محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [المبحث الثاني البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم]
[أولا ادعاء الصوفية أنهم يرون الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة]
المبحث الثاني
البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقد كان من أكبر آثار الغلو في الرسول - صلى الله عليه وسلم - ظهور البدع في العقائد والعبادات والتي أظهرها المبتدعة بدعوى حبهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - فجعلوا المحبة مبررا لهم في صنيعهم، كما حاولوا أن يلتمسوا لها من الشبه الباطلة ما يقوي بنيانها.
وتنوعت ضروب البدع وتعددت، وكلما مضى الزمان ازدادت البدع حتى أصبحت عقيدة راسخة في النفوس.
وسأتحدث في هذا المبحث عن نماذج من هذه البدع:
أولا - ادعاء الصوفية أنهم يرون الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقظة: أشرت في مبحث آثار الغلو في الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى بعض البدع الاعتقادية في الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وذلك كالاعتقاد بالحقيقة المحمدية وتوابعها، وبينت بطلانها.
ومما يعتقده الصوفية في هذا الباب إيمانهم بحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته حياة تامة لها كل خصائص الأحياء، ولذلك قالوا بأنهم يرونه يقظة ويجتمعون به فيرشدهم في طريقتهم، وأنه يحضر حضراتهم التي يقيمونها والموالد التي يعملونها.
وقد أشار الغزالي إلى هذه الخرافة وجعلها من فضائل الصوفية وإن لم يصرح بها تصريحا واضحا فقال عنهم:
(. . . . حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتهم ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة والأمثال

(1/245)


إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق) (1) .
ولكن هذه الخرافة لم يصرح بها إلا المتأخرون استغلالا منهم لظروف الجهل التي ضربت عقول المسلمين فصاروا أسرى الخرافات والأساطير.
وقد ذكر عمر بن سعيد (2) الفوتي في كتاب الرماح:
(أن الأولياء يرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقظة، وأنه يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله أن يراه عبد رفع عنه الحجاب فيراه على هيئته التي كان هو عليها) (3) .
وعلى هذه البدعة أسست طرق صوفية كثيرة سميت بالطرق المحمدية لأنها كما يزعمون أخذت من الرسول - صلى الله عليه وسلم - مباشرة في اليقظة وذلك كالطريقة التيجانية (4) والطريقة الأحمدية الإدريسية (5) وغيرها من الطرق. كما بنوا عليها حضراتهم وموالدهم. إذ تزعم الصوفية أن الحضرة التي يقيمونها سميت بذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحضرها إما بروحه وإما يقظة بجسده وروحه.
_________
(1) المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي، مع أبحاث في التصوف للدكتور عبد الحليم محمود، ط 8، طبع دار الكتب الحديثة، مصر، 1394 هـ، ص 143.
(2) عمر بن سعيد بن عثمان الفوتي السنغالي الأزهري التيجاني، ولد 1797 م، في بلاد (ديمار) الواقعة في السنغال. درس في الأزهر، وعاد إلى أفريقيا ليجاهد الوثنيين وينشر الإسلام، وتوفي 1864 م. من تصانيفه: كتاب رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم، وكتاب سيوف السعادة وغيرها. انظر التيجانبة، على بن محمد الدخيل الله، ط 1، دار طيبة، الرياض، ص 69 - 71.
(3) مجلة البحوث الإسلامية، العدد 14، بحث التيجانية، ص 69 - 97 نقلا عن رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم لعمر بن سعيد الفوتي، 1 / 198 - 199.
(4) التيجانية: نسبة إلى أبي العباس أحمد بن محمد بن المختار التيجاني المغربي، (1150 - 1230هـ) ، شيخ الطريقة التيجانية. كان فقيها مالكيا عالما بالأصول والفروع، ملما بالأدب، صوفيا. طريقته منتشرة في المغرب، والسودان، ومصر، وغيرها. انظر: الأعلام، 1 / 245.
(5) نسبة إلى أحمد بن إدريس، وقد مرت ترجمته.

(1/246)


