مفهوم الأسماء والصفات

الغني:
هم اسم من أسماء الله تعالى، يتضمن أن الله جل وعلا غني غنى مطلقا عن جميع خلقه، فليس محتاجا إلى أي منهم، لأنه سبحانه هو خالق الخلق، ومالكه، ومدبر أمره، وخزائن كل شيء عنده وحده، يمد منها خلقه بقدر معلوم حسب مشيئته هو سبحانه كما قال: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (لحجر آية 21) ومن كانت صفاته بهذه المثابة، فلا يمكن أن يحتاج البتة إلى واحد من خلقه، إذ إن الذي يحتاج إلى غيره لا يصلح أن يكون إلها، ومن ثم إلهنا العظيم هو (الغني) على الإطلاق.
وقد ورد هذا الاسم الكريم (الغني) في القرآن الكريم ثماني عشرة مرة1، على النحو التالي:
ورد عشر مرات 2 مقترنا باسم (الحميد) سبحانه، وذلك على مثل ما يلي:
1- في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (البقرة آية 267) .
أقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) في هذه الآية الكريمة بأمر الله تعالى لنا بأن نعلم أن الله تعالى (غني حميد) ، فهو المتصف بالغنى المطلق، والمستحق للحمد المطلق، وذلك بعد أن أمر المؤمنين - في الآية ذاتها - أن ينفقوا من طيبات ما كسبوا ومما أخرج الله تعالى لهم من الأرض، وأن لا ينفقوا من الخبيث، إذ إنهم لا يقبلون أخذه إلا تساهلا وتجاوزا عن بعض حقوقهم، ومع أمر الله لهم إلا بالإنفاق من الطيبات، فالله غني - على الإطلاق - عن إنفاقهم، ومستحق للحمد على كل ما أمر وفعل.
وقد ذكر الإمام ابن كثير في معنى قوله {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} أن الله تعالى وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذلك إلا ليساوي الغني الفقير، كقوله تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} ، وهو غني عن جميع خلقه،
__________
1 المعجم المفهرس.
2 المعجم المفهرس.

(47 - 48/74)


وجميع الخلق فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفذ ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، وسيجزيه بها، ويضاعفها له أضعافا كثيرة، فالذي يقرضه غير عديم ولا ظلوم. وهو سبحانه الحميد أي المحمود في جميع أفعاله، وأقواله، وشرعه، وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه3.
أقول: ولو أن العبد علم أن من أسماء الله تعالى (الغني) ، وأن خزائنه ملأى لا تنقص ولا تنفذ، لجرد كل اعتماده عليه سبحانه، ولما طلب مددا من غيره جل شأنه، ولما لجأ إلى ما يزين له الشيطان من الاستمداد من الأحياء، والموتى، بل ومن الجمادات، لأن الله - وحده - هو الذي يملك أن يمد بكل أنواع الإمدادات، وقد أشار سبحانه إلى هذا في قوله: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} (نوح آية 10- 12)
2-وفي قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} (إبراهيم آية 8) .
أقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) ببيان قول رسول الله موسى عليه السلام - وهو من أولي العزم من الرسل - أنه لو كفر قومه وهم بنو إسرائيل، وكفر الناس جميعا؛ فإن كفرهم لن يضر الله شيئا، فهو سبحانه الغني غنى مطلقا عن خلقه جميعا، المحمود على كل أوامره وأفعاله.
وقد قال الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره كقوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ..} الآية، فسبحانه وتعالى الغني الحميد1.
وقد قال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: أي إن تكفروا نعمته تعالى أنتم وجميع الخلق ولم تشكروها، فإن الله سبحانه {الْغَنِيُّ} عن شكركم لا يحتاج إليه، ولا يلحقه بذلك نقص {الْحَمِيدُ} أي مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه، وإن لم تشكروه، أو يحمده غيركم من الملائكة2.
__________
3 تيسير العلي القدير المجلد الأول ص 230- 231.
1 تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص 426.
2 فتح القدير الجزء الثالث ص 96.

