محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [المبحث الثالث آثار الابتداع]
المبحث الثالث
آثار الابتداع المقصود بآثار الابتداع هو بيان المفاسد والمضار الناتجة عن البدعة بوجه عام وفي هذا المبحث سنتكلم عن أهم المفاسد والمضار المترتبة على البدعة وكيفية مقاومتها. ومما يسترعي الانتباه أن آثار الابتداع غير مقتصرة على شخص المبتدع أو من يتعبد بالبدعة بل أن لها آثارا تتعدى ذلك إلى الدين نفسه بالزيادة أو النقصان أو التغيير، وإلى المجتمع المسلم بالتفرق والاختلاف.
ومن المؤسف حقا أن نرى كثيرا من المنتسبين إلى العلم فضلا عن عامة الناس يهونون من أخطار البدعة وربما رأوا أن الاشتغال بذلك غير مجد أو أنه يؤدي إلى تفرقة الأمة. وهذا مما يقلل من خطورة البدعة ويعطي المبتدعة ذريعة للبقاء على بدعهم ونشرها وما علم هؤلاء أن المسلمين ما وصلوا إلى هذا الحد من الانحلال والهزيمة، إلا بسبب انحرافهم عن فهم الإسلام وتطبيقه، وأن الابتداع كان له أكبر الأثر في هذا الانحراف بالإضافة إلى عوامل أخرى ولنأخذ على سبيل المثال الصوفية وهي من أكبر طوائف المبتدعة على نطاق العالم الإسلامي.
- ماذا كان أثرها على المسلمين؟
باختصار شديد. قتلت فيهم روح الجهاد، بدعوى التفرغ لجهاد النفس وعطلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوى الانشغال بعيوب النفس عن عيوب الآخرين، وأظهرت في الناس الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم والصالحين بدعوى حبهم والقيام بحقوقهم إلى غير ذلك من المفاسد.
ولنعد إلى بيان آثار الابتداع فنقول: إن آثار الابتداع كثيرة وذلك لكثرة البدع وشيوعها ولكنني سأقتصر هنا على بيان الأمور المهمة في هذا الجانب.

(1/289)


[آثار البدع على المبتدع]
آثار البدع على المبتدع: - أما آثارها على المبتدع فهو وقوعه تحت طائلة الوعيد ووصف مسلكه بالضلال، ورد عمله الذي ابتدعه عليه، وبقاء إثمها وإثم من عمل بها عليه إلى غير ذلك من الآثار.
يقول الشاطبي رحمه الله عارضا لآثار الابتداع:
(فاعلموا أن البدعة لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا غيرها من القربات ومجالس صاحبها ينزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، والماشي إليه وموقره معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها! وهو ملعون على لسان الشريعة، ويزداد من الله بعبادته بعدا، وهي مظنة إلقاء العداوة ومانعة من الشفاعة المحمدية، ورافعة للسنن التي تقابلها، وعلى مبتدعها إثم من عمل بها، وليس له من توبة، وتلقي عليه الذلة والغضب من الله، ويبعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخاف عليه أن يكون معدودا في الكفار الخارجين عن الملة (1) وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا ويسود وجهه في الآخرة، ويعذب بنار جهنم، وقد تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ منه المسلمون، ويخاف عليه الفتنة في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخرة) (2) وسأعرض لبعض هذه الآثار بشيء من التفصيل.

[عدم قبول عمل المبتدع]
1 - عدم قبول عمل المبتدع: لما كان المبتدع قد تعبد الله بما لم يشرعه من الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات وكان قبول الأعمال متوقفا على شرطين الإخلاص لله رب العالمين والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمبتدع قد أخل بشرط الاتباع فحرم بسبب بدعته قبول عمله، ويراد بعدم القبول أمران:
- إما أن يراد به عدم قبول أعمال المبتدع مطلقا سواء منها ما خالف السنة أو وافقها.
_________
(1) بحسب بدعته.
(2) الاعتصام، 1 / 106 - 107.

(1/290)


- إما أن يراد به عدم قبول ما ابتدعه خاصة دون غيره.
- أما الأول: فيدل عليه ما ورد في السنة من أحاديث في هذا الباب منها: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوارج وقد روي بروايات متعددة منها ما رواه مسلم بسنده عن زيد بن وهب الجهني، (أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه. الذين ساروا إلى الخوارج فقال علي رضي الله عنه: " أيها الناس: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن. ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» (1) .
فهذا الحديث يدل على عدم قبول أعمالهم مع اجتهادهم في العبادة وما ذاك إلا بسبب اعتقادهم الفاسد وبدعتهم الضالة.
ومنها حديث ابن عمر في القدرية: حيث قال لمن سأله عنهم: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم استشهد بحديث جبريل (2) .
ومنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف» (3) والإحداث المذكور في الحديث يشمل الابتداع وغيره. وقد اختلف في معنى الصرف والعدل فعند الجمهور الصرف: الفريضة والعدل: النافلة وعن الأصمعي. الصرف التوبة والعدل: الفدية (4) .
_________
(1) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، 2 / 748.
(2) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، 1 / 36- 38.
(3) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، 2 / 999.
(4) انظر: فتح الباري، 4 / 86.