وكذلك المولد الذي يقرأونه يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحضره. خاصة عند ذكر ولادته - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك يقومون لمجيئه.
ويقول قائلهم: جاء الرسول. حضر الرسول. وحتى يمعنوا في تضليل الناس بهذه البدعة يقولون بأن الرسول لا يراه إلا الكمل من العباد، أما القاصرون والمنكرون فهم محجوبون عن رؤيته - صلى الله عليه وسلم - واعتقادهم في هذا يشبه اعتقادهم في القطب الصوفي المغيب عن الأبصار الذي لا يجتمع به إلا كبار الأولياء على زعمهم، مثلما يعتقد الشيعة في الإمام الغائب المنتظر.
يقول صاحب جواهر المعاني عن شيخه أحمد التيجاني:
(قال رضي الله عنه: أخبرني سيد الوجود يقظة لا مناما. قال لي أنت من الآمنين، ومن رآك من الآمنين إن مات على الإيمان) (1) .
وقال عنه أيضا: (. . . ثم أمرني بالرجوع - صلى الله عليه وسلم - إلى صلاة الفاتح لما أغلق، فلما أمرني بالرجوع إليها، سألته - صلى الله عليه وسلم - عن فضلها فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيا أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير، ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار) (2) .
ويقول أحمد بن إدريس في إحدى صلواته:
(. . . واجمع بيني وبينه، كما جمعت بين الروح والجسد ظاهرا وباطنا يقظة ومناما، واجعله يا رب روحا لذاتي من جميع الوجوه في الدنيا قبل الآخرة) (3) .
_________
(1) التيجانية، ص 127، نقلا عن جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني، لعلي بن حرازم الفاسي، 1 / 129.
(2) المصدر نفسه، ص 116، نقلا عن أحزاب وأوراد التيجاني، ص12.
(3) مجموعة أحزاب وأوراد ورسائل. لأحمد بن إدريس، ص187.

(1/247)


ويستدلون على ادعائهم رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة بالحديث الذي رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي» (1) .
قالوا فالحديث صريح في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة بعد موته في الدنيا قبل الآخرة.
قال ابن أبي جمرة (2) (اللفظ - أي لفظ الحديث - يعطي العموم، ومن يدعي الخصوص بغير مخصص منه - صلى الله عليه وسلم - فمتعسف) .
وقال السيوطي بعد أن ذكر هذا الحديث وأيده ببعض النقول عن بعض العلماء: (فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حي بجسده وروحه وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض. . . . فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد إكراما برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها لا مانع من ذلك ولا داعي للتخصيص برؤية المثال) (3) .
وهذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه لأن الحديث يحتمل عدة معان ولذلك اختلف العلماء في معناه وحملوه على عدة محامل منها:
- أن المراد به من آمن به في حياته ولم يره - لكونه حينئذ غائبا عنه
_________
(1) أخرجه البخاري في كتاب التعبير. باب من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، 9 / 42.
(2) هو أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المالكي، (. . . - 699 هـ) مقريء - محدث. من تصانيفه: بهجة النفوس وتحليها بذكر مالها وما عليها، ومختصر صحيح البخاري. انظر: نيل الابتهاج بتطريز الديياج. لأبي العباس أحمد بن أحمد بن عمر المعروف ببابا التنبكتي. مطبوع بهامش الديباج المذهب لابن فرحون المالكي، طبع دار الكتب العلمية بيروت، 1979، 4 / 237.
(3) الحاوي للفتاوي للسيوطي. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ط 3، مطبعة السعادة، مصر، 1959 م، 2 / 453.

(1/248)


فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره. أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته - صلى الله عليه وسلم -.
- أو أن معناه أنه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وخروجها على الوجه الحق.
- وقيل أنه على التشبيه والتمثيل ويدل على ذلك الرواية الأخرى ولفظها: «فكأنما رآني في اليقظة» .
- وقيل معناه أن يراه يقظة في الآخرة، وهذا بشارة لرائيه في النوم بأنه سيموت مسلما، لأنه لا يراه تلك الرؤيا الخاصة باعتبار القرب إلا من تحقق موته على الإسلام. ومعنى ذلك أنها رؤية خاصة في الآخرة على سبيل القرب منه - صلى الله عليه وسلم - وهذا الوجه والذي قبله أقرب الوجوه إلى الصواب.
- وقيل معناه أنه يراه في المرآة التي كانت له - صلى الله عليه وسلم - إن أمكنه ذلك، وهو قول ابن أبي جمرة (1) قال ابن حجر في الفتح (2) (وهذا من أبعد المحامل) .
- وقيل معناه أنه يراه حقيقة في الدنيا ويخاطبه (3) .
وهذا الاحتمال الأخير باطل من وجهين:
1 - أنه مستحيل شرعا لمعارضته النصوص. كقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] (4) وهو أيضا مخالف لإجماع الأمة التي أجمعت على وفاته - صلى الله عليه وسلم -. ولا يرد على ذلك أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من أنه ترد عليه روحه حتى يرد السلام على من سلم عليه. فإن هذه الحياة حياة برزخية تختلف عن الحياة الدنيا في خصائصها وصفاتها ولذلك يقتصر في شأنها على ما ورد في النصوص، ولا تقاس على الحياة الدنيا بأي حال من الأحوال.
_________
(1) انظر بهجة النفوس، 4 / 238.
(2) انظر فتح الباري، 12 / 385.
(3) انظر فتح الباري، 12 / 385.
(4) سورة الزمر، آية (30) .