(47 - 48/75)


1- وفي قوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (الحج آية 64) .
أقول: وقد سُبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) في هذه الآية الكريمة ببيان ملك الله عز وجل لكل ما في السموات وما في الأرض، فهو خالق كل شيء وحده، ومالك كل شيء وحده، ومدبر أمر كل شيء وحده، وهذا يدل على كمال ربوبيته وكمال غناه عن خلقه سبحانه.
وقد قال الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: إن كل شيء في السموات والأرض ملكه وحده لا شريك له سبحانه، وهو (الغني الحميد) أي المستغني عما سواه، المستوجب الحمد من عباده في كل حال3.
وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: إن الله تعالى {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} خلقا وملكا وتصرفا، وكلهم محتاجون إلى رزقه، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ} فلا يحتاج إلى شيء، {الْحَمِيدُ} المستوجب للحمد في كل حال4.
4- وفي قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (لقمان آية 26)
أقول: وما ذكرته في الآية الثالثة يصدق على هذه الآية؛ لتضمنها تقريبا المعنى نفسه.
1- وفي قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (لقمان آية 12) .
أقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) في هذه الآية الكريمة ببيان أن الله تعالى أعطاه الحكمة وأمره أن يشكر وحده على ما أنعم به عليه، إذ إن الشكر ينفع الشاكر وحده، والذي يجحد النعم ولا يشكرها فلن يضر الله بكفره؛ لأنه سبحانه ليس في حاجة إلى شكر شاكر، فهو الغني المستحق لكافة أنواع الحمد.
ويفهم من هذا أن المنعم وحده هو الله تعالى، وهذا من كمال ربوبيته، وبهذا يستحق الشكر وحده، فهو المستغني عن كل خلقه، الواجب الحمد منهم على كل حال.
__________
3 تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص 98.
4 فتح القدير الجزء الثالث ص 466.

(47 - 48/76)


وقد قال الإمام ابن كثير في معنى هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى آتى لقمان1 الفهم، والعلم والتعبير، والفقه في الإسلام، ولم يكن نبيا ولم يوح إليه، وأمره بشكره على ما آتاه من الفضل الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، وأن الشكر يعود نفعه على الشاكرين، أما الله تعالى فليس بحاجة إلى العباد، ولا يتضرر ولو كفر أهل الأرض جميعا، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه2.
مما سبق يتبين أن اسم (الغني) جاء في أغلب الآيات بعد إقرار قضية توحيد الله عز وجل.
وقد ورد اسم (الغني) مقترنا باسم (الحليم) سبحانه مرة واحدة 3:
في قوله تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} (البقرة آية 263) .
أقول: واقتران الغني بالحليم أفهم منه أنه سبحانه مع غناه المطلق الذي لا يحتاج به إلى أحد من خلقه؛ فإنه حليم عليهم حين يعصونه، والمعهود في عرف الناس أن الغني منهم - وغناه محدود - لا يحلم على عبده لو عصاه، لكن الله جل وعلا - وله المثل الأعلى - مع غناه المطلق حليم بعباده العاملين.
وقد سبق هذان الاسمان الكريمان ببيان أن المنفق إذا أتبع صدقته بالقول الطيب والغفران - لأنه ينفق ابتغاء وجه الله الذي لا توجه العبادة إلا له وحده سبحانه - فإن ذلك يكون خيرا له من اتباعه إنفاقه بما يؤذي من أعطاه، ولا يتأتى القول الطيب والمغفرة إلا من المنفق المؤمن الموحد الذي يؤمن بأن الذي أعطاه ما ينفق منه إنما هو ربه (الغني) الذي لا ينفد عطاؤه، ومن ثم خرج كلامه طيبا، من قلب طيب، عل لسان طيب. ورغم ذلك فإن صدر منه خطأ - وكل بني آدم خطاء – وجد أن الله (الغني) هو سبحانه (الحليم) الذي يتجاوز عن مثل خطئه لدوام رجوعه إلى ربه وتوبته.
وقد ذكر الإمام ابن كثير في قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} - في هذه الآية - أن الله غني عن خلقه يحلم ويغفر ويصفح4.
وقد ورد اسم (الغني) مقترنا باسم (الكريم) سبحانه مرة واحدة 5:
في قوله تعالى: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (النمل آية 40) .
__________
1 اختلف السلف في لقمان: هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين: فالأكثرون على الثاني، وعن ابن عباس أنه كان عبدا حبشيا نجارا، وعن جابر بن عبد الله قال: كان قصير أفطس الأنف من النوبة، وعن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، أعطاه الحكمة ومنعه النبوة. (تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص 325) .
2 المرجع السابق ص 326.
3 المعجم المفهرس.
4 تيسير الكريم الرحمن المجلد الأول ص 228.
5 المعجم المفهرس.

