رواه عن شيخه فعن شيخ شيخه إلى الصحابي أي يكون السبر والتتبع إلى أن ينتهي إلى الصحابي "فإن وجد من رواه عن أحد منهم" من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 1/94/171.
2 أنظر فتح المغيث للسخاوي 1/241.

 

ج / 2 ص -11-          شيوخه "فهو تابع" أي المروى من طريق أخرى غير طريق البعض فإنه يسمى تابعا فالاعتبار طريق لمعرفة التابع فإن كان عن شيخه فهذه هي المتابعة التامة وظاهر كلامهم أنه لا يطلق عليها اسم الشاهد كما يطلق على ما يأتي في قوله "وقد يسمى ما وجد من التوابع عن شيخ شيخه فمن فوقه شاهدا كما يسمى تابعا" وهو ظاهر في أنه لا يسمى القسم الأول شاهدا "وإن لم يجد" بعد تتبع الطرق عن شيخه ولا عن الشيخ شيخه "نظرت: هل رواه أو معناه أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق ذلك الصحابي فإن وجدت فهو شاهد" ولا يسمى تابعا.
"وسيأتي في مراتب الجرح والتعديل بيان من يعتبر به في التوابع والشواهد إن شاء الله تعالى" فالمعتبر إما أن يجد من رواه عن شيخ ذلك الراوي الذي هو بصدد اعتبار روايته فهي المتابعة التامة أو لا يجده لكنه وجده عن شيخ شيخه فهي متابعة ويقال لها شاهدا أولا يجد إلا عن صحابي آخر فهو شاهد لا غير لكنه قسمان إما أن يجده بلفظه أو بمعناه فكانت الأقسام أربعة متابعة تامة متابعة غير تامة شاهد باللفظ شاهد بالمعنى.
مثال المتابعة التامة ما رواه الشافعي في الأم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهر تسع وعشرون ولا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين فإن الحديث المذكور في جميع الموطآت عن مالك بهذا الإسناد فأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه فقال حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر فساقه باللفظ الذي ذكره الشافعي1 فهذه متابعة تامة في غاية الصحة لرواية الشافعي والعجب من البيهقي كيف خفيت عليه ودل أن مالكا رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين معا قاله الحافظ ابن حجر.
قلت: لا عجب من البيهقي لأنه إنما ذكر أن الشافعي تفرد بذلك اللفظ عن رواية الموطات وهذا صحيح وليس في كلامه أنه لا متابع له بل القول بأن رواية البخاري متابعة تامة دليل تقرير كلام البيهقي في تفرد الشافعي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: الصوم: ب 11, ومسلم في: الصيام: حديث 5, 6, واحمد 1/218.

 

ج / 2 ص -12-          ثم قال الحافظ وقد توبع عليه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر رضي الله عنهما أحدهما أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فذكر الحديث وفي آخره فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين الثاني أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بلفظ فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين فهذه متابعة أيضا لكنها ناقصة.
وأما شاهده فله شاهدان أحدهما من حديث أبي هريرة رواه البخاري عن آدم عن سعيد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ولفظه فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وثانيهما من حديثابن عباس أخرجه النسائي من رواية عمر وبن دينار عن محمد بن حنين بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر فهذا مثال صحيح بطريق صحيحة للمتابعة التامة والمتابعة الناقصة والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى انتهى.
"وإن لم يجد شيئا من التوابع والشواهد فالحديث فرد من الأفراد ولم يمثله ابن الصلاح ولا زين الدين بمثال مرضي" بل ولا غير مرضي فإنهما لم يذكرا له مثالا أصلا.
فائدة قال ابن الصلاح: واعلم أن هذا التتبع يكون من الجوامع وهي الكتب التي جمعت فيها الأحاديث على ترتيب أبواب كتب الفقه كالأمهات الست أو ترتيب الحروف الهجائية كما فعله ابن الأثير في جامع الأصول أو ترتيبه عليها نظرا إلى أول حرف في كل حديث ومن المسانيد وهي من الكتب التي جمع فيها مسند كل صحابي على حدة على اختلاف في مراتب الصحابة وطبقاتهم والتزام نقل ما ورد عنهم صحيحا كان أو ضعيفا ومن الأجزاء وهي ما دون فيه حديث شخص واحد أو أحاديث جماعة من مادة واحدة.
* * *

 

ج / 2 ص -13-          مسألة: 40 [في زيادة الثقات]
من أنواع علوم الحديث "زيادة الثقات هي فن لطيف تستحسن العناية قه وقد كان الفقيه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري مشهور بمعرفة ذلك وكذلك أبو الوليد حسان بن محمد القرشي تلميذ ابن سريج وغير واحد من أئمة الحديث" هذا كلام ابن الصلاح وزين الدين وزاد وأبو نعيم الجرجاني ولكنه قال بزيادات الألفاظ الفقهية في الأحاديث.
قال عليه الحافظ ابن حجر مراده بذلك الألفاظ التي يستنبط منها الأحكام الفقهية لا ما رواه الفقهاء دون المحدثين في الأحاديث فإن تلك تدخل في المدرج لا في هذا وإنما نبهت على هذا وإن كان ظاهرا لأن العلامة مغلطاوي استشكل ذلك على المصنف ودل أنه ما فهم مغزاه قال ابن حبان في مقدمة الضعفاء لم أر على أديم الأرض من كان يحسن صنعة السنن ويحفظ الصحاح بألفاظها ويقوم بزيادة كل لفظة زادها في الخبر حتى كأن السنن نصب عينيه إلا محمد بن اسحق بم خزيمة فقط.
"واختلف العلماء فيها" أي في حكم الزيادة من الثقات "فالذي عليه أئمة أهل البيت قبولها وهو الذي حكاه الخطيب عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث وادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا عند أهل الحديث" فقال في مسألة الانتصار لا خلاف نجده بين أهل الصنعة أن الزيادة من الثقة مقبولة.
"وشرط أبو بكر الصيرفي الشافعي والخطيب أن يكون راويها حافظا" الظاهر أن هذا الشرط لا خلاف فيه للعمل بها.
"و" شرط "ابن الصباغ" في العدة "أن لا يكون" راوي الزيادة "واحدا ومن روى الحديث ناقصا" عن تلك الزيادة "جماعة" فاعل روى منصفين بأن "لا يجوز عليهم الوهم ومجلس الحديث" الذي سمع فيه راوي الزيادة وراوي النقص "واحد" فهذه

 

ج / 2 ص -14-          ثلاثة شروط زادها ابن الصباغ وكأن دليله عليها أنه يبعد أن يحفظ واحد ولا يحفظ جماعة ومجلس السماع والشيخ واحد فإن الوهم يتطرق إلى الواحد دون الجماعة.
ولهذا تنتقض القاعدة المشهورة بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ بالتخصيص بمثل هذه الصورة ولم يستدل المصنف لهذا القول كما لم يستدل لغيره ولعله يقول دليل قبولها مطلقا ما علم من دليل وجوب قبول خبر الآحاد وبهذا احتج من قبل الزيادة مطلقا وهم الأولون فقالوا إن الراوي إذا كان ثقة وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولا فكذلك انفراده بالزيادة ورد هذا الاحتجاج من لم يقبله بأنه ليس كل حديث تفرد به أي ثقة كان مقبولا كما سبق بيانه في نوع الشاذ وبالفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة فإن تفرده بالحديث لا يتطرق نسبة السهو والغفلة إلى غيره من الثقات إذ لا مخالفة في روايته لهم بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظا وأكثر عددا فإن الظن غالب بترجيح روايتهم على روايته ومبني هذا الأمر على غلبة الظن واحتج بعض الأصوليين أنه من الجائز أن يقول الشارع كلاما في وقت فيسمعه شخص ويزيده في وقت آخر فيحضره غير الأول ويؤدي كل ما سمع وبتقدير اتحاد ا لمجلس فقد يحضر أحدهما في أثناء الكلام فيسمع ناقصا وبضبطه الآخر تاما أو ينصرف أحدهما قبل تمام الكلام ويتأخر الآخر وبتقدير حضورهما فقد يذهل أحدهما أو يعرض له ألم أو جوع أو فكر شاغل أو نحو ذلك من العوارض ولا يعرض لمن حفظ الزيادة.
وأجيب عن هذا بأن الذي يبحث فيه المحدثون في هذه إنما هو في زيادة أحد روايتي التابعين فمن بعدهم أما الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة آخر من يخرج من النار وأنه تعالى يقول له بعد ما يتمنى
"لك ذلك ومثله معه" وقال أبو سعيد الخدري أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لك ذلك وعشرة أمثاله معه"1 ونحوه من الأمثلة كثير وأنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه كمالك عن نافع عن ابن عمر إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الإثبات العارفين بحديث ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: الرقاق: ب 51, وابن ماجة في: الزهد: ب 39, وأحمد 1/460.

 

ج / 2 ص -15-          الشيخ وانفرد دونهم بعص رواته بزيادة فيه فإنها لو كانت محفوظة ما غفل الجمهور من رواته عنها وينفرد واحد بحفظها دونهم مع توفر دواعيهم إلى الأخذ عنه وجمع حديثه فإن ذلك يقتضي ريبة توجب التوقف عنها.
قلت: وبمعرفتك محل النزاع تعرف عدم نهوض الاحتجاج بقبوله صلى الله عليه وسلم خبر الأعرابي برؤية الهلال وقبول خبر ذي اليدين وأبي بكر وعمر كما استدل به البرماوي.
"والقول الثاني" هذا مقابل لقوله فالذي عليه أئمة أهل البيت فإنه القول الأول "أنها لا تقبل الزيادة مطلقا" ممن رواه ناقصا ومن غيره "حكاه" أبو بكر "الخطيب" البغدادي "في الكفاية وابن الصباغ في العدة عن قوم من أصحاب الحديث" وروايته للقبول ع جمهور المحدثين وروايته لعدم قبوله عن قوم منهم.
قال الحافظ ابن حجر: والذي اختاره يعني الخطيب لنفسه أن الزيادة مقبولة إذا كان راويها عدل حافظا متقنا ضابطا قال قلت: وهذا متوسط بين المذهبين فلا ترد الزيادة من الثقة مطلقا ولا تقبل مطلقا.
"والثالث" من الأقوال التفصيل وهو "أنها لا تقبل ممن رواه ناقصا وتقبل من غيره من الثقات حكاه الخطيب عن فرقة من الشافعية وفي المسألة أقوال غير هذه".
قلت: ذكر البرماوي في شرح ألفيته في أصول الفقه عشرة أقوال.
"وقد قسمه" أي ما يرى بالزيادة "ابن الصلاح إلى ثلاثة أقسام":
"أحدهما: ما يقع منافيا لما قد رواه الحافظ فهو مردود كما مر في الشاذ".
"الثاني ما تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما روى الغير لمخالفة أصلا فهذا مقبول وقد ادعى فيه اتفاق العلماء وقد تقدم أيضا في الشاذ" قال ابن الصلاح: قد سبق مثاله في نوع الشاذ.
"الثالث ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظ في حديث لم يذكرها" تلك الزيادة "سائر من روى ذلك الحديث" المجرد عن الزيادة قال ابن حجر: هذا التفصيل قد سبق المؤلف إليه يريد ابن الصلاح إمام الحرمين في البرهان فقال بعض أن حكى عن الشافعي وأبي حنيفة قبول زيادة الثقة هذا عندي فيما إذا سكت الباقون فإن صرحوا بنفي ما نقله هذا الراوي مع إمكان اطلاعهم فهذا يوهن قول قابل الزيادة.
وفضل أبو نصر ابن الصباغ في العدة تفصيلا آخرين أن يتعدد المجلس فيعمل بهما

 

ج / 2 ص -16-          لأنهما كالخبرين أو يتحد فإن كان الذي نقل الزيادة واحدا والباقون جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت الزيادة وإن كان بالعكس أو كان كل من الفريقين جماعة فالقبول وكذا إن كان كل منهما واحد حيث يستويان وإلا فرواية الضابط منهما أولى بالقبول.
وقال الإمام فخر الدين: إن كان الممسك عن الزيادة أضبط من الراوي لها فلا يقبل ذلك إن صرح بنفيها وإلا قبلت.
وقال الآمدي وجرى عليه ابن الحاجب إن اتحد المجلس فإن كان من لم يروها قد انتهوا إلى حد لا تقضي العادة بغفلة مثلهم عن سماعها والذي رواها واحد فهي مردودة وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد فاتفق جماعة الفقهاء والمتكلمين على قبول الزيادة خلافا للجماعة ثم قال فائدة حكى ابن الصلاح عن الخطيب فيما إذا تعارض الوصل والإرسال أن الأكثر من أهل الحديث يرون أن الحكم للمرسل وحكى هنا عنه أن الجمهور من أئمة الفقه والحديث يرون أن الحكم لمن أتى بالزيادة إن كان منه وهو ظاهر التعارض ومن أبدى فرقا بين المسألتين فلا يخلو عن تكلف وتعسف وقد جزم ابن الحاجب أن الكل بمعنى واحد فقال إذا أسند الحديث وأرسلوه أو رفعه ووقفوه أو وصله وقطعوه فحكمه حكم الزيادة في التفصيل السابق ثم ذكر جوابا لا يخلو عن تكلف وتعسف.
"ومثله ابن الصلاح1 بما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر في رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين2" قال ابن الصلاح: فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكا تفرد من بين الثقات بزيادة من المسلمين "وروى عبيد الله" مصعر "ابن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر دون هذه الزيادة فأخذ بها غير واحد من الأئمة منهم الشافعي وأحمد قال الزين وهذا المثال غير صحيح فقد تابع مالكا على ذلك" أي على زيادة من المسلمين "عمر بن نافع" أي العدوي مولى ابن عمر ثقة "والضحاك بن عثمان" بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي بكسر أوله وبالزاي أبو عثمان النهدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 113.
2 البخاري في: الزكاة: ب 70, 71, ومسلم في: الزكاة: حديث 12, 13, 16. وأحمد 2/102.

 

ج / 2 ص -17-          "ويونس بن يزيد وعبد الله بن عمر" البصري وأبو المظفر السري بالتشديد العطار "والمعلي بن إسماعيل" لم أجده في الميزان ولا في التقريب ثم رأيت في نكت البقاعي أنه قال فيه أبو حاتم الرازي ليس بحديثه بأس صالح الحديث لم يرو عنه غير أرطاة وذكره ابن حبان في الثقات وحديثه هذا أخرجه ابن حبان في صحيحه والدار قطني في سننه عن أرطاة بن منذر عن المعلي بن إسماعيل عن نافع بالزيادة المذكورة وكثير بن فرقد نزيل مصر ثقة وثقة ابن معين وأبو حاتم وأخرج له البخاري قاله البقاعي في نكته وروايته أخرجها الحاكم في المستدرك من رواية الليث بن سعد عن "كثير بن فرقد" عن نافع وقال فيها من المسلمين وأخرجها الدار قطني في السنن وقال الحاكم هذا الحديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه "واختلف في زيادتها على عبيد الله بن عمر وأيوب".
واعلم أن أصل التمثيل للزيادة وقع للترمذي لأنه قال ما لفظه حديث ابن عمر رواه مالك عن نافع عن ابن عمر نحو حديث أيوب وزاد فيه من المسلمين ورواه غير واحد عن نافع ولم يذكر فيه من المسلمين انتهى فتبعه ابن الصلاح واعترضه النووي بقوله لا يصح التمثيل بهذا الحديث لأنه لم ينفرد به بل وافقه في الزيادة عمر بن نافع بن عمر والضحاك بن عثمان والأول في صحيح البخاري والثاني في صحيح مسلم وقد تعقب النووي الشيخ تاج الدين التبريزي بقوله إنما مثل به حكاية عن الترمذي فلا يرد عليه شيء وتعقب بأن ابن الصلاح أقره ورضيه فورد عليه ما ورد على الترمذي.
فعرفت أن القول بأنها زيادة تفرد بها مالك كلام الترمذي وأنه قد سبق بالاعتراض على ابن الصلاح النووي.
وقال ابن حبان أورده بالزيادة الحاكم والدار قطني والطحاوي وبدونها مسلم وللزيادة شاهد وهو حديث ابن عباس عند أبي داود1 فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وأخرجه الحاكم2 والدار قطني ووجه الدلالة فيه أن الكافر لا طهرة له. انتهى.
"قال" أي الزين "والصحيح في المثال" ما ذكره ابن الصلاح أيضا وهو "حديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في: الزكاة: ب 18. وابن ماجة في: الزكاة: ب 61.
2 علوم الحديث ص 131.

 

ج / 2 ص -18-          "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" زاد فيه "وتربتها طهورا"1 أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي وانفرد بذلك من دون سائر الرواة" قال الزين بعد هذا والحديث رواه مسلم والنسائي2 من رواية الأشجعي عن ربعي عن حذيفة قال عليه الحافظ ابن حجر وهذا التمثيل ليس بمستقيم أيضا لأن أبا مالك قد تفرد برواية جملة الحديث عن ربعي بن خراش كما تفرد بروايته ربعي عن حذيفه فإن أراد أن لفظة تربتها زائدة في هذا الحديث على باقي الأحاديث في الجملة فإنه يرد عليه أنها في حديث علي رضي الله عنه كما نبه عليه شيخنا وإن أراد أن أبا مالك تفرد بها وأن رفقته عن ربعي لم يذكروها كما هو ظاهر كلامه فليس صحيح.
قلت: وحديث علي أخرجه أحمد في مسنده بإسناد حسن بلفظ وجعل التراب لي طهورا وأخرجه البيهقي أيضا.
"قال ابن الصلاح: وفي هذا القسم شبه من القسم الأول المردود" وهو أول الأقسام الثلاثة من تقسيم ابن الصلاح "من حيث أن ما رواه الجماعة عام" لأجزاء الأرض "وهذا مخصوص" بالتربة "وفي ذلك نوع مخالفة ومغايرة" وهي مغايرة الخاص والعام "ويشبه القسم الثاني" من الثلاثة وهو "المقبول من حيث إنه لا منافاة بينهما" إذ لا منافاة بين عام وخاص في الحقيقة ولذا قال في العبارة الأولى نوع مخالفة.
"قلت: وهو موضع ترجيح واجتهاد" في القبول وعدمه وحيث لا يحصل موجب الرد فالأصل وجوب قبول الثقات وقد يقع الغلط في الحكم بالانفراد أي في حكم العالم بأن هذا الحديث أو الزيادة تفرد بها الراوي لأن الأصل عدمه فلا يحكم به إلا بدليل كذا عللوه والانفراد وعدمه ليس أحدهما أصلا بل يتوقف الحكم بهما على البحث والاستقراء "فهذا ابن الصلاح غلط على مالك في ذلك" كما عرفت آنفا "وهو" أي ابن الصلاح "من أئمة هذا العلم فكيف بغيره قال ابن الصلاح: وبين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه" إذ الوصل زيادة ثقة "وقد قدمنا الكلام عليه" أي في القسم الثالث.
"قال" أي ابن الصلاح "ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدح في الحديث وترجيحه"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 1/91, ومسلم في: المساجد: حديث 3. وأبو داود 489. والترمذي 317, وأحمد 1/250.
2 2/56.

 

ج / 2 ص -19-          أي الأرسال "من قبيل تقديم الجرح على التعديل" لأنه بإطراح من وصل كان كالجرح له "قال ويمكن أن يجاب عنه بأن الجرح إنما قدم لما فيه من زيادة الثقة والزيادة هنا مع من وصل" وليس في عبارة ابن الصلاح لفظ يمكن.
* * *

 

ج / 2 ص -20-          مسألة: 41 [في بيان المعل, وأقسامه, وحكمه]
من أنواع علوم الحديث "المعل هو الذي يسمى عندهم المعلل والمعلول" وهذا على خلاف قياس اللغة كما يأتي.
"قال زين الدين: ويسمى الحديث الذي شملته علة معللا ولا يسمى معلولا" فإنه قال1:

وسم ما بعلة مشمول                 معللا ولا تقل معلول

"وقد وقع في عبارة كثير من أهل الحديث تسميته بالمعلول وذلك موجود في كلام الترمذي وابن عدي2 والدار قطني وأبي يعلي الخليلي والحاكم وغيرهم قال ابن الصلاح: وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول مرذول عند أهل العربية واللغة3 وقال النووي أنه لحن قال زين الدين والأجود في تسميته المعل" قال وكذلك هو في عبارة بعضهم "وأكثر عباراتهم في الفعل أنهم يقولون أعله فلان بكذا وقياسه معل وهو المعروف في اللغة قال الجوهري لا أعلك الله أي لا أصابك بعلة" وفي القاموس العلة المرض عل واعتل وأعله الله فهو معل وعليل ولا يقال معلول والمتكلمون يستعملونها.
"وقال صاحب المحكم" وهو علي بن أحمد بن سيده اللغوي النحوي الأندلسي أبو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 1/104/193.
2 ابن عدي هو: الإمام الحافظ الكبير أبة أحمد عبد الله بن عدي بن محمد بن مبارك الجرجاني صاحب الكامل في الجرح والتعديل قال الخليلي: كان عديم النظير حفظا وجلالة. مات سنة 365. له ترجمة في: البداية والنهاية 11/283, وشذرات الذهب 3/51, والعبر 2/337.
3 علوم الحديث ص 115.

 

ج / 2 ص -21-          الحسن الضرير كان من أئمة اللغة عارفا بالأشعار واللغة وأيام العرب وفاته سنة ثمان وخمسين وأربعمائة "واستعمل أبو اسحق" لعله الزجاج "لفظة المعلول في المتقارب من العروض قال والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول في مثل هذا كثيرا" هذا هو مقول صاحب المحكم ثم "قال وفي الجملة فلست منها على ثقة ولا ثلج" بالمثلثة واللام مفتوحتين وبالجيم وقال في القاموس ثلجت نفسي كنصر وفرح ثلوجا وثلجا اطمأنت انتهى "لأن المعروف إنما هو أعله الله فهو معل اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم مجنون ومسلول من أنهما جاءا على جنته ورسللته ولم يستعملا في الكلام واستفنى عنهما بأفعلت قال" أي صاحب المحكم أو سيبويه "وإذا قالوا" أي العرب "جن وسل" بالبناء للمفعول "فإنما يقولون" إذا أرادوا الأخبار عما وقع فيه "جعل فيه الجنون والسل كما قالوا حزن" بالحاء المهملة والزاي من الحزن هكذا رأيناه في التنقيح مضبوطا والذي في نكت البقاعي ما يفيد أنه بالقاف آخره قال إنه قال ابن الصلاح: حرق الرجل كعنى زال حق وركه وفي مختصر العين للزبيددي والحارقة عصبة متصلة بين وابلة الفخذ والعضلة وإذا انقطعت الحارقة ولم تلتئم قيل رجل محروق وقد حرق انتهى والوابلة بالموحدة طرف رأس العضلة والفخذ أو طرف الكتف أو عظم في مفصل الركبة أو ما التف من عظم الفخذ قاله في القاموس وفسل بالفاء المهملة من الفسالة يقال فسل ككرم وعلم فسالة وفسولة والفسل الرذل الذي لا مروة له كالمفسول قاله في القاموس.
إذا عرفت هذا عرفت أن هذا البناء إنما يكون من المتعدي ولا تعدية هنا فجاء على خلاف القاعدة "انتهى".
وهذا من اضبط تخميني إذ اللفظ في نسخ التنقيح غير واضح ولا متجه المعنى وهو منقول من شرح الأنفيه والزين نقله من المحكم فينظر وفي القاموس جن بالضم جنا وجنونا واستجن بنيا للمفعول وتجنن وتجانن وأجنه الله فهو مجنون انتهى.
وأما علله فيستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه عن الشيء وشغله من تعليل الصبي بالطعام يعني فلا يقال علل الحديث بمعنى أعله فليس بينهما مناسبة في اللغة وهو ظاهر إذ لا تلاقي بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي وهو المراد بالمناسبة.
"قال" أي زين الدين في تعريف العلة التي بحثنا فيها "والعلة" في اصطلاح أئمة

 

ج / 2 ص -22-          الحديث "عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت" بالهمزة "على الحديث فأثرت فيه أي قدحت في صحته" ولذا أخذوا في رسم الصحيح أن لا يكون شاذا ولا معللا.
قلت: وكان هذا تعريف أغلبي للعلة وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة ويعلون بما لا يؤثر في صحة الحديث ويأتي في آخر البحث تحقيق ذلك.
واعلم أن الرسم للعلة ذكره ابن الصلاح وتبعه الزين ونقله المصنف وضقال الحافظ ابن حجر: على كلام ابن الصلاح.
قلت: هذا تحرير كلام الحاكم في علوم الحديث1 فإنه قال وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل فإن حديث المجروح ساقط واه وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فتخفى عليهم عملته والحجة فيه عندنا العلم والفهم والمعرفة فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع معلولا ولا الحديث الذي في رواته مجهول أو مضعف معلولا وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود انتهى.
"وتدرك العلة بتفرد الراوي ومن التنبيه" بالمثناة من فوق من نبه "على ذلك" على الإعلال بالتفرد والإشارة إليه "قوله تعالى:
{أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68] بعد قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68] في الكشاف القول القرآن أفلم يدبروه ليعلموا أنه الحق المبين فيصدقوا به وبمن جاء به بل أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فلذلك أنكروه واستدعوه كقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 6] أو ليخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان انتهى.
فالتنبيه بالآية على ما قاله المصنف يتم على أحد الاحتمالين "ففيه" أي في قوله تعالي:
{أَمْ جَاءَهُمْ} الآية- دليل "أن الفطر مجبولة" مخلوقة "على الشك في الشاذ في المنكر وأن العذر" لمن رده "بذلك شائع" وهذا في نكارة القول وشذوذه وغرابته وفي الحديث حدثوا الناس بما تسعه عقولهم أتحبون أن يكذب الله ورسوله2 وهو أيضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ص 112-113.
2 الكنز 8/293.

 

ج / 2 ص -23-          دليل على نفرة العقول عن الشاذ من الأقوال المستغربة.
قلت: ولو أتى المصنف بالآية الثانية وهي قوله:
{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [المؤمنون: 69] بكان آتيا بما فيه الإشارة إلى نكارة المخبر والراوي وأن عدم معرفته عذرا أيضا في عدم قبوله والتشكك في قوله وسيأتي أنه يعل بفسق الراوي وضعفه ويصدق عليه أنه لم يعرف بالعدالة التي هي مدار المقبول.
"ومن ذلك" أي من التنبيه والإشارة "حديث ذي اليدين" تقدم اسمه وقصته "فإن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ما قاله لتفرده به حتى وافقه عليه الحاضرون" حين سألهم صلى الله عليه وسلم عن حقيقة ما قاله ذو اليدين.
"ومخالفة غيره" غير الراوي "له" وهو عطف على قوله تفرد الراوي وهو الثاني مما تدرك به العلة "مع قرائن تنضم إلى ذلك يهتدي الناقد بها إلى اطلاعه على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك" مما ذكر "بحيث غلب على ظنه ذلك فأمضاه" برده الحديث "وحكم به أو تردد في ذلك" فلم يرده ولم يعلم به "فوقف وأحجم عن الحكم بصحة الحديث فإن لم يغلب ظنه صحة الإعلال" أحسن المصنف بهذه العبارة وعدوله عن عبارة غيره بالتعليل "بذلك فظاهر الحديث المعل السلامة من العلة" أي من وجودها فيه "حيث تثبت من طريق مقبولة" تنتهض على صحة الإعلال.
"قال الخطيب1 السبيل إلى معرفة علة الحديث أن تجمع بين طرقه وتنظر في اختلاف رواته وتعتبر" أي الخطأ والصواب "بمكانهم من الحفظ" وقد مثله ابن الصلاح والزين بحديث أنس ابن مالك في البسملة وهو مثال العلة في المتن وبحديث كفارة المجلس في علة الإسناد2 وقد أطال الكلام في ذلك الحافظ ابن حجر وأتى ببيان طرق الحديثين بما فيه طول فمن أراد التوسع طالع ذلك.
"وقال ابن المديني الباب إذا لم تجتمع طرقه لم يتبين خطاؤه" ضقال الحافظ ابن حجر: وهذا الفن يعني التعليل أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما عاليا واطلاعا حاويا وإدراك المراتب الرواة ومعرفة شافية ولم يتكلم فيه إلا إفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله عز وجل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 117.
2 المصدر السابق.

 

ج / 2 ص -24-          فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك. انتهى.
ثم أخذ في تقسيم محلات العلة فقال "والعلة تكون في الإسناد" كالوصل في المرسل والرفع في الموقوف "وهو الأغلب و" قد تكون "في المتن" باختلاف ألفاظه "ثم العلة في الإسناد" تنقسم باعتبار القدح فإنها "قد تقدح في المتن كالإعلال بالإرسال وقد لا تقدح" فيه "كالإعلال بوهم الراوي في اسم أحد رجال الإسناد مع ثبوت الإسناد عن الثقات على الصواب من غير رواية ذلك" الراوي "الذي وهم" قال البقاعي الكلام الضابط أن يقال الحديث لا يخلو إما أن يكون فردا أوله أكثر من إسناد فالأول يلزم من القدح في سنده القدح في متنه وبالعكس والثاني لا يلزم من القدح في أحدهما القدح في الآخر.
وقال الحافظ ابن حجر: قلت: إذا وقعت العلة في الإسناد فقد تقدح وقد لا تقدح وإذا قدحت فقد تخصه وقد تستلزم القدح في المتن وكذا القول في المتن سواء فالأقسام على هذا ستة.
فمثال ما وقعت العلة في الإسناد ولم تقدح مطلقا ما يوجد مثلا مدلسا بالعنعنة فإن ذلك يوجب التوقف عن قبوله فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه فإن أمكن الجمع بينهما على طرائق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد أن تلك غير قادحة.
ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد ويقدح فيه دون المتن ما مثل به المصنف يريد ابن الصلاح من إبدال روايته وهو بقسم مقلوب المتن أليق فإن أبدل راو ضعيف براو ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضا إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة ومن أغمض ذلك أن يكون الضعيف موافقا للثقة في اسمه ومثال ذلك ما وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي أحد الثقات عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وهو من ثقات الشاميين قدم الكوفة فكتب عنه أهلها ولم يسمع منه أبو أسامة ثم قدم بعد ذلك الكوفة عبد الرحمن بن يزيد بن تيميم وهم من ضعفاء الشاميين فسمع منه أبو أسامه وسأله عن اسمه فقال عبد الرحمن بن يزيد فظن أبو أسامة أنه ابن جابر فصار يحدث عنه وينسبه من قبل نفسه فيقول حدثنا عبد الرحمن

 

ج / 2 ص -25-          بن يزيد بن جابر فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر وهما ثقتان فلم يفظن لذلك إلا أهل النقد فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد ومثال ما وقعت فيه العلة في المتن دون الإسناد ولا يقدح فيهما ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين إذا أمكن الجمع رد الجميع إلى معنى واحد فإن القدح ينتفي عنهما وسنزيد ذلك أيضاحا في النوع الرابع إن شاء الله تعالى.
ومثال ما وقعت فيه العلة في المتن واستلزمت القدح في الإسناد ما يرويه راو بالمعنى الذي ظنه يكون خطأ والمراد بلفظ الحديث غير ذلك فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي فيعلل الإسناد.
ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد ما ذكره المصنف من أحد الألفاظ الواردة في حديث أنس وهي قوله لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها فإن أصل الحديث في الصحيحين بلفظ البخاري وكانوا يفتتحون بـ
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ولفظ مسلم في رواية نفي الجهر وفي رواية أخرى نفي القراءة ثم تكلم على تلك الروايات بما يطول ذكره1.اهـ.
ولما ذكر زين الدين في منظومته ما أفاده قوله2:

وكثر التعليل بالأرسال                للوصل لا يقوي على اتصال

وقد يعلون بنوع قدح                  فسق وغفلة ونوع جرح

قال مشيرا إلى ذلك "وقد يعلون" أي: أئمة الحديث "الحديث بأشياء لست غامضة كالإرسال وفسق الراوي وضعفه وذلك موجود في كتب العلل" وقد قدمنا لك أن التعريف للعلة أغلبي "ولهذا اشتملت كتب علل الحديث على جمع طرقه" ليعرف الرواة الإرسال والوصل والوقف والرفع.
"وبعضهم" أي بعض أئمة الحديث هكذا أجمله ابن الصلاح وبينه الزين بأنه أبو يعلي الخليلي كما ذكره المصنف "يعل الحديث بما لا يقدح في صحته كإسناد منقطع أقوى من إسناد موصول" قال الزين كالحديث الذي وصله الثقةالضابط فأرسله غيره "حتى عد" ذلك البعض "من أنواع المعل ما هو صحيح معل" فلا منافاة عنده بين الصحة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: الأذان: ب 89. وأبو داود في: الصلاة ب 122. والترمذي في: المواقيت: ب 68, واحمد 3/101.
2 فتح المغيث 1/112- 205.

 

ج / 2 ص -26-          والإعلال فعلى هذا فإنه يحذف قيد ولا ولا علة من رسم الصحيح "كما أن من الحديث ما هو صحيح شاذ" كأن المراد عند ذلك البعض فيحذف أيضا قيد ولا شاذ من الرسم "وهو مذهب أبي يعلي الخليلي في الأمرين" وعبارة الزين وقائل ذلك هو أبو يعلي الخليلي قال في كتاب الإرشاد إن الأحاديث على أقسام كثيرة صحيح متفق عليه وصحيح معلول وصحيح مختلف فيه ثم ذكر ما مثل به الخليلي الصحيح المعل وأغرب ما ذكر من الإعلال جعل النسخ علة كما فعله الترمذي وأشار إليه زين الدين بقوله1:

والنسخ سمى الترمذي علة                    فإن يرد في عمل فاجنح له

وقال غنه من زوائده على ابن الصلاح وقول الزين فإن يرد بضم حرف المضارعة من الإرادة أي إن يرد الترمذي أن النسخ علة في العمل فهو صحيح ولهذا قال فاجنح من الجنوح أي من إليه وإن أراد علة في صحة نقله فلا لأن في الصحيح أحاديث منسوخة كثيرة انتهى.
* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 1/113/208.

 

ج / 2 ص -27-          مسألة: 42 [في حقيقة المضطرب وأنواعه وحكمه]
من أنواع علوم الحديث المضطرب يحتمل أنه مأخوذ من اضطرب بمعنى
اختل أو من اضطرب القوم إذا اختلفت كلمتهم وحقيقته "هو ما اختلف كلام راويه فيه" المراد جنس الراوي الواحد فلا يشمل اختلاف الأكثر لأنه سيذكره المصنف وقال زين الدين1:

مضطرب الحديث ما قد رودا                    مختلفا من واحد فأزيدا

"فرواه مرة على وجه ومرة على وجه مخالف له وهكذا إذا اضطرب فيه راويان فأكثر فرواه كل واحد على وجه مخالف للآخر".
قال الحافظ العلائي: ذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما غامضا واطلاعا حاويا وإدراك كالمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة. انتهى.
قلت: هو كما قاله الحافظ في بحث الإعلال والبحثان متقاربان جدا والاضطراب نوع من الإعلال.
ثم أشار إلى تقسيمه إلى قسمين فقال: "وقد يكون" الاضطراب "في المتن" في ألفاظه "وفي السند" كذا قاله ابن الصلاح إلا أنه زاد بعد هذا وقد يكون من راو واحد وقد يكون من رواة. انتهى.
ونقل الحافظ ابن حجر عن الحافظ العلائي أنه قال:
الاختلاف تارة يكون في المتن وتارة في السند فالذي في السند يتنوع أنواعا:
أحدها: تعارض الوصل والإرسال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 1/113/209.

 

ج / 2 ص -28-          ثانيها: تعارض الوقف والرفع.
ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع.
رابعها: أن يروي الحديث قوم مثلا عن رجل عن تابعي عن صحابي ويرويه ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي بعينه.
خامسها: زيادة رجل في أحد الإسنادين.
سادسها: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان مترددا بين ثقة وضعيف.
فأما الثلاثة الأول: فقد تقدم القوم فيها وأن المختلفين إما أن يكونا متماثلين في الحفظ والإتقان أم لا فالمتماثلون إما أن يكون عددهم من الجانبين سواء أم لا فإن استوى مع استواء أوصافهم وجب التوقف حتى يترجح أحد الفريقين بقرينة من القرائن فمتى اعتضدت أحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم بها ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث بل كل حديث يقوم به مرجح خاص لا يخفي على الممارس الفظن الذي أكثر من جمع الطرق ولهذا كان مجال النظر في هذا أكثر من غيره وإن كان أحد المتماثلين أكثر عددا فالحكم لهم على قول الأكثر وقد ذهب قوم إلى تعليله وإن كان من وصل أو رفع أكثر والصحيح خلاف ذلك وأما غير المتماثلين فإما أن يتساووا في الثقة أولا فإنتساووا في الثقة فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم له ولا يلتفت إلى تعليل من علله بذلك أيضا وإن كان العكس فالحكم للمرسل والواقف وإن لم يتساووا في الثقة فالحكم للثقة ولا يلتفت إلى تعليل م علله برواية غير الثقة إذا خالف.
هذا جملة تقسيم الاختلاف وبقي إذا كان رجال أحد الإسنادين أحفظ والآخر أكثر فقد اختلف المتقدمون فيه فمنهم من يرى قول الأحفظ أولى لإتقانه وضبطه ومنهم من يرى قول الأكثر أولى لبعدهم من الوهم ولا شك أن الاحتمال من الجهتين منقدح قوي لكن ذلك إذا لم ينته عدد الأكثر إلى درجة قوية جدا بحيث يبعد اجتماعهم على الغلط أو يتعذر أو يمتنع عادة فإن نسبة الغلط إلى الواحد وإن كان أرجح من أؤلئك في الحفظ والإتقان أقرب من نسبته إلى الجمع الكثير.
ثم ذكر أمثلة من ذلك وقال:
وأما النوع الرابع: وهو الاختلاف في السند- فلا يخلو إما أن يكون الرجلان ثقتين أم لا فإن كانا ثقتين فلا يضر الاختلاف عند الأكثر لقيام الحجة بكل منهما فكيفما

 

ج / 2 ص -29-          دار الإسناد كان عن ثقة وربما احتمل أن يكون الراوي سمعه منها جميعا وقد وجد ذلك في كثير من الحديث لكن ذلك يقوى حيث يكون الراوي ممن له اعتناء بالطلب وتكثير الطرق وأما ما ذهب إليه كثير من أهل الحديث من أن الاختلاف دليل على عدم ضبطه في الجملة فيضر ذلك لو كانت رواته ثقات إلا أن يقوم دليل أنه عند الراوي المختلف عليه عنهما جميعا أو بالطريقين جميعا فهو رأي فيه ضعف لأنه كيفما دار عن ثقة وفي الصحيحين من ذلك جملة أحاديث لكن لا بد في الحكم بصحة ذلك من سلامته من أن يكون غلطا أو شاذا.
وأما إذا كان في أحد الروايتين المختلف فيهما ضعيفا لا يحتج به فههنا مجال للنظر وتكون تلك الطريق التي سمى الضعيف فيها وحصل الحديث عنه لا لوقف أو إرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى فكل ما ذكرنا هناك من الترجيحات يجيء هنا.
ويمكن أن يقال في مثل هذا يحتمل أن يكون الراوي إذا كان مكثرا قد سمعه منهما أيضا كما تقدم.
فإن قيل: إذا كان الحديث عنده عن الثقة فلم يرويه عن الضعيف.
فالجواب أنه يحتمل أنه لم يطلع على ضعف شيخه أو اطلع عليه لكن ذكره اعتمادا علىصحة الحديث عنده من الجهة الأخرى.
وأما النوع الخامس وهو زيادة الرجل بين الرجلين في السند فسيأتي تفصيله في النوع السابع والثلاثين إن شاء الله تعالى.
وأما النوع السادس وهو الاختلاف في اسم الراوي ونسبه فهو على أقسام أربعة:
الأول
: أن يبهم من طريق ويسمى من أخرى فالظاهر أن هذا لا تعارض فيه لأنه يكون المبهم في إحدى الروايتين هو المعين في الأخرى وعلى تقدير أن يكون غيره فلا تضر رواية من سماه وعرفه إذا كان ثقة رواية من أبهمه.
القسم الثاني: أن يكون الاختلاف في العبارة فقط والمعنى بها في الكل واحج فإن مثل هذه لا يعد اختلافا أيضا ولا يضر إذا كان الراوي ثقة.
القسم الثالث: أنيقع التصريح باسم الراوي ونسبه لكن مع الاختلاف في سياق ذلك ثم ذكر مثاله.
القسم الرابع: أن يقع التصريح به من غير اختلاف لكن يكون ذلك من متفقين أحدهما ثقة والآخر ضعيف أو أحدهما يستلزم الاتصال والآخر الإرسال كما قدمنا

 

ج / 2 ص -30-          ذلك ثم سرد المثال وأطال فيه المقال.
ثم قال فهذه الأنواع الستة التي يقع بها التعليل وقدمين كيفية التصرف فيها وما عداها إن وجد لم يخف إلحاقه بها.
وأما الاختلاف الذي يقع في المتن فقد أعل به المحدثون والفقهاء كثيرا من الأحاديث وأمثلة ذلك كثيرة وللتحقيق في ذلك مجال طويل يستدعي تقسيما وبيان أمثلة لتصير ذلك قاعدة يرجع إليها.
فنقول: إذا اختلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه أو كان سياق الحديث في واقعة يظهر تعددها فالذي يتعين القول به أن يجعلا حديثين مستقلين.
مثال الأول: حديث أبي هريرة في السهو يوم ذي اليدين وأن النبي صلى الله عليه وسلم قام وسلم من ركعتين ثم قام إلى خشية في المسجد فاتكا عليها فذكره ذو اليدين بسهوه صلى الله عليه وآله وسلم فسأل صلى الله عليه وسلم الصحابة فقالوا له نعم فصلى الركعتين اللتين سها عنهما1 وحديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله سلم صلى العصر فسلم على ثلاث ثم دخل صلى الله عليه وسلم منزله فجاء الخرباق وكان في يديه طول فناداه صلى الله عليه وسلم فأخبره بصنعه فخرج صلى الله عليه وسلم وهو غضبان فسأل الناس فأخبروه فأتم صلاته وحديث معاوية بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم المغرب فسلم من ركعتين ثم انصرف فأدركه طلحة بن عبيد الله فأخبره بصنعه فرجع صلى الله عليه وسلم فأتم صلاته فإن هذه الأحاديث الثلاثة ليس الواقعة فيها واحدة بل سياقها يشعر بتعددها.
وقد غلط بعضهم فجعل حديث أبي هريرة وعمران ابن حصين قصة واحدة ورام الجمع بينهما على نوع من التعسف الذي نستنكره وسببه الاعتماد على قول من قال إن ذا اليدين اسمه الخرباق وعلى تقدير ثبوت أنه هو فلا مانع أن يقع ذلك له في واقعتين ولا سيما أن في حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم سلم من ركعتين وفي حديث عمران سلم من ثلاث إلى غير ذلك من الاختلاف المشعر بكونهما واقعتين وكذا حديث معاوية بن خديج ظاهر أنها قصة ثالثة لأنه ذكر أنها المغرب وأن المنبه على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: الصلاة: ب 88, والسهو: ب 5. وأبو داود: ب 189, والنسائي في: السهو: ب 22, وأحمد 2/234.

 

ج / 2 ص -31-          السهو طلحة بن عبيد الله.
ومثال الثاني حديث علي بن رباح قال سمعت فضالة بن عبيد يقول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة وفيها خرز وذهب وهي من المغنم تباع فأمر صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال صلى الله عليه وسلم:
"الذهب بالذهب وزنا بوزن"1 وحديث حنش الصنعاني عن فضالة قال اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب باثني عشر دينارا فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تباع حتى تفصل وفي لفظه له كنا نبايع يوم خيبر اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الذهب إلا وزنا بوزن"2 وفي رواية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم غام خيبر بقلادة فيها خرز وذهب ابتاعها رجل بسبعة دنانير أو تسعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حتى يميز بينه وبينها" الحديث وفي رواية لحنش كنا مع فضالة في غزوة فصارت لي ولأصحابي قلادة بها ذهب وجوهر فأردت أن أشتريها فقال لي فضالة انزع ذهبها واجعله في كفة واجعل ذهبك في كفة فأنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل"3 وهذه الروايات كلها في صحيح مسلم فقال البيهقي وغيره إن هذه محمولة على أنها كانت بيوعا شهدها فضالة فأداها كلها وحنش أداها متفرقة.
قلت: بل هما حديثان لا أكثر رواهما جميعا حنش بألفاظ مختلفة وروى علي بن رباح أحدهما وبيان ذلك أن حديث علي بن رباح شبيه برواية حنش الثالثة وليست بينهما مخالفة إلا في تعيين وزنها في رواية حنش دون رواية الآخر فهذا حديث واحد اتفقا فيه على ذكر القلادة وأنها مشتملة على خرز وذهب وأن النبي صلى الله عليه وسلم منع من بيعها حتى يميز الذهب من غيره وأما رواية حنش الأولى فليس فيها إلا ذكر المفاضلة في كون القلادة كان فيها أكثر من اثني عشر والمتن كان فيها اثني عشر فنهاهم عن ذلك وروايته الثانية شبيهة بذلك إلا أنها عامة في النهي عن بيع الذهب متفاضلا وتلك فيها بيان القصة فقط والآخرة شبيهة بالثانية والقصة التي وقعت فيها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم في: المساقاة: ب 17. حديث 89. وأحمد 2/262, 6/19.
2 مسلم في: المساقاة: ب 17 حديث 91. وأبو داود 3353. والبيهقي 5/293.
3 مسلم في: المساقاة: ب 17 حديث 92.

 

ج / 2 ص -32-          إنما هي للتابعي لا للصحابي فوضح أنهما حديثان لا أكثر والله أعلم.
ثم إن هذا كله لا ينافي المقصود من الحديث فإن الروايات كلها متفقة على المنع من بيع الذهب بالذهب ومعه شيء غيره فلو لم يمكن الجمع لما ضره الاختلاف والله أعلم.
فهذان مثالان واضحان فيما يمكن تعدد الواقعة فيه وفيما يبعد الجمع فأما إذا تعذر الجمع بين الروايات بأن لا يكون المخرج واحدا فلا ينبغي سلوك تلك الطريق والمالمتعسفة مثاله حديث أبي هريرة أيضا في قصة ذي اليدين فإن في بعض طريقه أن ذلك كان في صلاة الظهر وفي أخرى في صلاة العصر وفي أكثر الرويات قال في إحدى صلاتي العشي إما الظهر أو العصر فمن زعم أن رواية أبي هريرة لقصة ذي اليدين كانت متعددة وقعت مرة في الظهر ومرة في العصر لأجل هذا الاختلاف ارتكب طريقا وعرا بل هي قصة واحدة وأدل دليل على ذلك الرواية التي فيها الترددد هل هي الظهر أوالعصر فإنها مشعرة بأن الراوي كان يشك في أيهما ففي بعض الأحيان كان يغلب على ظنه أحدهما فيجزم به فلذا وقع في بعض طرقه ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس ما يقول ذو اليدين قالو صدق وفي أخرى أكما يقول ذو اليدين قالوا نعم وفي أخرى فأوموا أن نعم فالغالب أن هذا الاختلاف من الرواة في التعبير عن صورة الجواب ولا يلزم ن ذلك تعدد الواقعة قال العلائي وهذه الطريقة التي سلكها الشيخ محي الدين توصلا إلى تصحيح كل من الروايات صونا للرواة الثقات أن يتوجه الغلط إلى بعضهم.
ثم ذكر أمثلة من الأحاديث حملها الشيخ على تعدد الواقعة والأقرب خلافه ثم قال ومما يمكن فيه احتمال تعدد الواقعة ويمكن أيضا الجمع بين الروايات ولو اختلفت المخارج ما يكون الحمل فيه على طريق من المجاز كما في حديث أن عمر نذر باعتكاف ليله في الجاهلية فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفي بنذره وفي رواية اعتكاف يوم وكلاهما في الصحيح والتحقيق أنه نذر يوما بليلته وأمره صلى الله عليه وسلم بالوفاء بنذره فعبر بعض الرواية عنه بيوم وأراد بليلته وبعضهم بليلة وأراد بيومها والتعبير بكل واحد من هذين عن المجموع من المجاز الشائع الكثير الاستعمال أو بتقييد في الأطلاق كما في حديث يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في النهي عن مس الذكر باليمين فإن بعض الرواة عن يحيى أطلق وبعضهم قيد بحالة البول

 

ج / 2 ص -33-          أو بتخصيص العام كما في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر في زكاة الفطر وقوله فيه من المسلمين1 أو بتفسير المبهم وتبين المجمل كما في حديث وائل بن حجر في قصة صاحب النسعة2 فإن في رواية أبي هريرة عند الترمذي إبهام كيفية القتل وفي حديث وائل عند مسلم بيانها3.
وأما ما يتعذر فيه احتمال التعدد ويبعد فيه أيضا الجمع بين الروايات فهو على قسمين أحدهما ولا تتضمن المخالفة بين الروايات اختلاف حكم شرعي فلا يقدح ذلك في الحديث وتحمل تلك المخالفات على خلل وقع لبعض الرواة إذا رووه بالمعنى متصرفين بما يخرجه عن أصله.
مثاله: حديث جابر في وفاء دين أبيه فإنه مخرج في الصحيح عن عدة طرق وفي سياقه تباين لا يتأنى الجمع فيهه إلا بتكلف شديد لأن جميع الروايات عبارة عن دين كان على أبيه ليهودي فأوفاهم ممن نخلة ذلك العام ففي رواية وهب بن كيسان أنه كان ثلاثين وسقا وأن النبي صلى الله عليه وسلم كلمه في الصبر فابى فدخل النبي صلى الله عليه وسلم النخل فمشى فيها ثم قال جابر حد له فحدله بعد ما رجع النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث عبد الله بن كعب عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم أن يقبلوا تمر الحائط ويحللوه فأبوا وفي رواية الشعبي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:
"اذهب فبيدر كل تمر على ناحية" وأنه صلى الله عليه وسلم طاف في أعظمها بيدرا ثم جلس صلى الله عليه وسلم فقال: "ادع أصحابك", فما زال يكبل لهم حق أدى الله أمانة والدي وفي آخره: "فسلم الله البيادر كلها"4 ففي هذه الروايات اختلاف شديد كما ترى وفي حملها على التعدد بعد وتكلف والأقرب ما أشرنا إليه وأن المقصود في جميعها البركة في التمر بسبب النبي صلى الله عليه وسلم وأن الاختلاف في ألفاظها وقع من بعض الرواة.
وكذا حديث جابر في قصة الجمل فإن الروايات اختلفت في قدو الثمن وفي الاشتراط وعدمه وقد ذكره البخاري مبينا في موضوعين من صحيحه وقال إن قول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سبق تخريجه.
2 النسعة: بالكسر سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره وقد تنسج عريضة تجعل على صدر البعير النهاية 5/48.
3 مسلم فب: القسامة: ب 10. حديث 32.
4 البخاري 4/17, 5/123. والنسائي 8/18. وشرح السنة 13/303.

 

ج / 2 ص -34-          الشعبي بوقية أرجح وأن الاشتراط أصح وهو ذهاب منه إلى ترجيح بعض الروايات وأما دعوى التعدد فغير ممكن.
ومن ذلك حديث عائشة في ضياع العقد ونزول آية التيمم ففي رواية القاسم أن المكان كان البيداء أو ذات الجيش وفيها انقطع عقد لي وفيها أنهم باتوا على غير ماء وفيها فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته وفي رواية عروة أنها سقطت في الأبواء وفي رواية في مكان يقال له الصلصل وفيه إن القلادة استعارتها عائشة من أسماء وفيها انسلت القلادة من عنقها وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رجلين يلتمسانها فوجداها فحضرت الصلاة فلم يدريا كيف يصنعان وفي رواية أرسل ناسا وعين منهم أسيد بن حضير وفيها أن الذين أرسلوا حضرتهم الصلاة فصلوا على غير وضوء1.
قال ابن عبد البر ليس اختلاف النقلة في العقد ولا في القلادة ولا في الموضع الذي سقط فيه ذلك لعائشة ولا كونه لعائشة أو لأسماء مما يقدح في الحديث ول يوهنه لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود هو نزول آية التيمم ولم يختلفوا في ذلك.
قلت: وكلامه يشعر بتعذر الجمع بين الروايتين وليس كذلك بل الجمع بينهما ممكن بالتعبير بالقلادة عن العقد وبأن إضافتها إلى أسماء إضافة ملك وإلى عائشة إضافة يد وبأن انسلالها كان بسبب انقطاعها وبأن الإرسال في طلبها كان في ابتداء الحال ووجدانها كان في آخره حين بعثوا البعير وأما قوله إن الذين ذهبوا في طلبها هم الذين وجدوها فلا بعد فيه أيضا لاحتمال أن يكون وجدانهم إياها بعد رجوعهم.
وإذا تقرر ذلك كانت القصة واحدة وليس فيها مخالفة إلا أن في رواية عروة زيادة على ما في رواية القاسم من ذكر صلاة المبعوثين في طلبها بغير وضوء ولا اختلاف ولا تعارض فيها.
ومن الأحاديث التي رواها بعض الرواة بالمعنى الذي وقع له وحصل من ذلك الغلط لبعض الفقهاء بسببه ما رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: التيمم: ب 1. ومسلم في: التوبة: حديث 56. وأحمد 4/264.

 

ج / 2 ص -35-          صلى الله عليه وسلم قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج"1 الحديث2 ورواه عنه سفيان بن عيينه وإسماعيل بن جعفر وروح ابن القاسم وعبد العزيز الدراوردي وطائفة من أصحابه وهكذا رواه عنه شعبة في رواة حفاظ أصحابه وانفرد وهب بن جرير عن شعبة بلفظ: "لا تجزى صلاة لا يقرأ فيه بفاتحة الكتاب"3 حتى زعم بعضهم أن هذه الرواية مفسرة للخداع الذي في الحديث وأنه عدم الأجزاء وهذا لا يتأتى له إلا لو كان مخرج الحديث مختلفا فأما والسند متحد فلا ريب أنه حديث واحد اختلف لفظه فتكون رواية وهب بن جرير شاذة بالنسبة إلى ألفاظها بقية الرواة لا تفاقهم دونه على اللفظ الأول لأنه يبعد كل البعد أن يكون أبو هريرة سمعه باللفظين ثم نقل عنه ذلك.
ومن ذلك حديث الواهبة نفسها فإن مدارهه علىأبي حازم عن سهل بن سعد واختلف الرواة على ابي حازم فقال مالك وجماعة معه
"فقد زوجتكما" وقال ابن عيينة "أنكحتكما" وقال ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن "ملكتكها" وقال الثوري "أملكتكها" وقال أبو غسان أمكنا كها أو أكثر هذه الروايات في الصحيحين فمن البعيد جدا أن يكون سهل بن سعد شهد هذه القصة من أولها إلى آخرها مرارا عديدة في كل مرة لفظ غير الذي سمعه في الأخرى بل ربما يعلم ذلك بطريق القطع وأيضا فالمقطوع به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة فلم يبق إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفظا منها وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى والله أعلم.
ثم إن الاختلاف في الإسناد إذا كان بين ثقات متساوين وتعذر الترجيح فهو في الحقيقة لا يضر في قبول الحديث والحكم بصحته لأنه عن ثقة في الجملة ولكن يضر ذلك في الأصحية عند التعارض مثلا فحديث لم يختلف فيه عن راويه أصلا أصح من حديث اختلف فيه في الجملة وإن كان ذلك الاختلاف في نفسه يرجع إلى من لا يلتزم القدح انتهى ما نقله الحافظ ابن حجر عن الحافظ العلائي مع اختصار لبعض الأمثلة وهو وإن طال نافع جدا سما مع اختصار المصنف للمقال وهو مفتقر إلى الإطالة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فهي خداج: الخداج النقصان يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق. وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق وإن كان لتمام الحمل. والخداج: مصدر على حذف المضااف: أي ذات خداج النهاية 2/12.
2 ابن ماجة 840, 841. وأحمد 2/457.
3 ابن خزيمة 490, وابن عدي 3/991.

 

ج / 2 ص -36-          وذكرنا ما سردنا من الأمثلة فتكون طريقا تسلك أمثالها في أمثاله.
ولما ذكر المصنف أنه ما اختلف فيه كلام راويه أو رواته أبان أنه مقيد بقيد التساوي فقال "وإنما يسمي مضطربا إذا تساوت الروايتان المختلفان في الصحة" ولا يخفى أنه كان ينبغي ذكر هذا القيد في رسم المضطرب "وإن ترجحت إحداهما لم يطلق عليه اسم الاضطراب على الراجح" إذ الذي عارضه كالعدم لمرجوحيته "والحكم حينئذ له" أي للراجح وأما حكم الاضطراب فأشار إليه بقوله "والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بعد ضبط رواته" فإن كان واحدا فظاهر وإن كان أكثر من واحد فقد اشترك الكل في عدم الضبط وإنما يزول عن البعض بالترجيح.
"ومن أمثلة مضطرب المتن حديث فاطمة بنت قيس المرفوع" قالت سألت أو سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الزكاة فقال:
"إن في المال لحقا سوى الزكاة" رواه الترمذي1 هكذا" بإثبات حق في المال غير الزكاة "ورواه ابن ماجه2 عنها" عن فاطمة بن قيس بلفظ "ليس في المال حتى سوى الزكاة وإسناده واحد عن شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عنها" قال الزين فهذا الاضطراب لا يحتمل التأويل وقول البيهقي إنه لا يحفظ لهذا اللفظ الثاني إسناد معارض بما رواه ابن ماجه. انتهى.
وقال البقاعي هذا لا يصح أن يكون مثالا لمضطرب المتن أما أولا فلان أبا حمزة شيخ شريك ضيعف فهو مردود من قبل ضعف راويه لا من قبل اضطرابه وأما ثانيا فإنه يمكن تأويله بأنها روت كلا اللفظين عنه صلى الله عليه وسلم ويكون الحق المثبت في اللفظ الأول المراد به الحق المستحب الذي لم يجب كصدقة النفل وإكرام الضعيف ونحو ذلك كما يقال حقك واجب علي والحق المنفي في اللفظ الثاني هو الفرض وقوله مردود من قبل الضعف وذلك أن الشرط في المضطرب أن يكون علة رده هو الاضطراب لا غير ولولاه لكان صحيحا.
"ومثال الاضطراب في الإسناد ما وقع في إسناده حديث أبي هريرة مرفوعا في السترة" للمصلى
"فإن لم يجد عصا فليحفظ حظا" فإنهم اضطربوا في اسم بعض رواته اضطرابا كثيرا" وذلك أن الحديث رواه أبو داود وابن ماجه3 من رواية إسماعيل بن أمية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رقم 659, 660. والدار قطني 2/125, وابن عدي 4/1328.
2 رقم 1789, والإتحاف 4/105.
3 أبو داود 689. وابن ماجة 943. وأحمد 249.

 

ج / 2 ص -37-          عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده حريث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم فليجعل شيئا تلقاء وجهه الحديث وفيه فإن لم يجد عصا ينصبها بين يديه فليخط خطا وقد اختلفوا فيه على إسماعيل اختلافا كثيرا فرواه بشر بن المفضل وروح ابن القاسم عنه هكذا ورواه سفيان الثوري عنه عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة ورواه حميد بن الأسود عنه عن أبي عمرو بن محمد عن عمرو بن حريث ابن سليم عن أبي هريرة ورواه وهيب بن خالد وعبد الوارث عنه عن أبي عمرو ابن حريث عن جده حريث ورواه ابن جريج عنه عن حريث بن عمار عن أبي هريرة ورواه داود عليه الحارثي عنه عن أبي عمرو بن محمد عن جده حريث ابن سليمان قال أبو زرعة الدمشقي لا نعلم أحدا أثبته ونسبه غير داود ورواه سفيان بن عيينه عنه فاختلفت فيه على ابن عيينة.
قال ابن المديني: عن ابن عيينة عن إسماعيل عن أبي محمد عمرو بن حريث عن أبيه عن جده حريث رجل من بني عذرة قال سفيان لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ولم يجيء إلا من هذا الوجه قال ابن المديني قلت: له إنهم يختلفون فيه فتفكر ساعة ثم قال ما أحفظه إلا أبا محمد بن عمرو ورواه محمد بن سلام البيكندي عن ابن عيينة مثل رواية شريك بن المفضل وروح ورواه مسدد عن ابن عيينة عن إسماعيل عن عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة ورواه عمار بن خالد الواسطي عن ابن عيينة عن إسماعيل عن أبي عمرو محمد بن عمرو بن حريث بن سليم وفيه من الاضطراب غير ما ذكرت انتهى من شرح ألفية الزين.
وقال تلميذه الحافظ ابن حجر بقي أمر يجب التيقظ له وذلك أن جميع من رواه عن إسماعيل بن أمية عن هذا الرجل إنما وقع بينهم الاختلاف في اسمه أو كنيته وهل روايته عن أبيه أو جده أو عن أبي هريرة بلا واسطة وإذا تحقق الأمر فيه لم يكن فيه حقيقة الاضطراب لأن الاضطراب هو الاختلاف الذي يؤثر قدحا واختلاف الرواة في اسم رجل لا يؤثر ذلك لأنه إن كان ذلك الرجل ثقة فلا ضير وإن كان غير ثقة فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه لا من قبل اختلاف الثقات في اسمه فتأمل ذلك ومع هذا كله فالطريق التي ذكرها ابن الصلاحثم شيخنا قابلة لترجيح بعضها على بعض والراجحة منها يمكن التوفيق بينها فينتفي الاضطراب أصلا ورأسا.

 

ج / 2 ص -38-          ثم قال الحافظ: تنبيه:
قول ابن عيينة لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ولم يجيء إلا من هذا الوجه فيه نظر فقد رواه الطبراني من طريق أبي موسى الأشعري وفي إسناده أبو هرون العقدي وهو ضعيف ولكنه وارد على إطلاق ابن عيينة للنفي.
قلت: يحتمل أنه يريد لم نجد شيئا صحيحا ولكنه لا يناسبه قوله ولم يجيء إلا من هذا الوجه فإنه ظاهر في نفي مجيئه من غيره مطلقا.
قال: ثم وجدت له شاهدا آخر وإن كان موقوفا أخرجه مسدد في مسنده الكبير فقال حدثنا هشيم حدثنا خالد الحذاء عن أياس بن معاوية عن سعيد بن جبير قال إذا كان الرجل يصلى في فضاء فليركز بين يديه شيئا قإن لم يستطع أن يركزه فليعرضه فإن لم يكن معه شيء فليخط خطا في الأرض رجاله ثقات وقول البيهقي إن الشافعي ضعفه فيه نظر فإنه احتج به فيما وقفت عليه في المختصر الكبير للمزني والله أعلم.
ولهذا صحح الحديث أبو حاتم بن حبان والحاكم وغيرهما وذلك مقتضى ثبوت عدالته عند من صححه فما يضره بعد ذلك أن لا ينضبط اسمه إذا عرفت ذاته انتهى.
* * *

 

ج / 2 ص -39-          مسألة: 43 [في بيان حقيقة المدرج وأنواعه وحكمه]
من علوم الحديث "المدرج" اسم مفعول من أدرجه بمهملتين وجيم "أقسام" أربعة كما يعدها المصنف قسم في المتن وثلاثة في الإسناد هكذا قسمه ابن الصلاح وتبعه الزين ضقال الحافظ ابن حجر: قد قسمه الخطيب الذي صنف فيه إلى سبعة أقسام وسيأتي ما ذكره الحافظ في تلخيصه لكلام الخطيب إن شاء الله تعالى.
"الأول: ما أدرج في آخر الحديث من قول بعض بعض رواته إما الصاحبي أو من بعده موصولا بالحديث من غير فصل" تأكيد لم قبله "فيلتبس على من لا يعلم الحال" أي الكلام النبوي من غيره "فيحسب الجميع موصولا".
وذلك "كحديث ابن مسعود وقوله بعد التشهد فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" تمامه إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد أخرجه أبو داود1 هذا من قوله فإذا فعلت إلى آخره "موقوف على الصحيح" من كلام ابن مسعود "وقد أدرجه بعضهم في الحديث" وهو زهير بن معاوية أبوخيثمة فأنه وصله بالمرفوع في رواية أبي داود هذه قال الحاكم2 قوله إذا فعلت هذا مدرج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود وكذا قال البيهقي في المعرفة وكذا قال الخطيب في كتابه الذي جمعه في المدرج إنها مدرجة وقال النووي في الخلاصة اتفق الحفاظ على أنها مدرجة3. انتهى.
ويدل لادراجها رواية شبابة بن سوار عنه ففصله وبين أنه من قول ابن مسعود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: الاستئذان ب 27, 28. ومسلم في: الصلاة حديث 59: 61. وأحمد 1/292.
2 علوم الحديث ص 40: ذكر النوع الثالث عشر.
3 تدريب الراوي 1/268.

 

ج / 2 ص -40-          قال: قال عبد الله: فإذا فعلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد رواه الدار قطني وقال شبابه ثقة وقد فصل آخر الحديث جعله من قول ابن مسعود وهو أصح من رواية من أدرج آخره ورواه غير شبابه وفصله وبين أنه من قول ابن مسعود.
"فاحتجت به الحنفية على أن السلام لا يجب" بناء منهم على عدم إدراج هذه الزيادة وهو خلاف ما قاله الأئمة الحفاظ كما عرفت.
قلت: واستدل لهم الطحاوي على ماذهبوا إليه من عدم وجوب السلام في كتابه معاني الآثار بما أخرجه بسنده إلى عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا رفع المصلى رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته" وبحديث أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فلما سلم أخبر بصنيعه فثنى رجله وسجد سجدتين أخرجه الطحاوي أيضا بسنده من حديث ابن مسعود قال ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل السلام ولم ير ذلك مفسدا الصلاة ولو رآه مفسدا لما إذا لأعادها فلما لم يعدها وقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم دل ذلك أن التسليم ليس من صلبها ألا ترى أنه لو كان جاء بالخامسة وقد بقي عليه مما قبلها جدة كان ذلك مفسدا للأربع لأنه خلطهن بما لييس منهن فلو كان السلام واجبا كوجوب سجود الصلاة لكان حكمه أيضا كذلك ولكنه بخلافه فهو سنة.
ثم قال وقد روى أيضا في حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلاثا صلى أو أربعا فليبن على اليقين ويدع الشك فإن كانت صلاته نقصت فقد أتمها وكانت السجدتان يرغمان الشيطان وإن كانت صلاته تامة كل ما زاد والسجدتان له نافلة"1 فقد جعل صلى الله عليه وسلم الخامسة الزائدة والسجدتين اللتين للسهو تطوعا ولم يجعل ما تقدم من الصلاة بذلك فاسدا وإن كان المصلى قد خرج منها فثبت بذلك أن الصلاة تتم بغير تسليم وأن التسليم من سنتها لا من صلبها انتهى كلامه وإنما سقناه لتعلم أن الحنفية لهم أدلة غير هذه الزيادة المدرجة وإن كانت هذه الأدلة التي أتى بها الطحاوي مما يدخله التأويل على تكلف وهذا المثال في الأدراج في آخر الحديث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود 1029. والترمذي 396. وابن ماجة 1204. والدار قطنيي 1/374-375.

 

ج / 2 ص -41-          "و" قد "يكون الكلام المدرج في أوله" أي الحديث ضقال الحافظ ابن حجر: وهو نادر جدا "مثل أن يتكلم الصحابي بأمر يذهب إليه ثم يحتج عليه بلفظ حديث ثم يقول هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعنى ما احتج به لا ما احتج عليه فيتوهم السامع أن الجميع مرفوع وقد يقع ذلك" الأدراج في الأول مع فصل الصحابي لكلامه على جهة الوهم من السامع.
مثل حديث أبي هريرة أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار رواه الخطيب1 من رواية أبي قطن وشبابة فرقهما عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار فقوله أسبغوا الوضوء من قول أبي هريرة وصل الحديث في أوله "فإن البخاري رواه عنه" أي عن أبي هريرة في صحيحه2 عن آدم بن أبي إياس عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال ويل للأعقاب من النار قال الخطيب وهم أبو القطن عمرو بن الهثيم وشبابة بن سوار في روايتهما هذا الحديث عن شعبة على ما سقناه وذلك أن قوله أسبغوا الوضوء كلام أبي هريرة وقوله ويل للأعقاب من النار كلام النبي صلى الله عليه وسلم وذكر جماعة من الحفاظ رووه عن شعبة وجعلوا الكلام الأول كلام أبي هريرة ولاكلام الثاني مرفوعا وقد عرفت مراده بقوله "والراوي لهما جميعا عنه محمد بن زياد" فإنه روى المدرجة الموصولة ولكن ليس الوهم من محمد بن زياد بل من أبي قطن وشبابة كما عرفت علىأن قوله أسبغوا الوضوء قد ثبت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح قال الحافظ وفتشت ما جمعه الخطيب في المدرج ومقدار ما زدت عليه فلم أجد له مثالا آخر إلا ما جاء في بعض طرق حديث بسرة الآتي من رواية محمد بن دينار عن هشام بن حسان.
"وقد يقع ذلك" أي الأدراج "في وسط الكلام مثل أن يروي حديث ومذهب فيسمعهما سامع فيحسبها حديثين فيرويهما على هذه الصورة وهي" أي صورة الإدراج "متقاربة وأكثرها وقوعا هو الأول" وهو الإدراج في آخره.
"ومثال هذا الأخير" وهو وقوع الأدراج في الوسط "ما رواه الدار قطني في سننه3 من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 6/4.
2 1/23, 35, 52, 53.
3 1/147, 148.

 

ج / 2 ص -42-          رواية عبد الحميد بن جعفر" أي ابن عبد الله بن الحكم الأنصاري المدني قال النسائي يس به بأس وكذا قال أحمد وقال ابن معين ثقة "عن هشام بن عروة" بن الزبير وهشام إمام معروف كبير القدر ثقة "عن أبيه" عروة "عن بسرة" بضم الموحدة وسكون السين المهملة "بنت صفوان" وهي صحابية جليلة "مرفوعا من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه" تثنية رفض بضم الراء وتفتح وسكن الفاء فغين معجمة وهو واحد الأرفاغ وهو أصول المغابن كالأبط والحوالب وغيرهما من مطاوي الأعضاء وما يجتمع فيه الوسخ والعرق قاله في النهاية1 "فليتوضأ".
"قال الدار قطني كذا رواه عبد الحميد عن هشام ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ فجعلهما من المرفوع والمحفوظ أن ذلك من قول عروة وكذلك" أي كونه من قول عروة "رواه الثقات عن هشام منهم أيوب السختياني وحماد بن زيد وغيرهما ثم رواه" أي الدار قطني "من طريق أيوب" السختياني "بلفظ من مس ذكره فليتوضأ قال" أي أيوب "وكان عروة يقول إذا مس رفغية أو أنثيية أو ذكره فليتوضأ" فبين أن ذلك من قول عروة لا أنه من المرفوع وقد ثبت أن أيوب أثبت من عبد الحميد وقد وافقه غيره فكان روايتهم دليلا على إدراج عبد الحميد لتلك الزيادة "وكذا قال الخطيب إن عبد الحميد تفرد بذلك" فحكم بأدراج ما تفرد به تقديما لرواية غيره عليه ممن هو أثبت منه.
"وأما زين الدين فخالف" كلام الدار قطني والخطيب "وقال إنه" أي عبد الحميد "لم ينفرد بذلك فقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية أبي كامل الجحدري عن يزيد بن زريع" تصغير زرع قال في الميزان شيخ رملي لا يكاد يعرف يروي عن عطاء الخرساني ضعفه ابن معين ضقال الحافظ ابن حجر: على كلام شيخ الزين هو كما قال إلا أنه مدرج أيضا والذي أدرجه أبو كامل الجحدري رواية عن يزيد وقد خالفه عبيد الله بن عمر القواريري وأبو الأشعث أحمد بن المقدام وأحمد بن المقدام وأحمد بن عبيد الله العنبري وغير واحد فرووه عن يزيد بن زريع موصولا انتهى "عن أيوب عن هشام عن أبيه عن بسرة مرفوعا بلفظ الحديث المعروف أولا سوى" أي الذي فيه رفع الزيادة لكنه قال الحافظ أنه بين الدار قطني أنه مدرج "قال زين الدين واختلف فيه على يزيد بن زريع" عبارته وعلى هذا فقد اختلف فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 2/244.

 

ج / 2 ص -43-          "ورواه الدار قطني1 أيضا من رواية ابن جريج عن هشام عن أبيه عن مروان" بن الحمم بن أبي العاص يأتي بيان حاله "عن بسرة بلفظ: "إذا مس أحدكم ذكره أو أنثييه" ولم يذكر الرفع وزاد في السند مروان بن الحكم قلت: أما طريق ابن زريع فلا تنهض دليلا على صحة الحديث" وأنه لا إدراج فيها "لما وقع فيها من الاختلاف على يريد" ولأنه أي يزيد كما قال الذهبي لا يكاد أن يعرف "ولما له من العلة بمخالفة أيوب وحماد وغيرهما من الثقات من سائر من روى حديث بسرة".
قال الحافظ ابن حجر: إنه رواه عشرون من الحفاظ مقتصين على المرفوع منه فقط "بل سائر من روى حديث من مس الذكر من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم" فإنه رواه منهم جابر وأبو هريرة وعبد الله ابن عمر وزيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وأم حبيبة وعائشة وأم سلمة وابن عمرو علي بن طلق والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة وأروى بنت أنس سردهم الحافظ ابن حجر في التلخيص ثم خرج رواياتهم.
"وأما طريق ابن جريج فهي مردودة بمروان بن الحكم فهو مجروح عند أهل البيت وعند غيرهم بل لا يعلم في ذلك خلاف" فإنه نقل المصنف في العواصم أنه قال ابن حبان في مقدمة صحيحه عائذا بالله أن نحتج بمروان وذويه في شيء من كتبنا وقال ابن قدامة الحنبلي في كتابه الكافي على مذهب الإمام أحمد بن حنبل في باب صفة الأئمة في إمامة الفاسق بالأفعال روايتين إحداهما تصح لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر:
"كيف بك إذا كان عليك أمراء يميتون الصلاة" الحديث2 إلى قوله في الاحتجاج وكان الحسن والحسين عليهما السلام يصليان وراء مروان انتهى فيه بيان مقدار معرفتهم بمقدار أهل البيت وبموضع أعدائهم من الفسق انتهى "وإنما روى عنه المحدثون أحاديث يسيرة لما رواها معه غيره من الثقات كما بينت ذلك في العواصم" قال فيه فإن قلت: فما الوجه في روايته عنهم؟.
فالجواب من وجهين:
الأول: أن الرواية لا تدل على التعديل كما ذكره الإمام يحيى وابن الصلاح وقد روى زين العابدين وعروة بن الزبير عن مروان ولم يدل ذلك على عدالته عندهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 1/146, 147, 148, والنسائي 1/100, وابن ماجة 479. وأحمد 6/407.
2 مسلم في: الصلاة: ب 41. حديث 238. والبيهقي 3/124.

 

ج / 2 ص -44-          فكذلك رواية المحدثين عنهم ثم ذكر ما قدمنااه من قول النووي في شرح مسلم إنه قد روى سلم في الصحيح عن جماعة من الضعفاء إلى آخر ما قدمناه.
قال المصنف فدل على أنهم قد يروون عمن ليس بثقة عندهم فإن قلت: فما عذرهم في ذلك قلت: لهم عذران فيه.
أحدهما: الرغبة في علو الإسناد لما فيه من التسهيل على طلبة هذا الشأن مع كون الحديث معروفا عندهم بإسناد نازل من طريق الثقات.
وثانيهما: وهو كثير الوقوع أن يكون الحديث مرويا من طرق كثيرة في كل منها ضعف لكن بعضها يجبر بعضا ويقويه ويشهد له مع كون بعض الرواة عدلا في دينه صدوقا في قوله كثير الوهم فلم يعتمد عليه وحده في التصحيح لولا ما جبر ضعفه في الشواهد والمتابعات التي يحصل من مجموعها قوة كبيرة توجب الحكم بصحة الحديث أو حسنه فيذكرون بعض طرقه الضعيفة ويتركون بعض الطرق للإختصار والتقريب على طلبة العلم.
ثم إنه سرد الأحاديث المروية عن مروان وهي لا تبلغ عشرة أحاديث وذكر من رواها غيره من الثقات ثم قال وبالجملة فلم يرو مروان إلا عن علي عليه السلام وعثمان وزيد بن ثابت وأبي هريرة وبسرة وعبد الرحمن بن الأسود وقد ذكرت جميع ما روى عنهم.
الوجه الثاني: أن رواية المحدثين عنه مع تصريحهم بماله من الأفعال القبيحة تدل على ما ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة شرح البخاري أن روايتهم عنه كانت قبل أحداثه أيام كان عندهم في المدينة واليا من جهة الخلفاء قبل أن يتولى الخلافة انتهى.
قلت: أما هذا العذر الذي ذكره المصنف عن الحافظ ابن حجر عذر باطل وإن أقره المصنف فإن أعظم ما قدحوا به على مروان قتله لطلحة أحد العشرة وقتله له كان يوم الجمل اتفاقا قال الذهبي وحضر الوقعة يوم الجمل وقتل طلحة ونجا فليته ما نجا وكذلك ذكره في النبلاء ومعلوم أنه لم يتول المدينة في عصر أحد من الخلفاء إنما ولاه إياها معاوية فلم يلها إلا بعد قتله لطلحة قال الذهبي في النبلاء إن مروان قتل طلحة ثم قال قاتل طلحة في الوزر بمنزلة قاتل علي. انتهى.
وإذا عرفت هذا فالعذر للمحدثين في الرواية من مروان هو الأول.
"وقد تكلم عليه ابن عبد البر في الاستيعاب" قال المصنف في العواصم وممن

 

ج / 2 ص -45-          ذكر مروان أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب ولم يذكره بتقوى ولا وصفه بديانة بل روى عن علي عليه السلام أنه نظر إليه يوما فقال ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك إذا شابت ذراعاك وكان يقال له خيط باطل وفيه يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم لما بويع له بالخلافة:

لحا الله قوما ملكوا خيط باطل                    على الناس يعطي من يشاء ويمنع

"والذهبي في النبلاء وقال" أي ابن عبد البر أو الذهبي لكن اللفظ المذكور رأيناه لابن عبد البر "في ترجمة طلحة" من الاستيعاب "إنه الذي قتله رماه بسهم على جهة للغدر وهو من جملة أصحابه" فإن مروان خرج من أهل الجمل في حرب علي عليه السلام "وقال" أي الذهبي "في الميزان في ذكر مروان قتل طلحة ونجا فليته ما نجا" قال المصنف في العواصم فلو كان عنده من أهل الصحاح ما تمنى له الهلاك وكره له النجاة وقد نص في الميزان على أن له أعمالا موبقة قال المصنف وهذا تصريح بفسقه.
"وذكر" أبو محمد "ابن حزم أنه كان فاسقا غير متأول أو كما قال" ولفظه عنه في العواصم وقال ابن حزم في أسماء الخلفاء والأئمة وقد ذكر بعض مساوي مروان وهو أول من شق عصا المسلمين بلا شبيه ولا تأويل وقتل النعمان بن بشير أول مولود في الإسلام في الأنصار صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أنه خرج على ابن الزبير بعد أن بايعه على الطاعة.
"وذكر البخاري والذهبي أنه" أي مروان "ليس بصحابي قلت: بل كان عدوا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرف ذلك من عرف أخباره وأكثر ما قيل فيه" أي في تنزيهه "أنه لم يكن منهما في الحديث وهذا لا ينفع إلا مع التأويل والتدين وهو منهما براء" كما تقدم عن ابن حزم.
"مع أن الحديث" أي حديث مس الذكر "مروي عنه من غير هذه الطريق بغير هذه الزيادة" تقدم تعداد رواته من الصحابة من طرق عديدة.
"قال الشيخ تقي الدين في الإقتراح إذا تقدم ذكر الأنثيين على الذكر ضعف الإدراج" لفظه في شرح ألفية الزين1 وقد ضعف ابن دقيق العيد الطريق إلى الحكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 1/120.

 

ج / 2 ص -46-          بالإدراج في مثل هذا فقال في الاقتراح ومما يضعف فيه أن يكون مدرجا في أثناء لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم لا سيما إن كان مقدما على اللفظ المروي أو معطوفا عليه بواو العطف كما لو قال من مس أنثيية وذكره فليتوضأ بتقديم الأنثيين على الذكر فها هنا يضعف الإدراج لما فيه من اتصال هذه اللفظة بالعامل الذي هو من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم انتهى ثم "قال زين الدين لم يرد مقدما" في شيء من طرق الحديث قال البقاعي ليس كذلك فقد وقع في كتاب الثواب لابن شاهين من رواية محمد بن دينار عن هشام عن عروة من مس أنثييه وذكره فقد الأنثيين "وإنما ذكره الشيخ مثالا فليعلم ذلك".
واعلم أن أمثلة الأدراج في وسط الحديث كثيرة.
منها حديث عروة عن عائشة في حديث بدء الوحي في قولها: "وكان يخلو بغار حراء يتحدث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد"1 فقوله وهو التعبد مدرج من كلام الزهري في وسط الحديث كما بينه في فتح الباري.
ومنها حديث مالك2 عن الزهري عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح مكة وعلى رأسه المغفر وهو غير محرم فقيل له إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال:
"اقتلوه"3 فإن قوله: وهو غير محرم من كلام الزهري أدرجه الراوي عنه وقد رواه أصحاب الموطأ بدون هذه الزيادة وبين بعضهم أنها من كلام الزهري.
ومنها حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الطيرة4 شرك وما منا إلا ولكن الله تعالى يذهبه بالتوكل" رواه الترمذي5 وقال هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سلمة يريد ابن كهيل قال وسمعت محمدا يقول في هذا وما منا إلا عندي من قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ضقال الحافظ ابن حجر: قد رواه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: بدء الوحي ب 3, ومسلم في: الإيمان: حديث 252. وأحمد 6/233.
2 سبق تخريجه.
3 البخاري في: الجهاد ب 169. ومسلم في: الحج: حديث 450. وأحمد 3/164.
4 الطيرة: بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي: التشاؤم بالشيء وهي مصدر تطير يقال: تطير طيرة.
وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه فكأنهم أشركوه مع الله في ذلك. النهاية 3/152.
5 1614, وأبو داود 3910. وابن ماجة 3538. وأحمد 1/389, 440.