(1/249)


ثم إن حمل هذا الحديث على رؤيته يقظة في الدنيا بعد وفاته يلزم منه ادعاء الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا مستحيل لأنه معصوم عن الكذب. وبيان ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» فعلق الجواب على الشرط، ومن المعلوم أن جمعا كثيرا من سلف الأمة وخلفها قد رأوه في المنام ولم يذكر أحد منهم أنه رآه في اليقظة. وخبر الصادق - صلى الله عليه وسلم - لا يتخلف (1) .
2 - أنه مستحيل عقلا لأنه يلزم منه لوازم باطلة مثل أن يخرج ويراه الناس وأن يقود أمته في كل المواطن كما كان في حياته - صلى الله عليه وسلم - وأن يجاهد في سبيل الله وأن يفصل بين الأمة في المسائل المتنازع عليها والحوادث التي وقعت لأمته من بعده طالما أنه حي حياة تامة.
إذ لو صح ذلك لكان حل النبي - صلى الله عليه وسلم - لمشاكل أمته التي حدثت من بعده وجمع كلمتهم أولى من أن يظهر لأناس في مجالس بدعية جمعوا فيها من فنون الشرك والبدع ما نهي عنه وحذر منه.
فكيف يحضر مجالسهم التي بهذه الصفة ويترك الصحابة والأمة من بعدهم يواجهون الفتن بأنفسهم وهم أحوج ما يكونون إليه لو كان حيا.
قال القرطبي (2) فيما نقله الحافظ ابن حجر:
(وهذا القول يدرك فساده بأوائل العقول ويلزم عليه ألا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشى في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى في قبره منه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم
_________
(1) انظر: فتح الباري، 12 / 385، والتيجانية، ص 130 وما بعدها.
(2) هو أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي المالكي ويعرف بابن المزين (578 - 656 هـ) . فقيه. محدث لغوي. وهو شيخ القرطبي المفسر. من تصانيفه: المفهم لما أشكل من شرح صحيح مسلم، واختصار صحيح البخاري، وغيرها. انظر: نفح الطيب 2 / 615، والديباج المذهب، - ص 68 - 70.

(1/250)


على غائب، لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل) (1) .
ثم إن هذا الحديث لو صح دليلا على دعواهم لتطرقت إليه الاحتمالات السابقة والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، وأيضا فإن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته في اليقظة هي من الأمور الاعتقادية التي لا تثبت إلا بدليل صحيح سالم من المعارضة. وهذا الدليل محتمل لوجوه متعددة ومعارض بنصوص صريحة قطعية من القرآن والسنة تثبت موته - صلى الله عليه وسلم - (2) .
قال ابن تيمية:
(والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه: " إما النبي - صلى الله عليه وسلم - وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه. وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم. ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي - صلى الله عليه وسلم - وعانقه وصاحباه. ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام وإلى مكان بعيد. . . . وهذا موجود عند خلق كثير كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يظنه أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه. ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان.
ومن كان أقل علما قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا. ومن عنده علم منها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيدا فائدة في دينه، بل يضله عن بعض ما كان يعرفه، فإن هذا فعل الشياطين، وهو إن ظن أنه قد استفاد شيئا فالذي خسره من دينه أكثر. ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة: إن الخضر أتاه، ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبي - صلى الله عليه وسلم -. وابن عمر
_________
(1) فتح الباري، 12 / 384.
(2) انظر: التيجانية، ص131.

(1/251)


كان يسلم إذا قدم من سفر ولم يقل قط أنه يسمع الرد. وكذلك التابعون وتابعوهم، وإنما حدث هذا من بعض المتأخرين. . . ممن قل علمه بالتوحيد والسنة، فأضله الشيطان كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) (1) .
إذا تبين لنا هذا علمنا أن ما يدعيه الصوفية من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورؤيتهم له يقظة هو محض خرافة، يكذبها العقل والواقع والتاريخ وأن ما بنوه على أساس هذه الخرافة باطل، وأن هذا من تلاعب الشياطين بهم لأنهم ليسوا على الطريقة الشرعية في عقائدهم وعبادتهم، وإلا لو كان هذا صحيحا لحصل لأفضل الخلق بعده - صلى الله عليه وسلم - وهم صحابته، لكنهم لما كانوا على الصراط المستقيم لم تطمع الشياطين في إضلالهم بمثل هذه الخرافات والبدع (2) .
وكما لبس الشيطان عليهم في ادعائهم لرؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة، فقد لبس على كثير منهم في الرؤيا المنامية مع تعمد كثير منهم الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام.
فها هو ابن عربي إمام ملاحدة الصوفية المسمى عندهم بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر يزعم بأنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام وقد أعطاه كتاب فصوص الحكم ليخرج به على الناس، وهو كتاب مشحون بالكفر والكذب على الله ورسوله من أوله إلى آخره.
فلم يكتف بالكذب في يقظته حتى كذب في منامه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغالب الصوفية يعتمدون على الرؤيا المنامية في إثبات بدعهم وخرافاتهم، فالصادق منهم لبس عليه الشيطان بأنه رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو في الحقيقة لم يره، وأما الكذوب فأمره بين.
_________
(1) مجموع الفتاوى 27 / 391 - 393.
(2) انظر في الرد على هذه الخرافة فتاوى الإمام محمد رشيد رضا، المجلد الخامس ص 1845، وما بعدها، جمع وتحقيق د. صلاح الدين المنجد. ويوسف خوري ط 1، دار الكتاب الجديد، ببيروت، 1971م.

