تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره

ص -3-           تَدْوينُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّة نَشْأَتُهُ وَتَطَوُّره من القرن الأوَّل إلى نهاية القرن التاسع الهجري
تأليف: الدكتور محمد بن مطر الزهراني

بسم الله الرحمن الرحيم
المُقَدِّمَة:
وَبِهِ نَسْتَعِين
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، لا يحصي عدد نعمه العادُّون، ولا يؤدي شكره المتحمِّدون، ولا يبلغ مدى عظمته الواصفون، بديع السموات والأرض إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، أحمده على آلائه، وأشكره على نعمائه، وأستعين به في الشِّدَّة والرَّخاء، وأتوكل عليه فيما أجراه من القدر والقضاء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأعتقد أن لا ربَّ إلا إيَّاه، شهادة من لا يرتاب في شهادته، واعتقاد من لا يستنكف عن عبادته، وأشهد أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم عبده الأمين ورسوله المكين حسن الله به اليقين، بلَّغ الرسالة وأظهر المقالة ونصح الأمَّة وكشف الغمَّة، وجاهد في سبيل الله المشركين، وعبد ربه حتى أتاه اليقين، فصلى الله على محمَّدٍ سيد المرسلين، وعلى أهل بيته الطيبين، وأصحابه المنتخبين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين 1 أما بعد 
  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 اقتباس من استهلال الخطيب لتاريخ بغداد 1 / 3.

 

ص -4-           فقد اختار الله طائفةً لصفوته، وهداهم للزوم طاعته من اتباع سبل الأبرار في لزوم السنن والآثار فزيَّن قلوبهم بالإيمان، وأنطق ألسنتهم بالبيان من كشف أعلام دينه، واتِّباع سنن نبيه، بالدؤوب في الرحل والأسفار وفراق الأهل والأوطار، في جمع السنن ورفض الأهواء والتفقه فيها بترك الآراء، فتجرد القوم للحديث وطلبوه، ورحلوا فيه وكتبوه، وسألوا عنه وأحكموه وذاكروا به ونشروه، وتفقهوا فيه وأصَّلوه، وفرَّعوا عليه وبذلوه، وبيَّنوا المرسل من المتصل، والموقوف من المنفصل، والناسخ من المنسوخ، والمحكم من المفسوخ، والمفسَّر من المجمل، والمستعمل من المهمل، والغريب من المشهور.
والعدول من المجروحين، والضعفاء من المتروكين، والكشف عن المجهول، وما حُرِّف أو قُلِب من المنحول من مخايل التدليس وما فيه من التلبيس، حتى حفظ الله بهم الدِّين على المسلمين، وصانه عن ثلب القادحين، وجعلهم عند التنازع أئمة الهدى، وفي النوازل مصابيح الدُّجى، فَهُمْ ورثة الأنبياء ومأنس الأصفياء. 1
وقد جعل الله تعالى أهل الحديث أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: صحيح ابن حبان 1 / 84.

 

ص -5-           النَّبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والمجتهدون في حفظ ملَّته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتحيَّز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأياً تعتكف عليه، سوى أصحاب الحديث فإن كتاب الله عُدَّتُهم، والسُّنَّة المطهَّرة حُجَّتُهم، والرسول صلى الله عليه وسلم فِئتهم وإليه نسبتهم، لا يعرِّجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يُقبل منهم ما رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المأمونون عليه حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، منهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وقارئٌ متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، ومن كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خالفهم، ولا يفلح من اعتزلهم المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير 1.
وبعد:
فهذه نبذٌ يسيرة من جهود تلك الأجيال المتعاقبة من سلفنا الصالح المذكور وصفهم آنفاً، الذين بذلوا كل جهد وكل غالٍ ونفيس في سبيل خدمة السُّنَّة المطهَّرة وحفظها وتدوينها ونقلها إلى الأمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: شرف أصحاب الحديث للخطيب ص: 8 – 9.

 