 

ج / 2 ص -47-          علي بن الجعد وغندر وحجاج بن محمد ووهب بن جرير والنضرين إسماعيل وجماعة عن شعبة فلم يذكروا فيه وما منا إلا وهكذا رواه اسحق بن راهويه عن أبي نعيم عن سفيان الثوري.
ومنها قوله في حديث عكرمة عن أبي هريرة في صفة نزول الوحي:
"تنزل الملائكة من العنان - والعنان السحاب" الحديث1 قال قوله: "والعنان السحاب" مدرج.
واعلم أن الطريق إلى معرفة المدرج من وجوه:
الأول: أن يستحيل إضافة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك مثل حديث ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للمملوك أجران" - والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبرأمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك", رواه البخاري2 فهذا الفصل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم إذ يمتنع أن يتمنى أن يصير مملوكا وأيضا فلم يكن له أم يبرها بل هذا من قول أبي هريرة أدرجه في المتن وقد بينه حبان بن موسى عن ابن المبارك فساق الحديث إلى قوله:
"أجران" ثم قال: والذي نفس أبي هريرة بيده إلى آخره وكذا هو في رواية بن وهب عن يونس عند مسلم وهذا من فوائد المستخرجات كما تقدم.
وكذلك ما في حديث ابن مسعود من قوله:
"الطيرة شرك" - "وما منا إلا" فإنه مدرج فإنه لا يصح أن يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاستحالة أن يضاف إليه شيء من الشرك.
الثاني من الوجوه أن يصرح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي صلى الله عليه وسلم.
كحديث ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم:
"من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار"3 هكذا رواه أحمد بن عبد الجبار العطاردي عن أبي بكر بن عياش بإسناده ورواه غيره عن أبي بكر بن عياش بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كلمة: "من جعل الله ندا دخل النار"4 وأخرى أقولها ولم أسمع منه صلى الله عليه وسلم: من مات لا يجعل لله ندا دخل الجنة والحديث في صحيح مسلم عن ابن مسعود بلفظ قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: بدء الخلق: ب 6.
2 البخاري في: العتق: ب 16. ومسلم في: الأيمان: حديث 44. وأحمد 2/330.
3 مسلم في: الإيمان: حديث 151. وأحمد 1/382.
4 أحمد 1/402, 407.

 

ج / 2 ص -48-          رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت: أخرى فذكره فهذا يجزم بكونه مدرجا لكن لا يجزم بتعيين الجملة المدرجة هل هي دخول الجنة لمن لم يجعل لله ندا أو دخول النار فيمن جعل لله ندا لاختلاف الرواية.
الثالث: أن يصرح بعض الرواة بتفصيل المدرج فيه عن المتن المرفوع بإضافته إلى قائله.
ومثاله حديث ابن مسعود فإذا قلت: هذا فقد قضيت صلاتك تقدم وله أمثلة كثيرة.
قال الحافظ ابن حجر: والحكم على هذا القسم الثالث بالأدراج يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد ول يوجب القطع بذلك بخلاف القسمين الأولين وأكثر هذا القسم الثالث يقع تفسيرا لبعض الألفاظ الواقعة في الحديث كما في أحاديث الشغار1 والمحاقلة2 والمزاينة3 ونحوها والأمر في ذلك سهل لأنه إن أثبت رفعه فذاك وإلا فالراوي أعرف بتفسير ما روى من غيره.
وفي الجملة إذا قام الدليل على إدراج جملة معينة بحيث يغلب على الظن ذلك فسواء كان في الأول أو الوسط أو الآخر فإن سبب ذلك الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه مدمجا من غير تفصيل فيقع ذلك.
ثم ذكر بسنده إلى أبي حاتم بن حبان أنه قال أحمد بن حنبل كان وكيع يقول في الحديث يعني كذا وكذلك كان الزهري يفسر الأحاديث كثيرا وربما أسقط أداة التفسير وكان بعض أقرانه يقول له أفصل كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الحافظ ابن حجر ثم قال وقد ذكرت كثيرا من هذه الحكايات وكثيرا من أمثلة ذلك في كتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الشغار: نكاح معروف في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل: شاغرني أي زوجني أختك أو ابنتك أو من تلي امرها حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من ألي أمرها ولا يكون بينهما مهر ويكون بضع كل واحدة منهما في مقابلة بضع الاخرى. النهاية 2/482.
2 المحاقلة: مختلف فيها قيل هي اكتراء الأرض بالحنطة وهو الذي يسميه المزارعون: المحارثة. وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما وقيل غير ذلك. أنظر النهاية 1/416.
3 المزابنة: هي بيع الرطب في رؤس النخل بالتمر واصله من الزبن وهو الدفع كأن كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه. النهاية 2/294.

 

ج / 2 ص -49-          اسمه تقريب المنهج لترتيب المدرج أعان الله على تكميله وتبييضه إنه على كل شيء قدير.
"القسم الثاني" من أقسام المدرج "أن يكون الحديث عند راويه بإسناد إلا طرقا منه فإنه عنده إسناد آخر فيجمع الراوي عنه" أي عن الراوي المذكور "طرفي الحديث بإسناد الطرف الأول" تاركا لإسناده للطرف الآخر.
"مثاله حديث رواه أو داود من رواية زائدة" اسم فاعل من الزيادة وهو ابن نشيط بفتح النون وكسر المعجمة مقبولة "وشريك فرقهما" في الرواية و رواه النسائي م حديث "سفيان بن عيينة كلهم" أي زائدة وشريك وسفيان رووه "عن عاصم" بن كليب كما في شرح الألفية "عن أبيه عن وائل بن حجر" بضم الحاء المهملة وسكون الجيم صحابي جليل كان من ملوك اليمن "في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيه ثم جئتهم بعد ذلك في زمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب1" وفي لفظ لأبي داود عن شريط عن عاصم ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم أكسية وبرانس2 "تحرك أيديهم تحت الثياب" أي لأجل رفعها عند التكبيرة الأولى.
"قال موسى بن هرون" الحمال "وذلك عندنا وهم فقوله ثم جئت ليس هو بهذا الإسناد وإنما أدرج عليه وهو من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل وهكذا راه مبينا وهير بن معاوية وأبو بدر شجاع ابن الوليد" فيما أثبت له ممن روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل "فهذه رواية مضبوطة اتفق عليها زهير وشجاع وقال ابن الصلاح: إنه الصواب".
"القسم الثالث" من أقسام المدرج "أن يدرج بعض حديث في حديث آخر مخالف له في السند".
"مثاله حديث سعيد بن أبي مريم" هو سعيد بن الحكم ابن محمد ابن سالم أبي مريم الجمحي بالولاء أبو محمد البصري ثقة ثبت فقيه "عن مالك عن الزهري عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود في: الصلاة: ب 115, والدارمي في: الصلاة: ب 92.
2 برانس: جمع برنس وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو ممطر أو غير ذلك. وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام وهو من البرنس بكسر الباء القطن والنون زائدة وقيل إنه غير عربي النهاية 1/122.

 

ج / 2 ص -50-          أنس مرفوعا: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا"1 في النهاية2 "لا يعطي كل منكم أخاه دبره وفقاه فيعرض عنه ويهجره" انتهى "ولا تنافسوا" هو من الشيء النفيس وهو ما يرغب فيه ويبخل به لعزته وهو مضارع فلان وفلان مثل تقاتلا وهكذا بقية ألفاظ الحديث كلها أفعال مضارعة حذف منها حرف المضارعة تخفيفا ومعنى تنافسوا تقاسموا النفاسة بأن يعد كل منهمالشيء نفيسا فيتجاذبونه فيؤدي ذلك إلى فساد عريض.
"فقوله ولا تنافسوا مدرجه في هذا الحديث أدرجها ابن أبي مريم فيه من حديث آخر لمالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا:
"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا"3 بالجيم التفحص من الجاسوس صاحب سر الشر قال في القاموس أي خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله ولا تفحصوا عن بواطن الأمور ولا تبحثوا عن العورات والتحسس بالحاء قال فيه إنه الاستماع لحديث القوم وطلب خبرهم في الخبر "ولا تنافسوا ولا تحاسدوا وكلا الحديثين مخرج في الصحيحين متفق عليه من طريق مالك وليس فيه ولا تنافسوا وهي في الثاني هكذا الحديثان عند رواة الموطأ".
"القسم الرابع" من أقسام المدرج "أن يروى بعض الرواة حديثا عن جماعة وبينهم في إسناده أو متنه اختلاف فيجمع الكل على إسناد واحد مما اختلفوا فيه" ويدرج رواية من خالفهم معهم على الاتفاق ومثاله حديث رواه الترمذي وساقه الزين في شرح الألفية فمن أراده فليراجعه فلم أجد نسخة منه أثق بالنقل منها.
"قال زين الدين ولهذا لا ينبغي لمن يروي حديثا بسند في جماعة في طبقة واحدة مجتمعين في الرواية عن شيخ واحد أن يحذف بعضهم لاحتمال أن يكون اللفظ في السند والمتن لأحدهم وحمل رواية الباقين عليه قربما كان من حذفه هو صاحب ذلك اللفظ".
"قال ابن الصلاح: واعلم أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج" فيه بحث وهو أنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 8/23, 25. ومسلم في: البر والصلة: ب 7. حديث 23. وأحمد 1/5.
2 2/97.
3 البخاري 4/5. ومسلم في: البر والصلة: حديث 28. والترمذي 1988. ومالك 908, وأحمد 312.

 

ج / 2 ص -51-          قد ثبت إدراج أئمة كبار تفاسير ألفاظ الحديث كما تقدم في التحنث ونحوه وتقدم أن الأمر في ذلك سهل لأنه إن ثبت مرفوعا فذاك وإلا فالراوي أعرف بتفسير ما روى فالقياس أن يقال إدراج ما هو من تفاسير الألفاظ لا يحرم وإدراج ما هو من غيرها مما فيه حكم شرعي وإيهام أنه مرفوع هو الذي لا يجوز.
"قلت: فقول زين الدين لا ينبغي لمن يروى حديثا بسند فيه جماعة إلى آخره محمول على الاستحباب كما تشعر به لفظة لا ينبغي" ولأنه إنما علله بالاحتمال "لأن الظاهر عدم الإدراج" فلا يحكم به إلا بدليل وقد قدمنا الوجوه التي يستدل بها عليه "و" لأن "عادة الحفاظ في ذلك إذا سكتوا فذلك منهم إشعار بأن الإسناد والمتن للجميع وإن لم يكن كذلك" أي لم يكن الإسناد والمتن للجميع "قالوا واللفظ لفلان" "قال الزين وهذا النوع" يريد نوع الأدراج بأقسامه "قد صنف فيه" أبو بكر الخطيب البغدادي وقسمه إلى سبعة أقسام "فشفى وكفى" تقدم أنه ضقال الحافظ ابن حجر: وقد لخصته أي كتاب الخطيب ورتبته على الأبواب والمسانيد وزدت على ما ذكره الخطيب أكثر من القدر الذي ذكره وهذا هو الكتاب الذي سماه الحافظ تقريب المنهج بترتيب المدرج وذكر أنه سأل الله تعالى الإعانة على تمامه وتبييضه1.
واعلم أنه زاد الحافظ في مدرج الإسناد قسمين على هذه الثلاثة:
الأول: منهما وهو الرابع أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفا منه فإنه لم يسمعه من شيخه فيه وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل وهذا مما يشترك فيه الإدراج والتدليس مثال ذلك حديث إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس في قصة العرنيين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم:
"لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها"2 ولفظه: "وأبولها" إنما سمعه حميد من قتادة عن أنس بينه يزيد بن هرون ومحمد بن أبي عدي ومروان بن معاوية وآخرون كلهم يقول فيه: "فشربتم من ألبانها" قال حميد قال قتادة عن أنس: "وأبوالها" فرواية إسماعيل فيها إدراج وتسوية.
وثانيهما: وهو الخامس أن لا يذكر المحدث متن الحديث بل يسوق إسناده فقط ثم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تدريب الراوي 1/274.
2 البخاري في: الجهاد: ب 152, ومسلم في: القسامة: حديث 9-11, وأحمد 3/107.

 

ج / 2 ص -52-          يقطعه قاطع فيذكر كلاما فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد مثاله في قصة ثابت بن موسى الزاهد مع شريك القاضي كما مثل به ابن الصلاح لشبه الوضع1 وجزم ابن حبان أنه من المدرج فهذه أقسام مدرج الإسناد.
قال الحافظ والطريق إلى معرفة كونه مدرجا أن تأتي رواية مفصلة للرواية المدرجة وتتقوى الرواية المفصلة بأن يرويه بعض الرواة مقتصرا على إحدى الجملتين.
* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 132.

 

ج / 2 ص -53-          مسأل:44 [في الموضوع وحكمه]
من أنواع علوم الحديث "الموضوع" قال ابن دحية إنه في اللغة الملصق يقال وضع فلان على فلان كذا أي ألصق به وهو أيضا الحط والإسقاط قال الحافظ والأول اليق بهذه الحيثية "هو شر الأحاديث الضعيفة" هذه العبارة لابن الصلاح1 وسبقه إليها الخطابي واستنكرت لأن الموضوع ليس من الحديث النبوي إذ أفعل لاتفضيل إنما يضاف إلى بعضه وقد يجاب بأنه لم يرد بالأحاديث الأحاديث النبوية بل أعم وهو ما يتحدث به.
"وهو المكذوب ويقال له المختلق2" إذ الاختلاف الكذب ومنه قوله تعالى:
{إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} [ص: 7] "و" يقاله له أيضا "المصنوع" بصاد مهملة من الصنعة "أي واضعه اختلقه وصنعه قال زين الدين ومطلق وجود كذاب في السند لا يلزم منه أن يكون الحديث مكذوبا لجواز أنه ثابت منغيرر طريقه إلا أن يعترف بأنه وضع ذلك الحديث بعينه أو ما يقوم مقام اعترافه على ما ستقف عليه" ويأتي ما فيه من الإشكال وجوابه.
"وحكم الموضوع أنه لا يجوز لمن عرفه" أي عرف أنه موضوع "أن يرويه من غير بيان لوضعه سواء كان في الحلال أو الحرام أو الترغيب أوالترهيب أو غير ذلك" يدل لذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه3 من حديث سمرة بن جندب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" انتهى ضبط يرى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 130.
2 المختلق: بفتح اللام بعدها قاف أي المبتكر الذي لاينسب إليه صلى الله عليه وسلم أصلا حاشية الأجهوري ص 81.
3 في: المقدمة: ب 1. والترمذي 2662. وابن ماجة 39, 41.

 

ج / 2 ص -54-          بضم الياء أي يظن وفي الكذابين روايتان بصيغة التثنية وبصيغة الجمع وكفى بهذا الوعيد في حق من روى حديث يظن أنه كذب فضلا عن أن يروى ما يعلم كذبه ولا ييينه لأنه صلى الله عليه وسلم جعل المحدث بذلك مشاركا للكاذب في وصفه.
قال زين الدين بعد هذا الذي ذكره المصنف من حكم الموضوع ما لفظه بخلاف غيره من الضعيف المحتمل للصدق حيث جوز روايته في الترغيب والترهيب انتهى لكن بقي هل يشترط في هذا الاحتمال أن يكون قربا بحيث يفوق احتمال كذبه أو يساويه أولا يشترط هذا محل نظر ولاذي يظهر من كلام مسلم وربما دل عليه الحديث المتقدم بأنه إذا كان احتمال الصدق احتمالا ضعيفا أنه لا يعتد به.
وقال الترمذي سألت أبا محمد يعني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن هذا الحديث يعني حديث سمرة المذكور فقلت: له من روى حديثا وهو يعلم أن إسناده خطأ أيخاف أن يكون دخل في هذا الحديث أو إذا روى الناس حديثا مرسلا فأسنده بعضهم أو قلب إسناده فقال لا إنما معنى هذا الحديث إذا روى الرجل حديثا ولا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الحديث أصلا فأخاف أن يكون دخل في هذا الحديث.
"قال ابن الصلاح1: ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلدين فأودع فيها كثيرا مما لا دليل على وضعه وإنما حقه أن يذكر في الأحاديث الضعيفة قال زين الدين وأراد ابن الصلاح أبا الفرج بن الجوزي".
قال زين الدين في شرح ألفيته قال العلائي دخلت على ابن الجوزي الآفة من التوسع في الحكم بالوضع لأن مستنده في غالب ذلك ضعف رواته.
قال الحافظ ابن حجر: وقد يعتمد على غيره من الأئمة في الحكم على بعض الأحاديث بتفرد بعض الرواة الساقطين بها ويكون كلامهم محمولا على قيد أن تفرده إنما هو من ذلك الوجه ويكون المتن قد روى من أوجه أخر لم يطلع هو عليها أو لم يستحضره حال التضعيف فدخل عليه الدخيل من هذه الجهة وغيرها فذكر في كتابه الحديث المنكر والضعيف الذي يحتمل في باب الترغيب والترهيب قليل من الأحاديث الحسان كحديث صلاة التسبيح وحديث قراءة آية الكرسي عقيب الصلاة فإنه رواه النسائي وصححه ابن حبان وليس في كتاب ابن الجوزي من هذا الضرب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 131.

 

ج / 2 ص -55-          سوى أحاديث قليلة جدا فأما مطلق الضعيف ففيه كثير من الأحاديث نعم أكثر الكتاب موضوع وقد أفردت لذلك تصنيفا أشير على مقاصده انتهى.
"والواضعون للحديث على أصناف بحسب الأمر الحامل لهم على ذلك فضرب من الزنادقة" في القاموس الزنديق من الثنوية أو القائل بالنور والظلمة أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان أو هو معرب زن دين أي دين المرأة "يفعلون ذلك ليضلوا به الناس كعبد الكريم ابن أبي العوجاء خال معن" بفتح الميم وسكون العين المهملة "ابن زائدة" أي الشيباني الأمير المعروف "الذي أمر بضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي أمير مكة" قال الذهبي في الميزان أمير البصرة وقال في ترجمة عبد الكريم زنديق مبين قال أحمد بن عدي لما أخذ ليضرب عنقه قال لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام.
"ومثل بيان" بفتح الموحدة فمثناة تحتية فألف فنون قال الذهبي هو ابن سمعان النهدي من بني تميم ظهر بالعراق بعد المائة وقال بالهيية علي رضي الله عنه وأن فيه جزءا إلهيا متحدا بناسوتيته ثم بعده في ابنه محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم ثم في بيان هذا وكتب إلى أبي جعفر الباقر يدعوه إلى نفسه وأنه نبي انتهى "الذي قتله خالد القسري" بالقاف وسين مهملة فراء فياء نسبه "وحرقه بالنار" وقال ابن نمير: قتله خالد بن عبد الله القسري وحرقه بالنار.
"وقد روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديث" قلت: ومعرفة قدر عددها دليل على تتبع الحفاظ من الأئمة لها ومعرفتهم إياها.
"وضرب يفعلونه انتصارا لمذاهبهم كالخطابية" بالخاء المعجمة وهم قوم من الرافضة ينسبون إلى أبي الخطاب كان يأمرهم بشهادة الزور على مخاليفهم كما في القاموس فقوله "وبعض الروافض" من عطف العام على الخاص وهم فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي عليه السلام ثم قالوا له تبرأ من الشيخين فأبى وقال أنا مع وزيري جدي فتركوه ورفضوه وأرفضوا عنه قاله في القاموس "وبعض السالمية قلت: ورواه" أي وضع الأحاديث لنصرة المذهب "المنصور بالله عبد الله بن حمزة عن المطرفية" نسبة إلى مطرف بن شهاب وهم فرقة من الزيدية لهم أقوال ردية ومذاهب غير مرضية قاتلهم المنصور بالله وخرب ديارهم ومساجدهم وأخبارهم معروفة وله أشعار فيهم وفي

 

ج / 2 ص -56-          حربهم في ديوانه وقد ألف عبد الله بن زيد العنسي العلامة كتابا في أخبارهم وبين فيه حقائق أحوال المطرفية "وذكر" أي المنصور "أنهم صرحوا له بذلك في مناظراتهم نقلته من بعض رسائله" وجادة "من غير سماع" عنه "والظاهر بل المقطوع أن المصرح له بذلك بعضهم" إذ من المعلوم يقينا أنهم لا يجمعون كلهم عند المناظرة "فلا ينسب إلى الجميع منهم والله أعلم".
"قال زين الدين1 وضرب يتقربون به إلى الأمراء والخلفاء بوضع ما يوافق فعلهم كما فعله غياث" بكسر الغين المعجمة فمثناة تحتية آخره مثلثة "ابن ابراهيم" النخعي "حيث وضع للمهدي" وهو محمد بن عبد الله المنصور العباسي والدهرون الرشيد وقد دخل عليه فوجده يلعب بالحمام فساق في الحال إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "في حديث:
"لا سبق" بفتح المهملة وسكون الموحدة مصدر سبقت أسبق وبفتح الموحدة ما يجعل من المال رهنا على المسابقة والمعنى لا يحل أخذ المال على المسابقة "إلا في نصل" بفتح النون وسكون الصاد المهملة حديدة السهم "أو خف" وهو الأبل "أو حافر" وهو للخيل رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة2 مقتصرين على هذا اللفظ "فزاد فيه" غياث ابن ابراهيم "أو جناح" بفتح الجيم وهو للطائر "وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام فتركها وأمر بذبحها وقال" المهدي "أنا حملته على ذلك" أي على الزيادة المكذوبة وقال السخاوي فأمر له ببدرة يعني عشرة آلاف فلما فقى قال أشهد علي قفاك أنه قفا كذاب.
"وضرب" من الوضاعين "كانوا يتكسبون بذلك ويرتزقون به في قصصهم كأبي سعيد المدايني" وكما ذكر الطيبي في خلاصته قال جعفر بن محمد الطيالسي صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة فقام بين أيديهما قاص فقال حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب وريشه من مرجان  وأخذ في قصة من نحو عشرين ورقة فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد فقال أنت حدثته بهذا؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 1/128.
2 أحمد 2/256, 358, وأبو داود 2574. والترمذي 22. والنسائي 6/227, وابن ماجة 44, 2878.

 

ج / 2 ص -57-          فقال: لا والله ما سمعت به إلا هذه الساعة قال: فسكتا جميعا حتى فرغ فقال: أي أشار يحيى بيده إليه أن تعال فجاءهما متوهما لنوال الخير فقال يحيى: من حدثك بهذا؟ قال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين, فقال: أنا ابن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا فقال: أنت ابن معين؟ قال: نعم, قال: لم أزل أسمع أن ابن معين أحمق وما علمته إلا هذه الساعة, قال يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ فقال: كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما, كتبت عن سبعة عشرة أحمد بن حنبل غير هذا, قال: فوضع أحمد بن حنبل كفه على وجهه وقال: دعه فقام كالمستهزئ بهما1 انتهى من شرح شرح النخبة لعلى قاري.
"وضرب امتحنوا بأولادهم أو وراقين" كتاب "لهم فوضعوا" لهم "أحاديث ودسوها عليهم فحدثوا بها من غير أن يشعروا كعبد الله بن محمد بن ربيعة بن قدامة القدامي" هكذا في شرح ألفية زين الدين وفي الميزان عبد الله بن محمد بن ربيعة بن قدامة القدامي المصيصي أحد الضعفاء له عن مالك مصائب وساق منها ويذكر أنه ابتلى بأولاد وورافين وضعوا عليه وليس في الميزان من يقال له القدامى سوى هذا.
"وضرب يلجؤون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بأرائهم فيضعون كما نقل عن أبي الخطاب ابن دحية إن ثبت عنه" كذا في شرح الزين وابن دحية هو عمر بن الحسن بن علي المديني الأندلسي قال في لسان الميزان متهم في نقله مع أنه كان من أوعية العلم دخل فيما لا يعنيه قال الحافظ الضياء لم يعجبني حاله كان كثير الوقيعة في الأئمة قال ابن نقطه كان موصوفا بالمعرفة والفصل إلا أنه كان يدعى أشياء لا حقيقة لها وقال ابن النجار رأيت الناس مجمعين على كذبه وضعفه وادعائه بسماع مالم يسمعه ولقاء من لم يلقه.
"وضرب يقلبون سند الحديث ليستغرب" أي من يسمع منهم "ويرغب في سماعه منهم وسيأتي هذا في المقلوب".
"وضرب يتدينون بذلك الترغيبب الناس في الخير يزعمهم وهم منسوبون إلى الزهد يحتسبون بذلك" أي الأجر والمثوبة "ويرونه قربة وهم أعظم الناس" ممن يضع الحديث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تذكرة الموضوعات 54.

 

ج / 2 ص -58-          "ضررا لثقة الناس بهم لزهدهم وقبوله منهم ولذا قال يحيى بن سعيد القطان ما رأيت الصالحين أ كذب منهم في الحديث" ويحيى إمام شهير متفق على إمامته ومراده أنه لم يرأ كذب من الصالحين وإن رأى غيرهم كذابين ولما كان الكذب في الحديث النبوي ينافي الصلاح فضلا على الأكذبية قال زين الدين "يريد" يحيى بن سعيد "بذلك والله أعلم" أي بقوله الصالحين "المنسوبين إلى الصلاح بغير علم يفرقون به بين ما يجوز لهم من الرواية وما لا يجوز".
وعبارة زين الدين يفرقون به بين ما يجوز لهم ويمتنع عليهم فهو صلاح بغير علم وفي الحقيقة إنه ليس بصلاح فإنه لا صلاح إلا عن علم وإنما مراده أنه يعدهم الناس صالحين لما يرونه من تقشفهم وزهدهم مع أنهم من أهل الغباوة والجهل وهكذا العامة يعدون أهل الصلاح أهل هذا القسم ولذا قيل:

من عذيري من معشر هجروا العقـ                        ـل وحادوا عن الطريق القويمة

لا يرون الإنسان قد نال حظا                                من صلاح حتى يكون بهيمه

"ويدل على ذلك" أي على تأويل كلام يحيى بن سعيد "ما رواه ابن عدي والعقيلي بسندهما الصحيح إليه أنه قال" أي يحيى بن سعيد "ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير قلت: فهذا صرح بإضافة ذلك" أي الأكثر منه "إلى من ينسب إلى الخير يعني وليس من أهله" فعليه تحمل العبارة المطلقة.
"قال زين الدين" بيانا منه لاحتمال آخر تحتمله عبارة يحيى بن سعيد "أو يريد أن الصالحين" حقيقة لا من لهم مجرد النسبة إلى الصلاح "عندهم حسن ظن وسلامة صدر فيحملون ما سمعوه على الصدق" فيكون نسبة الكذب أو الأكذبية إليهم مجازا أنهم يروون ما هو كذب في نفس الأمر وإن لم يكونوا كاذبين قلت: ولكن هذا التأويل يخرجهم عن أهل الضرب الذي هو بصدده إذ ليسوا بوضاعين.
"قال" أي زين الدين "ولكن الوضاعين ممن ينسب إلى الصلاح" بناء على عدم صحة التأويل الآخر وتقييد العبارة الأولى "وإن خفى حالهم على كثير من الناس" فقبلوا عنهم ما رووه "فإنه لم يخف على جهابذة الحديث" جمع جهبذ بكسر الجيم وهو النقاد الخبير كما في القاموس فعطف "ونقاده" من عطف التفسير "فقاموا بأعباء" جمع عبء بالكسر الحمل الثقيل من أي شيء "ما حملوا فتحملوه" من الكشف عن صحيح الأحاديث "فكشفوا عوارها" بتثليث العين المهملة العيب "ومحوا عارها" هو

 

ج / 2 ص -59-          أيضا العيب.
"حتى لقد روينا عن سفيان أنه قال ما ستر الله أحدا ليكذب في الحديث وروينا عن القاسم بن محمد أنه قال إن الله أعاننا على الكذابين بالنسيان" وبنسيانهم يعرف كذبهم وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال لو أن رجلاهم أن يكذب في الحديث لأسقطه الله أي أظهر سقوط روايته.
"وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قيل له هذه الأحاديث المصنوعة قال يعيش لها الجهابذة:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] فجعل الأحاديث النبوية داخلة تحت لفظ الذكر وأيده المصنف بقوله.
"قلت: قد احتج بعض أهل الحديث النبوي بأن الحديث النبوي داخل فيما ضمن عز وجل يحفظه من الذكر" الدال عليه
{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وفي شرح شرح النخبة لعلي قاري أراد أن من جملة حفظ لفظ القرآن حفظ معناه ومن جملة معانيه الأحاديث النبوية الدالة على توضيح معانيه كما قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فقي الحقيقة تكفل الله تعالى بحفظ الكتاب والسنة بأن يوجد من عباده من يجدد لهم أمر دينهم في كل أوان انتهى "بقوله تعالى في وصف رسوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4] وإن كان قد يناقش في الاستدلال بأن الآية في وحي خاص هو القرآن كما يشعر به: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} إلى قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}.
"وقد أحسن القاسم بن محمد في قوله أن شاء الله تعلى أعاننا على الكذابين بالنسيان فإنهم يخلطون ويناقضون ويظهر عليهم بسبب النسيان ما يحمل على تأمل أحوالهم حتى يتبين أمرهم" فهذا معنى إعانة الله عليهم بالنسيان.
"قلت: و" أعاننا الله عليهم "بسبب النسيان أيضا من تصريح" الكذاب "بالسماع في حتق راويين لا يمكن أنهما اجتمعا" فينسب إليهما السماع فيعلم بإتيانه بما لا يمكن أنه كاذب "أو نسبة حديث إلى وقت يعلم أنه لم يكن فيه أو طرح كذب معلوم على ثقة لا يحتمله أو سبق لسان" الكذاب "إلى إقرار بما يدل على التهمة".
وأما حكم الرواة والتعبد في العمل بروايتهم فقد أبانه المصنف بقوله "على أنا غير متعبدين" بالباطن أي مما في نفس الأمر مما لا نفعله من أحوال بواطن العباد "ومتى صلح الظاهر حكمنا به ولا جرح ولله الحمد" قلت: إلا أن هذا ينبني على أن إالأصل

 

ج / 2 ص -60-          العدالة أو على أن المراد أن العدل بعد ثبوت عدالته لا يبحث عن حاله "ولنا صفوه" أى الحديث "وثوابه وعلى الكاذب كيده" للإسلام بالكذب في أشرف علومه "وعقابه".
ثم إستدل على التعبد بما في الباطن بقوله "وقد فعل نحو هذا سيد المرسلين وقال:
"إن أحدكم يكون ألحن بججته"1 في النهاية2 المراد أن أحدكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره "وإنما أقضى بنحو ما أسمع فمن حكمت له بشىء من مال أخيه فانما أقطع له قطعة من نار" فإنه صريح في أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مكلفا إلا بالظاهر وأدلته كثير كحديث: "إننى لم أومر أن أفتش على قلوب الناس"3 وحديث: "حتى يقولون لا إله إلا الله" 4 "فهذا والوحى ينزل عليه وجبريل يهبط إليه وكذلك فعل أمير المؤمنين على عليه السلام من بعده وقد أمر بقطعيد السارق ثم بأن له لم يسرق" فدل أنه حكم يخلاف ما في نفس الأمر وهذا مبني على أن فعل على عليه السلام حجة "وقد كان يحلف من أتهمه في الرواية ثم يقبله والله أعلم" مع أنه يحلفه لا ترتفع إلا التهمه ولا يعلم به ما في نفس الأمر.
"قال زين الدين فمن أولئك الذين كانوا يكذون حسبة وتقربا إلى الله أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزى قاضي مرو" وعالمها قال الذهبي يقال له الجامع لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وإبن أبي ليلى والحديث عن ولى قضاء مرو في خلافة النصور وامتدت حياته سءل عنه 'بن المبارك فقال هو يفول لا إله إلا الله وقال أحمد يكن بذلك في الحديث وقال مسلم وغيره متروك الحديث.
"وروى الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزى أنه قيل لأبي عصمة من أين لك عن عكرمة عنإبن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا فقال إني رأيت الناس قد أغرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازى ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة" فيه أن أنفراد الراوى مظنة تهمة فلذا سألوه وهذا مثال تصريح الواضح بالوضع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 9/32, 86. وأبو داود 3583. والموطأ 719, والبيهقي 10/149.
2 4/241.
3 البخاري في: المغازي: ب 61, ومسلم في: الزكاة: حديث 144, وأحمد 3/4.
4 البخاري 1/13, ومسلم في: الإيمان: حديث 34. وأحمد 2/345.

 

ج / 2 ص -61-          "وكان يقال لأبي عصمة هذا نوح الجامع" لجمعه الكمالات كما عرفت مما سقناه "فقال أبو حاتم جمع كل شيء إلا الصدق" قال البخاري منكر الحديث وقال إبن عدى عامة ماروى عنه لايتابع عليه قال الذهبى ومع ضعفه فهو ممن يكتب حديه ذكر ذلك في الميزان.
"وقال الحاكم وضع حديث فضائل القرآن وروى إبن حبان في مقدمة كتاب تاريخ الضعفاء عن إبن مهدى قال قلت: لمسيرة من عبد ربه" ومسيرة بفتح الميم ومثناة تحتيه ساكنهة هو الفارسي وهو ميسرة بن عبد ربه البصرى الأ كال كان يأكل كثيرا روى عن ليث إبن أبي سليم وإبن جريح وموسى بن عبيده والأرزاعى وعنه جماعة "من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا قال وضعتها أرغب الناس بها" وفي الميزان أنه قال لميسرة محمد بن عيسى بن الطباع بهذا الكلام في السؤال والجواب بلفظه إلا أنه قال وضعته لا يبعد أن كل واحد من ابن مهدي ومحمد بن عيسى سأله قال وكان ميسرة ممن يروي الموضوعات من الأثبات وقال أبو داود أقر بوضع الحديث وقال الدار قطني متروك وقال أبو حاتم كان يفتعل الحديث روى من فضائل قزوين أربعين حديثا وكان يقول إني أحتسب في ذلك قال البخاري ميسرة بن عبد ربه رمى بالكذب.
"وهكذا حديث أبي" ابن كعب "الطويل في فضائل القرآن سورة سورة" أي موضع "فروينا عن المؤمل" بزنة اسم المفعول أو الفاعل وهو أبو عبد الرحمن البصري مولى آل عمر بن الخطاب حافظ عالم يخطيء وثقة ابن معين وقال أبو حاتم صدوق شديد في السنة كثير الخطأ وقال البخاري منكر الحديث قاله في الميزان "ابن إسماعيل أنه قال حدثني به شيخ فقلت: للشيخ من حدثك فقال حدثني ردل بالمدائن وهو حي فصرت إليه فقلت: من حدثك فقال حدثني شيخ بالبصرة فصرت إليه فقال حدثني شيخ بعبادان" هي جزيرة أحاط بها شعبنا دجلة ساكبتين في بحر فارس "فصرت أليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوة من المتصوفة ومعهم شيخ فقال هذا الشيخ حدثني فقلت: ياشيخ من حدثك قال لم يحدثني أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن" هكذا ساق الققصة زين الدين في شرحه وساقها الحافظ ابن حجر في نكته بزيادة فزاد بعد قوله حدثني رجل بالمدائن وهو حي فصرت إليه فقلت: من حدثك فقال حدثني

 

ج / 2 ص -62-          شيخ بواسط فصرت أليه إلى أن قال حدثني شيخ بالبصرة1.
"قال" أي زين الدين "وكل من أودع حديث أبي المذكور في تفسيره كالواحدي2 والثعلبي والزمخشري" قلت: والبيضاوي وأبي سعيد "مخطئ في ذلك" لأنه روى ما هو كذب بإقرار واضعه "لكن من أبرز إسناده منهم فهو أبسط لعذره إذ قد أحال ناظره على الكشف عن سنده" تمام كلام زين الدين وأما من لم يذكر سنده فأورده بصيغة الجزم فخطاؤه أشد كالزمخشري.
قال الحافظ ابن حجر: والإكتفاء عن الحوالة على الإكتفاء بالنظر في السند طريقة معروفة لكثير من المحدثين وعليها يحمل ما صدر عن كثير منهم من إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها تصريحا وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان انتهى.
قلت: ولا يتوهم الناظر أنه لم يثبت حديث في فضائل سور من القرآن فقد ثبتت أحاديث في سور معينة كالصمد وغيرها منها ما هو صحيح ومنها ما هو حسن وقد أودعها الجلال السيوطي في كتابه الدر المنشور.
"قلت: بل من لم يعتقد وضعه أعذر عن ذلك إذ كل ناظر إلى الإسناد لا يعرف أنه أسنده لهذه العلة بل ولايتهم ذلك ويقل في أهل المعارف من يتمكن من البحث في الإسناد فكيف بغيرهم" لا يخفى قوة كلام المصنف هذا على منصف.
"قال زين الدين وذكر الإمام أبو بكر محمد بن منصور السمعاني أن بعض الكرامية" بتشديد الراء نسبة إلى أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني وكان عابدا زاهدا إلا أنه خذل كما قال ابن حبان فالتقط من المذاهب أردأها من الأحاديث أوهاها وأطال الذهبي في الميزان وفي ترجمته وبيان فساد أحواله وقيل كرام بالتخفيف وأنشد عليه ابن الوكيل قول الشاعر:

الفقه فقه أبي حنيفة وحده                    والدين دين محمد بن كرام



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 1/131, والنكت 2/637. والكفاية ص 401. والموضوعات 1/41, 2/242.
2 الواحدي هو: علي بن أحمد بن محمد أبو الحسن النيسابوري كان أوحد عصره في التفسير لازم الثعلبي صنف التفاسير الثلاثة البسيط والوسيط والوجيز مات سنة 468. له ترجمة في: البداية والنهاية 12/114. وشذرات الذهب 3/330, والعبر 3/267.

 

ج / 2 ص -63-          وقبله:

إن الذين لجهلهم لم يقتدوا                  في الدين بابن كرام غير كرام

وهما لأبي الفتح البستي.
"ذهب إلى جواز وضع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يتعلق به حكم من الثواب والعقاب ترغيبا للناس في الطاعة وزجرا لهو عن المعصية" يقال: هذا أيضا يتعلق به ثواب وعقاب.
"واستدلوا" لما أجاروه بأدلة:
أحدهما: قوله: "بما روى في بعض طريق الحديث:
"من كذب علي متعمدا ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه الطبراني عن عمرو بن حريث وأبو نعيم في الحلية1 عن ابن مسعود قالوا فتحل الروايات المطلقة على الروايات المقيدة كما بتعين حمل الروايات المطلقة عن التعمد على المقيدة به.
وأجيب بأن قوله ليضل به الناس مما اتفق الحفاظ على أنها زيادة ضعيفة وأقوى طرقها ما رواه الحاكم وضعفه من طريقق يونس بن بكر عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال الحاكم وهم يونس في موضعين أحدهما أنه أسقط بين طلحة وعمرو رجلا وهو أبو عمار.
الثاني: أنه وصله بذكر ابن مسعود وإنما هو مرسل وعلى تقدير قبول هذه الزيادة فلا تعلق لهم بها لأن لها وجهين صحيحين:
أحدهما: أن اللام في قوله ليضل لام العاقبة من باب:
{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8] قلت: فيه تأمل لأن معنى لام العاقبة هنا ليكون عاقبة كذبه إضلال الناس وهم لا يضلون بكذبه لأن كذب الكاذب عليه صلى الله عليه وسلم إما أن يعلمه الناس أو يجهلونه إن علموا أنه كذب فضلا لهم من حيث إنهم عملوا بالحديث الكاذب ولو كان من غير تعمد لإضلالهم وإن عملوا به مع جهلهم كونه كذبا فلا ضلال بل هم مأجورون لما عرفت قريبا من أنهم غير مخاطبين بما في نفس الأمر على أن حمل اللام على ذلك لا يجدي نفعا لأن مراد المستدل بمفهوم ليضل الناس أنه إن وضع ما لا إضلال فيه للناس فإنه غير داخل في الوعيد فكيف يصح عليه بأنها تحمل اللام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الموضوعات 1/97, وابن عدي 1/20. والمجمع 1/144, 146.

 

ج / 2 ص -64-          للعاقبة وكأنه يقول من حملها على ذلك إنه لا مفهوم لها ولا نسلم فإنه باطل بالوجه الأول فتأمل.
وثانيهما: أنها للتأكيد ولا مفهوم لها من باب:
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ} الآية لأن الافتراء على الله محرم سواء قصد به إضلال الناس أولا.
"وحمل بعضهم حديث:
"من كذب علي متعمدا" على من قال أنه ساحر أو مجنون" واستدلوا لذلك بحديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم" قالوا: يا رسول الله تحدث عنك بالحديث فتزيد وتنقص؟ قال: "ليس ذلك أعنيكم إنما أعنى الذي كذب علي متحدثا بطلب به شين الإسلام" الحديث أخرجه الطبراني في الكبير وابن مردويه1 وجوابه ما قاله الحاكم إنه حديث باطل فيه محمد بن الفضل بن عطية العوفي اتفقوا على تكذيبه وقال صالح جزره كان يضع الحديث.
"وقال بعض المخذولين" ممن أجاز الكذب عليه صلى الله عليه وسلم ترغيبا وترهيبا "إنما قال من كذب علي ونحن نكذب له ونقوي شرعه" وجوابه أن هذا جهل منهم باللغة لأنه كذب عليه في وضع الأحكام فإن المندوب قسم منها ولأنه يتضمن الأخبار عن الله في الوعد على ذلك العمل بالاثابة والاخبار بالعقوبة المعينة ولأنه تعالى قال:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] الآية فلا يحتاج إلى زيادة لنقويته كما قالوه "نسأل الله السلامة من الخذلان وروى العقيلي باسناده إلى محمد بن سعيد كأنه المصلوب" كذا في شرح الزين لألفيته بالأتيان بكلمهة الشك وفي الميزان في ترجمة محمد بن سعيد المصلوب قال أبو زرعة الدمشقي حديثا محمود بن خالد عن أبيه سمعت محمد بن سعيد يقول "لا بأس إذا كان كلاما حسنا أن يضع له إسنادا" قال الذهبي إتهم بالزندقة فصلب وفي نكت البقاعي قال عن عبد الله إبن أحمد أبيه أنه قتله أبو جعفر على الزندقة حديثه حديث موضوع.
"قلت: مثل هذا لايخفي جوابه فإن الكذب على الله وعلى رسوله بالجملة معلوم تحريمه من الدين ضرورة" فإن القرآن مملوء بذلك ففي حقه تعالى والسنة في حق رسوله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الموضوعات 1/95, وابن كثير 1/211. والقرطبي 13/7. والدر 5/64.

 

ج / 2 ص -65-          صلى الله عليه وسلم ولأن الافتراء على الرسل إفتراء على الله هذا بالنسبة إلى الجملة.
"وبالنسبة إغلى الترغيب والترهيب معلوم تحريمه بالاستدلال بمجموع الكتاب والسنة والاجماع المعلوم قبل حدوث هؤلاء" الزاعمين جوازه "فإن تكرر تلك العمومات" القرآنية مثل:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} [الأنعام: 21] ونحو من كذب على متعمدا "والظواهر" عطف عام على خاص أو تفسيرى "من غير التفات" من أحد من العلماء "إلى تخصيص على طول الأزمان يؤثر في نفس المتأمل القطع على عدم هذا التخصيص ومستند القطع بعد النظر التام والتأمل ضرورى حاصل من مجموع تلك الأمور مع القرائن وقد ذكر" الامام فخر الدين "الرازى1" المعروف بابن الخطيب صاحب مفاتيح الغيب وغيره "في المحصول" كتابه الذي ألفه في أصول الفقه "أن العلم بمقصود المتكلم" من ألفاظه "إنما يحصل بالقرائن" التي تحفه "وذلك لأن أصرح الألفاظ النص وهو محتمل" إن ورد "في أمور التحريم للنسخ" وإن كان إحتمالا مرجوجا "وفيها" أى ألفاظ النص محتمل "وفي غيرها لأمور كثيرة من التجوز والأشتراك والإضمار والتخصيص وغير ذلك" حتى إن الأسم العلم الذي هو أبلغ نص في مسماه يحتمل التجوز فإنك إذا قلت: جاء زيد إحتمل أنك تريد غلام. زيد.
"وغاية ما يقول المستدل" بالنصوص "أن هذه الأمور" المذكورة بالإحتمال "منتفية عن النص لكن دليله على ذلك" الإنتقاء "عدم الوجدان وهو ظنى" وحينئذ فلا يحصل علم ضرورى عن النصوص "فأجاب عن هذا" الإيراد بالتزامه وأن النص من حيث هو نص لا يفيد إلا الظن ولكن قد يحصل العلم منه "بأنا قد نعلم بعض المقاصد" من الألفا ظ "بالضروة الصادرة عن القرائن التى لا ترفع بالشك" فيتم حينئذ ما ادعاه الصنف من أنه قد يحصل القطع من تلك الأمور مع القرائن.
"قلت: وما نزل عن مرتبة العلم" من المطالب "فليس علينا تكليف في رفعه إليها" إلى مرتبة العلم "بل نقف حيث وقف الدليل" من إفادة علم أو ظن "ومثال ذلك" أي مثال ما يحتمل غير المراد وتبين المراد فيه القرائن وتصيره قطعيا "قوله تعالى:
{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} فإنا نعلم" مع احتماله للإباحة "بالقرآئن أن هذا تمهيد لا إباحة وإن كان لفظه يحتمل الإباحة".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإمام فخر الدين الرازي توفي سنة 606. له ترجمة في: شذرات الذهب 5/21.

 

ج / 2 ص -66-          "ثم" أخذ في الرد على بعض الكرامية ورد دليلهم بقله "نقول للكرامية لو جاز لنا أن نكذب في الترغيب والترهيب نصرة للدين" كما قلتم "لجاز للنبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وتجويز مثل ذلك عليه كفر بالإجماع القطعي" قلت: لعله يقال أما على رأي من يجيز التفويض إليه صلى الله عليه وسلم فلا يتصور الكذب في حقه فلا يتم الإيراد "فما أدى فهو كفر باطل قطعا وقد أدى إليه مذهبهم وذلك يؤدي إلى الشك في الجنة والنار أيضا" لجواز الكذب في الأخبار بهما وإنما ذكرهما ترغيبا وترهيبا إلا أنه قد يقال فد ثبت الأخبار بهما بالنصوص القرآنية والكلام في الأخبار النبوية إذ لا نزاع أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى إلا أنه يقال تجويز الكذب عليه صلى الله عليه وسلم يلزم منه جواز أن القرآن من كلامه وهذا خروج عن الإسلام "وليس هذا موضع بسط للرد عليهم لكن هذه فائدة على قدر هذا المختصر".
"قال زين الدين وحكى القرطبي" بضم القاف نسبة إلى قرطبة مدينة بالأندلس في المفهم بزنة اسم الفاعل شرح على مسلم "عن بعض أهل الرأي" هم عند الإطلاق مراد بهم الحنفية "إن ما وافق القياس الجلي جاز أن يعزي" ينسب "إلى النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن حبان في مقدمة تاريخ الضعفاء بإسناده إلى عبد الله بن يزيد المقري أن رجلا من أهل البدع رجع عن بدعته وتاب عنها فجعل يقول انظروا إلى هذا الحديث عمن تأخذونه فإناكنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا قلت: لعل من جملة بدعة هذا الرجل يقول بجواز الكذب في نصرة ما اعتقده حقا إذ ليس كل صاحب بدعة كذلك" أي يقول بجواز الكذب لنصرة مذهبه.
"وأما الكذب فيشترك في ارتكابه المبتدع ولامحق وكذلك الصدق" مشترك في وقوعه منهما "فكم من صحيح العقيدة فاسق كذاب" إذ لا ملازمة بين صحة العقيدة وعدم الفسق والكذب "ومن مبتدع ناسك أواب" لعدم التلازم أيضا بين الأمرين "نسأل الله التوفيق للسلامة من كلاهاتين المعصيتين".
فائدة: في حكم تعمد الكذب عليه صلى الله عليه وسلم "والجمهور على أن تعمد الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كبيرة" لأنه قد صدق عليها رسم الكبيرة بأنه ما توعد عليه بالعقاب "وقال الجويني إنها" أي هذه الكبيرة "كفر ويدل على قوله قول الله تعالى:
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [الأنعام: 21] فسوى" في الآية "بين الكذب على الله وتكذيبه" ولا شك أ تكذيبه كفر وأن الكذب على الرسول

 

ج / 2 ص -67-          صلى الله عليه وسلم كالكذب على الله تعالى "واستنكر" الرب تعالى حيث أتى بالاستفهام الأنكاري "أن يكون ذنب" أي ظلم "أعظم من ذلك قال" الجويني "ولأنه قد يكذب" من يكذب على الله أو رسوله "ما يرفع" الحكم "الضروري" وذلك "على الصحيح" من القولين "في نسخ المتواتر" الذي أفاد الضرورة "بالآحاد" الذي فرض وضع الراوي له "ورفع الضروري كفر" لأنه تكذيب للشارع وهو كفر و "لأن الكذب في الشريعة يدل على الإستهانة بها" ضرورة "والله أعلم" وهذا من المصنف تقوية لكلام الجويني.
"قال زين الدين ومن أقسام الموضوع ما لم يقصده وضعه وإنما وهم فيه بعض الرواة" فسماه موضوعا "قال ابن الصلاح: إنه شبه الوضع" من حيث إنه ليس بحديث في إرادة قائله ولا واضعه.
"مثل حديث من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار رواه ابن ماجه1 من حديث" إسماعيل بن محمد الطلحي كما في شرح الزين عن "ثابت بن موسى الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا قال الحاكم" أبو عبد الله محمد بن عبد الله "دخل ثابت على شريك والمستملي بين يديه" بين يدي شريك "وشريك يقول حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر" شريك "المتن" أي متن السنذ الذي ساقه "فلما نظر" شريك "إلى ثابت بن موسى" عند دخوله عليه وفراغه من إملاء السند "قال" شريك يخاطب ثابتا "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وإنما أراد" شريك بقوله من كثرت صلاته ألخ "ثابتا لزهده وورعه" فأعرض عن ذكر متن ما ساق سنده إلى وصف ثابت بكثرة صلاته بالليل وحسن وجهه بالنهار "فظن ثابت أنه" أي شريكا "روى هذا الحديث" إلى آخر الكلام "مرفوعا بهذا الإسناد" ولا عجب من ظن ثابت لأن شبهته في ظنه قوية فإن شريك عقب قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله من كثرت صلاته إلخ "فكان ثابت يحدث عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر" قال ابن حبان وهذا قول شريك قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم فأدرجه ثابت في الخبر ثم سرقه منه جماعة ضعفاء فحدثوا به عن شريك فعلى هذا هو من أقسام المدرج قاله زين الدين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رقم 1333, والخطيب 1/341. وتنزيه الشريعة 2/106.

 

ج / 2 ص -68-          "ونحو هذه القصة ما قاله محمد بن عبد الله بن نمير" لفظ الزين قال أبو حاتم الرازي كتبته عن ثابت فذكرته لابن نمير فقال الشيخ يعنى ثابتا لا بأس به والحديث منكر قال ابن عدي بلغنا عن محمد ابن عبد الله بن نمير أنه ذكر له هذا الحديث عن ثابت فقال باطل شبه على ثابت وذكر أن شريكا كان مزاحا وكان ثابت رجلا صالحا فيشبه أن يكون ثابت دخل على شريك وكان شريك يقول حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم فالتفت فرأي ثابتا فقال يمازحه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار فظن ثابت لغفلته أن هذا الكلام حديث ذكر هذا الذهبي في الميزان.
"وقال ابن عدي إنه" أي من كثرت صلاته إلخ "حديث منكر لا يعرف إلا بثابت وسرقه منه من الضعفاء عبد الحميد بن بحر" في الميزان أنه بصري روى عن مالك قال ابن حبان كان يسرق الحديث وكذا قال ابن عدي.
"وعبد الله بن شبرمة الشريكي" وليس هوابن شبرمة الفقيه فقد غلط من اعترض وقال ابن شبرمة ثقة فقيه وقال البقاعي لم أر له ذكرا أي لعبد الله بن شبرمة مع الفحص عنه وأظنه عبد الله بن شبيب الربعي تصحف على النقلة وكنيته أبو سعيد وهو أخباري علامة قال شيخنا في لسان الميزان يروى عن أصحاب مالك وآخر من حدث عنه المحاملي وأبو روق الهزاهزي لكنه واه بمرة.
"واسحق بن بشر الكاهلي" في الميزان إنه كذبه على بن المديني وقال ابن حبان لا يحل كتب حديثه إلا للتعجب.
"وموسى بن محمد أبو الطاهر المقدسي" في لسان الميزان إنه ابن عطاء الدمياطي البلقاوي الرملي المقدسي أبو طاهر روى عن مالك وشريك قال ابن حبان لا تحل الرواية عنه كان يضع الحديث.
"قال" أي ابن عدي: "وحدثنا به بعض الضعفاء عن رحمويه" بالراء والحاء المهملتين في نسخ التنقيح وفي شرح الزين حمويه بدون راء ولم أجده في الميزان وإنما وجدنا فيه حمويه بن حسين وفي نكت البقاعي أن رحمويه اسمه زكرياء بن صبيح بالفتح الواسطي أحد الثقات ورحمويه لقب "وكذب" أي بعض الضعفاء "فإن رحمويه ثقة" لا يحدث بمثل ذلك.
"وقال العقيلي إنه حديث باطل ليس له أصل ولا يتابعه" أي ثابتا "عليه ثقة وقال

 

ج / 2 ص -69-          عبد الغني بن سعيد كل من حدث به عن شريك فهو غير ثقة وقال ابن معين في ثابت إنه كذاب" وقال أبو حاتم وغيره ضعيف وقال أبو حاتم لا يجوز الاحتجاج بأخباره.
"قلت: وبمثل هذا حذرتك فيما مضى من اعتقاد تعمد الكذب فيمن أطلق عليه بعض المحدثين أنه كذاب فهذا يحيى بن معين على جلالته يطلق ذلك على ثابت الورع الزاهد ولم يتعمد ثابت شيئا من ذلك" أي من الكذب "بل ولم يظهر منه كثرة الخطأ".
قلت: أخرج له النسائي لا غيره قال في الميزان عن ابن عدي إنه تفرد ثابت عن شريك بخبرين منكرين ثم ذكرهما أحدهما هذا الحديث الذي نحن بصدده ثم ذكر الثاني ثم قال ولثابت ثلاثة أحاديث معروفة وساقها في الميزان فهذا مراد المصنف من عدم كثرة الخطأة "ولذلك وثقة مطين" بضم الميم فطاء مهملة فمثناة تحتية فنون هو الحافظ الكبير أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الخضرمي الكوفي قال الذهبي في التذكرة كان من أوعية العلم وذكر له مؤلفات وقال الدار قطني ثقة جبل انتهى قلت: لكن إذا تعارض كلامه وكلام يحيى بن معين فيرجح كلام يحيى لأنه أفقه بمعرفة الرجال باتفاق الحافظ ولمرجح آخر هو تقديم الجرح.
"والصورة التي حكاها الحاكم محمد بن عبد الله بن نمير مما يوضح أن ثابتا رحمه الله معذور في الوهم فإنه سمع شريكا يسند حتى انتهى إلى جابر فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم الحديث" تمامه:
"إذا نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشطا طيب النفس إلا أصبح خبيث النفس كسلان" رواه مالك والشيخان وأبو داود وابن ماجه1 وقوله قافية رأس أحدكم المراد مؤخره ومنه سمي آخر بيت الشعر قافية.
واعلم أن الحاكم جزم بأنه دخل ثابت على شريك فسمعه يذكر السند إلى آخر ما تقدم وأما ابن نمير فلم يجزم بذلك بل قال كما نقله الذهبي في الميزان فيشبه أن يكون ثابت دخل على شريك إلى آخر ما قدمناه عنه.
"قال ابن حبان فمن أين لثابت أن أوله من قول شريك لا سيما وقوله:
"بعده يقعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مالك 176, والبخاري 2/65, ومسلم في: صلاة المسافرين: حديث 209, وأبو داود 1306. وابن ماجة 1329.

 

ج / 2 ص -70-          الشيطان على قافية رأس أحدكم" ملائم لأول الحديث" أي الكلام الذي ظنه ثابت حديثا "فإنه يتعلق بتخذيل الشيطان للإنسان عن قيام الليل الذي ذكر ما فيه من الفضيلة في أول الحديث" وهي حسن وجه من كثرت صلاته بالليل.
"فعلى هذا" أي يتفرع على إطلاق يحيى على ثابت أنه كذاب مع ما عرف من حال ثابت "قول المحدثين فلان كذاب من قبيل الجرح المطلق الذي لم يفسر سببه" هو وصف كاشف للمطلق "فيتوقف" عند أطلاقه من إمام من أئمة الحديث "فيمن هذه حاله" أي حكال ثابت وزهده وورعه "حتى يعرف السبب" في إطلاق ذلك اللفظ عليه "إن كان" من أطلق عليه "ضعيفا" عمل بإطلاق ذلك اللفظ "ويوثق" من أطلق عليه الكذب "إن كان" من أطلق عليه "شهيرا بالعدالة" فإطلاق الكذب عليه لا يضره بل يوجب البحث عنه حتى يتبيل حاله.
"كعمرو بن عبيد" هو أبو عثمان المعتزلي البصري كان زاهدا ورعا متألها قال ابن معين لا يكتبت حديثه وقال النسائي متروك وقال أيوب ويونس يكذب وقال ابن حبان كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث فاعتزل مجلس الحسن هو وجماعة معه قسموا المعتزلة قال وكان يشئم الصحابة ويكذب في الحديث وهما لا تعمدا قاله الذهبي في الميزان وأطال في ترجمته.
"إن لم يصح أنه كان سيء الحفظ" استثناء منقطع فإن سوء الحفظ لا ينافي عدالته ولذا قال "وإن صح ذلك ضعف ولم يكذب" فإن الكذب ينافي العدالة ولا ينافيها الضعف "حتى لا يترك المعلوم من عدالته إلا بجرح مثلها في الصحة والظهور" حاصله أنها إذا ثبتت فلا يرفعها إلا جرح ثابت لا محتمل ووصفهم بالكذب للمشاهير بالعدالة لا يريدون به حقيقة بل مطلق التضعيف مجازا ولذا قال ابن حبان في عمرو يكذب في الحديث وهما لا تعمدا فإن الحقيقة في الكذب الذي يقدح ما كان عن عمد "أو" يخرج عن العدالة "أمر بين السبب متعذر التأويل وإن كان أخفى منها" من العدالة شهرة وظهورا.
"وإنما ذكرت هذا هنا" وإن كان محله ما سيأتي "حرصا على إظهار هذه الفائدة الجليلة" وهي أن رمي الرجل الشهير بالعدالة بالكذب لا يوجب القدح فيه بل يوجب توقفا في قبوله حتى يبين سبب ضعفه وإن كان القدح بالكذب فيمن لم تعرف عدالته كان جرحا مبين السبب بأنه الكذب كما يدل له قوله "فقد جرح بمثل هذا كثير من

 

ج / 2 ص -71-          الثقات وما على الجارح إثم لأنه عمل بالظاهر ولم يعلم الباطن" ولا على الغافل أيضا إثم لأنه قبل قول الثقة ولا يخفى أن هذا تخصيص للقاعدة المعروفة بأن الجارح أولى وقد صرحوا بتخصيصها ويأتي الكلام في هذا كله.
"وقد اعترض على صاحبي الصحيحين" البخاري ومسلم "بروايتهما عن جماعة الثقات الرفعاء لشيء خفيف صدر عنهم من هذا القبيل فتجاسر من لا يلتفت إلى كلامه فتكلم عليهم" على الرفعاء وعلى الشيخين في الإخراج عنهم وقد تقدم كلام أبي محمد بن حزم وغيره "والعدالة غير العصمة ولله الحمد" فلا ينافيها صدور شيء من المعاصي وفيه تأمل.
* * *

 

ج / 2 ص -72-          مسألة: 45 [فيم يعرف به أن الحديث موضوع]
ولما كان الوضع دعوى تحتاج إلى معرفة لها ودال عليها قال المصنف "قال زين الدين وابن الصلاح" كان الأولى تقديمه إذ القول له وهو السابق "ويعرف الوضع بالإقرار من واضعه وما يتنزل منزلة إقراره" مثل ذلك الزين بما إذا حدث محدث عن شيخ ثم ذكر أن مولده في تاريخ يعلم تأخره عن وفاة ذلك الشيخ واعترض هذا بعين ما يأتي قريبا أنه يجوز أن يكذب في تاريخ مولده بل يجوز أن يغلط في التاريخ ويكون في نفس الأمر صادقا.
قال الحافظ ابن حجر: الأولى أن يمثل لذلك بما رواه البيهقي في المدخل بسنده الصحيح أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبيد الله الجوبياري في سماع الحسن بن أبي هريرة فروى لهم حديثا بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سمع الحسن عن أبي هريرة.
"قال ابن الصلاح" وزين الدين أيضا "وقد يفهمون" أئمة الحديث "الوضع" للحديث "من قرينة حال الراوي أو المروي".
قال الحافظ ابن حجر: هذا الثاني هو الغالب وأما الأول فنادر قال ابن دقيق العيد وكثيرا ما يحكمون بذلك باعتبار يرجع إلى المروي وألفاظ الحديث وحاصله أنها حصلت لهم بكثرة محاولة ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم هيئة نفسانية وملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظه وما لا يجوز ثم مثل لقرينة حال الراوي بقصة عثمان بن ابراهيم مع المهدي وهذا أولى من التسوية بينهما فإن معرفة الوضع من قرينة حال المروي أكثر من قرينة حال الراوي.
ومن جملة القرائن الدالة على الوضع الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير وهذا كثير موجود في حديث القصاص والصوفية.

 

ج / 2 ص -73-          "فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها" اعترض على هذا بأن ركاكة اللفظ لا تدل على الوضع حيث جوزت الرواية بالمعنى نعم أن صرح الراوي بأن هذه صيغة لفظ الحديث وكانت تخل بالفصاحة أولا وجه لها في الإعراب دل على ذلك وقد روى الخطيب وغيره عن الربيع بن خثيم التابعي الجليل بأن الحديث ضوء ا كضوء النهار يعرف وظلمة كظلمة الليل ينكر.
قلت: ومما رد بوضعه لركاكة ألفاظه ونحوها وجزم العلماء بوصعه الكتاب الذي أبرزه يهود خيبر وزعموا أنه كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسقاط الجزية وقد ساقه بلفظه الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي وذكر أن من يعرف فصاحة ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرالتها يعرف أنه موضوع وإن كان لوضعه ادلة واضحة ذكر منها إثنى عشر وجها أحدها ما ذكر وقد استوفيت ذلك في رسالة جواب سؤال يحمد الله.
"وقد استشكل إبن دقيق العيد الاعتماد على إقرار الراوي بالوضع" لأن فبه عملا بقوله بعد إعترافه بالوضع "فقال هذا كاف في رده" أي الحديث "ولكن ليس بقاطع في كونه موضوعا لجواز أن يكذب في هذا الاقرار بعينه" فهم إبن الجزرى من كلام إبن دقيق العيد أنه لا يعمل بذلك الاقرار أصلا لاقطعا ولا ظناورد هذا الفهم الحافظ إبن حجر فقال كلام إبن دقيق العيد ظاهر في أنه لايستشكل الحكم بالوضع لأن الأحكام لايشترط فيها القطعيات ولم يقل أحد إنه يقطع بكون الحديث موضوعا بمجرد الإقرار لأن إقرار الواضع بأنه وضع يقتضي موجب الحكم العمل بقوله وإنما نفى إبن دقيق العيد القطع يكون الحديث موضوعا بمجرد إقرار الراوي بأنه وضعه فقط ولم يتعرض لتعليل ذلك ولم يقل إنه لا يلزم العمل بقوله بعد إعترافه لأنه لا مانع من يعمل بذلك لأن إعترافه بذلك يوجب ثبوت فسقه وثبوت فسقه لا يمنع العمل باقراره كالقاتل مثلا إذا إعترف بالقتل عمدا من غير تأويل فإن ذلك يوجب فسقه ومع ذلك نقتله عملا بموجب إقراره مع إحتمال كونه في باطن الأمر كاذبا في ذلك الأقرار بعينه ولذلك حكم الفقهاء علىمن أقر أنه شهد الزور بمقتضى إقراره مع إعترافه وهذا كله مع إعترافه المجرد أما إذا إانضم إلى ذلك قرائن تقتضى صدقه في ذلك الاقرار كمن روى عن مالك عن نافع عنإبن عمر حديث الأعمال بالنيات فلا نقطع أنه ليس من رواية مالك ولا نافع ولا إبن عمر مع ترددنا في كون الراوي له على هذه

 

ج / 2 ص -74-          الصفة كذب أو غلط فإذا أقر غلط لم نرتب في ذلك.
قال الحافظ ابن حجر: في نكته علىابن الصلاح بعد سرده لما ذكر ما لفظه:
تنييه: أخل المصنف بذكر أشياء ذكرها غيره مما تدل على الوضع من غير إقرارالواضع.
منها: جعل الأصوليين من دلائل الوضع أن يخالف العقل ولا يقبل تأويلا بحال لأنه لا يجوز أن يرد الشرع بما ينافي مقتضى العقل وقد حكى الخطيب هذا في أول كتابه الكفاية تبعا للقاضي أبي بكر الباقلاني وأقره فإنه قسم الأخبار إلى ثلاثة أقسام ما تعرف صحته وما يعلم فساده وما يتردد بينهما ومثل الثاني بما يدفع العقل صحته بموضوعها والأدلة المنصوصة فيها نحو الأخبار عن قدم الأجسام وما أشبه ذلك ويلحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة كالخبر بالجمع بين الضدين كقول الإنسان أنا الآن طائر في الهواء ومكة لا وجود لها.
ومنها: أن يكون خبرا عن أمر جسيم كحصر العدو للحاج عن البيت ثم لا ينقله منهم إلا واحد لأن العادة جارية بتظاهر الأخبار في مثل ذلك.
قلت: ويمثله الأصوليون بقتل الخطيب على المنبر ولا ينقله إلا واحد من الحاضرين.
ومنها: ما يصرح بتكذيب روايته جمع كثير يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب وتقليد بعضهم بعضا.
ومنها: أن يكون مناقضا لنص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي.
ومنها: أن يكون فيما يلزم المكلفين علمه وقطع العذر فيه فينفرد به واحد.
وفي تقييدنا السنة بالمتواترة احتراز عن غر المتواترة فقد أخطأ من حكم بالوضع بمجرد مخالفة مطلقا وأكثر من ذلك الجوزقاني في كتاب الأباطيل وهذا إنما يأتي حيث لا يمكن الجمع بوجه من الوجوه أما مع إمكان الجمع فلا كما زعم بعضهم أن الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة لايؤمن عبد قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم1 موضوع لأنه قدصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه:
"اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب"2 وغير ذلك لأنا نقول يمكن حمله على مالم يشرع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في: الصلاة: ب 148. وأحمد 5/260.
2 البخاري 1/189. ومسلم في: المساجد: حديث 147. وأبو داود في: الافتتاح: ب 8, وأحمد 2/231.

 

ج / 2 ص -75-          للمصلي من الأدعية لأن الإمام والمأموم يشتركان فيه بخلاف مالم يؤثر وكما زعم ابن حبان في صحيحه أن قوله صلى الله عليه وسلم: "إني لست كأحدكم أطعم وأسقى"1 جال على أن الأخبار التي فيها أنه كان صلى الله عليه وسلم يضع الحجر على بطنه من الجوع باطلة وقد رد عليه ذلك الحافظ ضياء الدين فشفى وكفى.
ومنها: ما ذكره الإمام فخر الدين الرازي أن الخبر إذا روى في زمن قد استقرت فيه الأخبار فإذا فتش عنه لم يوجد في بطون الأسفار ولا في صدور الرجال علم بطلانه فأما في عصر الصحابة حين لم تكن الأخبار قد استقرت فإنه يجوز أنه يروى أحدهم مالم يوجد عند غيره قال العلائي وهذا إنما تقوم به الحجة بتفتيش الحافظ الكبير الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث أو بمعظمه كالإمام أحمد وابن المديني ويحيى بن معين ومن بعدهم كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة ومن دونهم كالنسائي ثم الدار قطني لأن المأخذ الذي يحكم به غالبا على الحديث أنه موضوع إنما هي الملكة النفسانية الناشئة عن جمع الطرق والإطلاع على غالب المروي في البلدان المتباينة بحيث يعرف بذلك ما هو من حديث الرواة مما ليس من حديثهم وأما من لم يصل إلى هذه المرتبة فكيف يقضي لعدم وجدانه للحديث بأنه موضوع هذا مما يأباه تصرفهم انتهى.
* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم 774, وأبو داود 2360. وأحمد 2/102, 143.

 

ج / 2 ص -76-          مسألة: 46 [في المقلوب وأنواعه وحكمه]
من علوم الحديث معرفة "المقلوب هو من أقسام الضعيف وهو قسمان" هكذا قاله زين الدين ولكن المصنف سيأتي له قسم ثالث سنذكر وجهه.
"أحدهما أن يكون الحديث مشهورا براو فيجعل في مكانه راو آخر في طبقته ليصير بذلك غريبا مرغوبا فيه كحديث مشهور" روايته "بسالم" بن عبد الله "يجعل مكانه نافع" مولى عبد الله "ونحو ذلك وممن كان يفعل ذلك" من الوضاعين.
"حماد بن عمرو النصيبي" نسبة إلى نصيبين بالمهملة تثنية نصيب في القاموس أنها بلدة قاعدة ديار ربيعة النسبة إليها نصيبيني قال في الميزان إنه قال الجوزقاني كان يكذب وقال البخاري منكر الحديث وقال النسائي متروك وقال ابن حبان كان يضع الحديث وضعا انتهى.
قال الزين: مثاله حديث رواه عمرو ابن خالد الحراني عن حماد بن عمرو النصيبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا
"إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤهم بالسلام "1 الحديث فهذا حديث مقلوب قلبه حماد بن عمرو أحد المتروكين فجعله عن الأعمش وإنما هو معروف بسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة هكذا رواه مسلم في صحيحه2 من رواية شعبة والثوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن محمد الدراوردي كلهم عن سهيل قال أبو جعفر العقيلي لا نعرف هذا من حديث الأعمش إنما هو من حديث سهيل بن أبي صالح.
"وإسماعيل ابن أبي حية" بالحاء المهملة ومثناة تحتية "اليسع" لم يذكره الذهبي في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد 1/252. والبيهقي 9/203. وابن السني 238. والتاريخ 2/1/18.
2 في: السلام: ب 4: حديث 13, وابو داود في: الأدب: ب 27: حديث 137. واحمد 2/266.

 

ج / 2 ص -77-          الميزان ولا الحافظ في التقريب وفي نكت البقاعي قال البخاري منكر الحديث وقال ابن المديني ليس بشيء وقال ابن حبان روى عن جعفر وهشام مناكيره يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها قاله في لسان الميزان.
"وبهلول بن عبيد الكندي" في الميزان1 قال أبو حاتم ضعيف الحديث ذاهب وقال أبو زرعة ليس بشيء وقال ابن حبان يسرق الحديث وساق له أحاديث منها حدثنا المنجنيقي ثنا الحسن ابن قزعة حدثنا بهلول قال سمعت سلمة بن كهيل عن ابن عمر مرفوعا
"ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم "2 الحديث وقد ساق له ابن حسان هذا المتن فقال عن سلمة عن نافع عن ابن عمر ثم قال ولا يعرف هذا إلا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر.
"القسم الثاني" من قسمي المقلوب "أن يؤخذ" بالخاء المعجمة والذال كذلك "إسناد متن فيجعل على متن آخر و" يؤخذ "متن هذا فيجعل بأسناد آخر وهذا" القسم من المقلوب "قد يقصد به الأغراب أيضا" كما يقصد بالقسم الأول "فيكون ذلك" باعتبار القصد "كالوضع وقد يفعل ذلك" في الإسناد والمتن "اختبارا" من فاعله "للحفظ" من سامعه "وهذا" الاختبار "يفعله أهل الحديث كثيرا وفي جوازه نظر" لما يترتب عليه من تغليط السامع ويشمله حديث النهي عن الأغلوطات "إلا أنه إذا فعله أهل الحديث لم يستقر حديثا وقد يقصدون بذلك اختبار المحدث هل يقبل التلقين" وممن فعل ذلك يحيى بن معين مع أبي نعيم الفضل بن دكين بحضرة أحمد بن حنبل.
روى الخطيب من طريق أحمد بن منصور الروباذي قال خرجت مع أحمد ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل أريد أن أمتحن أبا نعيم فنهاه أحمد فلم ينته فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثا من حديث أبي نعيم وجعل على كل عشرة أحاديث حديثا ليس من حديثه ثم أتينا أبا نعيم فخرج إلينا فجلس على دكان حذاء بابه وأقعد أحمد عن يمينه ويحيى عن يساره وجلست أسفل فقرأ عليه يحيى عشرة أحاديث وهو ساكت ثم الحادي عشر فقال أبو نعيم ليس هذا من حديثي فاضرب ثم قرأ العشرة الثانية وقرأ الحديث الثاني فقال وهذا أيضا ليس من حديثي فاضرب عليه ثم قرأ العشرة الثالثة وقرأ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 1/355/1329.
2 رواه الخطيب 1/266, وابن عدي 4/1582.

 

ج / 2 ص -78-          الحديث الثالث فتغير أبو نعيم ثم قبض على ذراع أحمد ثم قال أما هذا فورعه يمنعه عن هذا وأما هذا وأمأ إلى فأصغر من أن يعمل هذا ولكن هذا من عملك يا فاعل ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين حتى قلبه عن الدكان ثم قام فدخل داره فقال له أحمد ألم أنهك عن هذا وأقل لك إنه ثبت فقال يحيى هذه الرفسة أحب إلي من سفري. انتهى.
"وممن فعل ذلك شعبة وحماد بن سلمة" إمامان من أئمة هذا الشأن ذكرهما في التذكرة "وأنكر حرمي" بمهملتين فمثناة تحتية بعد الميم هو أبو عمارة بن أبي حفص أخذ عنه ابن المديني وبندار وغيرهما قال ابن معين صدوق ولكن فيه غفلة "على شعبة لما حدثه" أي حدث حرمي "بهز" بموحدة فهاء ساكنة فزاي ابن أسد إمام حافظ "أن شعبة قلب أحاديث علي أبان بن أبي عياش" هذا هو المحدث به "فقال حرمي: يابئس ما صنع" أي شعبة.
"وهذا" أي قلب الأحاديث متنا وإسنادا "يخل" بفهم السامع وحمل له على الغلط وهذا هو سبب الإنكار منه على شعبة وكان حرمي يرى تحريم ذلك.
"ومما فعله أهل الحديث" من التقليب "للإختبار قصتهم مع البخاري" لإختباره "ببغداد وهي مشهورة" أخرجها ابن عدي في مشايخ البخاري وأخرجها أبو بكر الخطيب في التاريخ في غير موضع وساقها الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح بإسناده إلى أن قال سمعت أحمد بن عدي يقول سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ثم دفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمر وهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري وأخذوا الموعد للمجلس فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خرسان وغيرهم من البغداديين فلما اطمأن المجلس بأهله ابتدر إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فما زال يلقي إليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه فكان الفقهاء في المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون فهم الرجل ومن فيهم من غير أولئك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الحفظ ثم انتدب إليه رجل آخر من

 

ج / 2 ص -79-          العشرة فسألة عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري لا أعرفه ثم سأله عن آخر فقال لا أعرفه فلم يزل يلقي إليه واحدا بعد واحد فلما فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على لا أعرفه فلما علم البخاري أنه قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فهو كذا وأما حديثك الثاني فهو كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أنى على العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك رد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر الناس له بالحفظ وأدعنوا له بالفضل1.
قال الحافظ ابن حجر: سمعت شيخنا يريد به الحافظ العراقي غير مرة يقول ما العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب في الأحاديث لا تساع معرفته وإنما نتعجب منه في هذا لكونه حفظ موالاة الأحاديث على الخطأ من مرة واحدة.
قال الحافظ ابن حجر: وممن امتحنه تلاميذه بذلك محمد بن عجلان روينا في المحدث الفاضل2 لأبي محمد الزامهرمزي ثنا عبد الله بن القاسم بن نصر ثنا خلف بن سالم ثنا يحيى بن سعيد القطان قدمت الكوفة وفيها محمد بن عجلان وفيها ممن يطلب الحديث مليح بن الجراح وفيها وكيع وحفص بن غياث ويوسف بن خالد السمتي فكنا نأتي محمد بن عجلان فقال يوسف السمتي هل نقلب عليه حديثه حتى ننظر فهمه قال ففعلوا فما كان عن سعيد جعلوه عن أبيه وما كان عن أبيه جعلوه عن سعيد قال يحيى فقلت: لهم لا أستحل هذا فدخلوا عليه فأعطوه الجزء فمر فيه فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ فقال أعد فعرض عليه فقال ماكان عن أبي فهو عن سعيد وما كان عن سعيد فهو عن أبي ثم أقبل على يوسف فقال أن كنت أردت سبتي وعيبي فسلبك الله الإسلام وقال لحفص ابتلاك الله في يديك وقال لمليح لا ينفعك الله بعلمك قال يحيى فمات مليح قبل أن ينتفع بعلمه وابتلى حفص في يديه بالفالج وفي دينه بالقضاء ولم يمت يوسف حتى اتهم بالزندقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أنظر: سيرة أعلام النبلاء 12/408- 409, وفتح المغيث للعراقي1/139- 140. والنكت 2/641- 644.
2 ص 398- 399. وانظر النكت 2/645- 647.

 

ج / 2 ص -80-          "القسم الثالث" من أقسام المقلوب إلا أنه غير خاف عليك أن المصنف قسم المقلوب إلى قسمين في أول بحثه وتبع في هذا زين الدين فإنه قال في نظمه:

وقسموا المقلوب قسمين إلى                     ما كان مشهورا براو أبدلا

ثم ذكر ما ذكره المصنف من القسمين ثم قال زين الدين ومن أقسام المقلوب "ما انقلب على راويه ولم يقصد قلبه".
وذكر زين الدين مثاله فقال مثاله ما رواه جرير بن حازم عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني1" فهذا انقلب إسناده على جرير بن حازم وهذا الحديث مشهور ليحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذارواه الأئمة الخمسة من طرق عن يحيى وهو عند مسلم والنسائي من رواية حجاج بن أبي عثمان الصواف عن يحييى وجرير إنما سمعه من حجاج بن أبي عثمان الصواف فانقلب عليه وقد بين ذلك حماد بن زيد فيما رواه أبو داود في المراسيل عن أحمد بن صالح عن يحيى بن حسان عن حماد بن زيد قال كنت أنا وجرير بن حازم عند ثابت البناني فحدث حجاج بن أبي عثمان عن يحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلىالله عليه وسلم فذكره فظن جرير أنه إنما حدث به ثابت عن أنس وهكذا قال اسحق ابن عيسى الطباع حدثنا جرير بن حازم بهذا فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث فقال وهم أبو نصر يعني جرير بن حازم إنما كنا جميعا في مجلس ثابت البناني فذكر ما تقدم انتهى.
"نوع آخر من المقلوب" أي هذا "وهو: ما انقلب متنه على بعض الرواة كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة في السبعة الذي يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله قال فيهم: "ورجل تصدق بصدقة فأخذها حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله" وإنما هو:
"حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" كما أخرجه البخاري ومسلم معا2" في إحدى روايتيه "في هذا الحديث ولأن المعروف" عادة "أن اليمين هي المنفقة" وهذان هما الدليل على القلب إلا أنه قال الحافظ ابن حجر: إن بعضهم حمل هذا على ما إذا كان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 637, ومسلم 604, وأحمد 5/305, 307, 310.
2 1/168, 2/138, ومسلم في: الزكاة: 3: حديث 91, وأحمد 2/439.

 

ج / 2 ص -81-          الإنفاق باليمين يستلزم إظهار الصدقة فإن الإنفاق بالشمال والحال هذا يكون أفضل من الإنفاق باليمين. 1هـ.
قلت: ليس الكلام في الأفضلية بل في كون الحديث مقلوبا مخالفا للمعروف من الرواية المنفق عليها ومن العادة في الإنفاق.
"ومثل ما أخرج البخاري" عطفا على قوله كما أخرج "من حديث أبي هريرة في محاجة الجنة والنار في تفسير قوله تعالى:
{هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30] وأما النار فينشي الله لها من يشاء وأما الجنة فلا يظلم ربك أحدا"1 والإنشاء إنما هو للجنة لا للنار "انقلب هذا على بعض الرواة وإنما هو وأما الجنة فينشيء الله لها من يشاء وأما النار فلا يظلم ربك أحدا وكذلك" أي بهذا اللفظ الذي لا انقلاب فيه "خرجاه" الشيخان "جميعا من حديث أبي هريرة هذا من غير طريق" أي من طرق كثيرة "وخرجاه كذلك" غير مقلوب "من حديث أنس من غير اختلاف" كما وقع في الأول "وكذلك قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}" ومن ينشئه للنار يعذبه من غير بعثة رسول إليه ولا تكليف ولا يجوز عليه لقوله: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} فهو من أدلة الأنقلاب "وهي سنة الله: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}".
ولما ذكر ابن الصلاح بعد فراغه من أقسام الضعيف أمورا مهمة وقد نظمها الزين في ألفيته فأشار المصنف إليها بقوله:
"تنبيهات":
"الأول: إذا وقف أحد على إسناد ضعيف لم يكن له أن يحكم بضعف الحديث بل يحكم بضعف الإسناد" يعني إذا وجدت حديثا بإسناد ضعيف فليس لك أن تقول الحديث أي متنه ضعيف بل تحكم بضعف الإسناد وعبارة زين الدين:

وإن تجد متنا ضعيف السند                   فقل ضعيف أي بهذا فاقصد

وعبارة المصنف توهم اه لا يحكم به بضعف المتن أصلا وليس كذلك بل تحكم به مقيدا بذلك الإسناد وإنما لا نحكم مطلقا لجواز أنه قد رواه إمام بإسناد صحيح ثبت بمثله الحديث.
ولكنه قال الحافظ ابن حجر: إذا بلغ الحافظ للتأهل الجهد وبذل الوسع في التفتيش

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: تفسير سورة 50, ومسلم في: الجنة: حديث 36, وأحمد 2/276.