(47 - 48/77)


أقول: واقتران (الغني بالكريم) أفهم منه أنه سبحانه مع غناه المطلق عن خلقه، فهو الكريم كرما مطلقا لا يسلب عباده الذين يعصونه نعمه التي تفضل بها عليهم إلا بعد أن يذكروا ويوعظوا ويبين لهم، فإذا نسوا ما ذكروا به بعد توالي نعمه سلبهم ما أعطاهم بأخذه بغتة كما يقول تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (النعام آية 44) .
والمعهود في عرف الناس أن الغني منهم إذا عصاه عبده سلب منه ما أعطاه عاجلا؛ إذ يضيق صدره بعصيان عبده إياه، فيرى في لحظة عصيانه أنه لا يستحق خيره وعطاءه، فيسارع إلى استعادة ما أعطاه، لكن الله جل وعلا - وله المثل الأعلى - في غناه المطلق، واسع الكرم لا يسلب عباده العاصين بمجرد عصيانهم نعمه، بل يمهلهم - دون إهمال - بل قد يزيد في الإنعام عليهم، فإذا ما ظلوا في غيهم سادرين أخذهم أخذ عزيز مقتدر.
وقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} أي هو غني عن العباد وعبادتهم، كريم في نفسه وإن لم يعبدوه، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى عليه السلام: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} 1.
وذكر الإمام الشوكاني أن الشكر لا ينفع إلا الشاكر، {وَمَنْ كَفَرَ} بترك الشكر {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} عن شكره، {كَرِيمٌ} في ترك المعاجلة بالعقوبة بنزع نعمه عنه وسلبه ما أعطاه منها2.
أقول: وبهذه المناسبة أود أن أذكر أن الله (الغني) سبحانه، يحتاج إليه كل خلقه صغر أم كبر، إنسيا أم جنيا، طيرا أم زاحفا، وحشا أم مستأنسا، فالكل فقير في أمس الحاجة إلى فضل ربهم (الغني) سبحانه وتعالى.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: (خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تستقينا، وإما أن تهلكنا؛ فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم) .
__________
1 تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص 239.
2 فتح القدير الجزء الرابع ص 139.

(47 - 48/78)


