المقترب في بيان المضطرب

القسم الأول: الحديث المضطرب تعريفاً ودراسة

ص -19-         تمهيد: (الخبر باعتبار طرقه، أسباب الضعف في الحديث، أنواع المخالفة) .
الخبر باعتبار طرقه:
الخبر إمّا أن يكون له طرق بلا حصر أو مع الحصر.
فالأول: المتواتر، والثاني: الآحاد.
والحديث المتواتر: هو مارواه جمع كثير عن جمع كثير من أول السند إلى منتهاه، وتحيل العادة تواطؤهم أو توافقهم على الكذب ويكون مستند خبرهم الحس1.
وهذا النوع ليس من مباحث علم الإسناد؛ إذ علم الإسناد يُبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه ؛ ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال وصيغ الأداء والتواتر لايبحث عن رجاله بل يجب العمل به من غير بحث فكله مقبول لإفادته القطع بصدق مخبره وإنما أدخل في مباحث المصطلح من باب اتمام القسمة لطرق الخبر، مع تنبيه أهل الفن أنه ليس من مباحث الإسناد 2.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر الكفاية في علم الرواية للخطيب (16).
2 انظر الكفاية للخطيب (16، 433ـ 434) وعلوم الحديث لابن الصلاح (453ـ 454) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر للحافظ ابن حجر(60).

 

ص -20-         والثاني الآحاد: وهو مالم يجمع شروط المتواتر1.
وهو ثلاثة أقسام: (مشهور، عزيز، غريب) .
فالمشهور: مارواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة مالم يبلغ حدّ التواتر2.
والعزيز: هو أن لايقل عدد رواته عن اثنين في جميع طبقات السند ولايبلغ حدّ المشهور.
والغريب: هو ماينفرد بروايته راوٍ واحد في إحدى طبقات السند3.
وفي الآحاد المقبول: وهو ماترجح صدق المخبر به، والمردود: وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به.
ووجد فيها المقبول والمردود ؛ لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون الأول أي المتواتر .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر الكفاية للخطيب (16ـ 17).
2 انظر علوم الحديث لابن الصلاح (450ـ 455) ومحاسن الاصطلاح وتضمين علوم الحديث لابن الصلاح للبلقيني (450ـ 455) والتقييد والايضاح  شرح مقدمــــة ابن الصلاح للعراقي (223ـ 232) والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (2/ 427ـ 440) وتدريب الراوي في شرح تقريب النووي للسيوطي (2/ 160ـ 167).
3 انظر لتعريف العزيز والغريب علوم الحديث لابن الصلاح (456ـ 457) و محاسن الاصطلاح للبلقيني (456ـ 457) والتقييد والايضاح للعراقي (233ـ 235) والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (2/441ـ 442)  وتدريب الراوي للسيوطي (2/167ـ171).

 

ص -21-         والمقبول يجب العمل به وإنما وجب العمل بالمقبول منها ؛ لأنها إمّا أن يوجد فيها أصل صفة القبول وهو ثبوت صفة الناقل أو أصل صفة الرد وهو ثبوت كذب الناقل أوْ لا1.
فالأول: يغلب على الظن ثبوت صدق الخبر لثبوت صدق ناقله فيؤخذ به.
والثاني: يغلب على الظن كذب الخبر لثبوت كذب ناقله فيطرح.
والثالث: إن وجدت قرينة تلحقه بأحد القسمين التحق به وإلا فيتوقف فيه، وإذا توقف فيه عن العمل به، صار كالمردود لا لثبوت صفة الرد بل لكونه لم توجد فيه صفة توجب القبول2.
وخبر الآحاد لا يحصل العلم بصدق المخبر به إلا للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة المطلع على العلل.
والخبر المقبول باعتبار مراتبه ينقسم إلى أربعة أنواع:
(صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن لذاته، حسن لغيره) ؛ لأنه إمّا يشتمل من صفات القبول على أعلاها أوْ لا.
فالأول الصحيح لذاته: وهو مانقله عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر علوم الحديث لابن الصلاح (288 ـ 311).
2 انظر الكفاية للخطيب (18)  وعلوم الحديث لابن الصلاح (247).

 

ص -22-         والثاني: إن وجد ما يجبر ذلك القصور ؛ ككثرة الطرق: فهو الصحيح أيضاً لكن لا لذاته بل لغيره1.
وحيث لا جبران لذلك القصور فهو: الحسن لذاته، وإن قامت قرينة ترجح جانب قبول ما يتوقف فيه فهو: الحسن أيضاً لكن لا لذاته بل لغيره2.
وتتفاوت رتب الصحيح بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنها لما
كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق
بعض بحسب الأمور المقوية لها.
وإذا كان كذلك فمايكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح ممّا دونه.
والخبر المردود: هو الذي لم يترجح صدق المخبر به 3.
أسباب الضعف في الحديث:
 وموجب الرد أحد أمرين: "السقط" و "الطعن".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر علوم الحديث لابن الصلاح (151ـ 173) ومحاسن الاصطلاح للبلقيني(151ـ173) والتقييد والايضاح للعراقي (6ـ 30)  والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (1/ 41ـ 82) وتدريب الراوي للسيوطي (1/ 47ـ 127).
2 انظر الكفاية للخطيب (23ـ 25) وعلوم الحديث لابن الصلاح (174ـ 189)  ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (174ـ 189)  والتقييد والايضاح للعراقي (30ـ 47)  والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (1/ 83ـ 102)  وتدريب الراوي للسيوطي (1/128ـ 151).
3 انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (188ـ 198) ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (188ـ189) والتقييد والايضاح للعراقي (48) والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (1/ 103ـ 108) وتدريب الراوي للسيوطي (151ـ 153).

 

ص -23-         أولاً: (السقط في السند) وهو إمّا ظاهر أو خفي.
(أ) السقط الظاهر: (معلق، مرسل، معضل، منقطع) .
فهو إمّا أن يكون من مبادىء السند من تصرف المصنف وهو: "المعلق".
أو يكون من آخر الإسناد بعد التابعي وهو: "المرسل".
أو يكون السقط باثنين فصاعداً على التوالي فهو "المعضل".
وإلا "فالمنقطع" وهو ما سقط منه واحد أو أكثر لكن بشرط عدم التوالي.
وهذا السقط ظاهر لحصول الاشتراك في معرفته دون خفاءٍ أو لبسٍ ؛ لأنه يُدرك بعدم التلاقي1.
(ب) السقط الخفي: (تدليس، إرسال خفي)
وهذا السقط هو أن يرد بصغية تحتمل وقوع السماع "كعن" و "قال".
فإن كان بقصد إيهام السماع فهو: "التدليس" .
وإن كان بغير قصد إيهام السماع فهو: "المرسل الخفي".
وهذا السقط خفي ؛ لأنه لا يدركه إلا الأئمّة الحذاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد2.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر علوم الحديث لابن الصلاح (202ـ 229)  ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (202ـ229)  والتقييد والايضاح للعراقي (55ـ 78)  والمقنع في علوم الحديث لابن  الملقن (1/129ـ 153)  وتدريب الراوي للسيوطي (1/ 167ـ 196).
2 انظر الكفاية للخطيب (355ـ 371)  وعلوم الحديث لابن الصلاح (230ـ 236) و (483ـ 484)  ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (230ـ 236) و(483ـ 484)  والتقييد والايضاح(78ـ 83)  والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (1/ 154ـ 164) و(2/487ـ489)  وتدريب الراوي للسيوطي (1/196ـ 204)و (2/188ـ 189).

 

ص -24-         ثانياً: الطعن في الراوي: وهو: جرحه باللسان والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه ومن ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه.
وعليه فالطعن إمّا في "العدالة" أوْ في "الضبط" .
(أ) الطعن في العدالة: الكذب في الحديث النبوي1.
-  التهمة بالكذب بأن لايروى ذلك الحديث المخالف للقواعد المعلومة إلا من جهته.
الفسق بالفعل أو القول مما لايبلغ الكفر.
البدعة: وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم بنوع شبهةٍ لا بالمعاندة2.
الجهالة بأن لايعرف فيه تعديل ولا تجريح معين3.
(ب) الطعن في الضبط:
فحش الغلط بأن يكثر غلطه على صوابه4.
سوء حفظه بأن لا يكون غلطه أقل من صوابه.
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر الكفاية للخطيب (177ـ 120) وعلوم الحديث لابن الصلاح (279ـ 283) والتقييد والايضاح للعراقي (109ـ 113).
2  انظر الكفاية للخطيب (120ـ 132).
3 انظر الكفاية للخطيب (88ـ 92).
4 انظر الكفاية للخطيب (140ـ 143).

 

ص -25-         الغفلة فلايكون متقناً فيدخل عليه ماليس من حديثه1.
 كثرة الوهم بأن يروي على سبيل التوهم2.
 مخالفة الثقات3.
أنواع المخالفة:
مخالفة الثقات أحد الأمور التي يطعن بها الراوي في ضبطه للحديث وهي على أنواع:
-  فإن كانت بتغيير السياق فمُدْرَج الإسناد.
-  وإن كانت بدمج موقوف بمرفوع فمُدْرَج المتن.
 وإن كانت بتقديم أو تأخير فالمقلوب.
 وإن كانت بزيادة راوٍ فالمَزِيد في مُتَصِل الأسانيد.
 وإن كانت بإبدال الراوي ولامرجح فالمُضطَرِب.
 وإن كانت بتغييرٍ مع بقاء السياق فالمُصَحّف والمُحَرّف.
فالناتج من المخالفة الأنواع التالية: "المدرج"4 ، "المزيد في متصل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر الكفاية للخطيب (147ـ 151).
2 انظر الكفاية للخطيب (143ـ 144).
3 انظر علوم الحديث لابن الصلاح (288ـ 311). والتمهيد من نزهة النظر (52- 140) للحافظ.
4 انظر علوم الحديث لابن الصلاح (274 ـ 278) ؛ ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (274ـ278) والتقييد والايضاح للعراقي (106-  109)  والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (1/227ـ231)  وتدريب الراوي للسيوطي (1/ 239 ـ 246).

 

ص -26-         الأسانيد"1، "المقلوب" 2، "المضطرب"3، "المصحف والمحرف"4.
وستكون دراستي بإذن الله تعالى عن نوعٍ واحد من هذه الأنواع الناتجة من المخالفة ألا وهو (المضطرب) 5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر علوم الحديث لابن الصلاح (480 ـ 482)  ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (480ـ482)  والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (2/ 483 ـ 486)  وتدريب الراوي للسيوطي (2/ 186 ـ 188).
2 انظر علوم الحديث (284- 287) لابن الصلاح والتدريب (1/260- 267) للسيوطي.
3 انظر علوم الحديث لابن الصلاح (269 ـ 273)  ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (269ـ273)  والمقنع في علوم الحديث لابن الملقن (221 ـ 226)  والتقييد والايضاح للعراقي (104 ـ 106)  وتدريب الراوي للسيوطي (1/ 234 ـ239).
4 انظر علوم الحديث (471) لابن  الصلاح والتدريب (2/178- 180) للسيوطي.
5 (فائدة): قال الحازمي: "اعلم أن علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تقرب من مائة نوع، وكل نوع منها علم مستقل لو أنفق الطالب فيه عمره لما أدرك نهايته" أهـ. نقله الزركشي في النكت (1/58).

 

ص -27-         (أهمية معرفة المضطرب) .
الاضطراب في الحديث علة خفية لايطلع عليها إلا مَنْ (هو مِنْ أهل المعرفة بالحديث وقوانينه التي لايعرفها إلامن طال اشتغاله به) 1. وتمرس في هذا العلم برهةً من الزمن وكان له نظر واسع في طرق الحديث.
فيقال في الاضطراب ما يقال في العلة قال ابن الصلاح رحمه الله في كتابه الماتع علوم الحديث: "اعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها وإنما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب.
وهي عبارة عن أسباب خفية قادحة فيه فالحديث المعلل: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.
ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذاالشأن على إرسالٍ في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديثٍ في حديث أو وهم واهم لغير ذلك، بحيث يغلب علىظنه ذلك فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ماوجد ذلك فيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النبلاء (19 / 278) للذهبي.

 

ص -28-         وكثيراً مايعللون الموصول بالمرسل مثل أن يجيء الحديث بإسناد موصول ويجيء أيضاً بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول ولهذا اشتملت كتب علل الحديث على جميع طرقه قال الخطيب أبوبكر: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط وروى عن علي بن المديني قال: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبن خطؤه.
ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر وقد تقع في متنه ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعاً كما في التعليل بالإرسال والوقف وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن"1 اه.
وقال العلائي رحمه الله عن العلة: "وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً ولايقوم به إلا من منحه الله تعالى فهماً غايصاً واطلاعاً حاوياً وإدراكاً لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك" 2 اه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث لابن الصلاح (259 ـ 260).
2 النكت على كتاب ابن الصلاح للحافظ ابن حجر (2/ 714).

 

ص -29-         ومن أهمية الموضوع أنه يدفع التناقض عن السنة والطعن في الرواة وقلة الثقة بنقلهم. ولذلك لمّا اختلفت الروايات في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم هل كان إفراداً أو قراناً أو تمتعاً ؟ [اعترض بعض الملاحدة على هذا الاختلاف وقالوا هي فعلة واحدة فكيف اختلفوا فيها هذا الاختلاف المتضاد ؟ وهذا يؤدي إلى الخلف في خبرهم وقلة الثقة بنقلهم.
وعن هذا الذي قالوه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن الكذب إنمّا يدخل فيما طريقه النقل ولم يقولوا: إنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: إني فعلت كذا بل إنما استدلوا على معتقده بما ظهر من أفعاله عليه السلام وهو موضع تأويل والتأويل يقع فيه الغلط فإنما وقع لهم فيما طريقه الاستدلال لا النقل.
والجواب الثاني: أنه يصح أن يكون صلى الله عليه وسلم لما أمر بعض أصحابه بالإفراد وبعضهم بالقران وبعضهم بالتمتع أضاف النقلة إليه صلى الله عليه وسلم ذلك فعلاً وإن كان إنما وقع ذلك منه عليه السلام قولاً. فقالوا: فعل صلى الله عليه وسلم كذا كما يقال رجم النبي صلى الله عليه وسلم مَاِعزاً وقتل السلطانُ اللصَّ أي أمر صلى الله عليه وسلم برجمه وأمر السلطان بقتله.
والجواب الثالث: أنه يصح أن يكون عليه السلام قارناً وفَرَّق بين زمان إحرامه بالعمرة وإحرامه بالحج فسمعت طائفة قوله أولاً "لبيك بعمرة" فقالوا:

 

ص -30-         كان معتمراً وسمعت طائفة قوله آخراً "لبيك بحج" فقالوا كان مفرداً وسمعت طائفة القولين جميعاً فقالوا كان قارناً]1.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: "ومن تأمّل ألفاظ الصحابة وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض واعتبر بعضها ببعض وفهم لغة الصحابة أسفر له صبح الصواب وانقشعت عنه ظلمة الاختلاف والاضطراب والله الهادي لسبيل الرشاد والموفق لطريق السداد"2 اه.
وتتجلى أهمية الموضوع أيضاً لكونه [يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجدوى في علم الحديث: وهي الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرق ورد بعضها إلى بعض إمّا بتقييد الاطلاق أو تفسير المجمل أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع أو اعتقاد كونها وقائع متعددة]3.
ومن أهميته أن الحديث قد يرد مرة مسنداً ومرة مرسلاً أو يختلف اسم الصحابي فمرة عن أنس ومرة عن عبدالله بن عباس فيظن باديء الرأي أنه متابع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من كلام المازري المعلم بفوائد مسلم  (2/ 53) وانظر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (2/ 107 ـ  122) وطرح التثريب في شرح التقريب للعراقي (6/ 16 ـ 28) وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر (3/ 421 ـ 432).
2 نقله عنه ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (2/ 121) وانظر: اكمال المعلم (4/233) للقاضي عياض والمفهم (3/298) للقرطبي.
3 من كلام العلائي في نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد (111 ـ 112)

 

ص -31-         أو شاهد وهو في الأصل سند واحد اضطرب على راويه؛ قال ابن دقيق العيد (لأن المعروف عندهم أن الطريق إذاكان واحداً ورواه الثقات مرسلاً وانفرد ضعيف برفعه أن يعللوا المسند بالمرسل ويحملوا الغلط على رواية الضعيف) 1.
وقال العلائي: "بعض المراسيل رويت من وجوه متعددة مرسلة والتابعون فيها متباينون فيظن أن مخارجها مختلفة وأن كلاً منها يعتضد بالآخر ثم عند التفتيش يكون مخرجها واحداً ويرجع كلها إلى مرسل واحد" 2اه.
ومن أهميته أنه يدرس الأحاديث مبيناً طرقه واختلاف الرواة فيه وهذا من أعلى مراتب التصنيف فيه.
قال ابن الصلاح: "إنّ من أعلى المراتب في تصنيفه3 معللاً بأن يجمع في كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه كما فعل يعقوب بن شيبة في مسنده"4اه.
ومن أهميته أن الرواة قد يضطربون في الاسم في السند أو في المتن فمن خلال دراسة الحديث قد نستطيع بيان الراجح في الاسم قال ابن عدي في ترجمة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي (3/ 8).
2 جامع التحصيل في أحكام المراسيل (45).
3 أي الحديث.
4 علوم الحديث (434) وانظر الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع  للخطيب (2/294) وشرح العلل (2/892)لابن رجب.

 

ص -32-         عمر بن مساور: "واختلفوا في هذا الاسم فقال بعضهم عمر بن "مسافر" وقال "عمر بن مسادر" وقالوا "عمر بن سافر" وقال "عمر بن مساور كما أمليت وبينت وصواب هذا كما ذكرت في الترجمة "عمر بن مساور"" 1اه.
وقد لا نستطيع ولذلك قال ابن عبد البر لمّا اختلف في اسم أبي هريرة على وجوه كثيرة: "ولكثرة الاضطراب فيه لم يصح عندي في اسمه شيء يعتمد عليه"2اه.
ومن أهميته معرفة صحة الحديث من سقمه:
قال ابن رجب رحمه الله: "اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين:
أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم ومعرفة هذا هَيّن ؛لأنّ الثقات والضعفاء قد دونوا في كثيرٍ من التصانيف وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف.
والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إمّا في الإسناد وإمّا في الوصل والإرسال وإمّا في الوقف والرفع ونحو ذلك وهذا هو الذي يحصل من معرفته واتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث" 3اه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الكامل في ضعفاء الرجال (5/62).
2 الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى (1/346).
3 شرح العلل (2/663) وانظر المغني (1/3 -  4) للعراقي.

 

ص -33-         عودٌ على بدءٍ:
فمن خلال ما سبق يظهر جلياً أهمية دراسة هذا النوع من علوم الحديث وإفراده في رسالة علمية مختصة.

 

ص -35-         الفصل الأول: الاضطراب لغة.
أصل كلمة (اضطرب) ضرب.
ومادة الضاد والراء والباء أصل واحد ثم يستعار ويحمل عليه1.
والضرب: إيقاع شيء على شيء2.
والموج يضطرب: أي يضرب بعضه بعضاً، وتضرب الشيء واضطرب تحرك وماج1.
والاضطراب: كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض2.وعبر به عن الأشياء المختلفة فقيل: حاله مضطرب أي مختلف3.
وكلمة الاضطراب تدل على حركة وعدم ثبات الشيء واختلاله وعدم انضباطه.
يقال: اضطرب الحبل بين القوم إذا اختلفت كلمتهم4 واضطرب أمره

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 معجم مقاييس اللغة (3/397) لابن فارس.
2 المفردات(295) للراغب الأصبهاني.
3 لسان العرب (8/35) لابن منظور.
4 المفردات(295) للراغب ومنه قول الإمام أحمد : "أنا اختار للرجل الاضطراب في الرزق" اهـ الحث على التجارة (90) للخلال ، وانظر المفهم (5/201) للقرطبي.
5 عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ (2/433) للحلبي ومن ذلك ما قاله الخطيب في تاريخ بغداد (6/250) في ترجمة أبي العتاهية الشاعر المعروف: "وأبو العتاهية لقب لقب به لاضطراب كان فيه" اهـ.
6 تهذيب اللغة (12/20) للأزهري.

 

ص -36-         اختل1 واضطرب تحرك وماج2.
وفي حديث خَبَّاب بن الأرت رضي الله عنه لما سُئِل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلمفي الظهر والعصر كيف تعرفونها ؟
قال: باضطراب لحيته3. أي بتحركها وعدم ثباتها.
وزن الكلمة:
للكلمة عدة أوزان:
1-  افْتَعَل: اضطرب4.                 3-  مُفْتَعِل: مضطرب5.
2-  تَفْتَعِل: تضطرب.                  4 -  افْتِعَال: اضطراب6.
ضبط كلمة مضطرب:
يجوز في الراء من كلمة مضطرب الفتح على اعتبار اسم المكان و الكسر على اعتبار اسم الفاعل لغة.
والذي درج عليه أهل الحديث الكسر7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مختار الصحاح (379) للرازي.
2 القاموس المحيط (1/99) للفيروزآبادي.
3 أخرجه البخاري في الجامع الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (2/245رقم760- فتح ).
4 النهاية في غريب الحديث والأثر (3/80) لابن الأثير.
5 النهاية (3/78) لابن الأثير.
6 (فائدة ) : إنما قلبت تاء الافتعال طاء ؛ لأن تاء الافتعال إذا وقعت بعد حرف من حروف الإطباق وهي الصاد والضاد والطاء والظاء وجب إبدالها (( طاء )) انظر شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (2/455) وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (4/339) لابن هشام.
7 انظر : فتح المغيث (1/274) للسخاوي وظفر الأماني بشرح مختصر الجرجاني (398) للكنوي وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (132) للقاسمي.
وزاد اللكنوي : (( وقيل بفتحها )) وفيه إشعار بتضعيف هذا القول.

 

ص -37-         الفصل الثاني: المضطرب اصطلاحاً
قال ابن الصلاح: "المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان"1اه.
ويمكن أن يختصر كلامه رحمه الله بما يلي:
هو الحديث المروي على أوجه مختلفة مؤثرة متساوية ولا مرجح.
شرح التعريف:
قوله (الحديث) الحديث هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة2.
ولا يطلق الحديث على غير المرفوع إلا بشرط التقييد فيقال: هذا حديث موقوف أو مقطوع وهذا عليه كثيرون3.
والحديث يشمل المتواتر والآحاد لكن مرادهم الآحاد دون المتواتر ؛ لأن خبر الآحاد تدخله التقوية والترجيح دون المتواتر، فلا تدخله التقوية والترجيح4 وهو ليس من مباحث علم الإسناد5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث (269).
2 انظر النزهة (52) للحافظ وتدريب الراوي (1/156) للسيوطي .
3 اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر (1/110) للمناوي.
4 انظر الكفاية (433) للخطيب وانظر طرح التثريب (6/148) للعراقي.
5 انظر بغية الملتمس في سباعيات حديث مالك بن أنس (40) للعلائي ونزهة النظر (52- 71) للحافظ.

 

ص -38-         والآحاد يشمل المشهور والعزيز والغريب لكن الفرد المطلق لا يدخله الاضطراب؛ لأنه لا اختلاف فيه فهو مروي على وجه واحد1.
كحديث
"إنما الأعمال بالنيات" المتفق عليه2.
رواه يحيى بن سعيد عن محمد التيمي عن علقمة عن عمر مرفوعاً فهو لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة ولا عن علقمة إلا من رواية محمد التيمي ولا عن محمد إلا من رواية يحيى بن سعيد ثم رواه الناس عن يحيى بن سعيد3.
والاضطراب يدخل الخبر مرفوعاً كان أو موقوفاً أو مقطوعا4 لكن لما كان اهتمام العلماء بالسنن أكثر انصب كلامهم على الأحاديث دون الآثار، ولذلك قل حكمهم على الآثار عموماً بالصحة أو الضعف إلا فيما لا مجال للرأي فيه.
وهو المرفوع حكماً5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بشرط الصحة ؛ لأنه قد روي من طرق معلولة : انظر تهذيب الآثار (2/786- عمر) لابن جرير.
2 أخرجه البخاري في الصحيح (1/9رقم1- فتح ) ومسلم في الصحيح (13/79رقم1907-  نووي ).
3 فتح الباري (1/11) وقال فيه الحافظ : "أطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد.
وهو كما قال لكن بقيدين :
أحدهما : الصحة ؛ لأنه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني وأبو القاسم ابن منده وغيرهما.
ثاينهما : السياق ؛ لأنه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية )) اهـ.
4 ولذلك قال ابن الصلاح : (( المضطرب من الحديث)) اهـ علوم الحديث ص269 فـ(من ) هنا بيانية.
5 انظر نزهة النظر (140- 148) للحافظ.
(فائدة) لما خرج أبو الفضل العراقي أحاديث كتاب أحياء علوم الدين للغزالي في كتابه المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من الأخبار ، لم يخرج الآثار وقال ليست من شرطه.
انظر المغني (2/1003 رقم3648).

 

ص -39-         ومثال أثر أعل بالاضطراب ما رواه عاصم بن عبيد الله عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان قال: إني لشاهد عمر بن الخطاب حين مات وهو يقول: ويل أمي إن لم يغفر لي ثلاثاً ثم قضى وما بينهما كلام1.
ثم رواه عاصم على وجه آخر.
فقال عاصم عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن عثمان به2.
فاضطرب فيه:
مرة يقول: عن أبان بن عثمان عن عثمان.
ومرة يقول: عن عبدالرحمن بن أبان عن أبيه عن عثمان.
وعاصم بن عبيد الله المدني [ ضعيف ]3.
قال الدارقطني: "الاضطراب فيه من عاصم بن عبيد الله"اه4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه أحمد في الزهد (147) وابن سعد في الطبقات (3/360) وابن شبه في تاريخ المدينة من طريقين عن عاصم.
2 أخرجه ابن شبه في تاريخ المدينة (3/919) من طريق عاصم عنه به.
3 التقريب (472رقم3082) للحافظ.
4 العلل (2/8- 9).
وانظر أمثلة أخرى في العلل (1/316) للرازي وطرح التثريب شرح التقريب (5/170) للعراقي ونصب الراية (1/353،358) للزيلعي وفتح الباري شرح صحيح البخاري (3/85) لابن رجب.

 

ص -40-         قوله (المروي على أوجه مختلفة) أخرج الفرد المطلق وما اتفقت فيه الروايات ولم تختلف1.
قال أبو داود: "الاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء وقوم على شيء"2اهـ.
وقال ابن الصلاح في المضطرب: "هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له"3اهـ.
وأفاد قوله (على أوجه مختلفة) اشتراط اتحاد المخرج، إذ لو اختلف المخرج لم يكن هناك اختلافاً بين الرواة، ولذلك أئمة أهل الحديث لا يعلون حديثاً بآخر عند اختلاف المخرج وذكر الحافظ العراقي روايات الحوض واختلاف ألفاظها ثم قال: "وكل هذه الروايات في الصحيح قال القاضي عياض: وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجباً للاضطراب ؛ فإنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعة من الصحابة"4 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 غيث المستغيث في علم مصطلح الحديث (91) للسماحي.
2 تهذيب الكمال في أسماء الرجال (26/431) للمزي.
3 علوم الحديث (269).
4 طرح التثريب (3/296) وانظر اكمال المعلم (7/259) للقاضي عياض والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/92) و(2/367) للقرطبي وفتح الباري (11/205) والنكت على ابن الصلاح (2/700) للحافظ.

 

ص -41-         وقال ابن التركماني: "إنما تعلل رواية برواية إذا ظهر اتحاد الحديث"1اهـ.
وقال ابن رجب في معرض بيانه لتعليل الأئمة حديثاً بآخر: "واعلم أن هذا كله إذا علم أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما.
وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر.
فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين"2اهـ.
وتعليلهم الحديثين المختلفين سنداً بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحاً.
أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة قال الميموني قلت ليحيى بن معين: الأحاديث التي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كراهة الحجامة للصائم كيف تأويلها ؟ قال: جياد كلها. قلت: فما يقولون: مضطربة ؟ قال: أنا لا أقول إن هذه الأحاديث مضطربة"3 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الجوهر النقي في الرد علىالبيهقي (1/279).
2 شرح العلل (2/843)وانظر أجوبة ابن سيد الناس (ق40- أ) والتلخيص الحبير (2/216) والنكت (2/791) للحافظ وفتح المغيث (1/207) للسخاوي.
3 العلل (213رقم403) وانظر طرح التثريب (8/30) للعراقي. 