 

ج / 2 ص -82-          عن ذلك المتن من مظظانه فلم يجده إلا من تلك الطريق الضعيفة فما المانع من الحكم بالضعف بناء على غلبة الظن؟. انتهى.
ولا يتم قول المصنف "ويقف في تضعيف الحديث على نص إمام على أنه ضعيف لا يصح له إسناد" ولك أن تقول مراده بقوله إذا وقف أحد أي ممن ليس له أهلية البحث والتفتيش لا غيره فيوافق كلام ابن حجر ويدله ما يأتـي من قوله ومن وقف000 إلخ.
"ويبين" أي الإمام الذي ضعف الحديث "سبب التضعيف فإن لم يبين ففيه كلام يأتي إن شاء الله تعالى" هكذا قاله ابن الصلاح وأراد بالذي يأتي ما ذكره في النوع الثالث والعشرين في آخر فائدة ذكرها فيه والمصنف أراد بالذي يأتي له في أثناء مسألة من تقبل روايته وهو أن الجرح لا يقبل إلا مبين السبب.
"ومن وقف على كتب الحفاظ الذي يحصرون فيها طرق الحديث كلها وتمكن مما تمكن منه أهل الفن فله أن يحكم بمالهم أن يحكموا به" وكذا إذا وجد كلام إمام من إئمة الحديث وقد جزم بأن فلانا انفرد به وعرف المتأخر أن فلانا المذكور قد ضعف بتضعيف قادح فما الذي يمنعه من الحكم بأن الحديث ضعيف.
"الثاني" من التنبيهات "إذا أراد أحد أن يكتب حديث ضعيفا لم يكتبه بصيغة الجزم وليكتبه بصيغة التمريض" من نحو روي "أو البلوغ أو نحو ذلك" مثل ورد وجاء ونقل بعضهم.
"الثالث" منها: "لا يجوز ذكر الموضوع إلا مع البيان في أي نوع كان" وقد مر ذلك هذا في الموضوع "وأما غير الموضوع" كالأحاديث الواهية "فجوزوا" أى أئمة الحديث "التساهل فيه وروايته من غير بيان لضعفه إذا كان" واردا "في غير الأحكام" وذلك كافضائل والقصص والوعظ وسائر فنون الترغيب والترهيب قلت: وكأنهم يعنون باالأحكام الحلال والحرام وإلا الندب من الأحكام والترهيب وفضائل الأعمال ترد بما يفيده "والعقائد كصفات الله تعالى وما يجوز وما يستحيل عليه ونحو ذلك فلم يروا التساهل فيه".
"وممن نص على ذلك من الحفاظ عبد الرحمن بن مهدي وأحمدبن حنبل وعبد الله ابن المبلرك وغيرهم" وكأنهم يقولون: الأصل براءة الذمة منأحكام الحلال والحرام فلا تثبت إلا بدليل صحيح فلا يتساهل في طرقه وكذلك صفات الله فانه جناب

 

ج / 2 ص -83-          رفيع لا يثبت إلا بدليل صحيح لما فيه من الخطر بخلاف الترغيب والترهيب وفضائل الأعمل فالأمر فيها أخف.
"وقد عقد ابن عدى في مقدمة كتابه الكامل و" أبو بكر "الخطيب في الكفاية بابا في ذلك" إلا إنه لا يخفي أن المصنف رحمه الله أهمل الأدلة في هذه التنبيهات كلهاكما أهملها ابن الصلاح والزين رحمهم الله أجمعين.
* * *

 

ج / 2 ص -84-          مسألة: 47 [في بيان من تقبل روايته ومن ترد روايته]
من علوم الحديث "معرفة" المحدث "من تقبل روايته من ترد" روايته وذلك بمعرفة شرائط الرواة.
"الذي في كتب أئمة الزيدية" في الأصول "أنه يشترط في" قبول رواية "الراوى أربعة شروط":
"الأول: أن يكون بالغا1" وكل على أصله فيما يحصل به البلوغ وهذا شرط للأداء للتحمل إجماعا.
"الثاني: أن يكون عاقلا" فلا تقبل رواية المجنون وهذا لا بد منه في حال الأداء والتحمل.
"الثالث أن يكون مسلما2" فلا تقبل رواية الكافر وهذا شرط للأداء ويجوز أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أن يكون بالغا: البلوغ مدار التكليف فلا تقبل رواية من دون سن التكليف عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث 000 وعن الصبي حتى يحتلم". والبلوغ مظنة الإدراك وفهم أحكام الشريعة لذلك ينط التكليف به.وقد احترز العلماء في قبول الرواية من الصغير خشية الكذب فقد يكذب لأنه لايقدر أثر الكذب ولا عقوبته ولأنه لارادع له عنه فكان البلوغ مظنة العقل ومدار التكليف الذي يزجر المكلف عن الكذب وينهاه عن الوقوع فيه ثم إن الشرع لم يجعل الصبي وليا في أمر دنياه ففي أمر الدين أولى لما في قبول خبره من تنفيذ أو ولاية على جميع المسلمين. أصول الحديث ص 230- 231.
2 فلا تقبل رواية الكافر: وذلك بالإجماع سواء أعلم من دينه الاحتراز عن الكذب أم لم يعلم ولا يعقل أن تقبل روايته لأن في قبولها تنفيذا لقوله على المسلمين وكيف تقبل رواية من يكيد للإسلام؟. ثم إن الله عز وجل أمرنا بأن نتوقف في خبر الفاسق في قوله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} .فإذا كان هذا موقفنا من رواية الفاسق فمن الأولى أن نرد رواية الكافر . أصول الحديث ص 230.

 

ج / 2 ص -85-          يكون تحمل ما رواه وهو كافر.
"الرابع: أن يكون عدلا مستورا" وسيأتي تفسير العدالة والتحقيق أنها تغني عن الشرائط لتضمنها إياها "فلا يقبل المجهول في أحد احتمال أبي طالب" من غير ترجيح لأحدهما "في المجزئ" كتابه في أصول الفقه "ومرجوح احتمالية في أصول الفقه له" كأن له كتابا في أصول الفقه غير المجزئ وإلا فالمجزئ فيها أيضا "وأحد قولي المنصور بالله وهو المنصوص له في الصفوة" أي صفوة الإختيار كتاب له في أصول الفقه "وأما الفقيه عبد الله بن زيد" العنسي "فقال في الدرر" كتابه في أصول الفقه "المذهب" أي للزيدية "قبوله" أي المستور في الرواية "وهو ظاهر كلام المنصور بالله عليه السلام في" كتابه "هداية المسترشدين" فكان مرجوحا في أحد احتمالية في الصفوة وظاهرا في كتابه الآخر "وهو مذهب" الحنفية "وهو" أي قبول المستور "يلزم من يقبل مراسيلهم" أي الحنفية لأن فيها المستور إذ مذهبهم قبوله.
"والخامس" من الشرط في قبول الرواية "أن يكون" الراوي "ضابطا لما يرويه" إلا أنه تقدم له أن الذي في كتب الزيدية أربعة شروط فهذا الخامس على رأي غيرهم إلا أنه لا يخفى أنه لا بد منه وقد مر جوابه "وقد تقدم تفصيل كلام أصحابنا في ذلك أول الكتاب" عبارة مشهورة تقدمت للمصنف وهو يناسب من يتمذهب بمذهب معين وينتسب إليه لا من طريقة الإنصاف وعدم التعبد برأي الأسلاف كالمصنف القائل في أبياته الدالية:

والكل إخوان ودين واحد                 كل مصيب في الفروع ومهتدي

أول الكتاب حيث قال ولا بد من اشتراط الضبط وقال إنه إذا استوى خطاؤه وصوابه فهو مردود عند الأصوليين وقال المنصور بالله وعبد الله ابن زيد إنه يقبل وطريق قبوله الاجتهاد وتقدم ما فيه كأنه لمخالفته الزيدية لهذا لم يثبت لهم هنا شرطية الضبط.
"وقال ابن الصلاح: أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه ثم فصل شروط العدالة والضبط وفسر العدالة بخمسة أشياء البلوغ والعقل والسلامة من الفسق بارتكاب كبيرة أو إصرار على

 

ج / 2 ص -86-          صغيرة والسلامة أيضا مما يخرم المروة" وكأنه وقع سقط في نسخة المصنف فإنه فاته الخامس وهو الإسلام. وعبارة ابن الصلاح وتفصيله أن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة متيقظا غير مغفل حافظا إن حدث من حفظه ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه فإن كان محدثا بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني انتهى.
ولا أدري لماذا حذف المصنف بقية شروط العدالة فإنه لم يأت بعبارة ابن الصلاح بلفظها ولم تلم عبارته بمعناها وقد سبقه الزين في الألفية وشرحها ويرد عليه ما ورد على المصنف.
ثم اعلم أنه أجمل ابن الصلاح أسباب الفسق فبينها المصنف بقوله بارتكاب الكبيرة والإصرار على الصغيرة وهاهنا عد أئمة الأصول الكبائر وبينوا الخلاف في حقيقتها.
فائدة: فسر الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها العدالة بقوله والمراد بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة انتهى.
وفسر المروة وضبطها ملا على قارئ في حاشيته بقوله والمروءة بضم الميم والراء بعدها واو ساكنة ثم همزة وقد تبدل وتدغم وهو كمال الإنسان من صدق الإنسان واحتمال عثرات الإخوان وبذل الإحسان إلى أهل الزمان وكف الأذى عن الجيران وقيل المروءة التخلق بأخلاق أمثاله وأرانه ولداته في لبسه ومشيه وحركاته وسكناته وسائر صفاته وفي المفاتيح خوارم المروة كالدباغة والحياكة والحجامة ممن لا يليق به من غير ضرورة وكالبول في الطريقة وصحية الأرذال واللعب بالحمام ونحو ومجملها الاحتراز عما يذم به عرفا انتهى.
واعلم أ قد بحثنا في هذا الرسم في رسالتنا ثمرات النظر في علم الأثر وبينا فساده وحققنا الحق في حقيقتها وكذلك في حاشيتنا منحة الغفار على ضوء النهار وبينا أن هذا الرسم لا دليل عليه وأنه لا يتم الرسم إلا في حق المعصومين وفي قوله وصدق اللسان قد دخل هذا الشرط في قيد اجتناب الكبائر وقوله وكف الأذى عن الجيران لا وجه لتقييده بذلك وإنما قاده إليه السجع ولو قال وكف الأذى عن أهل الإيمان لعم ذلك مع وفاء العبارة بالمراد على أنه قد دخل كف

 

ج / 2 ص -87-          الأذى في اجتناب الكبائر لورود الوعيد عليه بقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [الأحزاب: 58].
"وفسر" أي ابن الصلاح "الحفظ" المأخوذ في رسم العدل "بما يرجع إلى موافقة الحفاظ أهل الإتقان إلا النادر الذي لا يخلو عنه أحد" فإنه وقع النسيان لسيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم "وعلى حسب موافقته لهم يعرف حفظه" لفظ ابن الصلاح يعرف كون الراوي ضابطا بأن تعتبر روايته برواية الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وجدنا روايته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتههم وفي الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه حافظا ثبا1 وفي النخبة وشرحها إنما الضبط ضبطان ضبط صدر أي إتقان قلب وحفظه وهو أي ضبط الصدر أن يثبت الراوي في صدره ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء وضبط كتاب وهو صيانته لديه منذ سمعه فيه وصححه إلى أن يؤدي منه انتهى وبه تعرف أن تفسير ابن الصلاح إنما هو لأحد قسمي الضبط.
واعلم أن قدمنا لك أنهم اختاروا في رسم الصحيح أن يكون راويه تام الضبط كما قال في النخبة عدل تام الضبط وتبعه المصنف في مختصره كما قدمنا لفظه وفي شرح فلنخبة وقيد بالتمام إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك قال ملا على والمعنى أنه لا يكفي في الصحيح لذاته بمسمى الضبط على ما هو المعتبر في الحسن لذاته وكذا في الصحيح لغيره يكتفي بمجرد الضبط انتهى.
ولا يخفي أن هذا في ضبط الصدر قال ملا على وأما ضبط الكتاب فالظاهر أن كله تام لا يتصور فيه النقصان ولهذا لا يقسم الحديث باعتباره وإن كان يختلف ضبط الكتاب بإختلاف الكتاب.1هـ.
قلت: وغير خاف عليك أن كلامهم هنا في شروط من تقبل روايته أعم من أن يكون حديثه صحيحا لذاته أو لغيره أو حسنا فلذا تركوا التقييد هنا بالتمام ليعم.
ولما كانت العدالة صفة للراوي لا تعرف بمجرد إيمانه افترقت إلى معرف لها فقال المصنف "قال" أي اين الصلاح "والصحيح أن التعديل يثبت بواحد ولو امرأة على الصحيح" واستدل ابن الصلاح لما جزم به بقوله لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 138.

 

ج / 2 ص -88-          فلم يشترط في جرح راويه ولا تعديله بخلاف الشهادات. انتهى.
قلت: وفي المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا يقبل في التزكية إلا رجلان في رواية وشهادة حكاه القاضي أبو بكر والباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
الثاني: أنه يكفي واحد فيهما وهو اختيار القاضي أبي بكر فإنه قال والذي يوجب القياس وجوب قبول تزكية كل عدل مرضى ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا لشاهد ومخبر.
الثالث: التفصيل فيكفي في الرواية تزكية العدل ولا بد م اثنين في الشهادة ورجحه الإمام فخر الدين والسيف الآمدي.
وأقربها به أوسطها لأن التزكية من باب الأخبار ولا يشترط العدد في قبول رواية العدل.
وقوله على الصحيح يتعلق بقوله ولو امرأة لأنه قد اختلف في تعديل المرأة فحكى القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم أنها لا تقبل النساء في التزكية لا في رواية ولا في شهادة وقيل تقبل مطلقا
فيهما قاله صاحب المحصول واختار القاضي ذلك إلا أنه قال لا تقبل تزكيتها في الحكم الذي لا تقبل شهادتها فيه.
"قال الخطيب والأصل في ذلك" أي في التزكية وقبول الواحد أو الإشارة إلى قبول الواحد فقط "سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لبربرة عن حال عائشة في حديث الأفك وجوابها عليه إشارة إلى ما وقع في حديث الأفك وجوابها عليه" إشارة إلى ما وقع في حديث الإفك وهو أن عليا رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم لما استشاره سل الجارية تصدقك فسألها فقالت ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على التبر أو كما قالت.
إلا أن في هذا إشكالان:
الأول: في قول الخطيب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بربرة وبربرة إنما كانت عند عائشة رضي الله عنها بعد المكاتبة ولم تكاتب إلا بعد قصة الإفك بمدة طويلة وكان العباس حين كاتبها بالمدينة ولم يقدم العباس إلا بعد فتح مكة وأين قصة الإفك من ذلك وأجب عنه أن عليا رضي الله عنه إنما قال سل الجارية فوهم الراوي وسماها بربرة بنه على هذا ابن القيم.

 

ج / 2 ص -89-          والثاني: أن عائشة رضي الله عنها كانت عدالتها معلومة عنده صلى الله عليه وسلم فلا تحتاج إلى تعديل وتزكية وإنما سؤاله صلى الله عليه وسلم الجارية من باب الاستثبات في باب الأخبار وقرائن الأحوال لا ليستفيد تزكية مجهول الحال التي هي مسألة الباب ولكنه أخذ منه الخطيب أنه يلزم من هذا شرعية السؤال عن تزكية من جهل حاله.
"قال" مقتضى السباق أن القائل الخطيب ولم أره عنه بل في شرح الألفية لم ينسبه إلى قائل "وفي" رواية "الصغير المميز الموثوق به" الذي لم يجرب عليه كذب "وجهان" أحدهما قبوله ومن يقبله لا يشترط في قبول الرواية بلوغ الراوي "حكاهما البغوي" نسبة إلى بغشور بلدة بين هراة وسرخس والنسبة بغوي على غير قياس معرب كوشر أي الحفرة المالحة قاله في القاموس وفي طبقات الأسنوي أن محيى السنة وهوالحسين بن مسعود منسوب إلى بغي بفتح الباء وهي قرية بخراسان بين هراة ومرو "والجويني منسوب" إلى جوين كزبير كورة بخراسان وبلدة بسرخس كما فيه أيضا "والرافعي والنووي" نسبة إلى نوى وتخفض بلدة بالشام وقرية بسمر قند والنووي من الأولى كما قاله فيه أيضا "وقيد الرافعي والنووي الخلاف بالمراهق وصححا عدم القبول".
هذا النقل من شرح منظومه الزين ولفظه بعد ذكر البغوي والجويني وتابعهما الرافعي إلا أنه قيد الوجهين في التيمم بالمراهق وصحح في شرح المهذب عن الجمهور عدم القبول وتبعه عليه النووي وقيده في استقبال القبلة بالمميز وحكى عن الأكثرين عدم القبول وحكى النووي في شرح المهذب عن الجمهور قبول أخبار الصبي المميز فيما طريقه المشاهدة بخلاف ما طريقه النقل كالإفتاء ورواية الأخبار انتهى.
"قال" أي ابن الصلاح ومقتضى ما سبق أن القائل الخطيب وليس كذلك كما ستعرفه "ومما تثبت به العدالة الإستفاضة والشهرة فلا يحتاج" من اشتهر بها "إلى توثيق وهو الصحيح من مذهب الشافعي" قال ابن الصلاح: وعليه الإعتماد في أصول الفقه ثم قال: "وممن ذكره من أهل الحديث الخطيب" ومثل لذلك بمالك وشعبة والسفيانين والأوزاعي والليث وابن المبارك ووكيع وأحمد بن حنبل ويحيى بن معني وعلي بن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم وإنما يسأل عن عدالة من خفى أمره عن الطالبين.
ولم يذكر المصنف دليل هذه الدعوى وهكذا يصنع كثيرا ولا يليق به وقد استدل

 

ج / 2 ص -90-          القاضي أبو بكر على ذلك أن العلم بظهور سيرتهما وظهور عدالتهما يريد الراوي والشاهد أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة في تعديله وأغراض داعية إلى وصفه بغير صفته وقد سئل أحمد عن اسحق بن راهويه فقال مثل اسحق يسأل عنه وسئل ابن معين عن أبي عبيد فقال مثلي يسأل عن أبي عبيد أبو عبيد يسأل عن الناس.
"وذكر الخطيب قول ابن عبد البر إن كل حامل علم معروف بالعناية فيه فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه لقوله صلى الله عليه وسلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين". التحريف التغيير والغالي من غلافي الأمر غلوا جاوز حده "وانتحال المبطلين1" من قولهم انتحله أي ادعاه لنفسه وهو لغيره والمبطل من أبطل إذا أتى بغير الحق ومعنى الحديث يبعدون عنه تغيير من يفسره بما يتجاوز فيه الحد فيخرج به عن قوانين الشرع ودعاء من يدعي فيه شيئا يكون باطلا لا يوافقه الواقع وكأنه يشير بالجملة الأولى إلى من يغير تفسير الأحاديث النبوية تعمدا أو تلبيسا وبالثانية إلى من يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه بادعائه لحديث لم يحدث به ولا سمعه ينتحل باطلا.
وهذا الحديث الذي ذكره المصنف "هو حديث مختلف فيه فقيل إنه مرسل أرسله ابراهيم بن عبد الرحمن العذري روى عنه معان" بضم أوله وتخفيف المهملة "ابن رفاعة" السلامي بتخفيف اللام قال في التقريب لين الحديث كثير الإرسال ويأتي كلام العلماء فيه "ورواه عن معان غير واحج ذكره الذهبي في الميزان وقد توبع معان فذكر الجلال في علله أن أحمد" يريد ابن حنبل "سئل عنه وقيل له كأنه كلام موضوع قال لا هو صحيح فقيل له ممن سمعه قال من غير واحد" فقيل له من هم "ثم رواه عن مسكين" فقال حدثني مسكين "قال لكنه قال عن القاسم بن عبد الرحمن" لفظ الزين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن "قال يعني فغلط في اسم ابراهيم" فقال القاسم مكان ابراهيم "ابن عبد الرحمن" ولعله ابن عوف الزهري "قال أحمد ومعان لا بأس به ووثقه ابن المديني".
قلت: قال ابن القطان خفى على أحمد من أمره ما علمه غيره ثم ذكر تضعيفه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شرف أصحاب الحديث 53, والعقيلي 4/256, وابن عدي 1/152- 153, والموضوعات 1/31.

 

ج / 2 ص -91-          عن ابن معين وأبي حاتم وابن عدي وابن حبان.1هـ.
"قلت: وأما ابراهيم فقال الذهبي تابعي مقل" أي قليل الرواية "ما علمته واهيا قلت: وذكر في مختصرر أسد الغابة أنه كان صحابيا والله أعلم" قلت: إن كان هوابن عبد الرحمن بن عوف فقد قال الحافظ بن حجر في التقريب قد قيل إن له رؤية.
"قال زين الدين وقد روى هذا الحديث مرفوعا مسندا من حديث علي بن أبي طالب وابن عمر بن الخطاب وابن عمرو وأبي هريرة وأبي أمامة وجابر ابن سمرة رضي الله عنهم وكلها ضعيفة" تتمة كلامه لا يثبت منها شيء يقوي المرسل المذكور.
قال البقاعي: وقد بقي عليه أسامة بن زيد فقد قرأت بخط بعض الفضلاء من أصحابنا أنه أورد الحافظ صلاح الدين العلائي هذا الحديث عن أسامة بن زيد مرفوعا وقال فيه حديث صحيح غريب وصححه ابن حبان قال "قال ابن عدي ورواه الثقات عن الوليد بن مسلم عن ابراهيم بن عبد الرحمن قال حدثنا الثقة من أصحابنا أن رسول الله قال وساق الحديث قلت: فهذه" يعني ما روى مرفوعا مسندا عن الصحابة رضي الله عنهم "شواهد تقويه وقد اختلف الحفاظ هل الصحيح وفقه أو وصله" على ثلاثة أقوال "فقال العقيلي الإسناد" أي الوصل "أولى" من الإرسال "ونازعه ابن القطان" قائلا إن الإرسال أولى من الوصل وهو ثاني الأقوال وثالثها قوله "وتوقف في ذلك ابن النحوي" المعورف بابن الملقن.
"قال الزين وممن وافق ابن عبد البر على هذا من المتأخرين الحافظ ابن المواق" فإنه قال في كتابه بغية النقاد أهل العلم محمولين على العدالة حتى يظهر منهم خلاف ذلك.
"وضعفه" أي استدلال ابن عبد البر بالحديث "زين الدين بوجهين" فقد أبدى البقاعي ثالثا وهو أنه لو كان خبرا لم يسمع جرح أصلا فيبقى قوله حتى يتبين جرحه مناقضا لاستدلاله "أحدهما" من حيث الرواية وهو "إرساله وضعفه" كما عرفت "وثانيهما" من حيث الدراية وهو "أنه لو كان بمعنى الخبر" عن الشارع بأن كل حامل علم عدل فخبره واجب الصدق فلو كان كذلك "لم يوجد حامل علم غير عدل" والواقع خلافه "فثبت أنه بمعنى الأمر" ولفظ الزين فلم يبق له محمل إلا على الأمر ومعناه أنه أمر الثقات بحمل العلم لأن العلم إنما يقبل عن الثقات انتهى فالمراد ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله "ويقوي ذلك" أي أنه أريد به الأمر "أنه قد ورد

 

ج / 2 ص -92-          في بعض طرق أبي حاتم ليحمل هذا العلم بلام الأمر" تحمل عليها رواية الخبر ولا يقال هلا عكستم لأنا نقول هنا مرجح لحمل الخبر على الأمر هو مخالفته الواقع لو حمل على الأخبار.
"قلت: ويمكن الجواب على الزين" في هذا التضعيف الذي أبداه لاستدلال ابن عبد البر عن الوجهين معا.
"أما الأول" وهو الإعتراض من حيث الرواية "فلا معنى للرد بالإرسال والضعف المحتمل المختلف فيه لأنها مسائل اجتهاد إلا أن يريد" أي زين الدين "أن هذا" أي إرسال الحديث وضعفه "هو المانع له إذا كان مذهبه يقتضي ذلك فصحيح وأما إن أراد منع غيره من الذهاب إلى ذلك فلا يصح له" إلا أن يثبت أن ابن عبد البر لا يعمل بالمراسيل ولا بالتضعيف المحتمل.
"وأما الثاني" وهو إعتراضه لاستدلال من حيث الدراية وهو حمل الخبر على الأمر "فنقول" في جوابه "الأصل في الخبر والأكثرمن أن يقر على ظاهره" من غير صرف له عنه إلى غيره "والتأويل من غير ضرورة لا يجوز" والقول بأن الضرورة الموجبة للتأويل عدم صدق الحديث إن حمل على الأخبار مدفوع بقوله "ووجود التخصيص في مدلولات الأخبار لا يوجب صرفها من باب الأخبار إلى باب الأوامر" فيحمل الخبر على التخصيص بوجود من ليس بعدل في حملة العلم "و" لا يقال فقد تأولم الخبر أيضا كما تأوله زين الدين واتفقتم الجميع على إخراج الخبر عن ظاهره لأنا نقول "ورود التخصيص" في الأخبار العامة "أكثر من ورود الأخبار بمعنى الأمر" والتأويل بالحمل على الأكثر أو لي من التأويل بالحمل على الأقل كما ذهب إليه الزين.
فإن قلت: فعلى كلام المصنف قد آل معنى الحديث إلى الأخبار بأن بعض حملة العلم عدول ولزم من مفهومه أن بعضهم غير عدول وبهذا لا يتم دليلا لابن عبدالبر على مدعاه بأن كل حامل علم معروف بالعناية فيه فهو عدل.
قلت: بل يتم به استدلاله وذلك لأن العام يعمل به على عمومه حتى يقوم دليل على تخصيصه فمن كان حامل علم معروفا بالعناية به فهو عدل حتى يظهر قادح في عدالته.
إن قلت: الزين لم يحمله على الأمر بمجرد ما ذكر لأنه ورد بصيغة الأمر في رواية.

 

ج / 2 ص -93-          قلت: أجاب عنه بقوله "وأما رواية أبي حاتم فقد قدمت" خطاب للزين "أنها عندك ضعيفة" وذلك لأنه قال الزين ورواه أي حديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"1 ابن أبي حاتم في مقدمة كتاب الجرح والتعديل وابن عدي في مقدمة الكامل وهو مرسل أو معضل ضعيف انتهى.
ولم يتقدم للمنصف نقل الزين تضعيفه عن أبي حاتم "ونزيدك على ذلك أنها معلولة بمخالفة جميع الرواة إذ كلهم رواه بلفظ الخبر فالوهم أبعد عن الجماعة والله أعلم" فيكون الواهم من رواه بلفظ الأمر وحينئذ فيتم الإستدلال بالحديث لابن عبد البر.
"ثم إن ما ذهب إليه ابن عبد البر وابن المواق هو الذي عليه عمل الموافق والمخالف في أخذ اللغة عن اللغويين وأخذ الفتيا عن المفتين وأخذ الفقه ومذاهب العلماء عن شيوخ العلم وقد بينت ذلك في العواصم بينا شافيا فليطالع فيه" في الجزء الأول من العواصم فإنه قال بعد إيراده للحديث الأول واستيفاء الكلام عليه بما ذكره هنا ما لفظه:
الأثر الثاني: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
"من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" رواه ابن عباس وأبو هريرة ومعاوية كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث ابن عباس أخرجه الترمذي2 وقال حديث صحيح وحديث أبي هريرة ذكره الترمذي تعليقا وحديث معاوية أخرجه البخاري وإنما ذكرته هنا لئلا يظن من وقف عليه في صحيح البخاري أنه لم يرو الحديث أحد سواه وزاد الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه أنه رواه عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وأنس.
فهذا الحديث دل على أن الله أراد بالفقهاء في الدين الخير والظاهر فيمن أراد الله به الخير أنه من أهله وهو مقو للدليل لا معتمد عليه على انفراده وفيه بحث بتشعب تركناه اختصارا.
الأثر الثالث: قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا وسأل عن أعبد أهل الأرض فدل عليه فسأله فأفتاه أنه لا توبة له فقتله ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل عليه فسأله فأفتاه بأن توبته مقبولة إلى آخر الحديث وفيه أنه من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سبق تخريجه.
2 البخاري 1/27. ومسلم في: الزكاة: حديث 98, 100. والإمارة: حديث 175. وأحمد 1/306.

 

ج / 2 ص -94-          أهل الخير وفي قصته بعد المعرفة بالعلم أنه لم يسأل عن العدالة والحديث متفق عليه1.
الأثر الرابع: أنه لما قال الله لموسى عليه السلام:
"إن لنا عبدا هو أعلم منك" يعني الخضر عليه السلام فسأل موسى من الله لقاءه ليتعلم منه وسافر للقائه2 ولم يرو أنه سأل عن عدالته بعد أن أعلمه الله بعلمه مع أن من الجائز أن يكون العلام غير عامل كبلعم بن باعورا وغيره ولكنه تجويز بعيد قليل الإتفاق نادر الوقوع فلم يجب الإحتراز منه.
وفي بعض هذه الآثار أثر ضعف ولكنه ينجبر باجتماعها وشهادة القرآن لها وهي الحجة الثانية وهي قوله تعالى:
{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] فأمر الله سبحانه وتعالى بسؤالهم وهو لا يأمر بقبيح فدل إطلاقه على جواز سؤال العلماء على العموم إلا من عرف بقلة الدين ثم ذكر أدلة من جهة النظر وسرد خمسة أنظار دالة على ما ذكره وأتى فيها بنفائس وأطال فيها المقال والجواب والسؤال بما يقوى ما جنح إليه ابن عبد البر.
واعلم أن هذا البحث جميعه مبني على المشهور في رواية يحمل إلخ أنها بفتح حرف المضارعة ونصب العلم ورفع عدوله لا على ما قاله الشيخ في النكت أن ابن الصلاح حكى في قواعد الرحلة أنه وجد حكاية مسندة إلى أبي عمرو محمد بن أحمد التميمي أنه يروي هذا الحديث بضم الياء من يحمل على أنه لما لم يسم فاعله ورفع الميم من العلم وفتح العين واللام من عدوله ومعناها أن الخلف هو العدول بمعنى عادل كما يقال شكور بمعنى شاكر والتاء للمبالغة كمما يقال رجل صرورة انتهى ومعناه على هذا يحمل عن الناس العلم من كل خلف عادل فلا يفيد ما استدل به ابن عبد البر بل هو إخبار بأنه لا يؤخذ العلم إلا ممن اتصف بالعدالة وتحقق قيامها به.
"قال" أي الزين "والصحيح عندهم أن الجرح لا يقبل إلا مبين السبب" أي الصحيح من الأقوال الأربعة المعروفة: الأول: هذا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم في: التوبة: حديث 46, 47. وأحمد 3/72.
2 البخاري في: العلم: ب 44. ومسلم في: الفضائل: حديث 170, وأحمد 5/ 118, 119.

 

ج / 2 ص -95-          الثاني: أنه يجب بيان سبب العدالة ولا يجب بيان سبب الجرح لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها فيبني المعدلون على الظاهر حكاه صاحب المحصول وغيره.
والثالث: أنه لابد من ذكر أسباب الجرح والعدالة جميعا حكاه الأصوليون قالوا وكما أنه قد يجرح الجارح بما لا يقدح كذلك قد يوثق العدل بما لا يقتضي العدالة.
والرابع: عكسه وهوأنه لا يجب ذكر سبب واحد منهما إذا كان الجارح والمعدل عالما بصيرا وهو اختيار القاضي أبي بكر ونقله عن الجمهور.
"وحكى الخطيب أنه ذهب إلى ذلك الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده كالبخاري ومسلم وغيرهما" قال ابن الصلاح: وهو الذي نص عليه الشافعي وقال الخطيب هو الصواب عندنا "قال ابن الصلاح: وهو ظاهر مقرر في الفقه وأصوله" ودليله ما أفاده قوله "لكثرة اختلاف الناس فيه فربما جرح بعضهم لاعتقاده أن ما جرح به مؤثر في سقوط العدالة وربما استفسر الجارح وذكر ما ليس بجرح فقد روى الخطيب عن محمد بن جعفر المدائني أنه قيل لشعببة لم تركت حديث فلان قال رأيته يركض1 على برذون فتركت حديثه2" قال الزين فماذا يلزم من ركضه على برذون قد قيل ربما يلزم منه خرم مروءته وذلك إذا كان في موضع أو حال لا يليق بذلك وعليه تحمل رؤية شعبة تحسينا للظن به لما ثبت من جلالته واتساع معرفته حتى قال الإمام أحمد إنه أمة وحدة في هذا الشأن.
"وروى أبو حاتم عن يحيى بن سعيد قال أتى شعبة المنهال بن عمرو فسمع صوتا فتركه" والمنهال وثقة ابن معين والنسائي واحتج به البخاري في صحيحه "قال ابن أبي حاتم" في بيان الصوت الذي سمعه شعبة "سمعت أبي يقول إنه سمع قراءة بألحان فكره السماع منه من أجل ذلك وقد روى الخطيب بإسناده" إلى وهب بن جرير "أنه قال" قال شعبة أتيت منزل المنهال بن عمرو "فسمعت منه صوت الطنبور فرجعت فقيل له" أي لشعبة "ألا سألت عنه؟ ألا تعلم ما هو" لعله كان المنهال غير عالم بذلك في منزله ويحتمل أن لا نعلم أنت ما هو فلعله غير طنبور قيل الورع ما فعله شعبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يركض على برذون : الركض هو استحثاث الدابة بالرجل لتعدوا . وبرذون: بكسر الموحدة وذال معجمة الجافي الخلقة والجلد على السير في الشعاب والوعر من الخيل غير العربية وأكثر مايجلب من الروم. فتح المغيث 2/21.
2 الكفاية ص 111, وتدريب الراوي 1/306.

 

ج / 2 ص -96-          لأن الطنبور لا يضرب في بيت أحد لا يعلمه وذلك مما يخرم المروءة إن لم يكن فسقا.
"قال" الخطيب "وروينا عن شعبة أنه قال قلت: للحكم بن عتيبة لم ترو عن زاذان قال كان كثير الكلام" يحمل ذلك على أنه فيما لا يعنيه فيكون خرما للمروءة وزاذان قال ابن حبان في الثقات كان يخطيء كثيرا. انتهى.
وقال أحمد بن حميد الداري حدثنا جرير فقال المصنف "وعن جرير أنه قال رأيت سماك بن الحارث" في شرح الزين بن حرب "يبول قائما فلم أكتب عنه" يحمل على أنه في مكان يخرم المروءة البول فيه فهذه أمثلة لما استفسر الجارح عن جرحه ففسره بما ليس بجرح.
واعلم أنه لا تصريح من المفسرين المذكورين بأنهم جرحوا من ذكر إذ شعبة لم يجرح من رآه يركض على برذون بل قال تركت حديثه ولم يجرحه وكأه رأي ذلك من خوارم المروءة وأنه يفسرها بسيرة أمثاله وأن مثل ذلك الرجل لا يركض على برذون وكذلك من سمع في بيته صوت الطنبور لم يجرحه بل قال كره السماع منه وكذلك من رآه كثير الكلام ولا شك أن هذا تعمق ومبالغة.
"وقد عقد الخطيب لهذا بابا في الكفاية" كما حكاه الزين في شرح ألفيته.
"قلت: أكثر من هذا الإختلاف في العقائد" فإنها فرقت كلمة العباد وأورثت بينهم التعادي إلى يوم المعاد في مسائل أكثرها أو كلها ابتداع لم يقع لها ذكر في سلف الأمة التي يجب لها الإتباع كمسألة خلق القرآن أو قدمه والقول يخلق الأفعال أو عدمه.
"ثم إن العداوة أمر زائد على مجرد اعتقاد الخطأ واعتقاده التكفير فإن العداوة إذا وقعت بين مؤمنين متفقي العقيدة لم يقبل كلام أحدهما في الآخر كيف أمر العقائد؟!" فإن التعادي عليها عظيم بل سفكت بسببها الدماء وهتكت المحارم وارتكبت القبائح بسببها والعظائم كما يعرف ذلك من له إلمام بكتب التاريخ والرجال وتطلع إلى معرفة الحقائق والأحوال "لا سيما في حق المتعاصرين ولا سيما في حق المتجاورين فقد جرح بذلك" أي بأمر العقائد "خلق كثير" بل أكثر ما تجد الجرح في كتب الرجال يكون بالرفض والنصب والغلو في التشيع والقول يخلق القرآن وكل ذلك من مسائل الاعتقاد "ووقع في الجرح به عصبية في الجانبين لا سيما من كان داعية إلى مذهبه فإنه يبغض ويحمل على الوقيعة فيه".

 

ج / 2 ص -97-          اعلم أن في المقام بحثين:
الأول: أن أصل الكلام هنا في أنه لا يقبل الجرح إلا مبين السبب وهذا الذي ذكره المصنف من اختلاف العقائد بحث آخر فإنه لا يقبل الجرح من المتعاديين مجملا ولا مفسرا لمانع العداوة.
والبحث الثاني: في قوله سيما في حق المتعاصرين فإنه لا يعرف حال الشخص بجرح أو عدالة إلا من عاصره ولا طريق إلى العلم بأحواله لمن في عصره ممن غاب عنه ولمن يأتي بعده إلا من المعاصرين له إذ من قبلهم لا يعلمون وجوده ومن بعدهم لا يعرفونه إلا بنقل الأخبار عمن عاصره وشاهده وجالسه وأخذ عنه.
وقد سبق المصنف إلى مثل كلامه الحافظ الذهبي فإنه قال في الميزان في ترجمة أحمد بن عبد الله بن أبي نعيم ما لفظه كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ولا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجومنه إلا من عصم الله وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهل من ذلك سوى النبيين والصديقين فلو شئت سردت من ذلك كراريس انتهى قال ابن السبكي قد عقد ابن عبد البر في حكم قول العلماء بعضهم في بعض بدأ فيه بحديث الزبير
"دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء" انتهى1.
وفيه البحث الذي عرفته فالأولى أن يناط رد كلام المتعاصرين بعضهم في بعض بمن يعلم بينهما مانع من عداوة أو تحاسد أو منافسة أو نحوها ممايقع بين الأقران وقد أطلنا في ذلك في ثمرات النظر في علم الأثر فليطالع.
قلت: ومن أمثلة القدح بالمخالفة في الأعتقادات قول بعضهم في البخاري إنه تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ قال ابن السبكي فيالله ويالمسلمين أيجوز لأحد أن يقول البخاري متروك وهو حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة مع أن الحق في مسألة اللفظ معه إذ لا يتسريب عاقل أن تلفظه من أفعاله الحادثة اليت هي مخلوقة لله وإنما أنكرها الإمامأحمد لبشاعة لفظها انتهى.
"والسبب الثاني" لم يتقدم له ذكر الأول إلا أن ما قدمه من ذكر العقائد هو مقابل لما ذكره ثانيا فكأنه ذهب وهمه إلى أنه ذكر سببين الأول اختلاف العقائد والثاني:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد 1/165, 167. والبيهقي 10/232. وجامع بيان العلم 2/150.

 

ج / 2 ص -98-          "التضعيف بالوهم والخطأ" أي بكون الراوي واهما أو مخطئا فإنه قد أطلق عليه بسبب ذلك الضعف.
"فبسبب هذين الأمرين أطلق كثير من المحدثين اسم الكذاب على من هو كاذب في اعتقاده أو غالط في بعض روايته لأن اسم الكذب يتناوله" أي الواهم في روايته والغالط فيها "في اللغة وإن كان العرف يأبى ذلك" فإن الكذب فيه ما كان عن عمد "حتى قوي عندي أن قولهم" أي المحدثين "فلان كذاب من جملة الجرح المطلق الذي لم يبين سببه والله أعلم" قد تقدم للمصنف مثل هذا إلا أنه قيده هنالك بقوله إن قول المحدثين فلان كذاب من قبيل الجرح المطلق الذي لم يفسر سببه فيتوقف فيمن هذه حاله حتى يعرف السبب فقيده بمن حاله كحال ثابت البناني إذ كلامه هنالك في سياق ذكره فإنه قال فهذا يحيى بن معين يطلق ذلك أي الكذب على ثابت الورع الزاهد ولم يتعمد شيئا من ذلك بل لم يظهر منه كثرة الخطأ انتهى إذا عرفت هذا فكلامه هنا مطلق يقيده ما مضى.
هذا هو الصحيح في الجرح وأنه لا بد من ذكر سببه بخلاف العدالة كما قال وأما العدالة فلا يجب علىمن يعدل غيره "ذكر سببها لأنه يؤدي إلى ذكر اجتناب جميع المحرمات وفعل جميع الواجبات كما أشار إليه الزين" حيث قال إن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول ليس يفعل كذا ولا كذا ويعد ما يجب عليه تركه ويفعل كذا وكذا فيعد ما يجب عليه فعله فيشق ذلك ويطول تفصيله "وكما بينته في العواصم" فإنه قال فيها بعد سرده لوجوه أربعة في الاستدلال على ذلك خامسها وهو الوجه المعتمد أنما هذه الوجوه المتقدمة شواهد له ومقويات وهو أن اشترط التفصيل في التعديل إلى ذكرا اجتناب المعدل المحرمات وتأديته لجميع الواجبات على مذهب المعدل في تفسير العداله فإن كان ممن يشدد ذكر ذلك كله وإن كان ممن يترخص ذكر اجتنابه لجميع الكبائر معددا لها ولجمبع معاصي الأدنياء الدالة على الخسة وقلة الحياء وقلة المبالاة بالدين فيقول المعدلل مثلا إن فلانا ثقه عندي لأني شاهدته يقيم الصلوات الخمس ويحافظ عليها ويصوم رمضان ويؤدي الزكاة يودي فريضة الحج إن كان ممن تلزمه هاتان الفريضتان ويذكر أنه يشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا رسول الله وأن الله عالم قادر ويعدد سائر الصفات الذاتيه والمقتضاة وإنه يسحقها لذاته لا لمعنى ويذكر جميع ما يتعلق باعتقاده من مسائل الوعد والوعيد

 

ج / 2 ص -99-          والإمامة والبر والولاء ثم ساق في تعداد ذلك ثم قال وغير ذلك مما لايكاد الانسان يحصيه مع التأمل الكثير وما زال المسلمون يعدلون الشهود ويعدلون حملة العلم والرواة من أول الاسلام إلى يوم الناس هذا ما نعلم أن أحدا منهم عدل على هذه الصفة ولاما يقار بها ولاما يدانيها ولا نعلم أن أحدا طلب هذا من المعدلين ولاثلثه ولاربعه وعمل القضاة مستر إلى يوم الناس على الإكتفاء بالتعديل الجملى انتهى.
قلت: وسره أن العداله وصف ملتم من أمور كثيرة وضع لفظ عدل بازائها فكان القائل فلان عدل قال فلان آت بكل ما يجب مجتنب لما يحرم ولذا يشترط في المعدل أن يكون عالما بأسباب العدالة بخلاف القدح فإنه شيءواحد لأنه عبارة عن شيء خرم العدالة فلا يعسر ذكره ولايتعين ما هو حتى يعرب عنه قائله ولايشترط في قائله المعرفة بأسباب القدح فإنه لو قال من يجهل أن السرقة حرام إن فلانا رأيته يسرق كان قدحا وقد عرفت معنى قوله "وهذا شيء لم ينقله أحد من الأمة أبدا ولأنها" أي العدالة "الأصل في أهل الإسلام".
اعلم أن هذه مسأله خلاف بين الأمة منهم من ذهب إلى أن الأصل الفسق مهر لذي ذهب إليه العضد وصرح به شرح مختصر ابن الحاجب وتبعه عليه الآخذون من كتابه مسدلين بأن العدالة طارئة وبأن الفسق أغلب وقد حققنا في ثمرات النظر أن الأصل أن كل مكلف يبلغ سن التكليف على الفطرة كما دل حديث
"كل مولود يولد على الفطرة"1 وفي معناه عدة أحاديث وفسر به قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] فإن بقى عليها من غير مخالطه بمفسق وأني بما يجب فهو عدل إلى فطرته مقبول الرواية وإن لابس مفسقا فله حكم مالا بسه.
وقد أشار سعد الدين في شرحه على شرح العضد إلى هذا وتعقبه صاحب الجواهر بما ليس بجيد وقد ذكرناه هنالك وقد استدل لهم بأن الأصل الفسق بأنهالغالب ولكنه قيده بعضهم بأن هذه الأغلبية إنما هيي في زمن تبع التابعين لافي رمن الصحابة والتابعين وتابعيهم لحديث:
"خير القرون قرنى ثم الذين يلوبهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب"2 وعلى هذا التقييد يتم القول بأن الأاصل أي الأغلب الفسق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 2/125, وأبو داود 4714, 4716. وأحمد 2/233.
2 الترمذي 2302, 2303. والخطيب 2/53.

 

ج / 2 ص -100-        في القرون المتأخرة فلا يؤخذ الحكم كليا بأن الأصل الإيمان ولابأن الأصل الفسق بأن يقال في الأول إنه الأصل في القرون الثلاثه وفي الثاني إنه الأصل فيما بعدها.
وقد استدل الجلال في نظام الفصول على أن الأصل هو الفسق بقوله تعالى:
{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103].
قلت: ولا يخفى أنه غير صحيح إذ المراد من الآيات أن المؤمنين قليل بالنسبة إلى المسلمين الذين ليسوا بعدول وكذلك تفريعه عليه بأنه يحمل الفرد المجهول على الأعم الأغلب وهو أنه يحمل المسلم المجهول العدالة على الفسق غير صحيح لأنه ليس لنا أن تفسق مسلما مجهول العدالة لأجل أن الإغلب الفسق لأن هذا تفسيق بغير دليل من نص أو قياس مع قولهم لا تفسيق إلا بقاطع بل نقول يبقى المسلم المجهول العدالة على الإحتمال لا ترد خبره حكما بفسقه ولا نقبله حكما بعدالتته بل يبقى على الاحتمال حتى يبحث عنه ويتبين أي الأمرين يتصف به وينبغي أن يكون هذا مراد من يقول بأن الأصل الفسق وقول المصنف إن الأصل العدالة يقتضي أنه لا يحتاج على تعديل لأنه لا حاجة إليه إذ كون ذلك هو الأصل كاف.
وفي قوله "فتقوت" أي العدالة "وترجحت بأدنى سبب" وهو التعديل المطلق مايؤيد ذلك التأصل لأنه لا حاجة إلى التعديل إلا لتقوية الأصل كما يؤيده قوله "ولهذا قال جماعة بقبول المجهول ونقل إجماع الصحابة على قبول مجاهيل الأعراب وقبل علي عليه السلام من اتهمه بعد يمينه وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابيين في شهادتهما على الهلال وقد استوفيت هذا المعنى في العواصم".
وذلك أنه لما قدح السيد علي بن محمد بن أبي القاسم على المحدثين بقبولهم المجهول حاله من الصحابة أجاب عنه المصنف رحمهما الله بأجوبة أحدها أن قبول مجهول الصحابة ليس مذهبا يختص به المحدثون بل هو مذهب مشهور منسوب إلى أكثر طوائف الإسلام إلى الزيدية والحنفية والشافعية والمعتزلة وغيرهم من أكابر العلماء.
أما الزيدية فنسبه إليهم علامتهم بغير منازعة الفقيه عبد الله ابن زيد في كتاب الدرر في أصول الفقه ولفظة فيها إن مذهبنا قبول المجهول قال المصنف هكذا على

 

 

ج / 2 ص -101-        الإطلاق صحابيا كان أو غير صحابي وهو أكثر تسامحا من كلام المحدثين واحتج بقبوله صلى الله عليه وسلم للأعرابين في رؤية الهلال وبغير ذلك.
وأما الحنفية فمشهور عنهم.
وأما الشافعية فنسبه إليهم المنصور بالله في كتاب الصفوة وغيره.
وأما المعتزلة فذكره الحاكم أبو الحسين ولفظه في المعتمد ولا شبهة أن في بعض الأزمان كزمن النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت العدالة منوطة بالإسلام وكان الظاهر من المسلم كونه عدلا ولهذا اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في قبول خبر الأعرابي عن رؤية الهلال عىل ظاهر إسلامه واقتصرت على إسلام من كان يروي الأخبار من الأعراب انتهى.
ففي كلام إجماع الصحابة على قبول المجهول من الصحابة بل من الأعراب وحديث الأعرابيين معروف أخرجه أهل السنن الأربعة وابن حبان والحاكم وأما قوله وقبل علي عليه السلام فهو إشارة إلى ما أخرجه المنصور بالله وأبو طالب أنه عليه السلام كان يستحلف بعض الرواة فإن حلف صدقة وقال الحافظ الذهبي هو حديث حسن قال المصنف والتحليف ليس يكون للمخبورين المأمونين وإنما يكون لمن يجهل حاله ويجب قبوله فيتقوى عليه السلام بيمينه طيبة لنفسه وزيادة في قوة ظنه ولو كان المستحلف ممن يحرم قبوله لم يحل قبوله بعد يمينه وهذا أعظم دليل أنه عليه السلام إنما اعتبر الظن في الأخبار انتهى.
قوله وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابيين يشير إلى حديث ابن عباس رضي الله عنه قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال, يعني رمضان فقال:
"أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله؟", قال: نعم, فقال: "يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا", تقدم من أخرجه إلا أن هذا الأعرابي واحد وهذا هو الذي ذكره المصنف ونسبه إلى من ذكرناه إلا أنه قال ابن حجر: في التلخيص قال الترمذي إنه مرسل قال
النسائي وهوأولى بالصواب وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة انتهى.
وأما قصة الأعرابيين فأخرجها أبو داود عن رجل من الصحابة وفيها أنه قدم أعرابيان فشهدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله لأهلا الهلال ورأياه أمس عشية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا. 1هـ.
"إذا عرفت هذا" أي أنه لا يقبل الجرح إلا مبين السبب "فاعلم أن ابن الصلاح أورد

 

ج / 2 ص -102-        سؤالا حسنا فقال ما معناه إنا إن لم نقبل الجرح المطلق أسند باب الجرح لأن عبارات الأئمة في كتب الجرح والتعديل" لا حاجة إلى ذكر التعديل كما لا يخفي مطلقة في الغالب إذ مبين السبب قليل جدا.
"وأجاب" ابن الصلاح "عن ذلك بما معناه إنا لم نقل إن من جرح من غير تفسير للسبب فهو يحتج به" حتى يلزم أنا لم تقبل جرحا إلا مبين السبب "بل نقول إما أن نبحث عن حاله" أي حال من حرح جرحا مطلقا عن السبب "ونبين ثقته وإتقانه" بعد البحث عنه "بحيث تضمحل تلك الريبة التي حصلت من إطلاق الجرح حكمنا بثقته" لفظ ابن الصلاح وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في أنا توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك بناء على أن مثل ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف ثم إن من زاحت عنه تلك الريبة منه بالبحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثهه ولم نتوقف ثم قال ما معناه "مثل بعض رجال الصحيحين الذي مسهم مثل هذا الجرح" الذي لم يبين سببه "فافهم ذلك فإنه مخلص حسن وإلا" يحصل لنا بالبحث ثقته وإتقانه "توقفنا في حاله" فلا نحكم له ولا عليه أما الأول فلأنه وإن كان الأصل العدالة فقد أوجب الجرح الجملى التوقف في حاله فقت في عضد ذلك الأصل وأما إذا قلنا الأصل الفسق فأوضح "ويترك حديثه لأجل الريبة القوية" الحاصلة من القدح الجملى "لا لأجل ثبوت الجرح".
واعلم أن هذا يشعر بأن البخاري لم يكن في رواته من قدح فيه إلا بقدح مطلق وقد تقدم للمصنف ذلك وأن الذي خرج لهم البخاري ممن قدح فيهم ليس إلا قدحا مطلقا عن بيان السبب وقرره هنا وليس بصحيح وقد بينا في ثمرات النظر خلافه ونقلنا كلام أئمة الجرح والتعديل في جماعة من رواة الشيخين قدحا مبين السبب وعرفه بما في عكرمة.
"قلت: وترك ابن الصلاح القسم الثالث وهو أن يبحث فتظهر صحة الجرح وإنما تركه لظهور الحال فيه" وهو أنا قد تركنا قبول حديثه قبل البحث فبعد ظهور صحة القدح تركه بالأولى فرجال الحديث كالحلال البين والأمور المشتبهات وكلام ابن الصلاح في رجال الحديث ويجري مثله في الحديث وأن تضعيفه المطلق يوجب ريبة فيه وترك العمل به حتى يظهر سبب ضعفه ون هنا نعلم أن معنى قولهم لا يقبل الجرح إلا مفسرا أي لا يعمل به في الرد إلا مفسرا لا أنه لا يقبل مطلقا وأنه لا

 

ج / 2 ص -103-        حكم له بل له حكم هو ثبوت الريبة وتركه.
قال الزين "ولما نقل الخطيب عن أئمة الحديث أنه لا يقبل الجرح إلامفسرا قال فإن البخاري احتج بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم والجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس في التابعين" هذا مثال لمن خرج البخاري حديثه ممن قدح فيه قدحا مطلقا ولكنه غير صحيح.
ففي الميزان بسنده عن جرير بن يزيد قال دخلت على علي ابن عبد الله بن عباس فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش فقلت: له ألا تتقي الله قال أن هذا الخبيث يكذب على أبي قال وروى عن ابن المسيب انه كذب عكرمة ثم أخرج بسنده عن أيوب عن عكرمة قال أنزل متشابه القرآن ليضل به قال الذهبي قلت: ما أسوأها عبارة وأخبثها بل أنزله ليهدي به ويضل به الفاسقين وأخرج عن محمد بن سيرين أنه قال في عكرمة ما يسوءني أن يكون من أهل الجنة ولكنه كذاب وساق كلمات العلماء في جرحه مفسرا شيئا كثيرا.
فلا يتم هنا ما قدمه المصنف أن الكذب من الجرح المطلق فإنه لم يرد على بن عبد الله بن عباس وابن سيرين إلا الكذب حقيقة كما تفيده عبارتهما وقد وثق عكرمة أمة من الناس قال ابن منده أما حال عكرمة في نفسه فقد عدله أمة من التابعين زيادة على سبعين رجلا من خيار التابعين ورفعائهم وهذه منزلة لا تكاد توجد لكبير أحد من التابعين على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك عن الرواية عنه قال ابن عبد البر عكرمة من جملة العلماء ولا يقدح فيه كلام من تكلم فيه وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري كلام الناس فيه قدحا وتوثيقا ثم قال أنه لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه بعد ما ثبت له من الرتب السنية.
"وإسماعيل بن أبي أويس في المتأخرين" قال الحافظ ابن حجر: لم يخرج عنه البخاري في الصحيح سوى حديثين مقرونا بغيره في كلمنهما قال ابن معين في إسماعيل هو وأبوه يسرقان الحديث قال الدولابي الضعفاء سمعت النصر بن سلمة الموزى يقول كذاب كان يحدث عن مالك بمسائل وهب قال ابن معين إسماعيل بن أبى أويس يسوى فليس ثم فليس ا ه زاد الزين نقلا عن الخطيب وأما قثم بن على وعمرو بن مرزوق في المتأخر ين عن التابعين.
"قلت: إسماعيل هذا قد أكثر القاسم عليه السلام" أي ابن إبراهيم المعروف بالرسى

 

ج / 2 ص -104-        "من الراوية عنه كما ذلك ظاهر في كتاب الأحكام" الذي ألفه حفيده يحيى بن الحسين الهادي لأنه يرويه عن جده عن إسماعيل قال المصنف في العواصم وغالب رواية القاسم في كتابه الأحكام تدور على الأخوين إسماعيل وعبد الحميد أبي ابنى عبد الله بن أبي ويس عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده.
"قال الخطيب وهكذا فعل مسلم" وتمام كلامه كما في شرح الزين فإنه أى مسلم إحنج بسويد بن سعيد وجماعة غيره إشتهر عمن ينظر في حال الرواة الطعن عليهم قال وسلك أبو داود هذه الطريقة وغير واحد ممن بعده.
"ثم روى" ظاهر أن الراوي الخطيب لقوله: "عن الجويني والرازي والخطيب وغيرهم" ولايصح وكأنه سقط من النسخة التى عندي ثم روى الزين فإن هذه الرواية رواها الزين فإنه قال:

قلت: وقد قال أبو المعالي                                واختاره تلميذه الغزالي

وابن الخطيب الحق أن نحكم بما                       أطلقه العالم بأسبابهما

قال في شرحه: هذا من الزوائد على ابن الصلاح وذلك أن إمام الحرمين أبا المعالى الجوينى قال في كتاب البرهان الحق أن المزكى إن كان عالما بأسباب الجرح والتعديل إكتفينا بإطلاقه وإلا فلا الذي وهو الذي إختاره أبو حامد الغزالى والأمام فخر الدين بن الخطيب إلا أنه لا يخفى أن الذيفي كلام المصنف الخطيب والذي في كلام الزين بن الخطيب فينظر "أنهم صححوا الإكتفاء بالجرح المطلق من الثقه البصير بموقع الجرح العارف بإختلاف الفقهاء قبله قلت: هذا يقوى إذا عرف مذهبه على النفصيل في جميع ما يمكن وقوع الخلاف فيه من مسائل الباب فلمن وافقه في مذهبه قبوله دون من خالفه".
قال الزين وممن إختاره من المحدثين أيضا الخطيب فقال بعد أن فرق بين الجرح والتعديل في بيان السبب على أنا نقول إن كان الذي يرجع إليه في الجرح عدلا مرضيا في إعتقاده وأفعاله عارفا بصفة العدلة والجرح وأسبابهما عارفا بإختلاف الفقهاء في أحكام ذلك قبل قوله فيمن جرحه مجملا ولا يسأل عن سببه انتهى وفي نقل المصنف بعض إيهام لمن تأمله.
قال ابن السبكى في الطبقات: ولنختم هذه القاعده وهي قاعدة الجرح والتعديل بفائدتين عظيمتين لايراهما الناظر في غير كتابنا هذا:

 

ج / 2 ص -105-        إحداهما: أن قولهم إنه لايقبل الجرح إلامفسرا إنما هو في جرح من ثبتت عدالته واستقرت فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له ائت ببرهان على هذا وفي حق من يعرف حاله لكن ابتدرةجلرحان ومز كيان فيقال إذ ذاك للجارحين فسرا مارميتماه به أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا ولا نطالبه بالتفسير إذ لافائدة في طلبه.
قلت: بل الظاهر أنه لايجوز لنا طلب تفسيره لانه تفكه بعرضه بنير غرض ديني ثم قد أحسن بالتعبير بقوله أراد رافع رفعها فلا بد من التفسير فإنه إذا أطلق لم يرفعها لكنه يوجب توقفاوريبة.
قال والفائدة الثانية: أنا لا نطلب التفسير من كل أحد بل إنما نطلبه حيت يحنمل الحال شكا إما في إمالاختلاف في الإعتماد أولتهمة يسيرة في الجارح أو نحو ذلك مما يوجب سقوط قول الجارح ولاينتهى إلى الإعتبار به على الإطلاق بل يكون بين أما إذا إنتفت الظنون وإندفعت التهم وكان الجارح خيرا من أاخيار الأمة مبرأ عن مظان التهمة وكان المجروح مشهورا بالضعف متروكا بين النقادفلا يتعلعم عند جرحه ولا يحوج الجارح إلى تفسير بل طلب التفسير منه والحال هذه طلب لغيبه لا حاجة إليها.
فنحن نقبل ابن معين في إبراهيم بن ثعيب شيخ روى عنه ابن وهب أنه ليس بشيء وفي إبراهيم بن الميني أنه ضعيف وفي الحسين بن الفرج الخياط أنه كذاب يسرق الحديث وعلى هذا وإن لم يتبين الجرح لأنه مقدم في هذه الصناعه جرح جماعه غير ثابتي العدالة.
قلت: كأنه يريد بقبوله أنه يوجب توقفا وعدم قبول لحديث من اطلقجرحه لا أنه يحكم على من جرحه ك1لك أنه ليس بعدل وأنه مجروح.
قال ولا يقبل في الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام القاطع بانه غير محق بالنسبة إليه انتهى.
واالمصنف قد ألم بشيء من هذا قوله "ثم ذكر مسألة تعارض الجرح والتعديل وذكر الخلاف" فيها وأن فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أن مقدم مطلقا وأن كثير المعدلون نقله الخطيب عن جمهور العلماء وقال ابن الصلاح: إنه الصحيح وصححه الأصوليون كالإمام فخر الدين والآمدى.

 

ج / 2 ص -106-        واستدلوا بأن مع الجارح زيادة علم يطلع عليها المعدل ولأن الجارح مصدق للمعدل فيما أخبرربه عن ظاهر حاله إلا أنه يختبر عن أمر خفى على المعدل.
الثاني إن كان عدد المعدلين أكثر قدم المعدلون ووجهه أن كثرة المعدلين تقوى حالهم وتوجب العمل بخبرهم وقلة الجارحين تضعف خبرهم وتعقب بأنه خطأ لأن المعدلين وإن كثروا ليسوا يختبرون عن عدم ما أخبربه الجارحون ولو أخبروا بذلك لكانت شهادة باطلة على نفى.
الثالث ما أشار إليه المصنف بقوله "والصحيح الختار الترجيح وذلك لأن الجرح إما أن ينسب إلى من لايحتمله أو لا" أى لاينسب إلى من لايحتمله "إن نسب إلى من لايحتمله من كبار الأئمة والعلماء والصالحين لم يقبل" ووجه عدم قبول خبره وهو ثقه قوله "لأن الخبر إنما يقبل من الثقة لرجحان الصدق" فيما أخبر به "على الكذب" ولنا كان ترجيح صدقه إلى كذبه دعوى و'لا فإن خبره يحتمل الأمرين على السواء "وإنما يرجح صدق الثقه لما ظهر عليه من أمارات الخير" وهي ما شر طناه فيه من وجود صفات العدالة "فإنا نستبعد صدور الكذب من الثقة" فلذا رجحنا صدق خبره.
"فاذا جاء هذا الثقة ونسب إلى من هو أوئق منه ما هو حق الأوثق أبعد من تجويز الكذب على ذلك الثقه" الرامي للأوثق "بمراتب عظيمة فانا حينئذ إن قبلنا الثقه الجارح حملا له على السلامة فقد تركنا حمل المجروح الذي هو أوثق منه على السلامة" فان قد قبلتموه من حيث إنه أرجح فكيف تردونه والأرجحية باقية فقال "وإن قبلناه" في جرحه لمن يحتمل ذلك "من أجل أنه أرجح فقد صاؤ في هذه الصورة" حيث جرح من لايحتمل ذلك "مرجوحا" لرميه من هو أوثق منه "ولو سلمنا أنه أرجح ام تكن هذه صورة المسأله المفروضة" إذ هي مفروضة في من هو أوثق منه.
"ومثال ذلك أن يقول من ثبتت عدالته بتعديل عدل أو عدلين لاسوى إن زين العابدين على الحسين رضوان الله عليهم كان يتعمد وضع الحديث أو يأي إحدى الكبائر المعلوم كبرها أويطرح مثل ذلك على غيره من التابعين أوالزهاد العلماء مثل سعيد بن المسيب ومالك والشافعي وإبراهيم بن أدهم ومن فوق هؤلاء أو قريب منهم بحيث يغلب على الظن أن الكذب إلى المتكلم عليهم أقرب في الظن من صحةما ادعى عليهم ومن ذلك كلام النواصب" كالخواح وغيرهم "في على عليه السلام وكلام الروافض في أبي بكر ةعمر وعثمان رضى الله عنه وكلام" عمرو بن بحر "الجاحظ"

 

ج / 2 ص -107-        المعتزلى "والنظام" من كبار المعتزله "في حماعة من كبار الصحابة رضى الله عنهم".
قلت: وكذلك عمرو بن عبيد فإنه قال الذهبي في ترجمته في الميزان إنه قال لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان رضي الله عنهم على شراك نعل ما قبلت شهادتهم.
ولما كانت القاعدة المعروفة عند أئمة الحديث والأصول أن الجارح أولى وإن كثر المعدل ينافي هذا الكلام.
قال المصنف "وأما قولهم" في الاستدلال على هذه القاعدة "إن الجارح أثبت ما لم يعلم به المعدل" والمثبت أولى هنا لأنه علم ما لم يعلمه غيرره "فلا يرد هنا" إذ الدليل المذكور تعارض الجرح والتعديل وليس الأمر هنا كذلك "لأنا هنا لم نعارض بين من جرح ومن عدل بل بين من جرح ومن هو معلوم العدالة الظاهرة مظنون العدالة الباطنة ظنا مقاربا أو معلوما" في العبارة تسامح "بالإمارات كجوع الجائع" فإنه أمر باطني قد نعلمه بالأمارات "بل لم نأخذ عدالة هذا الجنس من معدل حتى تعارض بينه وبين الجارح بل اضطررنا إلى العلم بها بالتواتر".
ومن هنا تعلم أن القاعدة المعروفة إنما هي فيمن عرفت عدالته بأقوال المعدلين وجرحه بجرحهم قال ابن السبكي إن الجارح لا يقبل جرحه ولو فسره فيمن غلبت طاعته على معاصيه ومادحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي ومنافسة دنيويو كما يكون من النظراء أوغير ذلك فتقول مثلا لا يلتفت إلى كلام ابن أبي ذؤيب في مالك وابن معين في الشافعي والنسائي في أحمد بن صالح فإن هؤلاء أئمة صالحون صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت لدواعي على نقله وكان القاطع قائما على كذبه فيما قاله.
"وقد أحسن ابن الحاجب حيث قال في كتابه في الفروع في هذا المعنى ويسمع التجريح في المتوسط العدالة باتفاق فقيد سماعه بالمتوسط دون أهل المرتبة الرفيعة" والمراد بالسماع العمل بما يسمع وأما في مختصره في أصول الفقه فإنه اختار تقديم الجارح من غير تقييد فهذا الذي ذكره المصنف عنه فيمن لا يحتمل ما نسب إليه من الجرح.
وأما من يحتمله فإنه قد أشار إليه بقوله "وأما إن تعارض الجرح والتعديل في من

 

ج / 2 ص -108-        دون هذه الطبقة الشريفة بحيث يكون صدق الجارح أرجح وأقرب من كذبه ويكون صدور الجرح من المجروح أرجح من كذب الجارح وأقرب" فهذان قسمان:
الأول: "فأما أن يكون الجرح مطلقا" عن بيان السبب "أو" يكون "مبين السبب إن كان مطلقا لم نحكم بصحته" وإن أورث ريبة وتوقفا "وبحثنا عن حال المجروح فإن تبين" بالبحث "وترجح أحد الأمرين حكمنا به وإلا وقفنا في حاله كما تقدم" من كلام ابن الصلاح "لأن الجارح" هنا "وإن كان صدقه" أي الجارح "أرجح" فإنه لا ينافي توفقنا "فلم ندر ما الذي ادعى" من جرحه "حتى نصدقه فيه" لأنه أتى بجرح مجمل يحتمل توفقنا فيه تصديقا وتكذيبا.
والقسم الثاني: ما أفاده قوله "وأما إن بين" الجارح "السبب" الذي جرح به "نظرنا في ذلك السبب وفي العدل الذي ادعى عليه ونظرنا أي الجوائز" الأمور الجائز وقوعها في حقه "أقرب" للحكم به "فإن افتضت القرائن والأمارات والعادة والحالة من العداوة ونحوها أن الجارح واهم في جرحه" بجعله ما ليس بجارح جارحا "أو كاذب" في جرحه "أو غاضب" على من جرحه "رجح له التغضب عند سورته" بفتح المهملة وسكون الواو شدته "قرينة ضعيفة فقال بمقتضاها ونحو ذلك قدمنا التعديل" لعدم نهوض القادح على رفعه.
"وإلا" يحصل ما ذكر "قدمنا الجرح والمنازعون هنا إما أن يكونوا من الأصوليين أو من المحدثين إن كانوا من الأصوليين فالحجة عليهم أن نقول أنتم إنما قدمتم الجرح المبين السبب لأنه أرجح فقط إذ كان القريب في المعقول أن الجارح يطلع على ما لم يطلع عليه المعدل" قطعا إذ لو اطلع المعدل على الأمر القادح وعدل مع علمه به عد غير عدل فلا يقبل تعديله والفرض خلافه "وفي قبوله" أي الجارح "حمل الجارح والمعدل على السلامة معا" وتصديقهما معا لأن المعدل يقول مثلا أنا لا أعلم فسقا ولم أظنه والجارح يقول أنا علمت فسقا لو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذبا وإذا حكمنا بصدقه كانا معا صادقين "ولم يقدموا" الأئمة "الجرح لمناسبة طبيعية بين اسم الجرح الذي حروفه الجيم الراو الحاويين صدق من ادعاه" الجارح "وحينئذ" أي حين إذ عرفت هذا "يظهر أن العبرة" يعني في تقديم هذا النوع من الجرح "بالترجيح فإن هذا الذي أوجب عندكم تقديم الجرح نوع من الترجيح" وهو رجحان الجمع بين صدق الجارح والمعدل.
"فإذا انقلب الحال في بعض الصور وقامت القرائن على أن التعديل أقوى في ظن

 

ج / 2 ص -109-        الناظر في التعارض هل كان منكم أو من غيركم فيما يقتضي النظر هل يعمل بالراجح عنده فذاك الذي قلنا أو بالمرجوح عنده فترجيح المرجوح على الراجح خلاف المعقول ولا منقول هنا يوجب طرح المعقول" هذا إذا كانت المناظرة في المسألة مع أهل الكلام والأصول.
"وإن كان المخالف من المحدثين قلنا له" في المناظرة "أليس قد ثبت عندكم أن خبر الثقة بحديث معين مبين إذا أعل بعلل كثيرة أو علة واحدة يحصل معها" مع العلة واحدة كانت أو متعددة "للنقاد ظن قوي بوهم ذلك الثقة" فيما أخبر به فليس كل ثقة يقبل خبره "فإن ذلك يقدح في خبره بأمر معين فكذلك خبره بالجرح المبين" السبب "إنما هو خبر بأمر معين فإذا أعل بما يقتضي وقوع الوهم فيه أوالعصبية أو القول عن الأمارات الضعيفة فإن ذلك يقدح فيه" أي في خبره بالجرح المبين السبب.
"ومن أمثلة ذلك على كثرتها قول مالك" الإمام المعروف "في محمد بن اسحق" صاحب السيرة "إنه دجال من الدجاجلة" هو مقول قول مالك "أي كذاب" قال يحيى بن آدم ثنا ابن إدريس قال كنت عند مالك فقيل له إن ابن اسحق قال اعرضوا على حديث مالك فأنا بيطاره فقال مالك انظروا إلى دجال الدجاجلة ذكره الذهبي في الميزان "فإن من هو في مرتبة مالك في الثقة" من الأئمة "قد أثنوا على محمد بن اسحق" قال الذهبي في الميزان وثقة غير واحد ووهاه آخرون كالدار قطني وهو صالح الحديث ماله عندي ذنب إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنقطعة المنكرة والأشعار المكذوبة قال ابن معين ثقة وليس بحجة وقال علي بن المديني حديثه عندي صحيح وقال يحيى بن كثير سمعت شعبة يقول ابن اسحق أمير المؤمنين في الحديث.
"ومن تكلم" في ابن اسحق "فما تكلم عليه بشيء من هذا" أي من نسبة الكذب إليه قال محمد بن عبد الله بن نمير رمي بالكذب وكان أبعد الناس منه وقال أبو داود قدري وقال سليمان التميمي كذاب وقال وهيب سمعت هشام ابن عروة يقول كذاب وقال يحيى القطان أشهد أن محمد بن اسحق كذاب قال له ابن أبي داود وما يدريك أنه كذاب قال قال هشام بن عروة حدث عن أمرأتي فاطمة بنت المنذر وأدخلت علي وهو بنت تسع سنين وما رآها رجل حتى لقيت الله قال الذهبي وما يدري هشام بن عروة فلعله سمع منها في المسجد أو سمع منها وهو صبي أو

 

ج / 2 ص -110-        أدخل عليها فحدثته من وراء حجاب وأي شيء هذا وقد كانت كبرت وأسنت "إنما تكلم عليه بالتدليس وشيء من سوء الحفظ" قد عرفت مما نقلناه عدم صحة هذا الحصر.
"لكنه كان بينه وبين مالك وحشة" قال وهيب سألت مالكا عن محمد بن اسحق فاتهمه وقال يحيى بن سعيد الأنصاري أبان ومالك يجرحان ابن اسحق "ولعل ذلك بسبب الاختلاف في الاعتقاد فقد كان محمد بن اسحق يرى رأي المعتزلة في بعض المسائل" تقدم كلام ابن نمير إنه رمى بالقدر وكان أبعد الناس منه وقال أبو داود قدري معتزلي "وكان مالك يشدد في ذلك ثم إنه بلغ مالكا أن ابن اسحق قال اعرضوا على علم مالك فأنا بيطاره" تقدم من رواها "فحين بلغه ذلك أغضبه فقال إنه دجال أي كذاب" فقد قاله حال الغضب فلا اعتباره به "ومن الجائزات" على بعد "أن يريد مالك" كذاب "في اعتقاده أو في حديثه الذي يهم فيه على بعد هذه العبارة من إطلاقها على من يهم في عرفهم" فالحمل على ذلك بعيد جدا.
"ولكن حال الغضب مع العداوة في الدين يقع فيها مثل هذا إما لمجرد غلبة الطبع أو لمجرد أدنى تأويل" وعلى كل تقدير فلا يقبل ولا يعمل به لأن الجرح إخبار عن حكم شرعي وقد نهى رسول الله صلى الله لعيه وسلم أن يحكم الحاكم وهو غضبان والأصح عدم صحة حكمه في حال غضبه كما قررناه في سبل السلام.
"واعلم أن التعارض بين التعديل والتجريح إنما يكون" تعارضا "عند الوقوع في حقيقة التعارض" إذ الكلام في ذلك وهو ما يتعذر فيه الجمع بين القولين "أما إذا أمكن معرفة ما يرفع ذلك فلا تعارض البتة مثال ذلك أن يجرح هذا بفسق قد علم وقوعه منه ولكن علمت توبته أيضا والجارح جرح قبلها" قبل التوبة فإنه لا تعارض بين الجرح والتعديل على هذا "أو يجرح بسوء حفظ مختص بشيخ أو بطائفة والتوثيق يختص بغيرهم أو سوء حفظ مختص بآخر عمره لقلة حفظ أو زوال عقل وقد تختلف أحوال الناس فكم من عدل في بعض عمره دون بعض ولهذا كان السعيد من كان خير عمله خواتمه فإذا اطلع على التاريخ" أي تاريخ روايته وتاريخ اختلاطه "فهو مخلص حسن وقد اطلع عليه في كثير من رجال الصحيح جرحوا بسوء الحفظ بعد الكبير والصحيح" من أحاديثهم "روى عنهم قبل ذلك" فلا تعارض.

 

ج / 2 ص -111-        "ثم ذكروا" أي أئمة الحديث "مسألة وهي توثيق من لم يعرف عينه ولم يسم مثل قول العالم الثقة حدثني الثقة" فإنه توثيق لمبهم غير معروف العين "أو" يقول "جميع من رويت عنه ثقة" قال الخطيب إذا قال العالم كل من رويت عنه فهو ثقة وإن لم يسمعه ثم روى عمن لم يسم فإنه يكون مزكيا غر أنا لا نعمل على تزكيتة.
"واختاروا أنه لا يقبل" كما ذكره الخطيب وأبو بكر الصير وابن الصباغ من الشافعية وغيرهم وحكى ابن الصباغ عن أبي حنيفة أنه يقبل واستدلوا على عدم القبول بقوله "لجواز أن يعرف فيه جرح لو بينه" قالوا بل إضرابه عن تسمية ريبة توقع ترددا في قلت: السامع نعم قال الخطيب إذا قال العالم كل من أروى لكم عنه وأسميه فهو عدل تقي مقبول الحديث كان هذا القول تعديلا لكل من روى عنه وسماه هكذا حزم به الخطيب قال وكان ممن سلك هذه الطريقة عبد الرحمن بن مهدي زاد البيهقي مالك ابن أنس ويحيى ابن سعيد القطان.
"وهذا" الذي ذهب إليه أئمة الحديث "ضعيف فإن توثيق العدل لغيره" مبهما كان أو معينا "يقتضي رجحان صدقه" ولأنه يلزم على هذا بتقديم الجرح المتوهم على التعديل الثابت وهو خلاف النظر "وتجويز وجود الجارح لو عرف هذا المعدل" أي لو تعين اسمه "لا يعارض هذا الظن الراجح حتى يصدر" أي الجرح "عن ثقة" والفرض أنه لا جرح محقق بل مجوز "ولو كان التجويز" للقادح "يقدح لقدح مع تسميته لأن التسمية لا تمنع من وجود جرح عند غير المعدل" قد يقال إنه مع التسمية قد فتح لنا بابا إلى معرفته والبحث عنه ومع عدمها قد أغلق باب البحث إلا أنه قد يجاب بأن لا حاجة إلى البحث عنه بعد التزكية.
"فإن قالوا لما لم يعلم" أي فيمن سمى والمراد لم يعلم جرحا "حكمنا بالظاهر حتى نعلم" خلافه "فكذلك هنا" أي فيمن أبهم "لا فرق بينهما إلا أن طريق البحث غير ممكنة عند الإبهام وقد يمكن عند التسمية فيكون الظن بعد البحث عن المعارض" وهو وجود جارح فيمن سماه الثقة وعدله "وعدم وجدانه" أي المعارض وهو القادح "أقوى" فلذا قلنا يقبل فيمن سمى لافيمن لم يسم "وهذا الفرق ركيك" وإن حصلت قوة الظن كما ذكر "لأنا لم نتعبد بأقوى الظنون في غير حال التعارض" فإن الظن الحاصل عن توثيق العدل كلف لنا في العمل عند عدم التعارض "ولأن طلب المعارض في هذه الصورة لا يجب" كمما سلف من قبول خبر العدل وكفاية الواحد في ذلك "ولأن التمكن

 

ج / 2 ص -112-        من البحث قد يتعذر مع التسمية" كما قد أشار إليه بقوله وقد يمكن عند التسمية "فيلزم طرح توثيق من الفرض أن قبوله واجب" وهو الراوي الذي زكاه وسماه الثقة.
"ويمكن نصرة القول الأول" وهو عدم قبول تزكية المبهم "بأن الخبر عن التوثيق كالخبر عن التصحيح والتحليل والتحرير يمكن اختلاف أهل الديانة والأنصاف فيه" فلا بد من تعيين الراوي الموثق ولا يقبل توثيقه مبهما "بخلاف الأخبار المحضة" التي لا يتطرق إليها اختلاف باعتبار الديانة كأخبار زيد عن قيام عمرو وإذا كان التوثيق ليس من باب الأخبار المحضة "فلا يجوز للمجتهد التقليد في التوثيق المبهم على هذا وهو محل نظر والله أعلم".
واعلم أن في المسألة قولا ثالثا حكاه البرماوي قال وهو الصحيح المختار الذي قطع به إمام الحرمين وجريت عليه في النظم وحكاه ابن الصلاح عن اختيار بعض المحققين أنه إن كان القائل بذلك من أئمة هذا الشأن العارف بما يشترط هو وخصومه في العدل وقد ذكر في مقام الاحتجاج فيقبل.
وقول رابع وهو التفصيل فإن عرف من عادته إذا أطلق أه يعني به معينا وهو معروف بأنه ثقة فيقبل وإلا فلا حكاه البرماوي أيضا عن حكاية شارح اللمع عن صاحب الإرشاد والثالث قد أشار إليه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها.
فائدة: قول الراوي وأخبرني من لا أنهم كما يقع في كلام الشافعي رحمه الله كثيرا يكون دون أخبرني الثقة قال الذهبي لأنه نفى التهمة ولم يتعرض لإتقانه ولا يكون حجة ورجح غير الذهبي أنه مثل قوله أخبرني الثقة.

 

ج / 2 ص -113-        مسألة: 48 [في المجهول وأنواع الجهالة وأحكامها]
من علوم الحديث "الكلام في المجهول" أي الراوي الذي جهل عينا أو حالا والآخر قسمان "قال تعالى:
{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}".
قال في الكشاف أو لم يعرفوا محمدا وصحة نسبه وحلوله في سطة هاشم وأمانته وصدقه وشهادته عقله واتسامه بأنه خير فتيان قريش والخطبة التي خطبها أبو طالب في نكاحه خديجة بنت خويلد كفى برغائها مناديا انتهى.
"وفي هذا أشارة إلى ما في فطر العقول من الشك في خبر ما لا يعرف بما لا يوجب رجحان خبره" إذ الآية سيقت مساق الإنكار عليهم لا نكارهم له عليه والسلام لعدم معرفته ومعناه تقرير معرفتهم إياه وأنه لا وجه لا نكاره وليس المراد إنكار ذاته بل إنكارهم وسالته وإخباره عن الله سبحانه كما يرشد إليه العنوان بقوله رسولهم.
"وقد تكرر في كتاب الله تعالى ذم العمل بالظن" كما قال تعالى:
{إِنْ يَتَّبِعُونَ} [الأنعام: 116] {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً} [يونس: 36] {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [يونس: 36] {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت: 23].
"والظن في اللغة: الشك المستوي الطرفين" في القاموس الظن خلاف اليقين وهي عبارة قاضية أنه يطلق على المستوى الطريفين وعلى الظن الراجح إذ الكل خلاف اليقين "ويجب حمل الآيات" الدالة على ذم الظن "عليه" أي على مستوى الطرفين "جمعا بينها وبين الآيات التي تدل على حسن العمل بالظن الراجح".
قلت: إلا أنه لا يخفى أنه لا يتم حمملها عليه إلا بعد ثبوت أن الظن الراجح أحد ما يطلق عليه الظن لغة كما نقلناه عن القاموس وأما عبارة المصنف فهي قاضية أن الظن لغة منحصر في مستوى الطرفين فلا بد من تقدير يطلق على الشك أيضا إذ الآيات الدالة على حسن العمل بالظن كقوله:
{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]

 

ج / 2 ص -114-        فإنه لا يعلم الغائب عنه أنه شطره إلا بالظن ومثل قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] إذ ليس معهم إلا الظن أيمانهن وغيرها من الآيات "ويوضح ذلك" أي أن المذموم هو الظن بمعنى الشك "أنه وصف الذين ذمهم باتباع الظن بالأفك والخرص الذي هو تعمد الكذب" قال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116] فالوصف بالخرص دال على أنه ليس عندهم ظن راجح قلت: ويدل على استعماله لغة في الراجح قوله تعالى: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} فنفيهم اليقين دالى على أن عندهم ظنا راجحا ويحتمل الشك كما قدمناه عن القاموس.
"وأيضا فمن الظاهر الواضح" الراجح "أن اتباع الظن الراجح من أمارات الأنصاف" لأنه أخذ بالأرجح والأحوط "ومن اتبعه كان باتباع العلم أولى وأحرى ثم أن عبادة الحجارة ليست مظنونة ظنا رجحا فتأمل ذلك".
قلت: أما عند عبادها فالظاهر أنهم لم يعبدوها إلا وعندهم ظن راجح باستحقاقها العبادة وكأنه وجه أمره بالتأمل.
"وحكى الله عز وجل عن سليمان قوله في الهدهد:
{قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}" [النمل: 27] فإنه عليه الصلاة والسلام توقف في خبر الهدهد ولم يجزم بصدقه ولا كذبه لكونه مجهول الحال عند سليمان ولا يقال هذا من أحكام خطاب الطير فلا يستدل به هنا لأنا نقول فأشار المصنف إلى جوابه بقوله "هذا مع قوله تعالى: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}" [الأنعام: 38] بعد قوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} الآية فدلت على أن الأحكام واحدة للمماثلة فإنه ظاهر في أن المماثلة في التكليف لا في مجرد الحيوانية مثلا إذ هو معلوم ولأنه يشعر به قوله: { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] ولا يقال سلمنا أنهم أمثالنا في التكليف فإنه يشتطر إيمان المخبر ومن أين لنا أن الهدهد مؤمن لأنا نقول من قوله "وفي قصة الهدهد ما يدل على إيمانه حيث أنكر عليهم عبادة الشمس من دون الله" وأثبت الإلهية له تعلى بقوله في صفته: {الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النمل: 25] وأثثبت له العلم بكل شيء حيث قال: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] ووحدة وأثبت له العرش في قوله: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] فإن السياق قاض أنه من كلامه وهذه معاقد الإيمان وأمهات قواعد التوحيد.