(1/291)


فهذه الأحاديث وإن وردت في أصناف من المبتدعة بأوصافهم إلا أنه يخشى أن تشمل بقية أهل البدع.
ومما يوضح هذا أنه إذا كانت البدعة أصلا يتفرع عنه سائر الأعمال فكل ما يبنى على هذا الأصل فهو بدعة مردودة على صاحبها.
مثال ذلك: إنكار العمل بخبر الآحاد بإطلاق وجعل العقل حاكما والشرع تابعا إلى غير ذلك من البدع. فهذه البدع لا تختص بجانب واحد بل تتعداه إلى غيره فكل ما انبنى على هذه البدع- التي جعلها المبتدعة أصولا- فهو بدعة مردودة على صاحبها.
ويتعمق الشاطبي في التحليل فيرى أن من أسباب عدم قبول أعمال المبتدع هو ضعف اعتماده على الشرع، واعتقاده أنه بدون بدعته لا يتم له التقرب إلى الله. فلا يكون لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] (1) معنى يعتبر به عند هؤلاء. وإنما جرهم إلى ذلك هو أن أهل البدع سلكوا مع نصوص الشرع مسلك التأويل زعما منهم بأن هذه النصوص لا تفيد اليقين وأن أمر دينهم لا يستقيم إلا بتأويلهم فلأجل هذا ضعف اعتمادهم ويقينهم في الشرع في الوقت الذي حسنوا فيه الظن بآرائهم وعقولهم وأذواقهم (2) .
قال ابن تيمية:
(والمقصود هنا أن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف، صار أهل التفرق والاختلاف، عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسول وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا
_________
(1) سورة المائدة، آية (3) .
(2) انظر: الاعتصام، 1 / 111 - 112.

(1/292)


ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيفما أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها) (1) .
والذي يظهر لي والله أعلم أن المقصودين بذلك هم أهل الأهواء والفرق ممن كانت بدعهم أصولا تفرعت عنها غيرها. بخلاف أصحاب البدع الجزئية.
- الأمر الثاني: أن يكون المراد بعدم القبول لأعمالهم. ما ابتدعوه خاصة دون غيره، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) .
فهذا الحديث يبين أن العمل المخالف للشرع مردود لكونه مخالفا، أما سائر الأعمال إن جاءت موافقة للشرع كانت أقرب إلى القبول. ولا يلزم من رد هذا العمل المبتدع رد سائر الأعمال التي تكون موافقة للشرع ما لم تكن البدعة بدعة شركية.

[خذلان المبتدع]
2 - خذلان المبتدع: ويقصد بذلك: أن المبتدع تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، ويوضح هذا أن الله قد جعل فيما أنزله على نبيه من القرآن والسنة العصمة والنجاة، فقال تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] (3) . وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] (4) وحبل الله هو القرآن والسنة والجماعة فأوجب الله في هذه الآية التمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم
_________
(1) الفتاوى، 13 / 58- 59.
(2) سبق تخريجه ص 70.
(3) سورة آل عمران، آية (101) .
(4) سورة آل عمران، آية (103) .

(1/293)


والرجوع إليهما عند الاختلاف ولزوم جماعة المسلمين، فمن تمسك بذلك واعتصم به نجا ومن أعرض عنه هلك.
ولما كان المبتدع قد قدم هواه وبدعته على الشرع الذي ضمن الله العصمة في اتباعه كان جزاؤه أن تنزع العصمة منه ويوكل إلى نفسه (1) وهذا غاية الخذلان وسلم الحرمان إلا من يتداركه الله برحمته، قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] (2) .
فهذه الفتنة في الدنيا وذلك العذاب الأليم في الآخرة جزاء لكل مخالف لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه. والمبتدع قد خالف السنة برأيه وهواه، فكان جزاؤه جزاء المخالفين إلا أن يتوب. ولا تزال البدع والأهواء بأصحابها حتى توقعهم في المهالك وتوردهم المعاطب وتلقي بهم في أودية الشبهات والشهوات، وذلك جزاء وفاقا لهم لأنهم التمسوا الهدى في غير ما أنزله الله ولم يسلموا لله في خبره وأمره ونهيه.
فأهل الكلام منهم أكثر الناس شبها. ما فروا من شيء إلا وقعوا فيما هو أسوأ منه. وأهل الزهد والتصوف منهم أكثر الناس جهلا بمقاصد الشرع وأكثرهم اتباعا للهوى. وأهل التشيع والرفض من أقل الناس عقلا وأكذبهم في النقل. فعامتهم في خلط وتلبيس، ولأجل هذا نهى السلف أتباعهم عن الجلوس إلى المبتدعة أو مصاحبتهم حتى لا يفتتن بهم الناس ويكون في ذلك ردعا لأصحاب الأهواء والبدع.
فعن سفيان الثوري قال: (من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار، وإما أن يقول: والله لا أبالي ما تكلموا به، وإني واثق بنفسي. فمن يأمن بغير الله طرفة عين على دينه سلبه إياه) (3) .
_________
(1) انظر: الاعتصام، 1 / 112 - 113.
(2) سورة النور، آية (63) .
(3) رواه عنه صاحب الاعتصام، 1 / 130.