 

ص -42-         قوله (مؤثرة) أخرج اختلاف التنوع في الرواية كأن يروي الحديث عن رجل مرة وعن آخر مرة، ثم يجمعهما في سند1.وكذا أخرج اضطراب الرواة في اسم الراوي ونسبه مع ثقته2.
وفي مثل هذا يقولون الاضطراب قد يجامع الصحة والحسن3.
والاختلاف المؤثر: هو المشعر بقلة ضبط راويه. قال الحافظ أثناء كلامه على حديث اختلف فيه الرواة: "التلون في الحديث الواحد، بالإسناد الواحد، مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالاً على قلة ضبطه"4 اهـ.
قوله (متساوية) أصلها سوي ومادة السين والواو والياء: أصل واحد، يدل على استقامة واعتدال بين شيئين يقال هذا لا يساوي كذا أي لا يعادله.وفلان وفلان على سوية من هذا الأمر أي سواء 5.
قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان"6اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 جزء القلتين (25- 31) للعلائي والنكت على ابن الصلاح (2/224) للزركشي.
2 الإعلام بسنته (1ق28/أ) لمغلطاي والنكت (2/773) للحافظ.
3 تدريب الراوي (1/239) وانظر النكت (2/773) للحافظ.
4 التلخيص الحبير (2/216) وانظر الموقظة (53) للذهبي.
5 المعجم (3/112) لابن فارس.
6 علوم الحديث (269).
وعلق عليه الزركشي في النكت (2/226) بقوله : "كان ينبغي أن يقول : وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت" اهـ.
ويجاب عن ابن الصلاح بأن يقال : كلامه إنما هو في الاضطراب المؤثر ، والله أعلم.

 

ص -43-         وقال العراقي: "إن الحديث المضطرب إنما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه الاضطراب"1اهـ.
ومعنى "تساوي الروايات" أن تتعارض الوجوه المقتضية للترجيح2 ؛ فإن الراوي إذا لم يكن في الدرجة العليا من الضبط ووافقه من هو مثله اعتضد وقاومت الروايتان رواية الضابط المتقن3.
قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى.."4 اهـ.
فقوله (تقاومها) أي يدفع بعضها بعضاً وقاومه في المصارعة وغيرها وتقاوموا في الحرب أي قام بعضهم لبعض5.
قوله (ولا مرجح) : الترجيح هو تقوية إحدى الروايتين على الأخرى بمرجح معتمد6، وهو يقع في الروايات التي تتعارض ولا يمكن الجمع بينها7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 طرح التثريب (2/130) والتبصرة والتذكرة (1/240).
2 انظر التقييدوالإيضاح (104) للعراقي وفتح الباري (12/11)للحافظ.
3 فتح الباري (9/401) للحافظ.
4 علوم الحديث (269) وانظر الإعلام بسنته (1ق81/ب) لمغلطاي ونصب الراية (1/253) للزيلعي.
5 لسان العرب (11/357) لابن منظور.
(فائدة) قال المعلمي في عمارة القبور (182) : "شرط الاضطراب التقاوم أي أن لا يمكن الجمع وبها الترجيح"اهـ.
6 المختبر المبتكر شرح المختصر (4/282) لابن النجار ومعالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (282) للجيزاني.
7 الإشارة في معرفة الأصول (303) للباجي.

 

ص -44-         والأصل عند الاختلاف بين الروايات أن يجمع بينها برابط يزيل الاختلاف، فالترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع1؛ لأن الجمع أولى منه إذا أمكن2.
قال الحافظ: "الجمع بين الروايتين أولى ولا سيما إذا كان الحديث واحداً والأصل عدم التعدد"3 اهـ.
وقال ابن دقيق العيد في معرض بيانه للاضطراب: "إن أمكن الجمع بين تلك الوجوه بحيث يمكن أن يكون المتكلم معبراً باللفظين الواردين عن معنى واحد فلا إشكال"4اهـ.
وقال اللقاني55: "لا اضطراب إذا أمكن الجمع بين جانبي الاختلاف وإن لم يترجح شيء"6اهـ.
فإن لم يمكن الجمع بأن يكون الجمع تعسفاً7 صير إلى الترجيح بين الروايات،فإن ترجحت إحدى الروايات فالعمل بالأرجح واجب8، والمرجوح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر طرح التثريب (2/275) و(5/32) للعراقي وهدي الساري (347) للحافظ وتحفة الأبرار بنكت الأذكار (63) للسيوطي.
2 انظر المفهم (3/280،298،407) للقرطبي.
3 التلخيص الحبير (3/207) وانظر فتح الباري (3/100) له أيضاً.
4 الاقتراح (220- 221).
5 هو (( إبراهيم بن إبراهيم اللقاني المالكي الإمام ت1041هـ واللقاني بفتح اللام نسبة إلى قرية من قرى مصر )).خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (1/6- 9) للمحبي.
6 قضاء الوطر من نزهة النظر (ق205/ب ).
7 انظر المفهم (5/310) للقرطبي وهدي الساري (376) للحافظ.
8 قال الحافظ في الإصابة (10/196) : "الحكم للراجح بلا خلاف"اهـ وانظر : هدي الساري (348) ونتائج الأفكار (1/218) للحافظ.

 

ص -45-         مطرح ؛ لامتناع إسقاط الراجح بمعارضة المرجوح1؛ إذ لا أثر للمرجوح2.
وأوجه الترجيح كثيرة لا تنحصر ؛ لأن ما يحصل به تغليب ظن على ظن كثير جداً.
قال العلائي: "وجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر. ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث. بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص"3 اه.
والضابط في الترجيح: أنه متى اقترن بإحدى الروايتين ما يقويها ويغلب جانبها وحصل بذلك الاقتران زيادة ظن. أفاد ذلك ترجيحها على الرواية الأخرى4.
وموطن الترجيح إذا كانت الروايات في درجة القبول أما مع تحقق بطلان أحدها فلا يلتفت إليه5.
وإذا رجح وجه على وجه فمعناه أن الصواب في الرواية هذا الوجه دون النظر لصحته أو ضعفه6.
وشرط الترجيح أن يكون معتمداً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شرح الإلمام (2/330،353) لابن دقيق العيد.
2 فتح الباقي على ألفية العراقي (1/241) للأنصاري.
3 نقله الحافظ في النكت (2/779).
4 انظر : الكوكب المنير (4/751- 752) لابن النجار ومذكرة في أصول الفقه (339) للشنقيطي ومعالم أصول الفقه (283) للجيزاني.
5 انظر :جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام (246) لابن قيم الجوزية.
6 انظر : التاريخ الصغير (2/183) للبخاري وتهذيب السنن (3/134) لابن قيم الجوزية وطرح التثريب (6/118) للعراقي.

 

ص -46-         قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة1.
فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف الاضطراب ولا له حكمه"2اه
فإن لم يمكن الترجيح فهو المضطرب3.
مثال المضطرب:
حديث جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"صيد البر لكم حلال مالم تصيدوه أو يصيد لكم".
رواه عمرو بن أبي عمرو المدني فاضطرب فيه:
مرة قال: عن المطلب عن جابر مرفوعاً4.
ومرة قال: عن المطلب عن أبي موسى مرفوعاً5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر حول الترجيح والمرجحات : الناسخ (11- 23) للحازمي والتقييد والإيضاح (289) للعراقي وتدريب الراوي(2/198) للسيوطي والكوكب المنير (4/751- 752) لابن النجار ومذكرة في أصول الفقه (339) للشنقيطي والتعارض والترجيح بين الأدلة (2/150) للبرزنجي ومختلف الحديث وموقف النقاد والمحدثين منه (227) لأسامة خياط ومعالم في أصول الفقه (283) للجيزاني.
2 علوم الحديث (269).
3 انظر : فتح الباري (7/129) لابن رجب وهدي الساري (349) للحافظ.
4 أخرجه أحمد في المسند (3/362) وأبو داود في السنن (2/427 رقم 1851).
5 أخرجه الطحاوي في المعاني (2/171).

 

ص -47-         ومرة قال: عن رجل من بني سلمة عن جابر مرفوعا1.
والحديث مداره على عمرو بن أبي عمرو وهو موصوف بالاضطراب فالظاهر أن الاضطراب منه.
والحديث أعله ابن التركماني2 والغماري3 باضطراب إسناده.
شروط المضطرب:
 ومن خلال كلام أهل الحديث السابق نستخلص شروط المضطرب:
1-  وجود الاختلاف المؤثر.
2-  اتحاد المخرج.
3-  أن تكون الأوجه متساوية.
4-  أن لا يمكن الجمع.
5-  أن لا يمكن الترجيح.
قال الحافظ: "الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطرباً إلا بشرطين:
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح بالمرجوح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الشافعي في الأم (5/398رقم 6759) وأحمد في المسند (3/389).
2 الجوهر النقي (5/191).
3 الهداية في تخريج البداية (5/323).

 

ص -48-         ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث"1.
إشكال:
وهنا قد يظهر إشكال: قد يصف المحدث حديثاً ما بالاضطراب مع ترجيحه لرواية منها فكيف يجمع بين الوصف بالاضطراب والترجيح ؟
الجواب عن هذا الإشكال:
وعن هذا الإشكال عدة أجوبة:
الأول: [وصف بالاضطراب دون النظر إلى النتيجة والحكم النهائي، ومرادهم أن الرواة اختلفوا واضطربوا فيه والراجح من الاختلاف رواية فلان وعندها لا يكون هناك اضطراباً معلاً للرواية بل محفوظ وشاذ أو معروف ومنكر كالأحاديث المختلفة الواردة في باب مختلف الحديث مع التوفيق بينها أو الأحاديث التي قيل بنسخها مع رد دعوى النسخ]2.
ولذلك لما قال ابن الصلاح: "إنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان"3اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هدي الساري (348- 349) وانظر شرح الإلمام (2/350،353) لابن دقيق والإصابة (10/196) للحافظ وبلغة الحثيث إلى علم الحديث (26) لابن عبد الهادي وعمارة القبور (182) للمعلمي.
2 وهذا الجواب استفدته من شيخنا أبي أسامة وصي الله ، وشيخنا محمد بازمول. 
3 علوم الحديث (269).

 

ص -49-         علق عليه الزركشي بقوله: "كان ينبغي أن يقول: "وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت". وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت"1اهـ.
وقال البخاري لما سأله الترمذي عن حديث عائشة أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن قوماً يكرهون استقبال القبلة بغائط أو بول فأمر بخلائه فاستقبل به القبلة: "هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عن عائشة قولها"اهـ2.
الثاني: [وصف بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راو]3.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه ثابت بن عبيد عن القاسم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:
"ناوليني الخمرة. قلت: إني حائض ! قال: إن حيضتك ليست في يدك". ورواه عبدالله البهي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ؟
فقال أبي: حديث ثابت عن القاسم عن عائشة أحب إلي ؛ وذلك أن البهي يدخل بينه وبين عائشة عروة وربما قال: حدثتني عائشة ونفس البهي لا يحتج بحديثه وهو مضطرب الحديث"4 4اه.
وقال ابن الجوزي في معرض رده لتعليل حديث بالاضطراب: "اضطراب بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره قال الأثرم: قلت لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث ؟ فقال: حسين المعلم يجوده"اه5 5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النكت (2/226) للزركشي. وانظر التتبع (334) للدارقطني.
2 العلل الكبير (1/88- 91).
3 استفدته من أبي مالك محمد بن عمر بازمول
4 العلل (1/77) وانظر العلل الكبير (1/285- 286).
5 التحقيق (1/188) وانظر منه (152).

 

ص -50-         الثالث: أنه ترجيح افتراضي لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه ؛ لأنه أحسنها في الظاهر.
من ذلك ما سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن حديث اضطرب فيه الرواة: "الصحيح ما هو ؟ قال الله أعلم قد اضطربوا فيه والثوري أحفظهم"اهـ1.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 العلل (1/229) وانظر منه ( 1/291).

 

ص -51-         الفصل الثالث: أنواع الاضطراب وحكم كل نوع
أنواع الاضطراب:
[الاضطراب من حيث هو يرجع تارة إلى المتن وتارة إلى السند وتارة إليهما وقد يكون على شخص واحد وقد يكون على أكثر من ذلك]1.
قال ابن الصلاح: "يقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد وقد يقع ذلك من راو واحد ويقع بين رواة له جماعة"2اهـ.
والغالب أن يقع الاضطراب في السند قال الحافظ: "المضطرب وهو يقع في الإسناد غالباً3، وقد يقع في المتن لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى اختلاف في المتن دون الإسناد"4 اهـ.
وقول الحافظ (وقد يقع في المتن) أفاد أنه يقع في المتن بقلة5 وذلك ؛ لأن الاضطراب في المتن قلما يوجد إلا ومعه اضطراب في السند6.
وقد يقع فيهما ؛ لأن [ القضية مانعة خلو فيكون ذلك في المتن وفي السند معاً]7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أجوبة ابن سيد الناس (ق40/أ ).
2 علوم الحديث (270).
3 انظر فتح الباقي (1/240) للأنصاري.
4 نزهة النظر (127).
5 قضاء الوطر (ق205/ب) للقاني.
6 ظفر الأماني (398) للكنوي.
7 فتح الباقي (1/240) للأنصاري.

 

ص -52-         مثال مضطرب الإسناد:
ما رواه أبو داود في سننه حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا إسماعيل بن أمية حدثني أبو عمرو بن محمد أنه سمع جده حريثاً يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصاً فإن لم يكن معه عصاً فليخطط خطاً ثم لا يضره ما مرّ أمامه"1.
وهذا إسناد ضعيف فيه مجهولان: أبو عمرو بن محمد وجده حريث ووقع فيه اضطراب في سنده.
فرواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده عن أبي هريرة عنه به2.
فهنا قال (أبو محمد بن عمرو) وفي الذي قبله (أبو عمرو بن محمد) .
ورواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة عنه به3.
فهنا قال: (أبو عمرو بن حريث) وفيما سبق (أبو عمرو بن محمد) .
وقال هنا (عن أبيه) وفيما سبق (عن جده) .
ورواه ابن جريج قال أخبرني إسماعيل بن أمية عن حريث بن عمار عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 (1/433رقم689) ك الصلاة ب الخط إذا لم يجد عصاً.
2 أخرجه الحميدي في مسنده (2/436رقم993).
3 أخرجه أحمد في المسند (2/249).

 

ص -53-         أبي هريرة عنه به1.
فهنا قال (عن حريث بن عمار) وفيما سبق (أبو عمرو بن حريث) .
حاصل الاضطراب:
1-  إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد عن جده حريث عن أبي هريرة مرفوعاً.
2-  إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده عن أبي هريرة مرفوعاً.
3-  إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً.
4-  إسماعيل بن أمية عن حريث بن عمّار عن أبي هريرة مرفوعاً.
فالاضطراب واقع في جهتين:
الأولى: شيخ إسماعيل بن أمية:
أ-  أبو عمرو بن محمد ب-  أبو محمد بن عمرو
ج-  أبو عمرو بن حُرَيْثد-  حُرَيْث بن عمّار.
الثانية: شيخ شيخ إسماعيل بن أمية:
أ-  جده حريث ب-  جده عمرو بن حريث
ج-  أبوه حُرَيْث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه عبد الرزاق في المصنف (2/12رقم2286).

 

ص -54-         فالجهة الأولى غير مؤثرة ؛ لأنه اختلاف في نسبه لا في حاله.
أما الجهة الثانية فهي مؤثرة.
والحديث ذكره ابن الصلاح مثالاً للمضطرب1، وحكم غير واحد من الحفاظ باضطراب سنده2.
مثال مضطرب المتن:
قال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي قال سمعت ابن نمير عن أشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا إذا حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكنا نلبي عن النساء ونرمي عن الصبيان3.
وهذا إسناد ضعيف:
فيه أشعث بن سوار ضعيف.
وفيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس.
وأعل باضطراب متنه.
فرواه ابن أبي شيبة عن ابن نمير عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم"4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث (270).
2 فتح الباقي (1/244) زكريا الأنصاري.
3 السنن (3/266رقم 927) ك الحج.
4 المصنف (3/233رقم13839-  العلمية ).

 

ص -55-         فهنا جعل (التلبية والرمي عن الصبيان)
وفيما سبق (التلبية عن النساء والرمي عن الصبيان) .
والحديث أعله ابن القطان1 باضطراب متنه.
مثال مضطرب السند والمتن:
قال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبدالله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم2.
وهذا إسناد ضعيف لأمرين:
1-  الانقطاع بين عبيد الله وعمّار3.
2-  الاضطراب في سنده ومتنه.
فرواه عمرو بن دينار عن الزهري عن عبيد الله بن عبدالله عن أبيه عن عمّار بن ياسر قال: "تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المناكب"4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  بيان الوهم (3/469)
2 (1/224رقم318 ) ك الطهارة ب التيمم.
3 نصب الراية (1/155) للزيلعي.
4 أخرجه الحميدي في المسند ( 2/78 ، 79).

 

ص -56-         فهنا قال (عن أبيه) وفي الأول لم يقل.
ورواه صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس عن عمّار بن ياسر وفيه: (فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فضربوا بأيديهم إلى الأرض. ثم رفعوا بأيدهم ولم يقضوا من التراب شيئاً. فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب...)1.
فهنا جعلها ضربة واحدة. وفيما سبق ضربتين.
حاصل الاضطراب:
وقع الاضطراب في سنده وفي متنه:
أما السند:
1-  الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمّار.
2-  الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمّار.
وأما المتن:
فمرة يقول: ضربة.
ومرة يقول: ضربتين.
فهذا اضطراب في سنده ومتنه.
وقال ابن عبد البر: "أحاديث عمّار في التيمم كثيرة الاضطراب. وإن كان رواتها ثقات"اه2.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه أحمد في المسند (4/263).
2 الاستذكار (3/165).

 

ص -57-         حكم كل نوع:
لأهل الحديث في الحديث المضطرب نظرتان:
النظرة الأولى: من جهة الاضطراب:
فالاضطراب وحده موجب لضعف الحديث ؛ لأنه دليل على عدم ضبط الراوي1.
قال ابن دقيق العيد: "الاضطراب أحد أسباب الضعف"2 اهـ.
النظرة الثانية: من جهة الراوي:
فالراوي إما أن يكون في مرتبة القبول أو الاعتبار أو الترك.
فإن كان في مرتبة القبول (ثقة أو صدوق) واضطرب في الحديث ولم يضبطه، ضعف الحديث لعدم ضبطه لذلك الحديث بعينه، لا لضعفه.
قال الذهبي في معرض بيانه لاختلاف الثقات: "إذا اختلف جماعة فيه، وأتوا به على أقوال عدة فهذا يوهن الحديث ويدل على أن راويه لم يتقنه"3اهـ.
وذكر الدارقطني حديثاً مضطرباً ثم قال: "وليس فيها شيء أقطع على صحته؛ لأن الأعمش اضطرب فيه وكل من رواه عنه ثقة"4 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر علوم الحديث (270) لابن الصلاح والتلخيص الحبير (2/216) لابن حجر.
2 شرح الإلمام (1/387).
3 الموقظة (53) وانظر : الميزان (1/534- 535) والنبلاء (6/346) للذهبي وهدي الساري (348- 349) للحافظ والأجوبة المرضية فيما سئل عنه من الأحاديث المرضية (1/131) للسخاوي.
4 العلل (4ق8/أ) وانظر مسائل أبي داود للإمام أحمد (316،319).

 

ص -58-         وقال العراقي في معرض ردّه على من ضعف راوياً ثقة لحديث رواه مضطرب: "إنما نشأ ضعف هذا الحديث من اضطرابه والاختلاف في رفعه ووقفه ووصله وإرساله. واضطراب لفظه، لا من حال عبد الحميد فقد وثقه النسائي والعجلي وابن حبان"1اهـ.
وإن كان الراوي في مرتبة الاعتبار (الضعيف المنجبر) . واضطرب في الحديث، ضعف الحديث لأمرين: لضعف راويه. ولاضطرابه فيه.
قال ابن القطان في معرض بيانه لعلة حديث أعله بالاضطراب: "هذا الحديث له علتان:
إحداهما: الاضطراب المورث لسقوط الثقة به وذلك أنهم يختلفون فيه" ثم قال: "إذا كان الذي اضطرب عليه بجميع هذا أو ببعضه أو بغيره غير ثقة أو غير معروف فالاضطراب حينئذ يكون زيادة في وهنه وهذه حال هذا الخبر وهي العلة الثانية"2اهـ.
وذكر الدارقطني حديثاً مضطرباً ثم قال: "والاضطراب في هذا من عاصم بن عبيد الله ؛ لأنه كان سيئ الحفظ"3اهـ.
وإن كان الراوي في مرتبة الترك (الضعيف الذي لا ينجبر) واضطرب في الحديث، ضعف الحديث ضعفاً شديداً لأمرين: لشدة ضعف راويه ولاضطرابه فيه ومن ذلك حديث مضطرب رواه البيهقي ثم قال بعد ذكره للاضطراب: "قال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ذيل الميزان (322).
2 بيان الوهم (3/339).
3 العلل (2/22).

 

ص -59-         أبو علي الحافظ حديث إبراهيم بن يزيد مضطرب وإبراهيم ضعيف"1اهـ.
وذكر ابن رجب حديثاً مضطرباً ثم قال: "وهذا الاضطراب في الحديث الظاهر أنه من ابن أبي فَرْوة؛ لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث"2 اهـ. وابن أبي فروة هو إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة المدني. متروك3.
بيان ما يقبل التقوي:
الاضطراب من أسباب ضعف الحديث4 .
وهذا الضعف ليس شديداً بل هو من الضعف المنجبر. قال الأثرم: قلت لأبي عبدالله أبو معشر المدني يكتب حديثه ؟ فقال: عندي حديثه مضطرب لا يقيم الإسناد ولكن اكتب حديثه اعتبر به"5 اهـ.
قال الحافظ بعد ذكره حديثاً مضطرباً صححه الحاكم: "في تصحيحه نظر ؛ لأن في أبي أيوب الإفريقي -  واسمه عبدالله بن علي -  مقالاً مع الاضطراب من عاصم في سنده وتكلموا في حفظه.
وإنما قلت: حسن ؛ لاعتضاده بما قبله" 6اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 السنن الكبرى (6/140) وإبراهيم بن يزيد أبو إسماعيل المكي قال عنه الحافظ في التقريب (118رقم 274) : "متروك الحديث" اهـ وانظر السلسلة الصحيحة (2/176، 278).
2 شرح العلل (2/864).
3 التقريب (130رقم371) للحافظ.
4 شرح الإلمام (1/387) لابن دقيق العيد.
5 تاريخ بغداد (13/430) للخطيب.
6 نتائج الأفكار (1/146) وانظر منه ( 2/112).

 

ص -60-         وذكر السخاوي حديث: "العلماء ورثة الأنبياء" وخرجه ثم قال: "صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها ولذا قال شيخنا له طرق يعرف بها أن للحديث أصلاً"1 اهـ.
فإذا كان الاضطراب من الراوي المقبول أوْ الراوي الضعيف الذي ينجبر ضعفه بمتابعة أو شاهد؛ فإنه يَتَقوّى بالمجموع.
ففي السند إذا روى الحديث موصولاً ومرسلاً. وجاء ما يقويه من متابعة أو شاهد معتبر2 تقوى به.
ومثاله: ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المقاصد الحسنة (293).
2 أي يفيد في قوة الحديث ؛ لأن الشاهد قد لا يتقوى الحديث به ، كحديث عبدالله بن عمرو مرفوعاً :
"لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله" أخرجه أبو داود في السنن (رقم2489). اضطرب راويه في إسناده على أوجه. ووجدت له شاهداً من حديث عبدالله بن عمر مرفوعاً : "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز" أخرجه البزار في المسند (رقم1668- كشف ). ومدار الحديث على ليث بن أبي سليم. وهو مختلط جداً.وقد اضطرب فيه فمرة رفعه كما سبق. ومرة رواه موقوفاً على ابن عمر. ومرة رواه مقطوعاً من قول مجاهد.
فهذا لا يتقوى الحديث به ؛ لاحتمال أن يكون موقوفاً وهو مما للرأي فيه مجال أو مقطوعاً من قول التابعي فلا يتقوى بهما.
وله شاهد من حديث أبي بكرة مرفوعاً :
"لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر" أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (3/294رقم1208-  المطالب العالية ) إلا إن في إسناده راو متروكاً فلا يتقوى به.

 

ص -61-         الخطاب مرفوعاً: "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة"1.
رواه عبد الرزاق أيضاً عن معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه مرفوعاً مرسلاً2.
فاضطرب فيه عبد الرزاق مرة يصله ومرة يرسله.
وأعله الترمذي بالاضطراب3.
وقد توبع معمر:
تابعه زياد بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مرفوعاً نحوه4.
وله شاهد من حديث أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة"5.
والحديث حسنه الألباني6.
وفي المتن إذا جاء الحديث بألفاظ مضطربة. وجاء ما يقوى بعض هذه الألفاظ تقوى به.
مثاله: ما رواه عبد الأعلى الثعلبي7 من حديث علي مرفوعاً:
"من كذب في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  أخرجه الترمذي في السنن (4/251 رقم 1851).
2  أخرجه عبد الرزاق في المصنف (10/422 رقم 19568).
3  السنن (4/251).
4  أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (11/284 رقم 4448).
5  أخرجه الترمذي في السنن (4/251 رقم 1852).
6  السلسلة الصحيحة (1/2/727).
7  ضعيف.

 

ص -62-         حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة"1.
واضطرب في لفظه:
فمرة قال:
"من كذب في حلمه كلف أن يعقد بين شعيرتين"2.
ومرة قال:
"من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"3.
ومرة قال:
"اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"4.
فاضطرب فيه عبد الأعلى على الوجوه السابقة:
إلا أن قوله
"من كذب في حلمه كلف أن يعقد بين شعيرتين".
صح من حديث ابن عباس -  رضي الله عنهما -  مرفوعاً:
"من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين"5 فيتقوى به.
وقوله
"من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" متواتر6.
وأما قوله
"من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" فيبقى ضعيفاً لعدم وجود ما يقويه7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الترمذي في السنن (4/466 رقم 2281).
2 أخرجه الحاكم في المستدرك (4/392).
3 أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (1/131).
4  أخرجه الترمذي في السنن (5/183 رقم 2950) لكن هنا جعله من مسند ابن عباس.
5  أخرجه البخاري في الصحيح (12/427 رقم 7042 -  فتح).
6 انظر نظم المتناثر (35) للكتاني.
7  انظر ضعيف سنن الترمذي (359) للألباني.

 

ص -63-         وإذا كان الاضطراب من الراوي الضعيف الذي لا ينجبر ضعفه ؛ فلا يتقوى حديثه؛ لأن ضعفه غير منجبر .
مثاله: مارواه محمد بن القاسم عن الفضل بن دلهم عن عوف عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة مرفوعاً:
"تعلموا الفرائض وعلموا الناس فإني مقبوض"1.
وهذا إسناد موضوع:
محمد بن القاسم كذبوه2 والفضل لين ورمي بالاعتزال3 وشهر صدوق كثير الإرسال والأوهام4.
وخالفهم المثنى بن بكر فرواه عن عوف عن سليمان عن أبي الأحوص عن ابن مسعود عنه به مرفوعاً نحوه5. 
وهذا إسناد ضعيف جداً:
المثنى بن بكر قال عنه الدارقطني: متروك6.
وخالفهم النضر بن شميل فرواه عن عوف عن سليمان بن جابر عن ابن مسعود عنه به مرفوعاً نحوه7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  أخرجه الترمذي في السنن (3/360 رقم 2091).
2  التقريب (889 رقم 6269).
3  التقريب (782 رقم 5437).
4  التقريب (441 رقم 2846).
5  أخرجه أبو يعلى في المسند (8/441 رقم 5028).
6  اللسان (5/14) للحافظ.
7  أخرجه الحاكم في المستدرك (4/333).

 

ص -64-         وهذا إسناد ضعيف:
سليمان بن جابر مجهول1.
ولرواية أبي هريرة متابعة من طريق حفص بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عنه به مرفوعاً2.
وهذا إسناد ضعيف جداً:
حفص بن عمر المدني متروك3.
وللحديث شاهد من حديث أبي سعيد مرفوعاً4 إلا أن في إسناده المسيب ابن شريك الكوفي وهو متروك5.
وعليه يبقى الحديث ضعيفاً لايتقوى.
والحديث أعله الترمذي بالاضطراب6 وضعفه ابن كثير7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  التقريب (405 رقم 2556).
2  أخرجها ابن ماجه في السنن (3/351 رقم 2719).
3  التلخيص الحبير (3/79).
4  أخرجه الدارقطني في السنن (4/82).
5  الميزان (4/114) للذهبي.
6  السنن (3/361).
7  التفسير (1/468).

