مفهوم الأسماء والصفات

بيان الأسماء الحسنى التي وردت النصوص بها في الكتاب والسنة
ما ورد في القرآن الكريم (سورة الفاتحة)
...
بيان الأسماء الحسنى التي وردت النصوص بها في الكتاب والسنة:
أولا: ما ورد في القرآن الكريم بحسب ترتيب السور4:
سورة الفاتحة:
وردت فيها الأسماء الآتية: الله- الرب- الرحمن- الرحيم- المالك.
الله:
هو اسم الجلالة. وهو علم على الرب أي اسم للرب تبارك وتعالى- ويقال إنه الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَّسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر آية 22، 23، 24) 5.
__________
5 التيسير السابق ذكره المجلد الأول ص 12

(45/86)


وقد ورد ذكر اسم (الله) في القران الكريم في مواضع متفرقة ثمانين وتسعمائة مرة 1.
وهذا التكرار العديد لهذا الاسم يدل على مدى عظمته وأهميته.
واختلف في: هل هو مشتق؟ أو غير مشتق؟ (أي جامد) ؟ : فقال البعض: إنه جامد لم يشتق من غيره، ذلك لأن اسمه تعالى أزلي، والأزلي في سبقه لم يؤخذ من غيره، ومن ثم فهو اسم علم محْض كسائر الأعلام المحْضة التي لا تتضمن صفات تقوم بمسمياتها.
وقال البعض: إنه مشتق: واختلفوا في اشتقاقه: فقال فريق: إنه مشتق من أله الذي مضارعها: يأله، ومصدرها: الآلهة، وألوهةَ، وألوهيةَ ومعنى أَله: عبد. وهذا الرأي هو الراجح. وقال فريق آخر: إنه مشتق من أَله الذي مضارعها: يأله، ومصدرها: أَلَهاً. ومعنى أله: تحير. وهذا الرأي مرجوح.
وقال القرطبي في تفسيره الجزء الأول ص 102: "روى سيبويه عن الخليل أن أصله (ألاَه) مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله: أناس. وقيل أصل الكلمة (لاه) وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه".
وقال الشوكاني في تفسيره الجزء الأول ص 18: "أصل اسم (الله) إله: حذفت الهمزة وعوضت عنها أداة التعريف فلزمت".
ومعنى اسم الجلالة (الله) :
أنه المعبود وحده، الذي لا يستحق العبادة بجميع أنواعها سواه، ولهذا كانت الحكمة في خلقه للثقلين أن يحققوا هذه العبادة مجردة له وحده سبحانه، وهذا ما أشار إليه في قوله جل وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات آية 56) .
هل يشرع ذكر الله باسم الجلالة (الله) مفردا؟
وأجد من المناسب وأنا أتكلم عن اسم الجلالة، أن أشير إلى ما يلجأ إليه بعض الجاهلين من المسلمين من ذكر الله باسم الجلالة مفردا- ذلك أننا نرى البعض منهم يجعل له وردا يردد فيه اسم الجلالة (الله) مرات عديدة كألف مرة، أو ألفين أو أكثر أو أقل؛ بل وقد تجتمع مجموعة من الناس يرددون اسم الجلالة (الله) رافعين أصواتهم، ويبدءون بقولهم: الله، الله الله، وهم جالسون مغمضي أعينهم، أو هم واقفون يتمايلون ذات اليمين وذات اليسار، ويقفزون بين الحين والآخر إلى أعلى، يتوسطهم قائد، يصفق بيديه، وبجواره أحيانا امرأة تتمايل كذلك تنشدهم أناشيد كفرية ماجنة، تدق على طبل بيدها، يلاصقها خليع يتمايل وهو يؤدى نغمات مزمار هي صفير يتسق مع الطبل والتصفيق، حتى يصير جو هذا الجمع كأنه ماخور حفته الشياطين من كل جانب، يتصاعد منه لهيب الإثم كأنما فتح على أبواب جهنم والعياذ بالله، ثم يدعى أولئك المخبولون أنهم بهذا الراقص الداعر، وهذه الوقاحة المتَردّية التي لا يليق صدورها من عاقل، وهذه الأصوات المنكرة التي لا تميز منها سوى (أه، أه، أه) - (حع، حع، حع) أو (هو، هو، هو) أنهم يذكرون الله.
__________
1 المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي.