(1/294)


[البعد عن الله]
3 - البعد عن الله: ومن آثار الابتداع: أن المبتدع كلما ازداد اجتهادا في بدعته ازداد من الله بعدا. ويبين هذا أن الله قد جعل ما شرعه من الواجبات والمستحبات وسيلة للتقرب إليه، وعلى قدر اجتهاد العبد في فعل الطاعات واجتناب المنهيات على قدر ما يكون قربه من ربه.
والمبتدع قد تعبد الله بما لم يشرعه من أنواع البدع التي نهى عنها الشرع، وهو يعتقد أنه يتقرب إلى الله بهذه البدع فكلما ازداد اجتهادا في بدعته كلما ازداد بعدا من الله. وذلك كمن يريد الذهاب إلى مكة فسلك في طريق معاكس. فكلما اجتهد في السير كلما ازداد بعدا عن مكة حتى ولو ظن أنه قد اقترب منها.
قال أيوب السختياني (1) .
(ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا) (2) وفي الأحاديث الصحيحة عن الخوارج ما يؤيد ذلك، إذ كانوا أهل اجتهاد وعبادة وصلاة وصيام ومع ذلك مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية (3) وما ذلك إلا بسبب بدعتهم.

[أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله في الآخرة]
4 - أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله في الآخرة: ذلك أن الله قد جعل العزة له ولرسوله وللمؤمنين فقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] (4) وعلى قدر تمسك المسلم بدينه وعدم تعديه حدود الشريعة على قدر ما تكون له العزة. والمبتدع قد زاد في دينه أو نقص منه فتعدى
_________
(1) هو أبو بكر أيوب بن أبي تميمة السختياني من أعلام التابعين رأى أنس بن مالك وروى عن عمرو بن سلمة الجرمي. قال عنه مالك كان من العاملين الخاشعين وقال: كتبت عنه لما رأيت من إجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم.
انظر: تهذيب التهذيب، 1 / 397.
(2) رواه ابن وضاح في كتاب البدع والنهي عنها، ص 27.
(3) سبق تخريجه، ص 295.
(4) سورة المنافقون، آية (8) .

(1/295)


حدود ما شرعه الله، وهذا يوجب له الذل والغضب من الله تعالى، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] (1) .
وكل من ابتدع في دين الله فهو ذليل بحسب بدعته، وإن أظهر للناس خلاف ذلك. ويتأكد هذا حينما تكون السنة معلنة، وأهلها مستمسكين بها، داعين إليها، ذائدين عن حياضها. صابرين على الأذى في سبيلها.
ومن تأمل أحوال المبتدعة في الزمان الأول تحقق له ما كانوا عليه من ذلة وصغار حتى لجئوا إلى السلطان، ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يستطع ذلك هرب واستخفى. أما في زماننا هذا فقد استأسد أهل البدع بسبب قلة العلم، وتشجيع الاستعمار لهم في حالة ضعف البلاد الإسلامية. وعدم مبالاة حكام المسلمين بإقامة شرع الله والذود عنه والدعوة إليه والالتزام به قولا وعملا إلا من رحم الله. لأجل هذا استعلن المبتدعة ببدعهم ولبّسوا على الناس دينهم وادعوا أنهم على الحق والحقيقة حتى إذا رفعت راية السنة وسرت في المسلمين روح الصحوة الإسلامية عادوا إلى التخفي والاستتار. فبحسب ظهور الحق يكون خفاؤهم، والعكس صحيح.

[تبرؤ الرسول صلى الله عليه وسلم من المبتدعة]
5 - تبرؤ الرسول صلى الله عليه وسلم من المبتدعة: ومن آثار الابتداع وشؤمه على المبتدع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبرأ من الراغب عن سنته الحائد عن هديه، فقال: «ومن رغب عن سنتي فليس مني» (2) .
والمبتدع قد رغب عن السنة ومال عنها إلى ما زينه له هواه وشيطانه من البدع. فهو داخل تحت هذا الوعيد. وقد تبرأ ابن عمر من القدرية حيث قال
_________
(1) سورة النساء، آية (115) .
(2) سبق تخريجه، ص122.