 

ص -65-         الفصل الرابع: التصنيف في المضطرب:
اهتم العلماء بعلم الحديث اهتماماً فائقاً وأفردوا لبعض أنواعه المصنفات. والمضطرب أحد أنواع علوم الحديث افرده الحافظ أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن حجر العسقلاني ت852هـ بتصنيف مستقل سماه (المقترب في بيان المضطرب) .
قال السخاوي: "ولمضطربي السند والمتن أمثله كثيرة فالذي في السند وهو الأكثر يؤخذ من العلل للدارقطني، ومما التقطه شيخنا منها مع زوائد وسمّاه المقترب في بيان المضطرب"1اهـ.
وقال عنه المتبولي2: "أفاد وأجاد وقد التقطه من كتاب العلل للدارقطني"3اهـ.
ويبدوا أن الحافظ ألفه بعد النكت على ابن الصلاح حيث قال فيه: ووجدت أمثلة للمضطرب في علل الدارقطني"4 اهـ. وكذا لم يشر إليه في نزهة النظر5، فلو صنفه قبلهما لذكره6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث (1/275) وانظر الجواهر والدرر (2/679).
2 هو أحمد بن محمد المتبولي الأنصاري الشافعي المصري الإمام ت1003هـ خلاصة الأثر (1/274) للمحبي.
3 شرح الفية السيوطي (61) لأحمد شاكر وانظر الباعث الحثيث (1/223).
4 النكت (2/774).
5 نزهة النظر (127).
6 انظر النكت (2/811) والنزهة (125) حيث ذكر كتابه الذي ألفه في المدرج وذكر في النزهة (179) كتابه تبصير المنتبه بتحرير المشتبه وذكر في النكت (2/706) جزءاً له في حديث ( القضاة ثلاثة ).

 

ص -66-         وكتابه (المقترب في بيان المضطرب) مخطوط لم أقف عليه وقد بحثت عنه كثيراً من خلال سؤال المشايخ والأساتذة وطلبة العلم المختصين فكلهم يجيبون بأنه غير معثور عليه بل في عداد المفقود1.
ولم أقف "حسب علمي وقدرتي" على رسالة أخرى في الموضوع ولا رسالة علمية رغم بحثي المتواصل عن ذلك.
ومن خلال كلمة السخاوي والمتبولي نستطيع أن نصف شيئاً من كتاب المقترب في بيان المضطرب:
أ- مادته: جمعها الحافظ من كتاب العلل للدارقطني.
قال الذهبي: "المضطرب والمعلل: ما روي على أوجه مختلفة؛ فيعتل الحديث فإن كانت العلة غير مؤثرة بأن يرويه الثبت على وجه ويخالفه واهٍ فليس بمعلول، وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل فلم يصب ؛ لأن الحكم للراجحة"2 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ولم يذكر شاكر محمد في كتابه ((ابن حجر العسقلاني مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة)) (1/205) أماكن وجوده.
وبعد كتابة ما تقدم وقفت على قول صبحي السامرائي في تحقيقه للخلاصة في أصول الحديث للطيبي (73حاشية رقم 1) إن المستشرق هالورد ذكره في فهرست مكتبة برلين رقم1141 فالله أعلم.
2 الموقظة (50).
(تنبيه): الدارقطني في العلل كثيراً ما يسوق الأوجه الضعيفة ليبين ضعفها وعدم تأثيرها هذا لاحظته أثناء اشتغالي بالروايات فكلام الذهبي رحمه الله ليس على إطلاقه والله أعلم. 
(فائدة): للحافظ كتاب اسمه ( الانتفاع بترتيب العلل للدارقطني على الأنواع ) انظر كشف الظنون (1/175) وابن حجر العسقلاني ومصنفاته (1/205) لشاكر محمود.

 

ص -67-         ب-  زاد الحافظ أحاديث مضطربة من غير العلل.
ج -  إن أكثر أحاديثه معلة من جهة الإسناد.
 د-  أن الحافظ رحمه الله ذكر فيه فوائد وقواعد.
الكتب المشتركة:
تكلم أهل العلم في الاضطراب من خلال الكتب المشتركة بحيث تشمل الكلام على الاضطراب وغيره.
ومع ذلك فهي كلمات متفرقة، ليست جامعة، وقد كشف النقاب عن هذه الحقيقة الحافظ العلائي رحمه الله حين قال بعد ذكره قاعدة الاختلاف الواقع في المتون: "ولم أجد إلى الآن أحداً من الأئمة الماضين شفى النفس في هذا الموضوع بكلام جامع يرجع إليه، بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرقة، وللبحث فيها مجال طويل"1 اهـ.
وحتى تتضح الصورة أذكر بعض النماذج:
1-  مصطلح الحديث:
الاضطراب أحد أنواع علوم الحديث، وقد تحدث عنه أهل الاصطلاح تأصيلاً وتقعيداً فمن ذلك:
أ-  علوم الحديث لابن الصلاح.
أفرد ابن الصلاح رحمه الله المضطرب فقال:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نظم الفرائد (112).

 

ص -68-         (النوع التاسع عشر: معرفة المضطرب من الحديث) .
تكلم فيه عن تعريفه، وشرطه، وأنواعه، وحكمه، ومثل للمضطرب سنداً1.
ب-  الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد:
افرد ابن دقيق رحمه الله المضطرب فقال: (الثامن عشر: المضطرب) .
تكلم فيه عن تعريفه وحكمه وبعض القواعد المتعلقة باختلاف الرواة2.
ج -  النُّكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر:
تبعاً لابن الصلاح، تكلم الحافظ ابن حجر رحمه الله على المضطرب، ونقل من خلال الشرح نقولاً مفيدة جداً عن شيخه العلائي رحمه الله حول قاعدة الاضطراب في السند، وقاعدة الاضطراب في المتن وذكر أمثلة3.
2-  كتب العِلل:
تعتبر كتب العلل من مظان الأحاديث المضطربة فمن ذلك:
أ-  العلل لابن أبي حاتم:
من ذلك أن ابن أبي حاتم سال أباه عن حديث رواه ابن الهاد عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهري عن محمد بن أبي سفيان عن يوسف بن أبي عقيل عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يرد هوان قريش أهانه الله".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث (269- 270).
2 الاقتراح (222- 224).
3 النكت (2/772- 810).

 

ص -69-         فقال أبو حاتم: "يخالف في هذا الإسناد واضطرب في هذا الحديث"1 اهـ.
ب-  العلل للدارقطني:
من ذلك أنه سئل عن حديث أبي بكر رضي الله عنه
"شيبتني هود وأخواتها" فذكر طرقه وعلله واختلاف الرواة فيه2.
3-  كتب الرجال:
تحدثت كتب الرجال عن الاضطراب من جهة بيان الرواة المضطربين في ضبطهم وهي أيضاً من مظان الأحاديث المضطربة، حيث تذكر بعض الروايات التي اضطربوا فيها:
أ-  التاريخ الكبير للبخاري:
من ذلك قال في فضالة بن حصين الضبي: "مضطرب الحديث"3 اهـ.
ب-  الجرح والتعديل لابن أبي حاتم:
من ذلك ما نقله عن أبيه أبي حاتم أنه قال في حفص بن عبد الرحمن البلخي: "صدوق مضطرب الحديث"4 اهـ.
ج-  الكامل لابن عدي:
من ذلك ما قاله في الحارث بن منصور الواسطي: "في حديثه اضطراب"5اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 العلل (2/366) وانظر منه ( 1/15) و(2/290).
2 العلل (1/193- 211) وانظر منه ( 10/278- 283).
3 التاريخ الكبير (7/125) وانظر منه (6/244).
4 الجرح (3/176) وانظر منه (8/315).
5 الكامل (2/196).

 

ص -70-         وقد شرط على نفسه أن يذكر في الكامل كل من في رواياته اضطراب فقال رحمه الله: "وقد شرطت في كتابي هذا: أني أذكر كل من في رواياته اضطراب وفي متونه مناكير وأذكره وأبين أمره"1 اهـ.
4-  الكتب المسندة:
أصحاب الكتب المسندة أحياناً يعقبون الأحاديث بذكر ما فيها من الاضطراب:
من ذلك:
أ-  سنن الترمذي:
قال الترمذي رحمه الله عقب حديث زيد بن أرقم مرفوعاً: (إن هذه الحشوش محتضرة) ما نصه: "وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب"2 اهـ.
ب-  السنن الكبرى للبيهقي:
قال البيهقي رحمه الله عقب حديث أبي الدرداء (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر) ما نصه: "وإسناد هذا الحديث مضطرب واختلفوا فيه اختلافاً شديداً والله أعلم"3اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الكامل (4/260) وانظر منه ( 5/236).
(فائدة): قال الزركشي في النكت (2/157) : "كتاب الحافظ أبي أحمد بن عدي أصل نافع في معرفة المنكرات من الأحاديث" اهـ.
2 السنن (1/11) وانظر منه ( 3/480) و(5/442).
3 السنن (1/144) وانظر منه (6/140).

 

ص -71-         ج-  المعجم الأوسط للطبراني:
قال أبو القاسم الطبراني رحمه الله عقب حديث الفضل بن عباس مرفوعاً:
"الصلاة مثنى مثنى وتشهد في كل ركعتين.." ما لفظه: "لم يجود إسناد هذا الحديث أحد ممن رواه عن عبد ربه بن سعيد إلا الليث، ورواه شعبة عن عبد ربه ابن سعيد فاضطرب في إسناده"1 اهـ.
5-  كتب الشروح الحديثية:
يهتم كثيراً أهل العلم بذكر ما في الأحاديث من علل عند شرحهم لها والاضطراب من هذه العلل:
من ذلك:
أ-  الإِعْلاَم بِسُنَّتِه عليه السلام لمُغْلَطَاي:
ذكر ابن ماجه رحمه الله حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً:
"لا يتناجى اثنان على غائطهما ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه؛ فإنْ الله يمقت على ذلك" .
فنقل عن عبد الحق الإشبيلي أنه قال: (وقد اضطرب فيه..) 2.
ب-  فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب:
قال عند ذكره حديث كعب بن عجرة مرفوعاً:
"إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خَرَجَ عامِداً إلى المسجد، فلا يُشَبِّكَنّ بين أصابعه؛ فإنه في صلاة".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المعجم الأوسط (8/278رقم8632) وهوالموضع الوحيد في المعجم الأوسط.
2 (1ق55/ب) وانظر منه (1ق93) و(2/ق115،119).

 

ص -72-         قال ما نصه: "خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وفي إسناده اختلاف كثير واضطراب"اهـ1.
ج-  فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر:
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عند شرحه حديث البراء في قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة ونزوله عند أخواله من الأنصار ما لفظه: "ففي ابن ماجه من طريق أبي بكر ابن أبي عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث "ثمانية عشر شهراً" وأبو بكر سيئ الحفظ وقد اضطرب فيه" 2اه.
وغيرها من المصادر التي لم تفرد بالتأليف في المضطرب ولكن جمعت هذه المادة منها ومن غيرها من كتب أهل العلم وما سبق ذكره من المصادر إنما ذكرته على سبيل المثال لا الحصر وذلك لشيوع البحث عن المضطرب في أغلب كتب الحديث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح الباري (3/423) وانظر منه ( 2/411).
2 فتح الباري (1/95- 97) وانظر منه (9/671).

 

ص -73-         الفصل الأول: مذاهب العلماء في الاختلاف على الراوي.
الاختلاف: هو أن يروي الرواة الحديث فيختلفون فيه، فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر.
قال أبو داود: "الاختلاف عندنا: ما تفرد قوم على شيء، وقوم على شيء"اهـ1.
والاضطراب أحد أنواع الاختلاف2، قال ابن الصلاح: "المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له. وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان"3 اهـ.
فإذا وقع اختلاف بين الرواة فللعلماء في هذا الاختلاف ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول:
يرى أصحاب هذا المذهب أن الاختلاف يقدح في الحديث إلا إنْ دَلَّ دليل على أنه عند المختلف عليه بالطريقين وإليه ذهب كثير من أهل الحديث4.
ولم أقف على أسماء أتباعه والذي يظهر أنه لا قائل به من بعدهم، فقد قال الحافظ: "شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه في الاختلاف، وأما إذا تفاوتت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تهذيب الكمال (26/431) للمزي.
2 انظر نزهة النظر (124- 128) للحافظ.
3 علوم الحديث (269).
4 النكت (2/785) للحافظ وانظر الاقتراح (223) لابن دقيق العيد.
(فائدة) قال الحافظ في النكت (1/236): ((بعض المحدثين يرد الحديث بكل علة سواء كانت قادحة أو غير قادحة)) اهـ. فلعل هؤلاء منهم. والله أعلم.

 

ص -74-         فالحكم للراجح بلا خلاف"1 اهـ.
فنفى وجود الخلاف والله أعلم.
وحجتهم:
أن الاختلاف على الراوي دليل على عدم ضبطه في الجملة، فيضر ذلك ولو كان رواته ثقات إلا أن يقوم دليل على أنه عند الراوي المختلف عليه عنهما جميعاً أو بالطريقين2.
المذهب الثاني:
يرى أصحاب هذا المذهب أن الاختلاف بين الرواة المقبولين (ثقة أو صدوق) لا يؤثر في صحة الحديث إلا عند التنافي والتعارض في المتن دون السند.
وإليه ذهب الفقهاء وأكثر الأصوليين وطائفة من المحدثين3.
قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في معرض بيانه للعلة: "أن يروي الثقات حديثاً مرسلاً، ويتفرد به ثقة مسنداً. فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإصابة (10/196).
2 الاقتراح (223) لابن دقيق والنكت (2/785) للحافظ.
3 النكت (2/209- 211) للزركشي وانظر: المدخل إلى كتاب الإكليل (47) للحاكم والعدة (3/1004) لأبي يعلى والإشارة (251- 252) للباجي والإحكام (1/133) لابن حزم والبحر المحيط (4/339- 340) للزركشي، وبيان الوهم (2/250،283) و(3/498،518) و(4/26) و(5/430) لابن القطان وجزء القلتين (49) للعلائي وشرح الإلمام (1/61،179) لابن دقيق، ونقد بيان الوهم (71) للذهبي والنكت (2/224) للزركشي والنكت (1/235) والتلخيص الحبير (2/157) للحافظ وجواهر الدرر (2/938) للسخاوي.

 

ص -75-         الإرسال"1 اهـ.
والاضطراب المؤثر في السند إذا كان راويه ضعيفاً2 .
حجتهم: أن العمدة في تصحيح الحديث عدالة الراوي وجزمه بالرواية، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز3، الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه فمتى حصل ذلك وجاز أن لا يكون غلطاً، وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه4.
وأن توهيم حافظ في زيادة زادها لا معنى له إلا لو صرح الناس بمخالفته وهم لم يصرحوا. وإنما سكتوا عن شيء جاء هو به5.
وأن رواية الحديث الواحد تارة متصلاً وتارة مُرْسلاً أو مُنْقَطِعاً قوة للخبر ودليل على شهرته، وتحدث الناس به فجعل ذلك علل الحديث، شيء لا معنى له6.
قال ابن حزم: "قد علل قوم أحاديث؛ بأن رواها عن رجل مرة وعن آخر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإرشاد في معرفة علماء الحديث (1/163).
2 انظر بيان الوهم (4/26) و(5/416) لابن القطان.
3 انظر العدة في أصول الفقه (3/1004،1011) لأبي يعلى وقواطع الأدلة في أصول الفقه (3/16، 19) للسمعاني وبيان الوهم (3/272،499) و(5/430) لابن القطان ونقد بيان الوهم (124) للذهبي وفتح الباري (13/545) ونتائج الأفكار (2/179) للحافظ.
4 شرح الإلمام (1/60،179،390) لابن دقيق والنكت (2/209- 210) للزركشي.
5 بيان الوهم (2/454) و(5/403) لابن القطان.
6 بيان الوهم (5/438) والنكت (2/210) للزركشي والتلخيص الحبير (2/188) للحافظ.

 

ص -76-         أخرى. وهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته ومن الممكن أن يكون سمعه منهما"1 اهـ.
وقال أبوالحسن بن الحصار الأندلسي: "إن للمحدثين أغراضاً في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي موقوفاً أو مرسلاً، وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفته من هو أعدل منه وأحفظ.
وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول أو آية من كتاب الله تعالى، فيحمله ذلك على قبول الحديث والعمل به واعتقاد صحته، وإذا لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة"2
وقال ابن القطان الفاسِي: "لا نرى الاضطراب في الإسناد علة؛ فإنما ذلك إذا كان الذي يدور عليه الحديث ثقة فنجعل حينئذ اختلاف أصحابه عليه إلى رافع وواقف ومرسل وواصل غير ضار، بل ربما كان سبب ذلك انتشار طرق الحديث، وكثرة رواته وإن كان المحدثون يرون ذلك علة تسقط الثقة بالحديث المروي بالإسناد المضطرب فيه"3 اهـ.
وقال ابن القطان أيضاً في معرض بيانه لحديث روي مرفوعاً وموقوفاً: "ليس فيه أكثر من أن ابن وهب وقفه وزيد بن الحباب رفعه. وهو أحد الثقات،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإحكام (1/133)وانظر النكت (2/211، 224) للزركشي.
2  نقله الزركشي في النكت (1/106).
3 النظر في أحكام النظر (110) لابن القطان، وانظر منه (88).

 

ص -77-         ولو خالفه في رفعه جماعة ثقات فوقفته ما ينبغي أن يحكم عليه في رفعه إياه بالخطأ"1 اهـ.
المذهب الثالث:
يرى أصحاب هذا المذهب أن الاختلاف بين الرواة منه ما هو مؤثر في ثبوت الحديث ومنه ما ليس بمؤثر في ثبوت الحديث.
وإليه ذهب الأكثر من أهل الحديث2.
وحجتهم:
أن الحديث الواحد تحكمه ملابسات ومداخلات لا تتوفر في كل حديث إذ ليست الرواة الثقات في درجة واحدة ولا أحوال الرواة منضبطة، فالوهم والغلط يطرأ على الثقات فما دونهم.
قال الحازمي: "الرواية يراعى فيها الألفاظ والأحوال والأسباب لتطرق الوهم إليها والتغيير والتبديل ويختلف ذلك بالكبر والصغر فيبالغ في مراعاتها"3 اهـ.
فإذا كان ذلك كذلك فلا تطرد القاعد بل يحكم لكل حديث خاص بحكم خاص.
وأن القرائن والدلالات معمول بها في هذا العلم ؛ إذ هو مبني على غلبة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بيان الوهم (3/371).
2 النكت (2/778) للحافظ وقال العلائي في جزء القلتين (49): ((قول الجمهور)) اهـ وانظر بيان الوهم (5/430) لابن القطان.
3 الناسخ (12).

 

ص -78-         الظن، فإن غلب على الظن بالقرائن أن الراوي ضبط ما تحمله حكم به. وإن غلب على الظن أن الراوي لم يضبط ما تحمله -  مع ثقته -  حكم به في ذلك الحديث خاصة.
وأن رواية الحديث قائمة على الضبط. والضبط عند كل راو معرض للوهم والخطأ والنسيان.
الترجيح:
المذهب الثالث: الذي ذهب إليه جمهور أهل الحديث وهو [ التفصيل في الاختلاف ] هو الراجح لأمور:
1-  أنه عمل بأمرين:
أ-  عدم توهيم الثقة بلا حجة.
ب-  توهيم الثقة بحجة.
2-  أن هذا الأمر يتمشى ويتفق مع طريقة الرواية تحملاً وأداءً ؛ إذ هي مبنية على غلبة الظن.
3-  أن حال الراوي زمن التحمل والأداء مختلف ودرجة ضبطه زمن عن زمن متفاوتة، فكذلك حديثه يتفاوت في الضبط1.
4-  أنه وسط بين المذهبين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر الناسخ (12) للحازمي.

 

ص -79-         المناقشة:
مناقشة المذهب الأول:

وما ذهب إليه كثير من المحدثين من أن الاختلاف يقدح في ثبوت الحديث إلا إن دَل دليل على أنه عند المختلف عليه بالطريقين فهو مذهب مبني على شدة الاحتياط لاحتمال الوهم والغلط قال ابن القطان الفاسي: "أهل هذه الصناعة -  أعني المحدثين -  بنوا على الاحتياط حتى صدق ما قيل فيهم: لا تخف على المحدث أن يقبل الضعيف. وخَفَ عليه أن يترك من الصحيح وبذلك انحفظت الشريعة"1 اهـ.
[ ولكن من الاحتياط أن لا يخرج من السنة ما هو منها أيضاً فلا بد أن نراعي الأمرين:
أ-  أن لا يدخل في السنة ما ليس منها.
ب-  وأن لا يخرج من السنة ما هو منها.
فلا يوهم الثقة بلا حجة ولا يرد الحديث بأدنى علة ]2.
فهو لا يراعي أن يخرج من السنة ما هو منها.
ومجرد الاختلاف لا يلزم منه القدح ؛ إذ الاختلاف على نوعين:
أ-  اختلاف تنوع: وهو ما كانت المخالفة لا تقتضي المنافاة. ولا تقتضي إبطال أحد القولين للآخر فيكون كل وجه للآخر نوعاً لا ضداً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النظر في أحكام النظر (112).
2 أفادنيه أبو مالك محمد بازمول.

 

ص -80-         ب اختلاف التضاد: هو الوجهان المتنافيان1.
وإذا وقع اختلاف التضاد فلا يخلو:
إما أن يمكن الجمع فإن أمكن فلا إشكال وإن لم يمكن فالترجيح، فإن لم يمكن الترجيح اضطرب الحديث. فتعليل الحديث مع إمكان الجمع أو الترجيح [من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف]2.
قال الحافظ: "الاختلاف عند الحفاظ لا يضر إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الروايات أو أمكن الجمع على قواعدهم"3 اهـ.
وقال الخطابي: "الخطأ من إحدى روايتيه متروك والصواب معمول به وليس في ذلك ما يوجب توهين الحديث"4 اهـ.
وهذا المذهب لا يراعي اختلاف التنوع إلا أن دل دليل عليه. ولا يراعي اختلاف التضاد مع إمكان الجمع أو الترجيح.
واختلاف بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره. قال الشافعي: "لو استويا في الحفظ وشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه لم يكن في هذا موضع لئن يغلط به الذي لم يشك"5 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تأويل مشكل القرآن (40) لابن قتيبة واقتضاء الصراط المستقيم (37- 39) لابن تيمية والاختلاف وما إليه (19- 21) لمحمد بازمول.
2 هدي الساري (347) للحافظ.
3 هدي الساري (368) وانظر النصيحة (44) للألباني.
4 معالم السنن (1/36).
5 اختلاف الحديث (294).

 

ص -81-         قال ابن الجوزي في معرض رده على من ضعف حديثاً بالاضطراب: "اضطراب بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره. قال الأثرم قلت لأحمد قد اضطربوا في هذا الحديث ؟ فقال حسين المُعَلِّم يجوده"1 اهـ.
وفي الصحيحين اللَّذَيْنِ تلقتْهما الأمة بالقبول [ سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ]2 أحاديث مختلفة الإسناد قال ابن التركماني: "إذا أقام ثقة إسناداً اعتمد، ولم يبال بالاختلاف، وكثير من أحاديث الصحيحين لم تسلم من هذا الاختلاف"3 اهـ.
وقال الحافظ: "ما اختلف في إرساله ووصله بين الثقات ففي الصحيحيىن منه جملة"4 اهـ.
وقال الحافظ أيضاً: "من عادة البخاري أنه إذا كان في بعض الأسانيد التي يحتج بها خلاف على بعض رواتها ساق الطريق الراجحة عنده مسندة متصلة وعَلّق الطريق الأخرى؛ إشعاراً بأن هذا اختلاف لا يضر ؛ لأنه إمّا أن يكون للراوي فيه طريقان، فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا. فلا يكون ذلك اختلافاً يلزم منه اضطراب يوجب الضعف وإما أن لا يكون له فيه إلا طريق واحدة، والذي أتى عنه بالطريق الأخرى واهم عليه ولا يضر الطريق الصحيحة الراجحة وجود الطريق الضعيفة المرجوحة. والله أعلم"5 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 التحقيق في أحاديث الخلاف (1/188) وانظر الناسخ (46) للحازمي.
2 علوم الحديث (171) لابن الصلاح وانظر النكت (1/380- 383) للحافظ وجه فيها كلام ابن الصلاح توجيهاً جيداً.
3 الجوهر النقي (1/143). وانظر كلاماً للعلائي نقله الحافظ في النكت (2/785).
4 النكت (1/369) وانظر فتح الباري (7/474) للحافظ.
5 النكت (1/362- 363) وكلامه هذا متين جداً يدل على قوة الحافظ رحمه الله.

 

ص -82-         والأصل المعتمد عليه هو عدم توهيم الثقة بلا حجة قال المازري عن تخطأت الرواة بلا دليل: "سوء ظن بالرواة، وتطريق إلى إفساد أكثر الأحاديث"1اهـ.
وقال القرطبي: "الأَوْلَى أن لا يغلط الراوي العدل الجازم بالرواية ما أمكن"2اهـ.
وقال أيضاً في معرض رده على من رد حديثاً بالتوهم: "هذا لا ينبغي أن يرد الخبر له؛ لأنه وهم وظن غير محقق بل هو مردود. بل المعتمد ثقة الراوي وأمانته"3 اهـ.
و[السنن الثابتة لا ترد بالدعاوى]4.
و[إذا ثبت الحديث بعدالة النقلة وجب العمل به ظاهراً ولا يترك بمجرد الوهم والاحتمال ]5 إذ [لو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا السنن بالتوهم]6.
وهذا المذهب لو قيل به لذهب شيء كثير من السنة. قال العلائي في معرض رده على إعلال حديث بالاختلاف: "مَنْ يقول: إن الاختلاف في الحديث دليل على عدم ضبطه في الجملة فهو قولٌ ضعيفٌ عند أئمة هذا الفن في مثل هذا الاختلاف ولو كان ذلك مسقطاً للاحتجاج بالحديث؛ لسقط الاحتجاج بما لا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المعلم (2/145).
2 المفهم (5/16).
3 المفهم (3/10) بتصرف منه. وانظر (3/298، 362) و(5/454).
4 النبلاء (4/528) وانظر الكفاية (24- 25) للخطيب.
5 إحكام الإحكام (3/103) لابن دقيق.
6 المغني (1/361) للذهبي.

 

ص -83-         يحصى من الحديث مما في إسناده مثل هذا الاختلاف وقد جاء في الصحيحين منه كثير"1 اهـ.
وعليه فالمذهب الأول [ رأي فيه ضعف ]2 بل [ ضعيف ]3.
مناقشة المذهب الثاني:
وما ذهب إليه الفقهاء وأكثر الأصوليين وطائفة من المحدثين من أن الاختلاف بين الرواة المقبولين في الإسناد لا يؤثر في صحة الحديث. فهو مذهب مبني على قبول ما جاء به الثقة مطلقاً، وعدم توهيمه. لكن الثقة مع حفظه وضبطه قد يهم ويخطئ. فهذا هو يحيى بن سعيد القطان الإمام الحافظ الناقد قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: "إليه المُنْتَهى في التَثَبُّت بالبصرة" اه. وقال عنه أبو حاتم: "حافظ ثقة" اه. وقال أبو زرعة: "من الثقات الحفاظ"4 اهـ.
وقال الإمام أحمد: "رحم الله يحيى القطان ما كان اضبطه وأشد تفقده كان محدثاً وأثنى عليه فأحسن الثناء عليه اه هذا الإمام مع حفظه وضبطه أخطأ في أحاديث قال الإمام أحمد: "ما رأيت أحداً أقل خطأ من يحيى بن سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث ثم قال أبو عبدالله: ومن يَعْرى من الخطأ والتَصْحِيف"5 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 جزء القلتين (25- 26) وانظر الكامل (3/357) لابن عدي والتمهيد (2/102) لابن عبد البر وبيان الوهم (2/250) لابن القطان ونصب الراية (4/377) للزيلعي.
2 قاله العلائي نقله الحافظ في النكت (2/785).
3 جزء القلتين (26) للعلائي.
4 ما سبق من الجرح (9/150- 151). لابن أبي حاتم.
5 تاريخ بغداد (14/140).