(45/87)


فمن قال إن الله قد شرع أن يذكر باسمه مفردا؟
ومن قال إن من أسماء الله: أه..؟ أو حع..؟ أو هو..؟
ومن قال إن الاختلاط بين الرجال والنساء الأجنبيات- فضلا عن التصاقهم بهن في تمايلهم الفاجر- قد شرعه الله؟
ومن قال إن الذكر جماعة له سند من الشرع الحنيف؟
ومن قال إن الذكر بهذه الأصوات المنكرة المزعجة قد جاءت به النصوص؟
ومن ثم فإنني أوجز بيان الحق في هذا الموضع كما جاءت به الأدلة الصحيحة فيما يلي:
أولا: أنه لم يشرع أن يذكر الله باسمه مفردا: فما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم قط ربه باسمه مفردا، إذ لم يرد نص واحد يدل على أنه ذكر باسم (الله) أو (حي) أو (هو) أو (لطيف) أو (قدوس) ، بل إن كل ذكره صلى الله عليه وسلم كان جملا تفيد معاني كاملة، ومما ثبت عنه قوله: "خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" بل ويعلمنا صلى الله عليه وسلم الذكر المشروع في مثل ما يأتي:
1- قوله: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمس، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه " أخرجه البخاري ومسلم.
2- وقوله: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" أخرجه البخاري ومسلم.
3- وقوله: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" أخرجه الصحيحان.
4- وقوله: "لأن أقول سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" أخرجه مسلم.
5- وقوله "أحب الكلام إلى الله تعالى أربع، لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" أخرجه مسلم.
6- وقوله: "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه" أخرجه مسلم.
7- وقوله: " سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بكَ من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها حين يمسي فمات من ليلته، دخل الجنة، ومن قالها حين يصبح فمات من يومه، دخل الجنة" أخرجه البخاري.
8- وقوله: "ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث، لم يضره شيء" قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
9- وقوله: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فإن متَ من ليلتك مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول" متفق عليه.

(45/88)


10- وقوله: " دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" أخرجه الترمذي.
هذه أمثلة الذكر المشروع الذي أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكله جمل مفيدة، وليس هناك حديث واحد صحيح يفيد الذكر بالاسم المفرد. وإن لم يقبل الضائعون هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليأتوني بأثارة من علم تؤيد زعمهم إن كانوا صادقين.
ثانيا: أما أن يكون هناك أسماء لله تعالى هي (أه) أو (حع) أو (هو) ، فذلك ما لا يعقل، فضلا عن أنه لم يرد بمثل هذا أي نص، ولا يقر إنسان في رأسه ذرة من عقل أن هذه أسماء لله تعالى، ذلك بأن أسماءه كلها حسنى، ليس منها اسم قبيح أو ناب في لفظه أو في معناه. والله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأعراف آية 180)
ثالثا: وأما الاختلاط بين الرجال والنساء الأجنبيات، فذلك ما لم يشرعه ديننا الإسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ما خلا رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" فضلا عن أن ما ينتج من الاختلاط المحرم من التصاق وتمايل وخلاعة ومجون، وطبل وزمر ورقص باسم ذكر الله، كلها من المنكرات الفاحشة التي حرمها الإسلام، واعتبرها وسائل مؤدية إلى الزنا، وهو قد سد كل ذريعة توصل إلى محرم، فقال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} فعبر القرآن الكريم بقوله: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} ولم يقل: "ولا تزنوا". وذلك لأن التعبير الأول يحرم الاقتراب من كل ذريعة تؤدي إلى الزنا من: نظر، واختلاط، والتصاق، ومجالسة، وكل ما يفضي إلى الزنا، وجعل كل ذريعة تفضي إلى المحرم محرمة.
رابعا: وأما الذكر جماعة، فلم يرد نص إطلاقا على مشروعيته، ولذلك فإن الذكر بصورة جماعية إنما هو بدعة غير مشروعة، لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وما لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون بعده مشروعا، لذلك وضع لنا الأساس في ذلك في قوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي قوله: " من أحدث في أمرنا ما هذا ما ليس منه فهو رد".
خامسا: وأما رفع الصوت بالذكر فلم ترد بها النصوص، بل إنها وردت بخلافه، فقد قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف آية 55) ، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي

(45/89)


نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} (الأعراف آية 205) .
ولما رفع بعض الصحابة أصواتهم بالذكر- ولا شك أنهم ما عرفوا سوى الذكر المشروع- وسمعهم الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" - متفق عليه- ومن ثم فإن ما تعارف عليه أولئك الجاهلون من الذكر المفرد والجماعي والجهري، إنما هو وحي الشيطان الذي أوقعهم به في شركه، بل وألقى هذا الرجيم في روع أوليائه أن الذكر بالألفاظ الأعجمية مثل: آهيا، شراهيا، أصباؤت آل شداى، آج أهوج، جلجلوت، إنما هو ذكر شرعي كذلك بزعم أن هذه الألفاظ هي أسماء الله تعالى باللغة العبرانية أو السوريانية1.
أليس في القران الكريم والسنة المشرفة وما ضماه من أسماء الله الحسنى وبيان الذكر المشروع بها غنية عما سواهما لأولئك الدجالين فيما يأفكون؟
ألا قتل الخراصون، الذين هم في غمرة ساهون، والذين يلحدون في أسماء الله تعالى، إنهم سيجزون ما كانوا يعملون.
احتجاج الجاهلين بقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ} على الذكر المفرد:
وقد يحتج بعض الجاهلين بقول الله تعالى: {قُلِ اللَّهُ} في الآية رقم 91 من سورة الأنعام على مشروعية الذكر المفرد.
وردا على هذا الاحتجاج أحيل أولئك الجاهلين على هذه الآية ليقرأوها كاملة، حتى يعلموا أن المراد بهذا الأمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ليس أمرا بالذكر (بالاسم المفرد) كما يزعمون، وإنما هو جواب لمن أنكر أن الله لم ينزل وحيا على بشر. ولا أتركهم يبحثون عن الآية المذكورة، فلعلهم لا يهتدون إلى مكانها في المصحف فأضعها أمام ناظرهم ومن كان منهم يحمل في رأسه عقلا، فإنه سوف يدرك الحق فيها إن كان منصفا. أما الآية فهي قوله جل وعلا: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ؟ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} (الأنعام آية 91) .
ويبين لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن الآية يوجز معناها فيما يلي:
أن اليهود والمشركين نفوا الرسالة، وزعموا أن الله ما أنزل على بشر من شيء، أي من الرسالة، فمن قال هذا فما قدر الله حق قدره، ولا عظمه حق عظمته، إذ هذا قدح في حكمته، وزعم أنه يترك عباده هملا لا يأمرهم ولا ينهاهم، ونفي لأعظم منة امْتن الله بها على عباده وهي الرسالة التي لا طريق للعباد إلى نيل السعادة والكرامة والفلاح إلا بها، ولما بين الله حال هؤلاء المنكرين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم كلمتين: الأولى سؤال: وهي: {قُلْ: مَنْ أَنْزَلَ
__________
1 صيحة الحق للشيخ أبي الوفاء محمد درويش الطبعة السادسة ص 287،286 بتصرف

(45/90)


الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ؟} والثانية: جواب: وهي {قُل اللَّهُ} أي أن الله جلت حكمته هو الذي أنزل الكتاب على موسى عليه السلام: ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يترك أولئك المكذبين يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون 1.
فأين إذن هذا الذكر بالاسم المفرد؟ الذكر يزعمه أولئك الذين أغرقهم أئمة الضلال، وباعدوا بينهم وبين الحق كما تباعد المشرق عن المغرب، حتى صار هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟
الرب:
هو اسم من أسماء الله تعالى، التي تضمنتها نصوص القرآن الكريم. ولا يقال في غيره إلا بالإضافة. وقد قالوه في الجاهلية للملك. وقال في الكشاف: "الرب المالك. ومنه قول صفوان لأبى سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن".
وقال القرطبي في تفسيره: والرب السيد ومنه قوله تعالى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك} وفي الحديث "أن تلد الأمة ربتها.." والرب: المصلح، والمدبر، والجابر، والقائم. قال: والرب المعبود- ومنه قول الشاعر:
أربَ يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب2
وقد ذكر ابن كثير: أن الرب: هو المالك المتصرف. ولا يقال (الرب) معرفا بالألف واللام إلا لله تعالى، ولا يجوز استعمال كلمة الرب لغير الله إلا بالإضافة فنقول: رب الدار، ورب السيف. وأما الرب. فلا يقال إلا لله عز وجل3.
ومعنى كلمة الرب لغة: هو السيد المربي واصطلاحا: هو المالك، الخالق، البارئ، المصور، المعطي المانع، النافع الضار، الرافع الخافض، الباسط القابض، المحيي المميت، المدبر لأمر هذا الكون. (وهذا على ما فصلت القول فيه في حلقات (مفهوم الربوبية) بهذه المجلة في سنتها الحادية عشرة) 4 فليرجع إليها من شاء.
والرب هو المربي لجميع العالمين، وهم من سوى الله: بخلقه لهم، وتسخير ما يصلح لحياتهم، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة فمنه تعالى. وتربيته سبحانه لخلقه نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم
__________
1 تيسير الكريم الرحمن الجزء الثاني ص 201 تصرف.
2 فتح القدير للشوكاني الجزء الأول ص 21.
3 تيسير العلي القدير المذكور المجلد الأول ص 12.
4 مجلة الجامعة الإسلامية السنة الحادية عشرة العدد الأول (حلقات مفهوم الربوبية لكاتبها: سعد ندا) .