 

ج / 2 ص -115-        "وفي الآية أيضا دليل على إعلال الحديث بالريبة" وذلك لتوقفه عليه الصلاة والسلام حتى يبحث فيعلم صدقه أو كذبه.
"وقد تقدم في أول المسألة إشارة إلى مذهب أئمة الزيدية في هذه المسألة وهي معروفة في كتبهم الأصولية وإنما تذكر هنا كلام المحدثين لعدم وجوده في غير هذا الفن ولمعرفة عرفهم إذا قالوا في بعض الرواة أنه مجهول" ولهم فيه تقاسيم لا تعرف إلا في هذا الفن وقد ألم بها المصنف رحمه الله "فنقول" أي إذا عرفت ما سقنا فنقول:
"قال المحدثون في قبول رواية المجهول خلاف وهو" أي المجهول "على ثلاثة أقسام مجهول العين ومجهول الحال ظاهرا وباطنا ومجهول الحال باطنا" فهذه ثلاثة أقسام:
الأول: وهو "مجهول العين و" حقيقته "هو من لم يرو عنه إلا راو واحد وفيه" أي في الحكم فيه خمسة "أقوال":
الأول: أن "الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم أنه لايقبل" ويأتي تحقيق الدليل عليه واختيار خلافه.
"والثاني: أنه يقبل مطلقا وهو قول من لم يشترط في الراوي غير الإسلام" زاد الزين واكتفى في التعديل بواحد ويأتي نصرة هذا القول.
"والثالث" التفصيل وهو "إن كان" الراوي "المنفرد بالرواية عنه لا يروى إلا عن عدول قبل مثل ابن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ومالك ومن ذكر بذلك" أي بأنه لا يروى إلا عن عدل "معهم وإلا لم يقبل".
"والرابع" تفصيل أيضا إلا أنه على غير الطريقة الأولى وهو أن الراوي "إن كان مشهورا في غير العلم بالزهد" ومثلوه بمالك بن دينار "أو النجدة" أي الغلبة ومثلوه بعمرو بن معدي كرب "قبل وإلا" يشتهر بشيء من ذلك "فلا" يقبل "وهو" أي هذا التفصيل الآخر "قول ابن عبد البر كما سيأتي".
"والخامس" تفصيل على غير الطريقين الأولين وهو أنه "إن زكاه" أي الذي لم يرو عنه إلا راو واحد "أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبل وإلا" يزيكه أحد "فلا" وإن روى عنه عدل "وهو اختيار أبي الحسن بن القطان في" كاتبه المسمى "بيان الوهم والإيهام قلت: و" القول:
"السادس: إن كان" مجهول العين "صحابيا قبل" لما يأتي من القول بأن الصحابة

 

ج / 2 ص -116-        كلهم عدول "وهو مذهب الفقهاء" أي الأربعة "وبعض المحدثين وشيوخ الاعتزال" كأنه عطف على المحدثين ال على بعض لما تقدم له من أن الجاحظ والنظام قدحا في جماعة من الصحابة وكذلك عمرو ابن عبيد كما ذكرناه "رواه عن المعتزلة ابن الحاجب في" مختصر "المنتهى واختاره الشيخ أبو الحسين" البصري المعتزلي "في" كتابه المسمى "المعتمد" في أصول الفقه بل يأتي أنه قائل بعدالة أهل ذلك العصر جميعا وإن لم يكن صحابيا "والحاكم" المعتزلي وهو المحسن بن كرامة "في" كتابه "شرح العيون وسوف يأتي بيان هذه المسألة على التفصيل عند ذكر الصحابة" سيأتي تحقيقها في أواخر هذا الكتاب وسيصرح المصنف أن عدالة المجهول من الصحابة إجماع أهل السنة والمعتزلة والزيدية.
"وقد عرفت أن حكاية المحدثين لهذا الخلاف" في قبول مجهول العين "يدل على أن مذهب جمهوهم أن من روى عنه عدل وعدله آخر غير الراوي فهو عندهم مجهول" فإن حقيقة المجهول حاصلة فيه وهي تفرد الراوي عنه بل ظاهر كلامهم في مجهول العين أنه لو زكاه جماعة وتفرد عنه راو لم يخرج عن جهالة العين لأنه جعل حقيقته من لم يرد عنه إلا راو واحد ولا حاجة إلى قوله "بل هو عندهم مجهول العين" إذا البحث في ذلك وإنما دل حكاية الخلاف على ذلك "لأنهم في علوم الحديث حكوا قبول من هذه صفته" وهي تفرد الراوي عنه والمزكي "اختيارا لأبي الحسن بن القطان فقط" كما سلف في القول الخامس.
"وهذا" أي الذي دل عليه كلام الجمهور "قول ضعيف فمن عرفه ثقة وعدله ثقة وروى عنه ثقة آخر" لا يخفى أن الكلام فيمن تفرد عنه ثقة ووثقه ثقة فزيادة المصنف وعرفه ثقة لم يتقدم شرطيته ولفظ المصنف في مختصره فإن سمى المجهول أو انفرد واحد عنه فمجهول العين والحق عند الأوصوليين أنه إلا وثقة ثقة الراوي أو غيره قبل خلافا لأكثر المحدثين والقول أي الصحيح قول الأصوليين انتهى "لا معنى لتسميته مجهولا" الذي في مختصره أيضا ووجه قول المحدثين أنهيتنزل أي المجهول العين الموثق منزلة التوثيق المبهم إذا كان اسم الرجل وعينه لم تثبت إلا من جهة من وثقة فكأنه قال حدثني الثقة وذلك غير مقبول عند أهل الحديث كما تقدم والمصنف قد جعل قبوله محل تردد هذا كلامه في توجيه ما ذهب إليه أئمة الحديث فكيف يقول هنا لا معنى لتسميته مجهولا.

 

ج / 2 ص -117-        وقوله "لأنهم" أي أئمة الحديث "لم يشترطوا العلم بعينه" أي الراوي "وبعدالته" قد طوى مقدمة الدليل وهي قوله لأنه أي التعديل من الثقة والرواية منه أو من غيره تفيد أن الظن بل التوثيق وحده يفيده وهو يجب العمل بالظن هنا لأنهم لم يشترطوا إلخ "ويوجبوا" عطف على لم يوجبوا "أن يبلغ المخبرون بها" أي العدالة "عدد التواتر" ليفيد العلم "ولو اشترطوا ذلك لم تساعدهم الأدلة عليه" فيكون شرطا بغير دليل فلا يلتفت إليه "فإن أخبار الآحاد ظنية" يحتمل أنه بريد أن أدلة العمل بها ظني أو أنها في دلالتها على الحكم الذي وردت فيه لا تفيد إلا ظن الحكم.
وقوله "واشتراط مقدمات علمية" وهي تواتر عدالة الراوي "في أمور ظنية" وهي أخبار الآحاد تفيد أنه يريد الوجه الأخير "غير مفيد" فلا يتم الاشتراط لأنها لا تحصل إلا الظن فأي فائدة لشرطية علمية المقدمات في ظني النتائج.
"بل الذي تقتضيه الأدلة أنه لو وثقه واحد ولم يرو عنه أحد أو روى عنه واحد ووثقه هو بنفسه لخرج عن حد الجهلة" وصار مظنون العدالة والعمل بالظن واجب "فقد نص أهل الحديث أن التعديل يثبت بخبر الواحد" كما تقدم إلا أنه يقال إن ذلك فيمن قد عرف اسمه وإسلامه من غير جهة المعدل والمفروض هنا أنهما لم يعرفا إلا من جهته في أحد التقادير وكلامهم هنا على تقدير انفراد الراوي عنه وأن يكون هو المعدل "هذا مع ما يعرض في التعديل من المصانعة والمحاباة" وقد قبلتموه مع هذا المعارض "فكيف" لا تقولون يرد إلى الجهالة العينية "بالأخبار" من العدل "بالوجود" لمن عدله أو روى عنه أو عدله وروى عنه فإن قول الثقة مثلا أخبرني زيد بن عمرو مثلا أو قال وهو ثقة أو وثقه غيره ولم تعلم رواية عن زيد هذا ولا عرف اسمه لوا توثيقه إلا من كلام الراوي هذا مثلا عنه فقد تضمن إخبارا بوجوده لكنه غير مراد للراوي وإنما هو لازم خبره وإخبارا بأنه ثقة فلم لا يقبل خبره بوجود ويقبل خبره بأنه ثقة فكيف هذا الصنيع هذا تقرير مراد المصنف.
ولعلهم يقولون إنا نقبل خبره بأنه ثقة إن عرفنا وجوده من غير طريق غيره لا أنا عرفناهما معا من طريقه فإنه بمثابة قوله أخبرني الثقة يكون تعديلا مبهما ولذا قال المصنف في مختصره عن الجماهير إذ لو اشتهر أي الذي تفرد بالرواية عنه والتوثيق واحد لأمكن القدح فيه انتهى فأن هذا مشعر بأن المانع عن قبول ما ذكر هو الإبهام المانع عن تنحقيق حاله لا إنكار وجوده وعدم قبول خبر العدل فيه فإنهم يقولون نحن

 

ج / 2 ص -118-        نقبل خبر العدل بانه موجود ونقبل خبره بأنه عدل عنده لكنا نريد معرفة عينه من طريق غيره وشهرته لتجويز وجود جارح فيه والحاصل أن هذه المسألة بعينها ملاقية لمسألة توثيق المبهم وبه تعرف ما في قوله "فلم يعهد من عدل أنه يحتاج إلى اختراص وجود معدوم" أي يكذب في خبره بأن المعدوم موجود "فإذا قبل واحد في توثيق الراوي وإسلامه فهو" أي الواحد "في القبول في وجوده أولى وأحرى" أي في قبولنا خبره بوجوده قد عرفت أنهم قابلون لخبره بوجوده كقبولهم لوجود الثقة إذا قال العدل أخبرني الثقة لكنهم يطالبون في غير ذلك كما عرفت.
واعلم أن المصنف أجاب عن الجمهور في مختصره بقوله والجواب أن الضرورة إذا ألجأت إلى التقليد جاز بناء الاجتهاد عليه كالتقليد في توثيق المعين وجرحه فإفاد كلامه أن جعل تفرد الراوي والموثق مزيلا للجهالة العينية ليس إلا من باب التقليد للضرورة وأن تعديل من ليس بمجهول العين وجرحه أيضا من باب التقليد والذي تقدم له أن قبول خبر العدل ليس من باب التقليد بل من باب الاجتهاد لقيام الدليل على وجوب قبول خبره والتزكية والجرح من باب الأخبار إذ مفاد قوله المزكي فلان عدل أي آت بالواجبات تارك للمقبحات محافظ المروءة وقوله جرحا هو فاسق لشربه الخمر مثلا الكل إخبار عدل يجب قبوله لقيام الأدلة على العمل بخبر العدل وليس تقليدا لو كما سلف للمصنف رحمه الله نظيره في قول العدل هذا الحديث صحيح فإنه قال إنه خبر عدل وإن قبوله ليس من التقليد وإن كان ناقض نفسه في محل آخر وقد قررنا الصحيح من كلاميه.
والحاصل أن الدليل قد قام على قبول خبر العدل إما عن فسه بأن يخبر بأنه ابن فلان أو أن هذه داره أو جاريته فهذا لا كلام في قبول خبره عنه بالضرورة الشرعية بل يقبل خبر الفاسق بذلك بل أبلغ من هذا أنه يجب قبول قول الكافر لا إله إلا الله ويحقن دمه وماله ونعامله معاملة أهل الإيمان لأخباره بالتوحيد وإن كان معتقدا لخلافه في نفس الأمر كالمنافق وإن كان خبره عن غيره كروايته للأخبار قبل أيضا وإن كان عن صفة غيره بأنه عدل أو فاسق قبل أيضا إذ الكل خبر عدل وقبول خبره ليس تقليدا له بل لما قام عليه من الدليل في قبول خبره هذا تقرير كلام أهل الأصول وغيرهم ولنا فيه بحث أشرنا إليه في أوائل حاشية ضوء النهار.
والمراد هنا معرفة ما في كلام المصنف من قوله إن الضرورة إذا ألجأت إلى التقليد

 

ج / 2 ص -119-        جاز بناء الاجتهاد عليه كالتقليد في توثيق المعين وجرحه فإنه قاض بأن كل من عمل بكلام العدول تزكية وجرحا فإنه مقلد ومعظم الاجتهاد على ذلك فهذا من المصنف كالرجوع إلى القول بانه قد انسد باب الاجتهاد في الأخبار لا نبنانه التقليد وهو خلاف ما ألف لأجله العواصم وغيرها من كتبه.
"وقد أشار ابن الصلاح إلى مثل ما ذكرته في أن ارتفاع الجهالة في التوثيق بالواحد تقتضي أن ترتفع جهالة العين بالواحد" قد عرفت ما فيه فإنهم يقولون مجهول العين من لم يعرفه العلماء ولم يعرف حديثه إلا من جهة واحدة وقبولهم توثيق الواحد إنما هو فيمن عرفت عينه وجهلت عدالته.
"ولم يردوا عليه ذلك بحجة وإنما ردوا عليه بكون ذلك عرف المحدثين وقد نص جماعة من كبار المحدثين على هذا العرف منهم" أبو بكر "الخطيب" سيأتي لفظه قريبا "ومحمد ابن يحيى الذهلي" كان لأحسن تقديمه على الخطيب كما فعله الزين لأنه السابق بهذه فإنه قال إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة.
"وحكاه الحاكم عن البخاري ومسلم" لكن رد ابن الصلاح ذلك فقال قد خرج البخاري في صحيحه عن مرداس الأسلمي ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم ومسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي ولم يرو عنه غير أبي سلمة وذلك مصير منهما إلى خروجه عن هذه الجهالة برواية واحد انتهى فدل على خلاف ما حكاه الحاكم عن الشيخين.
وقد تعقب الشيخ محي الدين النووي كلام ابن الصلاح فقال الصواب ما ذكره الخطيب فهو لم يقله عن اجتهاده بل نقله عن أهل الحديث ورد الشيخ عليه بما ذكره عجب لأنه شرط في المجهول أن لا يعرفه العلماء وهذان معروفان عند أهل العلم بل مشهوران فمردس من أهل بيعة الرضوان وربيعة من أهل الصفة والصحابة كلهم عدول فلا تضر الجهالة بأعيانهم لو ثبت وأجيب عنه بأن هذا مسلم في حق الصاحبة والكلام أعم.
"وذكر الذهبي ما يقتضي ذلك" من عدم ارتفاع الجهالة في رواية الواحد "فقال زينب بنت كعب بن عجرة مجهولة لم يرو عنها غير واحد" وصف كاشف لقوله مجهولة إذا عرفت هذا "فعلى هذا لا يكون قولهم في الراوي إنه مجهول جرحا صحيحا" الأحسن صريحا "عند مخالفيهم" أن نقول بأن رواية لواحد تزيل الجهالة "بل

 

ج / 2 ص -120-        نقف حتى نبحث" فعلى هذا يكون من الجرح المطلق ولذا قلنا الأحسن أن يقول صريحا إلا أنه غير خاف عليك أن القدح بجهالة العين معناها أنه لم برو عن إلا واحد ممن يكتفي به في إزالة جهالة العين لتوقفه بل نقبله إذ قد ثبتت عدالته من جهة هذا الواحد الراوي عنه أو غيره وكأنه يرد أنه يقف حتى يعرف عدالته إذا لم يكن قد عرفها.
"ويكون هذا من جملة عبارات الجرح التي توجب الوقف وإن لم يكن جرحا في الرجل فهو قدح في قبول روايته" أي موجب للتوقف فيها.
"وقال" أبو بكر "الخطيب" في الكفاية في تعريف "المجهول عند أصحاب الحديث كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد وقال الخطيب أقل ما ترفع به الجهالة أن يروي عنه اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم إلا أنه يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه" وإن انتفت عنه الجهالة "قلت: فزاد الخطيب في التعريف لعرفهم أمرين لا دليل عليهما أحدهما اشتهار المجهول بطلب العلم ومعرفة العلماء لذلك منه وثانيهما أن يكون الراويان عنه من المشهورين بالعلم" في قوله "في أقل ما ترتفع به الجهالة فهذا" أي ما زاده الخطيب "يزيدك بصيرة في عدم قبول حكمهم بجهالة الراوي" فلا يقبل قولهم هذا مجهول العين لأنهم تعنتوا في حقيقته وأتوا بشرائط غير صحيحة لعدم الدليل عليها.
"لأن العلم على الصحيح ليس من شروط الراوي" لأنه من قبل العلماء رواية من ليس من العلماء كأعراب الصحابة رضي الله عنهم "ولو كان" العلم "شرطا فيه لم يقبل كثير من الصحابة والأعراب" لا يقال الصحبة كافية في القبول لأنا نقول قد شرطتم العلم في الراوي "فلم تكن الصحبة لمجردها تفيد العلم وقد ثبت أن ذلك" أي العلم "لا يشترط في الشهادة وهي آكد من الرواية فإذا لم تشترط في الراوي فأولى أن لا تشترط فيمن روى عنه" أو من روى عنه راو أيضا.
"القسم الثاني" من أقسام المجهول "مجهول الحال في العدالة في الظاهر والباطن مع كونه معروف العين" برواية عدلين عنه "وفيه" أي في قبوله ثلاثة: "أقوال":
"الأول: أنه لا يقبل حكاه ابن الصلاح وزين الدين" ناسبا له إلى ابن الصلاح "عن الجماهير" وذلك لأن تحقق العدالة في الراوي شرط ومن جهلت عدالته لا تقبل روايته.

 

ج / 2 ص -121-        "والثاني: يقبل" مجهول عدالة الباطن والظاهر "مطلقا" من غير تفصيل "وإن لم تقبل رواية مجهول العين" لأن معرفة عينه هنا أغنت عن معرفة عدالته.
"والثالث" التفصيل وهو أنه "إن كان الراويان عنه" اللذان بهما عرفت عينه "لا يرويان إلا عن عدل قبل وإلا فلا" هكذا سرد هذه الأقوال ابن الصلاح ونقلها عنه زين الدين ولم يذكرا دليلا عنهم كما فعله المصنف.
"القسم الثالث" من أقسام المجهول "مجهول العدالة الباطنة" والعدالة الباطنة عندهم هي ما يرجع إلى تزكية المزكين كما يأتي "هو عدل في الظاهر فهذا يحتج به بعض من رد القسمين الأولين وبه قطع الإمام سليم بن أيوب الرازي قال" في دليل القطع به "لأن الأخبار مبنية على حسن الظن بالراوي ولأن رواية الأخبار قد تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن وتفارق" الرواية "الشهادة فإنهما تكون عند الحكام ولا يتعذر عليهم ذلك" أي معرفة العدالة الباطنة لأنهم يطلبون التزكية فإن وجدت عملوا "فاعتبرت فيها العدالة في الظاهر والباطن قال ابن الصلاح: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة عن غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم".
اعلم أنهم شرطوا في الراوي كونه عدلا ثم رسموا العدالة بالتقوى وهي الإتيان بالواجبات واجتناب المقبحات مع عدم ملابسة بدعة ثم قالوا يكتفي تعديل الثقة لغيره بقوله عدل أو ثقة مثلا ومعناه إخباره أنه علم منه إتيانه بالواجبات واجتنابه المقبحات وعدم ملابسته لبدعة وهذا الخبر مستند إلى مشاهدته لفعله وتركه وهذه المشاهدة أمر ظاهر وأما معرفة باطنة فلا يعلمها إلا الله فالمزكي غايته كالمعدل بلا زيادة فشرط العدالة الباطنة شرط لا دليل عليه وإن أريد أن الخبرة تدل عليها فالخبرة لا بدمنها في المعدل أيضا ثم رأيت المصنف قد ثتبه لهذا آخرا ولله الحمد ولعلهم لما سموا العدالة عن غير تزكية عدالة ظاهرة سموا ما كان عن تزكية عدالة باطنة تسامحا وللتفرقة بين الأمرين والله أعلم.
"وأطلق الشافعي كلامه في اختلاف الحديث أنه لا يحتج بالمجهول وحكاه البيهقي عنه في المدخل" قلت ولفظ الشافعي في كتاب اختلاف الحديث والظاهر في المجهول هو من لا تعرف عدالته عن خبرة أو عينه كما يدل له قوله ونقل الروياني عن نص الشافعي في اليأم أنه لو حضر العقد رجلان مسلمان ولا يعرف حالهما من

 

ج / 2 ص -122-        الفسق والعدالة انعقد النكاح بهما أي بشهادتهما "في الظاهر" وليس الخطاب إلا في انعقاده فيه "لأن ظاهر المسلمين العدالة" فالمسلمون عدول وهي عدالة يشهد بها إسلامهم وهذا يوافق من يقول الأصل في المسلمين العدالة وقوله الأول يخالفه وكثيرا ما يأتي له في المسألة قولان وهذا منها.
"ذكره" الروياتي "في البحر نقل ذلك" عن الروياتي "زين الدين ولما ذكر اين الصلاح هذا القسم الأخير" وهو من عرفت عدالته ظاهرا لا باطنا "قال وهو المستور فقد قال بعض أئمتنا المستور من يكون عدلا في الظاهر ولا تعرف عدالته باطنا انتهى" كلام ابن الصلاح "قال الزين" بعد نقله لكلام ابن الصلاح "وهذا الذي نقل كلامه آخرا هو البغوي وتبعه عليه الرافعي وحكى الرافعي في الصوم وجهين في قبول رواية المستور من غير ترجيح وقال النووي في شرح المهذب إن الأصح قبول روايته قال الزين كلام الرافعي في الصوم أن العدالة الباطنة هي التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين" قد قدمنا لك أن التعديل والتزكية إنما مدارهما على الخبرة الظاهرة.
"قلت: ظاهر المذهب" أي مذهب الزيدية "قبول هذا المسمى عندهم بالمستور بل قد نص على قبوله وسماه بهذه التسمية الشيخ أحمد في الجوهرة" كما تقدم "ولم أعلم أن أحدا من الشارحين اعترضه والأدلة" في قبول خبر الآحاد "تناوله سواء رجعنا إلى" دليل "العقل وهوالحكم بالراجح لأن صدقه راجح" من حيث عدالته الظاهرة "أو" رجعنا "إلى" دليل "السمع وهو قبول النبي صلى الله عليه وسلم لمن هو كذلك" أي معروف العدالة الظاهرة مجهول الباطنة "كالأعرابيين في الشهادة بالفطر من رمضان" يأتي تخريج حديثهما في آخر الكتاب وقد وسع المصنف الاستدلال للمسألة في الروض الباسم وساق ثمانية أخبار وتأتي المسألة آخر الكتاب "والأعرابي بالشهادة بالصوم في أوله وسيأتي طرق هذين الحديثين" في آخر الكتاب عند ذكر عدالة الصحابة وهذا أوسع دائرة مما اختاره سليم الراوي فإنه إنما اختار ذلك في الأخبار دون الشهادة كما عرفت.
"ومما يدل على ذلك إرساله صلى الله عليه وسلم رسله كمعاذ وأبي موسى إلى اليمن وهما عند أهل الين مستوران وإن كانا عند من يخصهما في أرضهما مخبورين" لا يخفى أنه يريد الاستدلال بقبول أهل اليمن لأخبارهما مستوران عندهم وبأنه قد عرف صلى الله عليه وسلم ذلك فكان تقريرا منه ولكنه يقال أهل اليمن الذين يقبلون أخبارهما أحد رجلين إما كافر فلا يعتبر قبوله ولا عدمه وإما مؤمن وهو يقبل أخبارهما عن الشرائع.

 

ج / 2 ص -123-        والمؤمن يعلم أنه لا يرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبعث بالشرائع من يبلغها عنه إلا وهو ثقة عدل فأحسن من هذا في الاستدلال قوله "أو رجعنا إلى إجماع الصحابة فقد حكى الشيخ أو الحسين وغيره قبولهم لأحاديث الأعراب" من المسلمينن "أو رجعت إلى أهل البيت عليهم السلام فقد روى المنصور بالله رضى الله عنه والسيد أبو طالب وأهل الحديث عن علي عليه السلام أنه كان إذا اتهم الراوي استحلفه فإذا حلف له قبله" وهذا يدل على أنه لم يعرف عدالته الباطنة قلت: ولا الظاهرة إذا لو علمها لما اتهمه كما يدل له قوله أنه حكى أبو الحسين إجماع الصحابة على قبول من عرفت عدالته الظاهرة وعلي عليه السلام رأس الصحابة.
"وهذا هو الغالب من مذاهب العترة والمعتزلة أهل الأصول" إلا أنه يقال إذا كان كذلك فلا وجه لاشتراط التزكية والتعديل للراوي عندهم "وذكر محمد بن منصور" المرادي "صاحب كتاب علوم آل محمد أنه يرى قبول المجاهيل ذكر ذلك في كتابه المسمى بالعلوم" قلت: هذا مذهب له ولا ينازع في مذهبه.
"وقول المحدثين إنه لا بد من معرفة العدالة الباطنة مشكل إما لفظا فقط أو لفظا ومعنى فإن أرادوا ما نص عليه الرافعي من أنهم عنوا بذلك من رجع في عدالته إلى أقوال المزكين أشكل عليهم ذلك لفظ لأن هذا المعنى صحيح ونحن نقول به ولكن هذه العبارة" أي قبولهم عدالته الباطنة "ركيكة موهمة أنه لا بد من معرفة باطن الراوي وتعديل المزكين لا يوصل إلى ذلك لأن المزكي إنما عرف الظاهر" كما قررناه آنفا "ثم أخبرنا به فقلدناه فيه فيه" ما تقدم "فكيف لا تحكم بالعدالة الباطنة إذا عرفنا ما عرف المزكي من غير واسطة خبره وتقليده" كما زعم القائل بذلك "وإذا عرف ذلك وجهلناه ثم أخبرنا به وقلدناه حصلت العدالة الباطنة" كما قالوه.
"فإن قالوا المراد بالعدالة الباطنة ما كان عن خبرة" وهي التي تحصل للعدل والمزكي "وبالظاهرة ما كان بمجرد الإسلام قلن من لم يعرف بغير مجرد الأسلام فقد تقدم في القسمين الأولين من أقسام المجاهيل وهذا قسم ثالث قد ارتفع عنهما ولا يرتفع عنهما إلا بخبرة" لا يتم أن المراد بالعدالة الظاهرة ما كان بمجرد الإسلام.
"فإن قالوا" ليست "العدالة الظاهرة" مما عرفت بمجرد الإسلام بل "ما تعرف بخبرة يسيرة توصل إلى مطلق الظن والباطنة ما عرف بخبرة كثيرة توصل إلى الظن المقارب" للعلم "وسموا الظن المقارب للعلم علما" لا أدري أي حاجة إلى زيادة هذا فإنهم لم

 

ج / 2 ص -124-        يشترطوا العلم بالعدالة الباطنة بل قالوا لا بد من معرفة العدالة الباطنة ومعرفتها أعم من أن تكون بعلم أو ظن "دون مطلق الظن تخصيصا له بما هو أولى به" فإن الظن المقارب هو الفرد الكامل من الظنون ويسمى علما "فإن مطلق الظن قد يسمى علما فكيف بأقواه قلنا الظن في القرة لا ينقسم إلى قسمين فقط" كما أفادة كلامكم بل ينتهي إلى شيء معين "ولا يقف على مقدار ولا يمكن التعبير عن جميع مراد به بالعبارة" وأيضا فإنهم يختلفون في الظنون اختلافا كثيرا.
"ومعرفة المزكي لكون ظنه مقاربا أو مطلقا أو وسطا بين المطلق والمقارب دقيقة عويصة" فإنها أمور وجدانيه "وأكثر المزكين لم يعرف معاني هذه العبارات بل ولا سمعها" فكيف يكلف بها "وهي مولدة اصطلاحية" لم تأت عن الشارع ولا عن أهل اللغة "ولو كلف كل مزك أن يزكي على هذا الوجه" أي تزكية صادرة عن الظن المقارب "لم يفعل أو لم يعرف ولم تزل التزكية مقبولة من قبل حدوث هذه الاصطلاحات" فكيف تناط أمور شرعية بهذه الاصطلاحات الحادثة العرفية "والعدالة حكم منضبط يضطر إليها العامة" أي عامة الناس "في الشهادة في الحقوق والنكاح ورواية الأخبار وقبول الفتوى من المفتي وصحة قصاء القاضي" ومعنى اضطرارهم إليها أنهم يحتاجون إلى العدول في هذه الأمور التي تعم بها البلوي ولا بد أهم عارفون بمعناها باعتبار ما يظهر لهم.
"قتعليقها بأمر خفي غير منضبط" وهوالظن المقارب "بغير نص يدل على ذلك" التعليق "ولا عقل يحكم به غير مرضى" فإنه لا يعلق حكم بأمر إلا بدليل يدل عليه وإلا كان تحكما "بل" نقول "مطلق الخبرة المفيدة للظن" مطلقا "كافية وتزكية المزكي لا تفيد غير ذلك" أي الظن المطلق "إلا أن يكون المزكي من أهل هذا العرف" فلا يزكي إلا عن ظن مقارب "فإن قلنا مثل ذلك شرطنا في المزكي أن يقول بمثل مقالتهم هذه وهذا" شرط "بعيد" غير معروف عند الأصليين وغيرهم هذا تقرير إشكال عباراتهم لفظا.
"وأما الوجه الثاني وهو اختلال عباراتهم لفظا ومعنى فذلك" أي بيان إشكالها "إن أرادوا أنها على ظاهرها ولم يتأولوها بالتجوز وذلك" أي حمل كلامهم على الحقيقة "أن يقولوا" في اسم "العدالة الظاهرة هي ماعرف بالخبرة الموجبة للظن و" أن يقولوا في اسم العدالة الباطنة "العدالة في الباطن والظاهر" زاده استطرادا "هي العدالة المعلومة بالقرائن الضرورية مثل عدلة المشاهير المتواترة عدالتهم مثل العشرة من الصحابة" الذين

 

ج / 2 ص -125-        جمعهم المصنف في قوله شعرا:

للمصطفى خبر صحب نص أنهم                      في جنة الخلد نصا زادهم شرفا

هم طلحة وابن عوف والزبير مع                       أبي عبيدة والسعدان والخلفا

"وعمار بن ياسر" الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه مليء إيمانا "وسلمان الفارسي" الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم "سلمان منا"1 "وأبي ذر" الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصدق من بينهما "وأمثالهم من أهل ذلك الصدر" أي عصر الصحابة ولا يخفى أن المحدثين قائلون أن الصحابة مطلقا ليس فيهم مستور وقد تقدم الرد على ابن الصلاح من النووي حيث زعم أن مرداسا وربيعة بن كعب الأسلمي مجهولان ما عرفته قريبا نعم يتجه التمثيل بقوله "ومثل زين العابدين" وهو علي ابن الحسين "وسعيد بن المسيب من التابعين والحسن البصري وأمثالهم ومثل إبراهيم بن أدهم من المتعبدين ومثل القاسم" بن ابراهيم الرسي "و" يحيى بن الحسين "الهادي" حفيده "من الأئمه الهادين فلهم" أى شارطى العدالة الباطنة "أن يقولوا عدالة هؤلاء معلومة ظاهرا وباطنا وليس ذلك" أي معرفة الغدالة الباطنه "من قبيل علم الغيب بل من قبيل العلم الصادر عن القرائن فانا نعلم أن القاسم رضي الله عنه لم يكن في الباطن منافقا بل" نجد "اعتقادنا جازما بصحة إسلامه" الأولى إيمانه "وفضله" ولما كان الجزم بعلم ما في الاعنقاد باطنا مستعبدا إذ لا يحصل إلا بأخبار من الله تعالى كما قال تعالى في عمار {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} أشار المصنف بأنه "قد قال أهل العلم بمثل هذا في خبر الواحد إذا انضمت إليه القرائن مثل الخبر" الآحادي "بموت ولد رجل كبير مع بكاء ذلك الرجل بين الناس واستقامته لمن يعزيه وبكاء النسوان في بيته واجتماع الناس للتعزية إليه وظهور الجنازة ونحو ذلك" فإن هذا خبر آحادي وقد أفاد العلم بموت ولد الرجل للقرائن المحتفة به "وكبار الأئمة والعلماء قد أخبروا عن أنفسهم بالعدالة" كقول بعضهم إنه ما عصى الله منذ عرف يمينه من شماله "وظهر عليهم من القرائن" بصحة إخبارهم "ما يوجب علم ذلك" أي علمنا به هذا تقرير مراده إن أرادوه "فالجواب عليهم أن هذا يحتل عليهم من وجهين":
"أحدهما: أن الناس مختلفون في صحة هذا" فليست المسألة اتفاقية كما يعرف من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الطبراني 6/261, والحاكم 3/598, ودلائل النبوة 3/418.

 

ج / 2 ص -126-        أصول الفقه "وإن صح فهو علم ضروري غير مستمر لكل أحد" بل قد يحصل لناس دون ناس "ولذا وقع فيه الخلاف والتعبد بخبر الواحد يشمل الجميع" أي جميع المكلفين ممن يحصل له هذا العلم الضروري وهم الأقل وغيرهم وهم الأكثر "وهذا" القول "يؤدي إلى اشتراط أن يخلق الله العلم الضروري بعدالة الراوي في الباطنة وهذا خلاف الإجماع.
"وثانيهما" أي وجهي الجواب "أن العدالة في الراوي تشتمل على أمرين":
"أحدهما في الديانة التي تفيد مجرد صدقه وأنه لا يتعمد الكذب" أما هذا فمحل النزاع كما لا يخفى.
"وثانيهما في الحفظ ولئن سلم لهم ذلك في الديانة فلا يصح العلم الضروري أن الراوي لم يخط في روايته من غير عمد ولا قائل بذلك" يتأمل في هذا "على أن البالغين إلى هذه المرتبة الشريفة هم الأقلون عددا ولو اشترط ذلك أهل الحديث لم تتفق لهم سلامة إسناد غالبا" إذ ليس كل حديث يكون رجاله من ذلك الطبقة العالية.
"وقد نص مسلم" في أول صحيحه "على أنا لا تجد الحديث الصحيح عند مثل مالك وشعبة والنوري" الذي لا خلاف في إمامتهم ديانة وحفظا وإذا لم نجد مثلهم "فلا بد من النزول إلى مثل ليث ابن أبي سليم وعطاء بن السائب" وهم من طبقة غير تلك الطبقة في الأمرين إذا عرفت هذا "فكن على حذر من تضعيف من يرى رد أهل العدالة الظاهرة لكثير من الرواة وتفظن لذلك في كتب الجرح والتعديل" فإنهم يردون كثيرا بجهالة باطنة ويسمونه مستوارا "والله أعلم".
* * *

 

ج / 2 ص -127-        مسألة: 49 [في قبول رواية الفساق المتأولين]
من علوم الحديث "الكلام في قبول أهل التأويل" من كفاره وفساقه وغيرهم وردهم "الظاهر من مذهب أئمة الزيدية قبول المتأولين على خلاف يسير وقع في ذلك" ولفظه في الروض الباسم الظاهر من مذهب الزيدية قبول أهل التأويل مطلقا كفارهم وفساقهم وادعوا على ذلك إجماع الصحابة وذلك في كتب الزيدية طاهر لا يدفع ومكشوف لا يتقنع.
"قال الأمير علي بن الحسين في كتاب اللمع حكاية عن المؤيد بالله في كفار أهل التأويل ما لفظه فعلى هذا شهادتهم جائزة عند أصحابنا انتهى وهذا اللفظ" يعني لفظ أصحابنا "يقتضي العموم" لأنه من صيغ العموم "ذكره غير واحد من أهل العلم" أي من أن النكرة إذا أضيفت اقتضت العموم.
"وقد خالف في ذلك" أي في قبول كفارة التأويل "السيد الإمام أبو طالب وروى الخلاف فيه عن الناصر رضى الله عنه على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى وقد ذكرت هذه المسألة في كتاب العواصم" في الجزء الأول منه "واستوفيت الأدلة وما يرد عليها".
وعقد أيضا فصلا لقبول فساق التأويل وذكر خمسا وثلاثين حجة على قبولهم منها آيات قرآنية نحو قوله:
{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] الآية وأطلق أهل الذكر فدل على قبول خبر من كان من أهله ولو كان فاسق تأويل وهي الحجة الخامسة عشرة فيما عده والسادسة عشرة قوله تعالى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] وقوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً} [البقرة: 38] وهذا عام لكل ما جاء عن الله سواء كان في القرآن أو على لسان رسوله وحديث المتأولين مما جاء عن الله وعن رسوله الحجة السابعة عشرة قوله: {وَقَالُوا لَوْ

 

ج / 2 ص -128-        كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] ذمهم الله تعالى بعدم الإستماع وهو مطلق في كل ما جاء عن الله من معلوم ومظنون فخرج المجمع على رده وبقي المختلف فيه إلا ما خصه دليل ثم ساق في العواصم من الآيات الدالة بعمومها على قبول أخبار المتأولين ومن الأحاديث مافيه مقنع للناظر وسكون القلب لقبول أخبارهم للمناظر فلا نطيل فقد أطال وأطاب وخرج من الإيجاز إلى الإطناب ووشحه بفوائد لا توجد إلا فيه ولم تخرج إلا من فيه جزاه الله خيرا.
"ونقلت: ألفاظ أهل المذهب بنصها من كتب كثيرة" قال في العواصم إن السيد يريد شيخه علي بن محمد بن أبي القاسم الذي جعل العواصم جوابا على رسالته لم يذكر عن أحد من العشرة أنه يقبل خبر المتأولين إلا عن المؤيد بالله كأنه لا يعرف هذا القول منسوبا إلى غيره وما هذا علم المتصف ثم ذكر ما أشار إليه قريبا عن اللمع الذي لا يزال السيد بالتدريس فيه مشتغلا وفيه ما لفظه والأظهر عند أصحابنا أن شهادته جائزة ثم نقل كلام القاضي حسن النحوى والفقيه على الوشلي وغيرهما مما يلاقي ما نقله عن اللمع وأطال في ذلك.
"وأنا أشير هنا إلى نكت كافية إن شاء الله تعالى فأقول المتأولون أقسام":
"الأول: من لا يكفر ولا يفسق ببدعته". أي المتأول الذي لا يكفر ولا يفسق ببدعته "كالمعتزلة عند الزيدية" لأنهم عندهم مبتدعون متأولون.
"قال القاضي شرف الدين حسن بن محمد النحوي رحمه الله في تذكرته" في فقه الزيدية "إن المخالف في الإرجاء" أي القائل به وهو القائل بأنها لا تضر مع الإيمان معصية "كذلك لا يكفر ولا يفسق وكذلك القاضي فخر الدين عبد الله ابن حسن الداوري ذكر أنه لا يكفر ولا يفسق وكذلك الحاكم" المحسن اب كرامة الجشمي "في شرح العيون وذكر الفقيه حميد" المعروف بالشهيد "في عمدة المسترشدين معنى ذلك وذكر الحاكم في شرح العيون والفقيه حميد في العمدة والقاضي" عبد الله الدواري "في تعليق الخلاصة أن المرجئة صنفان عدلية وغير عدلية وقال الحاكم في الشرح في فصل عقده فيما أجمع عليه أهل التوحيد والعدل إن اسم الاعتزال صار في العرف لمن يقول بنفي التشبيه والجبر وافق في الوعيد أو خالف وافق مسائل الأمامة أو خالف وكذا في فروع الكلام ولذا تجد الخلاف بين الشيخين" أبي علي وأبي هاشم "والبصرية والبغدادية" من المعتزلة "يؤيد الخلاف بينهم وبين سائر المخالفين.

 

ج / 2 ص -129-        انتهى بلفظه وإنما لم يفسق من خالف في الأمامة" كالمعتزلة فإنهم فساق تأويل عند الهدوية بمخالفتهم في الإمامة والأرجاء وقدمنا لك أنه القول بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
قال المصنف إن الإرجاء ليس بكفر ولا فسق عند أهل المذهب نص عليه القاضي شرف الدين في تذكرته والحاكم في شرح العيون وقال الشيخ مختار في المجتبئ ما لفظه لم يكفر شيوخنا المرجئة لأنهم يوافقونهم في جميع قواعد الإسلام لكنهم قالوا عنى الله بآيات الوعيد الكفرة دون بعض الفسقة أو التخويف دون التحقيق وأنه ليس بكفر انتهى "والأعواض وتفضيل الملائكة" على الأنبياء "وسائر فروع الكلام لأن الأدلة السمعية القاطعة لم ترد بذلك" ولا دليل إلا السمع على ذلكظ.
"وقد بينت ذلك في العواصم" وأنه لا تفسيق إلا بقاطع والعقل لا مدخل له هنا والسمع لم يرد فيه دليل على تفسيق من ذكر.
"القسم الثاني" من أقسام المتأولين "من فسق بتأويله ولم يكفر وقد روى الإجماع على قبوله من طرق كثيرة ثابتة عن جلة من الأئمة والعلماء تذكر منها" أي من طرق رواية الإجماع على ذلك "عشر طرق" وزاد في العواصم الحاية عشرة والثانية عشرة إلا أنه قد دخلها فيما سرده هنا.
"أحدها" وهو الأولى "طريق الإمام المنصور بالله" عبد الله بن حمزة "فإنه ادعى الإجماع على ذلك" أي على قبول رواية فساق التأويل "في كتابيه" الأول الذي ألفه في أصول الفقه وسماه "صفوة الإختيار و" الثاني كتابه في الفقه الذي سماه "المهذب ولكن في الصفوة بالنص الصريح الاحتجاج الصحيح" فإنه قال فيه بعد ذكر خبر الفاسق حكى شيخنا الحسن بن محمد عن الفقهاء بأسرهم والقاضي وأبي رشيد أنه يقبل إلى أن قال وهوالذي تختاره والذي يدل على صحته إجماع الصحابة على قبوله وإجماعهم حجة على ما يأتي بيانه "وفي المهذب ما يقتضي مثل ذلك" فإنه قال فيه ما لفظه وقد ذكر أهل التحصيل من العلماء جواز قبول أخبار المخالفين في الاعتقادات وروى عنهم المحققون بغير منا كرة ذكره في كتاب الشهادات محتجا به على قبول شهادتهم قال في العواصم:
والدليل على أنه ادعى الإجماع في المقام من وجه أولها وهو أقواها أنه احتج

 

ج / 2 ص -130-        على جواز الشهادة بالقياس على الأخبار ولم يحتج على قبولهم الأخبار قال لأن الأخبار نوع من الشهادة ويجرى مجرها في بعض الأحكام فاحتج بأن المحصلين ذهبوا إلى ذلك بغير منا كرة وأراد بالمحصلين العلماء وأنه لم يناكر الآخرن ولفظه صالح لإفادة دعوى الإجماع في اللغة من غير تعسف الطريق.
"الثانية طريق الإمام يحيى بن حمزة ذكره في الانتصار في كتاب الأذان مرة" فإنه قال وأما كفار التأويل وهم المجبرة والمشبهة والروافض والخوارج فقد اختلف أهل القبلة في كفرهم والمختار أنهم ليسوا بكفار لأن الأدلة في كفرهم تحتمل احتمالات كثيرة وعلى الجملة من حكم بكفرهم أو إسلامهم قضى بصحة أذانهم وقبول أخبارهم وشهادتهم وقال في كتاب المعيار ما لفظه إن الإجماع منعقد على قبول رواية الخوارج مع ظهور فسقهم وتأويلهم قلت: ما خلا الخطابية هكذا كلامه في كتاب المعيار "وفي كتاب الشهادات مرة ثانية" فإنه قال ومن كفر المجبرة المشبهة قبل أخبارهم وأجاز شهادتهم على المسلمين وعلى بعضهم وناكحوهم وقبروهم في مقابر المسلمين وتوارثوا هم والمسلمين.
"الطريق الثالثة طريق القاضي زيد ذكرها في كتاب الشهادات من شرحه المعروف ورواها عنه الأمير الحسين في التقرير" فإنه قال فيه ما لفظه وفي الوافي لا بأس بشهادات أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقة بتصديقه وقبول يمينه تخريجا قال القاضس زيد وذلك لأن الإجماع قد حصل على قبول خبرهم فجاز أن تقبل شهادتهم هكذا كلام القاضي زيد قال في العواصم بعد نقله وكلام زيد يعم الكفار والفساق.
"الرابع" من طرق رواية الإجماع "طريق الفقيه عبد الله بن زيد ذكرها في الدرر المنظومة" فإنه قال عند ذكره كافر التأويل وفاسقه والمختار أنه يقبل خبرهما متى كانا عدلين في مذهبهما إلى أن قال والذي يدل على صحة مذهبنا أن الصحابة أجمعت على ذلك وإجماعهم حجة.
"الخامس طريق الأمير الحسين بن محمد ذكرها في كتاب شفاء الأوام" في كتاب الوصايا في باب ما يجوز من الوصية ومالا يجوز فإنه قال فأما الفاسق من جهة التأويل فلسنا نبطل شهادته في النكاح ونقبل خبره الذي نجعله أصلا للأحكام الشرعية بإجماع الصحابة على قبول أخبار البغاة على أمير المؤمنين عليه السلام

 

ج / 2 ص -131-        وبإجماعهم حجة.
"السادس: طريق الشيخ أبي الحسين محمد بن علي البصري ذكرها في كتاب المعتمد" فإن قال وعند جل الفقهاء أن الفسق في الاعتقادات لا يمنع من قبول الحديث لأن من تقدم في قبل بعضهم حديث بعض بعد الفرقة وقبل التابعون رواية الفريقين من السلف.
"السابع" من طريق رواية الإجماع "طريق الحاكم أبي سعيد المحسن بن محمد ابن كرامة ذكرها في شرح العيون" فإنه قال فيه ما لفظه الفاسق من جهة التأويل يقبل خبره عند جماعة الفقهاء وهو قول أبي القاسم البلحي وقاضي القضاة ابن رشيد ووجهه ما قاله الفقهاء إجماع الصحابة والتابعين لأن الفتنة وقعت وهم متوافرون وبعضهم يحدث عن بعض مع كونهم فرقا أو أحزابا من غير نكير.
الطريق "الثامنة والتاسعة طريق الشيخ أبي محمد الحسن بن محمد بن الحسن الرصاص وحفيده والشيخ أحمد بن محمد بن الحسن ذكرها حفيده في الجوهرة لنفسه" فإنه قال فيها ما لفظه واختلف في قبول الفاسق من جهة التأويل فذهب الفقهاء بأسرهم إلى أنه يقبل خبرهه إلى أن قال ووجه ما قاله الفقهاء إجماع الصحابة على قبول خبر فاسق التأويل فإن الفتنة لما وقعت في الصحابة ودارت رحااها وشبت لظاها كان بعضهم يحدث عن بعض ويسند الرجل إلى من يخالفه كما يسند إلى من يوافقه من غير نكير من بعضهم على بعض في ذلك فكان إجماعا انتهى "و" ذكرها "في" كتاب "غرر الحقائق" عن مسائل الفائق "وعن جده" الحسن بن محمد بن الحسن فإنه قال حكى رضي الله عنه قبوله عن الفقهاء إلى قوله ووجه القول الأول أي القول بالقبول إجماع الصحابة وساق في ذلك نحو ما ذكره قريبا.
الطريق "العاشر طريق ابن الحاجب ذكرها في المنتهى" فإنه قال في الاستدلال للقابل خبر الفاسق المتأول ما لفظه قالوا أجمعوا على قبول خبر قاله عثمان رضي الله عنه.
"فهذه الطرق تقوي صحة الإجماع" عن الصحابة "لصدورها" أي الطريق "عن عدد كثير مختلفي المذاهب والأغراض متباعدي البلدان والأزمان وأكثرهم" أي رواة الإجماع "من أهل الورع الشحيح" فلا يجوز أن أحدهم ينقل ما لا يعلم "وجميعهم من أهل المعرفة التامة" فلا يجوز أنه يجهل الخلاف عن الصحابة ولو كان موجودا في المسألة

 

ج / 2 ص -132-        "وليس يظن بواحد منهم أنه يقول ما يعلم لا سيما وقد ادعواهم وأكثرهم العلم بذلك" أي بوقوع إجماع الصحابة "كما ثبتت ألفاظهم في كتاب العواصم" فإنه صرح الشيخ الحسن الرصاص بقوله أما أنهم أجمعوا فمعلوم من أحوالهم وقال أبو طالب في المجزي إن القائلين بقبول أخبار المتأولين قالوا لأن المعلوم من أحوالهم أي الصحابة أنهم كانوا يراعون في قبول الشهادة والأخبار الإسلام إلى قوله وإنهم كانوا مجمعين على التسوية بين الكل إلى آخر كلامه قال المصنف بعد نقله وهذه حكاية عن أبي طالب عن جميع الفقهاء أنهم ادعوا العلم الإجماع.
"على أن السيد أبا طالب ذكر عنه في اللمع أن كل من قبلهم ادعى الإجماع" من الصحابة على قبولهم "وقال رضي الله عنه في المجزي" كتابه في الأصول "إن الفقهاء كلهم ادعوا العلم بثبوت هذا الإجماع" قد قدمنا نصفه تقريبا "وتوقف عليهم في ثبوت الإجماع ولم يجزم برده بل قال أن حجة من قبلهم الأجماع وحجة من ردهم القياس على الفاسق المصرح" أي غير المتأول فإن روايته ورد بها النص في قوله تعالى:
{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} الآية "قال فإن صح الإجماع فلا معنى للقياس" أي لا يقدم على الإجماع لقوة الإجماع "وتوقف في ثبوت الإجماع" ولذا قال فإن وأتى بكلمة إن دون إذا زيادة في ثبوت التوقف.
واعلم أن ابن الحاجب وتبعه من أخذ من كتابه كصاحب الغاية احتجوا لرد رواية فاسق التأويل بالآية المذكورة وليس استدلالا صحيحا ولذا قال أبو طالب ابن دليل الرد القياس على المصرح وذلك لأن الآية وردت في فاسق التصريح لأنها نزلت في الوليد بن عقبة في قصة بني المصطلق وكذبه عليه بأنهم أرادوا قاله والقصة معروفة فسقه إما بكذبه أو بشربه الخمر ولا يقال العام لا يقصر على سببه ووقوعه لأنا نقول هو عام في فساق التصريح دون فساق التأويل إذ لا وجود لهم عند نزول الآية ولأنه لا يطلق اللفظ إلا على ما كان في عرف اللغة وعرف اللغة لم يكن فيه أطلاق الفاسق على المتأول وقد أورد المصنف على استدلال ابن الحاجب بالآية على رد رواية فاسق التأويل سبعة عشر إشكالا سردها في العواصم لأن علي بن محمد بن أبي القاسم الذي رد عليه المصنف بالعواصم نقل دليل ابن الحاجب مستدلا به.
"وهاهنا فائدة وهي أن أحدا من الأئمة لم يدع الإجماع على رد الفساق المتأولين وإنما ادعى الإجماع على قبولهم" كما عرف "فقطع بثبوته طائفة من العلماء" وقد عرفت

 

ج / 2 ص -133-        أنهم الأكثر "وشك في ثبوت الإجماع" على قبولهم "آخرون" وهم الأقل "فهذا الكلام في فساق التأويل" قبولا وردا.
* * *
مسألة:
"وأما كفار التأويل" أي وأما الحكم في قبول رواية كفار التأويل وردها "فالمدعون للإجماع على قبولهم أقل من أولئك" أي الذين ادعوه في فساق التأويل "في معرفتي فالذي عرفت من طرق دعوى الإجماع على قبولهم أربع طرق عن أربعة من ثقات العلماء وكبرائهم وهم الإمام يحيى بن حمزة في" كتاب "الانتصار" في باب الأذان نصا صريحا قال المصنف في العواصم إنه قال وأما كفار التأويل وهم المجبرة والمشبهة والروافض والخوارج فهولاء اختلف أهل القبلة في كفرهمة والمختار أنهم ليسوا بكفار لأن الأدلة بكفرهم تحتمل احتمالات كثيرة وعلى الجملة فمن حكم بإسلامهم أو كفرهم قضى بصحة أذانهم وقبول أخبارهم وشهادتهم وقد تقدم هذا.
"و" الثاني "المنصور بالله" عبد الله بن حمزة "في" كتاب "المهذب عموما ظاهرا" وقد قدمنا لفظه وبيان عمومه. "و"الثالث "الفقيه عبد الله بن زيد في الدور نصا صريحا" تقدم أيضا نصه بلفظه.
"و" الرابع "القاضي زيد في الشرح والتقرير نصا صريحا" تقدم أيضا لفظه لأن التقرير ليس القاضي زيد بل للأمير الحسين وإنما نقل عنه الأمير في التقرير ذلك كما تقدم للمصنف قريبا فالمراد أنه نص عليه في الشرح نصا صريحا ونقله عنه في التقرير.
"وقد تقدم قول المؤيد بالله رضي الله عنه أن ذلك مذهب أصحابنا هكذا على العموم من غير استثناء" الكلام في الناقلين من طرق الإجماع على قبول كفار التأويل لا في القائلين لذلك فهو الذي تقدم وكأنه يريد أنه لا يقول مذهب أصحابنا إلا استنادا إلى إجماع أصحابه "ولكن قاضي القضاة" عبد الجبار بن أحمد "ذكر أن كفار التأويل لا يقبلون بالإجماع" فهذا خلاف ما رواه غيره.
"وقال الشيخ أحمد" بن محمد الرصاص "إنه روى عن أبي طالب قريب من الإجماع يعني على ردهم والجواب" عن التعارض في النقلين "أن تلك الدعوى" أي

 

ج / 2 ص -134-        دعوى الإجماع على قبولهم "أرجح بالكثرة" فإن رواتها خمسة قال في العواصم والترجيح يحصل بزيادة واحد فكيف أربعة وهذا الترجيح بكثرة العدد "و" تترجح أيضا "الزيادة" في رواتها "في الفضل والعلم وعدم الإبتداع عند من يوافقهم في المذهب" فإنهم غير مبتدعين عنده للقول بعدم قبول المتأول.
قلت: وقد يعارض بأنهم مبتدعون عنه من يخالفهم وليس اعتبار مذهب من يوافقهم بأولى من اعتبار مذهب من يخالفهم.
واعلم أن هذا إشارة إلى كلام السيد علي بن محمد بن أبي القاسم صاحب الرسالة المردود عليها بالعواصم فإنه قال إن رواية العدل المنزه عن البدع مقدمة على رواية المبتدع بالإجماع وقاضي القضاة مبتدع عند الجميع لمخالفته لأهل البيت في مسائل قطعية توجب ترجيحهم عليه.
"وهذه" أي رواية الإجماع على عدم قبولهم "تفرد بها القاضي" عبد الجبار كما تقدم "وقد رد ذلك عليه الشيخ أبو الحسين في المعتمد" فإنه قال وأما الكفر بتأويل فإنه ذكر قاضي القضاة أيده الله أنه يمنع من قبول الحديث قال لاتفاق الأمة على المنع من قبول خبر الكافر قال والفقهاء قبلوا أخبار من هو كافر عندنا لأنهم لم يعتقدوا فيه أنه كافر قال أبو الحسين والأولى أن يقبل خبر من هو كافر أو فاسق بتأويل إذا لم يخرج من أهل القبلة وكان متحرجاا لأن الظن بصدقه غير زائل وادعى الإجماع على نفي قبول خبر الكافر على الإطلاق ولا يصح لأن كثيرا من أصحاب الحديث يقبلون خبر سلفنا كالحسن وقتادة وعمرو مع علمهم بمذهبهم وإكفارهم من يقول بقولهم وقد نصوا على ذلك انتهى.
قال المصنف بعد نقله له وقول أبي الحسين على الإطلاق يعني أنه لم يقيد بالكفر المجمع على رد صاحبه بالكفر المخرج عن الملة وهذا الرد لقول قاضي القضاة "وعلمنا من المخالفين الذي ادعى عليهم الموافقة أنهم يخالفون في ذلك" فلم يتم دعواه.
"وأما السيد أبو طالب فإنما حكى الشيخ أحمد عنه ما هو قريب من الإجماع والقريب من الشيء غير الشيء" والحجة إنما هو الإجماع لا القريب منه على أنه رواه عنه بصيغة التمريض.
قلت: وما أحسن قول المصنف في العواصم على هذه العبارة حيث قال وليت شعري ما حد مقاربة الإجماع فقال مالفظه وكذلك السيد أبو طالب حكى الإجماع

 

ج / 2 ص -135-        في كفار التأويل انتهى وأنكر المصنف وجود هذا عن أبي طالب وقال إنما المروي عنه ما ذكره الشيخ أحمد الرصاص.
"وكذا ابن الحاجب لم يدع" في مسألة كفار التاويل وردهم "إجماعا قط كما بينه في العواصم" وذلك أن السيد علي بن أبي القاسم ادعى أن ابن الحاجب حكى الاجماع في رد روايه كفار التأويل فقال المنصف ما لفظه والمبتدع بما يتضمن التفكير كالسافر عند المكفر قال المنصف المكفر بعض الأمة فلم يلزم أن تجمع الأمة على رده فان قلت: كلامه يقضي بأن الذين لم يكفره لردوا روايته قلت: ليس كلامه يقتضي هذا لوجهين:
أحدهما: أن الذي لم يكفر لا يسمى مكفر إلا حقيقةولا مجازا وابن الحاجب إنما روى عمن يكفر وإذا ثبت أن الأمة غير مجمعة على التفكير فقد تعذر الإجماع وهو مأخوذ من نص ابن الحاجب ثم قال:
الوجه الثاني: أن زبدة الكلام أن السيد توهم من ابن الحاجب أنه قال إن الذين لم يكفروا لو كفروا لما قبلوا من كفروه وهذا ليس بدعوى الإجماع البتة بل هذا دعوى على أهل الإجماع وفرق بين دعوى إجماع الأمة ودعوى الإجماع على الأمة قال ابن الحاجب لو نص على هذا لماصدق ولا صدق لأن هذا من قبيل علم الغيب فمن أين له أن الذين لم يكفروا لو كفروا لردوا روايتهم وما أمنه أنهم يكفرونهم من أنهم يقبلونهم كما قال بذلك الشيخ أبو الحسين وغيره انتهى باختصار.
"ويرجح هذا" يعنى دعوى إجماع الأمة على قبول كفار التأويل "بأشياء أحدها أن دعوى هؤلاء" وهم المنصور بالله والإمام يحيى ومن ذكر معها "إجماع الأمة يشمل دعوى إجماع العترة" قال المصنف في العواصم ولا شك أن هؤلاء الذي ادعوا الإجماع نم المشاهير بتعظيم العترة ومن أهل الورع والإطلاع وذلك يقضي أنهم ما ادعوا إجماع الأمة حتى عرفوا إجماع أهل البيت أولا خاصة في ذلك العصر فإن أهل البيت عليهم السلام في زمان حدوث الفسق في المذاهب لم يكونوا إلا ثلاثة على وولداه وإجماعهم حجة ومعرفته متيسرة سهلة لانحاصرهم واشتهارهم فأقل أحوال الإمام المنصور بالله رضي الله عنه والإمام يحيى بن حمزة أنهما لا يدعيان إجماع الصحابة إلا وهما يعرفان ما مذهب علي عليه السلام وولديه فإنهما لو لم يعرفا مذهبهم لكانا مجازفين بدعوى الإجماع وهما منزهان عن ذلك بإتفاق الجميع على

 

ج / 2 ص -136-        إمامتهما وسعة اطلاعهما.
"وعلى" دعوى أنه "مذهب علي عليه السلام لا سيما والمدعون لذلك من أئمة أولاده" وهما الإمامان المذكوران قال في العواصم فإن ذلك يقتضي أنهما عرفا أن قبول المتأولين مذهب علي عليه السلام لأن أقل أحوالهما حين ادعيا العلم بمذهب جميع الصحابة المشهور والمغمور أن يكونا قد عرفا أن ذلك مذهب إمام الأئمة وأفضل الأمة وكفي به عليه السلام حجة لمن أراد الهدى وعصمة لمن خاف الردى "وكبار شيعتهم" من الفقيه عبد الله بن زيد والقاضي زيد "وكذلك ذلك" أي دعوى إجماع الأمة على قبولهم "يقوي أنه مذهب الهادي والقاسم عليهما السلام" لأنها من أعيان الأمة ويبعد أن يخالفا إجماع الصحابة "كما هو تخريج المؤيد بالله وأحد تخريجي أن طالب وظاهر رواية أبي مضر وذلك أرجح من أحد تخريجي أبي طالب والله أعلم".
في العواصم أنه خرج السيد المؤيد بالله للهادي أنه يقبلهم ورواه عنهم الفقيه علي بن يحيى الوشلي في تعليقه بلفظ التخريج ورواه عنه القاضي شرف الدين الحسن بن محمد النحوري في تذكرته بلفظ التحصيل ولم يختلف في ذلك عن المؤيد بالله وكذلك السيد أبو طالب نسب ذلك إلى الهادي في أحد تخريجه رواه الفقيه علي بن يحيى الوشلي في تعليقه ونص في اللمع على ذلك فقال قال السيد أبو طالب وأما شهادة أهل الأهواء من البغاة والخوارج فإن جواز شهادتهم لا يمتنع أن يخرج على اعتباره لكون الملة واحدة لأن الواحدة لأن هؤلاء كلهم من أهل ملة الإسلام وهذا لفظه في اللمع وظاهر رواية أبي مضر قال فيها أيضا إن القاضي أبا مضر من أئمة مذهب الزيدية والجلة وقد روى عن الهادي والقاسم عليهما السلام قبول المتأولين رواية غير تخريج وذلك أرجح من أحد تخريجي أبي طالب قال فيها أيضا لأن السيدين الأخوين إماما مذهب الهادي وقد تطابقا على تخريج قبوله رواية المتأولين ولم يتطابق على تخريج رده لهم بل انفرد بهذا أبو طالب قثبت بهذا ترجيح تخريج رواية قبولهما وإنما ذكر المصنف هذا لأن السبب علي بن أبي القاسم رجح تخريج أنهم لا يقبلون عند الهادي والقاسم على رواية تخريج قبولهم فرده المصنف بإيراد ستة إشكالات على كلامه وأتى هنا بزبدة ما في تلك الإشكالات.
"فإن قيل: كيف يصغي إلى قبول دعوى الإجماع وقد علم وقوع الخلاف" هذا السؤال وارد على رواية الإجماع على قبول رواية فساق التأويل وعلى رواية قبول كفار

 

ج / 2 ص -137-        التاويل فلا يتوهم أن إتيانه به هنا أنه يختص برواية إجماع كفار ا لتأويل.
"قلت" إنما أصغي إلى دعوى الإجماع "لأن دعوى الإجماع لم يتحد بمتعلق الخلاف" قد أورد المصنف السؤال في العواصم على كلام المعيار للإمام يحيى فقال فإن قيل فقد روى الإمام الخلاف في المعيار فناقض قلنا شرط التناقض عزيز إذا لا يصح مع إمكان الجمع والجمع ممكن في ذلك بأن يكون الخلاف الذي في المعيار منسوبا إلى أهل عصر والإجماع الذي رواه في الإنتصاد منسوبا إلى أهل عصر آخر ووذلك كثير في مسائل الإجماع. انتهى.
وقد عين أهل الإجماع في قوله "بل الإجماع المدعى إجماع الصدر الأول ولم ينقل عن أحد منهم نص على رد المتأولين أبدا" فلم يكن في عصرهم خلاف "والخلاف إنما وقع بين أهل عصر آخر" فلا تناقض إذا من شرطه اتحاد الزمان قال المصنف في العواصم واعلم أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه لا يقبلهم البتة وكذلك لم يدع أحد من الخلف ولا السلف أن الأمة أحمعت على رد فساق التأويل فتأمل هاتين الفائدتين انتهى.
"فإن قيل: لعل الصحابة" المدعى إجماعهم "إنما قبل بعضم بعضا أيام الفتنة" وهي من حين حصار عثمان "وبعدها" تحقق حصول فساق التأويل "من غير تمييز منهم لما وقع من ذلك" المروي "قبلها" حيث لا فاسق تأويل "أو بعدها" وهو بعد حصوله "وكذلك التابعون" إنما قبلوا مع ذلك وإما لم يمزوا بين الواقع بعدها وقبلها "لأمور" ثلاثة أي لأحدها:
الأول: "إما لأنهم لم يعلموا بوقوع المعصية من أولئك الذين رووا عنهم" بخصوصهم وإذا لم تعلم لم يتحقق أنهم قبلوا فاسق التأويل.
الثاني: "أو علموا بوقوع ذلك منهم ولكنهم اعتقدوا إصابتهم توقفوا فيها" في المعصية فلم يجزموا بأنهم عصاة.
الثالث: "أو علموا ذلك وأنه معصية ولكن ما علموا أنه فسق" حتى يتم القول أنهم أجمعوا على قبول رواية فساق التأويل.
"قلت: هذا السؤال أورده ابن الحاجب ولكن لم يحرره هذا التحرير" إنما أورده ابن الحاجب جوابا على القائلين حيث قال ورد بالمنع أو بأنه مذهب بعض الصحابة قال عضد الدين في شرحه وتفسير كلامه الجواب لا نسلم القبول إجماعا على كون ذلك

 

ج / 2 ص -138-        بدعة واضحة حتى يلزم الإجماع على قبول ذي البدعة الواضحة بل كان ذلك مذهبا لبعضهم فإن أهل القبلة لا يرون ذلك وكذلك كثير من الآخرين ويجعلونه اجتهاديا انتهى وسماه المصنف سؤالا وإن كان منعا لأن المنع سؤال إذ هو طلب الدليل على المدعى.
"وهذا سؤال ركيك لأن مضمونة أن هؤلاء الذين ادعوا العلم بثبوت الإجماع وقطعوا بصحته قالوا بغير علم وقطعوا في موضع الشك ولو قبل مثل هذا السؤال لورد مثله أيضا على من روى خبرا نبويا أو غير ذلك فيقال لعل هذا الخبر النبوي موقوف على بعض الصحابة أو نحو ذلك" وعبارته في العواصم وأما رده لرواية الثقات من الأئمة والعلماء بقوله لعل بعض الصحابة لم يقبل المتأولين فمثل هذا الكلام لا يصدر عن المحصل فإن هذا مجرد ترج صدر من صاحبه فقد نقل أهل العدالة والأمانة والإطلاع على العلوم والتواريخ أقوال السلف والخلف والإجماع وحرصهم على أنهم قد علموا انعاده وإخبارهم لنا وأنهم أخبروا بذلك عن علم يقين لا عن مجازفة وتبخيت.
وحاصل هذا الاعتراض أن صاحبه قال لعل راوي الإجماع غير صادق فيما رواه ولا متحقق لما ادعاه ولو كان مثل هذا يقدح في رواية الثقات لبطلت الروايات فما من رواية تصدر عن ثقة في الإجماع أو في الحديث أو في الشهادة إلا ويمكن أن يقال لعل راويها وهم فيها وقالها بغير علم يقين وأصدرها إما لمجرد اعتقاد الصحة أو ظنها أو نحو ذلك مما لا يلتفت إليه من تطريق الشك إلى فهم الثقات بمجرد كونه تجوزا على البشر ولو كانت روايات الثقات العلماء تعارض بمجرد ترحبي كذبهم أو تمني صدور الدعوى منهم على سبيل التبخيت من غير تحقيق لبطلت طرق النقل وتعطلت فوائد الرواية انتهى.
"وقد ذكرت في العواصم أشياء" من الأدلة "مما يقوي القول بقبولهم" أي بقبول رواية كافر التأويل وفاسقه.
"منها" وهي الحجة الرايعة في العواصم "أنا لو لم نقبلهم" أي كفار التأويل وفساقة "لم نقبل الصحابة" زاد في العواصم أجمعين ولا أهل البيت المطهرين إذ لم يصرحوا بالسماع من النبى صلى الله عليه وسلم "لأن هؤلاء العدول لذين ادعوا الإجماع" من الأئمة وغيرهم "قد أخبروا بأنهم قد علموا ذلك من الصحابة وعدالتهم"

 

ج / 2 ص -139-        أي الرواة للإجماع "تقتضى هذا حتى يعلموا قول الصحابة كلهم" فيكون إجماعا قوليا "أو قول أكثرهم وسكت عنه الباقون سكوت رضى" فيكون إجماعا سكوتيا.
قال في العواصم فلا بد أن يفيد العلم أو الظن بأنهم كانو كذلك أقصى ما في الباب أن ذلك يفيد الشك في قبولهم للفساق التأولين فلو كانو مردودين بالقطع وحصل الشك أن رواية بعض العدول مستندة إليهم لم يجز قبوله إلا إذا حصلت قرينة صحيحة يحصل معها الظن الراجح أن روايته غير مستندة إلى من لا يقبل قطعا.
"ومنها: إن ردهم يؤدي إلى أنا لانقبل من يقبلهم إو روى عنه إنه يقبلهم" هذا هو الوجه الثاني في العواصم من الأوجه التي جعلها أدلة على قبولهم قال فيه إن الزيدية يروون عن المخالفين ويدروسن كتب المخلفين في مدارسهم إلى أن قال وأما كتب الأوصول فالزيدية يعتمدون على كتاب أبى الحسين مع أنه يقبل فساق التأويل وكفارهم ومعتمدهم في هذه الأزمنة الأخيرة كتاب الشيخ أحمد الجوهرة مع شهرة بغيه على الإمام الشهيد أحمد بن الحسين وكتاب منتهى السول لابن الحاجب فإنه معتمد عليه هذه الأعصار في بلاد الزيدية وكتب الأوصول وإن كانت نظرية فإن فيه آثارا كثيرة ولا بد فيها من عدالة الرواة.
وأما كتب القراءات فلا زال الناس يعتمدون على كتاب الشاطبية آخذين ما وجد فيها مماليس بمتواتر وأما كتب العربية فلم يزل الناس من الزيدية يقرؤون مقدمة طاهر وشرحه وكذلك كتب ابن الحاجب في النحو التصريف مع ما اشتملت عليه من رواية اللغة والإعراب.
وأما المعاني والبيان فالمعتمد عليه في هذه الأزمنة الأخيرة كتاب التلخيص في ديار الزيدية وغيرها وهو من رواية الأشعرية.
"وهذا يؤدي إلى رد حديث كثير من الأئمة كالمنصور والمؤيد بالله ويحيى بن حمزة والقاضي زيد بل يؤدي إلى التوقف في قبول حديث القاسم والهادي لرواية أبي مضر عنهما ذلك" أي قبول رواية فساق التأويل كمت قدمناه "وتخريج المؤيد بالله" لها "وأحد تخريجي أبي طالب" كما تقدم ذلك كله "بل يؤدي إلى عدم الانتفاع بتصانيف المتأخرين في الحديث من زمن المؤيد بالله مثل أصول الأحكام" للإمام أحمد بن سليمان والشفاء للأمير الحسين "والكشاف لأنهم صرحوا بالرواية عنهم ومن لم يستجز الرواية عنهم روى عمن عنهم فإن من لم يقبل كفار التأويل من الزيدية لم يرد

 

ج / 2 ص -140-        حديث المؤيد بالله رضي الله عنه وأمثاله من أئمة العترة لكونهم بقبلون فإن مذهب الزيدية قبول مراسيل العدول من غير استثناء وكتبهم معروفة" ولا يخفى أن هذا إلزام لا محيص عنه.
والحامل للمصنف رحمه الله على الإطالة في المسألة أن السيد علي بن محمد بن أبي القاسم كثر في رسالته وبالغ في عدم قبول رواية أهل التأويل ثم استدل على ردهم بالكتاب ولاسنة والإجماع فسرد المصنف ذلك كله في العواصم وأشار هنا إلى زبدة ما أتى به هنالك ومن جملة أدلة السييد على القياس المتأول على المصرح فأشار المصنف إليه وإلى رده بقوله:
"فإن قيل: قد وقع الإجماع على رد الفاسق المصرح والعلة في رده الفسق وهو حاصل في المتأول" هذا هو دليل السيد علي وقد أورد عليه المصنف في العواصم أحد عشر إشكالا تضمن كلامه هنا بعضها.
"فالجواب من وجوه" متنشرة متداخلة:
"الأول: أن هذا قياس مصادم للنص فلا يسمع وفاقا" إذ قد اتفق أئمة الأصول أن القياس إذا تصادم النص فهو قياس فاسد الاعتبار فلا حكم له والنص هنا آيات أوردها أيضا في العواصم وهي تسع آيات دالة بعمومها على قبول فساق التأويل وكفاره أحدها قوله تعالى:
{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} وهو شامل للسؤال عن الأدلة وعام لكل مسلم من أهل الذكر فيشمل الفساق ولاكفار تأويلا وثانيها: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] وهو عام في كل مما جاء عن الله وعن رسوله.
ولما كان لقائل أن يقول هذه عمومات خصصت بالقياس أشار إلى رد القياس بوجه آخر فقال:
"الثاني أنه قياس مخصص لكثير من القرآن والسنة فلا يقبل مطلقا" في كل ما ورد فيه "ويبقى للناظر فيه نظرة وقد بينت تلك الآيات" وهي تسع كما عرفناك "والآثار في العواصم وقد ذكرت منها قدر ثلاثين حجة" هو كما قال وقد عد هنالك ثمانية وعشرين حجة سنذكر هنا بعضها.
"الثالث: أنه قياس ظني يتوقف في كونه حجة على الخصم على موافقة الخصم على صحته" ويأتي قدحه فيها "ثم" يتوقف "على موافقته على عدم معارضته بقياس أقوى

 

ج / 2 ص -141-        منه والأقوى بالعمل به أولى "والمعارضة ممكنة" له "فيهما" في الصحة والمعارضة بيانه في قوله "وأما المنازعة في صحته" فذلك يتم ببيان أن علة القايس ليست الفسق كما قاله المعترض بل ما أفاده قوله "فلأن الظاهر أن العلة" أي في قبول خبر الفاسق تأويلا حصول "الظن" بخبرة "لوجوه":
"الأول" قوله تعالى:
{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] فأمر الله تعالى باشهاد رجلين من المؤمنين وهو يدل على أن العلة في ذلك ليست هي العدالة "فلو كانت العلة مجرد العدالة وكون الراوي والشاهد منصبا لها" إشارة إلى قول السيد علي أن قبول الشهادة والرواية منصب رفيع يلزم الخلق أحكاما شديدة فيلتزمونها فأي رفعة أعظم منها فالعلة هي هذه وهي موجودة في فاسق التأويل مثلها في المصرح انتهى "لكفى الواحد" قد يقال فد كفى في الرواية عند الجماهير لذلك وأما الشهادة فورد النص باعتبار العدد "فإن قيل لو كان العلة الظن" كما قلتم "لكفى الواحد" لحصوله.
"قلنا القصد الظن الأقوى" تقدم للمصنف إن الظن لا ينقسم إلى قسمين ولا يقف على مقدار ولا يمكن التعبير عن جميع مراتبه بالعبارة فتذكر "وأيضا فالظن يحصل بالإثنين غالبا" ويحصل أيضا بخبر الواحد بل قد يحصل به العلم كما قدمناه أول شرحا هذا فقبوله "ولا عبرة بالنادر" غير ظاهر "بخلاف الواحد فوقوع الشك في شهادتته كثير" يتحقق هذا من أصل صحيح.
"الثاني" من الأدلة على أن العلة حصول الظن قوله تعالى:
{فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا} فإنه دال على أن المراج الصدق والتحير فيه لا رفع المناصب.
"الثالث" من الأدلة على ذلك قوله تعالى:
{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ}.
فجعل العلة خوف الخطأ والرغبة في تحرى الإصابة ولو كانت العلة المنصب لقال قتبيوا أن تعظموا فاسقا بجهالة.
"والعمل بالظن لا يسمى جهالة كما في خبر العدل والمفتي والمؤذن" على أن الآية لم تدل على عدم قبول رواية الفاسق فإنه قال تعالى
{فَتَبَيَّنُوا} ولم يقل تقبلوه والتبين هوالنظر فيما يدل على صدق خبره أو كذبه إذ ليس القطع برده وتكذيب خبره يسمى تبينا في اللغة ولا في الشرع ولا في العرف فإن التبين تفعل من البيان وهو

 

ج / 2 ص -142-        تطلب البيان وذلك لا يكون مع بيان رده ولا مع بيان قبوله ويوضح هذا أنه جاء التبين في القرآن الكريم غير مراد به الرد والتكذيب كقوله تعالى: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} فإنه ورد في سبب نزولها أن جماعة من الصحابة لقوا رجلا في عنيمة له فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته فنزلت الأية.
إذا عرفت هذا فليس في الآية دليل على رد فاسق التصريح الذي جعله الرادون دليلا على الرد فصلا عما قاسوه في الرد عليه وهو فاسق التأويل إنما فيها الأمر لما أخبره به هل هو صادق أو كاذب فهو نظير قول سليمان عليه السلام في خبر الهدهد:
{قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل: 27] وانظر لما أرد تعالى رد شهادة القاذف قال: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [ألنور: 4] وقال: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] وقوله في القذفة: {فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13].
"الرابع" قوله تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 106] فأجازة شهادة كافر التصريح عند الضرورة فدلعلى أن القصد الظن الأقوى هو حاصل بالعدلين من المسلمين "فحين لم يحصل اكتفى بالظن الضعيف" الحاصل من شهادة الكفار تصريحا.
وفي العواصم وفي هذه وجهان:
أحدهما أن الله تعالى شرع قبول الكفار عند الحاجة إليهم وهم لا يستحقون التعظيم ومنصب التكرمة والتبجيل.
وثانيهما: ما أفاده قاوله "وفي هذه الآية جواز تخصيص العلة سواء كانت العدالة أو الظن" الأقوى فإنه قبل الظن الضعيف وهذا إشارة إلى منع السيد ابن أبي القاسم لتخصيص العلة كما في العواصم.
"الخامس" قوله تعالى:
{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} [المائدة: 108] في العواصم فقوله: {ذَلِكَ أَدْنَى} تنبيه ظاهرعلى أن المقصود قوة الظن وما هو أقرب إلى الصدق.
"السادس" قوله تعالى:
{ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] قال فيها وأصل الآية وإن كانت في الكتابة فقد دخلت معها الشهادة بقوله: {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ}.

 

ج / 2 ص -143-        "السابع ورود الشرع بشاهد ويمين" قال فيها أيضا واليمين فيها تهمة للحالف ولا رفع فيها للتهمة البتة فقامت مقام إشهاد آخر في قوة الظن لا في التعظيم وهذا شاهد قوي على أن العلة قوة الظن.
"الثامن: رد حديث العدل المغفل الذي لا يتقن حديثه" وفي العواصم زيادة على هذا فإنه قال ولنذكر مسائل مما نص العلماء فيها على التعديل بالظن الأقوى قالوا إن من سمع الحديث من غير حجاب فروايته أولى ممن سمعه من وراء حجاب ولا شك أن العلة في هذا قوة الظن لا أن من سمع من غير حجاب أفضل.
الثانية: أن يكون أحد الراويين مثبتا والآخر نافيا مع أ المثبت ليس بأفضل من النافي.
الثالثة: أن يكون أحدهما عالما بالعربية والآخر غير عالم بها وإن كان عالما بما هو أفضل منها مما لا يتعلق بالرواية.
الرابعة: أن يكون أحد الراويين لا يجيز الرواية بالمعنى فإن روايته أرجح.
الخامسة: أن يكون أحد الراويين أكثر ذكاء وفطنة فإنه أرجح ممن ليس كذلك فإن الظن بصدقه أقوى.
وأمثال هذه المسائل مما لا تحصى كثرة وهي مذكورة في كتب الأصول.
"التاسع: أن علماء الأصول عملوا في باب الترجيح بتقديم خبر من قوى الظن بإصابته لا من كثر ثوابه ومنزلته عند الله تعالى" ومن ذلك قال العلماء لا يشهد العدل لنفسه ولا يحكم الحاكم لنفسه وإن كان عدلا تقيا وعللوه بقلة الظن المستفاد من العدالة لقوة الداعي الطبيعي إلى ذلك عند الحاجة والخصوصة ومحبة القلب وغيط الحاسد ومسرة الصديق من الدواعي الطبيعية المضعفة لعلة الصدق ولا يبقى فيها إلا ظن ضعيف لا يصح الاعتماد عليه في الحقوق ولما كانت الداعية الطبيعية قوية في شهادة الإنسان لنفسه وحكمه لنفسه أجمع أهل العلم على المنع من ذلك وقد عد المصنف في العواصم مسائل كثيرة من هذا.
"العاشر أن الإجماع انعقد على قبول من عصى تأويلا ولم يفسق ولم يكفر وإن كثر ذلك منه كخطأ كثير من المعتزلة في الإمامة وكثير من فروع الكلام ولا شك أن من كثرت معاصيه من غير تأويل أنه مجروح بل من عصى عمدا وإن لم يكثر إذا أصر أو كانت المعصية مما تدل على الخسة فدار الرد" للراوة والقبول لهم "مع الجراءة

 

ج / 2 ص -144-        والقبول مع التأويل في هذا الموضع" وهو حيث كان عصيانه متأولا متكررا ولم يوجب كفرا ولا فسقا فقلت:م أنه يقبل "فقسنا عليه" من عصى متأولا بما لا يوجب فسقا ولا كفرا قلت: ولا يخفى أنه قد يقال المعصية التي اقتضت فسقاأو كفر أشد مما لا يقتضيه وأغلط ولا يقاس الأخف على الأغلط كما علم في الأصول وفيما سبق من الأدلة غنية عن هذا القياس.
"فإن قيل" إذا كانت علة القبول هي ظن الصدق "يلزم قبول من ظن صدقه من المصرحين ورهان النصاري والبراهمة" أقول هذا أورده السيد علي بن محمدبن أبي القاسم صاحب الرسالة التي رد عليها المصنف بالعواصم فإنه قال وأما أن عللنا بتهمته بالكذب وترى أنه يعاقب عليه ويكون عند نفسه مطيعا لله تعالى فيلزم من أرباب الملل الخارجة عن الإسلام أن تقبل روايته مثل رهبان النصارى وعباد اليهود ومثل البراهمة فإنهم يتحرزون عن الكذب أشد تحرز ويتنزهون عنه أعظم تنزه. انتهى.
فأورد المصنف سؤالا وأجاب عنه بقوله "قلنا هذا مخصوص وتخصيص العلة جائز ولا بد للمخالف منه" أي من تخصيص علته التي علل بها فإنه علل بالعدالة وهي مخصصة كما أفاده قوله "فإن من علل العدالة خص من العدول المغفل" فإنها لا تقبل روايته مع عدالته لمانع تغفيله "والآية المقدمة في الوجه الرابع" وهي قوله تعالى:
{أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} "حجة على تخصيص العلة فتأملها" بل خصصت شرطية إسلام الشاهد فضلا عن عدالته وهووأن كان الضرورة فقد صدق عليه أنه تخصيص علة.
"وقد بسطت القول في هذه المسألة" أي مسألة قبول المتأولين "في العواصم احتجاجا وسؤالا وانفصالا وجمعت فيها مالم يجمع في كتاب فيما أعلم ولعل الذي جمعت فيها يأتي جزءا وسطا" هو كما قال وذلك لأن السيد علي صاحب الرسالة أطال في القول بعدم قبول رواية فساق التأويل وكفاره واستدل بالكتاب والسنة والإجماع فأورد عليه المصنف من الإشكالات مائة وزيادة على سبعين إشكالا وشحها بعلوم وفوائد لم يشتمل عليها سوى كتابه كتاب "وذلك لكثرة الحاجة إليها وأنبناء كثير من الأحكام الشرعية عليها فمن أراد الإستقصاء فليطالعها في هذا الكتاب المشار إليه" في كتاب العواصم في الجزء الأول منه وقد نقلنا في غضون هذه الأبحاث زبدا منه

 

ج / 2 ص -145-        مما يتعلق بذلك وهذا غير ما ذكره أئمة الحديث في المسألة.
"وأما ما ذكره الحدثون في هذه المسألة فقد ذكروا في فساق التأويل أقوالا" ثلاثة فيما يتعلق بفساق التأويل فقط.
"الأول: أهم لا يقبلون كالمصرحين" أي كما لا نقبل الفاسق فسقا صريحا "روى" هذا القول "عن مالك وقال ابن الصلاح: إنه بعيد متباعد الشائع عن أئمة الحديث فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة كما سيأتي" ومن المبتدعة فساق التأويل.
وقال السخاوي في شرح ألفية الزين قال الخطيب في الكفاية إن هذا القول يروى عن طائفة من السلف منهم مالك وكذا نقله الحاكم عنه ونصه في المدونة في غير موضع يشهد له وتبعه أصحابه وكذا جاء عن القاضي أبي بكر الباقلاني وأتباعه بل نقله الآمدي عن الأكثر وجزم به ابن الحاجب انتهى وقال السخاوي أيضا بعد نقله كلام ابن الصلاح ما لفظه وكذ ا قال شيخنا يريد به الحافظ ابن حجر إنه يفيده قال وأكثر ما علل به أن في الرواية ترويجا لأمره وتنويها بذكره وعلى هذا لا ينتفي أن يروى عن مبتدع شيئا يشاركه فيه غير مبتدع.
قلت: وإلى هذا التفصيل مال ابن دقيق العيد حيث قال إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادا لبدعته وإطفاء لناره يعنى أنه كما يقال من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه وإن لم يوافقه ولا يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفناه من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته.
القول"الثاني: إن كان يستحل الكذب لنصرة مذهبه لم يقبل وإلا قبل وإن كان داعية إلى مذهبه عزاه الخطيب إلى الشافعي" كما نقله عنه الخطيب في الكفاية لأنه قال أقبل من غير الخطابية ما نقلوا قال لأنهم يرون شهادة أحدهم لصاحبه فمن لم يستحل الكذب كان مقبولا لأن اعتقاد حرمة الكذب تمنع من الإقدام عليه فيحصل صدقه قال الخطيب ويحي أيضا أن هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري ونحوه عن أبي حنيفة بل حكاه الحاكم في المدخل عن أكثر أئمة الحديث وقال الفخر الرازي في المحصول إنه الحق ورجحه ابن دقيق العيد.
"الثالث" من الأقوال في المسألة "إن كان" فاسق التأويل أو كافره "داعية إلى مذهبه لميقبل وإلا قبل وهو مذهب أحمد" بن محمد بن حنبل "كما قاله الخطيب قال ابن

 

ج / 2 ص -146-        الصلاح: وهذا مذهب الكثير أو الأكثر وهو أعد لها وأولاها قال ابن حبان هو قول أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه خلافا" عبارة الزين ونقل ابن حبان فيه الإتفاق فغيرها المصنف إلى أنه قال لا نعلم فيها خلافا.
وقد نقل السخاوي في شرح الألفية الخلاف في ذلك فكأنه لذلك غير المصنف العبارة وعبارة ابن حبان في ترجمة أحمد بن جعفر بن سليمان الضبعي في ثقاته بلفظ ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعوا إليها إن الاحتجاج بأخباره جائز فإذا دعا إليها سقط الاحتجاج بأخباره انتهى.
قال السخاوي بعد نقله وليس صيرحا في الإتفاق لا مطلقا ولا بخصوص الشافعية ثم قال وقد قال شيخنا إن ابن حبان أعرب في حكاية الأتفاق قلت: هذا تقرير من شيخه وهو الحافظ ابن حجر أن عبارة ابن حبان تفيد الإتفاق على قبول ذي البدعة غير الداعية إذا كان صدوقا وهي تفيده في إتقاف أئمة الشافعية وإن قال السخاوي ما قال ولكن يشترط مع هذين أعني كونه صيدوقا غير داعية أن لا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشدها ويزينها فأنا لا نأمن حينئذ عليه غلبة الهوى أفاده شيخنا وإليه يومي كلام ابن دقيق العيد الماضي بل قال شيخنا نص على هذا القيد في المسألة الحافظ أبو إسحق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي "وكذا حكى بعض أصحاب الشافعي عن أصحاب السافعي أنهم لا يتختلفون في ذلك" هذا كله في فساق التأويل.
"وأما كفار التأويل فلم يذكرهم كثير منهم" أي من أئمة الحديث "لأنهم لا يقولون بتكفير أحد من أهل القبلة إلا من علم كفره بالضرورة من الذين كالباطية ومنهم من ذكرهم فحكى الخلاف فيهم ممن ذكرهم زين الدين بن العراقي فحكى عن إمام المحدثين بلا مدافعة الحافظ الثبت الخطيب البغدادي الشافعي أنه حكى عن جماعة من أهل النقل ولامتكلمين أنهم يقبلون أهل التأويل وإن كانوا كفارا أو فساقا قال زين الدين واختاره يصاحب المحصول قلت: الجمهور منهم على رد الكافر قال زين الدين ونقله السيف الآمدي عن الأكثرين وبه جزم أبو عمرو بن الحاجب" فإنه قال في مختصر المنتهى ولامبتدع بما يتضمن التكفير كالكافر عند المكفر وأما غير المكفر فكالبدع الواضحة ثم اختار رد أهل البدع الواضحة.