 

ص -84-         بل قال يحيى نفسه: "كنت إذا أخطأت قال لي سفيان الثوري أخطأت يا يحيى"1 اهـ.
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: فيحيى -  أعني القطان -  في بعض ما يروي حديثاً غيره يدخل بينهما رجل ؟ قال: بُدّ من أن يحيى الوهم"2اهـ.
وقال أبو عيسى الترمذي: "إنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم"3 اهـ.
وقال الذهبي: "ليس من شرط الثقة أن لا يغلط أبداً فقد غلط شعبة ومالك وناهيك بهما ثقة ونبلاً"4 اهـ.
ومن قال: إنه لا يخطئ فهو كذاب قال: [ الإمام الحافظ الجهبذ شيخ المحدثين أبو زكريا يحيى بن معين البغدادي أحد الأعلام ]5: "من لا يُخْطِئ في الحديث فهو كذاب"6 اهـ.
والمحدث من خلال الطرق والأسانيد واعتبار الروايات يغلب على ظنه أن الراوي أخطأ في هذا الحديث فيعل الحديث به7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تاريخ بغداد (14/136) وفي الكفاية للخطيب (224) باب فيمن خالفه أحفظ منه فحكى خلافه له في روايته)).
2 سؤالات أبي داود للإمام أحمد (353رقم549) وانظر العلل (3/82- 84- عبدالله).
3 العلل الصغير (5/702).
4 النبلاء (6/346).
5 النبلاء (11/71) للذهبي.
6 التاريخ (3/549- الدوري).
7  انظر: الجواهر والدرر (2/924) للسخاوي.

 

ص -85-         قال السخاوي: "الشّاذ لم يوقف له على علة أي معينة. وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه وأنه من أغمض الأنواع وأدقها.. بل الشاذ كما نسب لشيخنا أدق من المعلل بكثير"1 اهـ.
وقال الزركشي: "الفقهاء لا يعللون الحديث ويطرحونه إلا إذا تبين الجرح وعلم الاتفاق على ترك الراوي"2 اهـ.
وغلبة الظن معمول بها في باب الرواية دون الشهادة3.
قال الخطيب: "أخبار الآحاد يصح دخول التقوية والترجيح فيها عند التعارض وتعذر الجمع ؛ لأنها تقتضي غلبة الظن دون العلم والقطع. ومعلوم أن الظن يقوى بعضه على بعض عند كثرة الأحوال والأمور المقوية لغلبته"4 اهـ.
بل باب الرواية والتعليل مبنيان على غلبة الظن، قال العراقي: "باب الرواية مبني على غلبة الظن"5 اهـ.
وقال العلائي: "المتبع في التعليل إنما هو غلبة الظن"6 اهـ.
وقال الحافظ: "تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر بل هو راجح الاحتمال فيعتمد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث (1/232).
2 النكت (2/210).
3 انظر الناسخ (11) للحازمي والمستصفى في علم الأصول (1/313) للغزالي.
4 الكفاية (434) وانظر الرسالة (599) للشافعي.
5 طرح التثريب (2/105)، وانظر اكمال المعلم (1/175) للقاضي عياض.
6 جامع التحصيل (132) وانظر النكت (2/691) للحافظ.  

 

ص -86-         ولو لا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه في حد الصحيح"1 اهـ.
والترجيح باعتبار القرائن مسلك علمي جرى عليه أهل العلم في كل العلوم؛ لأنه يفيد غلبة الظن. قال الحافظ: "الاختلاف عند النقاد لا يضر إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الروايات أو أمكن الجمع على قواعدهم" 2 اهـ.
واعتبارهم التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه مقابل بمثله قال العلائي: "أما ما يسلكه جماعة من الفقهاء من احتمال أن يكون رواه عن الواسطة ثم تذكر أنه سمعه من الأعلى فهو مقابل بمثله. بل هذا أولى. وهو أن يكون رواه عن الأعلى جرياً على عادته ثم يذكر أن بينه وبينه فيه آخر فرواه كذلك والمتبع في التعليل إنما هو غلبة الظن"3 اهـ.
وفَرْقٌ بين حديث رواه الثقة لم يُخَالَف فيه، وبين حديث رواه وخالفه ثقة آخر؛ إذ المخالفة تفيد وهما4ً.
قال الإمام مسلم في معرض بيانه لكيفية معرفة خطأ الراوي: "الجهة الأخرى: أن يروي نفرٌ من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد [مجتمعين] على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن، فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ فيعلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح الباري (1/585).
2 هدي الساري (368) وانظر منه (15،347،381) والنكت (2/60) للزركشي.
3 جامع التحصيل (132).
4 انظر المدخل (97) للبيهقي وجزء القلتين (47) للعلائي والنكت (2/182) للزركشي والنكت (2/747) للحافظ.

 

ص -87-         حينئذٍ أنّ الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد. وإن كان حافظاً على المذهب الذي رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم"1 اهـ.
وقال البيهقي في معرض كلامه على حديث وصله واحد وتابعه بعض الضعفاء والمجاهيل وأرسله جماعة ثقات: "من حكم لهذا الحديث بالوصل برواية واحد ومتابعة جماعة من الضعفاء والمجهولين إياه على ذلك وترك رواية من ذكرناهم من الأئمة عن موسى بن أبي عائشة مرسلاً لم يكن له كبير معرفة بعلم الحديث. ولو لم يستدل بمخالفة راوي الحديث ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه على خطأ الحديث. لم يعرف قط صواب الحديث من خطئه" 2 اهـ.
وقال الذهبي في معرض كلامه على اختلاف الثقات: "إذا اختلف جماعة فيه وأتوا به على أقوال عدة. فهذا يوهن الحديث. ويدل على أن راويه لم يتقنه"3
وقال الذهبي أيضاً في نقده لابن القطان: "حديث الدارقطني عن عفيف بن سالم عن الثوري: "لا يحصن الشرك شيئاً".
قال: "وهم عفيف في رفعه.والصحيح من قول ابن عمر" 4. فهذا غير علة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 التمييز (172).
2 القراءة خلف الإمام (135) باختصار. وانظر الرسالة (281) للشافعي وقارن كلام البيهقي هنا بما جاء في بيان الوهم (5/456) لابن القطان.
3 الموقظة (53).
4 هذا من كلام الإشبيلي في الأحكام (6/220).

 

ص -88-         الثقة عفيف فرفع الثقة لا يضر" 1.
قلت2: بل يضر لمخالفته ثقتين فأكثر ؛ لأنه يلوح بذلك لنا أن الثقة قد غلط"3 اهـ.
وقوة الخبر إذا تعددت الأوجه ليست على إطلاقها فإنما تكون قوة للحديث إذا اختلف المخرج 4. أو يكون راويها مكثراً واسع الرواية من الحفاظ.
قال الحافظ في معرض تعليله لحديث: "هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج يوهن راويه. وينبئ بقلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين يجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالاً على قلة ضبطه"5 اه.
وأحياناً ينسب الراوي للاضطراب مع ثقته وجلالته وسعة روايته قال الإمام أحمد لما ذكر له حديث اختلفوا فيه على سفيان بن عيينة: "اختلفوا على سفيان -  يعني ابن عيينة فيه وما أراه إلا من سفيان -  يعني اضطرابه فيه" 6 اهـ.
وموافقة الحديث الضعيف للأصول أو لآية من كتاب الله لا يلزم منها صحته؛ لأن الحديث فيه جهتان:
الجهة الأولى: نسبته للرسول صلى الله عليه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هذا من كلام ابن القطان في بيان الوهم (3/279).
2 القائل هو الذهبي.
3 نقد بيان الوهم (86) وانظر بيان الوهم (3/278) لابن القطان.
4 انظر الرسالة (464) للشافعي.
5 التلخيص الحبير (2/216) وانظر جزء القلتين (43) للعلائي.
6 مسائل أبي داود للإمام أحمد (316) وانظر منه (319) وانظر زاد المعاد (3/577) لابن قيم الجوزية.

 

ص -89-         والجهة الثانية: ما اشتمله من حكم ومعنى.
فموافقته للأصول أو للآية تثبت صحة معناه وحكمه، ولا تثبت صحة نسبته للرسول صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان الخبر موافقاً للأصول أو للآية فنحن نثبت الحكم بالأصول أو الآية لا به. فتأمّل.
وفتح هذا الباب يؤدي إلى تصحيح أحاديث الضعفاء والمتروكين. فتنبه.
وهذا المذهب لا يراعي أن يدخل في السنة ما ليس منها ؛ و[الخوف الأكبر اختلاط درجة الظن مع درجة الوهم] 1.
وهم لا يشترطون في حد الصحيح انتفاء الشذوذ والعلة2. فمن هذا الباب تطرقت إليهم أوهام وأخطاء الرواة المقبولين، على أنها أحاديث صحاح.
قال ابن قيم الجوزية في معرض بيانه لحادثة الإسراء: "وكان الإسراء مرة واحدة وقيل مرتين مرة في يقظة ومرة مناماً. وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وقوله:
"ثم استيقظت" . وبين سائر الروايات.
ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين مرة قبل الوحي؛ لقوله في حديث شريك
"وذلك قبل أن يوحي إلي".
ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث.
ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شرح الإلمام (1/61) لابن دقيق العيد وانظر الاقتراح (230) له.
2 انظر الاقتراح (186- 187) لابن دقيق العيد والنكت (1/235) و(653- 654) للحافظ والجواهر والدرر (2/938) للسخاوي.

 

ص -90-         وكل هذا خبط. وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية 1 من أرباب النقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة" 2 اهـ.
وقال ابن قيم الجوزية أيضاً في معرض رده على من اعتبر وهم بعض الرواة قصة أخرى: "وهذه طريقة ضعفاء النقد كلما رأوا اختلاف لفظ جعلوه قصة أخرى. كما جعلوا الإسراء مراراً؛ لاختلاف ألفاظه. وجعلوا اشتراءه من جابر بعيره مراراً لاختلاف ألفاظه وجعلوا طواف الوداع مرتين؛ لاختلاف سياقه. ونظائر ذلك.
وأما الجهابذة النقاد فيرغبون عن هذه الطريقة ولا يجبنون عن تغليط من ليس معصوماً من الغلط ونسبته إلى الوهم" 3 اهـ.
وعليه فالمذهب الثاني ضعيف كالأول. والمعتمد هو المذهب الثالث: وهو أن الاختلاف منه ما هو مؤثر ومنه ما ليس بمؤثر والله أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهذه الطريقة يسلكها كثير من الفقهاء. انظر: نظم الفرائد (112) للعلائي.
2 زاد المعاد (3/42).
3 زاد المعاد (2/397) وانظر منه (264).

 

ص -91-         الفصل الثاني: أثره على السند والمتن.
الاضطراب والاختلاف يؤثران على الحديث سنداً ومتناً.
فمن الآثار المترتبة على السند:
1-  مخالفة الراوي للثقات تؤثر في الحكم عليه إذ تدل على عدم ضبطه:
قال الترمذي: "ذكر عن يحيى بن سعيد أنه إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا. لا يثبت على رواية واحدة تركه"1 اهـ.
وقال ابن عدي في ترجمة الحسن بن علي المعمري: "رفع أحاديث وزاد في المتون أشياء ليس فيها"2 اهـ.
ثم قال ابن عدي: "وما ذكر عنه أنه رفع أحاديث وزاد في المتون، فإن هذا موجود في البغداديين خاصة، وفي حديثهم وفي حديث ثقاتهم فإنهم يرفعون الموقوف ويوصلون المرسل ويزيدون في الأسانيد"3 اهـ.
فعلق عليه الذهبي بقوله: "بئست الخصال هذه وبمثلها ينحط الثقة عن رتبة الاحتجاج به"4 اهـ.
وقال ابن رجب: "اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهماً فإنه ينسب به إلى الكذب وإن كان سيئ الحفظ ينسب إلى الاضطراب وعدم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 العلل الصغير (5/699) وانظر مقدمة مسلم (1/90- نووي).
2 الكامل (2/337).
3 الكامل (2/338).
4 النبلاء (13/513).

 

ص -92-         الضبط"1اهـ.
والأئمة يستدلون على حفظ الراوي إذا لم يخالف غيره.
قال ابن مهدي: "إنما يستدل على حفظ المحدث إذا لم يختلف عليه الحفاظ"2 اهـ.
2-  ترجيح الراوي الذي لم يوصف بالاضطراب على الراوي الموصوف بالاضطراب:
قال ابن هاني: "سئل -  أي الإمام أحمد - : أيما أحب إليك العلاء بن عبد الرحمن أو محمد بن عمرو ؟
قال: العلاء أحب إلي ؛ محمد بن عمرو مضطرب الحديث"3 اهـ.
وقال الذهبي: "فائدة ذكرنا كثيراً من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة أولهم أوهام يسيرة في سعة علمهم؛ أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أو خالفهم"4 اهـ.
3-  ترجيح رواية من لم يختلف عليه على من اختلف عليه:
قال أبو يَعْلى في باب الترجيحات: "أن لا تختلف الرواية عن أحدهما فتقدم روايته على رواية من اختلفت الرواية عنه"5 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شرح العلل (1/ 424).
2 أخرجه الخطيب في الكفاية (435).
3 المسائل (2/240) وانظر منه (2/213) وانظر الأسامي والكنى (2/143) لأبي أحمد الحاكم.
4 الميزان (3/141).
5 العدة (3/1031) وانظر الكفاية (435) للخطيب، وقواطع الأدلة (3/36) للسمعاني.

 

ص -93-         قال الذهبي: "إذا اختلف جماعة فيه وأتو فيه على أقوال عدة فهذا يوهن الحديث ويدل على أن راويه لم يتقنه"1 اهـ.
4- الاختلاف قد ينزل الحديث عن مرتبة الصحة إلى الحسن:
قال الحافظ أثناء كلامه على حديث اختلف في سنده ومتنه: "هذا حديث
حسن وإنما لم أحكم لحديثه هذا بالصحة؛ لاختلاف وقع في سنده ومتنه" 2 اهـ.
وقال الدارقطني في حديث رواه أبو إسحاق السبيعي واختلف الرواة عنه على عشرة أوجه: "عشرة أقاويل من أبي إسحاق أحسنها إسناداً الأول الذي أخرجه البخاري. وفي النفس منه شيء؛ لكثرة الاختلاف عن أبي إسحاق والله أعلم"3 اهـ.
5-  يؤثر الاضطراب والاختلاف على الراوي من حيث معرفة اسمه أو قد يظن أنه اثنان وهو واحد:
قال ابن عبد البر في ترجمة أبي هريرة الصحابي المعروف: "ولكثرة الاضطراب فيه لم يصح عندي في اسمه شيء يعتمد عليه"4 اهـ.
وقال الذهبي: "ناسح الحضرمي بمهملتين. له صحبة وابنه عبدالله"5 اهـ.
فتعقبه ابن ناصر الدين الدمشقي بقوله: "في هذا نظر؛ فإن ناسحاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الموقظة (53).
2 نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (1/88) وانظر منه (1/367) و(2/330،380) وموافقة الخبر الخبر (2/69) للحافظ.
3 التتبع (334).
4 الاستغناء (1/346). وانظر النظر في أحكام النظر (170) لابن القطان.
5 المشتبه في الرجال أسماؤهم وأنسابهم (627- 628).

 

ص -94-         وعبدالله واحد اضطرب فيه" 1 اهـ.
6-  الاضطراب في اسم الصحابي أو من دونه قد يجعل الناظر يظن أنه شاهد ومتابع:
 قال الحافظ: "قد يقع الاختلاف في السند؛ فيوهم ورود الحديث عن جماعة من الصحابة كما يقع للترمذي في كثير من الأحاديث المختلفة أسانيدها حيث يقول: وفي الباب عن فلان وفلان ويسمى عدداً من المختلف فيهم"2 اهـ.
7-  قد يتوقف عن الحكم على الحديث:
سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن حديث وقع فيه اختلاف في سنده: "الصحيح ما هو ؟ قال الله أعلم. قد اضطربوا فيه والثوري أحفظهم" 3 اهـ.
ومن الآثار المترتبة على المتن:
1-  اختلاف الألفاظ قد يدل على أن الرواية بالمعنى:
قال القرطبي على حديث اختلفت ألفاظه: "هذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها فمعناها واحد. وهذا الاختلاف يدل على أنهم كانوا ينقلون بالمعنى"4 اهـ.
2-  قد يترتب على اختلاف الألفاظ اختلاف الفقهاء:
قال العلائي معلقاً على حديث الواهبة نفسها حين اختلف الثقات في لفظه على وجوه (زوجتكها) و(أنكحتكها) و(ملكتكها) و(أمكناكها) 5: "من قال:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 توضيح المشتبه (9/12). وانظر الإصابة (6/228) و(10/126) للحافظ.
2 نقله السخاوي في الأجوبة المرضية (3/1191) وعنه بتصرف.
3 العلل (1/229).
4 المفهم (5/209).
5 سيأتي تخريجه إن شاء الله (177).

 

ص -95-         بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك. وأنه من صرائحه. يحتج بمجيئه في هذا الحديث الصحيح. فإذا عورض ببقية الألفاظ التي في بقية الروايات، لم ينتهض احتجاجه.
فإن قال: إن النكاح في القصه انعقد بلفظ التمليك ومن قال غيره عبر بالمعنى.
يقلبه خصمه عليه. ويقول مثل ذلك في التزويج والإنكاح"1 اهـ.
3-  اختلاف الألفاظ يجعل بعضهم يظن أنه أكثر من حديث:
وقال ابن قيم الجوزية في معرض رده على من يجعل كل اختلاف قصة أخرى: "هذه طريقة ضعفاء النقد كلما رأوا اختلاف لفظ جعلوه قصة أخرى كما جعلوا الإسراء مراراً ؛ لاختلاف ألفاظه. وجعلوا اشتراءه من جابر بعيره مراراً ؛ لاختلاف ألفاظه. وجعلوا طواف الوداع مرتين ؛ لاختلاف سياقه. ونظائر ذلك.
وأما الجهابذة النقاد فيرغبون عن هذه الطريقة ولا يجبنون عن تغليط من ليس معصوماً من الغلط ونسبته إلى الوهم"2 اهـ.
4-  ترجيح المتن السالم من الاضطراب على الذي وقع فيه اضطراب:
قال الطحاوي في معرض بيانه لحديث: "هذا حديث صحيح مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا في متنه فهو أولى عندنا مما رويناه أولاً من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نظم الفرائد (120). وانظر المعلم بفوائد مسلم (2/230) للمازري واكمال المعلم (4/447) للقاضي عياض وإحكام الأحكام (4/48) لابن دقيق، والأجوبة المرضية (3/1135) للسخاوي.
2 زاد المعاد (2/297).

 

ص -96-         الآثار المضطربة في أسانيدها"1.
وقال أبو يعلى في باب الترجيحات: "أن يكون أحد الراويين لم يضطرب لفظه والآخر اضطرب لفظه فيقدم خبر من لم يضطرب لفظه ؛ لأنه يدل على حفظه وضبطه. وسوء حفظ صاحبه" 2 اهـ.
وقال الخطيب: "مما يوجب تقوية أحد الخبرين المتعارضين وترجيحه على الآخر: سلامته في متنه من الاضطراب. وحصول ذلك في الآخر ؛ لأنّ الظن بصحة ما سلم متنه من الاضطراب يقوى ويضعف في النفس سلامة ما اختلف لفظ متنه، وإن كان اختلافاً يؤدي إلى اختلاف معنى الخبر فهو آكد، وأظهر في اضطرابه. وأجدر أن يكون راويه ضعيفاً. قليل الضبط لما سمعه أو كثير التساهل في تغيير لفظ الحديث.
وإن كان اختلاف اللفظ لا يوجب اختلاف معناه فهو أقرب من الوجه الأول غير أن ما لم يختلف لفظه أولى بالتقديم عليه"3 اهـ.
5-  قد تؤدي كثرة اختلاف الحديث إلى توهينه وعدم العمل به:
قال القرطبي على حديث اختلفت ألفاظه: "والذي يظهر لي وأستخير الله في ذكره: أن حديث جابر في العمري رواه عنه جماعة واختلفتْ ألفاظهم اختلافاً كثيراً ثم رواه عن كل واحد من تلك الجماعة قوم آخرون، واختلفوا كذلك. ثم كذلك القول في الطبقة الثالثة وخلط فيه بعضهم بكلام النبي صلى الله عليه وسلمما ليس منه فاضطرب فضعفت الثقة به"4 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  شرح معاني الآثار (1/76).
2 العدة (3/1029) وانظر قواطع الأدلة (3/35) للسمعاني.
3 الكفاية (434) وانظر اكمال المعلم (5/108) للقاضي عياض والمفهم (4/241) للقرطبي.
4 المفهم (4/595) وانظر ناسخ الحديث ومنسوخه (91) للأثرم والكفاية (434) للخطيب والإنصاف (189) لابن عبد البر واكمال المعلم (4/107) للقاضي عياض.

 

ص -98-         الفصل الثالث: معرفة الراوي المضطرب:
الاضطراب علة خفية تقدح في ثبوت الحديث. والعلة تدرك بجمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته قال أبو بكر الخطيب: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه. وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان والضبط"1 اهـ.
وقال عبدالله بن المبارك: "إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض" 2 اهـ.
وكان حفاظ الحديث يهتمون كثيراً بجمع طرق الحديث الواحد لا للتكثير بل لمعرفة الخطأ من الصواب قال يحيى بن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً؛ ما عقلناه"اهـ 3 أي لم ندرك موضع الخطأ من الصواب.
وقال علي بن المديني: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" 4 اهـ.
وقال أحمد بن حنبل: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه والحديث يفسر بعضه بعضاً"5 اهـ.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري 6: "كل حديث لا يكون عندي من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الجامع لأخلاق الراوي (2/295) وانظر التمييز (209) لمسلم.
2 الجامع لأخلاق الراوي (2/296) وانظر معرفة الرجال (2/39- ابن محرز) لابن معين.
3 التاريخ (4/271 -  الدوري) ومن طريقه ابن حبان في المجروحين (1/33) وكذا الحاكم في المدخل (32) وأخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2/212).
4 الجامع لأخلاق الراوي (2/212).
5 نفس المصدر.
6 الإمام الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الجوهري ت249هـ. النبلاء (12/149).

 

ص -99-         مائة وجه، فأنا فيه يتيم"1. يريد طرقه وعلله واختلاف ألفاظه2.
وكان إدراك العلة أحب عليهم من استفادة عشرين حديثاً يقول عبدالرحمن بن مهدي: "لأنْ أعرف علة حديث هو عندي أحب إليّ من أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي"3.
ولا يستغرب مثل هذا الكلام ؛ لأن من الأحاديث ما تخفى علته فلا يوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومضي الزمن البعيد4، فها هو الإمام أبو الحسن علي ابن عبدلله المديني - الذي قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان علماً في الناس في معرفة الحديث والعلل5 -  يقول: ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة"6.
إذا عُلِمَ هذا، فكذلك الراوي الذي أخطأ، أو اضطرب في الحديث، لا نستطيع إدراكه إلا بعد جمع طرق الحديث.
والحفاظ عندما يحكمون بأن المخطئ في هذا الحديث هو فلان، إنما يحكمون بعد وقوفهم على الروايات المختلفة.
ومما يدل على ذلك أن يحيى بن معين جاء إلى عفّان؛ ليسمع منه كتب حماد بن سلمة ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ت.بغداد (6/94) للخطيب. وانظر النبلاء(12/150).
2 النبلاء (13/190) للذهبي وانظر الجامع لأخلاق الراوي (2/177).
3 معرفة علوم الحديث (112) للحاكم ومن طريقه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2/295). وانظر منه (1/191).
4 الجامع لأخلاق الراوي (2/257).
5 الجرح (6/194).
6 الجامع لأخلاق الراوي (2/257).

 

ص -100-      فقال له: ما سمعتها من أحدٍ ؟
قال: نعم، حدثني سبعة عشر نفساً عن حماد بن سلمة.
فقال: والله لا حدثتُك !
فقال: إنما هو دِرهم. وانحدر إلى البصرة وأسمع من التَّبوذكي !!
فقال: شأنك.
فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل.
فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد ؟
قال: سمعتها على الوجه من سبعة عشر نفساً وأنت الثامن عشر
فقال: وماذا تصنع بهذا ؟
فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ؛ فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره.
فإذا رأيتُ أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه!
وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم، علمت أن الخطأ منه لا من حمّاد.
فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه، وبين ما أخطئ عليه1.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المجروحين (1/32) لابن حبان وانظر الإعلام بسنته (2ق99/أ) لمغلطاي.

 

 

ص -101-      فهذا النص يفيد؛ بأن معرفة الراوي المخطئ تكون بعد جمع طرق الحديث ودراستها.
فهذه هي الطريقة الرئيسة لمعرفة الراوي المخطئ مع طريقتين اثنتين هما:
1) أن يصرح الراوي بنفسه بأنه أخطأ أو لم يضبط.
2) أن يصرح الراوي عنه بأنه هو المخطئ.
وهناك طرق أخرى؛ لمعرفة الراوي المخطئ.
وإليك بيانها:
الطريقة الأولى: أن يُصرِّح الراوي المخطئ بنفسه بأنه اضطرب أو شك أولم يضبط:
قال ابن حزم: "لا يصح الخطأ في خبر الثقة إلا بأحد ثلاثة أوجه:
إما تثبت الراوي واعترافه بأنه أخطأ فيه.
وإما شهادة عدل على أنه سمع الخبر مع راويه فوهم فيه فلان.
وإما بأن توجب المشاهدة بأنه أخطأ"1 اهـ.
وكان يزيد بن هارون يقول في مجلسه الأعظم غير مرة حديث كذا وكذا أخطأت فيه2.
وقال ابن محرز: وسمعت يحيى وقال له عبد الوهاب بن باذام: أيما أكثر جرير أو أبوعوانة؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإحكام في أصول الأحكام (1/137).
2 الكفاية (146).

 

ص -102-      فقال: أبو عوانة أثبت منه.
فقال له عبد الوهاب بن باذام: يا أبا زكريا جرير صاحب كتاب!
فقال: أبوعوانة أثبت منه، قال لهم -  يعني جرير - : اضطرب عليَّ حديث الأشعث وعاصم فقلت لبهز -  يعني ابن أسد البصري -  فخلصها لي وكانت في دفتر واحد1.
وفي مسند الشافعي: "أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع أخبرني عبدالله ابن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح -  أو عمرو بن فلان بن أحيحة بن الجلاح.
قال الشافعي رحمه الله: أنا شككت"2.
الطريقة الثانية: أن ينص في أحد الأسانيد؛ بأن فلاناً أخطأ، أو شك، أو اضطرب:
وهي طريقة صريحة؛ لبيان الراوي المخطئ، وذلك لمباشرة الراوي لذلك الاختلاف بنفسه والراوي أدرى بمروياته من غيره.
من ذلك ما قاله الحميدي: ثنا سفيان ثنا عاصم بن عبيد الله عن عبدالله ابن عامر عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تابع بين الحج والعمرة؛ فإن المتابعة بينهما يزيدان في الأجل. وينفيان الفقر والذنوب. كما ينفي الكير الخبث".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1  معرفة الرجال (1/114)
2 (2/57ترتيب المسند).

 

ص -103-      قال سفيان: "هذا حديث حدثناه عبد الكريم الجَزَرِي عن عبدة عن عاصم فلما قدم عبدة أتينا لنسأله عنه ؟ فقال: إنما حدثنيه عاصم. وهذا عاصم حاضر فذهبنا إلى عاصم. فسألناه فحدثناه به هكذا، ثم سمعته منه بعد ذلك: فمرة يقفه على عمر ولا يذكر فيه عن أبيه.وأكثر ذلك كان يحدثه عن عبدالله بن عامر عن أبيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم"1 اهـ.
وقال يعقوب بن شيبة: "ولا نرى هذا الاضطراب إلا من عاصم. وقد بين ابن عيينة ذلك في حديثه"2 اهـ.
وقال الدارقطني: "رواه سفيان بن عيينة عن عاصم فجود إسناده. وبين أن عاصماً كان يضطرب فيه فمرة ينقص من إسناده رجلاً ومرة يزيد فيه ومرة يقفه على عمر"3 اهـ.
الطريقة الثالثة: أن يختلف الحفاظ على الراوي المقبول. فيعلم أنه منه.
وذلك أن الحفاظ إذا لم يختلفوا على الراوي المقبول؛ دلّ على حفظه لحديثه. قال عبد الرحمن بن مهدي: "إنما يستدل على حفظ المحدث إذا لم يختلف عليه الحفاظ"4.
وإذا اختلفوا عليه دلّ على أنه لم يضبط قال الإمام أحمد بن حنبل عن عبدالله بن عمير الكوفي: "مضطرب جداً في حديثه، اختلف عنه الحفاظ".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الحميدي في المسند (1/10) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (25/260).
2 أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (25/259).
3 العلل (2/129) للدارقطني.
4 أخرجه الخطيب في الكفاية (435).