(1/296)


لمن سأله عنهم: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني) (1) .

[أن من ابتدع بدعة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة]
6 - أن من ابتدع بدعة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة: قال الله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25] (2) الآية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:. . «ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (3) .
وقال: «ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن القتل» (4) وقال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (5) .

[عدم توفيق المبتدع للتوبة]
7 - عدم توفيق المبتدع للتوبة: إن من شؤم البدعة على صاحبها أنه ليس له توبة بمعنى أنه قلما يتوب لأن الشيطان زين له بدعته فنظر إليها على أنها طاعة وقربة، ولم ينظر إليها على أنها معصية. ومن كانت هذه حاله فقل أن يتوب إلا من يتداركه الله برحمته. وعلى هذا المعنى تحمل الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب. من ذلك ما أخرجه
_________
(1) سبق تخريجه، ص295.
(2) سورة النحل، آية (25) .
(3) سبق تخريجه، ص 266.
(4) سبق تخريجه، ص 227.
(5) صحيح مسلم. كتاب العلم. باب من سن سنة حسنة أو سيئة، 4 / 2060.

(1/297)


ابن أبي عاصم بسنده عن أنس رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حجز- أو قال حجب- التوبة عن كل صاحب بدعة» (1) .
وأخرج أبو داود بسنده عن معاوية بن أبي سفيان قال: «ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وأن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» . زاد ابن يحيى وعمرو في حديثهما: «وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري بهم الأهواء كما يتجارى الكَلب لصاحبه» ، وقال عمرو: «الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» (2) .
ففي هذا الحديث تشبيه الأهواء بداء الكلب الذي يصيب المريض فلا يترك فيه عرقا ولا مفصلا إلا ودخله ومن كان هذا حاله فقلما يبرأ من هذا المرض. وهكذا الأهواء إذا أشربها قلب صاحبها صارت كالداء المهلك الذي لا ينجو منه إلا القليل. ومن كانت هذه حاله فقل أن ينزع أو يتوب.
ولهذا قال سفيان الثوري: (إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها) (3) .
ويفصل ابن تيمية هذا الكلام فيقول: (ومعنى قوله إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله، قد زُيِّن له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب مادام يراه حسنا، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه، أو بأنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب) (4) .
وقد روي عن بعض السلف آثار بهذا المعنى ولكنها محمولة على ما سبق
_________
(1) كتاب السنة للحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة. محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، 1 / 12. قال الشيخ الألباني: حديث صحيح بشواهده.

(2) سبق تخريجه ص121.
(3) الفتاوى، 10 / 9.
(4) الفتاوى، 10 / 9.

(1/298)


بيانه. أما توبة المبتدع فهي جائزة الوقوع وممكنة، وذلك بأن يهديه الله ويرشده إلى الحق فإن تاب تاب الله عليه، لأن باب التوبة مفتوح لكل مذنب وعاص أو ضال. قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] (1) وقال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6] (2) فهاتان الآيتان وغيرهما من آيات التوبة في القرآن تدلان دلالة واضحة على أن باب التوبة مفتوح لكل من أسرف على نفسه أو ظلم، إذا عاد وتاب واتبع الحق.
ولا شك أن المبتدع داخل ضمن المسرفين على أنفسهم والظالمين لها. فتشمله آيات التوبة، وقد ورد في السنة ما يؤكد ذلك وهو شمول التوبة.
فقد أخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» (3) إلى غير ذلك من الأحاديث، ومن هنا يتبين لنا أن توبة المبتدع جائزة وممكنة وأن باب التوبة مفتوح.
وقد رجع كثير من المبتدعة عن بدعهم واتبعوا السنة فهداهم الله، وناقش ابن عباس الخوارج فرجع منهم عدد كبير.
على أنه ينبغي لنا أن نلاحظ أن هناك فرقا بين الرءوس والأتباع، وبين الداعي إلى البدعة والمقلد فليسوا في تيسير التوبة سواء. وذلك بحسب تمكن البدعة من القلب. ومع ذلك فمن تاب منهم تاب الله عليه. ولكن كيف تكون توبة المبتدع؟
إنما تتحقق توبة المبتدع باتباع السنة علما وعملا واعتقادا والوقوف عندها، ولا يكتفي منه بذلك حتى يبين فساد ما كان عليه من البدعة بحاله ومقاله، إذ
_________
(1) سورة الزمر، آية (53) .
(2) سورة الرعد، آية (6) .
(3) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، 4 / 2076.