فهذه نملة هداها الله إلى أن تدعوه وتقول: ليس بنا غنى عن رزقك. فاستجاب الله تعالى لدعائها، وسقى قوم سليمان بدعاء النملة كما ذكر سليمان لهم: (ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم) .
أقول: فلو أن الإنسان - الذي كرمه الله تعالى وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا - علم أن خالقه سبحانه هو الغني الذي بيده وحده كل الخير، وواسع الفضل، وآمن بأنه لا يدعى ولا تطلب النعم إلا منه جل وعلا، لاطمأن قلبه من فزع الجوع وخوف الفقر، ولسلب أموره التي فوضها للعباد، وأدعيته التي وضعها بين أيديهم، ليضعها في يد خالقه الغني رب العالمين، الذي يقدر وحده أن يمده بما شاء من فضله، إذ إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وقد ورد اسم (الغني) مقترنا بما وصف به نفسه تعالى بقوله {ذُو الرَّحْمَةِ} مرة واحدة 1 في القرآن الكريم:
في قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} (الأنعام آية 133) .
أقول: واقتران اسم (الغني) في هذه الآية بقوله تعالى: {ذُو الرَّحْمَةِ} أفهم منه أنه تعالى مع غناه المطلق الذي لا يحتاج به إلى واحد من خلقه، والذي به ينعم بما يشاء من النعم على خلقه، فهو تعالى رحيم بمن عصاه من خلقه، لا يعاجلهم بعقوبته فور عصيانهم، كما نرى المعهود بين الناس - ولله المثل الأعلى - فالغني منهم إذا عصاه عبده سرعان ما يوقع به عقوبته، محاولا أن يجعلها تناسب جرمه، لكن الله جل وعلا واسع الرحمة يمهل عباده العاصين لعلهم يرجعون إليه ويتوبون، وفي هذا يقول سبحانه: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} (النحل آية 61) .
وقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} إلى قوله {قَوْمٍ آخَرِينَ} أنه الغني عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، وهو مع ذلك رحيم بهم، فإن شاء أذهبهم إذا خالفوا أمره، ويستخلف من بعدهم ما يشاء من قوم آخرين يطيعونه، كما أذهب
__________
1 المعجم المفهرس.

(47 - 48/79)


القرون الأولى وأتى بمن بعدها، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بغيرهم، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} 2.
وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: وربك الغني عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم، ومع كونه غنيا عنهم؛ فهو ذو رحمة بهم لا يكون غناه مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم، هي غاية التفضل والتطوّل، إذ لو شاء لاستأصل العصاة بالعذاب المفضي إلى الهلاك، ويستخلف من بعد إهلاكهم ما يشاء من خلقه ممن هو أطوع له وأسرع إلى امتثال أحكامه منهم؛ مثل ما استخلف غيرهم الذين أنشأهم من ذرية قوم آخرين أهلكهم - قيل: هم أهل سفينة نوح - ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فلم يهلكهم، ولا استخلف غيرهم رحمة لهم، ولطفا بهم3.
وقد ورد اسم (الغني) سبحانه في القرآن الكريم دون أن يقترن بغيره من أسماء الله تعالى الحسنى خمس مرات 1: على ما يلي:
1- في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران آية 97) .
أقول: وقد سبق اسم (الغني) سبحانه في هذه الآية الكريمة ببيان وجوب أداء حج بيت الله الحرام لكل من يستطيع السبيل لبلوغه، وإبراز أن الحج إنما هو لله وحده، واعتبر المستطيع الذي يتقاعس عن أداء هذا الركن من أركان الإسلام كافرا، وكفره عليه، فلن يضر الله به شيئا، إذ إن الله غني عنه وعن عبادته وعن العالمين جميعا، وتجريد العبادة لله وحده هو من توحيده سبحانه.
وقد قال الإمام ابن كثير في بيان قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} : إن من جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه. وروى سعيد بن منصور عن عكرمة قال: لما نزلت: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله عز وجل: فأخصمهم فحجهم، يعني فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله فرض على المسلمين حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا"، فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} 2.
__________
2 تيسير العلي القدير المجلد لثاني ص 58- بتصرف قليل.
3 فتح القدير الجزء الثاني ص 164- بتصرف قليل.
1 المعجم المفهرس.
2 تيسير العلي القدير المجلد الأول ص 295- 296.

(47 - 48/80)


وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: قيل إنه عبر بلفظ الكفر عن ترك الحج تأكيدا لوجوبه وتشديدا على تاركه، وقيل المعنى: ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجبا، وقيل: إن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر، وما شرع الله تعالى لعباده هذه الشرائع إلا لنفعهم ومصلحتهم، وهو - تعالى شأنه وتقدس سلطانه - غني لا تعود إليه طاعات عباده بأسرها بنفع3.
1- وفي قوله تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (العنكبوت آية 6) .
أقول: وقد سبق اسم (الغني) سبحانه في هذه الآية ببيان أن جهاد الإنسان - وهو عبادة عدت ذروة سنام الإسلام – لا ينفع سواه، وهكذا شأن كل أعماله، ولا ينفع الله شيئا، فهو سبحانه غني عن كل العالمين، ويتبين أن ذكر العبادة التي تجرد لله تعالى - وهذا من توحيده - سبق ذكرها اسمه (الغني) سبحانه وتعالى.
وقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: أن من جاهد فإنما يعود جهاده على نفسه، فإن الله غني عن أفعال العباد، ولو كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيء4.
وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية نفسها: أن من جاهد الكفار وجاهد نفسه بالصبر على الطاعات فإنما يجاهد لنفسه، أي ثواب ذلك له لا لغيره، ولا يرجع إلى الله سبحانه من نفع ذلك شيء، فلا يحتاج إلى طاعة العالمين كما لا تضره معاصيهم1.
2- وفي قوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (الزمر آية 7) .
أقول: إن اسمه الكريم (غني) ذكر معه بيان أن عدم توجيه العبادات لله تعالى لعدم الإيمان به لا يضر الله شيئا، بل ضرره على صاحبه لعدم توحيده، ورغم هذا فالله تعالى لا يرضى لعباده أن يكفروا، ولكنه يرضى لهم أن يشكروا.
ويتبين من هذا ومما سبق من الآيات أن الأسماء الحسنى تذكر غالبا مقترنة مع بيان توحيد الله عز وجل، مما يؤكد أهمية توحيد صاحب هذه الأسماء الكريمة.
__________
3 فتح القدير الجزء الأول ص 363- بتصرف قليل.
4 تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص 284.
1 فتح القدير الجزء الرابع ص 193.

(47 - 48/81)


وقد قال الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى يخبر عن نفسه تبارك وتعالى أنه الغني عما سواه كما قال موسى عليه السلام: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} ، وكما جاء في صحيح مسلم: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا"، ومع ذلك فالله لا يحب الكفر لعباده ولا يأمر به، ولكن يحب لهم أن يشكروا ويزيدهم من فضله2.
وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: إنه تعالى غير محتاج إليكم، ولا إلى إيمانكم، ولا إلى عبادتكم له، فإنه الغني المطلق، ومع كون كفر الكافر لا يضره كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن فهو سبحانه لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ولا يحبه، ولا يأمر به.
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} هل هي عامة أم خاصة؟
فذهب فريق إلى أنها عامة لعباد الله جميعا؛ فالكفر غير مرضي لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر؛ فقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته.
وذهب فريق - منهم ابن عباس رضي الله عنهما، على ما أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات في قوله: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} - أنهم عباده المخلصون الذين قال عنهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} ؛ فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم، وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن المعنى: لا يرضى لعباده المسلمين الكفر3.
1- وفي قوله تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} (يونس آية 68) .
أقول: إن من لديه أدنى ذرة من عقل يعلم يقينا أن الله سبحانه لا يمكن أن يتخذ ولدا، لأن اتخاذ الولد مظهر من مظاهر الحاجة، إذ إن المعهود في الإنسان أنه يتخذ الولد لحاجته إليه ليحمل اسمه ويبقى ذكره بعد موته، وليعينه في حياته إذا عجز أو كبر،
__________
2 تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص 497.
3 فتح القدير الجزء الرابع ص 453- 454.

(47 - 48/82)