 

ص -104-      قال أبو داود: يعني فيما رووا عنه1.
وذكر الدارقطني حديثاً فيه اضطراب رواه عبد الملك بن عمير ثم قال: "ويشبه أن يكون الاضطراب في هذا الإسناد من عبد الملك بن عمير ؛ لكثرة اختلاف الثقات عنه في الإسناد"2.
وذكر الدارقطني أيضاً حديثاً اضطرب فيه الرواة ثم قال: "وليس فيها شيء أقطع على صحته ؛ لأنَّ الأعمش اضطرب فيه وكل من رواه عنه ثقة"3اهـ.
الطريقة الرابعة: أن يتفق الرواة عنه على شيء فيعلم أن الخطأ منه.
والفرق بين هذه الطريقة والسابقة أن الراوي في الطريقة السابقة يروي الحديث على أوجه مختلفة والرواة عنه ثقات فيعلم أنه هو المخطئ. وأمّا في هذه الطريقة فيروي وجهاً ويتفق الرواة عنه على ذلك الوجه فيعلم أنه هو المخطئ.
قال ابن معين عن حماد وتلامذته: "إذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه"4.
ومن ذلك هُشيم بن بُشير الواسطي روى حديثاً فاختلف الرواة عليه، فعلق بعضهم الوهم بهشيم، فتعقبه ابن دقيق العيد بقوله: "وهذا الوهم إنما يلزم هشيماً إذا اتفقوا عليه فيه"5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سؤالات أبي داود (295رقم354) وانظر العلل (118) رواية المروذي وغيره.
2 العلل (2/125) وانظر المهروانيات (173) وتعجيل المنفعة (1/723) لابن حجر.
3 العلل (4ق8/ أ).
4 المجروحين (1/32) لابن حبان.
5 نصب الراية (1/97) للزيلعي وانظر علل الخلال (215 -  المنتخب).

 

ص -105-      الطريقة الخامسة: أن يتفق الرواة المقبولون على الراوي المقبول على وجه فيرويه واحد عنه بخلافهم فيكون الخطأ من الراوي لا منه.
قال ابن معين في روايات أصحاب حماد بن سلمة عنه: "إذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حماد"1.
وقال مسلم في معرض بيانه للسمة والعلامة التي يعرف بها الخطأ في رواية ناقل الحديث: "أن يروي نفرٌ من حفاظ الناس عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، [مجتمعين] على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى فيرويه آخر سواهم عمّن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ. فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد. وإن كان حافظاً.
على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم"2.
وقيل لابن معين: "اختلاف يحيى بن أبي كثير منه ؟
قال: من أصحابه"3.
وقال أبو داود: "قلت لأحمد: اختلاف أحاديث الزهري ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المجروحين (1/32).
2 التمييز (172) وانظر توضيح المشتبه (1/156) لابن ناصر الدين الدمشقي.
3 التاريخ (4/458الدوري) ومعرفة الرجال (1/116-  ابن محرز).

 

ص -106-      قال منها ما روى عن رجلين.
ومنها: ما جاء عن أصحابه - يعني الوهم"1.
وقال الحسين بن إدريس سمعت محمد بن عبدالله بن عمّار الموصلي يقول فيه - أي إبراهيم بن طهمان الخراساني - ضعيف مضطرب الحديث.
قال فذكرته لصالح يعني جَزَرة ؟
فقال: ابن عمار من أين يعرف حديث إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة2 - يعني الحديث الذي رواه ابن عمار عن المعافى بن عمران عن إبراهيم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة: أول جمعة جمعت بجواثا.
قال صالح: والغلط فيه من غير إبراهيم ؛ لأن جماعة رووه عنه عن أبي جمرة عن ابن عباس وكذا هو في تصنيفه وهو الصواب.
وتفرد المعافى بذكر محمد بن زياد فعلم أن الغلط منه لا من إبراهيم"3.
الطريقة السادسة: أن يكون الرواة في درجة القبول لكنهم يتفاوتون في الضبط، فيلصق بأقلهم ضبطاً.
قال ابن الجنيد: "قال رجل ليحيى وأنا أسمع: روى جرير عن حبيب بن أبي عمرة والشيباني أحاديث كأنه يقول: منكرة ! فقال يحيى: حبيب بن أبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سؤالات أبي داود (219). وانظر الأحاديث التي خولف فيها مالك (44،77) للدارقطني.
2 أخرجه النسائي في السنن الكبرى (1/515 رقم 1655) عن ابن عَمّار عنه به.
3 التهذيب (1/113) وانظر الضعفاء (4/176) للعقيلي والأسامي والكنى (2/264) لأبي أحمد الحاكم.

 

ص -107-      عمرة والشيباني ثقتان لعل هذا من جرير"1 اهـ.
وقال المروذي للإمام أحمد: "يحيى بن يمان ومؤمل إذا اختلفا ؟
قال: دع ذا كأنه لين أمرهما. ثم قال: مؤمل كان يخطئ"2 اهـ.
وقال ابن القطان في معرض رده على من ألصق الخطأ بثقة مع وجود من هو أقل ضبطاً منه: "ليس ينبغي أن يحمل على حميد وهو ثقة بلا خلاف، في شيء جاء به عنه من يختلف فيه"3.
وسئل الدارقطني: عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات. مثل أن يروي الثوري حديثاً ويخالفه فيه مالك. والطريق إلى كل واحد منهما صحيح ؟
فقال: "ينظر ما اجتمع عليه ثقتان يحكم بصحته أو جاء بلفظة زائدة مثبتة يقبل منه تلك الزيادة. ويحكم لأكثرهم حفظاً [والخطأ يبنى على من دونه]4اه.
الطريقة السابعة: أن يكون الرواة في درجة القبول إلا راوياً ضعيفاً فيلصق به:
وذلك ؛ لأن الراوي الضعيف مظنة الوهم والخطأ5، بخلاف الراوي المقبول فتوهيمه يحتاج إلى دليل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سؤالات ابن الجنيد (478رقم837).
2 العلل (60رقم53) وانظر العلل (11/317) للدارقطني.
3 بيان الوهم (3/368) وانظر منه (5/276) وانظر العلل (7/20) للدارقطني.
4 سؤالات السلمي (364) وما بين القوسين أصلحته من النكت (2/180) للزركشي والنكت (2/689) للحافظ و الأجوبة المرضية (1/201) للسخاوي.
5 انظر نصب الراية (3/8).

 

ص -108-      قال ابن أبي حاتم: الحسين بن إدريس الأنصاري المعروف بابن خرم الهروي روى عن خالد بن الهياج بن بِسْطام. كتب إليّ بجزء من حديثه عن خالد ابن الهياج بن بسطام فأول حديث منه باطل، وحديث الثاني باطل وحديث الثالث ذكرته لعلي بن الحسين بن الجُنيد؟
فقال لي: احلف بالطلاق، إنّه حديث ليس له أصل.
وكذا هو عندي. فلا أدري (البلاء) منه أو من خالد بن هَيَّاج بن بِسْطام1. فعلق عليه الحافظ الذهبي بقوله: "قلت بل من خالد؛ فإنه ذو مناكير عن أبيه. وأمّا الحسين فثقة حافظ"2.
قال الخليلي: في ترجمة عيسى بن موسى البخاري المعروف بغُنْجار: إنما يقع الاضطراب من تلامذته وضعفاء شيوخه لا منه3.
وذكر الدارقطني حديثاً من طريق عمرو بن دينار البصري فيه اضطراب. فقال: "ويشبه أن يكون الاضطراب فيه من عمرو بن دينار ؛ لأنه ضعيف قليل الضبط"4.
وقال يعقوب بن شيبة في معرض بيانه للراوي المخطئ في حديث: "رواه عاصم بن عبيد الله وهو مضطرب الحديث. فاختلف عنه فيه. ولا نرى هذا الاضطراب إلا من عاصم"5 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الجرح (3/47) وما بين القوسين من النبلاء (14/114).
2 النبلاء (14/114) وانظر الجرح (3/457). والتنقيح (2/230) لابن عبد الهادي.
3 الإرشاد في معرفة علماء الحديث (3/955). وانظر الميزان (3/651) للذهبي.
4 العلل (2/49- 50) وانظر منه (2/229).
5 تاريخ دمشق (25/259) لابن عساكر باختصار. وانظر شرح العلل (2/864). لابن رجب.

 

ص -109-      وذكر الدارقطني حديثاً اضطرب فيه الرواة ثم قال: "أبو حمزة مضطرب الحديث. والاضطراب في الحديث من قبله. والله أعلم"1 اهـ.
وذكر الذهبي حديثاً منكراً رواته ثقات إلا راو ضعيفاً، فألصقه به قائلاً: "إن من قبله ومن بعده أئمة أثبات، فالآفة منه عمداً أو خطأ"2 اهـ.
الطريقة الثامنة: أن يكون في السند ضعفاء فيلصق بأضعفهم، وإلصاق الخطأ به ؛ لأن مظنة الوهم والخطأ منه أكثر من غيره.
أخرج ابن عدي في الكامل من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الهر من متاع البيت"3.
ثم قال: "والحكم بن أبان وإن كان فيه لين؛ فإن حفص هذا الين منه بكثير. والبلاء من حفص، لا من الحكم 4.
وأخرج الدارقطني في السنن من طريق محبوب بن محرز عن أبي مالك النخعي عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن علي "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المتوفى عنها زوجها أن تعتد في غير بيتها إن شاءت".
ثم قال: "لم يسنده غير أبي مالك النخعي وهو ضعيف ومحبوب هذا ضعيف أيضاً"5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 العلل (2/159) وانظر منه (6/39) و(5/113) والميزان (1/548).
2 النبلاء (6/132).
3  حديث ضعيف: انظر السلسلة الضعيفة (4/21 رقم 1512) للألباني.   
4 الكامل (2/386) وانظر معجم شيوخ ابن عساكر (ق 141/ب).
5 السنن (3/315).

 

ص -110-      قال ابن القطان معلقاً: "وعطاء مختلط وأبو مالك أضعفهم، فلذلك أعله الدارقطني به"1.
الطريقة التاسعة: أن يكون في السند ضعيفان فأكثر فيلصق بهم:
قال ابن أبي حاتم الرازي: "روى معاذ بن معاذ العنبري عن الشُعَيْثي عن الحارث بن بدل قال: "شهدت النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين".
وروى بكر بن بكار عن الشعيثي هذا الحديث.
روى مرة عن الحارث بن سليم بن بدل قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا من تخليط بكر بن بكار فإنه سيئ الحديث ضعيف الحفظ ومن تخليط الشعيثي فإنه ضعيف الحديث"2.
وقال ابن عساكر في معرض بيانه لعلة حديث: "هذا حديث منكر مركب على إسناد صحيح والحمل فيه على أبي حامد أو الخالدي فإنهما يأتيان بالعجائب"3 اهـ.
وقال ابن حبان البستي: "إذا روى ضعيفان خبراً موضوعاً لا يتهيأ الزاقه بأحدهما دون الآخر إلا بعد السبر"4.
(فائدة) قال الزركشي: "إذا اشتمل الإسناد على ضعيف ومجهول.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نصب الراية (3/264) وانظر بيان الوهم (3/127).
2 الجرح (3/69) وانظر عجالة الإملاء على الترغيب والترهيب (408) للناجي.
3  معجم شيوخ ابن عساكر (ق 216/أ)
4 المجروحين (1/314) وانظر منه (2/110،240)، وانظر بيان الوهم (3/89) لابن القطان والأجوبة المرضية (1/17) للسخاوي.

 

ص -111-      فقال ابن القطان: إعلاله بالمجهول أولى.
وقال صاحب الإنصاف: إعلاله بالضعيف أولى من إعلاله بالمجهول ؛ لأنه ربما يعرف فيعدل1.
وإذا اشتمل الحديث على ضعفاء فذكر الأعلى أولى من ذكر من دونه من الضعفاء؛ لأنه إذا اقتصر على السافل، فربما يرويه ثقة عن الضعيف2، فإذا ذكر الضعيف السافل ارتفع ضعف الحديث برواية المعدل بخلاف ذكر الضعيف الأعلى؛ فإن المدار حينئذ عليه3.
وهذا يسلكه عبد الحق في أحكامه كثيراً. ويعترض عليه ابن القطان فإنه يقصر الجناية على واحد دون غيره والذي سلكه عبد الحق حسن لما قلناه4")5 اهـ.
الطريقة العاشرة: أن ينص أحد الحفاظ على أن الخطأ من فلان. وهذا مبني على سعة إطلاعهم. واتساع أفقهم، ومعرفتهم بالرجال. وأحاديث كل واحد منهم.
قال ابن أبي حاتم في العلل:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 إذا عرف فعدل فلا إشكال من إعلاله بالضعيف أمّا وهو مجهول فيعل الحديث بهما إلا إذا توبع أحدهما وإن كان الضعيف مظنة الوهم فيه أكثر والله أعلم.
2 هذا إذا توبع أمّا إذا لم يتابع فذكرهم جميعاً أولى وانظر بيان الوهم (3/127) لابن القطان.
3 أحياناً يكون المدار على أكثر من ضعيف.
4 أي أن الضعيف السافل قد يتابع بخلاف الذي عليه مدار السند.
5 النكت (2/223) للزركشي بتصرف.

 

ص -112-      "سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت أم سلمة فرأى عندها مخنثاً الحديث ؟
قال أبي: هذا خطأ اضطرب فيه حماد. إنما هو هشام عن أبيه عن أم سلمة.
وليس عن هشام عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة إلا ذاك الواحد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد) 1.
وذكر الدارقطني حديثاً فيه وهم ثم قال: "وأحسب أن الوهم من الباغندي لا ممن فوقه؛ لأن شيخ الباغندي من الثقات قليل الخطأ"2 اهـ.
الطريقة الحادية عشرة: أن يتوقف فلا يدرى ممن الغلط ؟
وذلك يكون ؛ لقلة الإطلاع على طرق أكثر، تظهر موطن الغلط ومنشأه، أو لكثرة الاختلافات.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يعقوب بن كاسب عن مغيرة بن عبد الرحمن عن عبدالله بن سعيد بن أبي هند عن بكير بن عبدالله بن الأشج عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"من نذر نذراً لم يسعه فكفارته كفارة اليمين"، وذكر الحديث.
فقالا: رواه وكيع عن مغيرة فأوقفه والموقوف صحيح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 العلل (2/237) حديث أم سلمة أخرجه البخاري في الصحيح (8/43 رقم 4324 ـ فتح) وحديث  عمر بن أبي سلمة أخرجه البخاري في الصحيح (1/468 رقم 354 ـ فتح).
2 العلل (11/317) 

 

ص -113-      قلت لهما: الوهم ممن هو ؟ قالا: ما ندري من مغيرة أو من ابن كاسب1.
وذكر للإمام أحمد "حديث الحسين الجعفي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر:
"أسلم سالمها الله" فأنكره إنكاراً شديداً. وقال: هذا عبدالله بن دينار عن ابن عمر انظر الوهم من قبل من هو" 2.
وذكر الحاكم حديثاً فيه وهم. ثم قال: "لقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه من هو فلم أقف عليه اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن بيان البصري على أنه صدوق مقبول" 3 اهـ.
وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث فيه اضطراب؟
فقال أبوحاتم: الناس يضطربون في حديث العلاء...
فقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي فأيهما الصحيح منهما؟.
قال: هو مضطرب.
فأعدت عليه فلم يزدني على قوله هو مضطرب4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 العلل (1/441). وانظر العلل (6/151) للدارقطني والأنساب (5/260) للسمعاني. والرواية الموقوفة أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (3/72 رقم 12181ـ العلمية)، وانظر (8/210 ـ 211) من إرواء الغليل.
2 العلل (148رقم264- المروذي) وانظر التاريخ (3/560-  الدوري) لابن معين. حديث جابر أخرجه أبو نعيم في الحلية (7/316). وحديث ابن عمر أخرجه أحمد في المسند (2/60) والترمذي في السنن (5/729) وإسناده صحيح.
3 معرفة علوم الحديث (59) وانظر الرواة عن سعيد بن منصور (60) لأبي نعيم.
4  العلل (1/291).

 

ص -114-      (فائدة) أحياناً تختلف أقوال النقاد في تعيين الراوي المخطئ.
قال الزيلعي في معرض بيانه لحديث فيه وهم. واختلف ممن الوَهْم: "قد اضطرب كلامهم فمنهم من ينسب الوهم في رفعه لسعيد. ومنهم من ينسبه للتَرجمُاني الراوي عن سعيد. والله أعلم"1 اهـ.
والعمل عندها أن ينظر فيه على ما سبق من الطرق وإلا يتوقف.
وهذه الطرق لا تعني أن هذا الراوي هو المخطئ يقيناً2. بل تفيد غلبة الظن3. فإذا قالوا أخطأ فلان، فلا يتعين خطؤه في نفسه الأمر. بل هو راجح الاحتمال فيعتمد4. وذلك؛ لأن كُلّ طريقة من الطرق السابقة هي مظنة الخطأ في ذلك الراوي.
فالحكم عليه بالخطأ. إنما هو بطريق الظن الغالب لا بالقطع؛ إذ قد يسلم من الخطأ 5. لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك. وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاماً؛ وذهنه ثاقباً؛ وفهمه قوياً؛ ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة 6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نصب الراية (2/163).
2 إلا إذا صرح بنفسه.
3  انظر السنن الكبرى (1/306) للبيهقي.
4 انظر فتح الباري (1/585) للحافظ.
5 كأن يتابع وانظر مثالاً لراو ألصق الخطأ به فتوبع فبرئت عهدته من الخطأ في نصب الراية (3/190).
6 انظر نزهة النظر (118) للحافظ.

 

ص -115-      الفصل الأول: قاعدة الاضطراب في السند
المبحث الأول: منهج المحدثين في زيادة الثقة مع قاعدة في الرواة المختلفين.

الاضطراب في السند له ست صور:
أ - الاضطراب بتعارض الوصل والإرسال.
ب - الاضطراب بتعارض الاتصال والانقطاع.
ج - الاضطراب بتعارض الوقف والرفع.
د - الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين.
هـ- الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف.
و- الاضطراب في تعيين الراوي 1.
وإنما يعل الحديث في هذه الصور بشرط اتحاد المخرج.
قال العلائي: "لايقدح أحدهما في الآخر إذا اختلف السندان" 2اه.
وقال ابن دقيق في معرض كلامه عن تعليل الحديث بالاختلاف: "وهذا بشرط أن لا يكون الطريقان مختلفين بل يكونان عن رجل واحد" 3اه.
وقال ابن عبد الهادي: "محل الخلاف إذا اتحد السندان أمّا إذا [اختلفا] فلا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من كلام العلائي بتصرف. نقله الحافظ في النكت (2/778).
2 جزء القلتين (49).
3 الاقتراح (224) وانظر النكت (2/611) للحافظ.

 

ص -116-      يقدح أحدهما في الآخر إذا كان ثقة جزماً"1اهـ.
وسبب الضعف في هذه الصور أمران:
1- أنها دلت على عدم ضبط الراوي لذلك الحديث 2.
2- أنها في إحدى الحالتين تكون ضعيفة3 إلا في صورة الرفع والوقف؛ فلأن الموقوف ليس حجة كالمرفوع.
وهذه الصور لها تعلق بمسألة "زيادة الثقة".
قال ابن الصلاح في معرض حديثه عن الحديث الذي اختلف في وصله وإرساله أو وقفه ورفعه: "ولهذا الفصل تعلق بفصل "زيادة الثقة" في الحديث"4اهـ.
وإنما تعلقت بزيادة الثقة؛ [لأنه آت بزيادة] 5.
وتعلقت زيادة الثقة بها؛ لأن فيها - أي الزيادة - مخالفة لما رواه غيره وصورة مسألة زيادة الثقة: [أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة] 6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نقله السخاوي في فتح المغيث (1/207).
2 علوم الحديث (269) لابن الصلاح.
3 كالإرسال والانقطاع.
4 علوم الحديث (229) وانظر النكت(2/605) للحافظ وفتح المغيث (1/200) و(4/72) للسخاوي.
5 سلاسل الذهب (329) للزركشي.
6 شرح العلل (2/635) لابن رجب.

 

ص -117-      ومحلها في التابعين فمن دونهم 1.
واختلف العلماء في زيادة الثقة على مذاهب:
1- القبول مطلقاً.
2- الرد مطلقاً.
3- التفصيل فيه.
قال ابن عبد الهادي في معرض ردِّه على من قال الزيادة من الثقة مقبولة:
"فإن قيل الزيادة من الثقة مقبولة ؟
قلنا: ليس ذلك مجمعاً عليه، بل فيه خلاف مشهور !
فمن الناس: من يقبل زيادة الثقة مطلقاً.
ومنهم: من لا يقبلها.
والصحيح التفصيل وهو أنها تقبل في موضع دون موضع فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظاً ثبتاً والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة 2.
وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح الباقي (1/211) للأنصاري.
قال الحافظ في النكت (2/691): "الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح السند فلا يختلفون في قبولها" اهـ وانظر جزء رفع اليدين (189) للبخاري.
2 وهذا ليس علىإطلاقه انظر شرح العلل (2/582) لابن رجب.

 

ص -118-      ومن حكم في ذلك حكماً عاماً فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها.
ففي موضع يجزم بصحتها.
وفي موضع يغلب على الظن صحتها.
وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة.
وفي موضع يغلب على الظن خطؤها.
وفي موضع يتوقف عن الزيادة"1 اهـ.
وهذا الذي صححه ابن عبد الهادي هوالصواب إن شاء الله؛ لأن الإسناد الذي اختلف فيه رواته لا يخلو من حالتين: -
أ- أن تحتف بالإسناد قرائن ترجح أحد الأوجه.
ب- أن لا تحتف بالإسناد قرائن 2.
فإن احتفت بالإسناد قرائن ترجح أحد الأوجه؛ فليس لأهل الحديث قاعدة مضطردة بل هم يحكمون في كل حديث بحكم خاص.
قال أبو داود للإمام أحمد: "إذا اختلف الفريابي ووكيع، أليس يقضي لوكيع ؟
قال: مثل ماذا ؟
قلت: مالم يروه غيره ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نقله الزيلعي في نصب الراية (1/336- 337) باختصار.
2 انظر النكت (2/605) للحافظ.

 

ص -119-      قال: ما أدري وكيع ربما خولف أيضاً" 1اه.
وقد نص جماعة من أهل التحقيق والدراية والتدقيق على أنه ليس لأهل الحديث حكم عام مطرد عند الاختلاف بل مرجع ذلك إلى القرائن والمرجحات.
منهم:
1-  الإمام العلامة المحقق المدقق أبو الفتح محمد بن علي القشيري الشافعي المعروف بابن دقيق العيد ت702هـ.
قال رحمه الله: "أهل الحديث قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول، ثم تقوم لهم علل فيه تمنعهم من الحكم بصحته. كمخالفة جمع كثير له أو من هو أحفظ منه أو قيام قرينة تؤثر في أنفسهم غلبة الظن بغلطه.
ولم يجر ذلك على قانون واحد يستعمل في جميع الأحاديث. ولهذا أقول: إن من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارضت رواية مرسل ومسند أو واقف ورافع أو ناقص وزائد: أن الحكم للزائد؛ فلم يصب في هذا الإطلاق فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً. وبمراجعة أحكامهم الجزئية، تعرف صواب ما نقول"2اهـ.
2-  والإمام العلامة المحقق أبو الفتح محمد بن محمد المصري المعروف بابن سيد الناس ت734هـ.
قال رحمه الله: "ليس لأكثر أهل الحديث في تعارض الوصل والإرسال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سؤالات أبي داود (199رقم139) وانظر العلل (6/151) للدارقطني.
2 شرح الإلمام (1/60- 61) باختصار  وانظر النكت (2/60) للزركشي.

 

ص -120-      عمل مطرد"1 اهـ.
3- والإمام العلامة المحقق أبو عبدالله محمد بن أحمد المقدسي المعروف بابن عبد الهادي الحنبلي ت744 هـ.
قال رحمه الله: "ذهب الحذاق من الأئمة -  وهي أقوى الطرق -  أنه يصار إلى الترجيح فتارة يحكم للوقف وتارة يحكم للرفع وتارة يتوقف كل بحسب القرائن.
وهذه طريقة الشافعي وأحمد وعلي بن المديني والبخاري والنسائي وغيرهم من الأئمة" 2اهـ.
وقال أيضاً: "الأخذ بالمرفوع والمتصل في كل موضع طريقة ضعيفة لم يسلكها أحد من المحققين وأئمة العلل في الحديث"3.
4- والإمام العلامة المحقق أبو سعيد خليل العلائي الشافعي ت761هـ.
قال رحمه الله: "الذي يظهر من كلامهم -  أي المحدثين -  خصوصاً المتقدمين كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهما كأحمد ابن حنبل وعلي بن المديني ويحيى ابن معين وهذه الطبقة، ومن بعدهم كالبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين ومسلم والترمذي والنسائي وأمثالهم والدارقطني والخليلي. كل هؤلاء مقتضى تصرفهم في الزيادة قبولاً ورداً الترجيح بالنسبة إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نقله الحافظ في النكت (2/604).
2 نقله الزركشي في النكت (1/156 -  تحقيق: نور علي) وانظر تنقيح التحقيق (1/108) لابن عبد الهادي، ونصب الراية (1/336).
3  تنقيح التحقيق (1/119).

 

ص -121-      مايقوى عند الواحد منهم في كل حديث ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث. وهذا هو الحق"1 اهـ.
5- والإمام العلامة المحقق أبو الفرج عبدالرحمن بن أحمد الدمشقي المعروف بابن رجب الحنبلي ت795هـ.
قال رحمه الله: "ربما يستنكر أكثر الحفاظ المتقدمين بعض تفردات الثقات الكبار. ولهم في كل حديث نقد خاص وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه"2اهـ.
6- والإمام العلامة المحقق أبو الفضل أحمد بن علي الشافعي المعروف بابن حجر العسقلاني ت852 هـ.
قال رحمه الله: "المنقول عن أئمة الحديث المتقدمين اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها. ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة"3 اهـ.
7- والإمام العلامة المحقق إبراهيم بن عمر البقاعي ت885 هـ.
قال رحمه الله: "لحذاق المحدثين في هذه المسألة نظر - وهو الذي لاينبغي أن يعدل عنه - وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد وإنما يديرون في ذلك مع القرائن"4 اهـ.
8- والإمام العلامة المحقق أبو عبدالله محمد بن عبدالرحمن السخاوي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نقله الزركشي في النكت (2/175) والحافظ في النكت (2/604، 778) وانظر نظم الفرائد (209) للعلائي.
2 شرح العلل (2/582).
3 نزهة النظر (96). وانظر النكت (2/746).
4 نقله الصنعاني في توضيح الأفكار (1/339- 340).

 

ص -122-      ت902هـ قال رحمه الله: "الحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن عدم اطراد حكم كلي. بل ذلك دائر مع الترجيح: فتارة يترجح الوصل، وتارة الإرسال، وتارة يترجح عدد ذوات الصفات، وتارة العكس. ومن راجع أحكامهم الجزئية؛ تبين له ذلك"1 اهـ.
وإن لم تحتف بالإسناد قرائن فاختلف المحدثون في الترجيح:
فمنهم من يرجح الوصل والرفع.
ومنهم من يرجح الإرسال والوقف.
ومنهم من يرجح رواية الأكثر.
ومنهم من يرجح رواية الأحفظ.
قال الحافظ معلقاً على كلام العلائي السابق: "هذا العمل الذي حكاه2 عنهم إنما هو فيما يظهر لهم فيه ترجيح.
وأما ما لايظهر فيه الترجيح فالظاهر أنه المفروض في أصل المسألة3"4 اهـ.
وقال السخاوي بعد ذكره لاختلافهم في تقديم الوصل أو الإرسال أو الأكثر أو الأحفظ: "والظاهر أن محل الأقوال 5 فيما لم يظهر فيه ترجيح كما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث (1/203).
2 من أنهم لايحكمون بحكم كلي.
3 أي تعارض الوصل والإرسال.
4 النكت (2/605).
5 وفي نسخة (الخلاف) ذكره المحقق.

 

ص -123-      أشار إليه شيخنا"1 اهـ.
قاعدة في الرواة المختلفين:
الرواة المختلفون في الحديث وصلاً وإرسالاً. رفعاً ووقفاً. اتصالاً وانقطاعاً، ونحوه [إما أن يكونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم لا.
فالمتماثلون إما أن يكون عددهم من الجانبين سواء أم لا.
فإن استوى عددهم مع استواء أوصافهم، وجب التوقف حتى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لها.
ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر. ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث. بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص. لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق.
ولأجل هذا كان مجال النظر في هذا أكثر من غيره. وإن كان أحد المتماثلين أكثر عدداً فالحكم لهم على قول الأكثر. وقد ذهب قوم إلى تعليله، وإن كان من وصل أو رفع أكثر. والصحيح خلاف ذلك]2.
وقال يحيى بن معين: "أصحاب سفيان الثوري ستة: يحيى بن سعيد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح المغيث (1/202- 203) وانظر فتح الباقي (1/178) للأنصاري والأجوبة المرضية (1/200- 201) للسخاوي.
2 من كلام العلائي نقله الحافظ في النكت (2/778).
وقال الذهبي في الموقظة (52): "العبرة بما اجتمع عليه الثقات فإن الواحد قد يغلط وهنا ترجح ظهور غلطه فلا تعليل والعبرة بالجماعة"اهـ.