(45/91)


الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه: وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة من كل شر، ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب1، فإن مطالبهم كلها تحت ربوبيتة الخاصة2.
وقد ورد ذكر هذا الاسم بصيغ مختلفة في القرآن الكريم تسعمائة مرة على النحو التالي:
رب: ذكرت أربعا وثمانين مرة. ربا: ذكرت مرة واحدة. ربك: ذكرت أربعين ومائتي مرة. ربكم: ذكرت ثماني عشرة ومائة مرة. ربكما: ذكرت ثلاثا وثلاثين مرة. ربنا: ذكرت إحدى عشرة ومائة مرة. ربه: ذكرت ستا وسبعين مرة. ربها: ذكرت تسع مرات. ربهم: ذكرت خمسا وعشرين ومائة مرة. ربهما: ذكرت ثلاث مرات. ربي: ذكرت مائة مرة3.
وتكرار هذا الاسم على هذا النحو المتعدد بصيغ مختلفة يدل على مدى عظمة وأهميته.
الرحمن:
هو اسم الله تعالى مشتق من الرحمة على وجه المبالغة، وهو على وزن فعلان، (وفعلان تفيد الامتلاء) . والرحمن أشد مبالغة من الرحيم. والرحمن مشتق بخلاف من قال وزعم أنه غير مشتق: ودليل ذلك ما أخرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم، شققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته". قال: "هذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق"4.
وهذا الاسم (الرحمن) يختص بالله سبحانه وتعالى، ولا يجوز إطلاقه على غيره. وقال بعض أهل التفسير: "الرحمن الذي رحم كافة خلقه، بأن خلقهم وأوسع عليهم في رزقهم"5.
واسم الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، فهو دال على أن الرحمة صفة ذات له سبحانه6.
__________
1 مجلة الجامعة المذكورة العدد الثاني.
2 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي الجزء الأول ص 15،14
3 المعجم المفهرس السابق ذكره.
4 تيسير العلي القدير المذكور المجلد الأول ص 13.
5 مرجع الزجاج السابق ذكره ص 28,
6 بدائع الفوائد لابن القيم الجزء الأول ص 24.

(45/92)