 

ج / 2 ص -147-        قال السخاوي: وحكى الخطيب في الكفاية عن جماعة من أهل النقل والمتكلمين أن أخبار أهل الأهواء كلها مقبولة وإن كانوا كفارا أو فساق التأويل.
"وقال: صاحب المحصول: الحق أنه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته وإلا فلا لأن اعتقاد حرمة الكذب يمنعه منه".
قال السخاوي قال شيخنا والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعة لأن كل طائفة تدعى أن مخاليفها مبتدعة وقد تبالغ فتكفرها فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا معلوما من الدين بالضرورة أي إثباتا ونفيا فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله أصلا وقال أيضا ولاذي يظهر أن نحكم بالكفر على من كان الكفر صريح قوله وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه أمامن لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافرا ولو كان اللازم كفرا قال وينبغي حمله على غير القطعي ليوافق كلامه الأول.
وسبقه ابن دقيق العيد فقال الذي تقرر عندنا أن لا تعتبر المذاهب في الرواية إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بإنكار قطعي من الشريعة فإذا اعتبرنا ذلك وانضم إليه التقوى والورع فقد حصل معتمدالرواية وهذا مذهب الشافعي حيث قال تقبل رواية أهل الأهواء قال وأعراض الناس حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام قال الشافعي في الأم ذهب الناس في تأويل القرآن الأحاديث إلى أمور تباينوا فيها ثباينا ششديدا واستحل بعضهم من بعض بما تطول حكايته وكان ذلك متقادما منه ما كان في عهد السلف وإلى اليوم فلم نعلم من سلف الأمة ممن يقتدي به ولا من بعدهم من التابعين رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله ورآه استحل ما حرم الله عليه ولا يرد أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمل وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال انتهى نقله السخاوي في شرحه.
* * *

 

ج / 2 ص -148-        قال المصنف "ونلحق بهذه مسائل" خمس:
"المسألة الأولى":
"من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولو مرة واحدة وكان متعمدا ويظهر تعمده بإقراره أو نحوه بحيث ينتفي أن يكون أخطأ أو نسى "ثم تاب وحسنت توبته فإنه لا تقبل روايته أبدا" في شيء مطلقا سواء كان المكذوب فيه أو غيره ولا يكتب عنه شيء ونحتم جرحه أبدا نعلم قال الإمام تقبل توبته بينه وبين الله وعدم قبوله مطلقا هو "كما قال غير واحد من أهل العلم منهم الإمام أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي" وهو يصاحب الشافعي وشيخ البخاري واسمه عبد الله بن الزبير ونقله الخطيب في الكفاية والحازمي في شروط الستة عن جماعة والذهبي عن رواية ابن معين وغيره.
واعلم أنه يلتحق بتعمد الكذب في هذا الحكم من أخطأ ثم أصر على خطئه وصمم بعد بيان ذلك له مما يوثق بعلمه مجرد عناد.
قال السخاوي وأما من كذب عليه في فضائل الأعمال معتقدا أن هذا لا يضر ثم عرف ضرره وتاب فالظاهر كما قال بعض المتأخرين قبول روايته وكذا من كذب دفعا لضرر يلحقه من عدو.
قال اللصيرفي وليس بطعن على المحدث إلا أن يقول تعمدت الكذب فهو كاذب في الأول أي الخبر الذي رواه واعترف بالكذب فيه ولا يقبل خبره بعد ذلك أي مؤاخذة له بإقراره.
قال النووي ولم أر للقول بعدم قبوله دليلا ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب عليه صلى الله عليه وسلم لعظم مفستدته فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة ثم قال وهذا الذي ذكره الأئمة ضيعف مخالفللقواعد الشرعية والمختار القطع بصحة توبته في هذا أي في الكذب عليه صلى الله عليه وسلم وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة قال فهذا هو الجاري على قواعد الشرع وقد أجمع على صحة رواية من كان كافرا فأسلم قال وأجمعوا على قبول شهادته والرواية في هذا وكذا قال في الإرشاد هذا مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيره انتهى.
وقال الذهبي إن من عرف بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا

 

ج / 2 ص -149-        يحصل لنا ثقة بقوله إني تبت يعني كما قيل في مسألة المعترف بالوضع قلت: وما كان يحسن من المصنف ذكر المسألة من دون ذكر دليلها ويأتي له تفصيل فيها.
"وأما الكذب في حديبث الناس وغيره من أسباب الفسق فنقبل رواية التائب منه وممن ذكر هذه المسألة أبو بكر الصيرفي الشافعي" فإنه ذكر في كتبه في الأصول أنه لا يعمل بذلك الخبر ولا بغيره من روايته "وزاد أيضا أن من ضفنا خيره لم نجعله قويا وذكر أبو المظفر السمعاني أن من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه" لأنه صار محل ريبة.
"قلت: كلامهم في رد الكذب في الحديث ولو بعد إظهار التوبة فوى فيما يتعلق" من الأحاديث "بالمصالح لئلا يتوصل الكذابون بإظهار التوبة إلى قبول أباطيلهم" هذا في التضعيف بالكذب "وأما من ضعف من أجل حفظه" وهو الذي زاده الصيرفي "ثم قوى حفظه وهو من أهل الديانة والصدق فلا وجه لقول الصيرفي إنا لا تجعله قويا والله أعلم" قلت: كما لا وجه لرد رواية الكذاب في الحديث بعد صحة توبته إذ بعدصحتها قد اجتمعت فيه شروط الرواية فالقياس قبوله.
* * *
"المسألة الثانية"
"من روى عن ثقة فكذبه الثقة والمسألة مشهورة في الأصول" وذلك أنه قد تعارض كلام الراوي والمروي عنه فذلك صرح بالراية وهو ثقة وشيخه صرح بكذبه عليه.
فلذا قال المصنف: "والصحيح فيها أنها موضع اجتهاد" إذ لكل جهة ترجيح أما الراوي فلكونه مثبتا
أما الشيخ فلكونه نفى ما يتعلق به مع احتمال نسيانه "فينظر في أيهما أصدق وأحفظ وأكثر جزما وأقل ترددا وكذلك أيهما أكثر" من الكثرة بالثلثة "الفرع" وهو الراوي "أو الأصل" وهو شيخه.
"فقد يدعي الواحد على الجماعة فيكذبونه والجماعة على الواحد فيكذبهم فإذا استوفيت طرق الترجيح" المعروفة في الأصول وغيرها مما يقود إليه المقام "حكم بالراجح" وقال التاج السبكي عدالة كل واحد منهما متيقنة وكذبه مشكوك فيه ولايقين لا يرفع بالشك فتساقطا يعني فيقبل الخبر وهو اختيار أبي المفظر السمعاني وبه قال أبو الحسن القطان وقد عرفت ما حققه النووي والمصنف جنح إلى الترجيح مستدلا

 

ج / 2 ص -150-        بقوله "فإنهما خبران متعارضان فيجب استعمال طرق الترجيح" المعروفة "بينهما كسائر الأخبار المتعارضة" وإلى الترجيح مال الفخر الرازي وقال إن الرد إنما هو عند التساوي فلو رجح أحدهما عمل به "ولا يلزم جرح واحد منهما" بكذيبه الآخر وأما تكذيب الشيخ فواضح وأما تكذيب الفرع له فلأن جزمه بكونه حدثه يستلزم تكذيبه في دعواه أنه كذب "لاحتمال النسيان" من الأصل "والقطع بالتأويل فقد يقول" الأصل "لو كان لذكرت ونجعل هذا دليلا قاطعا" على كذب الفرع "وهو موضع النزاع" لأن الفرع يقول أنه نسي والأصل يزعم أنه لم ينس.
"والغالب في هذه المسألة سقوط الحديث بالتعارض" بين الأصل وفرعه "ولكن هذا الغالب لا يوجب إسقاط الحكم النادر إذا قويت القرائن بنسيانه وغلب في الظن صدق الراوي عنه" فإن النظر إلى القرائن والترجيح بها لا بد منه.
"وهذا كله" من الحكم المذكور "إذا كذبه" أي كذب الأصل فرعه "أما إذا قال أنسيت" بالبناء للمجهول "ولم يقطع بتكذيبه صدق" أي الفرع في روايته قال السخاوي فإن جزم بالرد بدون تصيرح كقوله ما رويت هذا أو ما حدثت به قط أو أنا عالمأنني ما حدثتك أو لم أحدثك فقد سوى ابن الصلاح تبعا للخطيب وغيره بينهما أيضا وهو الذي مشى عليه شيخنا في توضيح النخبة لكن قال في الفتح الراجح عندهم أي المحدثين القبول وتمسك بصنع مسلم حيث أخرج حديث عمرو بن دينار عن أبي معيد عن ابن عباس ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير مع قول أبي معبد لعمرو لم أحدثك به فإنه دال على أن مسلما كان يرى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلا وكذا صحح الحديث البخاري وغيره وكأنهم حملوا الشيخ في ذلك على النسيان ويؤيده قول الشافعي في هذا الحديث بعينه كأنه نسى.
"وقيل هذا" أي تصديقه إذا لم يصرح بتكذيبه "مذهب جمهور الفقهاء والمحدثين وأهل الأصول".
قال السخاوي وصححه غير واحد منهم الخطيب وابن الصلاح وشيخنا بل حكى فيه إتفاق المحدثين لأن الفرض أن الراوي ثقة جزما فلا يطعن فيه بالاحتمال إذ المروى عنه غير جازم بالنفي بل جزم الراوي فيه وشكه قرينة لنسيانه "خلافا لبعض أصحاب أبي حنيفة" فقالوا برده "وحكاه ابن الصباغ في العدة عن أصحاب أبي

 

ج / 2 ص -151-        حنيفة" كلهم لكن قال السخاوي في التعميم نظر إلا أن يريد المتأخرين منهم.
قلت: ونسبه في شرح مسلم للكرخي ولكنه قال الكيا الطبري إنه لا يعرف لهم في مسألتنا بخصوصها كلام إلا أن أخذ لهم ذلك في ردهم حديث:
"إذا نكحت المرأة بدون إذن وليها فنكاحها باطل"1 لأنه جعل ابن الصلاح من أمثلة من حدث فنسى.
قلت: قال ابن الصلاح: إن الحنفية ردوا حديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نكحت المرأة الحديث من أجل أن ابن جريج قال لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه. انتهى.
"وأما إذا روى الشيخ ذلك الخبر لغير هذا الذي كذبه الشيخ أو روى عنه ثقة آخر قبل كذا ذكره الزين قلت: إذا كان إنما أنكر رواية ذلك الفرع عنه ولم ينكر أنه يروى الحديث أو أنه رواه لغيره قبل ذلك منه" لعدم الريبة في الشيخ "وإلا" أي وغلا ينكر الشيخ رواية الفرع فقط بل أنكر الحديث نفسه "لم تقبل من الشيخ روايته إذا وقعت قبل الأنكار ولا رواية غيره عنه قبله أيضا لأن اضطراب يقدح في الحديث كما تقدم وهذا أشد من الاضطراب" إذ هو قبول للحديث مع الريبة في الرواة "إلا أن يحكم بقبول الجميع ويجعلها" أي روايات الشيخ وفرعه "توابع يقوي بعضها بعضا فقبولها قوي إما إذا استفاد" الشيخ الحديث الذي أنكر التحديث به "بعد" أي بعد إنكاره "فرواه وروى عنه" عن فرعه "فلا إشكال" لأنه حدث به بعد يقين لحمله له من الثقة.
وكأنه يشير إلى مثال معروف للمسألة وهو ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ربيعة بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد2 زاد أبو داود في رواية أن عبد العزيز الدراوردي قال ذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه قال عبدالعزيز وقد كانت أصابت سهيلا على أذهبت بعض عقله ونسى بعض حديثه فكان سهيل بعد يحدث عن ربيعة عن أبيه وزاد أبو داود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد 6/66, 166, والدارمي 2/137, والحاكم 2/168, والإرواء 6/243, وقال: صحيح.
2 مسلم في: الأقضية: حديث 3/, وأبو داود في: الأقضية: ب 21, وابن ماجة في: الأحكام: ب 31, وأحمد 1/248.

 

ج / 2 ص -152-        أيضا من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة قال فلقيت سهيلا فسألته عن قصة الحديث فقال ما أعرفه قلت: أن ربيعة أخبرني به عنك قال إن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني.
"وقد كره جماعة من العلماء التحديث عن الأحياء من العلماء لأن النسيان غير مأمون على الإنسان فيبادر إلى جحود ما روى عنه" قال السخاوي1 لكن قد قيد هذه الكراهة بعض المتأخرين بما إذا كان له طريق أخر غير طريق آخر غير طريق الحي أما إذا لم يكن له سواها وحدث فلا معنى للكراهة لما في الإمساك من كتم العلم وقد يموت الراوي قبل المروى عنه فيضيع العلم وهذا حسن إذا المصلحة محققة والمفسدة مظنونة وكذا يحسن تقييد ذلك بما إذا كانا في بلد واحد أما إذا كانا في بلدتين فلا لاحتمال أن يكون الحامل له على الإنكار النفاسة.
وقد حدث عمرو بن دينار عن الزهري2 بأشياء وسئل الزهري عنه فأنكره فاجتمع بالزهري فقال أليس يا أبا بكر قد حدثتني بكذا فقال ما حدثتك به ثم قال والله ما حدثت به وأنا حي إلا أنكرته حتى توضع أنت في السجن انتهى قلت: إذا صحت هذه عن الزهري فهي قادحة فيه.
"روى عن الشعبي أنه قال لابن عون لا تحدثني عن الأحياء" رواه عن الشعبي الخطيب في الكفاية3 بأسناده إليه "وعن معمر أنه قال لعبد الرزاق أن قدرت أن لا تحدث عن رجل حي فافعل" رواه عنه أيضا الخطيب في الكفاية4.
"وعن الشافعي أنه قال لابن عبد الحكم" واسمه محمد بن عبد الله "إياك والرواية عن الأحياء وفي رواية البيهقي" في المدخل "قال" الشافعي لابن الحكم "لا تحدث عن الحي فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان قاله" الشافعي لابن عبد الحكم "حين حكى عنه حكاية فأنكرها ثم ذكرها".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 2/85.
2 الزهري هو: أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب المدني. قال ابن منجويه: رأى عشرة من الصحابة وكان من أحفظ أهل زمانه فقيها فاضلا. مات سنة 124. له ترجمة في: العبر 1/158, ووفيات الأعيان 1/451, وشذرات الذهب 1/162.
3 ص 139.
4 ص 140.

 

ج / 2 ص -153-        قال السخاوي وذلك فيما روينا في مناقبه والمدخل كلاهما للبيهقي من طيرق أبي سعيد الخصاص عن محمد بن عبدالله بن عبد الحكم قال سمعت من الشافعي حكاية فكيتها عنه فنميت إليه فأنكرها قال فاغتم أبي لذلك غما شديدا وكنا نجله فقلت: له أنا أذكره لعله يتذكر فمضيت إليه فقلت: يا أبا عبد الله أليس تذكر يوم كذا وكذا في الإسلام فوقفته عن الكلمة فذكرها ثم قال يا محمد لا تحدث عن الحي فإن الحي لا يؤمن عليه أن ينسى1. انتهى.
"المسألة الثالثة":
"من أخذ أجرة على الرواية اختلفوا" أي أئمة الحديث "فيه" أي في قبول من أخذ أجرة على التحديث2 "منهم من لم يقبله وهو مذهب أحمد" ابن حنبل "وإسحق" بن راهويه "وأبي حاتم الرازي3" قالوا "لأنه يخرم من مروءة الإنسان وإن استحله" الأخذ أي رآه حلالا لأنه قد تقدم في رسم العدالة أنه لا بد من السلامة عما يخرم المروءة فمن خرمها فليس بعدل "بخلاف أخذ الأجرة على القرآن" أي على تعليمه قالوا لأن هناك العادة جارية بأخذ الأجرة فلا يخرم مروءة الآخذ قالوا "و" لأن "الظن يساء بفاعل ذلك" أي فاعل قبض الأجرة على الرواية.
قال الخطيب وإنما منعوا ذلك تنزيها للراوي عن سوء الظن به فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية. عثر على تزيده وادعائه مالم يسمع لأجل ما كان يعطي ولذا بالغ شعبة فيما يروي عنه وقال لا تكتبوا عن الفقراء شيئا فإنهم يكذبون4.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 التقييد والإيضاح ص 131- 132. وفتح المغيث للعراقي 2/31. وتدريب الراوي 1/337.
2 في التعليقة السابقة خلاف هؤلاء العلماء حاصل في أخذ المحدث العوض عن التحديث من تلاميذه الذين ينقطع هو لهم.
فإما أن يأخذ المحدث من بيت مال المسلمين ما يقوم بحاجاته وحاجات من تجب عليه نفقتهم جزاء احتباسه لذلك فليس بموضوع خلاف بينهم والله اعلم.
3 أنظر علوم الحديث ص 107. و فتح المغيث للعراقي 2/31, وتدريب الراوي 1/337.
4 أنظر الكفاية ص 154, 155.

 

ج / 2 ص -154-        "قال الزين إلا أن يقترن بذلك عذر ينفي ذلك عنه" أي سوء الظن وخرم المروءة "كما روى عن أبي الحسين بن النقور1" ضبط بالنون والقاف آخره راء "أنه فعل ذلك" أي أخذ الأجرة على الرواية "لأن أصحاب الحديث منعوه عن النكب لعياله فأفتاه بجوازذلك في هذه الحال الشيخ أبو اسحق الشيرازي2" فهذا مع العذر وأما مع عدمه فتقدم من منع ذلك.
"ومنهم من رخص فيه" أي في أخذ الأجرة "منهم أبو نعيم الفضل بن دكين" بالدال المهملة مضمومة "شيخ البخاري" روى عنه فأكثر وروى عنه الإمام أحمد وإسحق بن راهوية وابن المبارك وخلق وكان أبو نعيم من أحفظ الناس وأشدهم إتقانا وثقة الأئمة وكان يأخذ العوض على التحديث بحيث أنه كان إذا لم يكن معهم دراهم صحاح بل مكسورة أخذ صرفها ذكره البخاري3.
ومنهم عفان أحد الشيوخ الحفاظ الأثبات شيخ البخاري أيضا قال حنبل سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول شيخان كان الناس يتكلمون فيهم ويذكرونهما وكنا نلقي من الناس في أمرهما ما الله به عليم قاما الله بأمر لم يقم به أحد أو كثير أحد يقل ما قاما به عفان ونعيم يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة وتكلم الناس فيهمامن أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث4.
وقد عد السخاوي جماعة أخذوا على التحديث قال ابن حزم سمعت أبا نعيم يقول يلومونني على الأخذ ويف بيتي ثلاثة عشر وما في بيتي رغيف.
* * *
"المسألة الرابعة":
"رد أهل الحديث من عرف بالتساهل في السماع كالنوم" أي كمن ينام هو أو شيخه "في حال السماع" ولا يبالي بذلك ولذا قال "سواء صدر من الشيخ أو من التلميذ فإنه قدح فيمن صدر عنه ثم اعتد بذلك السماع من غير تمييز لما سمعه مما نام عند سماعه"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 له ترجمة في: تاريخ بغداد 4/381- 382, والعبر 3/272.
2 فتح المغيث للعراقي 2/33, والعبر 3/272- 273.
3 الكفاية ص 156. وسير أعلام النبلاء 10/125.
4 تاريخ بغداد 12/348- 349.

 

ج / 2 ص -155-        وذلك لأنه يثبت ماسمع ولا بضبطه رد أهل الحديث روايته "ومثل من روى الحديث من غير أصل مقابل على أصله أو أصل شيخه" مع كونه هو أو القارئ أو بعض السامعين غير حافظ كما يأتي في بابه ومن ذلك من كان يحدث بعد ذهاب أصوله واختلاج حفظه كابن لهيعة حكاه هشام بن حسان.
قال جاء قوم ومعهم جزء قالوا سمعناه من ابن لهيعة فنظرت فلم أجد فيه حديثا واحدا من حديثه فأتيته فأعلمته بذلك فقال ما أفعل يجيئوني بكتاب فيقولون هذا من حديثك فأحدثهم به1 قال السخاوي2 ولاظاهر أن الرد بذلك ليس على الإطلاق وإلا فقد عرف به أئمة من الجماعة المقبولين وكأنه لما انضم إليهم من الثقة وعدم الإتيان بمالا ينكر.
"وكذا" رد "من عرف بقبول التلقين" الباطل مما يتقنه إياه والتلقين في اللغة التفيهم وفي العرف إلقاء كلام إلى الغير "في الحديث" أي إسنادا أو متنا وبادر إلى التحديث بذلك ولو مرة.
"وهو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه" فلا يقبل لدلالته على مجازفته وعدم تثبته وسقوط الوثوق بالمتصف به.
"كموسى بن دينار" في الميزان قال علي سمعت يحيى القطان قال دخلت على موسى بن دينار أنا وحفص فجعلت لا أريده على شيء إلا لقنته وقال أبو حاتم مجهول وقال الدار قطني ضعيف "ونحوه وكذلك" ردوا "حديث من كثرت المناكير والشواذ في" الروايات من "حديثه" قال ابن الصلاح: في وجه رده وذلك لأنه يخرم الثقة بالراوي وضبطه "كما قال شعبة لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ3" أي النادر وجوده في الرواة.
"وكذلك قيل له" أي لشعبة "من الذي يترك الرواية عنه قال إذا أكثر من الرواية عن المعروف بما لا يعرف أو أكثر غلطه" وقال القاضي أبو بكر الباقلاني فيما حكاه الخطيب عنه4 من عرف بكثرة الغفلة والسهو وقلةالضبط رد حديثه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الكفاية ص 152. وسير اعلام النبلاء 8/24. والمجروحين 1/69.
2 فتح المغيث 2/101.
3 الكفاية ص 141. والمحدث الفاضل ص 410. وعلوم الحديث ص 108.
4 الكفاية ص 152.

 

ج / 2 ص -156-        قال السخاوي1 وأما من لم تكثر شواذه ولا مناكيره أو كثر ذلك مع تمييزه له وبيانه فلا يرد.
"وكذلك ردوا حديث من عرف بكثرة السهو إذا لم يحدث عن أصل صحيح وأما من أصر على غلطه بعد البيان فورد عن ابن المبارك وأحمد ابن حنبل والحميدي وغيرهم أنها تسقط روايته ولا يكتب عنه2" لأن إصراره على الغلط يبطل الثقة بقوله "قال ابن الصلاح: وفي هذا نظر" قال السخاوي وكأنه لقوله قد لا يثبت عنه ما قيل إما لعدم اعتقاده علم المبين له وعدم أهليته أو لغير ذلك.
"وهو غير مستنكر إلا إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك وقال ابن مهدي لشعبة من الذي تترك الرواية عنه فقال إذا تمادى على غلط مجمع عليه ولا يتهم نفسه عند الإجتماع" أي إجتماع الحفاظ "على خلافه" أي خلاف مارواه "أو رجل يتهم بالكذب وقال ابن حبان إن من تبين له خطأه وعلم" بخطئه "فلم يرجع عنه وتمادى" في ذلك "كان كذابا بعلم صحيح" قال التاج التبريزي لأن المعاند كالمستخف بالحديث بترويج قوله بالباطل وأما إذا كان عن جهل فأولى بالسقوط لأنه ضم إلى جهله إنكاره الحق وكان هذا يفمن يكون يف نفسه جاهلا مع اعتقاده علم من أخبر.
* * *
"المسألة الخامسة":
"قال زين الدين ما معناه أعرض الناس في هذه المصور المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط" التي شرحت فيما مضى في الراوي وضبطه فلم يتقيد وابها في علمهم "لعسرها وتعذر الوفاء بها" بل استقر عندهم العمل على اعتبار بعضها كما أشار إليه بقوله "فيكتفي في أهلية الشيخ كونه مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بالفسق وما يخرم المروءة" زاد لزين ظاهرا والمراد بكونه مستور الحال فهذا في العدالة.
"ويكتفي في اشتراط ضبط الراوي بوجود سماعه مثبتا بخط ثقة غير متهم وبروايته من أصل موافق الأصل شيخه وقد سبق إلى نحو ذلك" أي ماقاله الزين الحافظ الكبير أبو بكر "البيهقي لما ذكر توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذي لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 2/105.
2 أنظر الكفاية ص 117- 118, وفتح المغيث للعراقي 2/34.

 

ج / 2 ص -157-        يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم وذلك" أي وجه الأكتفاء بما ذكر وكأنه نقل كلام البيهقي بمعناه وعبارة ابن الصلاح بلفظ ووجه ذلك يعني البيهقي بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت في الجواع التي جمعها أئمة الحديث ولا يجوز أن يذهب على جميعهم وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها "لتدوين الحديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث".
"قال" البيهقي "فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم" أي الأئمة الجامعين للأحاديث التي عرفت عندهم "لم نقبل منه" لأنه يبعد أن لا يأتي أحد من الأئمة في كتبهم "ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه" حال كونه "لا ينفرد بروايته" بل رواه غيره "فالحجة قائمة بحديثه من رواية غيره" فأن قيل فما فائدة السماع منه فجوابه قوله "والقصد بروايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة" وهي سلسلة الإسناد بلفظ التحديث والأخبار "التي خصت بها هذه الأمة" فإنه لم يكن ذلك في الأمم الماضية "شرفا" خبر ليبقى على أنه فعل ناقض على قول أو مفعول له أو حال من الكرامة "لنبينا صلى الله عليه وسلم" تبقى أخباره على هذه الطريقة التي لا انقطاع فيها1.
قلت: ولا يعزب عن ذهنك أن المصنف قد سرد في آخر بحث المرسل هذه الفائدة وزاد عليها فائدتين فتذكر "وكذا الاعتماد في روايتهم على الثقة المفيد لهم لا عليهم" والحاصل أنه لما كان الغرض أولا معرفة التعديل والتجريح وتفاوت المقامات في الحفظ والإتقان ليتوصل بذلك إلى التصحيح والتحسين والتضعيف حصل التشديد بمجموع تلك الصفات ولما كان الغرض آخرا هو الاقتصار في التحصيل على مجرد وجود السلسلة السندية اكتفوا بمامر ذكره وتقريره "وهذا كله توصل من الحفاظ إلى حفظ الأسانيد إذ ليسوا من شرط الصحيح إلا على وجه المتابعة فولا رخصة العلماء لما جارت الكتابة عنهم" لأنهم ليسوا على شرط من كتب حديثه "ولا" جازت "الرواية إلا عن قوم منهم" انتهى كلام الحافظ البيهقي.
"قال زين الدين وهذا هو الذي استقر عليه العمل قال الذهبي في مقدمة كتابه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث 109. وفتح المغيث للعراقي 2/35, وفتح الباقي 1/347- 348.

 

ج / 2 ص -158-        الميزان العمدة في زماننا يلس على الرواة بل على المحدثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين قال ثم من المعلوم أنه لا بد من صون المروى وستره" أي صائنا لعرضة ساترا لنفسه عن الأدناس وما يعيببه عليه الأكياس من الناس كذا فسره البقاعي ويظهر لي أنه أراد صوته لكتاب سماعه بدليل قوله المروي وستره له عمن بغيره ويفسده والله أعلم.
واعلم أنه ذكر هذا في الميزان علة لقوله وكذلك من قد تكلم فيه من المتأخرين لا أورد منهم إلا من قد تبين ضعفه أو على التوقف منه واتضح أمره من الرواة والعمدة إلى آخره.
ثم قال والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس ثلثمائة ولو فتحت على نفسي تلبين هذا الباب لما سلم مني إلا القليل إذا الأكثر لا يدرون ما يرو ولا يعرفون هذا الشأن إنما سمعوا في الصغر واحتيج إلى علو سندهم في الكبر فالعمدة على من قرألهم وعلى من أثبت صفات السماع لهم انتهى.
"قلت: هذا الذي يرجع إليه أهل الحديث هو بعينه الذي بدأ به أهل البيت عليهم السلام" أي الزيديه منهم فإنه قد عد المنصف في العواصم عدة من علماء أهل البيت ليسوا على مذهب الزيدية بل في كل فرقة من فرق الأئمة الأربعة علماء من أهل البيت مذاهبهم على طربقة من هم بين اظهرهم "وهو قبول المراسيل من العدول الثقات الأمناء" وذلك لأن هؤلاء الرواة من المتأخر ين صرح أئمة الحديث بأنه ليس الإعتماد عليهم بل على المحدثين المفيدين وإذا كان الأعتماد عليهم لم يكونوا الإعتماد عليهم بل على المحدثين المفيدين وإذا كان الإعتماد عليهم لم يكونوا رواة فالذي يروي من طريقهم مرسل وإن كان موصولا صورة "ولكن لابد من تقييد المراسيل بما تقدم في بابها والله أعلم" حيث قال فأن المتأخرين من المحدثين وافقوا على قبول المراسيل وهو ملنص على صحته ثقه عارف بهذا الشأن لارتفاع العلل الموهية للمراسيل عن هذا النوع إلى آخر كلامه هنالك.
* * *

 

ج / 2 ص -159-        مسألة: 50 [في ذكر مراتب التعديل]
من علوم الحديث ذكر "مراتب التعديل" مصدر عدله نسبه إلى العدالة مثل فسقه "قال زين الدين هذه الترجمة معقود لبيان ألفاظهم في التعديل التي يدل تغابرها على تباين أحوال الرواة في القوة وقد رتب ابن أبي حاتم" هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن الإمام أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي1 "في مقدمة كتاب الجرح والتعديل2 طبقات ألفاظهم فيها فأجاد وأحسن" كما قاله ابن الصلاح3 "وقد أوردها ابن الصلاح وزاد فيها ألفاظا أحذها من كلام غيره" أي غير ابن أبي حاتم "قال زين الدين وقد زدت عليها ألفاظا من كلام أهل هذا الشأن غير متميزة بقلت" أي لا يميزها عن غيرها بقوله قلت: "ولكنني أوضح ما زدته عليها هنا إن شاء الله تعالى" انتهى كلام الزين.
"ثم قال مراتب التعديل أربع أوخمس" وقال السخاوى4 ست وسأوضح مازاده.
"فالمرتبة الأولى العليا من ألفاظ التعديل ولم يذكرها ابن أبى حاتم ولاابن الصلاح فيما زاده عليه وهو أن يكرر لفظ التوثيق الذكور في هذه الرتبة الأولى إما مع تباين اللفظين" مع تقارب المعنى.
"كقولهم ثبت" بسكون الموحدة الثابت القلب واللسان والكتاب وأما ثبت بالفتح ففما يثبت فيه للمحدث مسموعه مع أسماء الشاركين له فيه لأنه كالحجة عند الشخص لسماعه وسماع غيره "حجة أو ثبت حافظ أو ثقه ثبت أوثقه متقن" هو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 له ترجمة في: البداية والنهاية 11/191. والعبر 2/208. والنجوم الزاهرة 3/256.
2 1/1/37.
3 علوم الحديث ص 110.
4 فتح المغيث 2/109.

 

ج / 2 ص -160-        الضابط الجيد الضبط فلا بد حينئذ مما يدل على العدالة فاذا قال ثبت أفاد ذلك وزيادة فان معناه ما تطمئن به النفي وتقنع به فيثبت عندها أي لاتطلب عليه مزيدا إذ ذلك لايكون إلا لمن جمع مع الضبط العدالة قال في القاموس ثبته عرفه حق المعرفة والإثبات الثقات انتهى وفي النهايه الثبت بالتحريك الحجة والبينة وحينئذ يكون من الرتبة التى قبلها أو نحو ذلك كقولهم كأنه مصحف هذا مع اختلاف اللفظين.
"أومع إعادة الفظ الأول" بعينه "كقولهم ثقة ثقة" تأكيد لفظي لزيادة التقرير "أو نحوها" وذلك لأن التأكيد الحاصل بالتكرار فيه زيادة على الكلام الحاكي عنه.
قال السخاوي وعلى هذا فما زاد على مرتين مثلا يكون أعلى منهما كقول ابن مهدي ثقه ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث قال وأكثر ماوقفنا عليه من ذلك قول ابن عيينة حدثنا عمرو بن دينار وكان ثقة سبع مرات وكأنه سكت لانقطاع نفسه.
"فهذه المرتبة أعلى العبارات في الرواة المقبولين كما قاله الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مقدمة كتابه ميزان الإعتدال"1 فأنه قال فأعلى العبارات في المقبولين ثبت حجة إلى آخر ما هنا وقال السخاوي2 إن أعلاها كما قاله شيخه الحافظ ابن حجر الإتيان بصيغة أفعل كأن يقال أوثق الناس أوأثبت الناس أو نحوهما كقول حسان لبن هشام حدثنى أصدق من أدركت من البشر محمد بن سيرين لما تدل عليه هذه الصيغة من الزيادة وألحق بها شيختا المنتهى في الثبت ثم يليه ما هو المرتبه الأولى عند بعضهم كقولهم فلان لايسأل عن مثله ثم يليه ما هو المرتبه الأولى عند الذهبي والزين3. انتهى.
قلت: الذي في مقدمه التقريب4للحافظ أنه جعل أفعل وتكرير الصيغة مرتبة واحدة هي أول المراتب.
واعلم أنه جعل الحافظ ابن حجر أول المراتب كونه صحابيا فإنه قال وبإعتبار ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 1/4.
2 فتح المغيث 2/110.
3 نزهة النظر ص 134.
4 1/4.

 

ج / 2 ص -161-        ذكرته انحصر لى الكلام على أحوالهم في ثنتى عشرة فأولها الصحابة والثانية من أكد مدحه إما بأفعل كأوثق الناس إلى آخر كلامه فأول المراتب توثيقا كون الراوى صحابيا وظاهر هذا أن كونه صحابيا قد تضمن أنه ثقه حافظ فصفة الصحبة قد تكفلت بالعدالة والضبط وهذا لا إشكال فيه بالنظر إلى العدالة على أصل أئمة الحديث ولكن بالنظر إلى الضبط والحفظ لا يخلو عن الإشكال إذ الحفظ وعدمه من لوازم البشرية لا ينافي الصحبة بل لا ينافي النبوة فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه نسى في صلاته وغيرها فكيف يجعل كون الراوي صحابيا أبلغ من الموصوف بأوثق الناس ونحوه والصحبة لا تنافي النسيان وعدم الحفظ بل قد ثبت في صحيح البخاري نسيان عمر لقصة التيمم وتذكيرر عمار له بها ولم يذكر بل قد ثبت أنه قال صلى الله عليه وسلم: "رحم الله فلانا لقد ذكرني البارحةآية كنت أنسيتها1" وقد ورد علينا سؤال في هذا الشأن وكتبنا فيه رسالة وأطلنا فيها البحث ولم أعلم من تنبه لذلك.
"المرتبة الثانية:وهي التي جعلها ابن أبي حاتم الأولى وتبعه على ذلك ابن الصلاح قال ابن أبي حاتم وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى" جمع شتيت كمرضى ومريض "فإذا قيل للواحد" من الرواة "إنه ثقة أو متقن فهو محتج بحديث قال ابن الصلاح2 وكذا إذا قال ثبت أو حجة" فكل هذه الألفاظ من المرتبة الاولى وهذه الصفات قد تضمنت العدالة والحفظ فأما إذا أفرد الحفظ والضبط فلا تتضمن العداة كما يشير إليه قوله "وكذا إذا قيل في العدل إنه حافظ أو ضابط" إذ مجرد الوصف بكل منهما غير كاف في التوثيق بل بين المعدل وبنهما عموم وخصوص من وجه لأنه لايوجد بدونهما ويوجدان بدونه ويوجد الثلاثة.
ويدل لذلك ان ابن أبي حاتم سأل أبا زرعة عن رجل فقال له: هو صدوق وكان أبو سليمان بن داود الشاذ كوني من الحفاظ الكبار إلا انه كان يتهم بشرب النبيذ وبالوضع حتى قال البخاري: إنه أضعف عندي من كل ضعيف ورؤي بعد موته في النوم فقيل له: مافعل الله بك؟ فقال غفر لي قيل له: بماذا؟ قال: كنت في طريق أصفهان فأخذني مطر وكان معي كتب ولم أكن تحت سقف ولا شيء فانكببت على كتبي حتى أصبحت وهذا المطر فغفر الله لي بذلك في آخرين. انتهى.قال السخاوي: ومجرد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الشفا 2/345, والإتحاف 4/493, والكنز 2793.
2 علوم الحديث ص 110.

 

ج / 2 ص -162-        الوصف بالإتقان كذلك قياسا على الضبط سوى إشعاره بمزيد الضبط.
"قال الخطيب:أرفع العبارات أن يقال: حجة أو ثقة" فالحجة والثقة مستويان عنده وفي كلام ابن أبي داود حسين سأله الآجري عن سليمان بن بنت شرحبيل فقال: ثقة يخطى كما يخطى الناس فقال الآجري فقلت:هو حجة قال: الحجة مثل أحمد بن حنبل وكذا قال ابن أبي شيبة في أحمد بن عبد الله بن يونس: ثقة وليس بحجة وقال في محمد بن إسحاق:ثقة وليس بحجة وفي ابن أويس صدوق وليس بحجة.
"المرتبة الثالثة قولهم ليس به بأس أولا بأس به" فإن قيل إنه ينبغي أن يكون لا بأس به أبلغ من ليس به بأس لعراقه لا في النفي أجيب بأن في العبارة الأخرى قوة من حيث وقوع النكرة في سياق النفي فسارت الأولى في الحملة "أو صدوق" على صيغة المبالغة لا محله للصدق فيأتي أنها دونها "أو مأمون أو خيار" من الخير ضد الشر ومن ذلك الوصف لسيف بن عبيد الله أنه من خيار الخلق كما في أصل حديثه من سنن النسائي.
"وجعل ابن أبي حاتم وأبن الصلاح هذه المرتبة الثانية لا الثالثة واقتصرا فيها على قولهم صدوق أو لا بأس به وأدخلا فيها قولهم محله الصدق وقال ابن أبي حاتم من قيل فيه ذلك فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه" قال ابن الصلاح: لأن هذه اللفظة لا تشعر بشريطة الضبط فينظر حديثه الخبير حتى يعرف ضبطه.
"وأخرت هذه اللفظة" وهي محله الصدق "إلى المرتبة التي تلي هذه تبعا لصاحب الميزان" فإنه هكذا صنع وهذه اللفظة دالة على أ صاحبها محله ومرتبته مطلق الصدق فهي ون يصدوق لأنه وصف بالصدق على طريقة المبالغة ولذا جعل صدوق من المرتبة الثانية ومحله الصدق من المرتبة الرابعة.
"والمرتبة الرابعة قولهم محله الصدق أورووا عنه أو على الصدق ما هو" يعني ليس ببعيد عن الصدق وقال البقاعي معناه عند أهل الفن أنه غير مدفوع عن اليصدق وتحقيق معناها في اللغة أن حرف الجر يتعلق بما يصلح التعليق به وهو هنا قريب فالمعنى فلان قريب إلى الصدق ويحتمل أن تكون ما نافية وحينئذ يجوز أن يكون المعنى ما هو ثريب منه فيكون نفيا لما أثبتته الجملة الأولى فتفيد مجموع العبارة التردد فيه.
قلت: بل المعنى على هذا فلان قريب إلى الصدق وهي الجملة الاولى ما هو

 

ج / 2 ص -163-        قريب وهي الثانية فتفيد تناقض الجملتين لا التردد فلا ينبغي حمل كلامهم على هذا الأحتمال.
قال: ويحتمل ماهو بعيد فيكون تأكيدا للجملة الأولى.
قلت: هذا متعين.
قال ويحتمل أن تكون استفهامية فكأنه قيل هو قريب إلى الصدق ثم سألت عن مقدار القرب فقال ماهو قليل أو كثير.
قلت: هذا يبعده السسباق لأن القائل إلى الصدق ما هو هو الذي عدل من وصف فكيف يسأل غيره عنه فأولى التوجيهات هو الأول ومعنى ماهو ا تكون ما نافية وهو اسمها وخبهرا محذوف أي ماهو بعيد عن الصدق والجملة تأكيد لما قبلها.
"أو شيخ وسط أو سط أو شيخ أو صالح لحديث أو مقارب الحديث بفتح الراء" ومعناه حديثه يقارب حديث غيره "وكسرها" ومعناه أن حديثه مقارب لحديث غيره من الثقات وبالكسر صبطت في الأصول الصحيحة من كتب ابن الصلاح المقروءة عليه وكذا ضطها النووي في مختصر يه وابن الجوزي "كما حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي" وبهما ضبطه ابن دحية والبطليوسي وابن رشد في رحلته قال ومعناه يقارب الناس في حديثه ويقاربونه أي ليس حديثه بشاذ ولا منكر "أو" يقال فيه "جيد الحديث" من الجودة "أو حسن الحديث أو صويلح أو صدوق إن شاء الله تعالى" بخلافه إذا لم يقيد بالشيئة فإنه من الثالثة كما عرفت "أو أرجو أنه ليس به بأس واقتصر ابن أبي حاتم في المرتبة الثالثة من كلامه على قولهم شيخ وقال هو بالمنزلة التي قبلها يكتب حديثه وينظر فيه إلا إنه دونها واقتصر" ابن أبي حاتم في المرتبة الرابعة على قولهم صالح الحديث وقال إن من قيل فيه ذلك يكتب حديثه للاعتبار قال ابن الصلاح: وإن لم يستوف النظر المعرف بكون ذلك المحدث في نفسه ضابطا مطلقا واحتجنا إلى حديث من حديثه ونظرنا هل له أصل من رواية غيره كما تقدم من بيان طريقة الاعتبار في محله.
"ثم ذكر ابن الصلاح من ألفاظهم" أي أئمة الحديث "في التعديل على غير ترتيب قولهم فلان روى عنه الناس فلان وسط فلان مقارب الحديث فلان ما أعلم به بأسا قال وهو دون قولهم لا بأس به" فإنه جزم فيها بنفي البأس وهنا ينفي علمه والفرق بين الأمرين واضح.

 

ج / 2 ص -164-        "وأما تمييز الألفاظ التي زدتها" الأولى أن يقدم قبل هذا قال الزين لأن هذا كلامه وليس في عبارة المصنف إشعار به "على كتاب ابن الصلاح فهي المرتبة الأولى بكاملها وفي الثالثة مأمون وخيرا وفي الرابعة إلى الصدق ماهو وشيخ وسط ووسط وجيد الحديث وحسن الحديث وصويلح وصدوق إن شاء الله تعالى وأرجوا أنه لا بأس به وهو نظير ما أعلم به بأسا إذ الأولى" وهي وأرجو "أرفع لأنه لا يلزم من عدم العلم حصول الرجاء لذلك وقد روى عن" الإمام يحيى "بن معين أنه إذا قال لرجل ليس به بأس فهو ثقة وإذا قال هو ضعيف فليس بثقة ولا يكتب حديثه".
ولما كان هذا خلاف ما سلف عن ابن أبي حاتم جمع ابن الصلاح بينهما كما نقله عنه المصنف بقوله "وقال ابن الصلاح: إنه" أي ابن معين "حكى هذا عن نفسه لا عن غيره بخلاف ما ذكره ابن أبي حاتم يعني فإنه نسبه إلى أهل الحديث" وأجاب الزين بغير هذا كما أفاده قوله "وقال زين الدين ولم يقل ابن معين إن قولي ليس به بأس مثل قولي ثقة حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين إنما قال إن من قال فيه هذا فهو ثقة".
وليس لفظ الثقة يطلق على مرتبة معينة بل كما قال "وللثقة مراتب فالتعبير عنه بأنه ثقة أرفع من التعبير عنه بأنه لابأس به وإن اشتركا في مطلق الثقة وعن عبد الله بن إبراهيم" في شرح البخاري عبد الرحمن ابن إبراهيم دحيم وهو الذي كان في أهل الشام مثل ابن أبي حاتم قال أهل الشرق "مثل كلام يحيى بن معين" قال أبو زرعة قلت: لعبد الرحمن ما تقول في علي بن حوشب الفزاري قال لا بأس به قال قلت: ولم لا تقول ثقة ولا نعلم إلا خيرا قال قلت: لك إنه ثقة.
"و" روى "عن عبد الرحمن بن مهدي مثل ما تقدم في الفرق بين العبارتين" وذلك أنه سأله عمر بن علي الفلاس حين روى عن أبي جلدة بالجيم وسكون اللام وهو خالد بن دينار التميمي "فإنه قيل" أي قال له الفلاس "في رجل" هو أبو جلدة "أكان ثقة قال كان صدوقا وكان مأمونا وكان خبرا وفي رواية وكان خيارا" ثم قال "الثقة شعبة وسفيان" الثوري وفي بعض الروايات عن ابن مهدي بدل سفيان مسعر يصرح بأن حجيته ثقة على كل من صدوق وخيرا ومأمون التي كل منها من مرتبة ليس به بأس ولا يخدش فيه قول ابن عبد البر كلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ إذ أبو جلده ثقة عند جميعهم كما صرح به الترمذي حيث قال هو ثقة عند أهل الحديث فإن هذا لا يمنع الاستدلال المشار إليه قاله السخاوي.

 

ج / 2 ص -165-        "وعن أحمد بن حنبل أنه سئل عن عبد الوهاب بن عطاء هل هو ثقة فقال للسائل أتدري ما الثقة إنما للثقة يحيى بن سعيد القطان وكان ابن مهدي فيما ذكر أحمد ابن سنان ربما جرى ذكر حديث الرجل فيه ضعف وهو رجل صدوق فيقول رجل صالح الحديث" فيجعله منحطا عن رتبة ليس به بأس.
ولما فرغ من مراتب التعديل أخذ في بيان مراتب التجريح فقال:
* * *

 

ج / 2 ص -166-        مسألة: 51 [ في مراتب الجرح]
"مراتب التجريح هي خمس مراتب وجعلها إن أبى حاتم أربعاوتبعمه ابن الصلاح" وسوقها المنصف كالزين في التدلي إلى الأدنى معأن العكس كما فعله ابن أبي حاتم وابن الصلاح كان أنسب لتكون مراتب القسمين منخرطة في سلك واحد بحيث يكون أولها الأعلى من التعديل وآخرها الأعلى من التجريح.
"الأولى" من المراتب الأربع "وهي أسوؤها أن يقال فلان كذاب أو يكذب أو يضع الحديث أو وضاع الحديث أو وضع حديثا أو دجال" وذكر السخاوي1 عن شيخه الحافظ ابن حجر أنه جعل المرتبة الأولى مادل على المبالغة كأكذب الناس وإليه المنتهى في الوضع وهو ركن الكذب قال فهذه المرتبة الأولى ثم يليها كذاب إلى آخر ما سرده المصنف.
قلت: والذي في مقدمة التقريب أنه جعل المرتبة الثانية عشر من أطلق عليه اسم الكذب ولاوضع هذا لفظه وهي أول المراتب هنا وفي النخبة وشرحها2 الطعن يكون بعشرة أشياء إلى أن قال وهذا ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد لأن الطعن إما يكذب الراوي ثم قال وهو الموضع فجعل الوصف بالكذب أول المراتب بأي عبارة كان.
"وأدخل ابن أبي حاتم والخطيب بعض ألفاظ المرتية الثانية وفي هذه المرتبة قال ابن أبي حاتم إذا قالوا متروك أو ذاهب الحديث أو كذب فهو ساقط لا يكتب حديثه وقال الخطيب أدون العبارات أن يقال كذاب ساقط الحديث قال الزين" بعد نقله لهذا الكلام "وقد فرقت بين هذه الألفاظ تبعا لصاحب الميزان يعني الحافظ الذهبي فإنه جعلها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 2/120.
2 ص 43.

 

ج / 2 ص -167-        من الثانية".
"المرتبة الثانية" وألفاظها "فلان متهم بالكذب أو الوضع فلان ساقط وفلان هالك وفلان ذاهب أو ذاهب الحديث أو متروك أو متروك الحديث أو تركوه أول يعتبر به أو بحديثه أوليس بالثقة أو غير ثقة ولا مأمون أو نحو ذلك وفيه نظر وسكتوا عنه" قال الزين1 وهاتان العبارتان للبخاري فيمن تركوا حديثه.
"المرتبة الثالثة فلان رد حديثه أو ردوا حديثه أو مردود الحديث أو ضعيف جدا أو واه بمرة" قال الحافظ ابن حجر: أي قولا واحدا لا تردد فيه "أو طرحوا حديثه أو مطروح الحديث وارم به وفلان ليس بشيء أو لا شيء أو لا يساوي شيئا أو نحو ذلك" قال زين الدين بعد سرده لهذه الألفاظ "وكل من قيل فيه ذلك من" أهل "هذه المراتب الثلاث لا يحتج به ولا يعتبر ولا يستشهد به" انتهى.
قال المصنف "ونلحق بذلك فائدة و" هي أن الحافظ ابن حجر ذكر في مقدمة شرح البخاري في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري "أنه ذكر ابن القطان" الفاسي بالفاء نسبة إلى فاس "أن مراد ابن معين بقوله في بعض الرواة ليس بشيء يعني أن أحاديثه قليلة جدا" فلا يكون إطلاق ذلك اللفظ جرحا.
"المرتبة الرابعة فلان ضعيف أو منكر الحديث أوواه أو ضعفوه أو لا يحتج به وضقال الحافظ ابن حجر: في ترجمة يزيد بن عبد الله بن خصيفة" ضبطه الحافظ في التقريب بمعجمة ثم مهملة وقال إنه ثقة "الكندي إن أحمد بن حنبل يطلق على من يغرب" أي يأتي بالغرائب "على أقرانه في الحديث أنه منكر الحديث قال عرف ذلك بالإستقراء من حاله قال وابن خصيفة احتج به مالك والأئمة كلهم مع قول أحمد ذلك فيه" فاصطلاح أحمد غير اصطلاح غيره فينبغي أنه يتنبه له.
"وكذا قال" الحافظ "إن مذهب البرذنجي" تقدم لنا ضبطه "أن المنكر هو الفرد وإن تفرد به ثقة فلا يكون قوله في الراوي إنه منكر الحديث جرحا ذكره في ترجمة يونس بن القاسم الحنفي اليماني".
"المرتبة الخامسة فلان يقال فيه أو ضعف أو فيه ضعف أو في حديثه ضعف أو فلان تعرف وتنكر أو ليس بذلك أو ليس بذاك القوى أو ليس بالقوي أو ليس بالمتين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 2/39.

 

ج / 2 ص -168-        أو ليس بحجة أو ليس بعمدة أو بالمرضي أو للضعف ما هو" هي مثل قوله إلى الصدق ما هو واللام بمعنى إلى "أو فيه خلاف أو طعنوا فيه أو مطعون فيه أو سيء الحفظ أو لين أو لين الحديث أو فيه لين أو تكلموا فيه ونحو ذلك" قال ابن المديني بعد سرده لما ذكر.
"وكل" مبتدأ مضاف إلى "من ذكر في المرتبة الرابعة أو الخامسة فإنه" خبر كل وأدخلت الفاء كما عرف في النحو "يخرج حديثه للاعتبار" وتقدم بيانه.
"قال ابن أبي حاتم إذا أجابوا في رجل أنه لين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينتظر في اعتبارا" وهو من أهل المرتبة الخامسة كما عرفت "وإذا قالوا ليس بقوي" فهو من أهل المرتبة الرابعة "فهو بمنزلته" لين الحديث في كتابه حديثه إلا أنه دونه "وإذا قالوا ضعيف فهو دون الثاني" أي دون قولهم ليس بقوي لا يطرح حديثه بل يعتبر فيه.
"قال" زين الدين "وقد تقدم في كلام ابن معين ما قد يخالف هذا من أن من قال فيه ضعف فليس بثقة لا يكتب حديثه وتقدم أن ابن الصلاح أجاب عنه بأنه لم يحكه عن غيره من أهل الحديث" كما سلف "وسأل حمزه السهمي الدرا قطني أيش تريد" أصله أي شيء فخفف ووصل "إذا قلت: فلان لين قال لا يكون ساقطا متروك الحديث ولكن مجروحا بشيء لا يسقط عن العدالة".
قال الزين "وأما تمييز ما زدته من ألفاظ الجرح على ابن الصلاح فهي فلان يضع ووضاع ودجال ومتهم بالكذب وهالك وفيه نظر وسكتوا عنه ولا يعتبر به وليس بالثقة ورد حديثه وضعيف جدا رواه بمرة وطرحوا حديه وارمبه ومطرح ولا يساوي شيئا ومنكر الحديث رواه وضعفوه وفيه مقال أو ضعف ويعرف وينكر أي يأتي مرة بالمناكير ومرة بالمشاهير فينبغي أن ينظر حديثه ولا يؤخذ ما رواه مسلما وهو قريب من قولهم في التوثيق محلقه الصدق وما معها من ألفاظ المرتبة الرابعة وليس بالمتين وليس بحجة وليس بعمدة وليس بالمرضي وللضعف ما هو وفيه خلاف وطعنوا فيه وسيئ الحفظ وتكلموا فيه فهذه لم يذكرها ابن أبي حاتم ولا ابن الصلاح وهي موجودة في كلام أئمة هذا الشأن" انتهى كلام زين الدين.
ثم ذكر المصنف فوائد لم يذكرها الزين وهي خلاصة ما ساقه فقال "ويلحق به فوائد":
"الأولى: أن أهل المرتبتين الرابعة والخامسة من أهل الديانة والصدق والعدالة وإنما

 

ج / 2 ص -169-        تكلم عليهم لشيء في حفظهم" فعلى هذا كل تلك العبارات مراد بها خفة الضبط لا غير "ولهذا لا يكذبون كأهل المرتبة الأولى ولا يتهمون بذلك ولا يترك حديثهم ولا يقال في واحد منهم ليس بثقة" فكل هؤلاء هم أهل المرتبة الثانية من مراتب التعديل لكن لا يخفى أن أهل المرتبة الثانية من قيل فيه متقن ثبت حافظ ضابط حجة ثقة وهذه الألفاظ تنافي عبارات أهل الرابعة والخامسة إذ هي ضعيف منكر الحديث ضعفوه ونحوها وكأنه أشار بقوله "فتأمل" إلى هذا فإن أهل المرتبة الرابعة والخامسة أرفع من أن يقال في أحدهم ليس بثقة كمن ذكرنا من أهل المرتبة الثانية من مراتب التجريح.
"الفائدة الثانية: أن أهل المرتبة الثالثة من مراتب التجريح أرفع من أن يقال لأحدهم ليس بثقة ولا يتهمون بالكذب مع أن حديثهم مردود ومطروح لقولهم فيها فلان ردوا حديثه أو مردود الحديث أو ضعيف جدا فبهذا تعرف أن أهل المرتبة الثالثة أيضا ممن لا يكذب ولايتهم بذلك" الكذب ولا ينزل إلى من يوصف بأنه غير ثقة لترفعه عن تعمد ذلك ولكنهم أهل وهم كثير حكم برد حديثهم لأجل ذلك فقط فعلى هذا قولهم فلان ليس بشيء أو لاشيء أو لا يساوي شيئا يعني كثير الوهم وإنما قلت: ذلك لأن التهمة والحكم بقي الثقة هو حكم أهل المرتبة الثانية حيث قالوا فيهم فلان منهم فلان ليس بثقة وكل ما حكم به على أهل مرتبة لم يحكم به على من هو أرفع منها وإلا لتداخلت المراتب وضاع التقسيم.
"الفائدة الثالثة: أنك لا تصف أهل مرتبة بصفة من فوقهم ولا" تصفهم بصفة "من دونهم" وذلك لأن لأهل كل مرتبة أحكاما وأوصافا تختص بها "ولا تقول في الكذاب" أي فيمن وصفوه بذلك "أنه متهم بالكذب لأن الأولى تفيد أنه معروف به والثانية تيفد نفي ذلك" وإنما عنده مجرد تهمة "ولا تقول في الكذاب متروك الحديث وإلا أن تشك في أنه كذاب وتحقق أنه متروك" لأنه من أهل المرتبة الثالثة على غير قول ابن أبي حاتم وكذاب من أهل الأولى على قوله.
"فإن قلت: أليس الكذاب متروك الحديث قلنا بلى" أي متروك الحديث "ولكن قد صار ترك الحديث عبارة عمن لم يعرف بأنه كذاب" فقد فرق العرف بينهما وإن تصادفا في الحكم وهو ترك حديث كل منهما "كما أن الكذاب ضعيف غير قوي ولا يقال فيه ذلك" أي أنه متهم بالكذب "لأنه يفيد أنه عدل صدوق ولكنه يهم في حديثه" كما يفيده إطلاق متهم عليه "فإن أحببت أن تقول كذا ب متروك الحديث فلا بأس لأن الإيهام قد

 

ج / 2 ص -170-        ارتفع" بالجمع بين الوصفين.
"فإن قلت: أي فرق بين متروك الحديث ومردود الحديث حتى توصف أهل المرتبة الثانية بالمتروك وأهل الثالثة بالمردود قلت: لا فرق بينهما في اللغة ولكن أهل العرف من المحدثين جعلوا بينهما فرقا" فالفرق عرفي لا لغوي "فالمتروك يطلق على من ترك لجرح دينه أو تهمة بالكذب والمردود يطلق على من لم يعتمد ذلك ولا يتهم به ولكن كثر خطؤه حتى لم يقبل ولا يكتب حديثه ولا يعتبر به" كما في حقيقته فمرتبة المردود أجنى من مرتبة المتروك.
"الفائدة الرابعة أن أهل المرتبة الرابعة والخامسة من المجروحين" ممن قيل فيه ضعيف أو منكر الحديث أو واه أو فيه مقال أو ضعف "هم أهل المرتبةالرابعة من المعدلين" وهو من قيل فيه محلح الصدق أو رووا عنه أو نحوه "لما تقدم في كل واحد منهم أنه يكتب حديثه للاعتبار" كما تقدم عن ابن أبي حاتم أنه قال كل من كان من أهل المرتبة الرابعة والخامسة فإنه يكتب حديثه للاعتبار.
"ولكنهم حين يقصدون رفعهم عمن لا يعتبر به ولا يكتب حديثه يوردون الأدنى من ألفاظ التعديل" نحو محله الصدق "وحين يريدون حطهم عمن يحتج به في الصحيح يوردون الأعلى من عبارات التجريح" فيقولون ضيعف أو منكر الحديث "فهم أهل صدق وديانة ولكنهم ضعفاء بالنظر إلى من فوقهم في الإتقان من الحفاظ وهم لأجل صدقهم وتوسط حطتهم بين الكثرة المردودة والندرة التي لا حكم لها صالحون لا بأس بهم إذا وجد لهم متابع أو شاهد بالنظر إلى من دونهم من الكذابين والمتروكين و" بالنسبة إلى "من كثر خطؤه فرد حديثه" هذا على قواعد المحدثين وقد تقدم هذا للمصنف في بحث الحسن وتقدم ما فيه فتذكر "وأما على قواعد كثير من الفقهاء وأهل الأصول فيجب قبولهم من غير اعتبار متابع ولا شاهد" لما تقدم من قبولهم من كثر صوابه على خطئه.
"الفائدة الخامسة لم يذكر زين الدين المجهول في مراتب التجريح وإن كان قد ذكره فيمن يرد حديثه ولا بد من ذكره فيها" أي في مراتب التجريح إذ قد رد حديثه وحيث لا بد من ذكره "فإما أن يجعل مرتبة منفردة أو يلحق بأهل الثالثة لأنه عند أهل الحديث ممن لا يقبل حديثه وإن كان بعض من سماه مجهولا يوجب قبوله كما تقدم" تحقيق ذلك في بحث الحسن.

 

ج / 2 ص -171-        "الفائدة السادسة إن أكثر هذه العبارات في التجريح غير مبينة السبب" فهي من باب الجرح المطلق "فتكون غير مفيدة للجرح" الموجب لإطراح الرواية "ولكن" تكون "موجبة للريبة والوقف" في قبول من قيلت فيه ورده "في غير المشاهير بالعدالة والأمانة فلا تؤثر فيهم".
ولما ورد على هذا ما تقرر في الأصول من أن الجرح مقدم على التعديل قال في جوابها "ولا يغتر مغتر بأن الجرح مقدم على التعديل" فإنهم وإن أطلقوا العبارة في ذلك "فذاك الجرح المبين السبب" لأن مالم يبين سببه فلا يتحقق أنه خرج يوجب الرد.
"على أن المختار فيه" أي في مبين السبب "هو مامر من التفصيل" يرد قوله وأما أن بين السبب نظرنا في ذلك السبب وفي العدل الذي ادعى عليه ونظرنا أي الجوائز أقرب إلى آخر كلامه "فإذا لم يكن" الجرح "مبين السبب فهو مقبول" فيمن اشتهر بالعدالة أصلا أو غير مقبول في الرد جزما بل يوجب توقفنا "على الصحيح فضلا عن أن يقدم على التوثيق المقبول وأقل الأحوال أن يكون موضع ترجيح لأنه يحتمل" مع إطلاقه "أن الجارح جرح الراوي بما لو ظهر لنا لم نجرح به كما يحتمل أن الراوي جرح بما لم يعلم به من عدل" وهذا الاحتمال هو الذي أوجب الوقف لا الرد مطلقا ولا القبول.
"فإن قلت: فأي هذه الألفاظ جرح مبين السبب قلت: ليس فيها صريح في ذلك ولكن أقربها إلى ذلك قولهم وضاع ويضع الحديث فإنها مستعملة فيمن عرف بتعمد الكذب إما بإقراره أو ما يقوم مقامه ويليهما في الدلالة على التعمد منهم بالوضع" وتقدم أنه من الرتبة الثانية من رتب الجرح وكذاب من الأولى.
ولما كان كذلك قال "وأما كذاب فقد اختلف عرفهم فيها اختلافا لا يحصل معه طمأنينة أن من قبلت فيه متعمد الكذب لأن كثيرا منهم يقولون ذلك في حق صالحين كثر خطؤهم في الحديث" ليسوا ممن يتعمد الكذب "وهذا موضع صعب فإن خطأ الموجب لعدم القبول مختلف فيه صعب المأخذ كما تقدم" تحقيق مراد المصنف.
"وقواعد الأصوليين تقتضي أنه يجب قبوله لأنه مسلم عدل حتى يظهر ما يوجب جرحه والذي يوجب جرحه عند جماهير النظار هو استواء حفظه ووهمه أو ترجيح وهمه على حفظه وتحقيق ذلك أو ظنه مدرك حفى والله أعلم" بل لا يكذا يقف عليه إلا علام الغيوب.

 

ج / 2 ص -172-        "الفائدة السابعة أن هذه الألفاظ الجارحة" إسناد مجازي أي الجارح قائلها "إذا صدرت مع اختلاف الاعتقاد" بين الجارح والمجروح كفر يقي الأشعرية "و" المعتزلة أو صدرت "من الأقران" جمع قرن بكسر القاف وهو المثل "المتنافسين" المتحاسدين "أو" صدرت "عند الغضب" من الجارح على من يجرحه "أو نحو ذلك من الأسباب" فإن كان ذلك الجرح صاجرا عمن ذكر "فينبغي أن تكون دلالتها" أي الألفاظ الجارحة "على الجرح أضعف" من دلالتها عليه عند صدورها من غير من ذكر "فإن ذلك" أي الأختلاف ونحوه "من أسباب الجرح المجرد عند كثير منهم" أي من الجارحين "فإذا انضم إليه" أي إلى ما ذكر "أقل شيء مما ينجبر" به فلا يوجب قدحا "لولا مخالفة العقيدة انتهض" أي أقل شيء مما ينجبر لو اتفقت العقيدة "سببا للذم" من الجارحين "ومثيرا للوصم" بالصاد المهملة العيب.
"وقد يستحل بعضهم ذم الرجل لأجل بدعته" أي يجعل ذمه حلالا كأنه ليحذر الناس عن اتباعه على بدعته "غير قاصد بذمه لتضعيف حديثه" إلا أنه لا يعزب عنك أنه قد أخذ في رسم العدلة أن لايكون معها بدعة فالمبتدع حديثه مردود فكيف يقال لا يقصد تضعيف حديثه بذكر بدعته "فتؤخذ ألفاظ التجريح في ذلك الذم فيرد حديثه لأجلها" لأجل ألفاظ التجريح.
واستدل لما ذكر بقوله "ولقد تركوا حديث داود بن علي الأصيهاني الظاهري" قال الخطيب في تاريخه كان ورعا ناسكا زاهدا وفي كتبه حديث كثير لكن الرواية عنه عزيزة جدا وقال أبو إسحاق مولده سنة إثنين ومائتين وأخذ العلم عن إسحاق وأبي ثور وكان زاهدا متقللا وكتب ثمانبة عشر ألف ورقة وقال أبو إسحاق كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر وإنما تركوا الرواية عنه "لأجل قوله بأن القرآن محدث" قال الذهبي أراد داود الدخول على الإمام أحمد فمنعه وقال كتب إلى محمد بن يحيى الذهلي في أمره أنه زعم أن القرآن محدث فلا يقربنى فقيل يا أبا عبد الله إنه ينتقي من هذا وينكره فقال محمد ابن يحيى أصدق منه "وتطابقوا على تركه حتى عزت الرواية عنه مع ما في كتبه من الحديث الكثير وعبروا عنه بأنه متروك" لم أجد هذا التعبير عنه في الميزان وكأنه في غيره.
قلت: وإذ قد عرفت أنهم شرطوا في العدالة عدم البدعة وقد عرفت أن الحق أن القول بأن القرآن قديم أو محدث بدعة فردهم حديث داود جار على ما قعدوه في

 

ج / 2 ص -173-        العدالة لكن يلزمهم رد من قال قديم كما قررناه في محل آخر.
"وهذا" أى قولهم في داودإنه متروك "يفيد أنه من أهل المرتبة الثانية" من مراتب التجريح "أو هو أرفع من ذلك" لاأعرف لزيادتها وجها إلا عند من يرد المأول المستحق للرد والمختار للمصنف وغيره من المحققين عدم رده كما عرفت "والظاهر أنه" أي داود "لم يذهب إلى التحسيم ولا غيره من الكبائر" أي المعدودة كبيرة في الإعتقاد وغن لن تكن من كبائر الذنوب "لأنهم لم ينقموا عليه إلا كلامه في القرآن أما شنع" جمع شيعة "مسائله الفرعية فليست مما يجرح به" وإن كان الصحيح أنه أخطأفي بعضها قطعا فذلك الخطأ لاينهض فسقا لأنها مسائل ظنية ولاتقسيق إلا بقاطع فقد علم أنهم لم يتركوه إلالقوله القرآن محدث.
"وأكبر" بالباء الموحدة "من هذا قول بعضهم في عمرو بن عبيد عابد شيوخ الاعتزال الذي ليس في زهده وورعه مقال والذي تضرب بعبادته الأمثال إنه كذاب" هو مقول قول البعض قال الذهبي في الميزان1 في ترجمة عمرو بن عبيد قال أيوب ويونس يكذب وقال حميد كان يكذب على الحسن وقال ابن حبان كان من أهل الورع والعبادة إلا أن أحدث ما أحدث فاعتزل مجلس الحسن هو وجماعة قسموا المعتزلة قال وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث وهما لا تعمدا قال الفلاس عمرو متروك صاحب بدعة وحدت عنه الثوري أحاديث قال سمعت عبد الله بن سلمة الحضرمي يثول سمعت عمرو بن عبيد يقول لو شهد عندي علي عليه السلام وطلحة والزبير وعثمان رضي الله عنهم على شراك نعل ما أجزت شهادتهم انتهى.
"وما كان عمرو ممن يطرح عليه مثل هذا وإن كان يهم في الحديث كثيرا أو قليلا" فقد وهم والوهم لا يوجب الرمي بالكذب إلا أن ابن حبان قد قيد ذلك بقوله وهما لا تعمدا "فقد وهم فيه" أي الحديث "أبو حنيفة وضعفه كثيرون" لم يترجم لأبي حنيقة في الميزان وترجم له النووي في التهذيب وأطال في ترجمته ولم يذكره بتضعيف "وحملوا ألفاظ تضعيفه" أي أبي حنيفة كأنهم لم يأتوا بعبارات خاصة كما أتوابها في عمرو بن عبيد "وما أظن عمرو" بن عبيد "كان في دون مرتبة أبي حنيفة في الحفظ والأتقان والله أعلم" وإذا كان كذلك فما الحامل على القدح في عمرو إلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 3/274/6404.

 

ج / 2 ص -174-        المخالفة في العقيدة.
"قال الذهبي1 في ترجمة أحمد بن عبد الله بن أبي نعيم الأصبهاني ما لفظة كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به" في القاموس ما أعبأ فلان ما أبالي به "ولا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجو منه إلا من عصم الله وما علمت أن عصرا من الأعصار يسلم أهله من ذلك إلا الأنبياء عليهم السلام والصديقين فلو شئت لسردت من ذلك كراريس انتهى وأنت إذا رمت النظر في كتب الرجال وتأملت ما ذكرت لك عرفت أنه الحق إن شاء الله تعالى".
قلت: قد عيب علي الذهبي ما عابه في غيره قال ابن السبكي في الطبقات نقلا عن الحافظ صلاح الدين العلائي2 ما لفظه الشيخ شمس الدين الذهبي لا أشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقول ولكنه غلب عليه منافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات فإذا ترجم أحدا منهم أطنب في محاسنه وتغافل عن غلطاته وإذا ذكر أحدا من الطرف الىخر كالغزالي وإمامه الجويني لا يبالغ في وصفه ويكثر من قول من طعن فيه وإذا ظفر لأحد منهم بلغطة ذكرها وكذا يفعل في أهل عصرنا وإذا لم يقدر على التصريح يقول في ترجمته والله يصلحه ونحو ذلك وسببه المخالفة في العقيدة انتهى.
قال ابن السبكي وقد وصل يريد الذهبي من التعصب وهو شيخنا إلى حد يسخر منه وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين والذي أفتى به أنه لا يجوز الاعتماد على شيخنا الذهبي في ذم أشعري ولا مدح حنبلي.
قلت: لا يخفى أن الصلاح العلائي وابن السبكي شافعيان حادان أشعريان وأن الذهبي إمام كبير الشأن حنبلي الاعتقاد شافعي الفروع وبين هاتين الطائفتين الحنابلة والأشعرية في العقائد في الصفات وغيرها تنافر كلي فلا يقبلان عليه بعين ما قالاه فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الميزان 1/111/438.
2صلاح الدين العلائي هو: أبو سعيد صلاح الدين بن كيكلدي الشافعي قال الحسيني: كان إماما في الفقه والأصول والنحو علامة في المتون والأسانيد مات سنة761. له ترجمة في: شذرات الذهب 6/190, والنجوم الزهراء 10/337. وطبقات الشافعية للسبكي 6/104.

 

ج / 2 ص -175-        وقال ابن السبكي قد عقد ابن عبد البر بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض1 بدأ فيه بحديث الزبير "دب فيكم داء الأمم فبلكم الحسد والبغضاء"2 وقال ابن السبكي وقدعيب على ابن معين تكلمه في الشافعي وتكلمه في مالك وابن أبي ذؤيب وغيره وأقول إذا كان الأمر كما سمعت فيكف حال الناظر في كتب الجرح والتعديل وقد غلب التمذهب والمخالفة في العقائد على كل طائفة حتى إن طائفة تصف رجلا بأنه حجة وطائفة أخرى تصفه بأنه دجال باعتبار اختلاف الاعتقادات والأهواء.
فمن هنا كان أصعب شيء في علوم الحديث الجرح والتعديل فلم يبق للبحاث طمأنينة إلى قول أحد بعد قول ابن السبكي إنه لا يقبل الذهبي في مدح حنبلي ولا ذم أشعري وقدصار الناس عالة على الذهبي وكتبه ولكن الحق أنه لا يقبل على الذهبي ابن السبكي لما ذكره هو ولما ذكره الذهبي من أنه لا يقبل الأقران بعضهم على بعض واعلم أن مرادهم بالأقران المتعاصرين في قرن واحد والمتساوون في العلوم وعلى التقديرين فإنه مشكل لأنه لا يعرف حال الرجل إلا ممن عاصره ولا يعرف حاله من بعده إلا من أخبار من قارته إن أريد الأول وإن أريد الثاني فأهل العلم هم الذين يعرفون أمثالهم ولا يعرف ذا الفصل إلا أولو الفضل.
فإذا عرفت هذا فالأولى إناطة ذلك بمن علم أن بينهما منافسية وتحاسدا فيكون ذلك سببا لعدم قبلو بعضهم في بعض لا لكونه من الأقران فإنه لا يعرف عدالته ولا جرحه إلا من أقرانه وأعلم ما فرق بين الناس هذه العقائد والاختلاف فيها فقول المصنف فيما نقله عن الذهبي ولا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد هو الذي ينبغي أن يناط به القبول والرد وقوله وأنت إذا رمت النظر في كتب الرجال الأحسن إذا نظرت وتأملت ما ذكرت لك عرفت أنه الحق إن شاء الله تعالى وقد حققنا هذا البحث تحقيقا شافيا في رسالتنا ثمرات النظر في علم الأثر والحمد لله.
"الفائدة الثامنة قد تقرر فيمن برد حديثه أن جمهور أهل الحديث على رد المبتدع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 جامع بيان العلم 2/150.
2سبق تخريجه.

 

ج / 2 ص -176-        الداعي إلى بدعته" قال في النخبة وشرحها1 إن البدعة إما أن تكون بكفر2 أو بفسق فالأولى لا يقبل صاحبها الجمهور والثاني يقبل مالم يكن داعية إلى بدعته لأن تزيين مذهبه قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه في الأصح والأكثر على قبول غير الداعية إلا أن يروي ما يقوي بدعته فيرد.
"فعلى هذا يجوز أن يجعلوه من أهل المرتبة الثانية ويقولوا فيه متروك وهالك أو نحو ذلك فلا يخفى عليك موضع ذلك من كتب الجرح والتعديل فإنهم قد يطلقون ذلككعلى من يعتقدونه مبتدعا وليس كذلك" أي ليس في نفس الأمر مبتدعا بل في اعتقادهم.
"وقد يطلقونه على من يوافقهم على بدعتهم ولكن لا يوافقهم على أنها كبيرة وقد يطلقونه على من يوافقهم على تكفيره" إن كانت بدعته تقتضي تكفيره "أو تفسيقه" إن كانت تقتضيه "ولكن" هذا وإن وافقهم على تكفير من ذكر أو تفسيقه "لا يوافقهم على الفرق الذي اصطلحوا عليه وهو رد الداعية من المبتدعة دون غيره" من المبتدعة "مع اشتراكهم" أي الداعية وغيره "في القول بالبدعة" وإنما افترقا في الدعاء إليها وعدمه "و" اشتركهما "في التدين والتورع عن المحرمات وفي اعتقاد تحريم الكذب ولعلهم إنما تركوا داود الظاهري لقوله بحدوث القرآن ودعايته إلى مذهبه ومناظرته عليه والله أعلم" قد قدمنا رواية الذهبي في الميزان عن داود أنه أنكر قبله بحدوث القرآن ولم يذكر مناظرته عليه.
"فإن قلت: ما الفرق بين الداعية وغيره" من المبتدعة "عندهم" فإنهم فرقوا بينهما قبولا وردا "قلت: ما أعلم أنهم ذكروا فيه شيئا" فقد قدمنا عن ابن حجر ذكر تعليل رده قريبا "ولكني نظرت فلم أجد غير وجهين:
أحدهما: أن الداعية شديد الرغبة في استمالة قلوب الناس إلى ما يدعوهم إليه فربما حمله عظيم الرغبة في ذلك على تدليس أو تأويل كما زعموا أن عمرو بن عبيد أفتى بمسألة فقال هذه من رأي الحسن" في الميزان في ترجمة عمرو قال الشافعي عن سفيان أن عمرو ابن عبيد سئل عن مسألة فأجاب عنها وقال هذه من رأي الحسن يريد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ص 51.
2 بكفر: هو كما المهذب المجسم ومنكر علم الجزئيات قيل: وقائل خلق القرآن فقد نص عليه الشافعي واختاره البلقيني . تدريب الراوي 1/324.

 

ج / 2 ص -177-        نفسه وليس هذه ما يفيده قوله "فسئل الحسن عنها فانكرها فقيل لعمرو في ذلك فقال إنما قلت: من رأيي الحسن يعني من رأي نفسه" وهذا مثال تدليس الداعية إلا أنه لا يعرف أن فيها تقوية لمذهبه إلا لو ذكر المسألة "وأما" المبتدع "غير الداعية فليس له من الحرص" على الرواية بتلك الصفة "ما يلجئه إلى هذا" إذ لا حامل عليه.
"والوجه الثاني" من الوجهين اللذين وجدهما المصنف فرقا بين الداعية وغيره "أن الرواية عن الداعية تشتمل على مفسدة وهي إظهار أهليته للرواية وأنه من أهل الصدق والأمانة وذلك يغري" بالغين المعجمة والراء "بمخالطته وفي مخالطة العامة لمن هو كذلك مفسدة كبيرة" قلت: هذا الوجه ذكره أبو الفتح القشري فقال إن ترك الرواية عنه إهانة وإطفاء لبدعته نقله عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة شرح البخاري.
"والجواب عن الاول أنها تهمه ضيفه لا تساوي الوازع الشرعي الذي يمنع ذلك المبتدع المتدين من الفسوق في الدين وارتكاب دناءة الكذب الذي تنزه عنه كثير من الفسقه المرتدين كيف الكاذب دناءة الكذب الذي تنزه عنه كثير من الفسقة لا يخفى تزويره وعما قليل ينكشف تبذيله وتغريره" من الغرر "ويتهمه النقاد وتتناوله ألسن أهل الأحقاد وكفى بشر سماعه" إشارة إلى المثل يكفيك من شر سماعه والمراد كفى الكاذب من الشر أن يسمع عنه "وأهل المناصب الرفيعه يأنفون من ذلك" أى من الكذب "من غير ديانه فكيف إذا كانوا من اهل الجمع بين الصيانه لأعراضهم والأمانه" لا يعزب عنك أن أصل الدعوى في الوجه الثاني أنه قد تحمله الرغبه في الدعاء إلى بدعته واستمالة القلوب إليه على التدليس أو التأويل لا على تعمده لا رتكاب صريح الكذب والجواب إنما يوافق ذلك.
"وقد احتج أهل الحديث بمن هو على أصوالهم دعيه إلى البدعه لما قويت عندهم عدالته وأمانته كقتادة" ابن دعامه الدوسى فانه كان يدلس ورمى القدر قاله يحيى بن معين ومع هذا احتج به أهل الصحاح ولا سيما إذا قال حدثنا انتهى بلفضه الميزان وأثنى عليه في التذكرة "وغيره فإن قتادة كان يرى المعتزله ويدعو إليه قال الذهبي في التذكرة كان يرى القدر ولم يكن يقنع حتى يصيح به صياحا" قالت افضه في التذكرة وكان يرى القدر قال ضمرة بن شوذب ما كان قتادة يرضى حتى يصيح به صياحا يعني القدر قال الذهبي نقله عن غيره ثم قال قال ابن أبي عروبة والدستوائى قال قتادة ل شيئ بقدر إلا المعاصي قلت: ومع هذا الاعنقاد الردئ ما تأخر أحد عن الاحتجاج بحديثه انتهى من التذكرة.