 

ص -124-      ووكيع ابن الجراح وابن المبارك والأشجعي وعبدالرحمن بن مهدي وأبو نعيم.
وليس أحد من هؤلاء يحدث عن سفيان فيخالفه بعض هؤلاء الستة فيكون القول قوله حتى يجيء إنسان يفصل بينهما فإذا اتفق من هؤلاء اثنان على شيء كان القول قولهما"1 اهـ.
[وأما غير المتماثلين فإما أن يتساووا في الثقة أو لا فإن تساووا في الثقة فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم له ولا يلتفت إلىتعليل من علله بذلك.
أيضاً إن كان العكس فالحكم للمرسل والواقف] 2.
قال ابن هاني للإمام أحمد: "إن اختلف شعبة وسفيان فالقول قول من؟
قال: سفيان أقل خطأ وبقول سفيان آخذ" 3 اهـ.
[وإن لم يتساووا في الثقة فالحكم للثقة ولا يلتفت إلى تعليل من علله برواية غير الثقة إذا خالف] 4.
قال النسائي في معرض بيانه لاختلافٍ في حديث: "لا يحكم بالضعفاء على الثقات" 5 اهـ [إذ رواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء] 6.
[وإذا كان رجال أحد الإسنادين أحفظ، والآخر أكثر فقد اختلف المتقدمون فيه:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 التاريخ (3/560 ـ الدوري).
2 من كلام العلائي نقله الحافظ في النكت (2/779).
3 المسائل (2/213) وانظر تاريخ ابن معين (44 ـ 45 رقم 58ـ الدقاق).
4 من كلام العلائي نقله الحافظ في النكت (2/779).
5 السنن الكبرى (3/491). وانظر العلل (1/16) لابن أبي حاتم.
6 انظر نصب الراية (4/97) للزيلعي، وشرح الإلمام (1/391) لابن دقيق.

 

ص -125-      فمنهم من يرى قول الأحفظ أولى؛ لإتقانه وضبطه.
ومنهم من يرى قول الأكثر أولى؛ لبعدهم عن الوهم.
ولا شك أن الاحتمال من الجهتين منقدح قوي، لكن ذاك إذا لم ينته عدد الأكثر إلى درجة قوية جداً بحيث يبعد اجتماعهم على الغلط أو يندر أو يمتنع عادة فإن نسبة الغلط إلى الواحد وإن كان أرجح من أولئك في الحفظ والإتقان أقرب من نسبته إلى الجمع الكثير ] 1.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من كلام العلائي نقله الحافظ في النكت (2/779 ـ 780).
(فائدة):
قال محمد ناصر الدين: "الأخذ بالأقل هو المتيقن عند اضطراب  الرواة وعدم إمكان ترجيح وجه من وجوه الاضطراب" اهـ. السلسلة الصحيحة (4/371) وانظر المعلم (2/174) للمازري والنكت (2/58) للزركشي.

 

ص -127-      المبحث الثاني: الاضطراب بتعارض الوصل والإرسال.
الاضطراب بتعارض الاتصال والإرسال:
المتصل
: هو الذي اتصل إسناده، فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه إلى منتهاه.
ويطلق على المرفوع والموقوف1.
ومرادهم هنا المرفوع؛ لأنه مقابل للإرسال2.
والمرسل: ما سقط من منتهاه ذكر الصحابي. بأن يقول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم3.
وليس من المرسل إبهام اسم الصحابي. قال ابن دقيق العيد: "عدم ذكر اسم الصحابي، لا يجعل الحديث مرسلاً" 4 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر علوم الحديث (192) لابن الصلاح، والاقتراح (211) لابن دقيق والمقنع (1/112) لابن الملقن.
2 انظر علوم الحديث لابن الصلاح  (193).
3 انظر علوم الحديث (202) لابن الصلاح والاقتراح (208) لابن دقيق العيد  والمقنع (1/129) لابن الملقن.
4 نقله الزيلعي في نصب الراية (1/35). وانظر بيان الوهم (2/592) والنكت (1/462) للزركشي.
(فائدة): قال الحميدي: "إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو حجة. وإن لم يسمّ ذلك الرجل؛ لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم عدول"اهـ  نقله ابن القطان في بيان الوهم (2/611). وانظر الكفاية (415) للخطيب.

 

ص -128-      وصورة الاضطراب: أن تتعارض رواية الوصل مع رواية الإرسال. ولا مرجح.
وله حالتان:
1-  أن يكون الواصل والمرسل راوياً واحداً.
2-  أن يكون الواصل غير المرسل.
فإذا كان الواصل والمرسل واحداً. ولا مرجح فقد اختلف أهل العلم في ذلك.
1-  الحكم للوصل على الإرسال.
لأنه زيادة ثقة.
وإليه ذهب ابن الصلاح وقال: "على الأصح" 1 اهـ.
وقال الخطيب: "إذا كان الإرسال والوصل من راوٍ واحد لا يضر لنسيانه"2 اهـ.
2-  الحكم لما وقع منه أكثر من وصل أو إرسال:
لأنه يدل على أنه الراجح من روايته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث (229) وانظر التبصرة والتذكرة (1/179) للعراقي. والنكت (2/65 -  66) للزركشي وفتح المغيث (1/206) للسخاوي  وتوضيح الأفكار (1/343) للصنعاني. والتمهيد في أصول الفقه (3/144 ـ 145) للكلوذاني ومنتهى الوصول في علم الأصول (85) لابن الحاجب والمعتمد (2/151) للبصري والمسودة (226) آل تيمية.
2 الكفاية (411).

 

ص -129-      وإليه ذهب الأصوليون كالرازي وأتباعه 1.
قال العراقي: "الأصوليون صححوا أن الاعتبار بما وقع منه أكثر فإن وقع وصله أكثر من إرساله فالحكم للوصل، وإن كان الإرسال أكثر فالحكم له"2 اهـ.
3-  الحكم بتعارضهما:
لأنه لا يدري ما الراجح في الرواية. الوصل أم الإرسال.
وإليه ذهب أئمة الحديث.
قال السخاوي: "زعم بعضهم: أن الراجح من قول أئمة الحديث فيهما التعارض" 3 اهـ.
مثاله:
ما رواه سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل فقالت له يا رسول الله إني كنت جنباً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الماء لا يجنب"4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المقنع (1/208) لابن الملقن. وفتح المغيث (1/206) للسخاوي. وتوضيح الأفكار (1/343) للصنعاني.
2 التبصرة والتذكرة (1/179). وانظر بذل النظر في الأصول (430) للأسمندي وشرح الكوكب المنير (2/546) للفتوحي.
3 فتح المغيث (1/206).وانظر العدة في أصول الفقه (3/1032) لأبي يعلى وانظر النكت للزركشي (2/65).
4 أخرجه أبو داود في السنن (1/55 رقم 86) والنسائي في السنن (1/189 رقم 324) وابن خزيمة في الصحيح (1/48 رقم 91) من طرق عن سماك عنه به.

 

ص -130-      ورواه سماك أيضاً عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً1.
فاضطرب فيه سماك مرة وصله ومرة أرسله.
قال الإمام أحمد: "هذا حديث مضطرب" 2 اهـ.
وإذا كان الواصل غير المرسل ولا مرجح فقد اختلف أهل العلم في ذلك:
1-  الحكم للمرسل:

وإليه ذهب أكثر أهل الحديث 3.
[لأن الإرسال جرح. والجرح مقدم على التعديل]4 [وفي هذه العلة نظر. وإنما علة ذلك الشك في وصله. فأخذنا بالأقل المتيقن وألغينا غيره] 5.
قال ابن معين: "إذا خفت أن تخطئ في الحديث فانقص منه ولا تزد" 6 اهـ.
ولأن [من أرسل معه زيادة علم على من وصل؛ لأن الغالب في الألسنة الوصل؛ فإذا جاء الإرسال علم أن مع المرسل زيادة علم] 7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار (2/ رقم 1037، 1039) من طريقين عن سماك عنه به.
2 نقله مغلطاي في الإعلام بسنته (اق 81/ أ).
3 انظر الكفاية (411) للخطيب وعلوم الحديث (229) لابن الصلاح والنكت (2/59) للزركشي.
4 هذا تعليل المحب الطبري نقله الزركشي في النكت (2/58).
5 هذا اعتراض للزركشي كما في النكت (2/58).
6 أخرجه الخطيب في الكفاية (189).
7 قاله النسائي وغيره نقله البلقيني في محاسن الاصطلاح (256).

 

ص -131-      ولأن [المتحقق الإرسال والوصل زيادة. وحذفها قد شكك في ثبوتها. وهو موجب للريبة في المروي دون الراوي. فذلك علة كالاضطراب في الإسناد. بل هذا أشر؛ لأنه ناقص فيه]1.واعترض عليه [بأن الإرسال نقص في الحفظ وذلك لما جبل عليه الإنسان من السهو والنسيان، فتبين أن النظر الصحيح أن زيادة العلم، إنما هي مع من أسند]2
وقال بعضهم: إرساله دليل على علمه بضعفه 3.
2- الحكم للواصل:
لأنه زيادة ثقة وهي مقبولة.
قال المحب الطبري: "من قدم المتصل يقول: إنما قدم الجرح؛ لأن الجارح معه زيادة علم وهي هنا مع المتصل" 4اه.
وبه جزم الخليلي5 وابن حزم في كتاب الإغراب6 وابن الصلاح7 وغيرهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر توضيح الأفكار (1/339) للصنعاني.
2 قاله البلقيني في محاسن الاصطلاح (256).
3 نهاية السول في علم الأصول (2/137 ـ 139) للاسنوي.
4 نقله الزركشي في النكت (2/58) وانظر علوم الحديث (256) لابن الصلاح.
5 في الإرشاد (1/163) وكذا الخطيب في الكفاية (411).
6 نقله الزركشي في النكت (2/60).
7 في علوم الحديث (256) وانظر العدة في أصول الفقه (3/1004) والمعتمد في أصول الفقه (2/151) للبصري ومنتهى الوصول والأمل في علم الأصول والجدل (85) لابن الحاجب.

 

ص -132-      وقال الخطيب: "هذا القول هو الصحيح عندنا؛ لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له. ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً أو عند بعضهم إلا أنهم أرسلوه؛ لغرض أونسيان. والناسي لا يقضي على الذاكر"1 اهـ.
3-  الحكم للأكثر:
 ذهب إليه بعض أئمة الحديث 2.
[لأن الحفظ إلى الجماعة أقرب منه إلى الأقل] و[ لبعدهم عن الوهم]3.
 ومحل الترجيح بالكثرة إذا كان الرواة في الطرفين متساويين في الحفظ والإتقان4
وإنما أثرت الكثرة؛ [لأنها تقرب مما يوجب العلم. وهو التواتر] 5.
واستدلوا بحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين.
فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "
أصدق ذو اليدين؟"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الكفاية (411). وفي إطلاقه نظر سبق في الفصل الثاني (83 ).
2 نقله الحاكم في المدخل إلى كتاب الإكليل (47) والبيهقي في المدخل (93) والخطيب في الكفاية (411). وانظر النكت (2/59) للزركشي.
3 الرسالة (281،285) واختلاف الحديث (177) للشافعي والكفاية (436) للخطيب والنكت (2/59) للزركشي، وانظر الإلزامات (346) والأحاديث التي خولف فيها مالك (44،77) للدارقطني والمحصول في علم أصول الفقه (4/437) للرازي.
4 انظر نظم الفرائد (201) للعلائي ونصب الراية (1/359- 360) للزيلعي.
5 الناسخ (11) للحازمي.

 

ص -133-      فقال الناس: نعم.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى اثنتين أخريين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع"1.
قال ابن عبدالبر: "فيه دليل على أن المحدث إذا خالفته الجماعة في نقله، أن القول قول الجماعة. وأن القلب إلى روايتهم أشد سكوناً من رواية الواحد"2 اهـ.
ووجه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قوى الأمر المسؤول عنه بقولهم. وإذا قالوا: لا. فالظاهر أنه لا يعمل بقول ذي اليدين.
وقال الإمام مسلم في معرض بيانه لمعرفة الصواب عند الاختلاف: "الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد. وإن كان حافظاً على المذهب الذي رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث. مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم"3 اهـ.
وقال الخطيب في كتاب القنوت: "الحكم للجماعة على الواحد"4 اهـ.
وقال البيهقي: "العدد أولى بالحفظ من الواحد"5 اهـ.
وقال بعضهم: لا تأثير لكثرة الرواة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري في الصحيح (3/97رقم1228 -  فتح).
2 التمهيد (1/342) وانظر المدخل (92- 93) للبيهقي.
3 التمييز (172).
4 نقله ابن رجب في فتح الباري (9/194). 
5 نقله الحافظ في التلخيص الحبير (2/25،92).

 

ص -134-      قال الحازمي: "قال بعض الكوفيين1: كثرة الرواة لا تأثير لها في باب الترجيحات؛ لأن طريق كل واحد منهما غلبة الظن فصار كشهادة الشاهدين مع شهادة الأربعة.
يقال على هذا: إن إلحاق الرواية بالشهادة غير ممكن؛ لأن الرواية وإن شاركت الشهادة في بعض الوجوه فقد فارقتها في أكثر الوجوه. ألا ترى أنه لو شهد خمسون امرأة لرجل بمال لا تقبل شهادتهن. ولو شهد به رجلان قبلت شهادتهما. ومعلوم أن شهادة الخمسين أقوى في النفس من شهادة رجلين؛ لأن غلبة الظن إنما هي معتبرة في باب الرواية دون الشهادة" 2 اهـ.
4-  الحكم للأحفظ:
وإليه ذهب بعض أهل الحديث 3.
لأن الحافظ أبعد عن الوهم والغلط. واعتماد باب الرواية على الضبط سواء كان ضبط صدر أو كتاب.
واستدلوا بحديث ذي اليدين السابق.
قال العلائي: "ويؤخذ من هذا الحديث أن الجماعة إذا اختلفوا في إسناد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي (3/207- 210) للبخاري.
 وكذا بعض الشافعية قال به كما في قواطع الأدلة  (3/32) للسمعاني.
2 الناسخ (11) وانظر العدة في أصول الفقه (3/1022- 1023) لأبي يعلى والتمهيد في أصول الفقه (3/32) للكلوذاني وقواطع الأدلة في أصول الفقه (3/32) للسمعاني وبذل النظر في الأصول (485) للأسمندي ونظم الفرائد (201) للعلائي.
3 نقله الخطيب في الكفاية (411).

 

ص -135-      حديث كان القول فيهم للأكثر عدداً أو للأحفظ والأتقن؛ لأن ذي اليدين لما انفرد رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بقية القوم. وفيهم مثل أبي بكر وعمر -  رضي الله عنهما -  حتى وافقوا ذا اليدين رضي الله عنه.
ويترجح هذا أيضاً من جهة المعنى، بأن مدار قبول خبر الواحد على غلبة الظن. وعند الاختلاف فيما هو مقتضٍ لصحة الحديث أو لتعليله، يرجع إلى قول الأكثر عدداً؛ لبعدهم عن الغلط والسهو. وذلك عند التساوي في الحفظ والإتقان.
فإن تفارقوا واستوى العدد فإلى قول الأحفظ والأكثر إتقاناً.
وهذه قاعدة متفق على العمل بها عند أهل الحديث"1 اهـ.
5-  الحكم بالتساوي:
قال السخاوي: "وفي المسألة قول خامس وهوالتساوي قاله السبكي"2اهـ.
6-  الحكم بالتعارض:
قال السخاوي: "زعم بعضهم أن الراجح من قول أئمة الحديث في كليهما التعارض"3 اهـ.
مثاله: ما رواه ليث بن أبي سليم 4 عن زيد بن أرطأة عن أبي أمامة قال:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نظم الفرائد (201). وانظر العلل (1/42) لابن أبي حاتم والعلل (1/194- عبدالله) للإمام أحمد والسنن الكبرى (7/160) للبيهقي.
2 فتح المغيث (1/202). وانظر فتح الباقي (1/178) للأنصاري.
3 فتح المغيث (1/206). وانظر العدة في أصول الفقه (3/1032) لأبي يعلى والنكت (2/66) للزركشي.
4 [صدوق اختلط جداً ولم يتميز حديثه فترك] التقريب (817رقم5721).

 

ص -136-      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه"1.
وخالفه العلاء بن الحارث 2:
فرواه عن زيد بن أرطأة عن جبير بن نفير مرفوعاً مرسلاً: "إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه"3.
فليث وصله والعلاء أرسله، وكلاهما ضعيف. فالحديث مضطرب.
وقد أعله الألباني باختلاف إسناده4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الترمذي في السنن (5/162رقم2911).
2 [ صدوق فقيه لكن رمي بالقدر وقد اختلط ] التقريب (759رقم 5265).
3 أخرجه الترمذي في السنن (5/162رقم2912).
4 السلسلة الصحيحة (2/650رقم961).

 

ص -137-      المبحث الثالث: تعارض الاتصال والانقطاع.
الاضطراب بتعارض الاتصال والانقطاع:
المتصل
: هو الذي اتصل إسناده. فكان كل واحد من رواته قد سمعه فمن فوقه إلى منتهاه.
ويطلق على المرفوع والموقوف.
والمنقطع: مالم يتصل إسناده. على أي وجه. سواء كان يعزى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره 1.
ومرادهم هنا غير المرسل؛ لأنه سبق حكمه.
ومراسيل الصحابة مقبولة ولا تدخل في هذا الباب اتفاقاً قال القرطبي: "الصحابة لا فرق بين إسنادهم وإرسالهم؛ إذ الكل عدول على مذهب أهل الحق"2.
وكذا لا يريدون المعلق3.
وصورة الاضطراب: أن تتعارض رواية الاتصال مع راوية الانقطاع. ولا مرجح.
والكلام فيه. كالكلام في الاضطراب بتعارض الاتصال والإرسال4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الكفاية (21) للخطيب وعلوم الحديث (213) لابن الصلاح والمقنع (1/141) لابن الملقن.
2  المفهم (1/122).
3 انظر نصب الراية (2/427) للزيلعي.
4 انظر: منتهى الوصول في علم الأصول (85) لابن الحاجب وكشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي (3/18) للبخاري والتقرير والتحبير (2/294) لابن أمير الحاج وسلاسل الذهب (329) للزركشي وشرح الكوكب المنير (2/549- 550) للفتوحي.

 

ص -138-      مثاله:
ما رواه المفضل عن يونس عن سعد عن المسور عن أبيه عن عبد الرحمن ابن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا أقيم الحد على السارق فلا غرم عليه"1.
ثم رواه المفضل عن يونس قال سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن المسور عن عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"لايغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد" 2.
فلم يقل هنا (عن أبيه) ، ورواية المسور عن عبد الرحمن مرسلة 3.
فهنا مرة وصله ومرة قطعه.
قال الدارقطني على رواية الوصل: "ولا يثبت هذا القول" 4اه.
وقال النسائي على رواية القطع: "هذا مرسل ليس بثابت" 5اه.
والحديث أعله الدارقطني بالاضطراب حيث قال: "هو مضطرب غير ثابت"6اه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار (8/277-  الجوهر النقي) ومن طريقه ابن عبد البر في الاستذكار (24/21).
2 أخرجه النسائي في السنن (8/468رقم4999).
3 التقريب (943رقم6712). وانظر العلل (1/452) لابن أبي حاتم.
4 العلل (4/295).
5 السنن (8/468).
6 العلل (4/295).

 

ص -139-      المبحث الرابع: تعارض الرفع والوقف
الاضطراب بتعارض الرفع والوقف
المرفوع
: هو ما أضيف للنبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أوتقرير أوصفة 1.
ولا يطلق إلا على ما أضيف للنبي صلى الله عليه وسلم 2.
وسواء كان متصلاً أو منقطعاً أو مرسلاً 3.
والمرفوع هنا يشمل المتصل والمنقطع دون المرسل؛ لأنه مقابل الوقف 4.
الموقوف: ما أضيف للصحابي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة 5.
ومطلقه يختص بالصحابي ولا يستعمل فيمن دونه إلا مقيداً 6.
وسواء كان إسناده متصلاً أم غير متصل 7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الكفاية (21) للخطيب وعلوم الحديث (193) لابن الصلاح.
2 علوم الحديث (193) لابن الصلاح.
3 علوم الحديث (193) لابن الصلاح.
4 والخطيب يخص المرفوع بما أخبر به الصحابي انظر الكفاية (21) وتوجيهه في النكت (1/511) للحافظ.
5 الكفاية (21) للخطيب وعلوم الحديث (194) لابن الصلاح والنكت (512) للحافظ.
6 علوم الحديث (194) لابن الصلاح ومختصر علوم الحديث (1/147- الباعث) لابن كثير.
7 علوم الحديث (194) لابن الصلاح.

 

ص -140-      وصورة الاضطراب: أن تتعارض رواية الرفع مع رواية الوقف ولا مرجح.
وله حالتان:
1-  أن يكون الرفع والوقف من راوٍ واحد.
2-  أن يكون الرفع من راوٍ والوقف من غيره.
فإذا كان الرفع والوقف من راوٍ واحدٍ، فقد اختلف أهل العلم في ذلك:
1-  الحكم للرفع:
وإليه ذهب جماعة من أهل الحديث1. وصححه ابن الصلاح2؛ لأنه زيادة ثقة. وهو مثبت وغيره ساكت. ولو كان نافياً فالمثبت مقدم عليه؛ لأنه علم ما خفي عليه ولاحتمال أن يكون سمع الوجهين3.
2-  الحكم لما وقع منه أكثر:
لأنه يدل على أنه الراجح من روايته. وإليه ذهب الأصوليون4.
3-  الحكم بتعارضهما:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المعتمد في أصول الفقه (2/151) للبصري والتمهيد في أصول الفقه (3/144- 145) للكلوذاني ومنتهى الوصول (85) لابن الحاجب والمسودة (226) لآل تيمية. 
 علوم الحديث (229) لابن الصلاح والتقييد والإيضاح (78) للعراقي.
2 علوم الحديث (229). وانظر المفهم (5/147- 148) للقرطبي ونصب الراية (1/19) للزيلعي.
3 المصادر السابقة.وانظر الكفاية (417) للخطيب.
4 بذل النظر في الأصول (430) للأسمندي وشرح الكوكب المنير (2/546) للفتوحي والتقييد والإيضاح (78) للعراقي وفتح الباقي (1/179) للأنصاري.

 

ص -141-      لأنه لا يدري ما الراجح في الرواية الرفع أوالوقف.
وإليه ذهب أئمة الحديث 1.
قال الزركشي: "قال بعض المتأخرين: الراجح من قول أئمة الحديث أن الوقف والرفع يتعارضان.
قال: وهكذا: مع الوصل والإرسال" 2اه.
مثاله: ما رواه عبد الأعلى بن عامر عن أبي عبدالرحمن عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}3 قال شكركم، تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا" 4.
ثم رواه عبد الأعلى موقوفاً:
فرواه عن أبي عبد الرحمن عن علي
{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} قال: شكركم 5.
وذكر الدارقطني الاختلاف فيه رفعاً ووقفاً ثم قال: "ويشبه أن يكون الاختلاف من جهة عبد الأعلى" 6اه.
وإذا كان الرافع غير الواقف فقد اختلف أهل العلم في ذلك:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 العدة (3/1032) لأبي يعلى وفتح المغيث (1/206) للسخاوي.
2 النكت (2/65).
3   سورة الواقعة (82).   
4 أخرجه الترمذي في السنن (5/374رقم3295).
5 أخرجه ابن جرير في التفسير (11/662رقم33554).
6 العلل (4/163- 164).

 

ص -142-      1-  الحكم للرفع:
قال الخطيب: "اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفاً لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه فحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعاً وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيراً في حديثه. فيرويه تارةً مسنداً مرفوعاً ويقفه مرة أخرى قصداً واعتماداً وإنما لم يكن هذا مؤثراً في الحديث ضعفاً مع ما بيناه؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى. والأخذ بالمرفوع أولى؛ لأنه أزيد"1اه
وصححه ابن الصلاح2. وإليه ذهب جماعة من أهل الحديث3.
2-  الحكم للوقف:
لأنه متيقن ولأن الرافع ربما تبع العادة وسلك الجادة 4.
وإليه ذهب أكثر أهل الحديث 5.
3-  الحكم للأكثر 6:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الكفاية (417) وانظر العدة في أصول الفقه (3/1004) لأبي يعلى وقواطع الأدلة في أصول الفقه (3/14) للسمعاني وبيان الوهم (3/272) لابن القطان والبحر المحيط (4/341) للزركشي .
2 علوم الحديث (229) وانظر شرح مسلم (1/57) للنووي.
3 انظر المصادر السابقة مع فتح المغيث (1/206) للسخاوي.
4 النكت (2/610) للحافظ.
5 الكفاية (411) للخطيب وقواطع الأدلة (3/19) للسمعاني وعلوم الحديث (229) لابن الصلاح وفتح المغيث (1/205) للسخاوي.
6 فتح الباقي  (1/178) للأنصاري.

 

ص -143-      كما سبق في تعارض الوصل والإرسال.
4-  الحكم للأحفظ 1:
كما سبق في تعارض الوصل والإرسال.
5-  القول بالتعارض:
كما سبق في تعارض الوصل والإرسال.
مثاله: ما رواه ابن عيينة عن إسماعيل بن أمية قال سمعت أعرابياً يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من قرأ {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}2 فانتهى إلى {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يحيىيَ الْمَوْتَى}3 فليقل: بلى" 4.
وخالفه ابن علية:
فرواه عن إسماعيل بن أمية عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبي هريرة قال: "إذا قرأ أحدكم
{لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} فقرأ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يحييَ الْمَوْتَى} فليقل: بلى"5.
والحديث أعله الذهبي باضطراب سنده6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتح الباقي (1/178)  للأنصاري.
2  سورة القيامة 1.   
3  سورة القيامة (40).   
4 أخرجه أبو داود في السنن(1/550رقم887).
5 أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (71).
6 الميزان (4/589).

 

ص -144-      المبحث الخامس: الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين
الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين له تعلق بمسألة المزيد في متصل الأسانيد 1، ومسألة المرسل الخفي 2 والتدليس.
والمزيد في متصل الأسانيد: هو أن يزيد الراوي في الإسناد رجلاً لم يزيده من هو أتقن منه.
وشرطه: أن يقع التصريح في محل الزيادة 3.
والمرسل الخفي: أن يروي الراوي عمّن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه 4.
والتدليس: أن يروي الراوي عمن عاصره، ولقيه مالم يسمع منه 5.
وصورة المسألة: أن تتعارض رواية من زاد مع رواية من نقص، ولا مرجح.
قال العلائي في معرض بيانه للمرسل الخفي وكيفية إدراكه:
إحداها 6: عدم اللقاء بين الراوي والمروي عنه، أو عدم السماع منه. وهذا هو أكثر ما يكون سبباً للحكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 علوم الحديث (480) لابن الصلاح والنزهة (126) للحافظ وفتح المغيث (4/73) للسخاوي. وانظر العلل (1/171) للرازي.
2 علوم الحديث (483) لابن الصلاح والنكت (2/785) للحافظ.
3 علوم الحديث (483) لابن الصلاح والنزهة (114) للحافظ.
4 علوم الحديث (483) لابن الصلاح والنزهة (114) للحافظ.
5 علوم الحديث (230) لابن الصلاح والنزهة للحافظ (113).
6 هذه طرق لمعرفة الانقطاع. وقد ذكرها من قبل ابن القطان في بيان الوهم (2/371) وانظر النكت (2/26 -  28) للزركشي.