(1/299)


التوبة من ذنب تكون بفعل ضده. . وقد شرط الله تعالى في توبة الكاتمين لما أنزله من البينات والهدى- بيان ما كتموه وإصلاح ما أفسدوه لأن ذنبهم لما كان بالكتمان، كانت توبتهم منه بالبيان.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159 - 160] (1) .
وذنب المبتدع غير ذنب الكاتم لأن هذا كتم الحق، وذاك كتمه ودعا إلى خلافه، إذا فلا بد للمبتدع أولا أن يعلم أن ما يفعله بدعة، وأن عليه أن يعلم المسنة ويعمل بها، ثم عليه أن يبين للناس فساد ما كان عليه من بدعة حسب الاستطاعة. وأن يستقيم على ملازمة السنة ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه حتى تزول عنه حجب البدعة وتشرق عليه شمس السنة (2) .
يقول ابن القيم:
(فإن السنة -بالذات- تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة، وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس. ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة، ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة، إلا المتابعة، والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله، بالاستعانة والإخلاص، وصدق اللجأ إلى الله. والهجرة إلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته، «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة والله المستعان) (3) .
_________
(1) سورة البقرة، آية (159 - 160) .
(2) انظر: مدارج السالكين، 1 / 363.
(3) مدارج السالكين، 1 / 374.

(1/300)


[الخوف على المبتدع من سوء الخاتمة]
8 - الخوف على المبتدع من سوء الخاتمة: إن من شؤم البدعة أنه يخاف على صاحبها من سوء الخاتمة، وسوء الخاتمة- والعياذ بالله- هو أن يعتري الإنسان عند الموت شك أو جحود أو اعتراض على الله. فيسخط العبد حينئذ لقاء الله فيسخط الله لقاءه، ويختم للعبد حينئذ بما يوجب له دخول النار إما فترة وإما خلودا فيها.
وسبب ذلك مرض في قلبه وخلل في أمره وإن بدا للناس غير ذلك. وفي البخاري بسنده عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه ما يوضح ذلك حيث قال: «التقى النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا، فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجلا لا يدع شاذة، ولا فاذة إلا أتبعها فضربها بسيفه، فقيل يا رسول الله، ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان فقال إنه من أهل النار. فقالوا. أيّنا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم لأتبعنه، فإذا أسرع وأبطأ كنت معه حتى جرح فاستعجل الموت، فوضع نصاب السيف بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله. فقال: وما ذاك؟ فأخبره. فقال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وأنه من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» (1) .
وروى الإمام أحمد بسنده عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له فإن العامل يعمل زمانا من دهره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملا سيئا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته، قالوا: يا رسول الله. وكيف يستعمله؟ قال يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه» (2) .
_________
(1) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، 5 / 170.
(2) رواه أحمد في المسند، 3 / 120، وصححه الألباني وقال: إسناد صحيح على شرط الشيخين.
انظر: السلسلة الصحيحة، 3 / 323.

(1/301)


فهذان الحديثان- وما في معناهما- يدلان على أن أمر العبد موقوف على خاتمته والتي لا يعلمها إلا الله. لأجل هذا عظم خوف الصالحين من سوء الخاتمة، وجرت دموعهم مغزارة، خوفا من أن تزل قلوبهم ساعة الاحتضار فيختم لهم بسوء أو أن تنقلب أحوالهم بعد الطاعة عصيانا فيموتون على ذلك إن لم يتداركهم الله بتثبيته.
فهذا الذي جعلهم يخافون لعلمهم أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن فمن شاء أقامه ومن شاء أزاغه. فكانوا في كل وقت وحين يسألون الله التثبيت والثبات على الإيمان وحسن الخاتمة. ونسأل الله ذلك بمنه وكرمه.
وبعد. . فإن لسوء الخاتمة أسبابا تتقدم عليها منها الشرك أو النفاق أو التعلق بغير الله أو الكبر وما شاكله من الصفات المذمومة، أو البدعة وهي المقصودة بالذكر وصاحبها على خطر، وقل أن يختم لمبتدع بالسلامة إلا أن يتداركه الله برحمته (1) وإنما خيف على المبتدع سوء الخاتمة، لأن حال الموت حال انكشاف للحقائق فربما انكشف له حينئذ عوار بدعته وضلال ما كان عليه فيخيل له الشيطان حينئذ أن دينه كله ضلال. فيعتريه الشك حينئذ أو الجحود بالدين الحق فيختم له بما سبق عليه الكتاب.
ولهذا نجد رءوس أهل الأهواء والبدع يصرحون عند الموت بضلال ما كانوا فيه. . وتتقطع قلوبهم أسى وحسرة على ضياع أعمارهم فيما ظهر لهم ضلاله (2) .
وحينئذ لا ينجي إلا التثبيت من الله ولا نجاة بدونه. فنسألك اللهم الثبات على الإيمان حتى نلقاك عليه.
_________
(1) انظر: إحياء علوم الدين. الغزالي، 4 / 214 - 224، ط مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر.
(2) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص 227- 230.