ص -6-           جمعت هذه النبذ من مصادر شتَّى، وألَّفت بينها مع شيء يسير من التعليق والربط والتعريف بتلك الجهود، وذلك خلال قيامي بتدريس ( مادة تدوين السُّنَّة النبوية عبر عصوره المختلفة ) لطلبة السُّنَّة الأولى بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، حيث ألفيت موضوعات منهج هذه المادة لايجمعها أو أكثرها كتاب ليكون موافقاً - أو على الأقل مقارباً - لمنهج هذه المادة في الكلية، وليكون مرجعاً بيد الطلبة في العاجل على أن يعود إلى مصادره الأصلية في الآجل.
فرتَّبته وهذَّبته وسمَّيته: تدوين السُّنَّة النبوية نشأته وتطوره من القرن الهجري الأول إلى نهاية القرن الهجري التاسع.
وضمنته خمسة أبواب وتحت كل باب عدة فصول وقسَّمت كل فصل إلى عدة فقرات.
وقد بدأته بتمهيد شرحت فيه معنى جملة تدوين السُّنَّة.
ثم جعلت الباب الأول في بيان مكانة السُّنَّة في الإسلام وعناية السلف بها.
وفيه ثلانة فصول:
الفصل الأول: في ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله - عز وجل - وحكم سُّنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ص -7-           وذكرت فيه ما جاء في ذلك من الكتاب والسُّنَّة وأقوال السلف.
والفصل الثاني: عن عناية السلف بالسُّنَّة وضمنته ثلاث فقرات هي:
أولاً: عناية الصحابة بالسنة
وثانيا: عناية التابعين ومن بعدهم
وثالثا: الرحلة في طلب الحديث
أما الفصل الثالث فقد تحدثت عن موقف أصحاب الأهواء والفرق من حجية السنة ، وقسمته إلى ثلاث فقرات:
الأولى: عن الذين يردُّون السُّنَّة مطلقاً.
الثانية: عن الذين يردُّون خبر الآحاد.
الثالثة: عن الذين يردُّون الزيادة على النص.
وتحدثت في الباب الثاني عن تدوين السُّنَّة في القرنين الأول والثانى حيث قسمته إلى فصلين:
الأول: التدوين في القرن الأول: وقد أثبتُّ فيه بالأدلَّة والبراهين أن التدوين قد بدأ بداياته الأولى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكرت جهود الصحابة ثم التابعين بمختلف طبقاتهم في التدوين في هذا القرن.
والثاني: التدوين في القرن الثاني الهجري: وفيه أشرت إلى

 

ص -8-           تطوُّر التدوين في هذا القرن وذكرت قائمة بأسماء أشهر المصنفين في هذا العصر، ثم درست نموذجاً مما أُلُّف في هذا القرن دراسةً موجزةً، وهذا النموذج هو "موطأ الإمام مالك" رحمه الله.
أما الباب الثالث: فخصصته للكلام عن تدوين السُّنَّة في القرن الثالث الهجري الذي يعتبر أزهى عصور تدوين العلوم الإسلامية، وعلوم السُّنَّة النَّبويَّة على وجه الخصوص.
وقد جعلته في فصلين قدمت لهما بكلمة موجزة عن جهود علماء هذا القرن في تطوير التدوين وابتكارهم في طريقة التأليف، وتنويعهم مجالات التصنيف.
الفصل الأول: ضمنته الكلام عن المسانيد في فقرتين: -
الأولى: عن تعريف المسانيد وطريقة تأليفها وأهم المسانيد.
والثانية: دراسة موجزة عن مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
والفصل الثاني: فيه دراسة موجزة جداً عن كل واحد من الكتب الستة المعروفة، وأوجزت الدراسة فيها لأمرين:
الأول: أنها معروفة ومشهورة والدراسات عنها كثيرة في القديم والحديث.
والثاني: أنَّ هذه الكتب تدرس في سنوات الكُلِّيَّة الأربع، ويأخذ الطلبة نماذج منها مع التعريف بكل كتابٍ ومؤلفه.

 

ص -9-           أما الباب الرابع: فقد ذكرت فيه التدوين في القرنين الرابع والخامس، وذلك في فصلين:
الأول: عن التدوين في القرن الرابع الهجري، وفيه فقرتان:
الأولى: تعريفٌ موجزٌ ببعض الكتب المدوَّنة في السُّنَّة في هذا القرن وهي سبعة كتب: -
1- صحيح ابن خزيمة.
2- صحيح ابن حبان.
3- مستدرك الحاكم.
4- شرح مشكل الآثار للطحاوي.
5- المعجم الكبير للطبراني.
6- سنن الدارقطني.
7- السنن الكبرى للبيهقى.
والفقرة الثانية: عن كتب المستخرجات.
والفصل الثاني: خصصته للتدوين في القرن الخامس الهجرى.
وقد اشتمل على موضوعين:
الأول: ذكر أهم الكتب المؤلفة في الجمع بين الكتب الستة أو بعضها.
والثاني: تعريفٌ موجزٌ بثلاثة كتب هى:
1- شرح السُّنَّة للبغوي.
2- مصابيح السُّنَّة للبغوي أيضاً.
3- جامع الأصول لابن الأئير.