 

ص -145-      والطريق الثاني: أن يذكر الراوي الحديث عن رجل. ثم يقول في رواية أخرى نبئت عنه أو أخبرت عنه ونحو ذلك.
"الثالث: أن يرويه عنه ثم يجيء عنه أيضاً بزيادة شخص فأكثر بينهما فيحكم على الأول بالإرسال1 إذ لوكان سمعه منه لما رواه بواسطة بينهما.
وفائدة جعله مرسلاً في هذا الطريق الثالث أنه متى كان الواسطة الذي زيد في الرواية الأخرى ضعيفاً لم يحتج بالحديث بخلاف ما إذا كان ثقة.
ثم لا بد في كل ذلك أن يكون موضع الإرسال قد جاء فيه الراوي بلفظ "عن" ونحوها. فأما متى كان بلفظ حدثنا ونحوه ثم جاء الحديث في رواية أخرى عنه بزيادة رجل بينهما. فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد ويكون الحكم للأول.
قال ابن الصلاح: "الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظ "عن" في ذلك فينبغي أن يحكم بإرساله. ويجعل معللاً بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد.
وإن كان فيه تصريح بالسماع أو الإخبار فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه. ثم لقي الأعلى فسمعه منه بعد ذلك كما جاء مصرحاً به في موضع - يعني: ويكون روايته بزيادة الواسطة قبل أن يلقى الأعلى - قال اللهم إلا أن توجد قرينة تدل على كونه وهماً.
فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك - يعني: أن يسمع الحديث من رجل عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 [وشرطه أن يعنعن في موضع النقص وأن يكون رواي الزيادة ثقة وأن لا يخالف راوي الزيادة الحفاظ ولا يأتي بشذوذ] قاله ابن المواق ونقله الزركشي في النكت (2/28).

 

ص -146-      شيخه ثم يسمعه من الأعلى - أن يذكر السماعين فإذا لم يجيء عنه ذكر ذلك حملناه على الزيادة المذكورة. قلت: ويحتمل أيضاً أنه حالة روايته الحديث نازلاً بذكر المزيد لم يكن ذاكراً لسماعه له عالياً بدونه ثم تذكر فرواه عن الأعلى وقد أشار ابن الصلاح رحمه الله آخر كلامه على هذين النوعين أنهما متعرضان؛ لأن
يعترض بكل منهما على الآخر1 وهو كما ذكر فإن حكمهم على أفراد هذين النوعين مختلف اختلافاً كثيراً.
وحاصل الأمر أن ذلك على أقسام:
أحدها
: ما يترجح فيه الحكم بكونه مزيداً فيه. وإن الحديث متصل بدون ذلك الزائد 2.
وثانيهما: ما ترجح فيه الحكم عليه بالإرسال إذا روى بدون الراوي المزيد.
وثالثها: ما يظهر فيه كونه بالوجهين. أي أنه سمعه من شيخه الأدنى وشيخ شيخه أيضاً. وكيف ما رواه كان متصلاً 3.
ورابعها: ما يتوقف فيه لكونه محتملاً لكل واحد من الأمرين.
والحكم بالزيادة تارة يكون، للاعتبار برواية الأكثر. وتارة؛ للتصريح بالسماع من الأعلى. وتارة؛ لقرينة تنضم إلى ذلك إلى غيرها من الوجوه. وهي كلها جارية في القسم الثاني الذي يحكم فيه بالإرسال إذا لم يذكر فيه المزيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي المزيد في متصل الأسانيد والمرسل الخفي  وانظر علوم الحديث (483 ـ 484).
2 انظر فتح الباري (3/405) لابن رجب.
3 انظر الإعلام بسنته (1ق38/أ) لمغلطاي ونصب الراية (1/176) للزيلعي.

 

ص -147-      وحاصل الأمر أن الراوي متى قال عن فلان. ثمّ أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة فالظاهر أنه لو كان عنده عن الأعلى لم يدخل الواسطة إذ لا فائدة في ذلك. وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس. وإلا فمدلسه. وحكم المدلس حكم المرسل.
وخصوصاً إذا كان الراوي مكثراً عن الشيخ الذي رواه عنه بالواسطة. فلو أن هذا الحديث عنده عنه، لكان يساير ماروى عنه. فلما رواه بواسطة بينه وبين شيخه المكثر عنه علم أن هذا الحديث لم يسمعه منه. ولا سيما إذا كان ذلك الواسطة رجلاً مبهماً أو متكلماً فيه.
وأما ما يسلكه جماعة من الفقهاء من احتمال أن يكون رواه عن الواسطة ثم تذكر أنه سمعه من الأعلى فهو مقابل بمثله بل هذا أولى. وهو أن يكون رواه عن الأعلى جرياً على عادته ثم يذكر أن بينه وبينه فيه آخر. فرواه كذلك، والمتبع في التعليل إنما هوغلبة الظن.
وإنما يقوى الحكم بهذا جداً عندما يكون الراوي مدلساً.
وأما القسم الثالث:
فتارة يظهر كونه عندالراوي بالوجهين ظهوراً بيناً؛ بتصريحه بذلك ونحوه.
وتارة يكون ذلك بحسب الظن القوي 1.
وأما القسم الرابع:
المحتمل فاحتمال كونه على الوجهين ليس قوياً. بل هو متردد بين الإرسال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر النكت (1/381- 383) للحافظ.

 

ص -148-      بإسقاط الزائد وبين الاتصال والحكم بكونه مزيداً فيه"1 اهـ.
وقال ابن القطان: "اعلم أن المحدث إذا روى حديثاً عن رجل قد عُرف بالرواية عنه والسماع منه ولم يقل حدثنا أو أخبرنا أو سمعت. وإنما جاء به بلفظة "عن"؛ فإنه يحمل حديثه على أنه متصل إلا أن يكون ممن عرف بالتدليس. فيكون له شأن آخر.
وإذا جاء عنه في رواية أخرى إدخال واسطة بينه وبين من كان قد روى الحديث عنه معنعناً. غلب على الظن أن الأول منقطع من حيث يبعد أن يكون قد سمعه منه. ثم حدث به عن رجل عنه2.
وأقل ما في هذا سقوط الثقة باتصاله وقيام الريب3 في ذلك.
ويكون هذا أبين في اثنين، لم يعلم سماع أحدهما من الآخر. وإن كان الزمان قد جمعهما.
وعلى هذا المحدثون4. وعليه وضعوا كتبهم. كمسلم في كتاب التمييز والدارقطني في علله والترمذي. وما يقع منه للبخاري والنسائي والبزار وغيرهم ممن لا يحصى كثرة. تجدهم دائبين يقضون بانقطاع الحديث المعنعن إذا روي بزيادة واحد بينهما. بخلاف ما لو قال في الأول حدثنا أو أخبرنا أو سمعت ثم نجده عنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 جامع التحصيل (125- 138) باختصار وانظر فتح المغيث (4/73- 74) للسخاوي.
2 وأحياناً يغلب علىالظن أنه سمع منهما ولو لم يصرح بروايته عنهما في رواية واحدة.
 انظر جامع التحصيل (134) للعلائي.
3 وهذه علة رد الاضطراب بزيادة رجل في أحد الإسنادين.
4 كذا أطلق. والصواب أنهم لا يحكمون حكماً عاماً. بل يحكمون على كل حديث بما يليق به. وانظر مثالاً على ذلك في فتح الباري (3/405) لابن رجب.

 

ص -149-      بواسطة بينهما فإن هاهنا نقول: سمعه منه ورواه بواسطة عنه. وإنما قلنا: سمعه منه؛ لأنه ذكر أنه سمعه منه أو حدثه به"1 اهـ.
لكن المحدثون لا يطلقون القول بانقطاع الحديث المعنعن إذا روى بزيادة واحد بينهما.
قال ابن المواق متعقباً ابن القطان: "إنمايكون منقطعاً بشروط:
أحدها: أن يكون الراوي قد عنعن. ولم يصرح بالسماع ولا بما يقتضيه من حدثنا وشبهه.
الثاني: أن يكون راوي الزيادة ثقة؛ فإن رواية غير الثقة مناقضة غير قادحة.
قال النسائي: لا يحكم بالضعفاء على الثقات.
الثالث: أن لايخالف راوي الزيادة الحفاظ. ولا يأتي بشذوذ ومالا يتابع عليه. وإن كان ثقة فإنه إذا خالف الحفاظ أو شذ لم تعتبر روايته وكان القول قول الجمهور. وهذا الشرط لم يعتبره ابن القطان"2 اهـ.
واختلف أهل العلم في هذه الزيادة على أقوال:
1-  الحكم للأكثر أو للأحفظ:
لما سبق في تعارض الوصل والإرسال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بيان الوهم (2/415).
(فائدة): وكلامه هنا يخالف قاعدته المعروفة من عدم اعتباره الاضطراب  في السند إذا كان راويه ثقة.
2 نقله الزركشي في النكت (2/28). وانظر النكت (1/381- 383) وهدي الساري (347) للحافظ.

 

ص -150-      2-  الحكم للسند الخالي من الزيادة:
والحكم على الزيادة بأنها من المزيد في متصل الأسانيد، المحكوم فيه بكون الزيادة غلطاً. من راويها أوسهواً وباتصال السند الناقص بدونها.
3-  الحكم للزيادة:
ويحكمون على السند الخالي من الزيادة بالإرسال والانقطاع.
4-  التوقف:
لعدم ترجيح أحدهما على الآخر.
مثاله: ما رواه ابن عيينة عن عاصم بن عبيد الله عن عبدالله بن عامر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث"1.
وهذا إسناد ظاهر في الاتصال، وجاء بزيادة رجل فيه.
فرواه ابن عيينة وعبيد الله بن عمر عن عاصم بن عبيد الله عن عبدالله بن عامر عن أبيه عن عمر مرفوعاً 2.
فهنا قال (عن أبيه) .
والحديث أعله يعقوب بن شيبة 3 والدارقطني 4 بالاضطراب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن ماجه في السنن (3/407رقم2887/2).
2 أخرج رواية ابن عيينة الحميدي في المسند (1/10) ورواية عبيدالله ابن ماجه في السنن (رقم2887/1).
3 نقله ابن عساكر في تاريخ دمشق (25/259).
4 العلل (2/129).

 

ص -151-      المبحث السادس: الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف.
الاضطراب في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف إنما ضعف؛ لأنه في إحدى الصورتين ضعيف.
وشرطه: أن لا يكون روى الوجهين 1.
وصورة المسألة: أن تعارض رواية من ذكر الثقة رواية من ذكر الضعيف ولا مرجح.
قال العلائي: "الاختلاف في اسم الراوي ونسبه، فهو على أقسام أربعة:
القسم الأول: أن يبهم في طريق ويسمى في الأخرى، فالظاهر أن هذا لا تعارض فيه؛ لأنه يكون المبهم في إحدى الروايتين هوالمعين في الأخرى.
وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا تضر رواية من سماه وعرفه، إذا كان ثقة رواية من أبهمه 2.
القسم الثاني: أن يكون الاختلاف في العبارة فقط. والمعني بها في الكل واحد فإن مثل هذا لا يعد اختلافاً أيضاً. ولا يضر إذا كان الراوي ثقة 3.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر جزء القلتين (31) للعلائي.
2 ونحوه ما في الاقتراح (222) لابن دقيق العيد.
3 وهذا القسم قال عنه الزركشي: "قد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن"اهـ نقله السيوطي في التدريب (1/239). وانظر الاقتراح (222) لابن دقيق العيد.

 

ص -152-      والقسم الثالث: أن يقع التصريح باسم الراوي ونسبه لكن مع
الاختلاف في سياق ذلك فمثل هذا الاختلاف لا يضر. والمرجع فيه إلى كتب التواريخ وأسماء الرجال فيحقق ذلك الراوي، ويكون الصواب فيه من أتى به على وجهه.
القسم الرابع: أن يقع التصريح به من غير اختلاف لكن يكون ذلك من متفقين:
أحدهما: ثقة والآخر ضعيف.
أو أحدهما مستلزم الاتصال والآخر الإرسال" 1اهـ.
مثاله:
ما رواه هشام بن سعيد الطالقاني2 عن محمد بن مهاجر3 عن عقيل ابن شبيب4 عن أبي وهب الجشمي5 -  وكانت له صحبة -  قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"تسموا بأسماء الأنبياء. وأحب الأسماء إلى الله عز وجل عبدالله وعبدالرحمن وأصدقها حارث وهمام. وأقبحهما حرب ومرة. وارتبطوا الخيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نقله الحافظ في النكت (2/785- 787).
2 قال عنه الحافظ في التقريب (1021رقم7345): ((صدوق))اهـ.
3 الأنصاري [ ثقة ] التقريب (900رقم6371).
4 قال عنه الحافظ في التقريب (686رقم4694): ((مجهول من الرابعة))اهـ.
5 قال عنه الحافظ في التقريب (1221رقم8507): "صحــــابي سكن الشام له حديث واحــد"اهـ.وقال ابن القطان في بيان الوهم (4/380): "لا تعلم لأبي وهب الصحبة إلا بزعم عقيل بن شعيب هذا ولا يعرف روى عنه غيره وعقيل المذكور يحتاج في تعديل نفسه إلى كفيل"اهـ أي لجهالته ولم يرو عنه إلا محمد بن مهاجر.

 

ص -153-      وامسحوا بنواصيها وأعجازها أو قال: وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار. وعليكم بكل كميت أغر محجل أو أدهم أغر محجل" 1.
وهذا إسناد ظاهره الاتصال لكن له علة خفية وهي الإرسال 2.
قال أبو حاتم: "سمعت هذا الحديث وأنكرته في نفسي وكان يقع في قلبي أنه أبو وهب الكلاعي صاحب مكحول وكان أصحابنا يستغربون، فلا يمكنني أن أقول شيئاً لما رواه أحمد. ثم قدمت حمص فإذا قد حدثنا ابن المصفى عن أبي المغيرة قال حدثني محمد بن مهاجر قال حدثني عقيل بن سعيد عن أبي وهب الكلاعي قال قال النبي صلى الله عليه وسلم 3.
قال أبو حاتم: فعلمت أن ذلك باطل. وعلمت أن إنكاري كان صحيحاً وأبو وهب الكلاعي هو صاحب مكحول. واسمه عبيدالله بن عبيد. وهو دون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه أحمد في المسند (4/345) وعنه البخاري في الكنى (78) ومن طريق أحمد أخرجه البخاري في الأدب المفرد (284رقم814) وكذا الطبراني في المعجم الكبير (22/380رقم949) وكذا أبو نعيم في معرفة الصحابة (6/3042رقم7045) وكذا البيهقي في الكبرى (9/306) عن هشام عنه به.
 وأخرجه أبو حاتم في العلل (2/213) وأبو داود في السنن (رقم2543، 2553،4950) وأبو يعلى في المسند (13/111رقم7169) والنسائي في السنن (رقم3567) والدولابي في الكنى (1/112) من طرق عن هشام عنه به.
2 كما نبه عليه أبو حاتم في العلل (2/312).
3 أخرجه أحمد في المسند (4/345) وأبو داود في السنن (رقم2544) عن أبي المغيرة عنه به.
 وأخرجه الدولابي في الكنى (1/59) من طريق يحيى الوحاظي عن محمد بن مهاجر عنه به إلا أنه لم ينسبه.

 

ص -154-      التابعين يروى عن التابعين. وضربه مثل الأوزاعي ونحوه.
فبقيت متعجباً من أحمد بن حنبل كيف خفي عليه1؛ فإني أنكرته حين سمعت به قبل أن أقف عليه.
قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: هو عقيل بن سعيد أو عقيل بن شبيب ؟ قال: مجهول لا أعرفه"2 اهـ.
فمرة قال: أبو وهب الجشمي وكانت له صحبة ومرة قال: أبو وهب الكلاعي وهو دون التابعين والظاهر أن هذا الاضطراب من عقيل بن شبيب3.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإمام أحمد رحمه الله سماه في المسند ((أبا وهب الجشمي)) ومرة قال ((الكلاعي)) فلعله مشى على ظاهر قول بعضهم ((له صحبة)) والله أعلم.
2 العلل (2/312- 313) باختصار وانظر المراسيل (102) لابن أبي حاتم.
3 وانظر حول الحديث: بيان الوهم والإيهام (4/379- 384) لابن القطان والإصابة (12/93) للحافظ والسلسلة الصحيحة (رقم904،1040) للألباني.

 

ص -155-      المبحث السابع: الاضطراب في تعيين الراوي
الاضطراب في تعيين الراوي وإنما ضعف لأنه في إحدى الصورتين ضعيف؛ أو لأنه يدل على عدم ضبطه.
وشرطه: أن لا يكون عنده على الوجهين 1.
قال العلائي: "الاختلاف في السند لا يخلو:
إما أن يكون الرجلان ثقتين أم لا.
فإن كانا ثقتين فلا يضر الاختلاف عند الأكثر؛ لقيام الحجة بكل منهما فكيفما دار الإسناد كان عن ثقة 2.
وربما احتمل أن يكون الراوي سمعه منهما جميعاً 3. وقد وجد ذلك في كثير من الحديث لكن ذلك يقوى حيث يكون الراوي ممن له اعتناء بالطلب وتكثير الطرق4.
وأما ما ذهب إليه كثير من أهل الحديث، من أن الاختلاف دليل على عدم ضبطه في الجملة فيضر ذلك ولو كانت رواته ثقات. إلا أن يقوم دليل على أنه عند الراوي المختلف عليه عنهما جميعاً أو بالطريقين جميعاً. فهو رأي فيه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر الاقتراح (223).
2 انظر الانصاف (189) لابن عبد البر وشرح الإلمام (1/392) والاقتراح (223) لابن دقيق
3 انظر العلل (1/19- 20) للرازي ومحاسن الاصطلاح (273) للبلقيني.
4 قال أبو حاتم على حديث رواه قتادة عن ثلاثة من شيوخه: ((أحسب الثلاثة كلها صحاح وقتادة كان واسع الحديث))اهـ. العلل (1/86).

 

ص -156-      ضعف؛ لأنه كيفما دار كان على ثقة وفي الصحيحين من ذلك جملة أحاديث1.
لكن لا بد في الحكم بصحة ذلك؛ سلامته من أن يكون غلطاً أو شاذاً2.
وأما إذا كان أحد الراوييين المختلف فيهما ضعيفاً لا يحتج به فههنا مجال للنظر وتكون تلك الطريق التي سمى فيها الضعيف وجعل الحديث عنه كالوقف أو الإرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى فكل ما ذكر هناك من الترجيحات يجيىء هنا.
ويمكن أن يقال -  في مثل هذا يحتمل أن يكون إذا كان مكثراً قد سمعه منهما3 -  أيضاً -  كما تقدم.
فإن قيل: إذا كان الحديث عنده عن الثقة فلم يرويه عن الضعيف؟
فالجواب: يحتمل أنه لم يطلع على ضعف شيخه. أو اطلع عليه ولكن ذكره اعتماداً على صحة الحديث عنده من الجهة الأخرى" 4 اهـ.
ومما يلحق بهذا النوع أن يقول الراوي عن فلان أو فلان وكلاهما ثقة.
قال أبو عبدالله البوشنجي معلقاً على أثر رواه قال فيه راويه (عن أبي الزعراء أو عن زيد بن وهب): "وليس مما يدخل إسناده وهن ولا ضعف لقول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نقله الحافظ في النكت (1/381- 383) للحافظ.
2 قال أبو داود قلت لأحمد: ((اختلاف أحاديث الزهري ؟ قال منها ما روى عن رجلين ومنها ما جاء عن أصحابه -  يعني الوهم))اهـ.السؤالات (219رقم192).
3 وهذا يطرد حيث يحصل الاستواء في الضبط والاتقان. انظر النكت (1/383) للحافظ.
4 نقله الحافظ في النكت (2/782- 785) ونحوه في جزء القلتين (25- 29،43) وانظر الاقتراح (223- 224) لابن دقيق.

 

ص -157-      الراوي (عن أبي الزعراء أو عن زيد بن وهب) ؛ لما لعله توهمه شكاً فيه وليس مثل هذا الشك يوهن الخبر ولا يضعف به الأثر؛ لأنه حكاه عن أحد الرجلين. وكل منهما ثقة مأمون وبالعلم مشهور وإنما كان الشك فيه أن يقول عن أبي الزعراء أو عن غيره، كان الوهن يدخله؛ إذ لا يعلم الغير من هو. فأما إذا صرح الراوي وافصح بالنا قلين أنه عن أحدهما فليس هذا بموضع ارتياب. تفهموا رحمكم الله"1 اهـ.
وقال الخطيب: "إن كان كل واحد من الرجلين اللذين سماهما عدلاً؛ فإن الحديث ثابت والاحتجاج به جائز؛ لأنه قد عينهما وتحقيق سماع ذلك من أحدهما وكلاهما ثابت العدالة" 2 اهـ.
ومن ذلك حديث رواه ابن عيينة واضطرب فيه هل هو من مسند عبدالله ابن عمر بن الخطاب أم مسند عبدالله بن عمرو بن العاص.
قال الحافظ: "ليس في التعليل بذلك كبير تأثير. والله أعلم" 3 اهـ.
[ ولو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً فهذا أشد وهناً مما لو أبهمه؛ لأن المبهم يحتمل العدالة أو الجرح والضعيف ثابت الجرح. وهو أسوأ حالاً ممن احتمل الجرح وغيره ] 4.
مثاله:
ما رواه عبدالله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن عائشة أو عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه الخطيب في الكفاية (376).
2 الكفاية (375).
3 هدي الساري (382).
4 انظر الكفاية (376- 377) للخطيب.

 

ص -158-      أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين أقرنين أملحين مودوءين فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له البلاغ وذبح الآخر عن محمد وآل محمد صلى الله عليه وسلم"1.
فهنا شك.
ثم رواه عبدالله بن محمد بلا شك.
فرواه عن أبي سلمة عن عائشة وأبي هريرة مرفوعاً 2.
ثم جعله عبدالله بن محمد من رواية أبي هريرة عن عائشة فرواه عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن عائشة قال فذكره 3.
ثم جعله عبدالله بن محمد من مسند جابر بن عبدالله:
فرواه عن عبدالرحمن بن جابر عن أبيه مرفوعاً 4.
ثم جعله عبدالله بن محمد من مسند أبي رافع:
فرواه عن علي بن حسين عن أبي رافع مرفوعاً 5.
فهذا الحديث اضطرب فيه عبدالله بن محمد بن عقيل 6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه أحمد في المسند (6/225) وابن ماجه في السنن (رقم3122).
2 أخرجه عبدالرزاق في المصنف (رقم8130).
3 أخرجه أحمد في المسند (6/220).
4 أخرجه الطحاوي في المعاني (4/177).
5 أخرجه أحمد في المسند (6/391).
6 الهاشمي [صدوق في حديثه لين ويقال: تغير بآخره]. التقريب (542رقم3617).

 

ص -159-      فمرة: عن عائشة أو عن أبي هريرة على الشك مرفوعاً.
ومرة: عن عائشة وأبي هريرة بلا شك مرفوعاً.
ومرة: عن أبي هريرة عن عائشة مرفوعاً.
ومرة: عن جابر بن عبدالله مرفوعاً.
ومرة: عن أبي رافع مرفوعاً.
كما أن رواية علي بن حسين عن أبي رافع مرسلة فهذا اضطراب شديد منه.
والحديث أعله الدارقطني بالاضطراب 1 وأعله أبو حاتم وأبو زرعة بتخليط ابن عقيل 2.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 العلل (9/320).
2 العلل (2/39،44).

 

ص -161-      الفصل الثاني: قاعدة الاضطراب في المتن
الاضطراب الواقع في المتن دون السند قليل والغالب في الإسناد قال الحافظ: "المضطرب وهو يقع في الإسناد غالباً1 وقد يقع في المتن لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد"2 اهـ.
وقوله (وقد يقع في المتن) قال اللقاني: "أي وقد يقع الاضطراب في المتن بقلة" 3اه.
وقال اللكنوي: "الاضطراب في المتن قلما يوجد إلا ومعه اضطراب في السند"4اه.
والحديث الذي وقع الاختلاف في متنه لا يخلو من حالتين:
أ- أن يقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج.
ب- أن يقع الاختلاف في المتن مع اتحاد المخرج.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال زكريا الأنصاري في فتح الباقي (1/240): "الاختلاف في السند وهو الغالب"اهـ.
2 نزهة النظر (127).
3 قضاء الوطر (ق205/ب).
4 ظفر الأماني (392).

 

ص -162-      المبحث الأول: أن يكون المخرج مختلفاً
إذا وقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج:
فهذا يعرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله.
قال يحيى بن سعيد للإمام أحمد: "لا تضرب الأحاديث بعضها ببعض يعطي كل حديث وجهه"1 اهـ.
وقال ابن خزيمة: "لا أعرف أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلمحديثان بإسنادين صحيحيىن متضادان. فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما"2 اهـ.
وقال ابن قيم الجوزية: "ليس بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعارض ولا تناقض ولا اختلاف. وحديثه كله يصدق بعضه بعضاً"3 اهـ.
وقال أيضاً: "لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقع التعارض:
فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتاً. فالثقة يغلط.
أو يكون أحد الحديثين ناسخاً للآخر إذا كان مما يقبل النسخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مسائل صالح (2/267). وهذه قاعدة عظيمة يغفل عنها كثير ممن ينتقد الأحاديث النبوية. وانظر الرسالة (284- 285،341- 342) للشافعي.
2 أخرجه الخطيب في الكفاية (432).
3 زاد المعاد (3/682). وانظر المعلم (2/168) للمازري.

 

ص -163-      أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه صلى الله عليه وسلم. فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة.
وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخاً للآخر. فهذا لا يوجد أصلاً. ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق. والآفة من التقصير في معرفة المنقول والتمييز بين صحيحه ومعلوله. أو من القصور في فهم مراده صلى الله عليه وسلم وحمل كلامه على غير ما عناه به. أو منهما معاً. ومن ها هنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع. وبالله التوفيق"1 اهـ.
وإذا كان التعارض في فهم السامع فلا يتسارع برده ونقده طاعناً في الحديث.
قال الإمام أحمد: "كيف يجوز له أن يرد الأحاديث، وقد رواها الثقات ؟
وينبغي للإنسان إذا لم يعرف الشيء أن لا يرد الأحاديث، وهو لا يحسن يقول: لا أحسن" 2 اهـ.
وقال الذهبي: "السنن الثابتة لا ترد بالدعاوى"3 اهـ.
وقال الحافظ: "الحديث المقبول إن سلم من المعارضة فهو المحكم.
وإن عورض [الحديث المقبول] بمثله [أي بحديث مقبول] فإن أمكن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 زاد المعاد (4/149- 150).
2 مسائل صالح (3/20). وانظر تهذيب الآثار (2/713- عمر) لابن جرير والقراءة خلف الإمام (218) للبيهقي وزاد المعاد (2/204) لابن قيم الجوزية.
3 النبلاء (4/528).

 

ص -164-      الجمع [بينهما] فهو النوع المسمى مختلف الحديث.
وإن لم يمكن الجمع فلا يخلو إما أن يعرف التاريخ أولا.
فإن عرف [التاريخ] وثبت المتأخر به أو بأصرح منه فهو الناسخ والآخر المنسوخ.
وإن لم يعرف التاريخ فلا يخلو:
إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن أو بالإسناد أو لا. فإن أمكن الترجيح تعين المصير إليه. وإلا فلا.
فصار ما ظاهره التعارض واقعاً على هذا الترتيب: الجمع إن أمكن.
فاعتبار الناسخ والمنسوخ.
فالترجيح إن تعين.
ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين.
والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه والله أعلم" 1اه.
قال القاضي عياض بعد ذكره روايات الحوض وتقديره: "هذا كله من اختلاف التقدير، ليس في حديث واحد فيحسب اختلافاً واضطراباً من الرواة وإنما جاء في أحاديث مختلفة عن غير واحدٍ من الصحابة سمعوه في مواطن مختلفة"2.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نزهة النظر (102- 108) باختصار. وما بين المعكوفتين مني. وانظر زاد المعاد (4/149) لابن قيم الجوزية.
2 اكمال المعلم (7/259).

 

ص -165-      وقال ابن سيد الناس في معرض بيانه للاختلاف الواقع في المتن: "إن لم يكن المخرج واحداً. والوقعة لا يبعد تكرار مثلها، فيحمل على أنه ليس حديثاً واحداً. بل لعله أكثر من ذلك.
وهناك يحمل عام تلك الألفاظ على خاصها. ومطلقها على مقيدها. ومجملها على مفسرها. بحسب ما يقع من ذلك"1 اهـ.
وقال العلائي: "إذا اختلفت مخارج الحديث. وتباعدت ألفاظه. فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين. وهذا لا إشكال فيه"2 اهـ.
وقال ابن رجب: "إن ظهر أنه حديثان بإسنادين، لم يحكم بخطأ أحدهما.
وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر. أو نقص منه. أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر.
فهذا يقول على بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين"3 اهـ.
وقال الحافظ: "إذا اختلفت مخارج الحديث 4. وتباعدت ألفاظه. أو كان سياق الحديث 5 في حكاية واقعة يظهر تعددها. فالذي يتعين القول به أن يجعلا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أجوبة ابن سيد الناس (ق40/أ).
2 نظم الفرائد (112).
3 شرح العلل (2/843). وانظر فتح المغيث (1/207) للسخاوي.
4 انظر احكام الإحكام (4/132) لابن دقيق وفتح الباري (3/342) لابن رجب والتلخيص الحبير (4/11) للحافظ.
5 انظر المفهم (3/174) للقرطبي وموافقة الخبر (2/124) ونتائج الأفكار (1/205) و(2/194،272) والتهذيب (6/105) للحافظ والأجوبة المرضية (1/132) للسخاوي.