 

ج / 2 ص -178-        "قلت: دعاة المبتدعة من الخوارج والجبرية وغيرهم هم أبعدهم عن القائح وأصدقهم لهجة وتهمتهم مرجوحة إلا الخطابية من الخوارج".
قلت: الخطابية من غلاة فرق الشيعة ينسبون إلى أبي الخطاب الأسدي كان يقول بالحلول في جماعة من أهل البيت على التعاقب ثم ادعى الألهية قاله السخاوي في شرح ألفيته العراقي وقال المناوي في التعريفات أنهم يقولون الأئمة أنبياء وأبو الخطاب نبي وهم يستحلون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم وقالوا الجنة نعيم الدنيا.
"والكرامية من الجبرية" هم نسبة إلى محمد بن كرام وفي ضبط كرام ثلاثة أقوال الأول بالفتح وتخفيف الراء ولاثاني بتثقيل الراء قيده به السمعاني وابن ماكولا قال إبراهيم وهو الجاري على الألسنة الثالث بكسر الكاف على لفظ جمع كريم قال الذهبي قال ابن حبان إن ابن كرام خذل حتى إلتقط من المذاهب أرداها ومن الأحاديث أوهاها قال الذهبي قد سقت أخبار ابن كرام في تاريخي الكبير وله أتباع ومريدون وقد سجن بنيسابور لأجل بدعته ثماينة أعوام ثم أخرج وسار إلى بيت المقدس ومات بالشام قال ابن حزم قال ابن كرام الإيمان قول باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه هو مؤمن قال الذهبي قلت: هذا منافق محض في الدرك الأسفل من النار فأيش ينفع ابن كرام أن نسميه مؤمنا انتهى ولم يذكر الذهبي تجويزه الكذب.
"وذلك" الوجه في أبعدينهم عما ذكر "لأن الداعي إلى المذهب من أشد الناس رغبة إلى إشادته والعمل به ومن جملة ما ذهبوا إليه" أي أي الخوارج والجبرية "تحريم الكذب إلا هاتين الفرقتين" وهم الخطابية والكرامية فمن جملة بدعتهم تجويز الكذب.
"فدعاتهم" وكان الأظهر دعاتهما "أكذبهم وأسرعوا إلى ذلك بخلاف غيرهم" فيتعين ردهم مطلقا دعاة كانوا أولا "ولو سلمنا تهمتهم" أي دعاة المبتدعة "لما كانت إلا فيما يخصهم من المذاهب دون سائر الأحكام" هذا هو رأي المحدثين في المبتدع غير الداهية أنه يرد من حديثه ما يقوى بدعته كما صرح به الحافظ في النخبة وشرحها "لأنها تهمة بتدليس أو نحوه من أمره يستجيزونه أما لو اتهمناهم بتعمد الكذب بقرائن راجحة على قرينة صدقهم لأجل الوازع الشرعي لم يكن في ردهم إشكال" لأجل التهمة بالكذب.

 

ج / 2 ص -179-        "وأما الوجه الثاني" وهم التعليل بعدم قبول الداعية بالمفسدة في قبوله "فالجواب عليه أن نقول إما أن يقوم الدليل الشرعي على قبولهم أو لا" يقوم "إن لم يدل" الدليل الشرعي "على وجوب قبولهم لم نقبلهم" لعدم الدليل على القبول "هل كانوا دعاة أو غير دعاة" أي سواء كانوا وإتيان هل لهذا المعنى لا أعرفه "وإن دل" الدليل الشرعي "على وجوب القبول" كما هو المفروض "لم يصلح ما أورده ما نعا من امتثال الأمر" بقبولهم "ولا مسقطا بمعلوم الفرض" من قبولهم.
قلت: وهاهنا بحثان في قبول مطلق المبتدع داعية كان أو غيره وذلك لأن أهل الأصول أخذوا عدم البدعة في رسم العدالة فالمبتدع ليس بعدل فكيف يقبل حديثه فإنه قبله أهل الحديث كما سمعت ولم يردوا إلا الداعية لا لأجل بدعته بل لأنه داعية إليها.
وفسر الحافظ ابن حجر العدالة بأنها ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروة وفسر بالتقوى بأنها اجتناب الأعمال السيئة من شرك وفسق أو بدعة فأفادة أن ترك البدعة من ماهية العدالة فطابق كلام الأصوليين فالمبتدع لا يكون عدلا على رأي الفريقين ثم إنه قسم البدعة إلى قسمين ما يكون ردا لأمر معلوم من الدين ضرورة أو إثباتا لأمر معلوم بالضرورة أنه ليس منه انتهى.
قلت: ولا يخفى أن من كان بهذه الصفة فإنه كافر لرده ما علم ثبوته أو إثباته لما علم نفيه وكلا الأمرين كفر لأنه تكذيب للشارع وهذا ليس من محل النزاع إذ الكلام في المسلم المبتدع وأما ما يكون ابتداعه بفسق فقد اختار لنفسه ونقل عن الجمهور أنه يقبل ما لم يكن داعية وحينئذ فلا يرد إلا الداعية ورده لا لأجل بدعته بل لكونه داعية وهذه مسألة قبول أهل التأويل.
والمصنف قد نقل في كتبه الأربعة العواصم ومختصره الروض الباسم وهذا الكتاب ومختصره في أصول علم الحديث إجماع الصحابة على قبول فساق التأويل ولا يخفى أن هذا ينافي القول بشرطية عدم البدعة في الراوي ورسم العدالة منافاة ظاهرة وقد تقرر كون البدعة من الكبائر عند أئمة العلم ودلت عليه عدة أحاديث قد أودعناها رسالة حسن الإتباع وقبح الإبتداع وسقنا شطرا منها صاحلحا في رسالتنا ثمرات النظر وأطلنا القول في هذا البحث فيها.
وإذا عرفت هذا فلا يخلو قابل المبتدع إما أن يقول إنه عدل وإن ابتداعه لا يخل

 

ج / 2 ص -180-        بعدالته فهذا رجوع عن رسم العدالة أو يقول إنه لا يشترط عدم البدعة في العدل وإنه لا يطابق أحاديث الزجر عن البدعة.
البحث الثاني أن تفسير العدالة بما ذكره الحافظ ابن حجر تطابقت عليه كتب أئمة الأصول والحديث وإن حذف البعض قيد الأبتداع فإنهم قد اتفقوا على أنها ملكة ولا يخفى أنه ليس هذا معناها لغة ففي القاموس العدل ضدالجور وإن كان كلامه في هذه الألفاظ قليل الإفادة لأنه يقول والجور نقيض العدل فيدور وفي النهاية لابن الأثير العدل الذي لا يميل به الهوى وهو وإن كان تفسيرا للعادل فقد أفاد المراد به وفي غيرهما العدل الإستقامة.
ولأئمة التفسير أقوال في تفسيرها قال الفخر الرازي في مفاتح الغيب بعد سرده الأقوال إنه عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط ولاتفريط قلت: وهو قريب من تفسيره بالإستقامة فإنه فسرها الصحابة وهم أهل اللسان العربي بعدم الرجوع إلى عبادة الأوثان وأنكر أبو بكر الصديق على من فسرها بعد الإتيان بذنب وقال حملتم الأمر على أشده وفسرها أمير المؤمنين علي عليه السلام بالإتيان بالفرائض.
والحاصل أن تفسيرهم العدالة بالملكة ليس هو معناها لغة ولا أتى عن الشارع في ذلك حرف واحد وتفسيرها بالملكة تشديد لا يتم وجوده إلا في المعصومين وأفراد من خلص المؤمنين بل في الحديث
"إن كل بني آدم حطاؤون وخير الخطائين التوابون"1 وفيه أنه "من من نبي إلا عصى أوهم إلا يحيى بن زكريا"2.
ولا يخفى أن حصول هذه الملكة لكل رواه من رواة الحديث معلوم أنه لا يكاد يقع ومن طالع تراجم الرواة علم ذلك يقينا فالتحقيق أن العدل هو من قارب وسدد وغلب خيره على شره وفي الحديث
"المؤمن واه راقع"3 أي واه ما أذنب راقع بالتوبة وتمامه "والسعيد من مات على رقعه" أخرجه البزار وإن كان فيه ضعف فإنه يشهد له حديث "لو لو تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم"4 وهو حديث صحيح وقد أطلنا البحث في هذا في ثمرات النظر وفي هذا هنا كفاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي 2499, وابن ماجة 4251, والدارمي 2/303. والحاكم 4/244.
2 أحمد 1/254, 292, 295.
3 المعجم الصغير 1/66, والمجمع 10/201.
4مسلم في التوبة ب 2: حديث 11, وأحمد 2/309.

 

ج / 2 ص -181-        ولما قرر المصنف في كلامه ما يفيد قبول رواية المبتدع الداعية استشعر أنه قد يقال قد ثبت رد شهادة من له غرض في الشهادة أو من يتهم بمحاباة أو عداوة أو نحو ذلك أجاب عنه بقوله "وعلى العامة" أي العلماء "أن يفرقوا بين قبول الرواية والشهادة" فإن لكل منهما شروطا معروفة "و" أن يفرقوا "بين اعتقاد ماليس عليه دليل من البدعة" أي وبين ما قام دليل عليه وقبول الداعية قد قام الدليل عليه كما قرره فابتداعه في أمر لا يمنع عن قبوله في غيره "ومتى تعدوا" العامة "في ذلك" أي بقبولهم له في بدعته "أتوا من قبل أنفسهم" في اتباعهم للداعية في بدعته فإن الدليل لم يقم على ذلك.
"مثال ذلك أنا لو خشينا مثل ذلك من العامة إن سرنا في البغاة" أي في معاملتهم "بغير السيرة في المشركني لم يلزمن أن نسير فيهم مثل سيرتنا في المشركين" كما أن السيرة فيهم بغير السيرة في المشركين متعين فيإنه لا يغنم من أموالهم شيئا إلا الكراع والسلاح عند البعض ولا يسترقون ولا يذفف على جريحهم ولا يتبع مدبرهم "لئلا يتوهم بذلك العوام أن البغاة محقون أو محترمون" لم يلزمنا دفع وهم العامة بأن نسير في البغاة مثل سيرتنا في المشركين لئلا يتوهم العامة أن البغاة محقون أو محترمون "احتراما يوجب ترك قتالهم أو يشكك في جوازه" كذلك لا تترك رواية المبتدع الداعية لئلا تغري العامة بقبول روايته على مخالظته.
"على أن هذه المفسدة" وهي مخالظة العامة للمبتدع الداعية "مأمونة الوقوع بالرواية لحديث منقد مات من دعاة المبتدعة وتقادم عهده فتأمل ذلك والله أعلم" كأنه يريد أنه قد يقال إن المفسدة في قبوله في حياته فإن بقبوله فيها يحصل التدليس بما يقوي بدعته فيحصل قبول مادلسه بعد مماته.
* * *

 

ج / 2 ص -182-        مسألة: 52 [في بيان السن التي يصلح تحمل الحديث فيها]
"متى يصلح تحمل الحديث" أي في أي سن يصلح تحمل الراوي عن غيره الرواية "العبرة" في ذلك أي في سن التحمل أو زمنه "بالعقل" أي بتعقل الراوي والتمييز لما يرويه لا بحين معين ووقت متحد بين الرواة.
"وقد يخلف الناس في ذلك وتختلف الأمور التي تحفظ فالأمور العظيمة" التي يعظم وقعها ويندر حصولها "ربما حفظت في حال الصغر بخلاف الألفاظ" ولم أجد هذا في شرح الزين ولا في كلام ابن الصلاح.
"وبالجملة متى ثبت العقل والبلوغ والعدالة" ذكر العقل والبلوغ مع العدالة زيادة إيضاح وإلا فإن ذكرها يكفي لأنها لا يكون منصفا بها إلا عاقل بالغ.
"وجزم" فعل ماض عطف على قوله ثبت "الثقة بأنه يحفظ من صغره شيئا لم يكن لأحد تكذيبه".
قال زين الدين ومنع من ذلك قوم وهو خطأ مردود عليهم وقد مثل من تحمل في صباه برواية الحسنين وعبد الله بن الزبير1 والنعمان بن بشير2 وابن عباس والسائب بن يزيد والمسور ابن مخرمة ونحوهم وقبل الناس روايتهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أمير المؤمنين وهو أول مولود من المهاجرين بايعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع سنين. مات سنة 73. له ترجمة في الرياض المستطابة ص 201- 202.
2 النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي كان أول مولود من الأنصار بعد الهجرة سكن الشام ثم ولي الكوفة وحمص لمعاوية وكان كريما جوادا شاعرا مات سنة 64. لله ترجمة في: الرياض المستطابة ص 262.

 

ج / 2 ص -183-        وأما سن السماع فاختلفوا فيها على أقوال:
الأول: أن أقله خمس سنين حكاه القاضي عياض في الألماع1 عن أهل الصنعة وقال ابن الصلاح: هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين.
وحجتهم في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه ولانسائي وابن ماجه2 من حديث محمود بن الربيع قال: عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين, بوب عليه البخاري متى يصح سماع الصغير قال زين الدين3 وليس في حديث محمود سنة متبعة إذ لا يلزم منه أن يميز الصغير تمييز محمود بل قد ينقص عنه وقد يزيد ولا يلزم منه أن لا يعقل مثل ذلك سنه أقل من ذلك ولا يلزم من عقل المجة أن يعقل غير ذلك مما سمعه انتهى.
قلت: على أنه أخبر عن نفسه ولم يكن منه صلى الله عليه وسلم قول ولا تقرير ولا رواه في حياته صلى الله عليه وسلم وإنما فيه دليل على جواز المجة في وجه الصبي مداعية له وتبريكا عليه وكأنه يقول الدليل أنه رواه محمود وعين وقت تحمله وقبله العلماء ولم يردوه فيكون إجماعا على ذلك ولئن سلم ففيه ما قاله الزين.
ثم مما يدل على عدم اعتبار حد معين لسن التحمل أنه روى الخطيب4 بإسناده إلى القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبدالرحمن الملبان الأصهاني قال سمعته يقول حفظت القرآن ولي خمس سنين وأحضرت عند أبي بكر بن المقري ولي أربع سنين فأرادوا أن يسمعوا لي ما حضرت قراءته فقال بعضهم إنه يصغر عن السماع فقال ابن المقري اقرأ سورة الكافرون فقرأتها فقال أقرأ سوة التكوير فقرأتها فقال لي غيره اقرأ سورة المرسلات فقرأتها ولم أغلط فيها فقال ابن المقري اسمعوا له والعهدة على.
وفي شرح السخاوي5 أنه روى الخطيب من طريق أحمدبن نصر الهلالي قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ص 62.
2 البخاري في: العلم ب 18, وابن ماجة في: الطهارة: ب 136. وأحمد 5/427.
3 فتح المغيث 2/45.
4 ص 64- 65.
5 2/146.

 

ج / 2 ص -184-        سمعت أبي يقول كنت في مجلس ابن عيينة فنظر إلى صبي دخل المسجد فكأن أهل المجلس تهاونوا به فقال سفيان كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ثم قال لو رأيتني ولي عشر سنين طولي خمسة أشبار ووجهي كالدينار وأنا كشعلة نار ثيابي صغار وأكمامي قصار وذيلي بمقدار ونعلي كآذان فار أختلف إلى علماء الأمصار مثل الحسن وعمرو بن دينار أجلس بينهم كالمسمار محبرتي كالجوزة ومقلت:ي كالموزة وقلمي كاللوزة إذا دخلت المسجد قالوا أوسعوا للشيخ الصغير قال النووي في ترجمة ابن عيينة في التهذيب قال سفيان قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين وكتبت وأنا ابن سبع سنين.
القول الثاني من الثلاثة أنه متى فهم الخطاب ورد الجواب كان سماعه صحيحا وإن كان ابن أقل من خمس وإن لم يكن كذلك لم يصح وإن زاد على الخمس قال زين الدين وهذا هو الصواب ولعل أهل القول الأولى يشترطون فهمه الخطاب ورده الجواب.
القول الثالث: إنه إذا عقل وضبط وهو قول أحمد بن حنبل قلت: وهو قريب من الثاني.
الرابع: قول موسى بن هرون الحمال يجوز سماع الصغير إذا فرق بين البقرة والدابة وفي رواية بين البقرة والحمار1 قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أنه على سبيل المثال.
"إلا أن يكون" الخبر الذي تحمله الراوي حال صغره ورواه بعد كبره "أمرا يعلم بطلانه بالضرورة أو الدلالة فإنه لا يقبل" قلت: لإخفاء في أنه ما كان كذلك فإنه لا يقبل ممن تحمل بعد تكليفه "ومثل هذا لم يقع فلا نطول بذكره وكذا تقبل رواية من سمع وهو كافر وروى" ذلك "بعد الإسلام فالعبرة بحال الأداء" أي حال تأديته ما سمعه.
قال زين الدين مثاله حديث جبير بن مطعم المتفق على صحته أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور وكان قدم في فداء أسارى بدر قبل أن يسلم وفي رواية للبخاري وذلك أول ما وقر الأسلام في قلبي2.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص116.
2 البخاري في:المغازي: ب 12.

 

ج / 2 ص -185-        خاتمة: قال ابن الصلاح1: وينبغي بعد أن صار الملحوظ بقاء سلسلة الإسناد أن يبكر بإسماع الصغار في أول زمان يصح فيه سماعه وأما الإشتغال بكتب الحديث وتحصيله وضبطه وتقييده فمن حين يتأهل لذلك ويستعد له وذلك يختلف باختلاف الأشخاص وليس ينحصر في سن مخصوص انتهى.
ونقل زين الدين2 عن الزبير بن أحمد من الشافعية أنه قال يستحب كتب الحديث في العشرين لأنها مجمع العقل قال وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض ضقال الحافظ ابن حجر: المراد ما يجب على الشخص وجوب عين لا علم المواريث وقال موسى بن إسحاق كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغارا حتى يستكملوا عشرين سنة3 وقال موسى بن هرون الحمال أهل البصة يكتبون لعشر سنين وأهل الكوفة لعشرين وأهل الشام لثلاثين4
* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 115- 116.
2 فتح المغيث 2/44, وعلوم الحديث ص 115.
3 علوم الحديث ص 115.
4 المصدر السابق.

 

ج / 2 ص -186-        مسألة: 53 [في بيان أقسام التحمل]
"أقسام التحمل" قال زين الدين1:
الأخذ للحديث وتحمله عن الشيوخ ثمانية أقسام:
الأول: "لفظ الشيخ" أي سماع لفظه قال الزين2 سواء أحدث من كتابه أو من حفظه بإملاء أو بغير إملاء وهو أرفع الأقسام وأعلاها "عند الجمهور وأرفع ألفاظه" في حال الأجاء "فيما سمعه من الشيخ" قال الخطيب3 أرفع العبارات "سمعت" فإنها أرفع العبارات وأما سمعنا بطريق الجمع فيطرقه احتمال سماع أهل بلد هم فيهم "ثم حدثنا وحدثني ثم أخبرنا وأخبرني" وهو كثير في الإستعمال هذا لفظه وهو أرفع من سمعت من جهة أخرى وهو أنه ليس في سمعت دلالة على أنه خاطبه به وفيها دلالة على أنه خاطبه به ورواه له "ثم أنبأنا وأنبأني وهو قليل في الإستعمال وإنما يستعمل" الأنباء "في الرواية بالإجازة لا بالسماع" من لفظ الشيخ "ثم إستعمل أنبأنا في" عرف أهل "الأزمان الأخيرة لما قرئ على الشيخ وأما قال لنا أو" قال "لي أو ذكر لنا أولى أو نحوه فهو مثل ماتقدم في الاتصال" فهو مثل حدثنا "غير أنه في العرف لما ثيل في حال المذاكرة".
قال ابن الصلاح4: إنه لا ثقة به وهو أشبه من حدثنا وخالف أبو عبد الله بن منده في ذلك فقا لفيما رويناه له أن البخاري حيث قال قال لي فلان هو إجازة وحيث قال قال فلان فهو تدليس ولم يقبل العلماء كلامه هذا وقال ابن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 2/47.
2 المصدر السابق.
3 الكفاية 283- 284.
4 علوم الحديث ص 121.

 

ج / 2 ص -187-        القطان إن رواية ذلك عن البخاري لم تصح.
قال الحفاظ ابن حجر قالوا إن ما قال فيه البخاري قال لنا فهو ما حمله إجازة قال واستقرينا ذلك فوجدناه في بعض ما قال فيه ذلك يصرح فيه بالتحديث في موضع آخر.
"فأما قال وذكر من غير حرف جر وضمير" من لنا أولى "فهو دونها" قال ابن الصلاح1: إنها أوضع العبارات ومع ذلك فهي محمولة على السماع بالشرط المذكور في المعنعن وهو حيث حصل الشرط الديني ولذا قال المصنف "وهي كالمعنعنة متصلة إذا علم اللقاء وسلم القائل لذلك من التدليس لا سيما من عرف منه أنه لا يروي إلا ما سمعه".
"كحجاج بن محمد" هو المصيصي "الأعور" أحد الثقات روى عن ابن جريج وشعبة وعنه أحمد وابن معين ولاذهلي روى الأترم عن أحمد أنه قال ما كان أحفظه وأصح حديثه وأشد تعاهده للحروف ورفع أمره جدا "فروى كتب ابن جريج" هو عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج أبو خالد المكي أحد الأعلام الثقات يدلس وهو في نفسه مجمع على ثقته مع أنه قد تزوج نحوا من سبعين امرأة نكاح المتعة كان يرى الرخصة في ذلككان فقيه أهل مكة في زمانه "بلفظ قال ابن جريج فحملها الناس عنه واحتجوا بها" لأنه قد وجد فيها شرط المعنعن المتصل من علم اللقاء والسلامة من التدليس وزيادة أن راويها لا يروي إلا ما سمعه.
"الثاني" من أقسام الأخذ والتحمل "القراءة على الشيخ" وهو يسمع "ويسميها أكثر المحدثين عرضا" قال زين الدين2 بمعنى أن القاري يعرض على الشيخ ذلك سواء قرأت ذلك على الشيخ من كتابه أو سمعته بقراءة غيرك من كتاب أو من حفظه أيضا وسواء كان الشيخ حافظا لما عرضت أو غرض غيرك عليه أو غير حافظ له.
"وسواء أمساك الشيخ أصله بنفسه أوثقة غيره خلافا لبعض الأصوليين" فيما إذا لم يمسك أصله بنصه وهو القاضي أبو بكر الباقلاني فإنه حكى القاضي عياض عنه أنه تردد فيه وأكثر سيله إلى المنع وإليه نحا الجويني يعنى إمام الحرمين قال القاضي وأجازه بعضهم وصححه وبهذا عمل كافة الشيوخ وأهل الحديث وقال ابن الصلاح:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المصدر السابق.
2 فتح المغيث 2/50.

 

ج / 2 ص -188-        إنه المختار وقوله ثقة احتراز عما إذا كان الممسك للأصل لا يعتمد عليه ولا يوثق به فذلك السماع مردود غير معتد به.
"وأجمعوا على صحة الرواية بالعرض" قال ابن الصلاح1: كما يعرض القرآن على المقري وقال هنا أجمعوا وإن خالف في صحته من يأتي ذكره فإنهم كما قال المصنف "وردوا في ذلك الخلاف عن أبي عاصم النبيل" وذلك أنه كان لا يرى يعني أبا عاصم الرواية بالعرض2 وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد الشيباني البصري أحد الأثبات قال الذهبي أجمعوا على توثيق أبي عاصم وقد قال عمر بن سعد والله ما رأيت مثله.
"و" ردوا مارووا عن أبي "عبد الرحمن بن سلام الجمحي" فإنه لم يكتف بذلك فإنه حكى أبو خليفة عنه أنه سمعه يقول دخلت على مالك وعلى بابه من يحجبه وبين يديه ابن أبي أويس يقول له حدثك نافع حدثك الزهري حدثك فلان ومالك يقول نعم فلما فرغ قلت: يا أبا عبد الله عوضني مما حدثت بثلاثة أحاديث تقرؤها علي فقال أعراقي أنت؟ أخرجوه عني3 انتهى.
واعلم أن قول المصنف إنهم ردوا قوليهما لم يردوه إلا بقولهم إنه لا يعتد بخلافهما ولا يخفى ضعف هذا الرد إذ المسألة تحتمل النظر والخلاف.
"ورجحه مالك وأبو حنيفة وغيرهما على السماع من لفظ الشيخ" الذي أعلى رتب الأخذ والتحمل.
قلت: والذي في شرح الألفية4 أن مالكا يقول بالتسوية كأهل القول الثاني قال السخاوي والتسوية هي المعروفة عن مالك قال وذكر ابن فارس عن مالك والخطيب في الكفاية كقول أبي حنيفة فإنه روى السليماني من حديث الحسن بن زياد قال كان أبو حنيفة يقول قراءتك على المحدث أثبت وأوكذ من قراءته عليك إنه إذا قرأ عليك فإنما يقرأ ما في الصحيفة وإذا قرأت عليه فقال حدث عني ما قرأت فهو تأكيد وهذا القول الأول في المسألة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 122.
2 المحدث الفاضل ص 420.
3 الكفاية ص 272.
4 فتح المغيث 2/51.

 

ج / 2 ص -189-        والثاني قوله "والجمهور على أنهما سواء" قال الزين1 ذهب مالك وأصحابه ومعظم أهل الحجاز والكوفة والبخاري إلى التسوية بينهما.
قلت: قد قدم المصنف أن أرفعهما السماع من لفظ الشيخ وأسنده إلى الجمهور ثم عد العرض رتبة ثانية وهنا قال عن الجمهور إنهما سوءا ومثله قال الزين في ألفيته إن السماع من لفظ الشيخ إلى وجوه الأخذ عنه الأكثرين ولكنه لم يقل في القول بالتسوية إنه قول الجهور فلم يناقض عبارته وفي شرح السخاوي2 أن مالكا كان يأبى أشد الأباء على المخالف ويقول كيف لا يجزئك هذا في الحديث ويجزئك في القرآن والقرآن أعظم ولذا قال بعض أصحابه وصحبته سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد بل يقرؤه عليه وقال إبراهيم بن سعد يا أهل العراق لا تدعون تنطعكم العرض مثل السماع3.
والثالث قوله "وذهب جمهور أهل الشرق إلى ترجيح السماع منه" من لفظ الشيخ على القراءة عليه المسماة بالعرض قال السخاوي لكن محله ما لم يعرض عارض يصير العرض أولى وذلك بأن يكون الطالب أعلم وأضبط ونحو ذلك كأن يكون الشيخ في حال القراءة عليه أوعى وأضبط وأيقظ منه في حال قراءته هو وحينئذ فالحق أن ما كان فيه الأمن من الخطأ والغلط أكثر كان أعلى رتبة وأعلاها فيما يظهر أن يقرأ الشيخ بأصله وأحد السامعين مقابل بأصل آخر ليجتمع فيه للفظ والعرض انتهى.
قلت: وأخذوا في العرض القراءة على الشيخ وهي بأن يأخذ التلميذ لفظ ما يروى فلا يسمى مجرد المقابلة لما يمليه الشيخ عرضا إلا أن يريدوا أو يقرأ السامع أيضاما قرأه الشيخ.
وإذا روى من تحمل بالعرض ما يحمله فله في ذلك عبارات:
"وأجود العبارات في العرض أن تقول قرأت على فلان أن كان هو الذي قرأ عليه وإلا قوى عليه وأنا أسمع" عبارة ابن الصلاح4: أجودها أن تقول قرأت على فلان أو قرئ على فلان وأنا أسمع فأقر به فهذا شائع من غير إشكال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 2/51.
2 2/169- 170.
3 البيهقي في: المعرفة 1/32.
4 علوم الحديث ص 122-123.

 

ج / 2 ص -190-        "ودون هذه العبارة" أن يقول "حدثنا أو أنبأنا فلان بقراءتي عليه إن كان القارئ وإلا قال قراءة عليه وأما أسمع" وإنما كانت دون الأولى لإيهامها أو لا قبل التقييد أنه شافهه الشيخ وأسمعه ما رواه عنه "أو" يقول "قال فلان قراءة عليه أو نحو ذلك" مما يفيد أنه رواه بالعرض "حتى استعملوه" أي هذا التركيب "في الإنشاد" قالو أنشدنا فلان قراءة عليه أو بقراءتي عليه.
"ولم يستثنوا مما يجوز في القسم الأول إلا سمعت" فقالوا لا يقال في الرواية في هذا القسم سمعت بل يختص بالقسم الأول "وجوزه بعضهم" كالسفيانين ومالك حكاه عنهم القاضي عياض وهو كما قال ابن دقيق العيد تسامح خراج عن الوضع ليس له وجه قال وربما قرنه بعضهم بأن قال سمعت فلانا قراءة عليه "والصحيح الأول" وصححه الباقلاني واستبعد ابن أبي الدم الخلاف وقال ينبغي الجزم بعدم الجواز لأن سمعت صريح في السماع لفظا.
"وأما إطلاق" الأخذ بالعرض عند روايته لما أخذه بإطلاقه "حدثنا وأخبرنا من غير تقييد بالقراءة فاختلفوا فيه على" ثلاثة "أقوال":
الأول: المنع وهو مذهب أحمد بن حنبل والنسائي وخلق من أهل الحديث وقال الباقلاني1 إنه الصحيح.
والثاني: الجواز وهو مذهب الزهري والثوري وأبي حنيفة ومعظم أهل الكوفة والحجاز.
وثالثها: الفصيل وهو "منع" إطلاق "حدثنا جواز أخبرنا" وهو مذهب ابن وهب والشافعي ومسلم وأكثر أهل الشرق "وهو الشائع الغلب على أهل الحديث" عبارة ابن الصلاح2 الفرق بينهم اصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث والاحتجاج لذلك من حيث اللغة عناء وتكلف وخير ما يقال فيه إنه اصطلاح كما قال المصنف "وكأنه اصطلاح للتمييز بين النوعين" قراءة الشيخ والعرض عليه.
وقال ابن دقيق العيد حدثنا في العرض بعيد من الوضع اللغوي بخلاف أخبرنا فهو صالح لما حدث به الشيخ ولما قرى عليه فأخبر به فلفظ الأخبار أعم من التحديث فكل حديث إخبار ولا ينعكس وهنا تفريعات ثمانية ذكرها الزين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الكفاية ص 296.
2 علوم الحديث ص 124.

 

ج / 2 ص -191-        بلفظ تفريعات.
"وإذا قرأ القاري وسكت الشيخ" بعد قول الطالب أخبرك فلان كما قاله في شرح الألفية وكان يحسن من المصنف تقييده به كون الشيخ "غير منكر مع إصغائه وفيهمه ولم يقر باللفظ" وذلك بأن يقول الشيخ عند تمام السماع عليه بعد أن يقول له القاري هو كما قرأت عليك فيقول نعم "كفى ذلك" في العرض من غير إقرار الشيخ لفظا "عند جمهور الفقهاء والمحدثين والنظار" قال ابن الصلاح: وسكوت الشيخ على الوجه المذكور نازل منزلة تصريحه بتصديق القارئ أي اكتفاء بالقرائن الظاهرة قال السخاوي قلت: وأيضا فسكوته خصوصا بعد قوله هل سمعت فيما ليس بصحيح موهم للصحة وذلك بعيد عن العدل لما يتضمن من الغش وعدم النصح وهذه المسألة مما استثنى من قول الشافعي لا ينسب إلى ساكت قول.
"وشرطه" أي الأقرار باللفظ "بعض الظاهرية" وحكاه الخطيب عن بعض أصحاب الحديث "وبه" أي بقول بعض الظاهرية "عمل جماعة من مشايخ أهل الشرق وقطع به" بالمنع من الرواية حتى يصرح بالأقرار باللفظ "جماعة من الشافعية" أبو الفتح سليم الرازي وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ إلا أنه "قال ابن الصباغ له أن يعمل بما قرأ عليه" ولم يقر به "وإذا روى عنه فليس له أن يقول حدثني ولا أخبرني بل يقول" في الرواية "قرأت عليه أو قرئ علهي وهو يسمع وصححه" أي قول ابن الصباغ "الغزالي" قال الزين وما قاله ابن الصباغ من أنه لا يطلق فيه حدثنا ولا أخبرنا هذا الذي صححه الغزالي.
"وحكاه الآمدي عن المتكلمين وصححه وحكى الآمدي تجويزه" أي إطلاق الرواية "عن الفقهاء والمحدثين وصححه ابن الحاجب وحكى عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة" هذه عبارة زين الدين بلفظها في شرح الألفية وفي مختصر ابن الحاجب ما لفظه وقراءته عليه من غير نكير ولا ما يوجب سكوتا مطلقا على الأصح ونقله الحاكم عن الأئمة الأربعة.
قال عضد الدين فتقول وأما قراءتتته على الشيخ منغير أن ينكر الشيخ عليه ولا وجد أمر يوجب السكوت عنه من إكراه أو غفلة أو غيرهما من المقدرات المانعة عن الأنكار فقد اختلف في انه هل يعمل به أولا فمنعه بعض الظاهرية والصحيح أنه معمول به إلى أن قال فنقول عند الرواية حدثنا أو أخبرنا قراءة عليه.

 

ج / 2 ص -192-        وهل يقول حدثنا وأخبرنا مطلقا منغير ذكر القراءة؟
قال الحاكم القراءة إخبار عهدة على ذلك مشايخنا ونقل ذلك عن الأئمة الأربعة.
"وإن أشار الشيخ" زادالزين برأسه أو بأصبعه "بالإقرار ولم يتلفظ فجزم صاحب المحصول بأنه لا يقول" الراوي عنه "حدثني وأخبرني ولا سمعت قال الزين وفيه نظر" كأن وجهه أنه إذا جاز أن يقول ذلك مع سكوته كما سلف فمع إشارته بالأولى.
"واستحبوا الإجازة من الشيخ لتلميذه" عقب السماع خوفا من الغفلة اليسيرة عن الكلمة والكلمتين فإن تحقق السهو ولم تحصل إجازة بطل السماع في القدر المشكوك فيه لأنه لا رواية إلا مع علم بالتحديث أو الظن لا مع الشك.
"وقال زين الدين" نقلا منه عن ظاهر صنيع المحدثين إنه "يعفي عن القدر اليسير كالكلمة والكلميتن" إلحاقا منهم للأقل بالأكثر وللمغلوب بالغالب.
قال السخاوي بل تسعوا أكثر من ذلك حتى صار الملاحظ إبقاء سلسلة الأسناد بحيث كان يكتب السماع عن المزي وبحضرته لمن يكون بعيدا عن القاري والصبيان الذين لا يضبط أحدهم بل يلعبون غالبا ولا يشتملون بمجرد السماع حكاه ابن كثير.
"وإذا لم يسمع" التلميذ "كلام الشيخ واستفهم" التلميذ عن كلام شيخه "من عنده" من السامعين "فأخبره لم يروه" أي ما استفهم عنه "عن الشيخ إلا بواسطة من حدثه" فإن الذي أخبر به قد صار شيخا له فيما أخبره ونزل به درجة عن السماع "وجوزه بعضهم" كأنه نظر إلى اتحاد المجلس "والصحيح خلافه" كما عرفت.
"وأما المستملي فهو بمنزلة القاري على الشيخ فإذا سمع المستملي ما يقول المملي فلمن سمع السمتملي أن يروي عن المملي ويقيد ذلك بذكر الإملاء كالقراءة" قال السخاوي هذا هو الذي عليه العلم عند أكابر المحدثين ال1ي كان يعظم الجمع في مجالسهم جدا ويجتمع فيه الفئام من الناس بحيث يبلغ عددهم ألوفا مؤلفة ويصعد المستمي على الأماكن المرتفعة ويتلقون عن المشايخ ما يملون.
هذا فيما يكون فيه السماع لا من وراء حجاب إذ هو الأصل.
"ويجوز السماع" إذا كان يحدث من لفظه بصوت وهو يعرف الصوت "من وراء حجاب مع معرفة الصوت أو تعريف ثقة به" أي بصوته فيما إذا حدث بلفظه أو بحضوره فيماإذا قرى عليه صح السماع "لقوله صلى الله عليه وسلم:
"كلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين

 

ج / 2 ص -193-        ابن أم مكتوم"1 قال السخاوي2 وقد يناقش فيه بأذن الأذان لا قدرة لسماع الشيطان لألفاظه فيكف بقوله وذلك مع الحجة لنا أيضا ثم ذكر ما أفاده قوله "ولأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يحدثن من وراء حجاب وينقل عنهن من يسمع ذلك" من غير نكير إجماعا.
* * *
مسألة:
"الثالث" من أقسام التحمل "الإجازة" هي مصدر وأصلها إجواز تحركت الواو وانفتح ما قبلت ألفا وحذفت إحدى الألفين إما الزائدة وإما الأصليه على الخلاف بين سيبويه والأخفش.
وفي مأخذها أقوال قيل التجوز وهو التعدي كانه عدى روايته حتى أدخلها إلى المروى عنه وقيل من المجاز كأنه القراءة والسماع هي الحقيقة وما عداها مجاز وقيل من الجواز يمعنى الإباحه فإنه أباح المجيز من أجازه أن يروى عنه وأذن له في ذلك.
واعلم أنهم اختلفوا في مرتبة الأجازة والمصنف بني على كلام الزين أنها رتبة ثالثة وأن العرض أقوى منها وقيل أقوى منه لأنها أبعد من الكذب وأنفى عن التهمة وسوء الظن والتخللص عن الرياء والعجب قاله أبو القاسم عبد الرحمن بن منده وقال بقي بن مخلد ومن تبعه إنهما سواء وبه قال ابن خزيمة فقال المناولة والإجازة عندي كالسماع الصحيح.
"وهي أنواع كثيرة" عدها زين الدين تسعة أنواع "أصحها أن يجيز العالم كتابا معينا لرجل معين" فيعين المجاز له والمجاز به "فيقول أجزت لك أن تروى عني كتاب فلان" قال زين الدين إنه حكى القاضي عياض الإتفاق على جواز هذا النوع.
"ودون هذا أن يجيز" الشيخ "لرجل معين جميع مسموعاته من غير تعيين" للمجاز به وهذه الثانية.
والثالثة قوله: "ودون هذا أن يجيز جميع مسموعاته لجميع الموجودين من المسلمين"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 1/160. ومسلم في: الصيام:حديث 36: 38. وأحمد 2/9.
2 فتح المغيث 2/210- 211.

 

ج / 2 ص -194-        لعدم تعيين الأمرين معا ولا أحدهما:
والرابعة قوله "ودون هذه أن يجيز ذلك" أي جميع مسموعاته "لجميع المسلمين الموجودين والمعدومين" ووجه تأخرها عما قبلها ظاهر واختار الخطيب صحتها قال إذا أجاز لجميع المسلمين صحت الأجازة وكذلك الحافظ ابن منده فإنه أجاز لمن قال لا إله إلا الله وإليه ذهب الحافظ السلفى فإنه كتب من الاسكندريه في بعض مكاتباته إحازة لأهل بلدان عدة منهابغداد وواسط وهمدان وإصبهان وزنجان.
قال القاضي عياض إن الا جازة العامه للمسلمين من وجد منهم ومن لم يوجه ذهب إ ليها جماعة من مشايخ الحديث قال زين الدين وأنا أتوقف عن الرواية بها "ولها صور غير هذه" قد قدمنا لك عن الزين أن صورها تسع فهذه منها أربع.
"وفي كل منها" أى من هذه المذكورة أو من المحذوفة "خلاف" والقائلون بكل صورة أكثر من القائلين نما دونها ] وادعى الباجي أنه لاخلاف في جواز الرواية بالأجازة من سلف هذه الأمه وخلفها قال زين الدين إن حكايته الأجماع غلط وقال ابن الصلاح: إنه باطل.
قلت: تقدم عن القاضي عياض أنه الأولى من الصور.
"والذي إعتمد عليه من أجازها إختلفوا" في معناها إختلافا تفرع عنه إختلاف آخر "فمنهم من قال هي خبر جملى وكل ما جاز في الأخبار الجملية جاز فيها فمن هنا" أى من حيث كونها خبرا جمليا "قال بعضهم" أى بعض من أجاز الأجازة "لا تجوز لغير معين ولا لمعدوم لأن الأخبار لايكون إى لمعين موجود مشافهة أومكاتبة" فلم يجبيروا إلا القسم الأول منها وهو حيث تعين المجاز له.
"ومن اجاز ذلكفي حق المجهول" كأجزت لأهل مصر مثلا "والمعدوم" وحده كأجزت لمن سيوجد أو مع الموجودين "إحتج" من يقول بجواز ذلك "بأنه يجوز أن يقول أخبرنا الله في كتابه بكذا كما يقول أمرنا بكذا وإن كنا وقت الأخبار والأمر غير موجودين ولا معينين".
قال المنصف "وهذا" الدليل "ضعيف لوجهين":
"الأول: أنه لو جاز لنا القياس على هذا" أي على قولنا أخبرنا الله بكذا "لجاز لنا أن نرى عمن لم يجز لنا من المحدثي فإن جواز قولنا أخبرنا الله لايتوقف على أن الله أجاز لنا الرواية عنه".

 

ج / 2 ص -195-        قلت: لم لا يقال إنه قد ثبت أنه قال صلى الله عليه وسلم "لبيلغ الشاهد الغائب"1 وقال "بلغوا عنى ولو آية"2 وهو خطاب للأمه الموجودين أو لمن شافهه بأن يبلغوا عنه ما أني به من عند الله من كتاب وسنة فهذه إجازة منه صلى الله عليه وسلم في الأبلاغ عنه ما جاء به فهو يروي القرىن عن جبريل عن الله تعالى ثم أمرنا بابلاغه فإذا عرفت فقولنا أخبرنا الله بكذا ممستندا إلى هذا الأمر الذي هو إجازة وزيادة وغايته أن يكون قولنا أخبرنا الله بكذا خبرا مرسلا لأسقاطنا الواسطة.
ولا يلزم أيضا أن يكون إخباره صلى الله عليه وسلم لنا عن الله بالقرآن وبالأحاديث القدسية التى بلغها إليه النلك خبرا مرسلا لأنه من الأخبار المعلوم صدقها فلذا وجب قبول خبره صلى الله عليه وسلم لأجل المعجزة فليس كالأخبار المرسلة في الروايات لأن المختبر هنا معصوم عن الكذب رواية عن غيره وقولا عن نفسه وصل خبره بذلك الواسطة وهو جبريل أو غيره من الملائكة أولا وقد صرح صلى الله عليه وسلم في بعض رواياته عن الله تعالى بذكر جبريل والأكثر حذفه.
وإذا تقرر هذا فلم يتم قول المنصف إنه لايتوقف قولناأخبرنا الله تعالى أنه أجازلنا الرواية عنه بل قد أجاز لنا تعالى الرواية عنه على لسان رسوله حيث قال
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ,وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة: 2] فإنه معطوف على الأمين أو على ضمير مفعول يعلمهم فالصحابة معلمون له صلى الله عليه وسلم يعلمهم الكتاب والحكمة فالصحابة معلمون له صلى الله عليه وسلم يعلمهم الكتاب والحكمة والكل إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن الله كما تقرر أن الحق أن السنةوحى وهى المراد بالحكمة في الآيه ثم أمرهم صلى الله عليه وسلم أن يعلموامن يأتي بعدهم ويبلغوهم الكتاب والحكمة ثم هلم جرا إلى إنقضاء دار التكليف.
وكل ذلك إخبار عن الله بالأخازة منه صلى الله عليه وسلم وهي أمره لهم بالابلاغ فإخباره صلى الله عليه وسلم عن ربه كله بالإجازة عنه تعالى فإن أمره تعلى له صلى الله عليه وسلم بإخباره لنا عنه أمره ونواهيه وكلامه هو عين الإجازة له بالابلاغ غايته أنه تعلى أوجب عليه ذلك الابلاغ كما أوجب صلى الله عليه وسلم على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 1/26, 37, ومسلم في: الحج: ب 82: حديث 446, وأحمد 5/45.
2 البخاري 4/207, والترمذي 2669, والدارمي 1/136, وأحمد 2/159.

 

ج / 2 ص -196-        الأمة الأبلاغ عنه وعن الله فقولنا أخبرنا الله بكذا مرسل بل المراد أخبرنا من علمنا كلام الله عن رسول الله عن جبريل عن الله ومن علمنا بينهم وبين من علمهم وسائط لاينحصرون.
لكن الأخبار المتواترة كالقرآن والواجبات الخمسة ونحوها لا ينظر فيها إلى الرواة ولا إلى صفاتهم وإلا فالكل رواية فليتأمل فإنه قد يقال إن إنقسام الرواية إلى مرسل وغيره إنما هو في الأحاديث لا في المتواترات لأنه قد يقال أول رتبه آحاد إلا أن يقال التصديق بالمعجزة صير قبول الخبر ضروريا من صاحبها وهو الرسول صلى الله عليه وسلم والضرورة هي العلة في قبول الأخبار المتواترة فهي كالتواتر وأقوى منه في أول رتبة فلينظر فلم تجد هذا البحث لأحد وإنما هو من فتح الله وله الحمد كله.
"ولو جاز ذلك" عن الله "لجاز لنا أيضا أن نروي عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير واسطة" يقال عليه سؤال الاستفسار وهو ما معنى بغير واسطة هل يختلف عليه فهذا ليس بإخبار عنه لغة قطعا وإن أريد بغير واسطة أي بغير راو لنا عنه فنحن إنما طريق ما يبلغنا عنه التعليم أما القرآن فمن أفواه حفاظه أو من خطوط الثقات من حفاظه والكل وساطة وتعليمهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو السنة ولا تبلغنا إلا من أفواه الرواة أو من خطوط ثقاتهم النقلة والكل إبلاغ لنا ورواية فإذا نقلنا عن الله تعالى أمرا وعن رسوله صلى الله عليه وسلم سنة فهي لا تكون إلا بواسطة قطعا ولا يشترط أن يقال لنا المبلغ أرووا عني لأنه قدأمرنا الشارع بالرواية عنه والإبلاغ بحيث لوقال لنا من علمنا قد حجرتكم عن الرواية عني لكان كلاما لاغيا وكان به آثما وإذا عرفت وجوب الرواية عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما صح لك من كتاب وسنة وأنك لا تحتاج فيه إلى إجازة أصلا.
نعم إذا أردت سلسلة الإسناد بأنه أخبرك فلان عن فلان فلا بد لك من طريق يصح لك بها الأخبار وباه أخبرك فمن أجاز للمعدومين فمعناه الإبلاغ إليه بأنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وقوله صلى الله عليه وسلم
"بلغوا عني" عام للموجودين ولو كانوا غائبين وللمعدومين على خلاف في الأصول والإبلاغ عنه صلى الله عليه وسلم رواية فقد أجاز صلى الله عليه وسلم الرواية للمعدومين بل أمر بها.
وإذا تحققت هذا علمت بطلان السؤال والجواب الذي تضمنهما قوله.
"فإن قلت: إنما أجاز في حقه تعلى من غير أجازة لنا بخلاف غيره" قد عرفت أن

 

ج / 2 ص -197-        أمره تعالى لنا بالأبلاغ عنه وعن ورسوله صلى الله عليه وسلم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إجازة لنا وزيادة "لأنه تعالى أراد خطاب جميع المكلفين بخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما خاطب من سمعه" نعم الخطاب الشفاهي هو لمن سمعه كما عرف في الأصول لكنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالبلاغ عنه وهو إجازة منه لمن بلغه أن يبلغ عنه ثم ظاهر كلامه أن المراد من قوله فإما من خاطب من سمعه أنه أراد الخطاب الشفاهي لأنه المسموع لمن يخاطب به.
ولا يخفى أنه تعالى لم يشافه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء فإنه كان بغير وساطة وأما القرآن ويغره فإنه جاءه صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك فلا يتم قوله أراد خطاب جميع المكلفين لأنه تعالى لم يخاطب الخطاب الشفاهي الذي جعله وجه الشبه لا الموجودين ولا المعدومين بل خاطب جبريل عليه السلام على كيفية ال يعلمها إلا هو "وكذا شيوخ المحدثين إنما خاطبوا من أخذ عنهم" الكلام في أعم من الخطاب وهو البلاغ فأجازته للمعدومين إبلاغ لهم بأن يرووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا كأمره صلى الله عليه وسلم أن يبلغ عنه.
"قلت: كون الله قصد خطاب المعدومين" كما أفاده إيراد السؤال "من المكلفين" ينبغي أن المراد أي قصد أن يخاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم عنه تعالى كما قصد أن يخاطب جبريل محمدا صلى الله عليه وسلم إلا أنه تعالى خاطب الموجودين الخطاب الشفاهي الذي علق به النزاع وكما دل له قوله "مختلف في صحته" لكنه لا يخفي أنه إذا حمل على ما ذكرنا خرج عما نحن بصدده.
واعلم أن مسألة الخطاب الشفاهي هي محل الخلاف في الأصول بين الحنابلة والجماهير ولا يخفي أنه لا يصح أن تراد هنا فإن المحدث الذي أجاز للمعدومين غير مخاطب لهم مشفاهمة ضرورة عقلية لكنه يبلغ بأجازته كأمره صلى الله عليه وسلم بقوله
"بلغوا عني" فإنه أجازة لمن في عصره ولمن جاء بعده ووجد بعد فقده وقوله المعدومين يدل على أن الموجودين لا خلاف في قصد خطابهم وفيه الخلاف بل الحق أن الخطاب الشفاهي لا يكون إلا للحاضرين لا غير وذلك مثل يا أيها الناس وأما الغئبون ومن سيوجد فإنما يدخلون في الحكم لأدلة عموم التشريع كما عرفت في الأصول الفقية.
"وعلى تقدير صحته فليس ينزل منزلة الأخبار كما لا ينزل منزلة التكليم" يقال عليه

 

ج / 2 ص -198-        مسلم ولذا لا يقال في الرواية بالإجازة كلمني فلان ولا شافهي ولا سمعته وإنما يقال أجاز لي ونحوه "ألا ترى أن موسى عليه السلام كلم الله تعالى من دون سائر من آمن به وإن كان الله قد أمرهم ونهاهم وأخبرهم" يقال فرق بين الأمرين فإنه تعالى كلم موسى عليه الصلاة والسلام بغير واسطة والذين أمرهم وأخبرهم ونهاهم كانوا بواسطة الرسل وكان فيمن أمرهم تعالى من هو معدوم قطعا فأمر الرسل بإبلاغهم والرواية عنه تعالى لهم وأمرت الرسل أصحابهم بإبلاغهم فهم مأمورون بأمر الله بالواسطة الأحياء في عصر الرسل الذي لم يشافههم الرسول كالمعدومين في ذلك إنما تعددت الوسائط.
"فظهر من هذا أن قول القائل أخبرنا الله مجاز" يقال فما حقيقة هذا المجاز هل المراد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أيضا مجاز بل قوله صلى الله عليه وسلم أخبرني الله تعالى إذا اعتبرت الأخبار الشفاهي مجاز ويكون من المجاز الذي لا حقيقة له بل الأظهر أن قولنا نحن مثلا أخبرنا الله مثل قوله صلى الله عليه وسلم "أخبرني الله" الكل حقيقة في العبارتين أو مجاز فيهما إذا الكل إخبار عنه تعالى بواسطة غايته كثرة الوسائط في حقتا وقلت:ها في حقه صلى الله عليه وسلم وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغنا وأمرنا صلى الله عليه وسلم بالإبلاغ عنه أو يقال لا يشترط في الأخبار عن الغير المشافهة بل تحقق أنه قاله وأمرنا بإبلاغه فيكون الكل حقيقة.
"والذي حسنه" أي هذا المجاز ولا يخفى أن الأولى أن يقول صححه "وضوح القرينة الدالة على المقصود وعدم أيهام حقيقة التكليم الخاص" وذلك أن وضوح القرينة في المعنى الجازي مصححه لا محسنه إذ لو خفيت لما صح "ودليله" أي أنه مجاز "أنه يقبح من أحدنا أن يقول أخبرني زيد بكذا ولم يخبره بذلك مشافهة لما كان الظاهر" وهو الحقيقة هنا "ممكنا ولا مانع منه" أي من مشافهة زيد له بالخبر وقد يقال لا نسلم القبح بعد ثبوت قوله صلى الله عليه وسلم أخبرني الله تعالى ولعل هذا القبح عرفي لا لغوي.
"الوجه الثاني" من وجهي الضعف "أن ذلك غير مفيد للمقصود من الأجازة وإن قدرنا صحته في مجاز اللغة أو حقيقتها بمعنى أن قائله" أي قائل أخبرني الله "لا يوصف بالكذب وذلك لأن المقصود بالإجازة اتصال الإسناد وعدم انقطاعه فلو جاز مثل ذلك" وهو الإجازة للمعدومين "لجاز لنا أن نروي عمن بيننا وبينه قرون عديدة ممن

 

ج / 2 ص -199-        قد أجاز لجميع المسلمين الموجودين والمعدومين كالحافظ ابن منده" قدمنا قريبا أنه أجاز لمن قال لا إله إلا الله وقدمنا غير ابن منده.
"وقد اتفق علماء الإسناء على القدح في الإسناد يكون الراوي لم يدرك زمان من روى عنه" يقال أين الإتفاق وهذا ابن منده من أئمة الإسناد قد أجاز ذلك وأجازه غيره من الأئمة كما قدمنا جماعة منهم ثم القد المذكور إنما يكون إذا أفهم سماعه منه بال وساطة ولا كذا هنا.
"ولا فرق بين قبول من هذه صفته وبين قبول المراسيل والمقاطيع في المعنى قال ابن الصلاح: ولم يرو ولم يسمع عن أحد ممن يقتدى به أنه إستعمل هذهالإجازة فروى بها ولا عن الشرذمة" الماموس الشرذمة بالكسر القليل من الناس "المتاخرة الذين سوغوها انتهى" قال السخاوى وقد انصف ابن في قصر النفي على روايته وسماعه.
قلت: عبلرة ابن الصلاح في نفي الرواية والسمع مسندة إلى المجهول كأنه يريد لم يرو أحد بدليل أنه أبى الواو وفي شرذمة قال السخاوى لأنه إستعملها جماعات ممن تقدمه من الأئمة المقتدى بهم كالحافظ أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي والحافظ السلفي حدث بها عن ابن جيرون فيما قاله ابن دحية وغيره وحدث بها أيضا الحافظ أبو بكر بن حسين الأشبيلي المالكي وإن أبي العمرني كتلب علوم الحديث عن السلقى وجدث بها أبو الخطاب ابن دحية في تصانيفه عن أبي الوقت والسلفى وإستعمالها خلق كثير بعد ابن الصلاح وعمل بها النووى فإنه قال كما قرأته بخطه في آخر بعض تصانيفه وأجزت روايته لجميع المسلمين حتى إنه لكثيرة من جوزها أقردهم الحافظ أبو جعفر محمد بن أبي الحسن أبي البدر البغدادي الكاتب في مصنف رتبهم فيه على حروف المعجم وكذا جمعهم أبو رشيد بن الغزالى الحافظ في كتاب سماه الجمع المبارك وقال النووى مشيرا إلى التعقب على ابن الصلاح إنه لم ير من إستعملها حتى ولا من سوغها إن الظاهر من كلام من صححها جواز الرواية بها وهذا يقتضى صحها وأى فائدة لها غير الرواية بها.
وإعلم أنهم يشترطون فيمن يجيزون له الأهلة وكأن المراد أنهم يجيزون للمعدومين عند كما لهم وما أحسن قول أبي شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي جوابا على الحافظ السلفى وقد طلب منه الإجازة فقال:

 

ج / 2 ص -200-       إني أجزت لكم عني روايتكم           بما سمعت من أشياخي وأقراني

من بعد أن تحفظوا لجواز لها           مستجمعين لها أسباب إتقان

أرجوا بذلك أن الله يذكرني  يوم النشور وإياكم بغفران

ومثله ماكتبه أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي كما أورده الخطيب في الكفاية والقاضي في الإلماع:

كتابي إليكم فافهموه فإنه   رسولي إليكم والكتاب رسول

فهذا سماعي من رجال لقيتهم       لهم ورع مع فهمهم وعقول

فإن شئتموا فارووهعني فإنما          تقولون ماقد قلته وأقول

ألا واحذروا التصحيف فيه فربما         يغير عن تصحيفه فيحول

وقال غيره:

وأكره فيما قد سألتم غروركم           ولست بما عندي من العلم أبخل

فمن يروه فليروه بصوابه      كما قاله القراء فالصدق أجمل

وكتبت إجازة لبعض العلماء واشتملت هذه الأبيات على إجازة ونصيحة وكثيرا ماأكتبها في غالب الإجازات وهي:

أجزتكمو ياأهل ودى روايتي لما أنا في علم الأحاديث أرويه

على ذلك الشرط الذي بين أهله      وفي شرحنا التوضيح تنقيح مافيه

فأسند إلينا بالإجازة راويا    لغير الذي عني سمعت سترويه

وإن ترو عني ماسمعت فأروه           بحدثنا الشيخ المشافه من فيه

كذلك أجزنا مالنا من مؤلف إذا كنت تقريه وعني ترويه

ألا واعلموا والعلم أشرف مكسب      وقد صرتمو فيه شموسا الأهليه

بأن أساس العلم تصحيح نية           وإخلاص ماتبديه منه وتخفيه

وبذلكمو منه لما قد عرفتمو وحققتمو من لفطه ومعانيه

مع الصبر في تفهيم من ليس فاهما فكم طالب عد الجلي كخافيه

وأن تلزموا في الإعتقاد طريقة         لأسلافنا من غير جبر وتشبيه

وأوصيكمو بالصبر والبر والتقى          فهذا الذي بين الأنام تواصيه

 

ج / 2 ص -201-                                     به أمرتنا سورة العصر فاشكروا   لمولاكمو ماجاءكم من أياديه

فعضوا عليها بالنواجذ واصبورا                            فقد فرق الناس الكلام بما فيه

ففيه الدواهي القاتلات لأهلها                           وكم فيه من داء يعز مداويه

فكم مقصد نحو المقاصد مظلم                          وكم موقف نحو المواقف يخزيه

كذلكم الغايات غاية بحثها                                 شكوك بلا شك ومن غير تمويه

فيا حبذا القرآن كم من أدلة                               حواها لتوحيد وعدل وتنزيه

فماكان في عصر الرسول وصحبه                        سواه دليلا قاهرا لأعاديه

فلا تأخذوا إلا مقالته التي                                 تنادي إلى دار النعيم دواعيه

عسانا نلبي من دعانا إلى الهدى                      ننال غدا من ربنا ما ترجيه

وما خلتموه مشكلا متشابها                             فقولوا وكلناه إلى علم باريه

وقف عند لفظ الله والراسخون قل                        هو المبتدا ما بعده خير فيه

وفيه لدينا فوق عشرين حجة                            ولا يستطيع النظم شرح معانيه

فقد ضل بالتأويل قوم جهالة                              ويعرف ذا النقاد من غير تنبيه

فعطل أقوام وجسم فرقة                                   وفاز امرؤ ما حام حول مبانيه

أتى كل ما فيه من الأمر تاركا                            ومجتنبا إتيانه لنواهيــــه

وقدصبر الكشاف جل كلامه                               تعالى مجازا فاحذروا من دواهيه

وفيه يالله در كلامــه                                         مباحث تفي كل داء وتشفيه

خذوا واتركوا منه وكل مؤلف                               كذلك فيه ما يروج وما فيه

وليس سوى الرحمن يجذب عبده                       إلى كل ما يرضيه منه ويهديه

أقيموا على باب الكريم وداوموا                          على قرعه فهو المجيب لداعيه

ودونكم نصحا أتى في إجازة                              ودأبي نشر العلم مع نصح أهليه

ولا تتركوني من دعائكمو عسى                        عسى دعوة تشفي الفؤاد وتحييه

وتهدي إلى حسن الختام فإنه                           مناي الذي أدعو به وأرجيه

وأحمد ربي كل حمد مصليا                               على أحمد والآل أقمار ناديه

ورض على أصحاب أحمد متبعا                          لتابعهم أهل الحديث وراويه

 

ج / 2 ص -202-        "وقالت طافة ممن سوغ الأنوع في الأجازة إنها إذن لاخير جملى" إلا أنه لم يتقدم ذكرما جعلوه إذنا للمجازله في كلام المصنف وذلك أنهم ذكروا من أنواعها أن يأذن المجيز للمجازله أن يروى عنه ما يتحمله من الروايات بعد الأجازة له فيرويه عنه المجازلة بعد أن يتحمله قال الزين هذا النوع من الاجازة باطل "وشبهوها بالوكالة".
قال ابن الصلاح: إنها على القول بأنها إذن تنبنى على الخلاف في تصحيح الإذن في الوكالة فيما ام يملكه الآذن بعد كأن يوكله في بيع العبد الذى يريد أن يشت يه وعلى جواز هذا النوع قال بعضهم وإذا جاز التوكل فيما لايملكه بعد فالإجارة أولى بدليل صحه إجاز الطفل دون توكيله وعلى المعتمد فيتعين كما قال ابن الصلاح: تبعا لغيره على من يريد أن يروى عن شيخ بالإجازه أن يعلم أن يعلم ما يرويه عنه مما تحمله شيخه قبل إجازته انتهى قال السخاوى يلحق بذلك ما يتجدد للمجيز بعد صدور الإجازه من نظم أو تأليف.
"وهذا" أى تشبيه الأجازة بالوكالة "قول ساقط لأن باب الرواية غير باب الوكالة" يقال هم مسلمون بكونه غيره إنما قاسوه عليه فكان الأحسن أن يقول وقياسها على الوكالة باطل "فإن الرواية خبر عما مضى يدخله الصدق والكذب والوكالة إنشاء يتعلق بتصحيح أحكام مستبقلة ولهذا" لكونها تتعلق بالأحكام المستقبلة "يصح عزل الموكل للوكيل ويدخل فيها الشروط والاستثناء بخلاف الرواية" أما الشروط والاستثناء فالظاهر دخولهما في الأجازة فإنهم يشترطون أهليةمن يجيزون له ويستثنون بعض ما لم يسمعوه ولا يخفى أن الأجازة معناها إنشاء مثل أجزت لك فإنه من باب بعث ونحوه فهي مثل وكلتك في معناها ثم أن المجاز له والموكل هما المخبران وخبرهما هو الذي يحتمل الصدق والكذب فإنه يقول المجاز له أخبرني فلان ويقول وكلني زيد في مطالبة عمرو بحق عنده له فكلاهما مخبران ومستندهما جمل إنشائية فقول المصنف هذا خبر وهذا إنشاء كأنه من إلتباس العارض بالمعروض.
وأما منع الشيخ من أجاز له أو سمع منه روايته عنه فقد قال الزين ولا يضر سامعا أن يمنعه الشيخ أن يروي ما قد سمعه كأن يقول له لا ترو عني أو ما أذنت لك أن تروي عني ما ما سمعته لا لعلة أو ريبة في المسموع فإنه قال ابن خلاد في المحدث الفاضل إن له الرواية عنه ولا يضره منعه وتبعه القاضي عياض وصرح به غير واحد من أئمة هذا الشأن وهذا هو الصحيح وقد حدثه وهو شيء لا يرجع فيه فلا

 

ج / 2 ص -203-        يؤثر منعه انتهى.
قلت: وهذا يقوي ما قدمناه لك من أنه إبلاغ فلا أثر لمنعه عنه.
وقال السخاوي عن بعض علماء غفريقة أنه أشهد بالرجوع عما حدث به بعض من أخذ عنه لأمر نقمه عليه وكذلك عن بعض علماء الأندلس وقال لعله صدر عنهم تأدينا وتضعيفا لهم عند العامة لا لأنهم اعتقدوا صحة تأثيرة انتهى.
"وأقول إن النوعين الأولين قويان والأول أقوى" الأجازة بمعين لمعين وكأن قوته من حيث تعيين المسموع من أول الأمر وإلا فإن الصورة الثانية لا بد فيها من تعين المسموع ضرورة وإلا كانت إجازة بمجهول.
"وباقي أنواعها" أي الأجازة "ضعيف وفائدتهما" أي الأولين "اتصال الإسناد لا جواز العمل فإنه لا بد فيه من معرفة صحة النسخة المروي منها أما بمناولة أو بوجادة صحيحة كما سيأتي" الأمران معا "إلا أن تكون الأجازة لنسخة صحيحة معينة عند المجيز فتكون الإجازة لها مفيدة لاتصال الإسناد" لا حاجة إليه فقد علم "وجواز العمل وقد قصر مصنفوا علوم الحديث في بيان الحجج في الإجازة وطولوا الكلام بذكر أنواها وذكر "تعداد أسماء المختلين في كل نوع منها" وما كان يليق ترك الأدلة عليها.
* * *
مسألة:
"الرابع" من طرق الرواية "المناولة و" هي لغة العطية ومنه حديث الخضر:
"فحملوهما بغير نول"1 أي عطاء واصطلاحا إعطاء الطالب شيئا من مروياته مع إجازته له به صريحا أو كناية وأخرت عن الإجازة مع أنها أعلى منها على المعتمد لأنها جزء لأول نوعيه.
والأصل فيها ما علقه البخاري حيث ترجم له في العلم من صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم كتب لأمير السرية كتابا وقال له:
"لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا" فلما بلغ المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وعزا البخاري الاحتجاج لبعض علماء الحجاز وقد وصله الطبراني في المعجم الكبير والبيهقي في المدخل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: العلم: ب 44, ومسلم في: الفضائل: حديث 170, وأحمد 118.

 

ج / 2 ص -204-        من طريق أبي سوار عن جنب بن عبد الله يرفعه.
ثم المناولة "أعلاها أن يناول الشيخ الطالب العلم كتابا من سماعه أو مما قوبل على كتابه ويقول هذا من سماعي أو روايتي عن فلان فأروه عني ونحو ذلك" وإنما كانت أعلاها لما فيها من التعيين والتشخيص بلا خلاف بين المحدثين فيه ثم قال زين الدين1 أعلى هذه الرتبة أن يملكه الشيخ الكتاب هبة أو بالقيمة ويليها عاريته كتابه يقابل عليه أو ينقل منه "فيجوز لطالب العلم أن ينقل عن هذا الكتاب ويعمل بما فيه".
"و" الثانية "دون هذه الصورة" وهي "أن يأتي الطالب بكتاب الشيخ أو بما قابل عليه فيعرضه على الشيخ فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يناوله الطالب ويقول هو روايتي عن فلان أو عمن ذكر فيه أو نحو ذلك فأروه عني ونحو ذلكوهذه الصورة الآخرة سماها غير واحج من الأئمة عرضا فيكون عرض المناولة" وتقدم عرض السماع.
"وهذه المناولة" أي في الصورتين معا كما تفيده عبارة الزين2 فإنه قال بعد ذكر الصورتين وهذه المناولة المعروفة "إن اقترنت بها إجازة فهي حالة محل السماع عند بعضهم كما حكاه الحاكم عن ابن شهاب" الزهري "وربيعة الرأي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك" عبارة ابن الصلاح3 ومالك بن أنس الإمام في آخرين من المدنيين ومجاهد وأبو الزبير وابن عيينة في جماعة من المكيين وعلقمة وإبراهيم النخعي والشعبي في جماعة من الكوفيين وقتادة وأبو العالية وأبو المتوكل الناحي في طائفة من البصريين وابن وهب وابن القاسم في طائفة من المصريين وآخرون من الشاميين والخراسانيين ورأي الحاكم طائفة من مشايخه على ذلك انتهى.
"وغيرهم من أهل المدينة ومكة والبصرة والكوفة والشام ومصر وخراسان" وروى الخطيب في الكفاية4 أنه قال إسماعيل بن أبي أويس السماع على ثلاثة أوجه:
القراءة على المحدث وهو أصحها وقراءة المحدث والمناولة.
"وقال الحاكم في هذا العرض أما فقهاء الإسلام الذي أفتوا في الحلال والحرام فإنهم لم يروه" أي عرض المناولة "سماعا منهم الشافعي والأوزاعي والبويطي والمزني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 3/3.
2 فتح المغيث 3/4.
3 علوم الحديث ص 147.
4 ص 327.

 

ج / 2 ص -205-        وأبو حنيفة والثوري وابن حنبل وابن المبارك وابن راهوية ويحيى بن يحيى قال" الحاكم "وعليه عهدنا أئمتنا إليه ذهبوا وإليه نذهب" واحتج الحاكم بقوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها"1 وبقوله صلى الله عليه وسلم: "تسمعون ويسمع منكم"2 فإنه لم يذكرفيهما غير السماع فدل على أفضليته لكن قال البلقيني إن ذلك لا يقتضي امتناع تنزيل المناولة على ما تقدم منزلة السماع في القوة على أني لم أجد من صريح كلامهم يقتضيه قال السخاوي وفيه نظر ولم يبين وجهه.
"قال ابن الصلاح: إنه هو الصحيح وإنه منحط عن التحديث" تمام كلامه لفظا والإجازة قراءة "والأخبار ونقل زين الدين الاتفاق على صحتها" وإن اختلفوا في صحة الإجازة المجردة قال "وإنما اختلفوا في موازاتها" بالزاي: مساواتها "للسماع قال وقد حكى الاتفاق على صحتها القاضي عياض في الإلماع" وعبارته فيه: وهي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين وسمى جماعة وهو قول كافة أهل النقل والأداء والتحقيق من أهل النظر. انتهى.
"وأما إن لم تقترن بها إجازة ولا قال المناول للطالب ارو عني مافي هذا الكتاب ولا نحو ذلك فإن أهل العلم اختلفوا في جواز الرواية بها" قال زين الدين: الأصح أنها باطلة وحكى النووي البطلان عن الفقهاء واصحاب الأصول ذكره في تقريبه والأحسن قول ابن الصلاح إنه عاب غير واحد من الفقهاء الأصوليين على المحدثين تجويزها وإساغة الرواية.
"واختلافهم مبني على أن: هل الرواية من شرطها الإذن" من الشيخ للطالب "أو لا والصحيح ان الإذن غير مشترط في الإخبار" إذ الأصل جواز إخبار الإنسان عن غيره وإن لم يأذن في الإخبار عنه إلا أن يكون أمرا خاصا به لايجب اطلاع أحد عليه.
"فكذلك" تجوز "هاهنا" أي في باب الرواية إذ هي قسم من الإخبار فإنه "إذاأخبر" الشيخ "أن الكتاب سماعه وأن النسخة صحيحة وناولها الطالب لينتسخها أو ينقل منها فإن ذلك يكفي" عن الإذن "والوجه في ذلك أنه خبر جملى فينزل منزلة كتب النبي صلى الله عليه وسلم التي كان ينفذ بها" إلى الآفاق "مع الرسل ولم تكن الرسل تحفظها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي 2658. وابن ماجة 230.
2 أبو داود 3659. وأحمد 1/321. والصحيحة 1784.

 

ج / 2 ص -206-        وتسمعها على النبي صلى الله عليه وسلم "هذا هو الذي قدمناه لك أن الرواية من الإبلاغ المأمور به " "وإنما يخبرون" الرسل من أرسلوا إليه "خبرا جمليا أنها كتب النبي صلى الله عليه وسلم وأن مافيها منسوب إليه".
قلت: ويستأنس لذلك بما وقع من المناظرة بين الشافعي وإسحاق بن راهويه بحضرة أحمد بن حنبل في جلود الميتة إذا دبغت فقال الشافعي: دباغها طهورها قال إسحاق: فما الدليل؟ قال: حديث ابن عباس عن ميمونه:
"هلا انتفعتم يجلدها"1 يعنى الشاة فقال إسحاق حديث ابن عكيم كتب إلينا النبى صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر "لاتنتفعوا من الميته بإهاب ولاعصب"2 يشبه أن يكون ناسخا له لأنه قبل موته بتسير فقال الشافعي هذا كتاب وذلك سماع فقال إسحاق إن النبى صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر وكأن حجة عليهم فسكت الشافعي مع بقاء حجته كما قاله ابن المفضل الماكي فإن كلامه في ترجيح السماع في إبطال الإستدلال بالكناب وكأن إسحاق لم يقصد الرد لأنه ممن يرى أن أنقص من السماع.
* * *
مسأله:
"كيف يقول من روى بالمناولة والأجازة" كان الأولى تقديم الأجازة ليوافق ما سلف من الأجازة لكنها وقعت في عبارة الزين مؤخرة فتبع المنصف طريقه.
"الذي عليه الجمهور واختاره أهل الترى والورع النع من إطلاق حدثنا وأخبرنا ونحوهما في النولة والأجازة" مطلقا من غير تقييد "و" يجوز "مع تقييد ذلك بعبارة يتبين مهعا الواقع في كيفيه التحمل ويشعر به فيقول أخبرنا أو حدثنا إجازة أو مناولة أو إذنا أو نحو ذلك ومنهم" وهم غير الجمهور "من أجاز إطلاق حدثنا وأخبرنا" من غير تقييد بما ذكر "في الرواية بالمناولة" قال زين الدين إنه أجازه ابن شهاب الزهرى ومالك بن أنس "وهو" أى الإطلاق "يليق بمذهب من قال: المناولة المقرونة بالإجازة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 2/158. ومسلم في: الحيض حديث 101, والنسائي 7/172. والبيهقي 1/23.
2 أبو داود في اللباس: ب 41, والترمذي 1729, وابن ماجة 3613, والنسائي 7/175, وأحمد 4/310.

 

ج / 2 ص -207-        منزلة منزلة السماع وتقدم من قال ذلك.
"ومنهم من أجاز حدثنا وأخبرنا الإجازة مطلقا وكل عن ابن جريح ومالك وأهل المدينه والجوينى وجماعة من المتقدمين" قال الزين قال القاضي عياض1 إنه حكى ذلك أى جواز الرواية بحدثنا مطلقا في الأجازة ابن جريح وجماعه من المتقدمين وحكى الوليد بن بكر أنه مذهب مالك وأهل المدينة وذهب إلى جوازه إمام الحرمين وخالفه غيره من أهل الأصول.
"واستعمل بعض أهل العلم" هم جماعة أهل الأصول في الروايه "في الأجازة ألفاظ غير مشعرة بالأجازة منها شافهنى فلان وأخبرني مشافهة" قال زين الدين إذا كان قد شافهه باالأجازة لفظا وما كان يحسن أن يحذفه المنصف "واستعمل بعضهم في الأجازة بالكتابه كتب إلى أو كتب لى أو أخبرنا كتابة" قال الزين2 وهذه الألفاظ وإن استعملها طائفة من المتأخرين فلا يسلم من استعملها من الإبهام وطرف من التدليس أما المشافهة فيؤهم مشافهته بالتحديث وأما المكاتبه فتوم أنه كتب إليه ذلك الحديث بعينه كما يفعله المتقدمون "ومنها لفظ أن فيقول" أخبرنا فلان "أن فلانا حدثه" أو أخبره "ومنها أنبأنا وهى عند المتقدمين بمنزلة أخبرنا".
واعلم أنه استدل من أجاز إطلاق التحديث بالإجازة بأن مدلول التحديث لغه إلقاء المعاني إليك سواء ألقلها لفظاأو كتابة أو إجازة وقد سمى الله تعالى القرآن حديثا حدث به عباده وخاطبهم به فكل محدث أحدث إليك شفاها أو بكتابة أو بإجازة فقد حدثك به وأنت صاجق في قولك حدثني.
"قال الحاكم3 الذي أختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فيما عرض على المحدث فأجاز له روايته شفاها أبنبأني فلان وكان البيهقي يقول أبنأنا فلان إجازة ومنها لفظ عن وكثيرا ما يأتي بها المتأخرون في موضع الإجازة" قال ابن الصلاح: وذلك قريب إذا كان قد سمع منه بأجازة من نسخة إن لم يكن سماعا "ومنها خبرنا بتشديد الباء روى عن الأوزاعي أنه خصص الإجازة بذلك" زاد زين الدين ومنها قال لي فلان وكثيرا ما يعبر بها البخاري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإلماع ص 128.
2 فتح المغيث 3/8.
3 علوم الحديث ص260.

 

ج / 2 ص -208-        وقال أبو عمر محمد ابن أبي جعفر أحمد بن حمدان الحيري كل ما قال البخاري قال لي فلان فهو عرض ومناولة1 وقد تقدم أنها محمولة على السماع وأنها كأخبرنا وأنهم كثيرا ما يستعملونها في المذاكرة.
* * *
مسألة:
"الخامس" من طرق الرواية "المكاتبة" وهي أن يكتب الشيخ شيئا من حديثه يخظه أو يأمر غيره فليكت عنه بإذنه سواء كان غائبا عنه أو حاضر في بلده "والرواية بها متصلة صحيحة عند كثير من المحققين من المتقدمين المتأخرين" وتقدم في مناظرة الشافعي وإسحاق دليلها.
"وهي" أي الكتابة "أرفع" ورتبة "من الإجازة" المجردة وإلى هذا ذهب قوم من الأصليين منهم إمام الحرمين وكأنه لما فيها من التشخيص والمشاهدة للمروي من أول الأمر.
"ومنع الرواية بها قوم" منهم الإمام أبو الحسن الماوردي ولكن قال القاضي عياض إنه غلط بل العمدة صحة الرواية بها واستدل له البخاري في صحيحه بنسخ عثمان رضي الله عنه المصاحف والاستدلال بذلك واضح لأصل المكاتبة لا خصوص المجردة عن الإجازة فإن عثمان أمرهم بالاعتماد على مافي تلك المصاحف ومخالفة ما عداها والمستفاد من بعثه المصاحف إنما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها إلى عثمان لا ثبوت أصل القرآن فإنه متواتر كذا قيل وفيه تأمل.
"وقال بعضهم" هو سيف الدين الآمدي "لا يجوز أن يروى عن الكاتب إلا أن يسلطه على ذلك فيقول ارو عني ما كتبت إليك أو يكتب ذلك إليه وحجة من أجازها أنها من أقسام الأعلام الحاصل بالأخبار فهي ميثله في الفائدة المعقولة وهي حصول الظن بخبر الواحد ولهذا استعمل العقلاء الكتاب إلى الغائب ونزلوه منزلة المشافهة في جميع ما يقصدون فيه طلب المنافع ودفع المضار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك" فقد بعث بكتبه إلى الملوك كسرى وقيصر وغيرهما وكتابه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 152.

 

ج / 2 ص -209-        المعروف بكتاب عمرو بن حزم فيه عدة من الأحكام وعليه اعتمد علماء الأسلام وخلفاء الأنام "وكذلك الخلفاء من بعده" فإنه كتب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهما في أمور عظائم ومهمة وبها كانت تقوم الحجة وفي الصحيحين عدة أحاديث بعضها اتفقا عليه وبعضها انفرد به أحدهما وهي معروفة فلا نطول بها.
"ويكفي في ذلك معرفة خط الكتاب على الأصح" وإن لم تقم بينة على الكتاب برؤيته وهو يكتب ذلك أو بالشهادة عليه أو أنه خطه.
"وفيه خلاف" فقال قوم لا يعتمد على الخطوط واشترطوا البينة بالرؤية أو الإقرار قالوا للإشتباه في الخطوط بحيث لا يتميز أحد الكتابين عن الآخر ورده ابن الصلاح وقال1 إنه غير مرضى لندرة ذلك اللبس فإن الظاهر أن خط الإنسان لا يشتبه بغيره ولا يقع فيه إلتباس والحكم للأغلب وحاصله أنه إن حصل الظن بأنه خط فلان جاز العمل وإن شك فلا يعمل مع الشك.
"والحجة على ذلك من النظر أنه يحصل به الظن" والظن يجب العمل به "و" الحجة عليه "من الأثر الحديث الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلة إلا ووصيته مكتوبة تحت رأسه" أو كما قال" وهو حديث متفق عليه2 وله ألفاظ هذا أحدها ففيه دليل على العمل بالخط وإلا فأي فائدة في كتابته والقول بأنه أراد مكتوبة عنده بالشهادة عليها خلاف الظاهر وتقييد للحديث بالمذهب ثم علم الناس شرفا وغربا وشاما وعدنا على الإعتماد على الكتب في كل أمر من الأمور.
"وأجاز بعضهم" هو الليث بن سعد ومنصور بن المعتمر "أنبأ ونبأ في" الرواية بـ "الكتابة قال الزين" تبعا لابن الصلاح وقاله ابن الصلاح3 تبعا للخطيب "والمختار الصحيح اللائق بمذهب أهل التحري والنزاهة أن يقيد" عند الرواية "ذلك فيقول أخبرنا كتابة أو كتب إلى أو نحو ذلك" تحرزا عن اللبس والإيهام.
* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 154.
2 البخاري 4/2, ومسلم في: الوصية:حديث 1,4. وأحمد 2/80.
3 علوم الحديث ص 154, 155.

 

ج / 2 ص -210-        مسألة:
"السادس" من أقسام أخذ الحديث وتحمله "إعلام الشيخ" الطالب لفظا بشيء من مرويه من غير إذن له في روايته عنه "وذلك نحو أن يقول الشيخ هذا سماعي على فلان ولا يأمره بروايته عنه ولا بالنقل عنه ولا يناوله ولا بخبره إلا بمجرد الأعلام وفيه خلاف بين طائفتين عظيمتين" من أهل العلم فمنعه أبو حامد الطوسي واختاره ابن الصلاح ويغره وأجازه ابن جريج وطوائف من المحدثين وصاحب الشامل وهو أبو نصر بن الصباغ والحجة للجواز القياس على الشهادة فيما إذا سمع المقر يقر بشيء وإن لم يأذن له كما تقدم في المناولة المجردة وقال القاضي عياض إن اعترافه له به وتصحيحه أنه من روايته كتحديثه له بلفظه وقراءته عليه وإن لم يجز له.
"ومبناه" أي الخلاف "على أن السماع قد يكون فيه خلل يمتنع السامع من أجله من الاعتماد على ذلك السماع فمن نظر إلى هذا التجويز منع ذلك" لأنه يكون عملا مع الشك "ومن نظر إلى أن الأصل السلامة منه حتى يظهر أجاز الرواية عنه بمجرد الأعلام" ولا يخفى أن هذا التجويز يجري في الإجازة والمناولة بل والسماع ولكن البناء على أن المخبر ثقة عدل.
ولذا قال المصنف "والأظهر أن الأصل عدم الخلل في السماع فإن ظهرت قرينة تدل على وجود الخلل فيه أو على عدمه قوي العمل بها وإن لم تظهر عمل به" أي بالإعلام "وفيه نوع ضعف لأجل الإحتمال" وقد عرفت ما في الإحتمال "فيجب أن يبين الراوي كيفية التحمل بهذا النوع" وأنه أخذه بالإعلام "وحكى القاضي عن محققي أصحاب الأصول أنهم لا يختلفون في وجوب العمل بهذا النوع وإنما يختلفون في الرواية بأعلام الشيخ والله أعلم".
* * *
مسألة:
"السابع" من طرق أخذ الحديث وتحمله "الوجادة بكسر الواو وهي مصدر مولد" محدث "لـ وجد يجد قال المعافى بن زكريا النهراوني1 إن المولدين" في القاموس:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص157.