وروى ابن جرير بسنده عن العزرمي يقول: " (الرحمن الرحيم) قال (الرحمن) لجميع الخلق، و (الرحيم) قال بالمؤمنين. قالوا: ولهذا قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَن} (الفرقان آية 59) ، وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه آية 5) ، فذكر الاستواء باسمه (الرحمن) ليعم جميع خلقه برحمته. وقال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} (الأحزاب آية 43) فخصهم باسمه (الرحيم) . قالوا: فدل على أن (الرحمن) أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين"1.
وقد ذكر البعض: أن (الرحمن) يرحم أهل الدنيا والآخرة، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين يوم القيامة، إذ أن الله يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا على السواء وذلك من نواحي أمورهم المعيشية، وأسباب حياتهم، وما يكفل لهم حياتهم الدنيا، فرحمته هنا (أي رحمة الرحمن) عامة، وإذا لم تكن الرحمة هذه عامة، لا تتكامل أسباب التكليف من الإنعام عليهم بنعمة العقل الذي بواسطته يعرفون الحق من الباطل، ونعمة تسخير ما في الكون ليستفيد منها أهل الأرض من الإنس والجن {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعا} . فتكامل أسباب التكليف في الدنيا سيكون عليه في الآخرة مدار الحساب.
وأما ما جاء في الدعاء المأثور "يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها" فقوله: "رحيمها" محمول على معنى أنه يرحم المؤمنين في الدنيا فيما أطاعوه من الإيمان به، وتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه، وتسهيل سبل ذلك لهم؛ ويرحمهم في الآخرة بإدخالهم الجنة جزاء ما أسلفوا من إيمان وطاعة، فطاعتهم له في الدنيا رحمة منه تعالى، وجزاؤهم بالجنة رحمة منه تعالى، وهذا معنى قوله ورحيمها والله أعلم2.
واسم (الرحمن) يختص به الله جل جلاله وحده، ولا ينبغي أن يتسمى به واحد من خلقه، شأن كل أسمائه الحسنى جميعا كما سبق أن أسلفنا، ولكن شخصا كان قد تسمى بالرحمن هو: مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب أبو ثمامة، من أهل اليمامة، لذا عرف برحمن اليمامة، وكان قد قوي أمره في اليمامة وظهر جدا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقارعه خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر الصديق وانتصر عليه.
وقد زعم لقومه أنه أشرك في الأمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يسجع لهم الأساجيع، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: (لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا) وأحل لهم الخمر، والزنى ووضع عنهم الصلاة. واجتمعت معه حنيفة على ذلك.
وقد كتب إلى رسول الله كتابا يقول فيه: "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون؛ وحمل رسولان هذا الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: "فما تقولان أنتما" قالا: "نقول كما قال" فقال: "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" ثم كتب إلى مسيلمة "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة
__________
1 تيسير العلي القدير السابق ذكره المجلد الأول ص 13.
2 المرجع السابق المجلد الأول هامش ص 13.

(45/93)


الكذاب، السلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". وكان ذلك في آخر سنة عشر من الهجرة 1.
وقد بين الله جهل العرب لاسم الرحمن في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا؟ وَزَادَهُمْ نُفُوراً} (الفرقان آية 60) وقال المفسرون: "إنهم قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة؛ يعنون مسيلمة" 2.
وقد ذكر مقاتل وغيره من المفسرين أن رجلا من المسلمين كان يقول في صلاته: "يا رحمن يا رحيم" فقال له رجل من المشركين: "أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ " فأنزل الله تعالى {وَلِلَّهِ الأََسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف آية 180) .
حكى ذلك القرطبي3 وقد ذكر اسم (الرحمن) في القرآن الكريم في مواضع مختلفة سبعا وخمسين مرة4.
الرحيم:
هو اسم لله مشتق من الرحمة كذلك، وهو على وزن فعيل وهو من صيغ المبالغة. وقد سبق أن ذكرنا أن اسم (الرحمن) لما يتضمنه من صفة الرحمة التي تعم كافة خلقه بأن خلقهم وأوسع عليهم في أرزاقهم، فإنه أشد مبالغة من اسم (الرحيم) الذي يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} (الأحزاب آية 43) .
وقد قال الإمام ابن القيم: وأما الجمع بين الرحمن والرحيم، ففيه معنى بديع، وهو أن (الرحمن) دال على الصفة القائمة به سبحانه، و (الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفة (أي: صفة ذات له سبحانه، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته (أي: صفة فعل له سبحانه) وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} (الأحزاب آية 43) ، {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة آية 117) ، ولم يجيء قط رحمة بهم، فعلم أن (رحمن) هو الموصوف بالرحمة، و (رحيم) هو الراحم برحمته5.
__________
1 تهذيب سيرة ابن هشام طبعة ثالثة ص 67، 371،351،ومرجع الزجاج ص 29.
2 فتح القدير الجزء الرابع ص 84.
3 المرجع السابق الجزء الثاني ص 268.
4 المعجم المفهرس السابق ذكره.
5 مرجع الزجاج ص 28 وبدائع الفوائد لابن القيم الجزء الأول ص 24.