(1/302)


قال أبو محمد عبد الحق الإشبيلي (1) .
(واعلم أن سوء الخاتمة- أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم. فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة ويثبت قبل الإنابة، فيصطلمه (2) الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله ثم العياذ بالله، أو يكون ممن كان مستقيما، ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سننه، ويأخذ في طريقه، فيكون ذلك سببا لسوء خاتمته وشؤم عاقبته والعياذ بالله {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11] (3)) (4) .

[الطرد عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم]
9 - الطرد عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم: إن من شؤم البدعة على صاحبها أنه يطرد عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أن الورود على الحوض إنما هو كرامة من الله لكل مسلم اتبع السنة ولقي الله عليها. والمبتدع لما خالف السنة بهواه وأحدث في الدين ما ليس منه كان من المحجوبين المطرودين عن الحوض، كما أن صاحب البدعة على إطلاقه ممن يخاف عليه ذلك.
فقد أخرج مسلم بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني. حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ،
_________
(1) هو أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الأشبيلي المالكي (510- 581هـ) . فقيه. لغوى. محدث.
من تصانيفه: الأحكام الشرعية الكبرى والوسطى والصغرى، الجمع بين الصحيحين، الوافي في اللغة. الزهد.
انظر: سير أعلام النبلاء، 21 / 198 - 202. معجم المؤلفين، 4 / 92.

(2) الاصطلام- بمعنى - الاختطاف والانتزاع.
(3) سورة الرعد، آية (11) .
(4) العاقبة في ذكر الموت والآخرة. لأبي محمد عبد الحق الأشبيلي، تحقيق الشيخ خضر محمد خضر، ط 1، مكتبة دار الأقصى الكويت، 1406 هـ، ص 180- 181.

(1/303)


اختلجوا (1) دوني. فلأقولن: أي رب أصيحابي. أصيحابي. فليقالنّ لي إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك» (2) وأخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وإنا إن شاء الله، بكم لاحقون. وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال " أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد " فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال " أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة. بين ظهري خيل دهم بهم (3) ألا يعرف خيله؟ قالوا بلى يا رسول الله! قال " فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء. وأنا فرطهم (4) على الحوض. ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم ألا هلم! فيقال " إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول: سحقا (5) سحقا» (6) .
قال النووي:
(هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
- أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيماء التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء ما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
- والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد بعده فيناديهم
_________
(1) اختلجوا: اقتطعوا وانتزعوا.
(2) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفات، 4 / 1800. .

(3) دهم بهم: أي سود لم يخالط لونها لون آخر.
(4) الفرط: هو الذي يتقدم القوم وبسبقهم ليرتاد لهم الماء ويهيئ لهم الدلاء والأرشية.
(5) سحقا سحقا: أي بعدا بعدا. وهذا دعاء عليم بالطرد والإبعاد.
(6) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل، 1 / 218.
ورواه مالك بنحوه، كتاب الطهارة، باب جامع الوضوء، 1 / 28.

(1/304)


النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
- والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام.
وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
قال أصحاب هذا القول: (ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده لكن عرفهم بالسيما) (1) . .
وقال ابن عبد البر (2) .
:
(كل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله فهو من المطرودين عن الحوض وأشدهم من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، فكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر) (3) .

[آثار البدع على الدين]
[إماتة السنن]
آثار البدع على الدين: كما أن للبدعة آثارًا سيئة على المبتدع، فإن لها آثارا سيئة على الدين نفسه. وكيف لا؟ والمبتدع إنما أضافها إلى الدين ونسبها إليه فزاد في دينه أو نقص منه بسبب بدعته، وهذه الآثار كثيرة منها:
_________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي، 3 / 136 - 137.
(2) هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، (368 - 464هـ) . إمام الأندلس وعالمها - من كبار حفاظ الحديث. فقيه. أديب.
من تصانيفه: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، الكافي في الفقه المالكي، شرح مذاهب علماء الأمصار، جامع بيان العلم وفضله وغيرها.
انظر: نفح الطيب، 4 / 29 - 31، والأعلام، 8 / 240.
(3) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، المكتبة التجارة الكبري - مصر، 1959م، 1 / 65.

(1/305)