 

ج / 2 ص -211-        المولدة المحدث من كل شئ ومن الشعراء لحدوثهم إنتهى فعلى هذا مولدين بفتح اللام "فرعوا قولهم وجادة فيما أخد من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولامناولة" أي ولا كتابة ولا إعلام "من تفريق العرب" متعلق بفرعوا "بين مصادر وجد للتمييز بين المعاني المختلة للفظ وجد وبيان المعاني المختلفة" لتلك الألفاظ أفادة قوله "بمعنى أنهم يقولون وجد ضالته وجدانا وأجدانا" الأول بكسر الواو بضم الهمزة "و" يقولون وجد "مطلوبه وجودا" بضم الواو ووجدانا بضمها أيضا "و" يقولون "في الغضب" وجد "موجدة" بفتح الميم وسكون الواو "وجدة" بكسر الجيم "ووجدا" بافتح للواو "ووجدانا و" يقولون في الغنى وجد "وجدا مثلث الواو وجدة" بكسر الواو "حكاها الجوهري وغيره" هو ابن سيدة.
وهذا الكلام أخذه المصنف مما ذكره ابن الصلاح1 وزاد فيه زين الدين وزاد المصنف في العواصم وفي الحب وجدا وهو في شرح الزين قال زين الدين "وقرئ بالثلاثة في قوله تعالى:
{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} فتجرى الحركات الثلاث في الوا وكلها من الوجد بمعنى الغنى وقال البقاعي لم أرفيها قراءة بالفتح وإنما قرأنوح عن يعقوب بالكسر وقرأ الباقون بالضم وكأن المنصنف واكتفى عن بيان حقيقها بما ذكره عن المعافي بن زكريا.
وقال زين الدين الوجادة أن تجد بخط من علصرته لقيته أو لم تلقة او لم تعاصره بل كان عندك أحاديث ترويها أو غير ذلك مما تسمعه منه ولم يجزه لك.
"وقد تكون الوجادة بخط نفسه وخط شيخه وخط من أدركه من الثقات فيأخذ حطا من الإتصال وإن كانت منطقعة في الحقيقة" قال الزين وكله أى المروى بالوجادة المجرد سواء وقعت بخطه أو لامنقطع إلا أن الأول وهو أنه إذا وثق أنه خطه قد أخذ شوبا من الإتصال قال ابن كثير فيما نقل عنه الوجادة ليست من باب الرواية وإنما هي حكاية عما وجده.
"وقد يتساهل فيما بعض الناس فيروى بـ عن" أونحوها مثل قال فلان مما يوهم أخذه إجازة أو سماعا "في موضع الوجادة" وذلك مثل رواية بهزين حكيم عن أبيه عن فإنها صحيفة على ما قيل وكذا قال صالح جزره في رواية عمرو بن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 157.

 

ج / 2 ص -212-        شعيب عن أبيه عن جده وقال مثله ابن المينى في رواية وائل عن ولده بكر "وهو تدليس قبيح لايهامه السماع وإنما يقال فيها وجدت يخط فلان أو وجدت بخط ظننته خط فلان أو قال لى الثقة إنه خط فلان ونحو ذلك" مثل بخط ذكر كلنبه أنه خط فلان بن فلان.
"وقد جازف بعضهم فأطلق في الوجادة حدثنا وأخبرنا فإنتقد ذلك على فاعله" قال ابن المدينى حدثنا أبو داود الطيالسى حدثنا صاحب لنا من أهل الرأى يقال له أشرس قال قدم علينا محمد بن إسحاق فكان يحدثنا عن إسحاق بن راشد فقدم علينا إسحاق فجعل يقول حدثنا الزهرى قال فقلت: له أبن لقيته قال لم ألقه مررت ببيت المقدس فوجدت كتابا له حكاه القاضى عياض ايضا "قال القاضي عياض لا أعلم من يقتدى به أنه أجاز ذلك ولا من يعده معد المسند" عبارة الزين قال القاضي عياض لا أعلم من يقتدى به أجاز النقل عنه بحدثنا وأخبرنا ولا من يعده معد المسند.
قال الزين هذا الحكم في الرواية بالوجادة "وأما العمل بها فقال القاضى عياض إختلفت أئمة الحديث والفقه والأصول فمعظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم لا يرون العمل بها قال ابن الصلاح لو عرض جملة المحدثين لأبوه" الأباء وهو الإمتناع وذلك لما تقدم من أن معظمهم لايرون العمل به قيل ويحتمل أنه بالمثناة الفوقية من الإتيان يعنى يعملون به لوضوح دليله وهو أن مدار وجواب العمل بالحديث الموسوق بنسبته إلى الشارع صلى الله عليه وسلم لاتصاله بالرواية بأى طرقها.
"وحكى عن الشافعي جواز العمل به وقالت به طائفة من نظار أصحابه وهو الذي نصره الجوني وإختاره فيره من أرباب التحقيق قال ابن الصلاح: قطع بعض المحققين من أصحابه" أى الشافعى "في أصول الفقه بوجوب العمل به عند حصول الثقة" والمراد به الجوني فإنه نصره وإختاره غيره من أرباب التحقيق "قال وهو الذي لايتجه غيره الأعصار المتأخرة" وذلك أنها قصرت الهمم فيها جدا وحصل التوسع فيها فلو توقف العمل فيها إلى الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شرط الرواية في هذا الزمان يعنى فلم يبق إلا مجرد وجدان.
"قال النووى: هذا هو الصحيح" وقد إستدل العماد بن كثير للعمل بها بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
"أى الخلق أعجب إليكم إيمانا؟", قالوا الملائكة قال: "وكيف لا
 

 

ج / 2 ص -213-        يؤمنون وهم عند ربهم؟", وذكروا الأنبياء فقال: "كيف لايؤمنون والوحى ينزل عليهم؟", قالوا: فنحن, قال: "وكيف يؤمنون وأنا بين أظهركم", قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: "قوم يأتون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بها"1 قال فيؤخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة2 قال البلقيني: وهو إستنباط حسن قال السخاوي3: قلت: وفي الإطلاق نظر فالوجود بمجرده لا يسوغ العمل فقلت: مقيد بما علم من وجود يوثق به كما دلت له قواعد العلم.
"قلت: وهو الذي اختاره أئمة أهل البيت عليهم السلام منهم الإمام" عبد الله بن حمزة "المنصور بالله وادعى إحماع الصحابة على ذلك ذكره في صفوة الأختيار في أصول الفقه ومنهم الإمام" المؤيد بالله "يحيى بن حمزة ذكره في كتابه المعيار" في أصول الفقه "ولكنه اختار جواز العمل دون الرواية" فإنه قال والمختار عندنا جواز العمل على ذلك دون الرواية لأن العمل إنما مستنده عليه الظن وهو حاصل هاهنا فأما الرواية فلا بد فيها من أمر وراء ذلك القطع بمستند تجوز معه الرواية قال المنصور بالله وإجماع الصحابة وكتاب عمرو بن حزم لا يتهضان إلا إلى ما ذهب إليه الإمام يحيى ذكره المصنف في العواصم "ومنهم الإمام" المتوكل على الله "أحمد بن سليمان حكاه عنه الإمام" المهدي "محمد بن المطهر في عقود العقيان واختاره في محمد بن المظهر لنفسه وحكاه عن أبيه المطهر بن يحيى ذكر ذلك كله في عقود العقيان في شرح قوله:

روينا سماعا عن إمام محقق                   أبي القاسم الحبر المفسر بالفضل

وذكر الخلاف في ذلك الحاكم أبو سعيد في شرح العيون واحتج له بما يقتضي أنه إجماع لاصحابة ولاتابعين وكذلك الشيخ أبو الحسين البصري ذكرمثل ذلكفي المعتمد واختاره الفقيه عبد الله بن زيد" العنسي "في كتابه الدرر والمنظومة واحتج له بمثل ذلك وقال وهو قول طائفة من العلماء".
"قلت: وقد احتجوا على ذلك بحجج ثلاث":
الأولى: "منها أن ذلك يفيد الظن وهو العلة الموجبة لقبول أخبار الآحاد".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شرف أصحاب الحديث 61. والمشكاة 6279. والضعيفة 647.
2 اختصار علوم الحديث ص 108.
3 فتح المغيث 3/28.

 

ج / 2 ص -214-        "و" الثانية: "منها" الإجماع وهو "إجماع الصحابة رواه الإمام المنصور بالله والإمام المهدي محمد وعبد بن زيد والحاكم وأبو الحسين والرازي والحافظان يعقوب بن سفيان وإسماعيل بن كثير الشافعي".
"و" الثالثة: "منها حديث بن حزم لذى أمر النبى صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب له أنصبة لزكوات ومقادير الديات ورجع إليه الصحابه وتركو اله آراء هم وقد صح عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه رجع إليه في دية الأصابع حكاه ابن كثير" في الإرشاد ونقلنا لفظه في شرح بلوغ المرام المسمى سبل السلام.
"وقال" ابن كثير "وروى هذا الحديث" يعنى حديث عمرو بن حزم "مسندا ومرسلا أما المسند فروااه جماعة من الحفاظ وائمة الأثر النسائى في سننه والإمام أحمد في مسنده وأبو داود في كتاب المراسيل وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى" بالمهملة مفتوحه وكسر الراء نسبة إلى دارم حى من تميم "وأبو يعلى الموصلى ويعقوب بن سفيان في مسانيدهم ورواه الحسن بن سفيان العسوى وعثمان بن سعيد الدرامى وعبد الله بن عبد العزيزالبغوى" بالموحدة وغين معجمة نسبة إلى بغشور بلدة بين هراة وسرخس والنسبة بغوى على غير القياس قاله في القاموس وقد تقدم "وأبو زرعة الدمشقى وأحمد بن الحسن ابن عبد الجبار الصوفي الكبير وحامد بن محمد بن شعيب البلخى والحافظ الطبرانى" نسبة إلى طبران بلدة بتخوم قومس كما في القاموس سقنا ترجمته في التنزير شرح الجامع الصغير كما سقنا ترجمة غيره ممن ذكر "وأبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه" وظاهر طريق سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق وقال ثقة مأمون وقال الحافظ ابن أبو بكر البيهقي أنني عليه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وعثمان بن سعيد الدارمي "وقال البيهقي هو حديث موصول الإسناد حسن" فهذه الطرق المسندة.
"وأما المرسل فقد روى من وجوه رواها ابن كثير وذكر اختلافا في صحة إسناده وطول الكلام فيه ثم قال وعلى كل تقدير فهذا الكتاب متداول بين أئمة الإسلام قديما وحديثا يعتمدون عليه ويفرعون في مهمات هذا الباب إليه كما قال يعقوب بن سفيان لاأعلم في جميع الكتب كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم" وتقدم من الأدلة حديث ابن عمر مرفوعا في الوصية وهو متفق عليه وقد سرده المصنف في

 

ج / 2 ص -215-        العواصم من أدلة الوجادة.
قلت: ول غناء عن القول بها كما قاله النووي وغيره ولما ألقى الله وله الحمد الولوع بهذا الشأن وكان علماء الحديث لا وجود لهم بهذه الأوطان وكان مشايخنا رحمهم الله وأنزلهم غرف الجنان الذين عنهم أخذنا علوم الآلات من نحو وتصريف وميزان وأصول فقه ومعان وبيان ليس لهم إلى هذا الشأن نزوع وإنما يدرسون فيما تجرد عن الأدلة من الفروع ووفقت على قول بعض أئمة الحديث شعرا:

إن علم الحديث علم رجال                   تركوا الإبتداع للإتباع

فإذا جن ليلهم كتبوه                          وإذا أصبحوا غدوا للسماع

قلت: مجيزا لها:

قد أردنا السماع لكن فقدنا                      من يفيد الأسماع بالإسماع

فرجعنا إلى الوجادة لما                           لم تجد عارفا به في البقاع

فلسان الأسفار تملي ومنها                    نتلقى سرا سماع البراع

ثم من الله وله الحمد بالبقاء في مكة والإجتماع بأئمة من علماء الحرمين ومصر وإملاء كثير من الصحيحين وغيرهما وأخذ الإجازة من عدة علماء والحمد لله.
* * *

 

ج / 2 ص -216-        مسألة: 54 [في كتابة الحديث وضبطه]
"كتابة الحديث وضبطه اختلف الصحابة والتابعون في كتابة الحديث" أي اختلف في ذلك كل فريق في عصره.
"فكرهه" كراهة تحريم كما صرح به جماعة "ابن عمر1 وابن مسعود وزيد بن ثابت2 وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وآخرون من الصحابة" بل قالوا تحفظ عنهم حفظ قلب كما أخذه عنهم حفظا "والتابعين" منهم الشعبي والنخعي "لقوله صلى الله عيله وآله وسلم لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد3" وفي رواية أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في كتب الحديث فلم يأذن له4.
"وجوزه" أي كتب الحديث "وفعله جماعة من الصحابة منهم علي وابنه الحسن وعمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس بن مالك وابن عباس وابن عمر في رواية والحسن" وقال البلقيني في محاسن الإصطلاح أعلى من روى عنه ذلك من الصحابة عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان روى عن عمر أنه قال قيدوا العلم بالكتابة ونحوه عن عثمان "وعطاء وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وحكاه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ابن عمر هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أسلم قديما بمكة مع إسلام أبيه وهاجر وهوابن عشر وكان من سادات الصحابة وفضلائهم لازما للسنة فارا من البدعة مات سنة 73. له ترجمة في: أسد الغابة 3/340.والإصابة 1/338.
2 زيد بن ثابت بن الضحاك أبو خارجة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني استصغره النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فرده وشهد احدا وما بعدها مات سنة 45. له ترجمة في: اسد الغابة 2/278. والإصابة 1/543. والعبر 1/53.
3 مسلم في: الزهد: حديث 72. وأحمد 3/12, 21.
4 الترمذي 2665. والدارمي 457.

 

ج / 2 ص -217-        القاضي عياض1 عن أكثر الصحابة والتابعين".
"قال" القاضي "ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف" بناء على وقوع الإجماع بعد الخلاف والإعتداء به وهي مسألة خلاف في الأصول.
"ومما يدل على الجواز" أي في عصره صلى الله عليه وسلم فضلا عما بعده ما ذكره زين الدين من "قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح
"اكتبوا لأبي شاه"2" بالشين المعجمة وهاء منونة في الوقوف والدرج على المعتمد وهو أمر منه صلى الله عليه وسلم بكتب خطابته التي سمعها أبو شاه يوم الفتح من رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب أن تكتب له فأمر صلى الله عليه وسلم بكتابتها له قال ابن عبد البر في الإستيعاب إن أبا شاه رجل من أهل اليمن حضر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم مكة فقال أبو شاه أكتب لي يا رسول الله الخطبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاه" قال ابن عبد البر وهو من ثابت الحديث وأما قول البلقيني يجوز أن يدعي أنها واقعة عين فقد نظره السخاوي وكأن وجهه أن الأصل التشريع العام.
ومن الأدلة على الجواز ما ي صحيح البخاري3 من حديث:
"إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا...", الحديث.
"و" من الأدلة على جوازها "ما روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو" ابن العاص "قال كنت أكتب كل شيء سمعته عن رسول الله وذكر الحديث وفيه أنه ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له اكتب" وفي لفظ قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمعه منك في الغضب والرضا قال:
"نعم, فإني لا أقول إلا حقا"4 وكانت تسمى صحيفته تلك الصادقة رواه ابن سعد وغيره.
"وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن عبد الله بن عمرو كان يكتب" فإنه قال أبو هريرة ما أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب5.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإلماع ص 147- 148.
2 البخاري 1/39. ومسلم في: الحج 447. وأحمد 2/238.
3 البخاري 3138. ومسلم 1637, وأحمد 1/293.
4 أحمد 2/207, والحاكم 1/105.
5 البخاري 113. والترمذي 2688. وأحمد 2/248.

 

ج / 2 ص -218-        "قلت: وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقات لأبي بكر الصديق وهو في صحيح البخاري" قلت: وكتب صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وملك مصر وعمان وغيرهم "وكتب لعمرو بن حزم الديات والزكوات كما قدمنا في الوجادة وكتب علي عليه السلام صحيفة كانت معلقة في سيفه فيها أسنان الإبل ومقادير الديات وهو صحيح أظنه في صحيح البخاري" هو كما ظنه رحمه الله وأوله فيه: "ما كتبنا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة"1.
"وبالجملة فلو تركت الكتابة في الأعصار الأخيرة لكان ذلك سبيلا إلى الجهل بالشريعة وموت كثير من السنن" بل قد كتب عمر بن عبدالعزيز في عصره إلى أهل المدينة: "انظروا ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل المدينة انظروا ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه فانى خشيت دروس العلم وذهاب العلماء"2 وعن الشافعي إن هذا العلم يند كما تند الإبل ولكن الكتب له حماة والأعلام عليه رعاة وبالجملة فقد استقر الأمر جواز الكتابة.
قال ابن حجر: لايبعد وجوبها على من خشى النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم ونحوه قول الذهبى إنه يتعين من المائة الثالثة وهلم جرا وأول من دون الحديث الزهرى بأمر عمر بن عبد العزيز وبعث به إلى كل أرض له عيله سلطان.
"وقد إختلف في الجواب عن حديث أبي سعيد" الدال على النهي عن الكتابه "والجمع بينه وبين أحاديث الإذن" في الكتابه كحديث أبي شاه فأجيب بجوابات ثلاثة:
الأول: [ما أفاده قوله] "فقيل إن النهى منسوخ بها وكان النهي في أول الأمر لخوف إختلاطه" أى الحديث "بالقرآن" أي بسبب أنه لم يكن قد إشتد إلف الناس بالقرآن ولم يكثر حفاظه والتقنون له فلما ألفه الناس وعرفوا أساليبه وكمال بلاغته وحسن تناسب فواصله وغايته صارت لهم ملكة يميزونه بها من غيره فلم يخش اختلاطه بعد ذلك فلذا قال: "فلما أمن ذلك أذن فيه" وهذا الجواب جنح إليه ابن شاهين فإن الإذن لأبي شاه كان في فتح مكة قال الحافظ وهو أي هذا الجمع أقربها.
"و" الثاني: "قيل إن النهي في الحق من وثق بحفظه" وهذا كما قال ثعلب: إذا أردت أن يكون عالما فالكسر القلم "والإذن لمن لم يثق".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 111, والدارمي 2361, وأحمد 1/79.
2 البخاري 1/194, وسنن الدارمي 1/104, وشرح السنة 1/296.

 

ج / 2 ص -219-        "و" الثالث "قيل النهي عن كتابه الحديث مع القرآن في صحيفةواحدة لانهم كانوا يسمعون تأويل الآيه فريما كتبوه معه" قال الحافظ ابن حجر: ولعل ما قرىء في الشاذ في قوله "ما لبثوا حولا في العذاب المهين" قلت: هذه قراءة ذكرها ابن خلكل لابن شنبوذ وذكر غيرها في شواذه وذكر لها قصة فلا يصح تمثيل به إذ الكلام فيما كان يكتبه الصحابة "فنهوا عن ذلك" عن خلط كتابه القرآن بتأويل في صحيفة "لخوف الإشتباه والله أعلم1".
* * *
مسألة:
"وينغي" إستحبابا مؤكدا بل عبارة بن خلاد وعياض2 تقتضى الوجب وعبارة ابن الصلاح3 ثم إن على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبطه إلى آخر فأدت عبارته الوجوب "لطالب الحديث العناية في تجويد كتابه بإعجام" أى بالنقط "ما يلتبس منه" لو ترك إعجابه والإجام إزلة العجمة وذلك بالنقط نحوه فيميز الخاء المعجمة من الحاء المهملة والذال المعجمة من الدال المهملة كما في مثل
"عليكم بمثل حصى الخذف"4 فيعجم كلا من الخاء والذال بانقط وروى عن الثورى أنه قال الخطوط المعجمة كالبرود المعلمة قال وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه وشكله يمنع إشكاله "لاسيما إعجام أسماء الرواة" كخباب بالعجمة وأبي الجوزاء باجيم والزاى وأبي الحوراء بالحاء المهملة والراء.
"ويعرف" عطف على العناية أي وينبغي له أن يعرف "ما اصطلح عليه أهل الحديث فلهم اصطلاحات في تخريج الساقط" قال زين الدين إنهم يسمون ما سقط من أصل الكتاب فألحق في الحاشية أو بين السطور اللحق بفتح اللام والحاء معا قال وأما كيفية ما يسقط من الكتاب فلا ينبغي أن يكتب بين السطور لأنه يضايقها ويعكس ما يقرأ خصوصا إن كانت السطور ضيفة متلاصقة والأولى أن يكتب في الحاشية فإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 جامع بيان العلم 1/68, وتقييد العلم ص 286.
2 المحدث الفاضل ص 608, والإلماع ص 150.
3 علوم الحديث ص 162.
4 مسلم 1282. وأحمد 1/210.

 

ج / 2 ص -220-        كان السقط من وسط السطر فينبغي أن يخرج له إلى جهلة اليمين لاحتمال أن يبقى في بقية السطر سقط فيخرج له إلى جهلة الشمال ثم أطال في هذا البحث بآداب قد أعرض عنها الكتاب في هذه الأزمنة.
"والتخريج" أي صفة التخريج قال الزين أما صفة التخريج للساقط فقال القاضي عياض وأحسن وجوهها ما استمر عليه العمل عندنا من كتابة خط بموضع النقص صاعدا إلى تحت السطر الذي فوقه ثم ينعطف إلى جهة التخريج في الحاشية انعطافا يشير إليه.
"والتمريض والتضبيب" قال الزين التمريض هو كتابة صورة ض هكذا في الحرف الذي يشار إليه تمريضه وقال القاضي عياض في الإلماع شيوخنا من أهل المغرب يتعاملون أن الحرف إذا كتب عليه صح أن ذلك علامة لصحة الحرف فوضع حرف كامل على حرف صحيح وإذا كان عليه صاد مممدودة دون حاء كان علامة أن الحرف غير مستقيم وأما التضبيب فهو مثناة فوقية مقتوحة فضاد معجمة فموحدة بعدها مثناة تحتية فموحدة وهو عطف تفسيري للتمريض فإنه عبارة عن الصورة التي قالها القاضي عياض فإنه قال إن ذلك علامة على أن الحرف لا يستقيم إذا وضع عليه حرف غير تام ليدل نقص الحرف على أختلال الحرف قال ويسممى أيضا ذلك الحرف ضبة أي أن الحرف مقفل لا يتجه لقراءة كما أن الضبة مقفل بها.
"والكشط والمحو والضرب" قال الزين لما تقدم إلحاق الساقط تعقيبة بإبطال الزائد فإذا وقع في الكتاب شيء زائد يلس منه فإنه ينبه عليه إما بالكشط وهوالحك وإما بالمحو بأن يكون الكتاب في لوح أورق صقيل جدا في حال طراوة المكتوب وقد أطال زين الدين في هذه الثلاثة في شرحه.
"والعمل في اختلاف الروايات والإسناد بالرمز" أي إذا كان الكتاب مرويا بروايتين فأكثر في نسخة واحدة فالعمل أن يبني الكتاب أولا على رواية واحدة ثم ما كان من رواية أخرى ألحقها في الحاشية أو غيرها مع كتابة اسم راويها معها أو الإشارة إليه أي بالرمز إن كان زيادة وإن كان الاختلاف بالنقص أعلم على الزائد أنه ليس في رواية فلان باسمه أو الرمز إليه وأما الرمز في الإسناد فهو ماجرت عادة أهل الحديث باختصار بعض ألفاظ الأداء في الخط دون النطق فإنهم يقتصرون من حدثنا على ثنا وربما اقتصروا على الضمير فقط فقالوا نا وربما اقتصروا على حذف الحاء فقط

 

ج / 2 ص -221-        فكتبوا دثنا قال ابن الصلاح: إنه رآه في خط الحاكم وأبي عبد الرحمن السلمي والبيهقي ومن ذلك أخبرنا اقتصر وافيها على الألف والضمير أعنى أنا وربما لم يحذف بعضهم الراء فيكتب أرنا وبعضهم بحذف الخاء والراء ويكتب أبنا وقد فعله البيهقي وطائفة من المحدثين قال ابن الصلاح: وليس بجيد ومما جرت عادة أهل الحديث حذف قال في أثناء الإسناد في الخط والإشارة إليه بالرمز فرأيت في بعض الكتب المعتمدة الإشارة إليها بقاف فبعضهم بجمعها مع أداة التحديث فيكتب قثنا يرد قال حدثنا وبعضهم يفردها فيكتب في ثنا وهذا اصطلاح متروك قال ابن الصلاح: جرت العادة بحذفها خطا قال ولا بد من ذكرها حال القراءة لفظا ومما جرت به عادتهم عند الإنتقال من سند إلى سند وذلك أنه إذا كان للحديث إسنادان فأكثر وجمعوا بين الأسانيد في متن واحد أنهم إذا انتقلوا من إسناد إلى إسناد آخر كتبوا بينهما حاء مفردة مهملة صورة ح والذي عليه عمل أهل الحديث أن ينطق القاريء بها كذلك مفردة واختاره ابن الصلاح ونقل كلاما كثيرا في ذلك.
"وكتابة التسميع" قال الخطيب في كتاب الجامع يكتب الطالب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه وكنيته ونسبه قال وصورة ما ينبغي أن يكتب حدثننا أبو فلان فلان بن فلان بن فلان الفلاني قال حدثنا فلان ويسوق ما سمعه من الشيخ على لفظه قال وإذا كتب الطالب الكتاب المسموع فإنه ينبغي أن يكتب فوق صدر التسمية أسماء من سمع معه وتاريخ وقت السماع قال وإن أحب كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب فكلاهما قد فعله شيوخنا قال إن كان سماعه للكتاب في مجالس عديدة كتب عند انتهاء السماع في كل مجلس علامة البلاغ ويكتب في الذي يليه التسميع والتاريخ والتقطيع كما يكتب في أول الكتاب فعلى هذا شاهدت أصول جماعة من شيوخنا مرسومة.
"وقد ذكروا في هذا النوع آدابا كثيرة وفوائد حسنة أو دعوها هذا النوع من كتب علم الحديث وإنما اختصرتها لطول الكلام فيها واعتمادي على ما يتعلق به التحليل والتحريم غالبا" وقد ذكرنا مما ذكروه محل الحاجة.
* * *

 

ج / 2 ص -222-        مسألة: 55 [في بيان صفات راوي الحديث وآدابه]
"صفة رواية الحديث وآدابه" قال زين الدين "اختلفوا في الإحتجاج من لا يحفظ حديثه وإنما يحدث من كتابه معتمدا عليه" على أقوال الأول قوله "فذهب الجمهور إلى جواز ذلك إذا كان الراوي قد ضبط سماعه أو قابل كتابه هو أوثقة على نسخة شيخه أو نسخة مقابلة بنسخة شيخه على الوجه الصحيح" وإلى هذا ذهب الشافعي وأكثر أصحابه أن كان كتابه محفوظا مصونا لديه وروى عن أبي حنيفة ومالك أن لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه.
"فإن غاب عنه كتابه بضياع أو عارة أو نحو ذلك" بأن سرق عليه "فاختلفوا أيضا" فذهب أهل التشديد إلى أنها لا تجوز الرواية منه لغيبته عنه وجواز التغيير فيه "والأصح" عند الجمهور "جواز الرواية إذا كان الغالب عليه السلامة من التبديد" لا سيما إذا كان مما لا يخفى عليه في الغالب إذا غير ذلك أو شيء منه لأن باب الرواية مبني على غلبة الظن.
"قال الخطيب: والسماع" من كتاب "البصير الأمي والضرير" الأعمي "اللذين لم يحفظا لكن كتب لها ما سمعا" أي كتبه لهما ثقة "قد منع منه غير واحد" من العلماء وهي عبارة الخطيب.
"ورخص فيه بعضهم قال ابن الصلاح: في الضرير" الذي لا يحفظ حديثه من فهم من حدثه "إذا استعان بالمأمونين في ضبط سماعه وحفظ كتابه واحتاط في ذلك بحيث يحصل معه الظن بالسلامة من التغيير صحت روايته" قال ابن الصلاح: غير أنه أولى بالخلاف من البصير.
"وهذا" أي ما ذكر من أول المسألة "كله في رواية الراوي من أصله الذي سمع منه أو مما قوبل على أصله فأما" روايته عن "أصل شيخه وما قوبل عليه فالأكثر والأصح المنع

 

ج / 2 ص -223-        منه قلت: إلا أن قراءته في أصله كان بمنزلة المقابلة على أصل شيخه" أي جاز "وهذا كثير خاصة إذا كان شيخه معتمدا في التسميع على الكتاب دون الحفظ" فإنه يوثق بكتابه "والله أعلم" وهذا إذا لم يختلف حفظه وكتابه.
"فإذا اختلف حفظه وكتابه" فإن وجد الحافظ للحديث في كتابه خلاف ما يحفظه "فإن كان حفظه" مأخوذا "من كتابه رجع إليه وأن كان من شيخه قدم الحفظ" قال زي الدين "والأحسن" أي يجمع بينهما أي "أن يقول حفظي كذا وفي كتابي كذا" فهكذا فعل شعبة وغير واحد من الحفاظ ومثله ما إذا حفظ شيئا وخالفه فيه بعض الحفاظ المتقنين فإنه يحسن فيه أيضا بيان الأمرين فيقول حفظي كذا وكذا وقال فيه فلان كذا وكذا ونحو ذلك وقد فعله سفيان الثوري.
مسألة: [في آراء العلماء في رواية الحديث بالمعنى]
"والرواية"
للحديث "بالمعنى" أي روايته بمعناه بعبارة من عند الراوي "محرمة على من لا يعلم مدلول الألفاظ ومقاصدها وما يحيل معانيها" فإن هذا لا يمكنه أن يروى المعنى لأنه لا يعرفه فتحرم عليه الرواية بلا خلاف.
"واختلفوا في من يعلم ذلك" مدلول الألفاظ وما ذكر معها "هل تجوز له الرواية بالمعنى والأكثر على الجواز لجواز رواية الحديث بالمعجمة للعجم" فإنه جائز بالإتفاق وهو رواية بالمعنى "ولأن الصحابة رووا أحاديث بألفاظ تختلفة في وقائع متحدة".
قال زين الدين وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده في معرفة الصحابة من حديث عبد الله بن سليمان بن أكتمة الليثي قال قلت: يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع من ك يزيد منك حرفا أو ينقص حرفا قال إذا لم تحلوا حراما ولا تحرموا حلالا وأصبتم بالمعنى فلا بأس فذكر ذلك للحسن فقال لولا هذا ما حدثنا هكذا نقله زين الدين وقال السخاوي1 بعد ذكره:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 3/145.

 

ج / 2 ص -224-        وهو حديث مضطرب لا يصح بل رواه الجوزجاني في الموضوعات.
واعلم أنه أسقط المصنف رحمه الله مسألة الإقتصار على بعض الحديث وذكرها زين الدين بعد مسألة الرواية بالمعنى فقال اختلف العلماء في جواز الإقتصار على بعض الحديث وحذف بعضه على أقوال:
أحدها: المنع مطلقا.
ثانيها: الجواز مطلقا قال: وينبغي تقييد الإطلاق بما إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمأتي به تعليقا بخل بالمعنى حذفه كالإستثناء والحال ونحو ذلك.
الثالث: إن لم يكن رواه على التمام مرة أخرى هو أوغيره لم يجز وإن كان رواه على التمام هو أو غيره جاز.
الرابع: وهو الصحيح كما قال ابن الصلاح1: أنه يجوز ذلك من العالم العارف إذا كان ما تركه متميزا عما تركه غير متعلق به بحيث لا يخل البيان ولا تختلف الدلالة فيما نقله بتكر ما تركه قال فهذا ينبغي أن يجوز لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين.
مسألة [في التسميع بقراءة اللحان وذي التصحيف]
"التسميع بقراءة اللحان"
صيغة مبالغة ولعله يغتفر إذا كان لحنه قليلا كما يدل له مفهوم المبالغة "والمصحف" اسم فاعل "وليحذر الشيخ أن يروى حديثه بقراءة لحان أو مصحف فقد روينا عن الأصمعي قال إن أخوف ما أخاف على طالب العلم" أي علم الحديث أو ما مزج به من الأدلة "إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"2 زاد زين الدين لأنه لم يكن يلحن3 فمهما رويت عنه ولحنت فقد كذبت عليه صلى الله عليه وسلم".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث ص 191.
2 سبق تخريجه.
3 الإلماع ص 184.

 

ج / 2 ص -225-        قال زين الدين "وروينا نحو هذا عن حماد بن سلمة" فإنه قال لإنسان إن لحنت في حديثي فقد كذبت علي فإتي لا ألحن وكان حماد إماما في ذلك وروى أنه شكاه بعضهم إلى الخليل بن أحمد فقال سألته عن حديث هشام بن عروة عن أبيه في جل رعف فانتهرني وقال أخطأت إنما هو مرعف بفتح العين فقال الخليل صدق أتلقي بهذا الكلام أبا أسامة1 هو مما ذكر أنه سبب تعلم سيبويه العربية.
قلت: وإنما قال الأصمعي أخاف ولم يجزم لأن من لم يعلم بالعربية وإن لحن يكن متعمدا الكذب.
"وروى الخطيب2 عن شعبه قال من طلب الحديث ولم يتعلم العربية كمثل رجل عليه برنس وليس عليه رأس" في القاموس البرنس بالضم قلنسوة أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أوجبة أو قمطرا "وروى" الخطيب3 "أيضا عن حماد بن سلمة قال مثل الذي يطلب الحديث ولا يطلب النحو مثل حمار عليه مخلاة ولا شعير فيها" نظمه من قال4:

مثلوا طالب الحديث ولا يحسن                     نحوا ولا له آلات

كحمار قد علقت ليس فيها                          من شعير برأسه مخلاة

"فسبب السلامة من المحن يكون بتعلم النحو" أي تعلم قد يعرف بالأعراب "وأما السلامة من التصحيف فسببها الأخذ من أفواه أهل العلم لا من الكتب فقلما سلم من التصحيف من أخذ العلم من الصحف من غير تدريب المشايخ" كأنه مأخوذ من المدرب من الإبل وهو المخرج المؤدب قد ألف الركوب وتعود المشي في الدروب كما في القاموس.
ويقال: لا تأخذ القرآن من مصحف ولا العلم من مصحفي5وإلى من روايته من الكتب أشار من قال:

ومن بطون كراريس روايتهم                   لو ناظروا باقلا يوما لما غلبوا



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الجامع 2/27, وفتح المغيث للعراقي 3/53.
2 الجامع 2/26, 27.
3 سبق تخريجه.
4 هما لجعفر السراج شيخ السلفي فتح المغيث للسخاوي 3/394.
5 المحدث الفاضل ص 211 والكفاية ص 162.

 

ج / 2 ص -226-                             والعلم إن فاته إسناد مسنده كالبيت ليس له سقف ولا طنب1

واعلم أنه ذكر هاهنا نوعا أهمله المصنف وهو إصلاح اللحن والخطأ قال الزين:

وإن أتى في الأصل لحن وخطا                      فقيل يرويه كما جاء غلطا

فإن كان في الأصل رواه كما تلقاه من غير إصلاح وهذا قول جماعة وذهب جماعة من المحدثين أنه يصلح ذلك اللفظ وهو قول الأكثر فإن كان اللحن يختلف به المعنى فاتفقوا على أنه يعربه وإن كان لا يختلف فالأرجح أنه يعر به واختار ابن عبد السلام أنه لا يروى اللفظ الملحون والمصحف إذا كان سماعه به لأنه إذا أعربه فالذي سمعه غير معرب وإن لحن فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقله إلا معروفا فإن كان في كتاب شيخه أو سماعه ملحونا قالوا فالصواب بقاؤه كذلك وكتب في الحاشية كذا والصواب كذا انتهى وقد أطال هنا زين الدين.
مسألة:
"السماع على نوع من الدهش" بمهملة مفتوحة وهاء مفتوحة وشين معجمة في القاموس دهش كفرح فهو دهش تحير وذهب عقله من ذهل أو وله "إذا سمع" الراوي الحديث "من الشيخ من حفظه في حال المذاكرة فعليه" أي الراوي "بيان ذلك بقوله حدثنا مذاكرة ونحو ذلك لأنهم يتساهلون في المذاكرة والحفظ خوان ولهذا كان أحمد" بن حنبل "يمنع من رواية ما يحفظه إلا من كتابه وقد منع عبد الرحمن بن مهدي وابن المبارك وأبو زرعة الرازي أن يحمل عنهم في المذاكرة شيء".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث للسخاوي 3/165.

ج / 2 ص -227-        مسألة: [في بيان العالي والنازل وأنواهما]
"العالي" أي الإسناد العالي وهو الذي قلت: الوسائط في سنده أو قدم سماع روايته وزمانه "والنازل" وهو يقابله.
واعلم أنه طوى المنصف من كلام الزين آداب المحدث وآداب طالب الحديث وهو نحو من كراس في القطع الكنعان متنا وشرحا.
ثم اعلم أن أصل الإسناد من حيث هو خصيصة خاصة من خصائص هذه الأمة وسنة بالغة من السنن المؤكذة وروى السخاوي1 عن محمد بن حاتم بن المظفر أنه يقول إن الله أكرم هذه الأمة وفضلها وشرفها بالإسناد وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد وإنما هو صحف في أيديهم وخلطوا بكتبهم أخبارهم فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما أخفوه بكتبهم من الأخبار عن غير الثقات وهذه الأمة إنما ينص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة والضبط عن مثله حتى تنتهي أخبارهم ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ والأضبط والأطول مجالسة يميزونه ممن كان أقل مجالسة ثم يكتبون الحديث من أكثر من عشرين وجها حتى يهذبوه من الغلط والخلل ويحفظون حروفه ويعدونها عدا فهذا من أغظم نعم الله على هذه الأمة فنستوزع الله شكر هذه النعمة.
قال المصنف "استحب أكثر أهل الحديث الإسناد العالي" قال أحمد بن حنبل طلب الإسناد العالي سنة ممن سلف2 وقال محمد بن أسلم الطوسي قرب الإسناد قرب أوقربة إلى الله تعالى وقال الحاكم3 طلب الإسناد العالي سنة صحيحة وحكى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 3/331.
2 الجامع 1/123, والرحلة ص 89.
3 معرفة علوم الحديث ص 5,6.

 

ج / 2 ص -228-        حديث أنس في مجيء الأعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا محمد أنانا وسولك فزعم كذا الحديث قالوا فلو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب أنكر عليه سؤاله عما أخبره رسوله عنه ولأمره بالاقتصار على ما أخبره به الرسول وفيه احتمالات أخر لا يتهم معها به الاستدلال لما ذكر.
"ولم يحك الحاكم اختلافا في تفضيل العلو" لما ذكر "و" لكنه "حكى الخطيب في ذلك اختلافا" وحكاه قبله ابن خلاد1 عن بعض أهل النظر أنه قال الأسناد النازل أفضل "مبناه على أن الإسناد أكثر مشقة لكثرة رجاله والعناية بمعرفة عدالتهم" لأنه يجب على الراوي معرفة عدالة من يروي عنه وتعديله والإجتهاد في أحوال رواة النازل أكثر قطعا.
"قال ابن الصلاح2: وهو مذهب ضغيف الحجة قال ابن دقيق العيد لأن كثرة المشقة" التي عللوا بها أفضلية النازل "ليست مطلوبة لنفسها ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهي الصحة أولى. انتهى".
قال ابن دقيق العيد3 ولا أعلم وجها لترجيح العو إلا أنه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ فإن الطالبين يتفاوتون في الإتفاق والغالب عدم الإتقان فإذا كثرت الوسائط ووقع من كل واسطة تساهل كثر الخطأ والزلل وإذا قلت: الوسائط قل. انتهى.
"وهذا" أي تفضيل العالي "كله مع الثقات أما إذا كان العالي ضعيفا فالنازل خير منه بغير شك" قال ابن دقيق العيد4 وحينئذ فمحل الخلاف عند التساوي في جميع الأوصاف ما عدا العلو.
واعلم أنهم قسموا العلو إلى خمسة أقسام ذكرها الزين في نظمه وشرحه5.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المحدث الفاضل ص 216.
2 علوم الحديث ص 238.
3 الاقتراح ص 302.
4 الاقتراح ص 302.
5 فتح المغيث 3/99- 105.

 

ج / 2 ص -229-        مسألة: 57 [في بيان الغريب والعزيز والمشهور]
"الغريب والعزيز والمشهور" قسم الحافظ ابن حجر في النخبة1 الحديث أربعة أقسام الأول المتواتر فقال الأول أن يكون للخبر طرق بلا عدد معين أو مع حصر بما فوق الإثنين أو بهما أو بواحد فالأول المتواتر المفيد للعلم اليقيني بشروطه وهو المستفيض على رأي والثاني المشهور والثالث العزيز والرابع الغريب وكلها آحاد ما عدا الأول.
"قال ابن الصلاح2: الغريب هو الذي ينفرد به بعض الرواة وسواء انفرد بالحديث كله أو بشيء منه أو في سنده وقال ابن منده ما معناه الغريب من الحديث انفراد الراوي بالحديث عن إمام قد جمع حديثه وحفظ" وذلك الإمام "مثل قتادة" ابن دعامة "و" محمد بن شهاب "الزهري" ممن حفظت أحاديثهم وجمعت "فإذا انفرد الراوي عن أحدهم" من بين من أخذ عنهم "بحديث سمي غريبا فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا سمي عزيزا".
واعلم أن العزيز على تفسير ابن منده يكون بينه وبين المشهور عموم وخصوص من وجه وخص بعضهم المشهور بالثلاثة ولاعزيز بالإثنين واختاره الحافظ ابن حجر كما عرفت من كلامه السابق وسمي عزيزا إما لعزة وجوده من قولهم عز الشيء يعز عزا وعزازة إذا قل بحيث لا يكاد يوجد وإما من قولهم عز يعز بفتح المهملة فيه عزا وعزازة إذا اشتد وقوى ومنه قوله تعالى:
{فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} لمجيئه من طريق أخرى كما أفاده في النخبة وشرحها3.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ص 18, 23: 25.
2 علوم الحديث ص 243.
3 ص 24.

 

ج / 2 ص -230-        "فإذا روى الجماعة" ثلاثة أو أكثر "عنهم سمي مشهورا عند المحدثين" احترازا عن المشهور على ألسنة العامة سمي بذلك لوضوحه أي شهرته لكونه رواية أكثر من أثنين.
قال الحافظ ابن حجر: وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء سمي بذلك لانتشاره من فاض الماء يفيض قبضا أي زاد حتى خرج من جوانب الأناء كما في شمس العلوم وقد ذكر الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها1 الخلاف في هذا وبيان إطلاقه على غيره.
"قال الزين وهكذا ذكر محمد بن طاهر المقدسي وكأنه أخذه من كلام ابن منده قال زين الدين وليست الغرابة والعزة والشهرة تنافي صحة الحديث ولا تنافي ضعفه" إذ قد علم من رسمها أنه لا منافاة بينها وبينهما.
"قال" زين الدين "ومثل ابن الصلاح المشهور الذي ليس بصحيح بحديث:
"طلب العلم فريضة على كل مسلم"2 وتبع" ابن الصلاح الحاكم في ذلك فإنه مثل به له قال زين الدين "وقد صحح بعض الأئمة طرق الحديث هذا كما بينه في كتاب تخريج أحاديث الأحياء" يعني فلم يتم التمثيل به لما ذكر:
قلت: بحثت في تخريج أحاديث الأحياء للحافظ الزين رحمه الله من نسخة فيها يخطه الكثير وقد ذكر الحديث الغزالي في الجزء الأول من باب العلم فلم أجد فيه له عليه كلاما أصلا فراجعت الجامع الكبير للسيوطي فرأيته نسب تخريجه إلى ابن عدي3 والحاكم في الكني وابن عبد البر في العلم والطبراني في الكبير الخطيب وابن عساكر4 وابن النجار من طرق متعددة عن أنس والبيهقي وتمام عن ابن مسعود والطبراني في الأوسط وتمام عن ابن عباس وتمام وابن عساكر والخليلي والرافعي عن ابن عمر قال ابن عساكر غريب جدا والخطيب وابن عساكر عن علي والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وتمام والخطيب وابن عساكر عن أبي سعيد والخطيب وابن السمان عن الحسن بن علي انتهى كلامه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ص 23.
2 الطبراني 10/240, وبنحوه: ابن ماجة 224, والخطيب 10/375.
3 6/2091.
4 6/278.

 

ج / 2 ص -231-        "قال وذكر ابن الصلاح1 في أمثلته ما بلغه عن أحمد بن حنبل" ما أخرجه عنه ابن الجوزي في آخر باب الجهاد من موضوعاته أنه "قال أربعة أحاديث تدور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسواق لا أصل لها".
الأول: "من بشرني بخروج أذار بشرته بالجنة2" وأذار بفتح الهمزة فذال معجمة فألف فراء قال في القاموس هو السادس من الشهور الرومية.
"و" الثاني: "من آذى ذميا فأنا خصمة يوم القيامة3".
"و" الثالث: "نحركم يوم صومكم4".
"و" الرابع: "للسائل حق ولو" أي جاء "على فرس5 قال زين الدين" في شرح الألفية "لا يصح هذا عن أحمد بن حنبل فقد أخرج هذا الحديث الرابع في مسنده بإسناد جيد من حديث الحسين بن علي وأخرجه أبو داود" أي من حديث الحسين بن علي عليهما السلام "وسكت عنه وأخرجه أبو داوداي من حديث علي عليه السلام وفي إسناده من لم يسم ورويناه من حديث ابن عباس والهرماس بن زياد".
"وأما حديث من آذى ذميا" وهو الثاني "فقد رواه بنحوه أبو داود وكست عنه وأسناده جيد" ولفظه:
"ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة". "وإن كان فيه من لم يسم فأنهم عنده من أبناء الصحابة يبلغون حد التواتر الذي لا يشترط فيه العدالة فقد روينا عن البيهقي" لفظ الزين فقد رويناه في سنن البيهقي "وفيه عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
"وأما الحديثان الآخران" وهما الثالث والرابع "فلا أصل لهما كما ذكر" أي عن أحمد فالمراد من قوله ولا يصح هذا عن أحمد أي لا يصح كله لا بعضه ويحتمل أن يقرأ كما ذكر مغير الصيغة أي ذكره من نقله عن أحمد وأما مثال المشهور الصحيح فلم يذكره لكثرته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ص 239.
2 التذكرة 116, واللآلئ 2/78.
3 الموضوعات 2/236, واللآلئ 2/78, وتنزيه الشريعة 2/181.
4 الموضوعات 2/236. والتذكرة 221, والأسرار397.
5 أبو داود 1665, 1666. وأحمد 1/201. والبيهقي 7/23.

 

ج / 2 ص -232-        "وأما أمثال الغريب الصحيح" وهو القسم الأول "فأفراد الصحيح كثيرة منها حديث مالك عن يحيى بن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "السفر قطعة من العذاب" تمامه: "يدع أحدكم طعامه وشرابه ونومه فإذا قضى أحدكم نهمته من وجه فليعجل الرجوع إلى أهله" أخرجه مالك وأحمد والبخاري وابن ماجه1 عن أبي هريرة عن عائشة.
"وأما" مثال "الغريب الذي ليس بصحيح" وهوالقسم الثاني "فهو الغالب على الغرائب قال أحمد لا تكتبوا هذه الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء2 وقال مالك شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس3 وروينا عن عبد الرزاق أنه قال كنا نرى غريب الحديث خير فإذا هو شر4".
قال زين الدين وقسم الحاكم الغريب إلى ثلاثة أنواع غرائب الصحيح وغرائب الشيوخ وغرائب المتون5 وقسمه ابن طاهر إلى خمسة أنواع ونقل عن ابن الصلاح تقسيما للغريب باعتبار سنده ومتنه وأطال في ذلك.
"قلت: روى الذهبي في النبلاء في ترجمة الزهري عن الزهري أنه قال حدثت علي بن الحسين" أي ابن علي "حديثا فلما فرغت قال أحسنت بارك الله فيك هكذا حدثناه" بالنباء المجهول ويصح للمعلوم "قال الزهري أراني حدثتك بحديث أنت أعلم به مني قال لا تقل ذلك فليس من العلم ما لا يعرف وإنما العلم ما عرفت وتواطأت عليه الألسن" فأفاد ما أفاده كلام من تقدم قبله.
"فهذا" التقسيم "في الغريب والمشهور يقابله وهو" أي المشهور "ينقسم" أيضا كما انقسم إلى صحيح وضعيف فهو ينقسم "إلى" مشهور "متواتر و" مشهور "غير متواتر فالمتواتر ما تعلم صحته بالضرورة لكثرة رواته في الطرفين والوسط ذكره الأصوليون" ولهم فيما فيده خلاف هل ضروري أم لا "و" ذكره "من المحدثين جماعة منهم الحاكم وابن حزم وابن عبدالبر".
"ومن أمثلته" ما يأتي قال ابن الصلاح: ومن سئل عن إبراز مثال ذلك أعياه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مالك 980, وأحمد 2/236, والبخاري 3/10, 4/ 71. وابن ماجة 2882.
2 فتح المغيث للسخاوي 4/10.
3 المصدر السابق.
4 الكفاية ص 142, والمحدث الفاصل ص 562.
5 علوم الحديث ص 244- 245.

 

ج / 2 ص -233-        تطلبه ثم قال نعم "حديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"1 فإنه رواه بعض المحدثين" وهو أبو بكر البزار في مسنده كما قاله زين الدين "عن نيف" في القاموس النيف الفضل والإحسان ومن واحد إلى ثلاثة "وأربعين من الصحابة فيهم العشرة رضي الله عنهم" المبشرة بالجنة الذين يجمعهم قول المصنف:

للمصطفى خير صحب نص أنهمو                       في جنة الخلد نصا زادهم شرفا

هم طلحة وابن عوف والزبير مع                         أبو عبيدة والسعدان والخلفا

ثم قال وليس في الدنيا حديث اجتمعت على روايته العشرة غير هذا ذكره زين الدين.
قلت: بل حديث رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام رواه خمسون صحابيا منهم العشرة.
"ورواه بعضهم عن نيف وستين" المراد به ابن الجوزي فإنه أخرجه كذلك ثم قال لا يعرف حديث في الدنيا عن ستين من الصحابة غير هذا الحديث الواحد ذكره زين الدين.
"وصنف" الحافظ أبو الحجاج يوسف ابن خليل "المزي" تقدم ضبطه "في طرقه جزءين فرواه عن مائة صحابي واثنين وروى عن بعض الحفاظ" و كما قاله الزين ابن الجوزي "أنه رواه ما ئتان من الصحابة واستبعده زين الدين" هكذا ذكره في شرح ألفيته2 وذكر هذه الرواية الحافظ ابن حجر في شرح النخبة3.
واعلم أن النزاع في عزة المتواتر كما قاله ابن الصلاح والمراد المتواتر لفظا لا التواتر المعنوي فهو كثير وقد جمع الحافظ السيوطي كتابا في ذلك وفي الأبحاث المسددة للعلامة المقبلى شيء من ذلك كثير وقد تعقب الحافظ ابن حجر في شرح النخبة كلام ابن الصلاح في العزة وأتى في تعقبه بغير المراد لابن الصلاح فراجعه.
"ومن أمثلة ذلك حديث رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام بالصلاة فإنه روي عن طرق كثيرة قال ابن عبد البر رواه ثلاثة عشر من الصاحبة وقال السلفي أربعة عشر وقال ابن كثير عشرون أو نيف وعشرون وجمع زين الدين رواته فبلغوا خمسين" عبارة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سبق تخريجه.
2 فتح المغيث 4/8.
3 ص 22.

 

ج / 2 ص -234-        زين الدين قلت: وقد جمعت رواته فبلغوا نحو الخمسين ولله الحمد انتهى كلامه.
وأما قوله "فيهم العشرة" المبشرة "رضي الله عنهم" فليس من كلام الزين بل قاله عن ابن منده وغيره "وكذلك قال الحاكم ابن البيع أن العشرة" المبشرة "اجتمعوا على روايته وجعل ذلك من خصائص هذه السنة الشريفة" قال البيهقي سمعته أي شيخه الحاكم يقول لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلافء الأربعة ثم العشرة الذي شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة قال البيهقي هو كما قال أستاذنا أبو عبد الله رضي الله عنه فقد رويت هذه السنة عن العشرة وغيرهم انتهى.
واعلم أنه لايكفي كثرة رواية أول رتبة في التواتر حتىيستمر ذلك في الطرق كلها فكان الأحسن أن يزيد المنصف في هذه الأمثلة ولم تزل طرقها متكاثرة الطرقة تكاثرا تواتريا إلى الآن وكأن تركه للعلم به.
"ومن أمثلة ذلك حديث المسح على الخفين قال صاحب الإمام عن ابن المنذر روينا عن الحسن البصري أنه قال حدثنا سبعون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين وذكر ابن عبد البر أنها من السنن المتواترة قال زين الدين رواه اثر من ستين من الصحابة منهم العشرة رضي الله عنهم ذرك ذلك أبو القسام عبد الرحمن بن محمد بن أسحاق بن منده في كتباب له سماه المستخرج من كتب الناس".
"ومنها" أي ومن أمثلة المتواتر لفظا "حديث تقتلك يا عمار الفئة الباغية" قال الذهبي في النبلاء إنه متواتر.
"وغير ذلك مما يكثر تعداده" هذا لا يتم إلا في المتواتر المعنوي كما عرفت "وتعرف صحته" صحة دعوى التواتر فيما ذكر "من البحث عن طرق هذه الأحاديث والله أعلم" وقد يحصل التواتر لبحاث دون باحث لأن المدار على كثرة الإطلاع وليس الناس فيه سواء.

 

ج / 2 ص -235-        مسألة: 58 [في بيان غريب الحديث]
"غريب ألفاظ الحديث" هذا خلاف الغريب الماضي ذكره قريبا فذاك يرجع إلى الإنفراد من جهة الرواية وأما هنا فهو ما يخفى من ألفاظ المتون ولو كانت متواترة ولذا أضافه المصنف إلى الألفاظ ووجه غرابته قلة استعماله بحيث يبعد فهمه ويحتاج إلى التفتيش عنه من كتب اللغة ولعله في عصره صلى الله عليه وسلم وحين تكلمه به ولم يكن غريبا إنما لما تطاولت الأزمنة واختلطت الألسنة صار غريبا "ومن علوم الحديث معرفة غريب ألفاظه" إذ لا يتم فهم معناه حتى يعرف ويبحث عنه وقد صنف فيه جماعة من الأئمة ذكرهم ابن الأثير في خطبة النهاية1.
"ومن أحسن ما صنف فيه كتاب النهاية لأبي السعاداتالمبارك بن محمد بن الأثير الجزري".
واختلفوا في أول من صنف فيه فقال الحاكم في علوم الحديث2 أول من صنف الغريب في الأسلام النضر بن شميل ثم صنف فيه أبو عبيد القاسم بن سلام كتابه الكبير وقيل غير ذلك.
وعد زين الدين أئمة ألفوا في ذلك ثم "قال زين الدين3 وبلغني أن الإمام صفي لادين محمود بن محمد الأرموي ذيل ذيلا لم أره وبلغني أنه كتبه حواشي على أصل النهاية فقط وأن الناس أفردوه قال زينالدين وكنت كتبت على نسخة كانت عندي من النهاية حواشي كثيرة وأرجو أن أجمعها وأذيل عليه بذيل كبير أن شاء الله تعالى".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 1/5: 10.
2 علوم الحديث ص 88, 89.
3 فتح المغيث 4/9.

 

ج / 2 ص -236-        قلت: وقد اختصر السيوطي النهاية في كتاب سماه الدر النثير مختصر نهاية ابن الأثير وقال إنه زاد على ما فيها زيادات كثيرة وقد وصى زين الدين في العناية بالغريب ومعرفته وذكر ما وقع من التصحيف بسبب عدم العناية به أو تقليد من لا يقلد فيه.

 

ج / 2 ص -237-        مسألة: 59 [في بيان المسلسل]
"المسلسل" هو لغة إيصال الشيء بالشيء ومنه سلسلة الحديد وهو من صفات "الإسناد المسلسل الذي توارد رجاله" أي الإسناد "على صفة واحدة" سواء كانت الصفة للرواة أو للإسناد "أو حال واحد سواء كان ذلك يرجع إلى صفة الإسناد مثل أن تكون صفة أدائه" ومتعلقاته من الرواية أو من المكان وسواء كانت أحوال الرواة أو صفاتهم أقوالا أو أفعالا "متسلسلة بحدثنا أو أخبرنا أو سمعت".
وقد كثرت الأمثال في ذلك1وعد زين الدين أمثلة كثيرة للأنواع المذكورة وقد ألفت فيها كتب وهي شيء ليس له دخل في صحة الحديث ولا ضعفه ولا حكم من أحكامه فلا نطيل بذكرها.
"وعند الحاكم2" أن المسلسل إنما هو "بما يدل على اتصال السماع وإن اختلفت الصيغ مثل سمعت وحدثنا ونحو ذلك" وتكون فائدته معرفة كون الحديث متصلا "وكذا إذا تسلسل بصفة تعلق بالرواة مثل أن يكونوا مدنيين" أي من المدينة النبوية "كلهم أو فقهاء كلهم أو نحو ذلك" وأمثلته كثيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 صنف الشيخ محمد يس الفاداني كتابا فراجعه.
2 علوم الحديث ص 29.

 

ج / 2 ص -238-        مسألة: 60 [في بيان الناسخ والمنسوخ]
"الناسخ والمنسوخ" النسخ عبارة عن رفع الشارع حكما من أحكامه سابق بحكم من أحكامه لا حق "ومن أجل علوم الحديث معرفة الناسخ والمنسوخ".
"وقد صنف فيه غير واحد من الحفاظ من أحسن كتبه كتاب الإعتبار للحازمي" بالحاء المهملة فزاي بعد الألف نسبة على جده حازم الهمذاني فإنه محمد بن يونس بن عثمان بن حازم ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة سمع من الأئمة الكبار وكان حجة ثقة نبيلا زاهذا عابد ورعا لازم الخلوة والتصنيف وبث العلم وله كتاب الناسخ والمنسوخ وله عجالة المبتدي في الأسباب والمختلف والمؤتلف في أسماء البلدان ذكره الذهبي وأثنى عليه1.
واعلم أنه يعرف الننسخ بأمور:
الأول: نص الشارع عيه كقوله صلى الله عليه وسلم:
"كنت نهيتكم عن زيادة القبول فزوروها" وقوله: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا ما بدالكم2".
والثاني: أن ينص عليه صحابي كقول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار3 وهكذا قول الصحابي هذا متأخر لا إذا قال هذا ناسخ قالوا الجواب أنه قاله اجتهادا وقال أهل الحديث يثبت به النسخ قال زين الدين والذي قالوه أوضح وأشهر والنسخ لا يصار إليه بالاجتهاد والرأي وإنما يصار إليه عند معرفة التاريخ والصحابة أورع من أن يحكم أحد منهم على حكم شرعي بنسخ من غير معرفة تاريخ تأخر الناسخ عنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سبقت ترجمته.
2 النسلئي 8/311, وابن ماجة 1571. والبيهقي 4/76. وابن أبي شيبة 3/344.
3 أبو داود 4864. والنسائي 1/108. والبيهقي 1/106.

 

ج / 2 ص -239-        الثالث: معرفةالتاريخ الواقعتين كحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم"1 له في بعض طرقه أنه قال ذلك زمن الفتح وذلك سنة ثمان.
والرابع أن يجمع على العمل به كحديث:
"من شرب خمرا فاجلدوه" ثم قال في الرابعة: "فاقتلوه"2 قال النووي إنه حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه قاله في شرح مسلم وتعقب بأنه لا إجماع إذ قال ابن عمر بالعمل به وقال به ابن حزم3.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ابو داود 2367, والترمذي 774, وابن ماجة 1679. وأحمد 2/364.
2 أبو داود 4485, والترمذي 1444, وأحمد 2/136.
3 ابن حزم هو: الإمام العلامة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري. مات سنة 457. له ترجمة في: وفيات الأعيان 1/340, وشذرات الذهب 3/299.

 

ج / 2 ص -240-        مسألة: 61 [في بيان التصحيف]
التصحيف هو: تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها "معرفة التصحيف أمر مهم وقد صنف فيه غير واحد من الحفاظ منهم أبو الحسن الدار قطني وصنف" فيه "أبو محمد العسكري" بفتح العين والسين الساكنة المهملتين وفتح الكاف وبعدها راء هذه النسبة إلى عدة مواضع وأشهرها عسكر مكرم وهي مدينة من كور الأهواز وأبو أحمد المذكور من هذه المدينة واسمه الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري أحد الأئمة في الأدب والحفظ وهو صاحب أخبار ونوادر ورواية متسعة وله التصانيف المفيدة منها كتاب التصحيف الذي جمع فيه فأوعى وغير ذلك وكانت ولادته يوم الخميس لست عشرة خلت من شوال سنة ثلاث وتسعين ومائتين وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من ذي الحجة سنة اثنين وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى وأخذ عن أبي بكر بن دريد انتهى من تاريخ ابن خلكان باختصار كثير "كتابه المشهور في ذلك وهو" أي التصحيف "ينقسم إلى تصحيف البصر وهو الأكثر وإلى تصحيف السمع وإلى تصحيف المتن".
مثاله ما ذكره الدار قطني أن أبا بكر الصولي أملى في الجماع حديث أبي أيوب مرفوعا:
"من صام رمضان وأتبعه شيئا من شوال"1 بالشين المعجمة والياء المثناة من تحت وكقول وكيع في حديث معاوية: "لعن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم الذين يشفقون الحطب"2 بالحاء المهملة وإنما هو بضم المعجمة وروى أن ابن شاهين صحفة كذلك وهو بجامع المنصور فقال بعض الفلاحين كيف نعمل والحاجة ماسة يشير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود في: الصيام: ب 57. والترمذي 759. وابن ماجة 1716. وأحمد 5/417, 419.
2 أحمد 4/98.

 

ج / 2 ص -241-        إلى أن ذلك من حرفته وصحف بعضهم حديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير"1 إلى ما فعل البعير فروى عمير بفتح المهملة وهو بضمها مصغر وبموحدة فمهملة ووإنما هو بالنون فمعجمة وهذا النوع واسع جدا.
"و" يقع التصحيف أيضا "في الإسناد" مثاله ما روى عن محمد بن جرير أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من بني سليم وفيه عتبة بن البدر بالموحودة والذال المعجمة وإنما هو بالنون مضمومة والدال المهملة "وإلى تصحيف اللفظ" كما مثلناه "وهو الأكثر وإلى تصحيف المعنى" كما رواه الدار قطني أن أبا موسى العنزي قال يوما نحن قوم لنا شرف نحن من عنزة قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلينا يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى عنزة فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم وإنما العنزة هنا الحربة تنصب بين يديه.
وأعجب مارواه الخطابي عن بعض شيوخه في الحديث أنه لما روى حديث النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة قال ما حلقت رأسي قبل أربعين سنة فهم منه تحليق الرأس وإنما المراد تحليق الناس حلقا كما ذلك مبين في موضعه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 8/37. وأبو داود في: الأدب: ب 76. وأحمد 3/115.

 

ج / 2 ص -242-        مسألة: 62 [في مختلف الحديث]
"مختلف الحديث" أي اختلاف مدلوله ظاهرا وهو من أهم الأنواع يضطر إليه جميع الطوائف من العلماء قال السخاوي1 "هذا فن تكلم فيه الإئمة الجامعون بين الفقه والحديث وقواعده مقرره في أصول الفقه" وأول من تكلم فيه الشافعية وكان إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة2 من أحسن الناس كلاما فيه.
"ومن أبوابه في أصول الفقهاء باب الترجيح وكثير منه يدور على معرفة العموم والخصوص".
"مثل قوله صلى الله عليه وسلم في العموم:
"فيما سقت السماء العشر"3 أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وفيه زيادة فهذا عام لكل كثير وقليل سقى بماء السماء "مع قوله" صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة" أخرجه أحمد والشيخان وأهل السنن4 فالحديثان ظاهران في الأختلاف والجمع بينهما تقديم الخاص في العمل على العام.
"ونحو ذلك وأمثلته مذكورة في شروح الحديث" وفي غيرها وقد ألف فيه أبو جعفر الطحاوي مشكل الآثار وهو من أنفس كتبه قلت: وألف معاني الآثار وفيها من هذا شيء كثير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث 4/65.
2 أبو بكر بن خزيمة هو: إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري. صنف وجود واشتهر اسمه وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره. مات سنة 311. له ترجمة في: البداية والنهاية 11/149. وشذرات الذهب 2/262. والعبر 2/149.
3 أبو داود 1596. والترمذي 639. وابن ماجة 1816. وأحمد 1/145.
4 احمد 2/402. ومسلم في: الزكاة: حديث 4. وأبو داود 1559. والنسائي 5/17.

 

ج / 2 ص -243-        مسألة: 63 [في معرفة الصحابة]
من علوم الحديث "معرفة الصحابة ومن أنواع علوم الحديث معرفة الصحابة رضي الله عنهم" بأسمائهم وأحوالهم قال أبو عمر بن عبن البر في الاستيعاب ولا خلاف علمته بين العلماء أن الوقوف على معرفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أوكذ علم الخاصة وأرفع علم الخير وبه ساد أهل السير وما أهل دين من الأديان إلا وعلماؤهم يعتنون بمعرفة أصحاب أنبيائهم لأنهم الواسطة بينهم وبين نبيهم انتهى.
 ومعرفة الصحابة فن جليل وفائدته التمييز للرسل والحكم لهم بالعدالة ونحو ذلك "و" معرفة "طبقاتهم" وهي اثنتا عشرة طبقة:
الأولى: من تقدم إسلامه بمكة.
الثانية: أصحاب دار الندوة.
الثالثة: المهاجرة على الحبشة.
الرابعة: بيعة العقبة الأولى.
الخامسة: بيعة العقبة الثانية.
السادسة: المهاجرين الذين وصلوا إليه صلى الله عليه وسلم بقباء قبل دخوله المدينة.
السابعة: أهل بدر.
الثامنة: المهاجرون بين البدر والحديبية.
التاسعة: أهل بيعة الرضوان.
العاشرة: المهاجرون بين الحديبية وفتح مكة.
الحادية عشرة: مسلمة الفتح.
الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح

 

ج / 2 ص -244-        وفي حجة الواداع وغيرهما.
"وقد صنف في ذلك" أي معرفة لاصحابة "غير واحد من الحفاظ" ضقال الحافظ ابن حجر: إن البخاري أول من صنف في ذلك فيما علم1 وصنف شيخه علي بن المديني في ذلك.
"كابن حبان وابن مندة وابن عبد البر" ألف الإستعاب قال النووي2 إنه من أحسنها وأكثرها فوائد لولا ما شابه بما شجر بين الصحابة وحكايته عن الإخباريين قال السخاوي3 واختصر محمد بن يعقوب الخليلي الإستيعاب وسماه إعلام الإصابة بأعلام الصحابة وألف أبو الحسن علي بن محمد الجزري ابن الأثير أخو أبي السعادات صاحب النهاية في الغريب كتابا حافلا سماه أسد الغابة جمع فيه عدة من الكتب السابقة في هذا الفن وعليه المعول لمن جاء بعده حتى اختصره كل من النووي والكاشغري.
"و" جاء الحافظ "الذهبي" فاقتصر على تجريده وزاد زين الدين عليه عدة أسماء "وغيرهم" وقد عد السخاوي أنه ممن ألف في الصحابة4 ثم قال إنه يعسر حصرهم ثم قال وقد انتدب شيخنا يريد الحافظ ابن حجر لجمع ما تفرق من ذلك واتنصب لفتح المغلق منه على السالك مع تحقيق لغوامض وتوفيق بين ما هو بحسب الظاهر كالمتناقض وزيادات جمة وفوائد مهمة في كتاب سماه الإصابة جعل كل حرف منه غالبا على أربعة أقسام ثم سرد بقية الأقسام وقال أنه مات ولم يأت بالمهمات.
"ومن مهمات هذا الباب" أي باب معرفة الصحابة "القول بعدالة الصحابة كلهم في الظاهر" واعلم أنه استدل الحافظ ابن حجر في أول كتابه الإصابة على عدالة جملة الصحابة فقال الفصل الثالث في بيان معرفة حال الصاحبة من العدالة اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة.
وقد ذكر الخطيب في الكفاية5فصلا نفيسا في ذلك فقال عدالة الصحابة ثابتة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث للسخاوي 4/75.
2 التقريب والتيسير وبذيله التدريب 2/207.
3 فتح المغيث 4/75.
4 المصدر السابق 4/76.
5 ص 93.

 

ج / 2 ص -245-        معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم فمن ذلك قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] وقوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 18] وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} [التوبة: 100] إلى آخر الآية وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] وقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} إلى قوله: {إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } [الحشر: 8] إلى آيات كثيرة وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها.
وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق على أنه لو لم يرد من الله ورسوله شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الأسلام وبذل المهج والأوموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان اليقين لقطع بتعديلهم والإعتقاد لنزاهتهم وأنهم أعدل من جميع المخالفون بعدهم الذين يجيثون من بعدهم هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله.
والأحاديث الوارده في تفصيل الصحابة كثيرة فمن ذلك ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه1 من حديث عبد الله ابن المفضل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الله الله في أصحابي ولا نتحذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فيبغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذاني الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه".
وقال أبو محمد بن حزم الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا قال الله تعالى:
{لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} إلى قوله: { وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] فثبت أن الجميع من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون بالآية السابقة.1هـ.
قال المازري متعقبا فإن قيل التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك وكذلك التقييد بالإحسان في الآية السابقة يخرج من لم يتصف بذلك وهي أصرح آية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي 3862, وابن حبان 2284, وأحمد 5/54, 57.

 

ج / 2 ص -246-        في المقصود ولهذا قال المازري لسنا نعنى بقولنا الصحابة عدول كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه لأمر ما اجتمع به لغرض وانصرف وإنما نعني بهم الذي لا زموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون انتهى.
والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوة كلام الحافظ في أوائل كتابه الإصابة.
قلت: ولا يخفى ضعف الجواب على كلام المازري وأن كلامه هو الأوضح الجاري على الحقيقة وابن حجر حمل الآية على المجاز وهو زحلقة لها عما سيقت له من بيان التفرقة بين من أنفق وقاتل بالفعل وبين من لم ينفق ولم يقاتل وابن حجر جعل الأمرين على سواء ثم حديث خلوا أصحابي ونحوه يرد هذا التأويل ردا صريحا ويأتي للمصنف الاستدلال على عدالة مجهول الصحابة.
"إلا من قام الدليل على أنه فاسق تصريحا" ولما كان هذا الإستثناء منكرا لأن أهل الحديث يطلقون القول بعدالتهم من غير استثناء قال المصنف "ولا بد من هذا الإستثناء على جميع المذاهب وأهل الحديث وإن أطلقوا القول بعدالة الصحابة كلهم" عند الإجمال "فإنهم يستثنون من هذه صفته" عند تفاصيلهم لإفراد الصحابة "وإنما لم يذكروه" في مقام الإجمال "لندوره" فنزلوا النادر منزلة العدم "فإنهم قد بينوا ذلك" الإستثناء "في كتب معرفة الصحابة" ولما كان قد يستبعد أهم فعلوا ذلك قال "وقد فعلوا مثل هذا" أي الإطلاق مع إرادة خلافة "في قولهم إن المراسيل لا تقبل على الإطلاق من غير استثناء مع أنهم يقبلون مراسيل الصحابة وبعضهم يقبل ما علقه البخاري بصيغة الجزم" وهو مرسل "و" يقبل البعض منهم "ما حكم بعض الحفاظ بصحة إسناده وإن لم يبين إسناده ونحو ذلك من المسائل".
وقد زاد المصنف هذه الدعوى بيانا بقوله "وأنا أنقل" أي من كتبهم "نصوصهم على ذلك لتعرف صحة ما ذكرته من الإجماع على صحة هذا الإستثناء فممن ذكروه بالفسق الصريح الوليد بن عقبة" ابن أبي معيط من بني عبد شمس بن عبد مناف كان الوليد أخا لعثمان بن عفان من قبل أمه أسلم عام الفتح قال ابن عبد البر وأظنه يومئذ قد ناهز الإحتلام قال ابن عبد البر وولاه عثمان بن عفان الكوفة وعزل عنها سعد ابن أبي وقاص فلما قدم الوليد على سعد قال سعد والله ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك قال لا تجز عن أبا إسحاق إنما هو الملك يتغداه قوم ويتعاشه آخرون.

 

ج / 2 ص -247-        قال سعد أراكم والله ستجعلونها ملكا انتهى "فإنه ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه شرب الخمر وقامت عليه البينة وأمر عثمان بحده وحده على شربها".
قال ابن عبد البر في الإستيعاب أخباره في شرحه الخمر كثيرة مشهورة ونذكر منها طرفا ذكر عمر ابن شبة حدثنا هرون بن معروف حدثنا ضمرة بن ربيعةعن ابن شوذب قال صلى الوليد بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات ثم إلتفت فقال أزيدكم فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مازلنا معك في زيادة منذ اليوم ثم ساق بسنده أنه قال الخطيئة في القصة:

شهد الحطيئة يوم يلقي ربه                   أن الوليد أحق بالعذر

نادي وقد تمت صلاتهم                           أأزيدكم سكرا ولم يدر

فأبوا أبا وهب ولو أذنوا                            لجمعت بين الشفع والوتر

كفوا عنانك إذ جريت ولو                         تركوا عنانك لم تزل تجري

وذكروا له شعرا غير هذا في ذلك.
قال ابن عبد البر وقوله أزيدكم بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من نقله الحديث والأخبار قال وقدم على عثمان رجلان فشهدا عليه أنه شرب الخمر وأنه صلى بهم الفجر أربعا فقال عثمان لعلي عليه السلام أقم الحد عليه فقال علي عليه السلام لابن أخيه عبد الله بن جعفر أقم عليه الحد فأخذ السوط فجلده وعثمان يعد حتى بلغ أربعين.
"وذكره بشرب الخمر الذهبي وابن عبد البر وغيرها قال ابن عبد البر في الإستيعاب له أخبار فيها نكارة وشناعة نقطع على سوء حاله وقبح فعاله وحكى" ابن عبد البر في الإستيعاب "عن أبي عبيدة الأصمعي وابن الكلبي وغيرههم أنهم كانوا يقولون إنه كان فاسقا يشرب الخمر قال ابو عمر وأخباره في شره الخبر ومنادته أهلها مشورة يسمج بنا ذكرها" كأنه يريد استيعابها وإلا فقد سمعت ما ذكره منها.
"وقال أحمد ابن حنبل في الحديث الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمسه ولم يدع له إن الوليد متع بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لسابق علمه فيه هذا كلام إمام أهل الحديث والسنة".
قلت: يشير المصنف إلى ما قاله ابن عبدالبر فيما رواه من طريق جعفر بن برقان عن ثابت عن أبي موسى الهمذاني ويقال الهمذاني كذلك ذكره البخاري على الشك عن

 

ج / 2 ص -248-        الوليد بن عقبة أنه لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤسهم ويدعو لهم بالبركة فأتى بي إليه وأنا متضمخ بالخلوق فلم يمسح على رأسي من أجل الخلوق لكنه قال ابن عبد البر قالوا وأبو موسى هذا مجهول والحديث منكر مضطرب لا يصح ولا يمكن أن يكون من يبعث مصدقا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيا يوم الفتح انتهى.
قلت: يعني أنه ثبت بلا بردد أنه صلى الله عليه وسلم بعث الوليد لأخذ صدقات بني المصطلق وعاد يزعم أنهم ارتدوا وأنزل الله:
{ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} الآية فيكف يكون صبيا سنة ثمان وهو عام الفتح وذكر ابن عبد البر غير هذا مما يدل على فساد الخبر وما كان يحسن من المصنف عدم الإشارة على ذلك وإيهام صحته.
"وذكر الذهبي في النبلاء وابن عبد البر في الإستيعاب وغيرهما أنه سكر صلى بأصحابه الفجر أربعا ثم التفت إليهم وقال أزيدكم" تقدمت القصة قريبا.
"وذكر الذهبي أنه" أي الوليد "قال لعلي عليه السلام أنا أحد منك ستانا وأذرب" بالذال المعجمة فراء فموحدة حدة اللسان "لسانا وأشجع جنانا فقال" علي عليه السلام "اسكت فإنما أنت فاسق فنزلت:
{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ} قال الذهبي إسناده قوي وقال ابن عبد البر في كتابه الإستيعاب لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن هذه الآية نزلت في الوليد" ظاهره أن المراد بالآية: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18].
ولكن لفظ ابن عبد البر في الإستيعاب لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} نزلت في الوليد بن عقبة انتهى ثم ذكر من حديث الحكم عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام والوليد ابن عقبة في قصة ذكرها: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ}. انتهى. فقوله: لا خلاف بين أهل العلم في الآية الأولى نعم ليس في الدر المنثور في سبب نزول الآيتين رواية أنهما يف غير الوليد فهما فيه إتفاقا فإنها لو وردت رواية أنهما أو إحداهما نزلت في غيره لرواها فإنه متوسع في النقل لا أظن أحدا بلغ مبلغه في ذلك وذكر المصنف في العواصم كلام ابن عبد البر على الصواب فأصاب.
"قلت: ممن ذكر ذلك الواحدي في أسباب النزول والوسيط والقرطبي وصاحب

 

ج / 2 ص -249-        عين المعاني وعبد الصمد الحنفي والرازي في تفاسيرهم لم يذكر أحد منهم سواه مع توسعهم في النقل فهذا أوضح دليل على ظهور الأمر عند أهل السنة في جرح الوليد وفسقه".
"وقد اعترضهم بعض الشيعة" كأنه يريد شيخه السيد علي بن محمد ابن أبي القاسم "بتعديله" أي بتعديلهم إياه "وزعم أنهم رووا حديثه في الصحاح ووهم على القوم في ذلك" أي في الأمرين وهو تعديلهم إياه فإنه تقدم ذكرهم له بالفسق فأين التعديل وكونهم رووا حديثه في الصحاح فإنها إذا اطلقت أريد بها صحيح البخاري وصحيح مسلم ولم يخرجا له ولا رويا عنه.
"وإنما روى له أبو داود" وليس كتابه من الصحاح عندهم بل من السنن الأربع "حديثا واحدا في كراهية الخلوق للرجال" تقدم الحديث وما قيل فيه آنفا "ولم يرو له إلا متابعة" وقد عرفت أنهم يتساهلون في المتابعات "بعد أن روى هذا المعنى" وهو كراهية الخلوق "من طرق كثيرة" وقد ا ستوفاها المصنف في العواصم وحققها قدر الست بل هي ست كما في العواصم "فيها طريق صحيحة عن أنس" فإنه أخرجها مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي1 كما قاله المصنف في العواصم "وبقيتها" أي الطرق وهي خمس "شواهد" وقال ابن عبدالبر في ترجمة الوليد في الإستيعاب إنه لم يرو الوليد بن عقبة سنة يحتاج إليه فيها.
"وممن ذكروه" أئمة الحديث "بالفسق بسر" بضم الموحدة فسين مهملة "ابن أبي أرطاة" بفتح الهمزة فراء القرشي قال ابن عبدالبر2 يقال أنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فبض وهو صغير هذا قول الواقدي وأحمد وابن معين وغيرهم قال في الإصابة عن الواقدي إنه ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين.
"حكى ابن عبدالبر عن الدار قطني أنه قال كان له صحبة ولم يكن له استقامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم" لم أجد هذا اللفظ عن الدار قطني في الإستيعاب إلا أن النسخة التي عندي منه لا تخلو عن الخطأ والغلط نعم لم أجد هذا في الإصابة للحافظ ابن حجر مع توسعه في النقل وإنما قال عن الدار قطني أنه لبسر صحبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم في: الحج: حديث 7. والنسائي في: الحج: ب 44.
2 الاستيعاب بحاشية الإصابة 1/154.

 

ج / 2 ص -250-        فقط ولكني أظن أنه حذف قوله ولم تكن له استقامة لكونه يرى أنه لا يخاض فيما شجر بين الصحابة فإنه قال في ترجمته والفتن لا ينبغي التشاغل بها وله غلو في الصحبة حتى قال في مروان يقال له رؤية فإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه هذا لفظه في مقدمة فتح الباري وجزم في التقريب بأنها لم تثبت له صحبة وفي كلام الحافظ ما يدل على أنه إذا ثبت أن مروان وأن صحابي ولو بالرؤية فإنه لا يقدح فيه أي جرح وهو ينافي ما قاله المصنف من الإستثناء.
"وهو" أي بسر "الذي قتل طفلين لعبيد الله بن عباس" وهما قتم وعبد الرحمن أن أباهما عبيد الله كان واليا لعلي عليه السلام على صنعاء فولى معاوية بسر بن أبي أرطأة اليمن وبعته إليها فهرب عبيد الله فدخل بسر صنعاء ووجد ابني عبيد الله فقتلهما قال ابن عبد البر فنال أمهما عائشة بنت عبد الله بن المدان من ذلك أمر عظيم فأنشأت تقول شعرا:

هامن أحس يا بني اللذين هما                          كالدرتين تصدي عنهما الصدف

هامن أحس يا بني اللذين هما                          عقلي وسمعي فعقلي اليوم مختطف

حدثت عشرا وما صدقت ما زعموا                       من قتلهم ومن الإثم الذي اقترفوا

قال ثم وسومت وكانت تفق في المواسم تنشد هذا الشعر وتهيم على وجهها انتهى كلام ابن عبد البر في الإستيعاب.
"قال أبو عمر" ابن عبد البر "كان" يحيى "ابن معين يقول إنه" أي بسرا رجل سوء قال أبو عمر ذكر ذلك لعائظم ارتكبها في الإسلام ثم حكى أنه أي بسرا "أول من سبى المسلمات" قال ابن عبدالبر وفي هذه الخرجة يرد خرجة بسر إلى اليمن أغار على همذان فقتل وسبى نساءهم فكن أول مسلمات سبين في الإسلام "ذكر ذلك كله في الإستيعاب".
قال فيه أن معاوية بعد التحكيم أرسل بن أبي أرطاة في جيش الشام حتى قدم المدينة وكان عامل عليه السلام فيها أبو أيوب الأنصاري ففر منه أبو أيوب ولحق بعلي عليه السلام ودخل بسر المدينة ثم صعد منبرها فقال أين شيخي الذي عهدته هنا بالأمس يعني عثمان ثم قال يا أهل المدينة لولا ما عهد إلى معاوية ما تركت فيها مختلما إلا قتلته وهدم دورا بالمدينة وساق من أخباره شيئا كثيرا.
"وليس لبسر في الصحيحين حديث وله في السنن" أي سنن أبي دواد "حديثان:

 

ج / 2 ص -251-        أحدهما في غير الأحكام" بل هو في الدعاء وهو اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة وفي الإصابة أنه أخرجه ابن حبان عن بسر ولم ينسبه لأبي داود "والثاني في الأحكام" وهو حديث "لا تقطع الأيدي في المغازي" هذا لفظ ابن عبد البر1 وفي الإصابة ما لفظه وفي سنن أبي داود2 بإسناد مصري قوي عن جنادة بن أبي أمية قال كنا مع بسر بن أيب أرطأة في البحر فأتى بسارق فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا تقطع الأيدي في السفر" انتهى.
"وله" أي لما روى عن بسر "شواهد ذكرها التركماني وغيره فأعرف ذلك ولما ذكرهذا أبو عمر عرف أنه تحصيص عموم القول بعدالة الصحابة" مع أنه في أول كتابه ذكر يفيد القول بعدالتهم أجمعين "فأورد الحجة على جواز هذا التخصيص وروى في هذا الموضع" وهو ترجمة بسر على فرض أنه صحابي "حديث فأقول أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا لمن بدل بعدي".
لفظه في هذا في الإستيعاب3 حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن حدثنا محمد بن يوسف حدثنا البخاري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثني محمد بن مطرف حدثني أبو حازم عن سهل ابن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا وليذادن عني أقوام أعرفهم ويقرفونني ثم يحال بيني وبينهم", قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ قلت: نعم, قال: فأني أشهد على أبي سعيد الخدري أني سمعته وهو يزيد فيها "فأقول هؤلاء مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي" انتهى.
"وذكر" ابن عبد البر "أن في هذا أحاديث كثيرة وأنه تقصاها في كتاب التمهيد" فإنه قال والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا قد نقصيتها في ذكر الحوض من كتاب التمهيد.
"وقد ذكر شراح الحديث من أهل السنة في تأويل هذا الحديث أن جماعة ممن تطلق عليهم الصحبة ارتدوا عن الإسلام والردة أكبر المعاصي ومن جازت عليه الردة جازت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الاستيعاب 1/155.
2 رقم 4408, ةالنسائي في: قطع السارق: ب 16. والبيهقي 9/104.
3 1/159- 160.