 

ص -10-         وفي الباب الخامس تكلمت عن: "اتجاه التدوين بعد القرن الخامس الهجري" وجعلته فصلين مهَّدتُ لهما بتعريفٍ موجزٍ بأحوال العالم الإسلامي خلال القرون الأربعة من القرن الخامس إلى نهاية الفرن التاسع تقريباً وذلك في فقرتين: -
الأولى: عن أهم المحن والفتن التي واجهت المسلمين عموماً وأهل السُّنَّة خصوصاً.
والثانية: عن جهود العلماء في مقاومة هذه الفتن والمحن وإبراز جهود أهل السُّنَّة في ذلك مع بيان أنهم كانوا هم المنقذ - بعد الله - للمسلمين مما تردَّوا فيه من البدع والخرافات وجميع الانحرافات.
أما الفصل الأول: فقد تضمن الكلام عن الكتب التي أُلِّفت في موضوعات خاصة محدودة مثل:
1- كتب الموضوعات.
2- كتب الأحكام.
3- كتب الغريب.
4- كتب الترغيب والترهيب.
والفصل الثاني: عن كتب الموضوعات الشاملة العامة مثل: كتب الأطراف والتخريج والزوائد والمجاميع ونحوها.
ولعلَّه بهذا البيان الموجز عما تضمَّنه هذا الكتاب يتبيَّن المراد من العنوان: "تدوين السُّنَّة النبوية نشأته وتطوره".

 

ص -11-         وبعد: فهذا تلخيصٌ موجزٌ لتلك الجهود الخيِّرة المباركة التي قدمها سلفنا الصالح عبر عصوره المختلفة في خدمة الإسلام عموماً والسُّنَّة المطهَّرة على وجه الخصوص.
وفي الختام أحب أن أنبِّه على الأمور التالية:
1- أن سبب اقتصاري على القرون التسعة الأولى هو أنه لم يعد في العصور التالية لها تجديد ولا ابتكار، وما كان من جهود في خدمة السُّنَّة بعد ذلك إنما هو بمثابة تكرار لجهود السابقين أو خدمة لها بالشروح والتلخيصات والتعليقات ونحو ذلك.
2- أنه كانت هناك جهود مخلصة ومباركة لعلماء الهند بعد القرن التاسع لخدمة السُّنَّة وذلك من خلال عنايتهم بكتب السلف، روايةً وسماعاً وشرحاً وتعليقاً ونحو ذلك، وعلى رأس تلك الكتب التي اعتنوا بها الكتب الستة، وكذلك من خلال التصنيف في علوم الحديث المختلفة وغير ذلك من المجالات مما لا يتسع المقام لبسطه.
3- عاد للحرمين شيء من مكانتهما العلمية بعد القرن التاسع، وذلك بعد أن فقدت تلك المكانة منذ القرن الثالث الهجري تقريباً، وذلك بسبب تسلط الروافض في هذين البلدين على الولاية والمنبر، نص على ذلك كل من: الإمام ابن تيمية في المجلد الثامن والعشرين من "الفتاوى"، والحافظ الذهبي في كتابه "معرفة الأمصار ذوات الآثار"، وشمس الدين السخاوي في كتابه "التحفة اللطيفة" وكذلك أشار إلى ذلك ابن بطوطة في رحلته.

 

ص -12-          إذ بعد دخول العثمانيين أرض الشام ومصر والحجاز كان لهم جهودٌ مشكورةٌ في قمع الروافض في الحجاز وفي غيره من ديار الإسلام، كما كان لأسلافهم التركمان والسلاجقة مثل ذلك الموقف مع الروافض والباطنيين في زمانهم.
وكان ممن له جهود في خدمة السُّنَّة فيما بعد القرن العاشر الهجري كل من: عبد الرؤف المناوي ( ت 1031 ه )، وعلي القاري ( ت 1014 ه )، ومحمد عبد الهادي السندي ( ت 1138 ه ) وغيرهم.
4- قامت في جزيرة العرب نهضة علمية سلفيَّة على منهاج أهل السُّنَّة والجماعة مستنيرة بجهود مدرسة شيخ الإسلام الحافظ أبي العباس ابن تيمية وتلاميذه، وذلك على يد شيخ الإسلام المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه وأحفاده منذ القرن الثاني عشر الهجري، ومازلنا نعيش بفضل الله على آثار تلك النهضة السلفيَّة المباركة، والتي أعادت لأهل السُّنَّة مكانتهم ورفعت رؤوسهم بعد أن طغت البدع وانتفش أصحابها على أهل السُّنَّة في الأعصار المتأخرة.
5- كان لكل من الشيخ أحمد بن محمد بن شاكر- رحمه الله - والشيخ محمد ناصر الدين الألباني – حفظه الله - جهود طيبة ومفيدة في هذا القرن في خدمة السُّنَّة وعلومها تحقيقاً وتخريجاً وغير ذلك.