1 - إماتة السنن: إن من أعظم آثار البدعة على الدين هو إماتة السنة وذلك لأن البدع رافعة لما يقابلها من السنن، وما قامت بدعة إلا على نقض سنة وتركها فتحيا- بسبب ذلك- البدعة وتموت السنة. ويصير المعروف منكرا والمنكر معروفا. حتى إذا عمت البدع وانتشرت صارت السنة وأهلها غرباء لا تجد منهم إلا الأفراد.
ولأجل هذا اشتد تحذير الصحابة والتابعين لهم بإحسان من البدع لعظم خطرها وكثرة شرورها. فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: (ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن) (1) .
وعن حسان بن عطية المحاربي (2) .
قال: (ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة) (3) .
وقد حاصر السلف أهل الأهواء والبدع، وقعدوا لهم كل مرصد وكشفوا أسرارهم، وهتكوا أستارهم، ونهوا الناس عن مجالستهم أو توقيرهم، واستعانوا عليهم بإظهار السنة والصبر عليها مهما كان إيذاء أهل البدع لهم. فرحم الله بهم الأمة وكشف بهم الغمة وأعلى بهم منار الدين، فكانوا هم الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة. ثم دار الزمان دورته فصار أهل السنة غرباء بين أهل البدع، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء» (4) .
_________
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 10 / 319.
قال الهيثمي: رجاله موثوقون. مجمع الزوائد، 1 / 188.
(2) هو أبو بكر حسان بن عطية المحاربي مولاهم الدمشقي. من التابعين حدث عن أبي أمامة الباهلي وسعيد بن المسيب وغيرهما، وعنه الأوزاعي وحفص بن غيلان وغيرهما.
انظر: سير أعلام النبلاء، 5 / 466، وتهذيب التهذيب، 2 / 251.
(3) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب اتباع السنة، 1 / 45، وسنده صحيح.
انظر: مشكاة المصابيح، 1 / 66.

(4) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة من بعض القلوب، 1 / 130.

(1/306)


على أن الأمر لم يقف عند إحياء البدعة وإماتة السنة بل تعدى ذلك إلى بغض السنة وأهلها والوقيعة فيهم.
يقول ابن تيمية:
(ومن المعلوم أنك لا تجد أحدًا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت، وأن ذلك الحديث لم يرد، لو أمكنه كشط ذلك من المصحف لفعله) (1) .
ولا تقف خطورة البدع عن حد. إذ ينتهي الأمر بالمبتدعة إلى تغيير معالم الدين بوضع الرسوم، وحد الحدود، وتقعيد الأصول على الرأي والهوى. حتى تغدو وكأنها دين آخر مخترع. ويتأكد هذا في طوائف المبتدعة إذ لكل طائفة نهجها في الأخذ والتلقي، والقبول والرد، والولاء والبراء، ولها موازينها واصطلاحاتها، وكأنما هي شريعة مستقلة.

[هجران الدين]
2 - هجران الدين: وأعني به هجر الكتاب والسنة وما يتبعهما من العلم النافع والعمل الصالح، ويبين هذا أن كل طائفة هجرت من النصوص ما يخالفها وسلكت لذلك مسلك التأويل والرد وربما تعدى ذلك إلى التكذيب بما جاءت به النصوص.
فغدت بذلك نصوص الشرع معطلة مهجورة من جوانب عديدة:
- عدم التماس الهدى والعلم واليقين منها.
- عدم التحاكم إليها عند النزاع وتحكيمها والتسليم لها.
- عدم الاستشفاء بما فيها من الشفاء لأمراض القلوب وجماعها الشبهات والشهوات.
_________
(1) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض 1403 هـ، 5 / 217.

(1/307)


ثم إن انتشار البدع بين صفوف المسلمين سبب لحرمان أكثرهم من معرفة الحق والهدى، وحرمانهم من التعبد لله بالعبادات الشرعية التي علق الله على وقوعها الثواب والسعادة في الدنيا والآخرة. فنقل المبتدعة أتباعهم من الهدى إلى الضلال ومن الحق إلى الباطل، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

[آثارها على المجتمع]
[التفرق والاختلاف]
آثارها على المجتمع:
1 - التفرق والاختلاف: كما أن للبدع آثارا سيئة على الدين فإن لها آثارا على المجتمع المسلم، وذلك يتمثل في أمور منها: الاختلاف والفرقة وما ينتج عنهما من العداوة والبغضاء. وقد نهى الله عن التفرق والاختلاف في آيات كثيرة من كتابه العزيز فقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] (1) . وقال: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] (2) وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] (3) . وقال: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31 - 32] (4) . .
ويوضح ذلك أن كل مبتدع يريد أن ينصر بدعته وأن يدعو لها وأن يكثر سواد أهلها، ولا يتم له ذلك إلا بمخالفة السنة وأهلها والوقيعة فيهم والعداوة والبغض لهم، وكما قيل: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. وباستعراض تاريخ الإسلام نجد أن أهل الأهواء والبدع كانوا من أكبر أسباب تفرق المسلمين إلى شيع وأحزاب. فأول من فارق جماعة المسلمين أهل البدع من الخوارج ثم تبعهم المبتدعة على ذلك، وليس الأمر قاصرا على ذلك بل ربما تعداه إلى حمل السيف على أهل السنة كما فعل الخوارج وغيرهم.
_________
(1) سورة آل عمران، آية (105) .
(2) سورة الأنعام، آية (153) .
(3) سورة الأنعام، آية (159) .
(4) سورة الروم، آية (31، 32) .