 

ج / 2 ص -252-        عليه سائر الكبائر وإنما ذكرت هذا لأن بعض المتعصمين على أهل الحديث زعموا أنهم يقولون بعصمة الصحابة كلهم ويعدون كبائرهم صغائر" هذا إشارة إلى ما قاله شيخه لاسيد علي بن محمد بن أبي القاسم فإنه قال في رسالته التي رد عليها المصنف بالعواصم ما لفظه إن المحدثين يذهبون إلى أن الصحابة لا تجوز عليهم الكبائر وأنهم إذا فعلوا المعصية الكبيرة عدوها صغيرة وقد أطال المصنف في الرد على ما قاله في الجزء الأول من العواصم.
"وليس كذلك ولكن القوم ال يولعون بالسب لأحد من الصحابة وإن صح فسقه ولا يلهجون بذكر ذلك" تعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وامثتالا لقوله صلى الله عليه وسلم:
"لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"1 "وعملا بما ورد من النهي عن اللعن" ففيه أحاديث جمة منها ما أخرجه أبو داود2 من حديث أبي الدرداء بلفظ "إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط على الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا وشمالا فإذا تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن فإن كان كذلك أهلا وإلا رجعت إلى قائلها" وفيه عدة أحاديث.
"وهم" أي أئمة الحديث "يعرفون فسق الفاسق وجرحه والنهي عن قبوله وهم يسوون في ذلك" أي في الجرح "بين المنحرفين عن علي عليه السلام وعن عمر وعن أبي بكر" رضي الله عنهم فليس لهم عصبية تحملهم على خلاف هذا فإنهم كما يقدحون بالغوا في الرفض يقدحون بالنصب والرفض محبة علي وتقديمه على الصحابة وسب الشيخين والنصب بغض علي عليه السلام وتقديم غيره عليه كما صرح بهذا الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح الباري فالمنحرف عن علي عليه السلام هو الناصبي والمنحرف عن الشيخين هو الغالي في الرفض وقد سووا في الجرح بكل واحدة من الصفتين وقد حققناه في رسالتنا ثمرات النظر في علم الأثر وذلك مما يدل على إنصاف أئمة الحديث وعدم تعصبهم.
"ولذلك" أي لتسويتهم بين المنحرفين "لم يقدحوا في سعد بن عبادة" أحد النقباء من الأنصار مع أنه تخلف عن بيعة أبي بكر وخرج على الشام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري 2/129, 8/134, والنسائي 4/53, وأحمد 6/180.
2 رقم 4905, والمشكاة 4850.

 

ج / 2 ص -253-        قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب تخلف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر وخرج عن المدينة ولم ينصرف إليها إلى أن مات بأرض الشام لسنتين ونصف من خلافة عمر. انتهى.
"ولا" يقدحون "فيمن حارب عثمان" وهم جماعة من الصحابة.
"وللشيعة مثل ذلك" في اعتقادهم لمساوى جماعة "في حق قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وأولاد علي" كاغتفار أئمة الحديث لمساوى جماعة من الصحابة "فإنهم" أي الشيعة "لا يولعون بذكر مساوى أحد منهم" من القرابة "ولا" يولعون "بسبب مبتدع منهم ولا فاسق تصريحا" كل ذلك تعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
"مثل تركهم" أي الشيعة "ماروى عن الجاحظ" عمرو بن بحر فإنها رويت عنه قوادح لكنه لما كان معتزليا لم تولع الشيعة بذكر مساويه لأنه يجمع بينهم وبينه الإعتزال "وابن الزيات" بفتح الزاي وتشديد المثناة التحتية فمثناة بعد الألف نسبة إلى الزيت وهو أبو جعفر محمد بن عبد الملك وزير المعتصم له ما للوزراء من الظلم والإعانة عليه وهو صاحب تنور الحديد الذي صنه لتعذيب العمال وغيرهم "والصاحب الكافي" وهو إسماعيل بن أبي الحسن عباد وزير مؤيد الدولة ابن بويه وله قوادح لاتخلو عنها الوزراء وأتباع الملوك وتراجم هؤلاء الثلاثة مبسوطة في كتب التاريخ والمعروف من هؤلاء الثلاثة بشدة التشيع الصاحب وقد جعلهم مثالا لفساق التصريح.
"و" للشيعة مثل ذلك "في المبتدعة" أيضا "لبعض أقوال واصل بن عطاء" وهو أبو حذيفة واصل بن عطاء المعتزلي وهو أول من أثبت المنزلة بين المنزلتين "وعمرو بن عبيد" وهو أبو عثمان مشهور بالزهد من أئمة المعتزلة وله في الميزان ترجمة مطولة.
"ولهم" أي للخمسة المذكورين "في ذلك أشياء" من البدع والأمور المستنكرة "ليس هذا موضع شرحها بذكر هذا بيان أن قصد الجميع" من أهل السنة والشيعة "في ترك المبالغه" الأولى حذفها "في ذكر المساوى والسب راجع إلى إحترام رسول الله صلى الله عليه وسلم" بالتغاضي عن مساوى من فضل بصحبة أو قرابة "لا" أنه راجع "إلى محبة أحد من أولئك العصاة أو المبتدعة لمعصيتهم فمحبة العاصي لخصلة خير فيه من عقيدة أوجهاد أو غير ذلك" من خصال الخير

 

ج / 2 ص -254-        قلت: ولايخفي أنه يتم هذا العذر فيمن عدا الخمسة المذكورين آنفا فمحبة العاص لخصلة خير فيه "جائزة عند الزيدية والإسلام أعظم خصال الخير" فلا يقال إنهم أحبوا أولئك الخمسة مثلا لخصلة خير فيهم لإنه يلزم أن يحب كل مسلم لا سلامه وتخصيص خصلة الخير لا دليل عليه فما ذاك إلا أنهم أحبوهم احتراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له ولا يعزب عنك أن الكلام في ذكر مساوى من له مساوى وسنة لا إلى محبته فهو غير محل النزاع.
"وعند أهل السنة تجب كراهة معصية المسلم ولاتجب كراهيته" واستدل لكون ذلك كلامهم بقوله "وقال الذهبى في الميزان1 في ترجمة عباد بن يعقوب أحد غلاة الشيعة" قال في صدر ترجمته عباد بن يعقوب الأسدى الرواحى من غلاة الشيعة ورؤوس البدع ثم قال وكان يشتم عثمان رضى الله عنه ويقول الله أعدل من أن يدخل طلحة والزبير الجنة قاتلا عليا بعد أن بايعاه وساق في ذلك عجائب.
ثم قال: "روى الخطيب عن أبي المظفر الحافظ" في الميزان الخطيب عن أبي نعيم عن أبي المظفر "عن محمد بن جرير سمعت عباد يقول من لم يبرأ2 في صلاته كل يوم من أعداء آل محمد حشر معهم قال الذهبي" بعد نقله لها "فقد عادى آل على آل العباس والطبقتان آل محمد قطعا فممن نبرأ؟!" هذا على ما يراه أهل السنة "بل نستعفر للطائفتين ونبرأ من عدوان المعتدين كما تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم مما صنع خالدلما أسرع في قتل نبى جذيمة" كما هو معروف في السيرة النبوية فغنه قال صلى الله عليه وسلم لما بلغه فعل خالد:
"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"3 ولم يتبرأ من خالد "ومع ذلك فقال فيه: "خالد سيف سله الله على المشركين"4 فالتبرؤ من ذنب سيغفر" بمشيئة اله تعالى "لا يلزم منه البراءة من الشخص انتهى كلام الذهبي وإنما أوردته ليعرف مذهبهم منه البراءة من الشخص اتنهى كلام الذهبى وإنما أوردته ليعرف مذهبهم ومرادهم فيه والله أعلم".
"وقال الإمام أحمد بن عيسى عليه السلام" في العواصم وقال محمد بن منصور الكوفي في كتابه المعروف بكتاب أحمد بن عيسى "ما لفظه فإن جهل لولاية رجل فلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 2/379/4149.
2 عبارة الميزان 1/379: يتبرأ.
3 البخاري 4/122, والنسائي 8/237, وأحمد 2/151, والبيهقي 9/115.
4 ابن أبي شيبة 12/124, والصحيحة 3/241.

 

ج / 2 ص -255-        بتوله أى أمير المؤمنين "لم تقطع بذلك عصمته وإن تبرأ" من أمير الؤمنين "وقد علم" أى علم أحوال امير المؤمنين وفضائله ومزاياه "انقطعت منا" ولايته أى موالاته منا "وكان منا في حد براءة نقول براءة مما دان به وأنكر من فرض الولاية" الواجبة لعلى عليه السلام.
وبين البراءة بانها براءة "لا أن يخرج بها من حد الناكحة والموارثة وغير ذلك مما تجرى به أحكام المسلمين بينهم بعضهم في بعض" على مثل من وافقنا في الولاية "وإيجابها في الناكحة والموارثة غير أن هذا الموافق" لنا في الولاية "معتصم بما إعتصمنا به من الولاية ونحن من الآخر في حدو براءة من فعله وقوله على مثل هذه الجهة لاعلى مثل البراءة منا من أهل الشرك" زاد في العواصم واليهود والنصارى والمجوس "هذا وجه البراءة عندنا فيمن خالفناه وفيه" أى كلام أحمد بن عيسى "شبه من كلام الذهبى" حيث تبرأ من فعله وقوله لامنه "والله أعلم ذكره صاحب الجامع الكافي في مذهب الزيدية آخر المجلد السادس" منه.
قال الصنف بعد نقله في العواصم وبمعناه لايزيد على ما علم بالتواتر عن على عليه السلام أنه لم يسرفي أهل صفين والجمل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المشركين ولا حكم بسبي النساء والذدارى ولو كانو جحدوا ما يعلم من الدين ضرورة كان الواجب تكفييرهم عند جميع المسلمين فدل على أن فعلهم مما يدخله التأويل.
"ونحوه" نحو كلام أحمد بن غيسى "ما ذكره القاضي حسن بن محمد" النحوى "في تذكرته" رواية "عن زيد بن على عليه السلام في جواز الصلاة" للجنازة "على الفاسق" هذا فيمن لم يحارب عليا عليه السلام من من الصحابة "وأما المحاربون لأمير المؤمنين" عليه السلام "من أهل الجمل وصفين" فإنهم أى أهل السنة "لا يخالفون في قبح فعلهم ولافي أنهم بغاة" فإنه نقل العامرى الإجماع من أهل السنة على بغي من حارب عليا عليه السلام.
يقال: فما الفرق بينهم وبين الشيعة فإنهم لا يزيدون على اعتقاد بغي أولئك فأشار إلى الفرق بقوله "ولكنهم" أي أهل السنة "يخالفون الشيعة" بعد الإتفاق في الحكم بالبغي "في ثلاثة أصول":
"أحدها: في أنهم" أي محاربي علي عليه السلام "متأولون" في حربه "غير مصرحين" بالبغي.

 

ج / 2 ص -256-        "والثاني أن مسألة الإمامة" أي إمامة علي عليه السلام "ظنية" والشيعة يقولون إنها قطعية.
"والثالث" على تقدير أن إمامته عليه السلام فإنهم يقولون في ذلك "إن المخالف في القطيعات غير آثم ولم تكن القطيعات" التي حكموا بأن مخالفها غير آثم "معلومة بالضرورة من الدين" كوجوب الصلوات ونحوها فإن مخالفها آثم عندهم.
"فهذه" الثلاثة "أصول الخلاف بينهم وبين الشيعة" لكنه قدم المصنف الإجماع على قبول المتأولين من عشر طرق "وأضعف أصولهم الثلاثة هذه الأصل الأول" وهو أن البغاة عليه عليه السلام متأولون "لاعترافهم" أي أهل السنة "بتواتر حديث عمار وأمثال ذلك" وهو قوله صلى الله عليه وسلم
"إنها تقتله الفئبة الباغية" خرجه أهل الصحاح والسنن والمسانيد والتواريخ1 وجميع أهل البيت عليهم السلام وأهل الحديث والشيعة وحكم علماء الحديث بتواتره منهم الذهبي ذكره في النبلاء في ترجمة عمار وهو مذهب أئمة الفقهاء ومذهب أهل الحديث كما نقله عنهم العلامة القرطبي في آخر كتاب التذكرة في التعريف بأحوال الآخرة انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: في تخريج أحاديث الرافعي إنه قد أخرج حديث عمار مسلم من حديث أبي قتادة وأم سلمة وأبي سعيد الخدري وأصل حديث أبي سعيد عند البخاري إلا أنه لم يذكر مقصود الترجمة كمانبه على ذلك الحميدي ووهم من زعم أنه ذكره. انتهى.
قلت: أي حديث:
"تقتلك الفئة الباغية"2 وإنما أخرج البخاري3 حديث ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ثم قال وقد أخرجه الإسماعيلي والبرقاني من الوجه الذي أخرجه منه البخاري فذكرها.
قلت: أي ذكر كل واحد من الإسماعيلي والبرقاني رواية تقتلك يا عمار وهما مستخرجان على البخاري ثم قال: وأخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن ثابت وهو عند أحمد الطبراني من حديث عمر وعثمان وعمارة وحذيفة وأبي أيوب وزياد بن الفرد وعمرو بن حزم ومعاوية وعبد الله بن عمرو وأبي رافع ومولاة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سبق تخريجه.
2 سبق تخريجه.
3 1/122, 4/25, وأحمد 3/91, ودلائل النبوة 2/546.

 

ج / 2 ص -257-        لعمار بن ياسر وغيرهم.
وقال ابن عبد البر تواترت الأخبار بذلك وهو من أصح الحديث وقال ابن دحية لا مطعن في صحته ولو كان غير صحيح لرده معاوية ونقل ابن الجوزي عن خلاد في العلل أنه حكى عن أحمد.
قلت: وفي تخريج الزركشي على أحاديث الرافعي ذكر ألفاظ هؤلاء المخرجين للحديث وقيل عن أبي دحية أنه قال كيف يكون فيها اختلاف وقد رأينا معاوية نفسه حين لم يقدر علىإنكاره قال إنما قتله من أخرجه ولو كان حديثا فيه شك لرده وأنكره وقد أجاب علي رضي الله عنه عن قول معاوية بأن قال فرسول الله صلى الله عليه وسلم قتل حمزة حين أخرجه وهذا من على إلزام لا جواب عنه انتهى بلفظه.
قال الزركشي وقد صنف الحافظ بن عبد البر جزءا سماه الإستظهار في طريق حديث عمار وقال هذا الحديث من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب وأعلام نبوته وهو من أصح الأحاديث ثم قال الزركشي وهذا الحديث احتج به الرافعي لإطلاق العلماء بأن معاوية ومن معه كانوا باغين ولا خلاف أن عمار كان مع علي رضي الله عنه وقتله أصحاب معاوية.
وقال إمام الحرمين في الإرشاد وعلي كرم الله وجهه كان إماما حقا في ولايته ومقاتلوه كانوا بغاة ومقتضي حسن الظن بهم يقتضي أن نظن بهم قصد الخير وإن خطؤوه.
وقال الإستاذ عبد القاهر البغدادي أجمع فقهاء الحجاز والعراق ممن تكلم في الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من التكلمين أن عليا عليه السلام مصيب في قتاله لأهل صفين كما أصاب في قتاله أهل الجمل وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمين له لحديث عمار واجمعوا على ذلك.
ونقل العبادي في طبقاته قال محمد ابن إسحاق كل من نازع على بن طالب فهو باع على هذا عهدت مشايخنا وهو قول ابن إدريس يعني الشافعي انتهى بلفظه من تخريج الزركشي.
نعم أما ما نقله ابن حجر في تخريج الرافعى تلخيص الحبير من قوله ونقل ابن الجوزى عن خلاد في العلل أنه حكى عن أحمد أنه قال قد روى هذا الحديث يريد حديث عمار من ثمانية وعشرين طريقا ليس فيها طريق صحيح وقال في البدر

 

ج / 2 ص -258-        وجماعة من الحفاظ طعنوا في الحديث. انتهى.
فقد قال المصنف رحمة الله تعقبا لما في التلخيص ما لفظه قلت: والإسترواح إلى ذكر هذا الخلاف الساقط من غير بيان لبطلانه من مثل ابن حجر عصبية سناة إلى ذكر هذا الخلاف الساقط من غير بيان لبطلانه من مثل ابن حجر عصبية سنية فأما ابن الخوزى فلم يعرف هذا الشأن وقد ذكر الذهبي في ترجمة في التذكرة كثيرة خطائه في مصنفا وهو أجهل وأحقر من أن ينتهض لمعارضة أئمة الحديث وفرسانه وحفاظه كابن عبد البر والنخاري ومسلم والحميدي ثم ذكر المصتف من ذكرناه ممن أخرجه وما ذكرناه من إتفاقهم على تواتره.
قلت: ولايخفي أن كلام المصنف في غير محله لأن ابن الجوزي ناقل عن غيره عن حكايه عن أحمد رواها التمريض فالحبوب على نقل ابن الجوزى أن يقال هذه الحكايه التى نقلها الخلاد وأظنه الخلال باللام مروية بصيغة التمريض فكيف يقدح بها في شيء فالراوية متواترة وقد نقلت: نصوصهم وألفاظهم ثم نعارضه بما ذكره الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي فإنه قال الإمام أحمد جاء هذا يعني حديث عمار في غير حديث صحيح ورواه خلق كثير من الصحانة وكأنه يريد عمارا أحد أمراء على صفين وقوله في غير حديث صحيح أى بل في عدة كثيرة من الأحاديث الصحيحة وقال قال يعقوب بن لأبي شينة سمعت أحمد يقول في هذا غير حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وكره أن يتكام في هذا أكثر من هذا.1هـ.
فهذا نقل صحيح عن أحمد بكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة يفي هذا المعنى وقد أخرج أحمد نفسه في مسنده حديث خزيمة بن ثابت.
وهذه الحكاية التي نقلها ابن حجر عن ابن الجوزي لم ينقلها الزركشي مع توسعه في النقل أكثر منه.
ثم قال المصنف وأما الذهبي فإنه حقق صحة دعواه أي لتواتره بما أورد من الطرق الصحيحة الجمة والمنع من الصحة بغير حجة صنيع من لا علم له بل من لا عقل له ولا حياء سيما مع تخريج البخاري له ومسلم من طرق مختلفة مع هذه الشهرة والتواتر الذي في كتب خصوم علي وعمار في أمر التقديم والتفضيل.
قلت: كان الأولى في العبارة أن يقول فقد أخرجه البخاري إلى آخره لأن الأصل عدم الصحة فمنعها طلب للتصحيح وجوابه أنه قد صححه من ذكر إلى آخره وقوله

 

ج / 2 ص -259-        كتب خصوم علي وعمار لا يخلو عن تأمل فإنه إن أراد في تقديم الشيخين أي المشايخ عليا عليه السلام كما هو رأي من سماهم خصوما وهذا لايعرف فيه رأي علي ولا وعمار وإن أراد فيتقديم معاويةة وتفضيله فهذا لا يقوله أحد وكأنه بني ذلك على رأي الشيعة فيما يعتقدونه أن عليا عليه السلام وعمار يعتقدان تقدم علي وفضله عليها أو عليهم.
قال أي المصنف وأما تركت البخاري لأوله قادح لأن آخره أشد وعيدا من أوله ولعله إنماترك أوله تقية من المعتصبين فقد ثبت في ترجمته أنه امتحن وذكر ابن حجر أنه مات وكتابه مسودة لم تبيض ثم قال ويدل على تقية البخاري في شأن عمار أنه لم يذكر حديثه هذا في مناقبه في صحيحه وإنما أحتمال لذكره في مواضع لا ينتبه الطلبة فيها مثل باب مسح الغبار في كتاب الجهاد والتعاون في بناء المساجد في كتاب الصلاة وهما أنه ما أورده إلا للتعريف بهذه الأحكام المعلومة التي لا يهم محصل بإيثارها على معرفة الحق من الباطل في فتنة أهل الإسلام انتهى كلام المصنف على هوامش التلخييص ثم ذكر ما ذكرناه عن يعقوب بن أبي شيبة.
قلت: البخاري أخرج في باب بناء المساجد بسنده إلى عكرمة قال قال لي ابن عباس ولابنه علىانطلقا على أبي سعيد فاسمعا من حديثه فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى أني على بناء المسجد فقال كنا نحمل لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب عنه فقال يح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قال فقال عمار أعوذ بالله من الفتن انتهى لفظ البخاري.
واعلم أن المصنف اعتذر للبخاري بما ذكره في عدم إخراجه أول الحديث.
وأما الحافظ ابن حجر في فتح الباري فقال في الإعتذار للبخاري عن عدم إخراجه ما لفظه واعلم أن هذه الزيادة يريد ما قاله قبيل هذا ويح عمار تقتله الفئة الباغية إلخ لم يذكرها الحميدي في الجمع وقال إن البخاري لم يذكرها أصلا وكذا قال أبو مسعود قال الحميدي ولعلها لم تقع للبخاري أو وقعت فحذفها.
قال ابن حجر: قلت:يظهر في أن البخاري حذفها عمدا وذلك لنكته خفية وهي أن أبا سعيد اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي صلى الله عليه وسلم فدل على أنها في هذه الرواية مدرجة والرواية التي ثبتت فيها ليست على شرط البخاري وقد أخرجها

 

ج / 2 ص -260-        البزار1 من طريق هند بن أبي داود عن أبي بصرة عن أبي سعيد فذكر الحديث في بناء المسجد وحملهم لبنة لبنة وفيه فقال أبو سعيد فحدثني أصحابي ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية انتهى وابن سمية عمار وسمية أمه.
ثم قال وقد بين أبو سعيد من حدثه بذلك ففي مسلم والنسائي من طريق أبي سلمة عن أبي بصرة عن أبي سعيد قال حدثني من هو خير مني أبو قتادة فذكره فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره وهذا دال على دقة فهمه وتبحره في الإطلاع على علل الأحاديث انتهى من فتح الباري.
قلت: العجب من الحافظ ابن حجر في قوله إنه حذفها البخاري بعد سماع أبي سعيد لها من النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله حدثني أصحابي وقوله حدثني من هو خير مني أبو قتادة ولا يعلم أنهم يعلون حديثا بكونه لم يشافه النبي صلى الله عليه ولم به الصحابي الذي رواه أو بكون راويه سمعه من صحابي آخر يزكيه ويفضله على نفسه فقوله إن حذفها دال على تبحر البخاري في الإطلاع على علل الأحاديث أعجب فأي علة أبداها ويلزم على جعل هذه علة أن جميع رواية ابن نعباس كلها معلولة لتصريحهم بأنه لا يبلغ ما سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة عشرين حديثا وكذلك غيره من صغار الصحابة.
إذا عرفت هذ فعذر المصنف للبخاري أرفع من عذر ابن حجر ولابن حجر في شرح الحديث في فتح الباري كلام تمجه الأسماع عند من له تحقيق وإطلاع وقد بينا ما فيه في حواشيه وروايته عن أحمد صحة الحديث وأمثال ذلك.
"وليس هذا موضع بسط حجج الفريقين وبالجملة ليس لأولئك المختلف فيهم" من بغاة الصحابة "بين الشيعة وأهل الحديث سنة انفردوا بها" رواية "مما فيه تحليل وتحريم" يريد أنه ليس لمعاوية وعمرو بن العاص وغيرهما حديث فيه حكم شرعي انفردوا بروايته "وقد استقصيت أحاديثهم وشواهدها في كتاب الروض الباسم وفي كتاب العواصم والقواصم في نصرة سنة أبي القاسم" عد في الكتابين الأحاديث التي في الأمهات الست من رواية معاوية وهي ثلاثون حديثا وعد ما لعمرو بن العاصص يفها من الأحاديث فبلغت عشرة أحاديث ثم ما للمغيرة بن شعبة فيها فعدها ثلاثة وعشرين حديثا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مجمع الزوائد 9/296, وعزاه إليه وقال: رجاله رجال الصحيح.

 

ج / 2 ص -261-        وقد رأيت تمام الإفادة بنقل كلامه من الروض الباسم باختصار غير مخل قال فهؤلاء الثلاثة أذكر هنا ما يدل على صحة حدثهم وأقتصر على ما يتعلق بالأحكام من ذلك اختصارا وذلك يتم بذكر ما لهم من الأحاديث المتعلقة بالأحكام وما لأحاديثهم من الأحاديث المروية عنه عليه الصلاة والسلام ونشير إلى ذلك على أقل ما يكون من الأختصار المفيد إن شاء الله تعالى فنقول.
المروي في الكتب الستة من طريق معاوية في الأحكام ثلاثون حديثا.
قلت: إنما قال في الأحكام لأنه ذكر النووي في تهذيب الأسماء أنه روى له مائة حديث وسنة وثلاثون حديثا.1هـ.
قال المصنف:
الأول: حديث تحريم الوصل في شعور النساء رواه عنه الشيخان وغيرهما1 ويشهد لصحة ذلك رواية اسماء وعائشة وجابر أما حديث أسماء فأخرجه الشيخان والنسائي وكذلك حديث عائشة خرجه من ذكره وحديث جابر خرجه مسلم.
الثاني: حديث
"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" أخرجه الشيخان2 ورواه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص وأخرجه أبو داود والترمذي عن ثوبان ورواه الترمذي عن معاوية بن قرة وأبو داود عن عمران بن حصين.
الثالث: حديث النهي عن الركعتين بعد العصر رواه البخاري وقد رواه الشيخان وأبو داود والنسائي من حديث أم سلمة.
الرابع: حديث الإلحاف في المسألة رواه عنه مسلم ورواه الشيخان والنسائي عن عبد الله بن عمر وأبو داود ولاترمذي والنسائي عن سمرة بن جندب ولانسائي عن عائد بن عمرو ولاشيخان ومالك في الموطأ والترمذي والنسائي عن أبي هريرة وروى عن غيرهم.
الخامس: إن هذا الأمر لا يزال في قريش رواه عنه البخاري ورواه عنه الشيخان عن عبد الله بن عمر والشيخان عن أبي هريرة.
السادس: حديث جلد شارب الخمر وقتله في الرابعة رواه عنه أبو داود والترمذي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: اللباس: ب 83. ومسلم في: اللباس: حديث 115, 117, 119, وأحمد 2/21.
2 مسلم في: الإمارة: حديث 174. وأحمد 4/101.

 

ج / 2 ص -262-        فأما جلده فمعلوم من الدين ضرورة والأحاديث يفه كثيرة وأما قتله في الرابعة فرواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ورواه أبو داود عن قبيصة ابن ذؤيب وعن نفر من الصحابة.
السابع: حديث النهي عن لباس الحرير وجلود السباع رواه عنه أبو داود والترمذي والسنائي فأما شواهد تحريم لباس الذهب والحرير فأشهر من أن تذكر وأما جاود اليباع فله شاهد عن أبي المليح أخرجه أبو داود والترميذي والنسأئي.
الثامن: حديث إفتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة رواه عنه أبو داود وروى الترمذي مثله عن أبي عمرو ورويا مثله أيضا عن أبي هريرة.
التاسع: النهى عن سبق الإمام بالركوع والسجود رواه عنه أبو داود وقد رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ومالك في الموطأ عنه أيضا ومسلم والنسائى عن أنس.
العاشر: النهى عن الشغار رواه عنه أبو داود وقد رواه الشيخان عن ابن وهو مشهور عن غير واحد من الصحابة.
الحادي عشر: أنه تؤضأ كوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود
وليس فيه ما يحتاج إلى شاهد إلا زيادة صب الماء على الناصية والوجه وقد رواه أبو داود عن على عليه السلام.
الثاني عشر: النهى النوح رواه عنه ابن ماجه وهو أشهر من أن يحتاج إلى شاهد.
الثالث عشر: النهى عن الرضا بالقيام رواه عنه الترمذي وأبو داود وله شواهد في الترمذي عن أنس وفي سنن أبي داود عن أبي أمامة وغيرها.
الرابع عشر: النهى عن التادح رواه عنه ابن ماجه وقد رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة وعن أبي بكرة والشيخان عن أبي موسى ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن سحرة والترمذى عن أبي هريرة.
الخامس عشر: تحريم كل مسكر رواه عنه ابن ماجه ورواه الجماعة إلا ابن ماجهعن ابن عمر ومسلم والنسائي عن جابر وأبو داود عن ابن عباس والنسائي عنه أيضا.
السادس عشر حكم من سها في الصلاة رواه النسائي وله شواهد في سنن أبي

 

ج / 2 ص -263-        داود عن ثوبان.
السابع عشر: النهى عن القران بين الحج والعمرة رواه عنه أبو داود وله شاهد عن ابن عمر ورواه مالك في الموطأ مرفوعا وعن عمر وعثمان ورواه مسلم موقوفا عليهما.
الثامن عشر: أنه قصر للنبي صلى الله عليه وسلم بمشقص بعد عمر ته وبعد حجه رواه عنه الشيخان وأبو داود والنسائي وله شواهد عن على عليه السلام أخرجه مسام وعن عثمان أخرجه مسلم أيضا وعن سعد بن وقاص رواه مالك في الموطأ والنسائي والترمذى وصححه ورواه النسائى عن ابن عباس عن عمر والترمذى عن ابن عمر والشييخان عن عمران بن حصين ورواه الترمذي والنسائي عن ابن عباس أن معاوية لما روى هذا الحديث قال ابن عباس هذه على معاوية لأنه يهنى عن المتعة.
التاسع عشر: ما روى عن أخته أم حبيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصليفي الثوب الذي يجمامعها فيه مالم ير فيه أذى رواه أو داود والنسائي وتشهد لمعناه أحاديث كثيرة منها أنه صلى الله عليه وسلم كان صلى في نعليه ما لم ير فيهما أذى أخرجه الشيخان عن سعيد بن زيد ورواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري ويشهد له فلا ينصرفن حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا وهو متفق علي صحته إلى أشباه لذلك كثيرة تدل على جواز الإستصحاب للحكم المتقدم.
الموفي عشرين: نهى من أكل الثوم والبصل عن دخول مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من روايته عن أبيه وله شواهد كثيرة فروى الشيخان ومالك عن جابر بن عبد الله والشيخان عن أنس ومسلم ومالك عن جابر بن عبد الله والشيخان عن أنس ومسلم ومالك عن أبي هريرة وأبو داود عن حذيفة والمغيرة والشيخان وأبو داود عن ابن عمر والسنائي عن عمر وأبو داود عن أبي سعيد.
الحادي والعشرون: حديث هذا يوم عاشوراء لم يكتب عليكم صومه رواه عنه الشيخان ومالك والنسائي وقد روى الشيخان عن ابن عباس ما يشهد لصحة معناه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشار إليه بعد سؤاله عن سبب صوم اليهود فأنا أحق بموسى وقوله صلى الله عليه وسلم فيمن يصومه تعظيما له.
الثاني والعشرون: حديث لا تنقطع الهجرة رواه عنه أبو داود ولم يصح عنه قال الخطابي في إسناده مقال وله شاهد رواه النسائي عن عبد الله ابن السعدي.

 

ج / 2 ص -264-        الثالث والعشرون: حديث النهي عن لبس الذهب إلا مقطعا رواه عنه أبو داود وله شاهد عن جمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي.
الرابع والعشرون: النهي عن الغلوطات أخرجه عنه أبو داود قال الخطابي لم يصح عنه في إسناده وقد روى في جامع الأصول له شاهد عن أبي هريرة وفي البخاري عن أنس نهينا عن التكلف1 وهو يشهد لمعناه.
الخامس والعشرون: حديث الفصل بين الجمعة والناقلة بعدها بالكلام أو الخروج وراه عنه مسلم وله شاهد عند الشيخين عن ابن عمر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السادس والعشرون: فضل حب الأنصار رواه عنه النسائي وفضلهم مشهور بل قرآني معلوم.
السابع والعشرون: حديث
"كل ذنب عسى الله يغفره إلا الشرك وقتل المؤمن" رواه عنه النسائي وله شاهد عن أبي الدرداء رواه أبو داود2 وله شاهد في كتاب الله تعالى.
الثامن والعشرون:
"اشفعوا تؤجروا" أخرجه أبو داود وهو حديث معروف أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى3 وفي القرآن ما يشهد لمعناه وهو مجمع على مقتضاه.
التاسع والعشرون: كراهية تتبع عورات الناس أخرجه أبو داود4 وله شاهد في الترمذي عن ابن عمر وحسنه وفي سنن أبي داود عن بريدة الأسلمي وعقبة بن عامر وزيد بن وهب وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة.
الموفي الثلاثين حديثا: حديث
"من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" رواه عنه البخاري وله شاهدان عن ابن عباس وأبي هريرة ذكرهما الترمذي5 وصحح حديث ابن عباس.
فهذه عامة أحاديث معاوية التي هي صريحة في الأحكام أو يؤخذ منها حكم وهي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: الاعتصام: ب 3.
2 النسائي 7/81, وأبو داود 4270. وأحمد 4/99.
3 أبو داود 5132. والبخاري 2/140. والنسائي 5/78.
4 رقم 4880.
5 البخاري 1/27. والترمذي 2645.

 

ج / 2 ص -265-        موافقة لمذاهب الشيعة والفقهاء وليس فيها مالا يذهب إليه جماهير العلماء إلا قتل شراب الخمر في الرابعة لأجل النسخ وقد رواه الهادي إلى الحق يحيى ابن الحسين عليه السلام فأعجب لمن شنع على أهل الصحاح برواية هذه الأحاديث وإدخالها في الصحيح.
قال المصنف وله أحاديث غير هذه نشير إليها إشارة تركناها وشواهدها اختصارا وذلك حديثه في فضل المؤذنين وفضل إجابة الأذان وفضل حلق الذكر وفضل ليلة القدر ليلة سابع وعشرين وفضل حب الأنصار قلت: تقدم وفضل طلحة وتاريخ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين وحديث اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت وقد رواه مسلم عن علي عليه السلام1 وحديث الخير عادة والشر لحاجة2 ولم يبق في الدينا إلا بلاء وفتنة وإنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله أعلاه وفيمن نزلت:
{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] وأثران موقوفان عليه في ذكر كعب الأحبار وفي تقبيل الأركان.
فهذه جملة ما له في جميع دواوين الإسلام لا يشذ عن ذلك شيء إلا ما لا يعصم عنه البشر من السهو وليس في حديثه ما ينكر قط وفيها ما لا يصح عنه وما في صحته عن خلاف وجملة ما اتفق على صحته عنه في الأحكام ثلاثة عشر حديثا اتفق الشيخان فيها على أربعة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة.
ثم قال المصنف:
وأما حديث عمرو بن العاص فله في الأحكام عشرة أحاديث.
الأول: في النهي عن صيام أيام التشريق رواه عنه أبو داود وله شواهد فرواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عقبة بن عامر ومسلم عن نبيشة الهذلي ومسلم ومالك عن عبد الله بن حذافة والبخاري عن ابن عمر وعائشة بلفظ لم يرخص في صومها إلا لمن لم يجد الهدى.
الثاني: التكبير في صلاة الفطر سبعا في الأولى وخمسا في الثانية رواه عنه أبو داود وقد رواه أبو داود وابن ماجه عن عائشة والترمذي عن عمر وابن عوف عن أبيه عن جده وقال ابن النحوي في الباب أحاديث كثيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في: المساجد: حديث 137, 138, والبخاري 1/214, وأحمد 4/93.
2 ابن ماجة 221, والصحيحة 651.

 

ج / 2 ص -266-        الثالث: حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمسة عشر سجدة في القرآن ثلاث في المفصل وفي صورة الحج سجدتان رواه عنه أبو داود وابن ماجه وهذا الحديث لم يصح عن عمرو قاله ابن النحوى وعزاه إلى ابن القطان وابن الجوزى ثم ساق المصنف له شواهد لاجابة هنا إلى ذكرها بعد قوله لم يصح عنه.
الرابع: حديث تقرير صلى الله عليه وسلم لعمرو على التيمم حين إحتج أنه يخاف على نفسه الموت من شدة البرد وهو قوله تعالى:
{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} وله على ذلك وهو الإجماع أول وما أخرجه أبو داود عن ابن عباس ثانيا.
الخامس: حديث
"إذا إجتهد الحاكم فأصاب فله أجران" الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما وقد رواه الترمذى عن أبي هريرة1.
السادس: حديثه في الحث على السحور لكونه فصلا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب رواه عنه مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه2 وقد وردت في الحث على ذلك أحاديث فروى الشيخان وغيرهما عن أنس وأبو داود عن أبي هريرة وفيه عن جماعة من الصحابة عند أهل السنن.
السابع: حديث أن الني صلى الله عليه وسلم نهى أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن رواه عنه الترمذي وحسنه ولد شاهد عن عمرو بن الأحوص رواه عنه الترمذى وصححه وله شواهد أخر.
الثامن: حديث في تكفير الإسلام والحج والهجرة لنا قبلها رواه عنه مسلم.
فأما تفكير الإسلام لما قبله فإجماع والشواهد عليه كثيرة.
وأما تفكير الحج لما قبله فله شاهد في الترمذى والنسأئى عن ابن مسعود ورواه النسائي عن ابن عباس والشيخان وغيرهما عن أبي هريرة.
وأما تكفير الهجرة لما قبلها ففى النسائي عن فضالة بن عبيد ما يشهد لذلك لكن بزيادة الإسلام والإيمان وهذه الزيادة في حكم المذكورة في حديث عمرو إذ لا عبرة بهجرة الكافر إجماعا بل صحتها غير متصورة كصلاته وسائر قرباته الشرعية مع ماله من الشواهد العامة من القرآن والسنة كقوله تعالى:
{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: الاعتصام ب 21. ومسلم في: الأقضية: حديث 15, وأحمد 4/198.
2 مسلم في: الصيام: حديث 46. والترمذي 708, 709. واحمد 4/202.

 

ج / 2 ص -267-        السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] وقوله صلى الله عليه وسلم: "ابتع السيئةالحسنة تمحها" رواه النووي في مباني الإسلام1.
التاسع: حديث: قلت: يا رسول الله أي الناس أحب إليك قال:
"عائشة" قلت: فمن الرجال قال: "أبوها" رواه مسلم2 والترمذي والنسائي وله شاهد وأما في حب عائشة فعن أبي موسى بلفظ حديث عمرو رواه الترمذي وأما في أبيها فله شاهد بمعناه في أحاديث كثيرة "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" رواه البخاري من حديث ابن عباس ومسلم والترمذي من حديث ابن مسعود3.
العاشر: قوله في عدة المتوفي عنها إنها أربعة أشهر وعشر يعني وإن كانت أو ولد رواه أبو داود وابن ماجه وهو موقوف عليه وعموم القرآن حجة.
فهذه جملة مالعمرو بن العاص في الأمهات الست مما فيه حكم ظاهر أو يمكن استخراج حكم منه وبقي له حديثان حديث كنا مع عمر في حج أو عمرة فلما كان بمر الظهران إذا نحن بامرأة في هودجها وثانيهما حديث فزع الناس بالمدينة فرأيت سالما احتبى بسيفة وجلس في المسجد لم أعرف تمامهما فيبحث هل فيهحكمم شرعي وهل له شاهد ويلحق بذلك.
وأما المغيرة فله فيما يتعلق بالأحكام بالحلال ولاحرام ثلاثة وعشرون حديثا أو أقل:
الأول: حديث المسح على الخفين وهو حديث مجمع على صحته ولكن ادعة بعض الشيعة أنه منسوخ وهذا الحكم مع صحته مروي من طرق كثيرة رواه الشيخان عن جرير ورواه البخاري ومالك عن سعد بن أبي وقاص ورواه الحسن البصري عن سبعين صحابيا وأما المسح على الجوزبين فلم يصح عن المغيرة كما قاله الحافظ عبدالرحمن بن مهدي ومع ذلك فله شاهد عن أبي موسى وكذلك مسح أسفل الخف لم يصح عن المغيرة.
الثاني: حديثه في الصلاة على الطفل وله شاهد رواه أبو داود عن عبد الله التميمي مصعب بن الزبير ورواه الترمذي عن جابر بشرط الاستهلال وله شواهد مرسلة وموقوفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أحمد 5/153, والدارمي 2/323, وابن عساكر 5/174.
2 مسلم في: فضائل الصحابة: حديث 8.
3 البخاري 5/4, ومسلم في: فضائل الصحابة:حديث 2,3, وأحمد 1/377.

 

ج / 2 ص -268-        الثالث: حديث بعث عمر في أبناء الأنصار أخرجه البخاري ويفه أن المغيرة قال لكسرى إن نبينا صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وهذا يشهد له حديث عبدالرحمن بن عوف "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وهو صحيح وإنما قلت: ذلك لأن كسرى مجوسي.
الرابع: حديث النهي عن إسبال الأزرار وقد رواه الشيخان عن ابن عمر والنسائي عن ابن عباس.
الخامس: حديث المسح على العمامة وقد رواه أبو داود عن ثوبان وأنس ورواه أحمد وأبو داود وسعيد بن منصور عن بلال.
السادس: حديث تحريم بيع الخمر وله شواهد أكثر من أن تذكر.
السابع: كسفت الشمس يوم مات إبراهيم فأما تأريخ الكسوف بيوم مات إبراهيم فرواه مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر وأما بقية الحديث الذي يتعلق به الحكم فأشهر من أ تذكر شواهده.
الثامن: حديث ترك التشهد الأوسط وسجود السهو لنسيانه وله شاهد من حديث عبد الله بن يحينة أخرجه الشيخان وهو أيضا شاهد لما في حديث المغيرة من أنه يسجد للسهو فيه قبل السلام وأخرجه الترمذي عن عمران بن حصين وأبو داود عن ابن مسعود.
التاسع: حديث
"لا تسبوا الأموات" وقد رواه البخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة وأبو داود عن ابن عمر.
العاشر: حديث أنه صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما وقد رواه الشيخان وغيرهما من حديث حذيفة1.
الحادي عشر: حديث
"دية الجنين غرة" وقد رواه الشيخان من حديث أبي هريرة2.
الثاني عشر:
"لا يصلى الإمام في الموضع الذيصلى فيه حتى يتحول" وقد رواه أبو داود عن أبي هريرة3.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: الوضوء: ب 60, 62, ومسلم في: الطهارة: حديث 73, 74, وأحمد 4/246.
2 البخاري في: الفرائض: ب 11. ومسلم في: القسامة: حديث 39. وأحمد 1/364.
3 رقم 616. والبيهقي 2/190. وابن ماجة 1427, 1428.

 

ج / 2 ص -269-        الثالث عشر: حديث "من اكتوى واسترقى فقد بريء من التوكل" وقد رواه بمعناه أبو داود عن عبدالله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبيد الله وعبدالله ابن حكيم ورواه الشيخان عن ابن عباس1.
الرابع عشر: حديث
"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه عنه الشيخان وغيرهما وهو حديث متواتر مستغن عن ذكر الشواهد.
الخامس عشر: حديث
"من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه" وهو طرف من الحديث قبله وله شواهد كثيرة فرواه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث عمر بن الخطاب والنسائي عن عمران بن الحصين والترمذي عن أبي موسى وله شواهد غير هذه.
السادس عشر: فرض الجدة اسلدس وقد رواه البخاري عن محمد بن مسلمة وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود عن بريدة وهو إجماع.
السابع عشر: حديث ما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد عن الدجال أكثر ما سألته قلت: ويقولون معه جنة ونار قال
"هو أهون على الله من ذلك" وله شواهد وجميع ما ورد في الصحيحين وغيرهما2 عن غير واحد من الصحابة أنه قال صلى الله عليه وسلم "ناره جنة وماؤه نار" وهو يعضد حديث المغيرة فإنها مبنية نفي أن يكون مع الدجال جنة ونار حقيقة.
الثامن عشر:
"لا يزال أناس من أمتى على الحق ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون".
التاسع عشر:
"إن المرأة يعقل عنها عصبتها ويرثها بنوها" وله شواهد منها عند الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة مثال حديث المغيرة وفي سنن أبي داود عن ابن عباس3.
الموفي عشرين: حديث ترك الوضوء مما مست النار وله شواهد فرواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس وعمرو بن أمية وميمونة ومسلم عن أبي رافع ومالك وأبو داود عن جابر4.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البخاري في: الطب: ب 17. ومسلم في: الإيمان: حديث 371. وأحمد 1/401.
2 البخاري في: الفتن: ب 26. ومسلم في: الفتن: حديث 114, 115. وأحمد 4/246.
3 ابن ماجة في الديات ب 15. والنسائي في القسامة ب 34. وأحمد 2/224.
4 أبو داود 4864. والنسائي 1/108.

 

ج / 2 ص -270-        الحادي والعشرون: حديث سعد بن عبادة وفيه "أتعجبون من غيرة سعد إنه لغيور؟" وفيه "ما أحد أغيره من الله" ولهذا المعنى المتعلق بحديث الصفات شاهد في الصحيحين عن عائشة1.
الثاني والعشرون: نهى آكل الثوم عن دخول المسجد وقد مرت شواهده في أحاديث معاوية.
الثالث والعشرون: حديث مشي الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء وهذا ليس فيه ششء من الأحكام المتعلقة بتحليل أو تحريم ثم إنه لم يقل بصحته عن المغيرة إلا الحاكم وابن السكن وصعفه غيهرما ولم يصححوا عن المغيرة.
الرابع والعشرون: حديث كان إذا ذهب المذهب أبعد رواه عنه أهل السنن الأربعة إلا ابن ماجه2 وقد رواه النسائي عن عبد الرحمن بن أبي بردة ومنالعدب أن هذا الحديث وحديثا نحوه من حديث المغيرة هما أول ما في كتاب شفاء الأوام من كتب الزيدية أو ردهما مصنفة بأرسالهما إلى المغيرة واحتج يهما من غير ذكر غيرهما وهم ينكرون على المحدثين مثل ذلك.
انتهى كلام المصنف من الروض الباسم ببعض اختصار.
"وأما القول بعدالة المجهول منهم" أي من الصحابة "فهو إجماع أهل السنة والمعتزلة والزيدية قال ابن عبد البر في التمهيد أنه مما لا خلاف فيه" وقال أيضا في خطبة الإستيعاب ونحن وإن كان الصحابة قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة علىأنهم كلهم عدول انتهى.
ثم أبان المصنف صحة دعواه لأجماع من ذكر فقال "أما أهل السنة فظاهر وأما المعتزلة فذكره أبو الحسين في كتابه المعتمد في أصول الفقه بل زاد عن المحدثين" فإنهم قائلون بعدالة الصحابة لا غير وأبو الحسين "ذهب إلى عدالة أهل ذلك العصر" فقال هم عدول وليس كلهم صحابة "وإن لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم" هذا زيادة تأكيد وإلا فهو معلوم أنه لم يراكل أهل ذلك العصر النبي صلى الله عليه وسلم.
"وذكر الحاكم المحسن بن كراممة المعتزلي مثل مذهب المحدثين في كتابه شرح العيون وروى ذلك ابن الحاجب في مختصر المنتهى عن المعتزلة وأما الزيدية" فإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسلم في: اللعان حديث 17. والبخاري 9/151. وأحمد 4/248.
2 أبو داود 1. والنسائي في الطهارةب 16. وابن ماجة 331.والصحيحة 1159.

 

ج / 2 ص -271-        رأيهم أوسع دائرة أوسع دائرة من المعتزلة في هذا "فإنهم يقبلون المجهول" مطلقا "سواء عندهم في ذلك الصحابي وغيره ذكر ذلك الفقيه عبد الله بن زيد في الدرر المنظومة وهو أحد قولي المنصور بالله ذكره في هداية المسترشدين وهو أرجح احتمالي أبي طالب في جوامع الأدلة وأحدا احتماليه في المجزيء وهذا المذهب مشهورا عن الحنيفة والزيدية مطبقون على قبول مراسيل الحنفية فقد دخل عليهم حديث المجهول على كل حال وإن كان المختار عند متأخريهم" أي الزيدية "رده" أي المجهول "فذلك لا يغني مع قبولهم مراسيل من يقبله والقصد بذكرهم هذه الأقوال أن لا يتوهم أن المحدثين شذوا بهذا المذهب" وهو القول بعدالة مجهول الصحابة بل هو رأي غيرهم بل غيرهم أوسع دائرة منهم.
وأوسع دائرة ما أفاده قوله "وذكر المنصور" بالله "في مجموعه أن الثلاثة القرون الأول مقبولون" لقوله صلى الله عليه وسلم
"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" أخرجه بلفظ: "خير الناس قرني..." إلى آخره ورواه الترمذي والحاكم عن عمران بلفظ: "إن خيركم..." إلخ "و" قال المنصور بالله "أن ذلك معروف عند أهل العلم وهذا أوسع من قول المحدثين كما ترى" وهو ظاهر.
وقد عارض دليله حديث
"أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره" أخرجه الترمذي1 من حديث أنس وصححه ابن حبان من حديث عمار وله شواهد وابن عساكر عن عمر وبن عثمان مرسلا بلفظه "أمتى مباركة لا تدري أولها خير أو آخرها"2.
وقد جمع بينهما سعدالدين التفتازاني بأن الخيرية تختلف بالاعتبارات فالقرون السابقة بنيل شرف قرب العهد ولزوم سيرة العدل والصدق واجتناب المعاصي ونحو ذلك وأما باعتبار كثرة الثواب فلا يدري أولها خير لكثرة طاعته وقلة معصيته أم الآخر لأيمانه بالغيب طوعا ورغبة مع انقضاء مشاهدة زمن آثار الوحي وظهور المعجزات وبالتزامه طريقة السنة مع فساد الزمان وشيخنا رحمه الله تعالى تعقب عليه في رسالة قرأناها عليه لا نطيل هنا بذكرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في الادب ب 81. حديث 2869. وأحمد 3/143. والخطيب 11/14.
2 ابن عساكر 7/232.

 

ج / 2 ص -272-        ثم اعلم أن هذا الاستدلال من المنصور بالله وذكر معارضة الحديثين مبني على أن حديث "خير القرون"1 قاض بأن التفضيل بين القرون بالنظر إلى كل فرد فرد وإلى هذا ذهب الجمهور وذهب ابن عبد البر إلى أن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى مجموع الصحابة فإنهم أفضل ممن بعدهم لا كل فرد احتج بحديث "أمتي كالمطر" إلخ ما تقدم قريبا ربما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ثعلبة يرفعه "تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين" قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: "بل منكم"2 وبحديث عمر يرفعه: "أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني" أخرجه الطيالسي3 وهو وإن كان ضعيفا فإنه يشهد له ما أخرجه أحمد أحمد والدرامي والطبراني من حديث أبي حمعة قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: "قوم يكونون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني", وإسناده حسن وقد صححه الحاكم4 واستثنى ابن عبد البر أهل بدر والحديبيه.
وأجاب الجمهور بالجمع بين الأحاديث مم يلاقي كلام سعد الدين الذي أسلفناه إلا أنهم زادوا بأن ذلك يكون في حق بعض الصحابة وأما مشاهير الصحابة فإنهم جازوا مراتب السبق في كل نوع من أنواع الخبر قالوا وأيضا فالمفاضلة بين الأعمال بالنظر إلى الأعمال المتساوية في النوع ونضولة الصحبة مختصة بالصحابة لم يكن لمن عدالة شيء من ذلك النوع وإذا عرفت هذا عرفت أن استدلال المنصور بالله مبني على ما ذهب إليه الجمهور.
"وأما الحجج على عدالة مجاهيل الصحابة" هم الذي لم يعرف لهم شيء سوى الصحبة "فكثيرة جدا وقد ذكرت منها جملة شافية في العواصم والقواصم" ذكر فيها اثنين وثلاثين دليلا على قبول فساق التأويل وهي أدلة شاملة للمجاهيل من أهل ذلك العصر لأنه إذا لم يعرف للصحابي إلا الإسلام الصحبة فقبوله أولى من قبول من كان مسلما فاسق تأويل وقد أجمع على قبوله فالأولى قبول مجهول الصحابة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سبق تخريجه.
2 أبو داود في الملاحم ب 17. والترمذي في تفسير سورة 5. وابن ماجة في الفتن ب 21.
3 سبق تخريجه.
4 4/85.

 

ج / 2 ص -273-        "وفي المختصر من الروض الباسم وأناأشير إلى شيء من ذلك فمن ذلك ماروى ابن عمر عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فيهم فقال: "أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم ثم يفشو الكذب" الحديث تمامه "يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد" "رواه أحمد والترمذي ورواه أبو داود الطيالسي1" من طريق أخرى "عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن جابربن سمرة عن عمر وله طريق أخرى" ثالثة "وهو حديث مشهور جيد قال ذلك الحافظ ابن كثير في إرشاده" وفي العواصم أنه ذكر أبو بن عبد البر في أول كتاب الاستيعاب له شواهد كثيرة عن عمران بن حصين والنعمان بن بشير وبريدة الأسلمي وجعدة بن هبيرة.
"قلت: وفيه دليل على أنه أراد بأصحابه أهل زمانه من المسلمين لقوله فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فتأمله" وذلك لأن قوله:
"ثم الذين يلونهم" عام لكل فرد من الأزمنة التي بعد القرن الأول فيكون كذلك في القرن الأول وأنه سمى كل من عاصره صلى الله عليه وسلم صحابيا إن كان مسلما إلا أنه
يرد سؤال وهو أن الموصي بهم هم الأصحاب وهم أهل العصر جميعا فمن المراد بالوصية فإن أريد به أوصي بعضكم في بعض فهي من لازم أخوة الإيمان فكل أهل الإيمان في أي عصر كان كذلك ولعل الأظهر أنه يراد أوصيكم أيها الأمة ويراد إبلاغ الأمة من بعد القرون الثلاثة أن يرعوا أهل عصره وتابعيهم وتابعي تابعيهم وأن يعرفوا لهم حق الصحبة والعلم والإبلاغ أو يراد الوصية في شيء خاص وهو تصديقهم فيما يبلغونه عنه صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة كما يرشد إليه قوله:
"ثم يفششوا الكذب" والمعنى أن الصدق فيهم هو الأصل وإن وقع الكذب فهو نادر وفي لفظ: "يفشو" دلالة عليه فيكون على تقدير هذه المعاني غير دال على أن المدعى من عدالة كل صحابي على رسم الجماهير لها وإنما يكون دليلا علىأن الأصل فيمايروونه الصدق خصيصة لهم من الله تعالى فتحملوا كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وإلا فلا شك أنه وقع في آخر القرن الأول وما بعد من القرون أمراء جورة وفقهاء خونة وسفكت الدماء بغير حقها ويشأ من الإبداع ما يصك الأسماع وهل بدعة الخوارج ونحوها إلا في أثناء القرن الأول فتأمل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي 2165, وأحمد 1/26.

 

ج / 2 ص -274-        "ومن ذلك" أي من الأدلة على عدالة مجهول الصحابة "ماروى عن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت الهلال يعين رمضان فقال "تشهد أن لا إلا الله وأن محمدا رسول الله؟" قال نعم قال: "يا بلال إذن في الناس أن يصوموا غدا" رواه أهل السنن الأربع ابن حبان صاحب الصحيح والحاكم أبو عبدالله" في المتسدرك "وقال هو حديث صحيح واحتج به أبو الحسين المعتزلي في المتعمد وذكره الحاكم أبو سعيد في شرح العيون واحتج به الفقيه عبد الله بن زيد العنسي الزيدي في كتاب الدرر" ووجه الدلالة واضح فإنه رجل مجهول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولذا سأله عن الشهادتين ولم يسأله عن غيرهما فدل على أن مجاهيل ذلك العصر من المسلمين يقبلون وإقراره بكلمة الشهادة لم تخرجه عن الجهالة.
"ويشهد له ما رواه ابن كثير أيضا في إرشاده عن أبي عمير عن أنس عن عمومته من الأنصار أن الناس اختلفوا في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم لأهلا لهلال أمس عشية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا أن يغدوا إلى مصلاهم ورواه بنحوه أحمد وابن ماجه ورواه أحمد أيضا وأبو داود بهذا اللفظ المتقدم وهو لفظ أبي داود من طريق أخرى عن ربعي" بالموحدة ساكنة فعين مهملة "ابن حرش" بكسر الحاء المهملة فراء آخر شين معجمة "عن رجل عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" ووجه الدلالة ظاهر في قبوله صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابيين إنه أنه قد يقال إنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف عدالتهما وكأنه لهذا جعله شاهدا ولم يجعله دليلا مستقلا.
"ومن ذلك" أي من أدلة قبول مجهول الصحابة "حديث عقبة بن الحارث المتفق على صحته" بين الشيخين "وفيه أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمه سودا فقالت قد أرضعتكما" قال "فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني قالت فتنحيت فذكرت ذلك له فقال كيف زعمت أن قد أرضعتكما هذا لفظ البخاري ومسلم وفيه أعتبار خبر هذه الأمة السوداء والتفريق بين زوجين مسلمين بكلامها ولم يأمره بطلاق ولا أخبره أن الطلاق يستحب مع جواز تركه" بل ظاهره أنه أمر بفسخ النكاح بخبر المرأة "وفي رواية الترمذي" لحديث عقبة بن الحارث "أنه زعم أنها كاذبة وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عنها" أي عن المرأة التي تزوجها "وهو حديث حسن صحيح وقال ابن عباس تقبل المرأة الواحدة في مثل ذلك" أي في إخبارها بإرضاعها "مع يمينها وبه قال أحمد وإسحاق" ولما كانت اليمين لا دليل عليها في الحديث قال المصنف "قلت: وإنما اعتبروا

 

ج / 2 ص -275-        اليمين من أجل حق المخلوقين" ويأتي على هذا.
"وكذا منخالف من العلماء في هذه المسألة" وقال لا تقبل المرضعة "إنما خلف من أجل تعلقها بحقوق المخلوقين" فإن القواعد الشرعية قاضية بأنها لا تقبل دعوى على أحد إلا بما أشار إليه قوله "وكون عموم وجوب الإشهاد على كل دعوى واليمين على كل منكر كالمعارضين لهذه الواقعة" فألحقوا بهذا الفرد العام وقد حقق البحث في كتب الأحكام.
"وأما حقوق الله فخبر الواحد مقبول فيه ذكرا كان الواحد أو أنثى وفاقا والله أعلم فهذا" في الأدلة "من الأثر" زاد المصنف في العواصم ما لفظه الرابع وهو أثر صحيح ثابت في جميع دواوين الإسلام بل متواتر النقل معلوم بالضرورة وهو عندي حجة قوية صالحة للاعتماد عليها وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل عليا ومعاذا رضي الله عنهما إلى اليمن قاضيين ومفتيين ومعلمين ولا شك أن القضاء مرتب على الشهادة والشهادة مبنية على العدالة وهما لا يعرفان أهل اليمن ولا يخبران عدالتهما وهم بغير شك لا يجدون شهودا على ما تجري بينهم من المخصوصات إلا منهم فلولا أن الظاهر العدالة في أهل الإسلام في ذلك الزمان لما كان إلى حكمهما بين أهل اليمن سبيل.1هـ.
"ومن النظر" عطف على قوله من الأثر أي والأدلة على ما ذكر من النظر "ما ذكره الشيخ أبو الحسين في المعتمد فإنه قال ما لفظه واعلم أنه إذا ثبت اعتبار العدالة وجب أن كان لها ظاهر أن تعتمد عليه وإلا لزم اختبارها وإلا فلا شبيهة في أن بعض الأزمان كزمن النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت العدالة منوطة بالإسلام وكان الظاهر من المسلم كونه عدلا ولهذا اقتصر صلى الله عليه وسلم على قبول خبر الأعرابي عن رؤية الهلال على ظاهر إسلامه واقتصر الصحابة على إسلام من كان يروي الأخبار من الأعراب".
قلت: لا يخفى أن هذا الدليل من باب الأثر لا من باب النظر وكأن المصنف يريد أن التفصيل الآتي من باب النظر وهو الذي أفاده قوله "فأما الأزمان التي كثرت فيها الخيانات ممن يعتقد الإسلام فليس الظاهر من إسلام الأنسان كونه عدلا فلا بد من اختباره وقد ذكر الفقهاء هذا التفصيل انتهى كلام الشيخ أبي الحسين وقد استوفيت الكلام في هذه المسالة في غير هذا الموضع".
قد قدمنا قريبا أن المصنف ساق في العواصم زيادة على ثلاثين حجة في ذلك ثم

 

ج / 2 ص -276-        قال منها أن من النظر أن صدقهم مظنون وفي مخالفته مضرة مظنونة والعمل بالظن من غير خوف مضرة حسن عقلا ومع خوف المضرة المظنونة واحد عقلا وإنما خصصناهم بذلك لما علمنا من صدقهم وأمانتهم في غالب الأحوال والنادر غير معتبر وقد يجوز أن يكذب الثقة ولكن ذلك تجويز مرجوح نادر الوقوع فلم يعتبروا الذي يدل على صدق ما ذكرنا أن أخس طبقات أهل الإسلام من يتجاسر على الأقدام على الفواحش من الزنا وغيره من الكبائر لا سيما فاحشة الزنا وقد علمنا أن جماعة من أهل الإسلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعوا في ذلك من رجال ونساء فهم فيما ظهر لنا أقل الصحابة ديانة وأقلهم آمانة ولكنهم مع ذلك فعلوا ما لإيكاد يفعله أورع المتأخين ومن تحق له منصب الأمانة في زمرة الأولياء والمتقين من بذلهم الروح في مرضاة الله والمسارعة بغير إكراه إلى حكم الله أو إلى حكم الشرع كمثل المرأة التي زنت فجاءت إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم تقر بذنبها وتسأله أن يقيم عليها الحد فجعل عليه السلام يسنثبت في ذلك فقالت: يارسول الله إني حبلى, فأمرها أن تمهل حتى تضع فلما وضعت جاءت بالولد فقالت: يا رسول الله هذا قد ولدته فقال لها: "أرضعيه حتى يتم رضاعته" فأرضعته حتى أتمت مدة الرضاع ثم جاءت به في يده كسرة خبز فقالت: يا رسول الله هذا هو يأكل الخبز فرجمت فانظر إلى عزمها المدة الطويلة على الموت في مرضاة الله تعالى.
وكذلك الرجل الذي سرق فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه أن يقيم عليه الحد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يده فلما قطعوها قال السارق: الحمد لله الذي أبعدك عنى أردت أن تدخلني النار, ومثل ما روى عن الذي وقع بامرأته في رمضان وحديث الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أتتني امرأة فلم أترك شيئا مما يفعله الرجال بالنساء إلا فعلته إلا أني لم أجامعها وغير ذلك انتهى.
"وإلى هنا انتهى ما أردت جمعه من علوم الحديث مما يتعلق بأصل الفقه أو" يتعلق "بتفسير اصطلاحهم في وصف الحديث ببعض الأوصاف من" بيانية الأوصاف "الصحة والحسن والغرابة والشهرة وأمثال ذلك" من بيان المرسل والعلة والشذوذ وما تقدم وهو كثير.

 

ج / 2 ص -277-        [فوائد غزيرة وعلوم عزيزة]
"وفي علوم الحديث قوائد غزيرة" من الغزارة بالمعجمة وهي الكثرة "وعلوم عزيزة" بالمهملة وتكوير الزاي من العزة وهي القلة هنا أي يقل وجودها في غير علوم الحديث "أو دعوها تضاعيف كلامهم في هذا الفن يفما تقدم من أنواعه مما اختصرت منه وفيما بفي مما لم أختصر منه" أي لم يتعرض لذكره "فقد بقي من أواعه كثير" بينهما بقوله "مثل الكلام على":
"معرفة التابعين".
جمع تابعي واختلفوا في رسمه فقال الحاكم وغيره التابعي منلقي واحد من الصحابة فأكثر "وطبقاتهم" قال الحاكم في علوم الحديث هم خمس عشرة طبقة آخرهم من لقي أنس بن مالك من أهل البصرة ومن لقي عبد الله بن أبي أو في من أهل الكوفة ومن لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة وقيل في عد طبقاتهم غير هذا مما هو مبسوط في مظنته.
"ومعرفة رواية الأكابر عن الأصاغر"
والأصل فيه روايه النبي صلى الله عليه وسلم عن الدارى الجياسة وهو في صحيح مسلم1 وقسموها إلى ثلاثه أقسام:
الأول: أن يكون الراوى أكبر قدرا من المروى عنه لعلمه وحفظه2.
والثاني: أن يكون أكبر سنا3.
والثالث: أن يجتمعا معا وذكروا أمثلة ذلك.
"و" رواية "الأقران بعضهم عن بعض".
والقرينان عندهم: من إستويا في الإسناد والسن غالبا والمراد به المقارنه قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 4/2262.
2 كرواية مالك وابن أبي ذئب عن شيخهما عبد الله بن دينار وأشباهه وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه عن شيخهما عبيد الله بن موسى فتح المغيث للسخاوي 4/166.
3 كرواية كل من الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن تلميذهما الإمام الجليل مالك بن انس في خلق غيرهما ممن روى عن مالك من شيوخه. المصدر السابق 4/165.

 

ج / 2 ص -278-        الحاكم إنما القرينان إذا تقارنت سنهما وإسنادهما وقد يكتفون بالإسناد دون السن وقسموه إلى قسمين:
أحدهما: ما يسمونه المبج بضم الميم وفتح الدال المهمله ونشيد الموحده آخره جيم وذلك أن يروى كل من الفريقين عن الآخر وألف الدار قطني كتابا حافلا ومثاله رواية عائشه عن أبي هريرة وروايته عنها. والثاني: ماليس بمديح وهو أن يروى أحد القرنيين عن الآخر ولا يروى الآخر عنه فيما يعلم.
"و" رواية "الأخوة والأخوات بعضهم عن بعض".
قال زين الدين قد أفرد أهل الحديث هذا النوع
بالتصنيف وهو معرفة الأخوة من العلماء والرواة وصنف فيه على بن المدينى وغيره وعدهم ثلاثه فأربعة فخمسة فستة فسبعة ولم نطول بما زاد على السبعة لندرته ولعدم الحاخة إليه في غرضنا ههنا ومثال الأخوين كثير في الصحابة وغيرهم كعبد الله بن مسعود وعتبه بن مسعود وكلاهما صحابيان ومما يستغرب من الأخوين أن موسى بن عبيدة الزيدى بينه وبين أخيه عبد الله بن عبيدة ثمانون سنة في العمر. "وروايه الآباء عن الأبناء وعكسه" صنف فيه الخطيب كتابا حافلاو ذكر روايتة العباس بن عبد المطلب عن ابنه الفضل وفيه أمثله كثيرة وصنف الوائلى كتابا في رواية الآباء عن الأبناء وذكر فيه نفائس وأحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وما يشابهه.
"وروابة السابق والللاحق عن الأئمة والحفاظ".
قال زين الدين ألف الخطيب كتابا سماه السابق واللاحق وموضوعه أن يشترك راوايان في الرواية عن شخص واحد وأحد الراويين والآخر متأخربحيث
يكون بين روايتهما أمد بعيد قال ابن الصلاح: ومن فوائد ذلك نقرير حلاوة علو الإسناد في القلوب ثم ذكر امثلة لذلك.
"و" روايه "من لم يرو عنه إلا راو واحد".
قال زين الدين من أنواع علوم الحديث معرفه من لم يرو عنه إلا راوواحد من الصحابة والتابعين ومنن بعدهم وصنف فيه مسلم كتابا المسمى بكتاب المنفردات والحدان وذكر امثلة لذلك كثيرة.

 

ج / 2 ص -279-        "و" رواية "من عرف بنعوت متعددة".
أى من ذكر من الرواة بأنواع من التعريفات من الأسماء أو الكنى أو الألقاب أو الأنساب إما من جماعة الرواة عنه فعرفه كل واحد منهم بغير ما عرفه الآخر أو من راوواحد فعرفه مرة بهذا ومرة بذاك فيلتبس ذلك على من لامعرفة عنده بل على كثير من أهل المعرفة والحفظ وإنما يقعل ذلك كثيرا المدلسون وقد نقدم عند ذكر التدليس أن هذا أحد انواعه ويسمى تدليس الشيوخ.
وقد صنف في ذلك الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدى كتابا نافعا سماه إيضاح الأشكال وصنف فيه الخطيب البغدادي كتابا كبيرا سماه الموضح لاوهام الجمع والتفريق وسد زين الدين من ذلك أمثله كثيره.
"ومعرفه أفراد الأسماء ومعرفه الأسماء والكنى" جمع كنية "والألقاب" جمع لقب فالأسماء الأعلام والكنى ماصدر بأب وأم ةالقب ما دل على مدح أوذم.
قال الزين: معرفة أفراد الأعلام نوع من أنواع علوم الحديث صنف فيه جماعة ثم قال وقد مثل ابن الصلاح بجملة من الأسماء ولكني مرتبة على حروف المعجم واقتصرت من ذلك على مثال واحد لكل قسم فمن أمثلة أفراد الأسماء لبي1 بن لبا2 صحابي من بني أسد وكلاهما باللام والباء الموحدة وهو وأبوه فردان فالأول مصغر على وزن أبي بن كعب والثاني مكبر على وزن فتى ومثال أفراد الألقاب مندل بن علي العبري واسمه عمرو ومندل لقب له وهو بكسر اسم وفتحها كما أفاده كلام الزين ومثال الأفراد ف يالكنى أبو معيد بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وآخره دال مهملة واسمه حفص بن غيلان.
تنبيه: من علوم الحديث معرفة أسماء ذوي الكنى ومعرفى كنى ذوي الأسماء وينبغي العناية بذلك فربما ورد ذكر الراوي مرة بكنيته ومرة باسمه فيظن من لا معرفة له بذلك أنهما رجلان وربما ذكر الراوي باسمه وكنيته معا فتوهمه بعضهم رجلين كالحديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لبى: بموحدة كأبي بالتصغير.
2 لبا: بموحدة أيضا كفتى وعصى ضبطه كذلك أبو علي ثم ابن الدباغ وابن الصلاح .
وقيل بضم اللام وتشديد الموحدة ضبطه ابن فتحون في الاستيعاب قال: وكذلك رأيته بخط ابن مفرج فيه وفي ولده معا فتح المغيث للسخاوي 4/210.

 

ج / 2 ص -280-        الذي رواه الحاكم من رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن سداد عن أبي الوليد عن جابر مرفوعا من صلى خلف الإمام فإن قراءته له قراءة قال الحاكم عبد الله بن سداد هو بنفسه أبو الوليد بينه علي بن المديني قال الحاكم ومن تهاون بمعرفة الأسماء أو ورثه مثل هذا الوهم ولهم في الألقاب تقاسيم وأمثلة ذكرها ابن الصلاح والزين.
"ومعرفة المؤتلف خطا والمختلف لفظا".
قال الزين من فنون الحديث المهمة معرفة المؤتلف خطا المختلف لفظا من الأسماء والألقاب والأنساب ونحوها وينبغي لطالب الحديث أن يعتني بذلك وإلا كثر عناؤه وافتضح بين أهله وصنف فيه جماعة من الحفاظ مكتبا مفيدة وعد الزين من صنف فيه ثم قال والمؤتلف والمختلف ينقسم قسمين أحدهما ما ليس له ضابط يرجع أليه وإنما يعرف بالنقل والحفظ وهو الأكثر والثاني ما يدخل تحت الضبط ثم عد أمثلة كثيرة تبعا لابن الصلاح مثل سلام بتشديد اللام وسلام بالتخفيف فحصروا المخفف وقد أطال زين الدين في منظومته وشرحها في هذه المادة بما يزيد على كراس من القطع الكامل.
"ومعرفة المتفق خطا ولفظا المفترق معنى"
قال الزين ومن أنواع علوم الحديث ما اتفق لفظه وخطه واختلف مسماه وللخطيب فيه كتاب نفيس ثم قال وإنما يحسن إيراد ذلك إذا اشتبه الراويان المتفقان في الإسم لكونهما متعاصرين واشتركا في بعض شيوخهما أو في الرواية عنهما وذلك ينقسم إلى ثمانية أقسام الأول من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم مثاله الخليل بن أحمد ستة1 رجال ثم أطال في التقاسيم نظما ونثرا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الأول: اسم جده عمرو بن تميم البصري النحوي صاحب العروض وأول من استخرجه.
الثاني: بصري اسم جده بشر بن المستنير أبو بشر المزني ويقال السلمي.
والثالث: بصري أيضا ويروى عن عكرمة.
والرابع: اسم جده محمد بن الخليل أبو سعيد السجزى الفقيه الحنفي قاضي سمرقند حدث عن ابن خزيمة وابن صاعد والبغوي وغيرهم.
والخامس: اسم جده أيضا محمد بن أحمد ويكنى أيضا أبا سعيد البستى المهلبي الشافعي القاضي.
والسادس: اسم جده عبد الله بن أحمد ويكنى أيضا أبا سعيد وهو أيضا بستي شافعي فاشترك مع الذي قبله في أشياء.فتح المغيث للعراقي 4/114. وللسخاوي 4/270: 272.

 

ج / 2 ص -281-        "ومعرفة تلخيص المتشابه وهو نوع يتركب من النوعين اللذين قبله وهو أن يتفق الإسمان في الخط واللفظ ويفترق اسما أبويهما في بعض ذلك"
وقد طول الزين في هذا مثل الأول بموسى بن علي وموسى بن علي الأول مكبر والثاني مصغر وعد جماعة من ذلك.
ومثل الثاني وهو عكس الأول بسريج ابن نعمان وشيرح بن النعمان وكلاهما مصغر فالأول بالسين المهملة والجيم وهو سريج بن النعمان بن مروان اللؤلؤي البغدادي روى عنه البخاري وأصحاب السنن والثاني بالشين المعجمة والحاء المهملة شريح النعمان الصائدي الكوفي له في السنن الأربعة حديث واحد عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ثم عد من ذلك أسماء كثيرة.
"أو يكون الإتفاق" في الأسماء "في حق الأبوين والاختلاف في حق الإبنين" قد مثلهما الزين وتقريب ابن حجر كافل فيما يحتاج إليه من أمثلة ذلك.
"ومعرفة المشتبه المقلوب"
قال الزين هذا النوع مما يقع فيه الإشتباه في الذهن لا في الخط وذلك بأن يكون اسم أحد الراويين كاسم أب الآخر خطا ولفظا أو اسم الآخر كاسم أب الأول فينقلب على بعض أهل الحديث كما انقلب على البخاري ترجمة مسلم ابن الوليد المدني فجعله أبوالوليد بن مسلم كالوليد الدمشقي المشهور وخطأه في ذلك أبو حاتم.
"و" معرفة "من نسب" بالبناء للمجهول "إلى غير أبيه"
قال الزين المنسوبون إلى غير آبائهم على أقسام:
الأول: من نسب إلى أمه كبني عفراء وهي أمهم وأسم أبيهم الحارث بن رفاعة بن الحارث من بني المحار شهد بنو عفراء بدرا وقتل منه فيها أثنان.
والثاني: من نسب على جده عليا كان أو دنيا كيعلي بن منيه1 الصحابي المشهور اسم أبيه أمية بن عبيد ومنية اسم أم أيبه كما قاله الزبير بن بكار وابن ماكولا وقال الطبري إنها أم يعلي نفسه ورجحه المزي ثم عد أمثلة لبقية الأقسام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 منية: بضم الميم ثم نون ساكنةبعدها مثناة تحتانية وهاء تأنيث.

 

ج / 2 ص -282-        "و" معرفة "المنسوب على خلاف الظاهر"
قال الزين قد ينسب الراوي إلى نسبة من مكان أو قبيلة أو ضيغة وليس الظاهر الذي سبق إلى الفهم من تلك النسبة بمراد بل لعارض عرض من نزوله ذلك المكان أو تلك القبيله أونحو ذلك.
ومثاله أبو مسعود البدرى واسمه عبيد بن عمرو الأنصارى الخزر جى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يشهد بدرا في قول أكثر أهل العلم ثم ذكر الخلاف في هذا وبقيه أقسام ما ذكره إجمالا. "ومعرفة الميهمات"
هو معرفه من ذكر منهما في الحديث وفي الإسناد من الجال والنساء وقد صنف في ذلك جماعه من الحفاظ وذكر من صنف وذكر أمثلة من ذلك.
"ومعرفه تاريخ1 الرواة والوفاء"
قال الزين2: الحكمه في وضع أهل الحديث التاريخ لوفاة الرواة ومواليدهم وتواريخ السماع وتاريخ قدوم فلان مثلا البلد الفلاني ليختبروا بذلك من ام يعلموا صحة دعواه كما رويناه عن سفيان الثورى قال لما استعمل الناس الكذب استعملنا لهم التاريخ أو كما قال أطال الزين هنا بذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة ثم بقية العشرة وجماعة من أعيان الصحابة والتابعين والأئمه الستة أصحاب الأمهات وجماعة من المشاهير من أئمة الحديث.
"ومعرفة الثقات والضعفاء"
فإنه من أجل أنواع علوم الحديث فإنه المرقاه إلى التفرقة بين صحيح الحديث وسيقمه وفيه للأئمة تصانيف منها ماأفرد في الضعفاء وصنف فيه البخاري وغيره ومنها ما أفرد للثقات وصنف فيه ابن حبان وابن شاهين وغيرهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تاريخ: التاريخ في اللغة الإعلام بالوقت ويقال: أرخت الكتاب وورخته أي بينت وقت كتابته.
والتاريخ في "الأصطلاح" التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال: من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة وعقل وبدن ورحلة وحج وحفظ وضبط وغير ذلك. "الإعلان بالتوبيخ" ص 20،19.
 2 فتح المغيث 133/4.

 

ج / 2 ص -283-        "ومعرفة من اختلط من الثقات" قال ابن الصلاح:
هذا فن عزيز مهم لم يعلم أحد أفراده بالتصنيف واعتنى به مع كونه حقيقا بذلك جدا قال زين الدين قلت: وبسب كلام ابن الصلاح أفرده شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي بالتصنيف في جزء حدثتا به ولكنه اختصره ولم يبسط الكلام فيه ثم عد زين الدين جماعة كثيرة من اختلط من الرواة الثقات "ومعرفة طبقات الرواة"
قال الزين من المهمات معرفة طبقات الرواة فإنه قد يتفق إسمان في اللفظ فيظن أحدهما الآخر فيتميز ذلك بمعرفة طبقتهما إن كانا من طبقتين فإن كانا من طبقة واحدة فربما أشكل الأمر وربما عرف ذلك بمن فوقه أو دونه من الرواة ثم ذكر ما يحصل به التمييز وذكر طبقات الصحابة وطبقات التابعين جملة.
"ومعرفة الموالي من العلماء والرواة"
من المهمات كما قاله الزين معرفة الموالي من العلماء ولارواة وأهم ذلك أنينسب على القبيلة مولى لهم مع إطلاق النسب فربما ظن أنه منهم صليبة بحكم الظاهر من الأطلاق وربما وقع خلل في الأحكام الشرعية في المشروط فيها النسب كالإمامة العظمي والنكاح ونحو ذلك.
"ومعرفة أو طان الرواة وبلدانهم"
قال الزين مما يحتاج إليه معرفة أوطان الرواة وبلدانهم فإنهم ربما ميز بين الإسمين المتفقين في اللفظ قال وربما حدث للعرب الإنتساب إلى البلاد والأوطان لم اغلب عليها سكني القرى والمدائن وضاع كثير من أنسابها فلم يبق لها غير الإنتساب إلى البلدان وقد كانت العرب تنتسب قبل ذلك إلى القبائل فمن سكن في بلدين وأراد أن ينتسب إليها فليبدأ بالبدلة التي سكنها أولا ثم بالثانية التي انتقل إليها ويحسن أن يأتي بثم في النسبة للبدلة الثانية فيقول المصري ثم الدمشقي ومن كان من أهل قرية من ذي بلدة فجائز أن ينتسب إلى القرية وإلى البلدة أيضا وإلى النحاية التي منها تلك البدلة فمن هو من أهل دار مثلا فله أن يقول الداري والدمشقي والشامي فإذا أراد الجمع بينهما فليبدأ بالأعم فيقول الشامي الدمشقي الداري
"فعليك أيها الطلب للحديث بالنظر في علوم الحديث والتأمل لما في تضاعيفها من الفوائد والبحث عما ذكروه فيها" في علوم الحديث "من المصنفات الحوافل" بالحاء

 

ج / 2 ص -284-        المهملة والفاء يقال نحف الوادي إذا جاء بملء جانبيه والمراد هنا التي جاءت بملئها علوما استعارة "فإنهم إنما وضعوه ليبصروك في علومه ويدلوك على ما صنفوا في ذلك لطالبه والحمد لله الذي حفظ بهم الشريعة وكفانا بهم المؤنة نسأل الله أن يجزيهم عن أفضل ما جزى أمثالهم من أئمة الإسلام والعلماء الأعلام" بيان لأمثالهم ومنهم المصنف رحمه الله تعالى وجزاه خيرا فلقد أفاد وأجاد وأتى فيما جمعه بما هو غاية المراد اللهم وألحقنا بهم تفضيلا واشملنا في جوارهم تطولا وارزقنا خدمة سنة نبيك أبدا ما أحييتنا ووقفنا على العمل بها وتعظيمها إذا توفيتنا والحمد لله أولا وآخرا حمدا يدوم بدوام الله على جميع نعمه.
قال المصنف رحمه الله انتهى تبييض هذا الشرح من المسودة عقيب صلاة العصر يوم الخميس لعله سادس وعشرين شهر شعبان من شهور سنة 1166 وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
قال في الأم المنقول منها إنه فرغ من تحصيلها تاسع شهر جماد أول من شهور سنة 1180
وصلى الله وسلم على النبي الأمي الطاهر الزكي وعلى آله الطاهرين في كل وقت وأوان وحين آمين.