 

ص -13-         6- أن من كَتَبَ في التدوين وما يتعلق به قبلي اقتصروا على الكلام عن ذلك في القرن الأول وبعضهم توسع قليلاً إلى القرن الثالث مع الاختصار في ذلك، وأكثر من توسع في هذا فيما اطلعت عليه: الشيخ أبو زهو في كتابه "الحديث والمحدثون"، لكنني سلكت منهجاً غير الذي سلك في كتابه، وذلك أنني راعيت المنهج المقرَّر في الكُلِّيَّة قدر الإمكان، وأسال الله التوفيق والسَّداد لما يحبه ويرضاه.
وكتبه محمّد بن مطر الزهراني
في المدينة النَّبويَّة حرسها الله
في الخامس عشر من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة واثني عشر من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

ص -14-         تمهيد
قبل أن أشرع في بيان أبواب وفصول هذا الكتاب أحب أن أمهِّد بين يدي أبحاثه وموضوعاته بشرح عنوانه:
فالتدوين في اللغة: تقييد المتفرق وجمع المتشتت في ديوان ؛ ومنه جمع الصحف في كتاب، وهو فارسي معرَّب. 1
وفي الاصطلاح: يستعمل التدوين بمعنى التصنيف والتأليف.
أما السُّنَّة في اللغة: فهي السيرة والطريقة حسنة كانت أو قبيحة.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:
"من سنَّ في الاسلام سُنِّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئأ، ومن سنَّ في الإسلام سُّنَّة سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً". 2
ومنه قول خالد بن زهير الهذلي:

فلا تجزعن من سُّنَّةٍ أنت سرتها                      فأول راضٍ سُّنَّةً من يسيرها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: مادة "دون" في الصحاح للجوهري، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، وتاج العروس للزبيدي.
2 رواه مسلم في كتاب العلم من صحيحه ح: 15.

 

ص -15-         ومن معانيها في اللغة أيضاً: حسن الرعاية والقيام على الشيء، وذلك من قول العرب: "سنَّ الرجل إبله إذا أحسن رعايتها والقيام عليها". 1
وفي الاصطلاح: تطلق السُّنَّة ويراد بها عدة اصطلاحات: -
1- قال ابن منظور: "وقد تكرر في الحديث ذكر السُّنَّة وما تصرف منها والأصل فيه: الطريقة والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد بها ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه وندب إليه قولاً وفعلاً مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسُّنَّة، أي القرآن والحديث". 2
2- وقال الإمام الشاطبي: "ويطلق لفظ السُّنَّة أيضاً في مقابلة البدعة، فيقال: فلان على سُّنَّةٍ، إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: فلان على بدعةٍ، إذا عمل على خلاف ذلك". 3
ثم قال أيضاً: "ويطلق لفظ السُّنَّة على ما عمل عليه الصحابة، وُجد ذلك في الكتاب أو لم يوجد، لكونه اتِّباعاً لسُنَّةٍ ثبتت عندهم لم تُنقل إلينا أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: مادة "سنن" في الصحاح ولسان العرب لابن منظور.
2 انظر: مادة "سنن" في لسان العرب.
3 انظر: الموافقات للشاطبي 4 / 3 – 4.

 

ص -16-         خلفائهم لقوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديين". 1
وبعد أن استقرت المصطلحات، وقعدت العلوم الاسلامية، أصبح للفظ السُّنَّة مفهومات ومصطلحات جديدة منها:
1- ما يذكره المحدثون في كتبهم: "كل ما أُثِر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفةٍ". 2
2- ما يذكره علماء أصول الفقه: "كل ما صدر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ مما يصلح أن يكون دليلاً لحكمٍ شرعى". 3
3- ما يذكره الفقهاء في كتبهم: "ما في فعله ثوابٌ وفي تركه ملامةٌ وعتابٌ لا عقاب". 4

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رواه أحمد في المسند 4 / 126 – 127، وأبو داود في السنة من سننه 5 / 13 ح: 4607، وأبو عيسى الترمذي في كتاب العلم من جامعه 5 / 44 ح: 2676 وقال: "حسن صحيح"، ورواه أيضاً ابن ماجه في سننه 1 / 43 ح: 96.
2 فتح المغيث للسخاوي 1 / 6.
3 ابن النجار: شرح الكوكب المنير 2 / 159 – 160، ومذكرة أصول الفقه للأمين الشنقيطي ص: 95.
4 قاسم القونوي: أنيس الفقهاء ص: 106. 

 

ص -17-         أو: "ما أمر به أمراً غير جازم" 1
وجملة تدوين السُّنَّة من باب الإضافة المعنوية الحقيقية المحضة، وذلك لأن الإضافة فيه بمعنى اللام وإنها مؤثرة في المضاف تعريفاً حيث أضيف إلى معرفة فاكتسب التعريف من إضافته إليها 2، والله أعلم.
أما جملة: نشأته وتطوره فتقدم الكلام على ذلك في المقدمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ابن النجار: شرح الكوكب المنير 2 / 159 – 166، ومذكرة الشيخ الأمين في الأصول ص: 16.
2ابن مالك: شرح الكافية الشافية 2 / 909.