 

ص -166-      حديثين مستقلين" 1اه.
ولا يعل أحدهما بالآخر. ولا يكون الاختلاف مؤثراً 2.
قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه عبثر عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: كان فيما أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم غنماً مقلدة ؟
قال أبي: روى جماعة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى مرة غنماً" وليس في حديثهم مقلدة.
قال أبي: اللفظان ليسا بمتفقين. وأرجو أن يكونا جميعاً صحيحيىن" 3اه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 النكت (2/791) وانظر المفهم (2/367) للقرطبي.
2 انظر فتح الباري (3/342) لابن رجب وطرح التثريب (7/206). للعراقي ونتائج الأفكار (2/174) للحافظ والمقاصد الحسنة (190،281) للسخاوي.
3 العلل (1/283) وانظر تحفة الأشراف (11/355- 356) للمزي.

 

ص -167-      المبحث الثاني: أن يكون المخرج واحداً
[إذا اتحد مخرج الحديث وتقاربت ألفاظه فالغالب حينئذ على الظن أنه حديث واحد وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة لا سيما إذا كان ذلك في سياقة واقعة تبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع]1.
فإن أمكن رد بعضها إلى بعض صير إليه؛ لأن الأصل في الحديث [أن يحمل على الاتفاق ما وجد السبيل إلى ذلك. ولا يحمل على التنافي والتضاد] 2.
[إذ الجمع بين ألفاظ الحديث الواحد وبناء بعضها على بعض أولى من إطراح أحدها أو توهين الحديث بالاضطراب في ألفاظه]3 .
قال ابن دقيق العيد: "يعرف كون الحديث واحداً باتحاد سنده ومخرجه وتقارب ألفاظه" 4 اهـ.
ولما اختلفت ألفاظ حديث عبدالله بن عمرو بن العاص في كراهية سرد الصوم وبيان أفضل الصوم 5 قال بعضهم: "هو مضطرب" فتعقبه القرطبي بقوله: "حديث عبد الله بن عمرو اشتهر وكثر رواته؛ فكثر اختلافه، حتى ظن من لا بصيرة عنده أنه مضطرب! وليس كذلك؛ فإنه إذا تتبع اختلافه. وضم بعضه إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من كلام العلائي في نظم الفرائد (112).
2 من كلام الطحاوي في المعاني (4/392) وانظر طرح التثريب (2/166) للعراقي.
3  انظر اكمال المعلم (5/350) للقاضي عياض.
4 إحكام الإحكام (2/231).
5 أخرجه البخاري في الصحيح (رقم1974- 1980) ومسلم في الصحيح (رقم1159)

 

ص -168-      بعض. انتظمت صورته وتناسب مساقه؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره. وفصل بعض ما أجمله غيره.
قوله:
"صم من كل عشرة يوماً" هذا في المعنى موافق للرواية التي قال فيها: "صم من كل شهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشرة أمثالها" وكذلك قوله في الرواية الأخرى: "صم يوماً. ولك أجر ما بقي". وهذا الاختلاف وشبهه من باب النقل بالمعنى"1 اهـ.
وقال القرطبي أيضاً على حديث اختلفت ألفاظه: "حديث عائشة2 كثرت رواياته. واختلفت ألفاظه حتى يتوهم أنه مضطرب وليس كذلك؛ لأنه ليس فيه تناقض. وإنما كانت القضية مشتملة على كل ما نقل من الكلمات والأحوال المختلفة لكن نقل بعض الرواة ما سكت عنه غيرهم وعبر كل منهم بما تيسر له من العبارة عن تلك القضية.
ويجوز أن يصدر مثل ذلك الاختلاف من راوٍ واحد في أوقات مختلفة. ولا يعد تناقضاً؛ فإنه إذا اجتمعت تلك الروايات كلها. انتظمت وكملت الحكاية عن تلك القضية.
وعلى هذا النحو وقع ذكر اختلاف كلمات القصص المتحدة في القرآن فإنه تعالى يذكرها في موضع وجيزة. وفي آخر مطولة. ويأتي بالكلمات المختلفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المفهم (3/224- 225) باختصار. وانظر شرح النووي على مسلم (8/57- 69) وفتح الباري (4/217- 226) للحافظ.
2 أخرجه مسلم في الصحيح (رقم2106،2107).

 

ص -169-      الألفاظ مع اتفاقها على المعنى. فلا ينكر مثل هذا في الأحاديث" 1 اهـ.
وقال الإمام أحمد: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه والحديث يفسر بعضه بعضاً" 2اه.
وقال الأثرم: "الأحاديث يفسرها بعضها بعضاً ويصدق بعضها بعضاً"3.
وقال القاضي عياض: "الحديث يفسر بعضه بعضاً ويرفع مفسره الإشكال عن مجمله ومتشابهه"4.
وقال ابن دقيق: "الحديث إذا اجتمعت طرقه فسر بعضها بعضاً" 5 اهـ.
وقال ابن حزم: "ليس اختلاف الروايات عيباً في الحديث إذا كان المعنى واحداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه إذا كان يحدث بحديث كرره ثلاث مرات. فنقل كل إنسان بحسب ما سمع. فليس هذا الاختلاف في الروايات مما يوهن الحديث إذا كان المعنى واحداً" 6اه.
وقال جرير بن حازم: "كان الحسن يحدث بالحديث الأصل واحد والكلام مختلف"7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المفهم (5/425) وانظر منه (5/108) والإعلام بسنته (1ق83/أ) لمغلطاي والنكت 3/608) للزركشي.
2 أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2/212).
3 ناسخ الحديث ومنسوخه (251).
4 اكمال المعلم (8/380).
5 إحكام الإحكام (1/117).
6 الإحكام في أصول الأحكام (1/139) وانظر اختلاف الحديث (71) للشافعي.
7 أخرجه الدارمي في السنن (1/105 رقم 317) بسند صحيح.

 

ص -170-      وقال عبد الحق الإشبيلي: "ليس الاختلاف في اللفظ مما يقدح في الحديث إذا كان المعنى متفقاً" 1اه.
وقال ابن رجب: "اختلاف ألفاظ الرواية يدل على أنهم كانوا يروون الحديث بالمعنى ولا يراعون اللفظ إذ المعنى واحد. وإلا لكان الرواة قد رووا الحديث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة ولا يظن ذلك بهم مع علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم" 2 اهـ [بل هو سوء ظن بالرواة. وتطريق إلى إفساد أكثر الأحاديث] 3.
وقال المعلمي: "الخلاف بالرواية مما لا يغير المعنى، كالتقديم والتأخير وإبدال كلمة بأخرى مرادفة لها وجعل الضمائر التي للمخاطب للمتكلم. وغيره فهذا من الرواية بالمعنى. وكانت شائعة بينهم فلا تضر" 4اه.
وقال ابن سيد الناس: "إذا كان المخرج واحداً، والواقعة مما يندر وجودها ويبعد تكرار مثلها. فأمكن رد بعض تلك الألفاظ المختلفة في المعنى إلى بعض، فلا إشكال. ويحمل على أنه خبر واحد روي بلفظه مرة، ربما أدى إليه معنى اللفظ غيرها"5 اهـ.
وقال العلائي: "إذا اتحد مخرج الحديث واختلفت ألفاظه فإما أن يمكن رد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نقله محقق نقد بيان الوهم (58).
2 فتح الباري (6/393) بتصرف.
3 من كلام المازري في المعلم (2/145).
4 عمارة القبور (175) بتصرف. وانظر تهذيب الآثار (1/426- عمر) للطبري.
5 أجوبة ابن سيد الناس (ق40/ب).

 

ص -171-      إحدى الروايتين إلى الأخرى1. أو يتعذر ذلك. فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه. ولهذا القسم أمثلة:
أحدها: رد إحدى الروايتين إلى الأخرى:
بأن كل من قال لفظاً عبر به عن المجموع. وهو أمر يستعمل كثيراً في كلام العرب.
مثاله:
ما رواه نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟
قال:
"أوف بنذرك"2.
ورواه نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب "أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف. فقال يا رسول الله: إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف يوماً في المسجد الحرام فكيف ترى ؟
قال:
"اذهب فاعتكف يوماً"3.
فمرة قال (ليلة) . ومرة قال (يوماً) .
قال النووي: "الرواية التي فيها اعتكاف يوم لا تخالف رواية اعتكاف ليلة؛

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال المعلمي في الأنوار الكاشفة (262): "ما لايختلف به المعنى وهذا ليس باضطراب"اهـ
2 أخرجه البخاري في الصحيح (4/274رقم2032- فتح) ومسلم في الصحيح (11/178رقم1656- نووي).
3 أخرجه مسلم في الصحيح (11/179رقم 1656- نووي).

 

ص -172-      لأنه يحتمل أنه سأل عن اعتكاف ليلة. وسأله عن اعتكاف يوم"1 اهـ.
وتعقبه العلائي بقوله: "في هذا القول نظر لا يخفى؛ لأنه من البعيد جداً أن يستفتى عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا ينسى في مثلها لأن في كل من القصتين أن ذلك كان عقب غزوة حنين أيام تفرقة السبي ثم إعتاقهم.
وإلحاق اليوم بالليلة في حكم الاعتكاف المنذور، من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق كما في الأمة والعبد في العتق ولا يظن بعمر رضي الله عنه أنه يخفى عليه ذلك
والذي يقتضيه التحقيق رد إحدى الروايتين إلى الأخرى بأن كل من قال لفظاً عبر به عن المجموع وهو أمر يستعمل كثيراً في كلام العرب أن تطلق اليوم وتريد به بليلته. وبالعكس. فكان على عمر رضي الله عنه اعتكاف يوم وليلة، سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بالوفاء به.
عَبّر عنه بعض الرواة بيوم وأراد بليلته. والآخر بليلة وأراد بيومها"2 اهـ.
وقال ابن حبان: "ألفاظ أخبار ابن عمر أن عمر نذر اعتكاف ليلة إلا هذا الخبر فإن لفظه أن عمر نذر اعتكاف يوم. فإن صحت هذه اللفظة. يشبه أن يكون ذلك يوماً أراد به بليلته، وليلة أراد بها بيومها. حتى لا يكون بين الخبرين تضاد"3اه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شرح مسلم (11/178).
2 نظم الفرائد (113 ـ 114) وانظر فتح الباري (4/274) للحافظ.
3 الصحيح (10/226 ـ 227).

 

ص -173-      الثاني: رد إحداهما إلى الأخرى بتفسير المبهم وتبين المجمل.
مثاله:
ما رواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة حدثه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكيناً" 1.
ورواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
هلكت يا رسول الله ! قال: "وما أهلكك؟" قال: وقعت على امرأتي في رمضان ! قال: هل تجد ما تعتق رقبة ؟ قال: لا ! قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: لا ! قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً ؟ قال: لا ! قال: ثم جلس فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر فقال: "تصدق بهذا"، قال: أفقر منا ؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه. ثمّ قال: "اذهب فأطعمه أهلك" 2.
فالرواية الأولى أبهمت سبب الفطر والثانية بينته قال العلائي: "هذا يقوي فيه القول بأن تجعل رواية هؤلاء مفسرةً لما أبهم في رواية أولئك من جهة المفطر. ومقيداً للكفارة بالترتيب لا بالتخيير. كما هو ظاهر هذه الرواية الثانية؛ لأن الحديث واحد اتحد مخرجه" 3اه.
الثالث: رد إحداهما إلى الأخرى بتقييد الإطلاق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه مسلم في الصحيح (7/320 رقم 1111ـ نووي).
2 أخرجه مسلم في الصحيح (7/317 رقم 1111ـ نووي).
3 نظم الفرائد (118).

 

ص -174-      مثاله:
ما رواه يحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه" 1.
ورواه يحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ولا يستنجي بيمينه ولا يتنفس في الإناء"2.
فالحديث الأول نهى أن يمس ذكره بيمينه مطلقاً. والثاني قيده بحالة البول.
قال ابن دقيق العيد: "ينظر في الروايتين أعني رواية الإطلاق والتقييد هل هما حديثان أو حديث واحد مخرجه واحد.
فإن كانا حديثين فالحكم ما ذكرناه في حكم الإطلاق والتقييد.
وإن كان حديثاً واحداً مخرجه واحد اختلف عليه الرواة فينبغي حمل المطلق على المقيد لأنها تكون زيادة من عدل في حديث واحد فتقبل.
وهذا الحديث المذكور راجع إلى رواية يحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه" 3اه.
وقال العلائي: "هذا يمكن أن يكونا جميعاً ملفوظاً بهما. فتحمل رواية من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري في الصحيح (1/253رقم153- فتح).
2 أخرجه البخاري في الصحيح (1/254رقم154- فتح).
3 إحكام الأحكام (1/60).

 

ص -175-      تركه على رواية من ذكره. ويجعل دليلاً على تقييد النهي بحالة البول والاستنجاء منه"1اه.
قال البخاري في كتاب الوضوء: "باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال"2اه.
قال الحافظ: "أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق من مس الذكر باليمين كما في الباب قبله، محمول على المقيد بحالة البول فيكون ما عداه مباحاً"3اه.
الرابع: رد إحداهما إلى الأخرى بتخصيص العام:
مثاله:
ما رواه نافع عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل عبد أو حر صغير أو كبير" 4.
ورواه نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين"5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نظم الفرائد (115).
2 الصحيح (1/254-  فتح).
3 فتح الباري (1/254).
4 أخرجه مسلم في الصحيح (7/82رقم984- نووي).
5 أخرجه البخاري في الصحيح (3/ 369 رقم 1504- فتح) ومسلم، في الصحيح (7/81رقم984- نووي).

 

ص -176-      فاللفظ الأول عام واللفظ الثاني مخصوص.
قال العلائي: "يتخصص إيجاب إخراج زكاة الفطر بكونه على كل مسلم"1 اهـ.
وإنما يرد أحد اللفظين إلى الآخر في العموم إلى الخصوص والإطلاق إلى التقييد عند التعارض والتنافي في بعض المدلولات، اللهم إلا أن يكون مفهوم التقييد يقتضي مخالفة المطلق وكذلك مفهوم الخاص يخالف حكم العام فيقيد ويخصص بالمفهوم عند من يرى ذلك.
وهذا كله إذا لم تكن الرواية المتضمنة للتقيد أو التخصيص شاذة مخالفة لبقية الروايات. بل يكون الذي جاء بها حافظاً متقناً يقبل تفرده وزيادته 2.
فأما إذا كان سيئ الحفظ قليل الضبط. وكانت الروايات الأخر من طريق أهل الضبط والإتقان وهم أكثر منه عدداً. فالحكم لروايتهم. ولا نظر إلى رواية ذاك الذي هو دونهم" 3اه.
وشرط الجمع أن لا يكون متعسفاً ولا متكلفاً 4.
فإن لم يمكن حملها على معنى واحد. واختلفت أحوال الرواة صير إلى الترجيح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نظم الفرائد (116) وانظر التمهيد (14/312) لابن عبد البر وفتح الباري (3/369- 371) للحافظ.
2 أو يغلب على الظن حفظه لها.
3 نظم الفرائد (115- 118) بتصرف.
4 انظر المفهم (5/310) للقرطبي وزاد المعاد (1/110- 111) لابن قيم الجوزية.

 

ص -177-      قال ابن سيد الناس: "وإن لم يمكن حملها على معنى واحد فإما أن تتساوى أحوال رواة تلك الألفاظ في مراتب الجرح والتعديل أو لا.
إن لم تتساوى الرواة فيصير إلى الترجيح برواية من سلم من التجريح"1اه.
وقال العلائي: "إذا لم يتأت الجمع بين الروايات وتعذر رد إحداهما إلى الأخرى فهذا محل النظر ومجال الترجيح.
ومثال ذلك: حديث الواهبة نفسها، فإنه قصة واحدة ومداره على أبي حازم عن سهل بن سعد.
واختلفت الرواة فيه على أبي حازم.
فقال فيه مالك بن أنس وحماد بن زيد وفضيل بن سليمان وعبد العزيز الدراوردي وزائدة:
"فقد زوجتكها على ما معك من القرآن" 2.
وقال فيه سفيان بن عيينة عنه: "
فقد أنكحتكها" 3.
وقال يعقوب بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه:
"فقد ملكتكها" 4.
وقال فيه معمر وسفيان الثوري:
"أملكتكها" 5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أجوبة ابن سيد الناس (ق40/ب).
2 أخرجه البخاري في الصحيح (9/74رقم5029- فتح).
3 أخرجه البخاري في الصحيح (9/205رقم5149- فتح).
4 أخرجه البخاري في الصحيح (9/180رقم5126- فتح).
5 أخرجه أحمد في المسند (5/334).

 

ص -178-      وقال أبو غسان "أمكناكها بما معك من القرآن" 1.
وأكثر هذه الروايات في الصحيحيىن أو أحدهما. فهذا لا يتأتى أن تكون هذه الألفاظ كلها قالها النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الواقعة وتلك الساعة إلا على سبيل التجويز العقلي المخالف للظن القوي جداً فلم يبق إلا أنه صلى الله عليه وسلم قال لفظاً منها. وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى" 2اه.
وقال أيضاً: "من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذه الألفاظ كلها تلك الساعة فلم يبق إلا أن يكون قال لفظة منها وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك ثم احتج بمجيئه في هذا الحديث إذا عورض ببقية الألفاظ لم ينتهض احتجاجه. فإن جزم بأنه هو الذي تلفظ به النبي صلى الله عليه وسلم ومن قال غيره ذكره بالمعنى قلبه عليه مخالفه. وادعى ضد دعواه فلم يبق إلا الترجيح بأمر خارجي. ولكن القلب إلى ترجيح رواية التزويج أميل؛ لكونها رواية الأكثرين، ولقرينة قول الرجل الخاطب "زوجنيها يا رسول الله" 3اه.
وقال ابن دقيق: "هذه لفظة واحدة في حديث واحد اختلف فيها والظاهر الغالب أن الواقع منهما أحد الألفاظ لا كلها. فالصواب في مثل هذا، النظر إلى الترجيح بأحد وجوهه. ونقل عن الدارقطني: أن الصواب رواية من روى زوجتكها وأنه قال: هم أكثر وأحفظ" 4اه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري في الصحيح (9/175رقم5121- فتح).
2 نظم الفرائد (118- 120).
3 نقله الحافظ في الفتح (9/215) وانظر التنقيح (3/172) لابن عبد الهادي.
4 إحكام الأحكام (4/48) وانظر اكمال المعلم (4/583) للقاضي عياض وفتح الباري (9/214- 216) والنكت (2/808) للحافظ والأنوار الكاشفة (85) للمعلمي.

 

ص -179-      فإن لم يمكن حملها على معنى واحد. وتساوت أحوال الرواة، فهذا هو المضطرب متناً.
قال ابن سيد الناس: "إن لم تتساوى الرواة فيصار إلى الترجيح برواية من سلم من التجريح. وإن تساوت فهو المضطرب في اصطلاحهم، وفي مثل هذه الحال يضعف الخبر المروي كذلك؛ لما تشعر به هذه الحالة من عدم الضبط"1 اهـ.
والاضطراب الواقع في المتن له ثلاثة أقسام:
الأول:
[ما يختلف به معنى غير المعنى المقصود ]2. فهذا لا يؤثر في ثبوت الحديث إلا في ذلك المعنى الذي لا يقصد. و[ ذلك لا يوجب اختلافاً في المعنى المقصود]3
قال الحافظ: "مالا تتضمن المخالفة بين الروايات اختلاف حكم شرعي. فلا يقدح ذلك في الحديث وتحمل تلك المخالفة على خلل وقع لبعض الرواة؛ إذ رووه بالمعنى متصرفين بما يخرجه عن أصله"4 اهـ.
وأكثر الأحاديث المختلفة من هذا القسم. ولا أثر له في ثبوته قال العلائي: "أكثر الأحاديث المختلفة لا يتضمن اختلافها اختلاف حكم شرعي" 5 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أجوبة ابن سيد الناس (ق40/ب).
2 الأنوار الكاشفة لما في كتاب ((أضواء على السنة)) من الزلل والتضليل والمجازفة 262) للمعلمي.
3 الأنوار الكاشفة (262) للمعلمي، وانظر التلخيص الحبير (3/9) للحافظ.
4 النكت (2/802) وانظر تنقيح التحقيق (1/436) لابن عبد الهادي.
5 نظم الفرائد (121).

 

ص -180-      مثاله: حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين في تعيين الصلاة التي سها فيها النبي صلى الله عليه وسلم .
فقال بعضهم: "صلاة الظهر أو العصر" 1.
وقال آخر: "أكثر ظني أنها العصر" 2.
وجزم بعضهم بأنها "صلاة العصر" 3.
وقال غيرهم: "صلاة الظهر" 4.
قال العلائي: "الظاهر أن حديث أبي هريرة قضية واحدة. ولكن اختلف رواتها فمنهم من تردد في تعيين الصلاة هل هي الظهر أو العصر. ومنهم من جزم بإحداهما والعلم عند الله سبحانه وتعالى" 5اه.
وقال الحافظ: "الظاهر أن هذا الاختلاف فيه من الرواة" 6اه.
و[ذلك لا يوجب اختلافاً في المعنى المقصود؛ فإن حكم الصلوات في السهو واحد] 7.
الثاني: [ما يختلف به معنى مقصود لكن في الحديث معنى مقصود لا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري في الصحيح (3/96رقم1227- فتح).
2 أخرجه البخاري في الصحيح (3/99رقم1229- فتح).
3 أخرجه مسلم في الصحيح (5/96رقم573- نووي).
4 أخرجه مسلم في الصحيح (5/97رقم573- نووي).
5 نظم الفرائد (96)باختصار.
6 فتح الباري (3/97).
7 من كلام المعلمي في الأنوار الكاشفة (262).

 

ص -181-      يختلف] 1. فهذا يترك ما اضطرب فيه راويه. ويؤخذ ما لم يضطرب.
قال ابن دقيق: "إذا صح التعارض الموجب للاطراح، فيخص بما وقع التعارض فيه فلا يسوغ إسقاط ما اتفق عليه" 2اه.
مثاله: ما رواه عبدالله بن عكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام شاب:
"أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"3.
اضطرب خالد الحذاء في تحديد المدة التي أتاهم فيها الكتاب قبل وفاة النبيصلى الله عليه وسلم:
قال مرة: قبل وفاته بشهر 4.
وقال مرة: قبل وفاته بشهرين 5.
ومرة: قبل وفاته بشهر أو شهرين 6.
فاضطرب خالد في تحديد المدة. وقد رواه غيره بلا تحديد فنترك تحديد المدة. ولا يضر هذا في بقية الحديث.
الثالث: [ما يختلف به المعنى المقصود كله] 7.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الأنوار الكاشفة (262) للمعلمي.
2 شرح الإلمام (2/330) بتصرف.
3 أخرجه أبو داود في السنن (4/370رقم4127).
4 أخرجه أبو داود في السنن (4/371رقم4128).
5 أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (153رقم156).
6 أخرجه أحمد في المسند (4/310).
7 الأنوار الكاشفة (262) للمعلمي.

 

ص -182-      فهذا يتوقف عن القول بثبوته؛ لاضطراب متنه.
مثاله: ما رواه عيسى بن يزداد اليماني عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات"1.
ورواه عيسى بن يزداد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بال نتر ذكره ثلاثاً"2.
فهنا اضطرب راويه مرة حديثاً قولياً ومرة حديثاً فعلياً.
قال مغلطاي: "هذا يدل على اضطراب وعدم ضبط" 3اه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه ابن ماجه في السنن (1/206رقم326).
2 أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (3/381).
3 الإعلام بسنته (1ق46/أ).

 

ص -183-      الفصل الثالث: قاعدة الاضطراب سنداً ومتناً
قاعدة الاضطراب سنداً ومتناً متعلقة بالقاعدتين السابقتين بل لا تخرج عنهما لكن النظر هنا في طريقة العمل عند اختلاف واضطراب الحديث سنداً ومتناً.
فإذا وقع الاختلاف في سند الحديث ومتنه كانت النظرة الأولى إلى الإسناد؛ [لأن الوهم إنما يتطرق إلى أخبار الآحاد من جهة واحدة وهي الطريق أي السند ]1.
قال شعبة: "إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد"2.
وقال يحيى بن سعيد: "لا تنظروا إلى الحديث ولكن انظروا إلى الإسناد فإن صح الإسناد. وإلا فلا تغتر بالحديث إذا لم يصح الإسناد" 3اه.
فالنظرة الأولى للإسناد فقط فما كان من رواية الضعفاء والمختلطين والمتروكين أبعدناه عن الدراسة؛ إذ [لا يحكم بالضعفاء على الثقات] 4.
قال ابن دقيق العيد: "الواجب أن ينظر إلى تلك الطرق فما كان منها ضعيفاً أسقط عن درجة الاعتبار. ولم يكن مانعاً من التمسك بالصحيح القوي"5اه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 من كلام القرطبي في المفهم (1/563) بتصرف.
2 أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (1/75).
3 أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2/102).
4 من كلام النسائي في السنن الكبرى (3/491) وانظر نصب الراية (4/97) للزيلعي.
5 أحكام الأحكام (3/173) وانظر بيان الوهم (3/339) و(4/26) لابن القطان.

 

ص -184-      وقال ابن دقيق أيضاً: "ينظر في الاختلافات الواقعة في الحديث سنداً ومتناً فيسقط منها ما كان ضعيفاً؛ إذ لا يعلل القوي بالضعيف وينظر فيما رجاله ثقات فما وقع في بعضه شك طرح. وأخذ ما لم يقع فيه شك من راويه"1 اهـ.
فإذا زال الاضطراب عن السند والمتن فلا اعتلال وإن بقي الاضطراب ننظر إلى الإسناد مرة أخرى، فإن أمكن الجمع بلا تكلف بين الأسانيد المختلفة صير إليه2.
فإن لم يمكن الجمع صير إلى الترجيح بين الأسانيد المختلفة [فإذا كان الترجيح واقعاً في بعضها فينبغي العمل بها؛ إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العمل بالأقوى والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح ] 3.
قال ابن دقيق: "لا يغفلن عن طلب الترجيح عند الاختلاف، فإن النظر إنما هو عند التساوي أو التفاوت"4 اهـ.
فإن زال الاضطراب عن المتن بعد الترجيح فلا إشكال. وإن بقي الاختلاف صير إلى الجمع بين مروياتهم. فإن أمكن الجمع بلا تعسف صير إليه.
قال ابن حزم: "إذا اختلفت الألفاظ من طرق الثقات أخذ بجميعها ما أمكن ذلك"5 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (1/391) بتصرف. وانظر الاقتراح (222).
2 انظر بيان الوهم (5/276) لابن القطان، وشرح الإلمام (1/391) لابن دقيق.
3 من كلام ابن دقيق في احكام الأحكام (3/172). وانظر النكت (2/712) للحافظ.
4 الاقتراح (224) باختصار.
5 نقله الزركشي في النكت (2/228).

 

ص -185-      فإن لم يمكن الجمع صير إلى الترجيح بالنظر إلى الإسناد. فإن لم يمكن الترجيح لتكافؤ الروايات وتساويها فهو المضطرب.
مثاله:
ما رواه الحجاج بن أرطأة عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء" 1.
ورواه الحجاج عن أبي بكر بن محمد بن عمرو عن عمرة قالت سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها متى يحل المحرم ؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا رميتم وذبحتم وحلقتم حل لكم كل شيء إلا النساء" 2.
ورواه الحجاج عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء" 3.
فهذا الحديث اضطرب الحجاج بن أرطأة الكوفي 4 في سنده ومتنه.
ففي السند:
قال مرة: عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعاً.
ومرة: عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة مرفوعاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه أبو داود في السنن (2/499 رقم 1978).
2 أخرجه الطبري في جامع البيان في تأويل القرآن (2/323 رقم 3963).
3 أخرجه أحمد في المسند (6/143).
4 قال عنه الحافظ في التقريب (222 رقم 1127): "صدوق كثير الخطأ والتدليس".

 

ص -186-      وفي المتن:
اضطرب في السبب الذي يحل للمحرم كل شيء إلا النساء.
فقال مرة: الرمي فقط.
ومرة: الرمي والذبح والحلق.
ومرة: الرمي والحلق.
قال البيهقي: "هذا من تخليطات الحجاج بن أرطأة"1 اهـ.
وقال العراقي: "ضعيف مداره على الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف. ومع ذلك فقد اضطرب في إسناده ولفظه"2 اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 السنن الكبرى (5/136).
2 طرح التثريب (5/81).