(45/94)


وقد نسب القرطبي إلى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قوله: "الرحمن الرحيم اسمان رقيقان وأحدهما أرق من الآخر". وقد استشكل الخطابي هذا القول، ونقله عنه القرطبي في الجزء الأول ص 106، إذ قال الخطابي في استشكاله المذكور: "وهذا مشكل، لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله سبحانه".
وقال الحسين بن الفضل البجلي: "هذا وهم من الراوي لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء، وإنما: هما اسمان رفيقات أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله عز وجل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" 1.
والحقيقة أنني أعجبت كثيرا بهذا الاستشكال، ولذلك ألفت إخواني المؤمنين إليه.
وأما قرن الرحمن بالرحيم مع أن كلا منهما مشتق من الرحمة، فإنه يجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد، كما يقال: جاد ومجد2.
وقال القرطبي: "وصف نفسه تعالى بعد: رب العالمين بأنه: الرحمن الرحيم، لأنه لما كان في اتصافه: برب العالمين ترهيب، قرنه بالرحمن الرحيم لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين: الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، كما قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} (الحجر آية 49، 50) ، وقال: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} (غافر آية 2) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" 3.
أسماء الله تعالى وصفاته منطلق لتوحيد ألهيته:
وبمناسبة كلامي على اقتران (الرحمن الرحيم) يهمني أن ألفت إخواني المؤمنين إلى أن الله تعالى جعل أسماءه الحسنى وصفته العليا دليلاً على توحيد إلاهيته، بمعنى أنه يجعل أسماءه وصفاته منطلقا إلى توحيد إلاهيته، وذلك على نحو ما ذكرنا في توحيد الربوبية الذي يجعله سبيلا إلى توحيد إلالهية4.
مثال ذلك:
قوله جل وعلا: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (البقرة آية 163) فجعل
__________
1 مرجع الزجاج ص 28
2 نفس المرجع السابق ص 28
3 تيسير العلي القدير المجلد الأول ص 14 وفتح القدير الجزء الأول 21.
4 راجع حلقات (مفهوم الربوبية) في أعداد هذه المجلة لسنتها الحادية عشرة لكاتبها سعد ندا.

(45/95)


اسميه الرحمن والرحيم اللذين يتضمنان صفة الرحمة العامة والخاصة دليلا على أنه الإله الواحد الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فالعبادة لا ينبغي أن تجرد إلا لمن كان كاملا على الإطلاق في أسمائه وصفاته، ومنزها عن كل نقص أو عيب.
ومثال ذلك أيضا: قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم} (آل عمران آية 2) .
فالاسمان: الحي، والقيوم، تضمنا صفتين لله تعالى: الأولى صفة الحياة، وهي تشمل جميع صفات كماله الذاتية، والثانية صفة القيومية وهي تشمل جميع صفات كماله الفعلية، حتى ورد أن الحي القيوم هما اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب هذان الاسمان جعلهما الله بما شملاه من هاتين الصفتين دليلا على توحيد الإلهيته، فقال قبلهما {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} .
والذي يستقرئ القرآن الكريم، يجد من الآيات التي يستدل فيها بتوحيد الأسماء والصفات على توحيد الإلهية.
وكذلك السنة المشرفة لا تخلوا من النصوص التي توضح ذلك. ولنا إن شاء الله تعالى في هذا المبحث فضل بيان في المكان الذي يناسبه.
المالك (والملك والمليك) :
وكلها أسماء الله جل وعلا. واسم (الملك) يدل على أن الله وحده يملك هذا الكون، إذ هو سبحانه الخالق له وحده. وإذا كان الناس يملكون في هذه الحياة شيئا من أعراضها، ثم هم ينسبون ملكيته إلى أنفسهم فيقول قائلهم: هذه داري، وهذا بستاني، وهؤلاء أولادي، وهذه أموالي، فما كل أولئك إلا ودائع استخلفهم الله تعالى مالكها الأصيل عليها فترة من الزمن لتعمر الأرض بذلك، ثم هم لا بد ملاقوا ربهم، وتاركوا كل ودائعهم التي استخلفهم الله تعالى عليها لمالكها الأصلي رب العالمين.
لذا يقول تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (آل عمران آية 180) ، ويقول تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} (الحجر آية 23) ، ويقول سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} (مريم آية 40) ويقول جل شأنه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} (القصص آية 58) ، ويقول عز وجل: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (الحديد آية 10) .
فلا بد من أن ترد الودائع وأهلها حتما لخالقها وخالق كل شيء سبحانه، وفي هذا يصدق قول من قال:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
والمالك: هو من اتصف بصفة الملك من آثارها أن يأمر، وينهى، ويثيب، ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات، وأصناف الملك1.
وقد ورد اسم المالك سبحانه في سورة الفاتحة في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (سورة الفاتحة آية 3)
__________
1 تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص 15.