وليمده بما يقتات به إذا افتقر، والله تعالى - وله المثل الأعلى - لا يتصور عاقل أن يتخذ له ولدا، لأن اتخاذ الولد دليل على حاجة متخذه إليه، والمحتاج إلى غيره لا يصلح أن يكون إلها، فسبحان الله العلي الكبير أن يحتاج لغيره، فهو (الغني) عن خلقه جميعا، وآية ذلك أنه خالق السموات والأرض وما فيها وما بينهما، ومالك الخلق جميعا ومدبر أمره وحده سبحانه وتعالى.
وتجريد الربوبية لله تعالى على هذه الصورة لينبني عليه توحيد الألوهية ثم توحيد الأسماء والصفات أكمل تجريد لتوحيد الله عز وجل؛ ومن ثم نرى أن أسماء الله تعالى تذكر غالبا بإقرار قضية توحيد الله تبارك وتعالى لعظيم أهميته في صحة الأعمال.
وقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة أن الله تعالى ينكر على من ادعى أن له ولدا، {سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} أي تنزه عن أن يكون له ولد، بل هو الغني عن كل ما سواه، إذ كيفي كون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك وعبد له؟ 1.
وذكر الإمام الشوكاني في بيان الآية نفسها: أن هذا نوع آخر من أباطيل المشركين التي كانوا يتكلمون بها، وهو زعمهم بأن الله سبحانه اتخذ ولدا، فرد ذلك عليهم بقوله: {سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} ؛ فتنزه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين، وبين أنه غني عن ذلك، وأن الولد إنما يطلب للحاجة، والغني المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها، وإذا انتفت الحاجة انتفى لولد، وأيضا إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض ليقوم الولد مقامه، والأزلي القديم لا يفتقر إلى ذلك، ثم بالغ في الرد عليهم بما هو كالبرهان فقال: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} وإذا كان الكل له وفي ملكه فلا يصح أن يكون شيء مما فيها ولدا؛ للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة2.
1- وفي قوله تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (محمد آية 38) .
أقول: وقد سُبق اسم (الغني) سبحانه في هذه الآية الكريمة ببيان نوع من أنواع العبادة وهو الإنفاق، وأنه لا يكون مقبولا إلا إذا جرد لله تعالى وحده، وأن الذي لا يكون موحدا بالله ومؤمنا بأسمائه الحسنى وصفات كماله العليا - ومنها أنه الغني وغناه مطلق لأنها نهاية له - فيبخل بالإنفاق خالصا لوجهه تعالى، فإنما يقع ضرر ذلك عليه وحده، ولا يضر الله شيئا، لأنه سبحانه هو الغني وخلقه هو الفقراء إليه، وإن استمروا على عدم توحيدهم مدبرين
__________
1 تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص 309.
2 فتح القدير لجزء الثاني ص 460.

(47 - 48/83)


فإن الله قادر على أن يذهبهم ويأت بأقوام غيرهم آخرين يعرفون الله تعالى ويخلصون له توحيده وأعمالهم.
وهذا يستفاد منه أن توحيد الله عز وجل في غاية الأهمية، وفاقده على خطر عظيم.
وقد قال الإمام ابن كثير في بيان الآية الكريمة: إن من يبخل أضاع على نفسه الأجر وعود الوبال عليه، والله الغني عما سواه، وفقير إليه ما عداه، ولذا قال تعالى: {وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} أي بالذات إليه فوصفه بالغنى، ووصف الخلق بالفقر لازم لهم لا ينفكون عنه، كما ذكر تعالى أنهم إن تولوا عن طاعته واتباع شرعه استبدل قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم، ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره1.
وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: إنكم أيها المؤمنون تدعون لتنفقوا في الجهاد وفي طريق الخير فمنكم من يبخل بما يطلب منه ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال، ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس بمنعها الأجر والثواب ببخله، فإن الله هو الغني المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالهم، وأنتم الفقراء إلى الله وإلى ما عنده من الخير والرحمة، وأنكم إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى يستبدل قوما آخرين يكونون مكانكم أطوع لله منكم ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي عن الإيمان والتقوى2.
أقول: وهذا يستفاد منه أن الإيمان بالله تعالى وحده وتجريد الأعمال جميعا له في غاية الأهمية، وفاقد ذلك على خطر عظيم.
نسألك اللهم أن تثبت قلوبنا على دينك، وأن ترسخ في قلوبنا عقيدة التوحيد، وأن ترزقنا العمل بما تقتضيه، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.
__________
1 تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص 67.
2 فتح القدير ص 42.

(47 - 48/84)