(1/308)


فإن لم يستطيعوا ذلك تقربوا إلى الملوك واستعملوا حيلهم في الوقيعة بأهل السنة وإلحاق الأذى بهم، وها هم المعتزلة ومن لف لفهم يسلكون هذا الطريق ولكن هيهات " فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (1) . ولا يزال أهل الإسلام من المبتدعة في شر. فكم حاولوا تشويه الحقائق وتلبيس الدين على الناس وكم تحالفوا مع أعداء الله من شياطين الإنس والجن حتى ينشروا بدعهم ولو على حساب السنة. وفي التاريخ الحديث رأينا كيف شجع الاستعمار الصوفية حتى أماتت لدى المسلمين روح العزة والجهاد.

[الفتن والمحن]
2 - الفتن والمحن: ومن عواقب الابتداع الوخيمة أنه ما ترك الناس السنة وأقبلوا على البدع إلا وضربهم الله بالبلاء والفتن وجعل بأسهم بينهم شديدا وسلط عليهم أعداءهم جزاء لتركهم سنة نبيهم وإعراضهم عن هديه والتمسك به. قال تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65] (2) ويكفي بلاء أن أعداء الإسلام استغلوا أهل البدع في تعويق الدعوة إلى الإسلام، والصحوة الإسلامية، بضرب المسلمين بعضهم ببعض.
كيفية مقاومة البدع: لا شك أن البدع، مرض خطير يهدد الأمة الإسلامية منذ قرون. وقد ذاقت الأمة بسببه أنواعا من البلاء والفتن. وبقدر انتشار البدع بقدر ما يكون العناء والنصب. فلا بد إذا- والحالة هذه- من مقاومة البدع ما أمكن لإنقاذ من أراد الله هدايته من السقوط في مهاوي البدع والضلالات. ويتأتى ذلك بعدة أمور:
_________
(1) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، 3 / 1523.
(2) سورة الأنعام، آية (65) .

(1/309)


معرفة حقيقة البدعة وخطرها حتى نحدد أبعادها.
معرفة واقع البدعة وتاريخها في كل مجتمع إسلامي وعلى ذلك تتم الدعوة إلى السنة.
نشر السنة علما وتعلما وتطبيقا وسلوكا. فإن البدع ما ظهرت إلا بخفاء السنة على الناس وغياب نورها عنهم، وجهل الناس بآثار النبوة. وعلاج ذلك هو إظهارها تعليما وتطبيقا.
الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا الأمر سبب مهم في انفتاح قلوب الناس للنور والهدى. فالداعية الحكيم هو الذي يستطيع- بتوفيق الله عز وجل- امتلاك زمام القلوب. بحسن بيانه، وجميل تصرفه، وكريم سجاياه. فكم اهتدى فئام من الناس على يد دعاة موفقين. وكم صد عن الحق كثير ممن يدعو إليه إذا لم يرزق التوفيق والحكمة، فالأمر يحتاج إلى معالجة حكيمة أشبه ما تكون بمعالجة الطبيب الناصح للمريض وقد أعضله الداء.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الأمر تابع لما قبله إلا أنه يتميز بالحسم في أكثر الأحيان ممن بيده سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم أولو الأمر. العلماء والأمراء. فإذا كانوا على غيرة لهذا الدين دفاعًا عنه من تحريف الغالين وتأويل المبطلين وانتحال الجاهلين قلّت البدع. وإذا أداروا ظهورهم للإسلام وكأن الأمر لا يعنيهم انتشرت البدع، والمستقرئ للتاريخ الإسلامي يرى أن البدع يكثر انتشارها والمجاهرة بها حينما ينفصل السلطان عن القرآن. وينشغل أولو الأمر بالصراع على حطام الدنيا، فيجد أهل البدع فرصتهم السانحة في نشر بدعهم. وهذا يفسر لنا سر انتشار البدع كلما امتد الزمان بهذه الأمة.
فما لم يقم المسلمون عامة وأولو الأمر خاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسوف تنتشر البدع بآثارها الوبيلة. ويدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور منها:

(1/310)


تتبع الملاحدة والمرتدين ومحاولة معرفة تحركاتهم.
إقامة حد الردة على من ثبت بالدليل كفره، ومروقه، وزندقته.
منع وصول كتب الزنادقة والغلاة كابن عربي وأمثاله إلى الناس حتى لا يضل بها من لا يعرف حقيقة مذهبهم.
أمر الدعاة بتبيين أوجه ضلال هؤلاء الضالين وتحذير الناس من بدعهم.
إتاحة الفرصة لدعاة الخير لتوجيه الناس وإرشادهم وإعانتهم على أمورهم.
توجيه مناهج التعليم إلى ضرورة معرفة طلبة العلم بهذه البدع وأخطارها.
هذه بعض وسائل مقاومة البدع حسب رأيي والله أعلم.

(1/311)