(45/96)


وقد قرىء مالك، وقرىء ملك، وكلا القراءتين صحيح متواتر في السبع، وليس تخصيص الملْك بيوم الدين الإخبار بأنه تعالى رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف اسم (مالك) إلى يوم الدين لأنه لا يدعى هناك أحد غيره، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} (النبأ آية 38) - قال الضحاك عن ابن عباس: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يقول لا يملك من أحد في ذلك اليوم كملكهم في الدنيا بأن يقول أحد - تجوّزَا - هذا ملكي، هذا مالي، أما يوم القيامة فليس لأحد ملك ولا مال"1.
وقد اختلف العلماء في أي الاسمين أبلغ: مالك أو ملك؟ فقال أبو عبيد والمبرد ورجح قولهما الزمخشرى: "إن (ملك) أعم وأبلغ من (مالك) إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكاً" ولأن أمر الملك نافذ في ملكه، فلا يستطيع أن يتصرف إلا بتدبير الملك.
وقال آخرون: إن (مالك) أبلغ من ملك، لأن (المالك) يكون مالكاً للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم.
وقال أبو حاتم: "إن (المالك) أبلغ في مدح الخالق من ملك، و (الملك) أبلغ في مدح المخلوقين من (المالك) ، لأن (المالك) من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكاً كان ملكاً". وقد اختار هذا القول أبو بكر بن العربي.
وقال الإمام الشوكاني: "والحق: أن كل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، (فالمالك) يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع، والهبة، والعتق، ونحوها؛ و (الملك) يقدر على ما لا يقدر عليه (المالك) من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته، ورعاية مصالح الرعية، (فالمالك) أقوى من (الملك) في بعض الأمور، و (الملك) أقوى من (المالك) في بعض الأمور.
والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه: أن (الملك) صفة لذاته، و (المالك) صفة لفعله.."2 وقد ورد اسم (المالك) في القرآن الكريم مرتين: في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة آية 4) ، وفي قوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} (آل عمران آية 26) .
وقد ورد اسم (الملك) في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ} (الحشر آية 23) وقد جاء في معنى (الملك) : أنه المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة3. وقيل: إنه المالك لجميع الممالك، فالعالم العلوي والسفلي وأهله الجميع مماليك لله فقراء مدبرون4.
وقيل: إنه الله ملك الملوك، وهو مالك يوم الدين5.
__________
1 تيسير العلي القدير المجلد الأول ص 14 بتصرف
2 فتح القدير الجزء الأول ص 22 بتصرف قلت:" و (الملك) ليس صفة وإنما هو اسم الله تعالى يدل على صفة الملكية التي هي صفة لذاته سبحانه و (المالك) ليس صفة كذلك، وإنما هو اسم الله تعالى يدل على صفة الملكية التي هي صفة لفعله سبحانه".
3 تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص 215.
4 تيسير الكريم الرحمن الجزء الثامن ص 107
5 مرجع الزجاج ص 30.

(45/97)


وقد ورد اسم (ملك) في القرآن الكريم خمس مرات: في قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (طه آية 114) .
وفي قوله: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} (المؤمنون آيه116) وفي قوله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} (الحشر آية 23) وفي قوله: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (الجمعة آية1) وفي قوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ، النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ} 1 (الناس آية 1، 2) .
كما ورد اسم (المليك) في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} 2 (القمر آية54، 55) وقد قيل في معنى (المليك) أنه الملك العظيم الخالق3.
هذه الأسماء الخمسة السالف ذكرها - سوى الملك والمليك - هي أسماء الله تعالى التي وردت في سورة الفاتحة.
__________
1 المعجم المفهرس المذكور.
2 المرجع السابق
3 تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص 149

(45/98)