(1/252)


وقد ذكر العلماء أن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام لا يثبت بها حكم شرعي أو يُنْفَى، لأن الشريعة ثابتة بالأدلة الشرعية المعروفة الظاهرة، وليست الرؤيا دليلا من هذه الأدلة. ثم قالوا إن من رأى رؤيا فليعرض رؤياه على الشرع، فإن وافقت مقتضى الشرع فالحكم به، وتكون الرؤيا من قبيل الاستئناس.
وإن كانت مخالفة لأمر شرعي فمحال وباطلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته، لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي المنامية، فمن رأى شيئا من ذلك فرؤياه غير صحيحة، إذ لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حقا لم يخبره بما يخالف الشرع، فمن أخبر بما يخالف الشرع واستند إلى رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وإجازته له فهو أحد رجلين:
إما كذوب دجال كابن عربي وأمثاله، وإما صادق ولكن لبّس الشيطان عليه لقلة علمه فأوهمه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره (1) .

[ثانيا التوسل غير المشروع بالنبي صلى الله عليه وسلم]
[التوسل المشروع]
ثانيا: - التوسل غير المشروع بالنبي صلى الله عليه وسلم: ومن البدع التي أحدثها الصوفية التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بذاته وبجاهه أو الإقسام على الله به. ويدخلون في هذا التوسل الاستغاثة به وطلب الحاجات منه. وهذه البدعة أخذت شكلًا علميًّا لدى الصوفية لكثرة ما كتب فيها من مؤلفات ورسائل. لكن جوهر الحقيقة هو أنهم يريدون أن يظهروا أمام الناس بمظهر المتمسك بأدلة الشرع، لذا نراهم يحرصون على جلب الأدلة وسوقها حتى يتسنى لهم إثبات مشروعية هذا النوع من التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم يدخلون فيه كل ألوان الشرك كالاستغاثات والتضرع وطلب الحاجات وغير ذلك.
ثم إن لهم من وراء ذلك مقصدا آخر وهو أنهم يجوزون الشرك بالأولياء والصالحين تحت اسم التوسل بهم، طالما ثبت التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا مانع أن يتعدى ذلك إلى الأولياء من بعده. وإذا سألتهم عن الدافع إلى ذلك قالوا ما هو إلا محبة النبي صلى الله عليه وسلم وأولياء الله الصالحين وتعظيمهم ومعرفة حقوقهم إلخ.
_________
(1) انظر: المدخل لابن الحاج 4 / 286 وما بعدها.

(1/253)


وقبل الكلام على التوسل المبتدع بالرسول صلى الله عليه وسلم، أود أن أبين أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين:
1 - توسل مشروع.
2 - توسل غير مشروع.
أما التوسل المشروع فينقسم إلى نوعين:
- أحدهما التوسل بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته. وهذا فرض عين على كل مسلم في كل حال، ولا يسقط عن أحد من الخلق بعد قيام الحجة عليه، ولا يعذر فيه بأي عذر. وقد جعل الله الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته وسيلة إلى كل خير ورحمة في الدنيا والآخرة.
ويقع التوسل بهذا النوع على وجهين:
- فتارة يتوسل المسلم بالإيمان بالرسول وطاعته ومحبته إلى ثواب الله وجنته.
- وتارة يتوسل بذلك في الدعاء فيقول مثلا: اللهم بإيماني بنبيك وطاعتي له وحبي إياه اغفر لي.
- ثانيهما: التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وذلك في حياته. كما كان الصحابة يفعلونه مع النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الدعاء منه، والاستغفار لهم، وطلب السقيا لهم.
كما يكون في الآخرة بطلب الخلق منه أن يشفع لهم عند ربهم للقضاء بين العباد وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون. وعليه فهذا النوع من التوسل إما أن يكون في حياته صلى الله عليه وسلم، وهو نافع لمن دعا له الرسول أو شفع له. وإما أن يكون في يوم القيامة حيث يتوسل الناس به ليشفع لهم عند ربهم. أما بعد مماته فلم يكن أحد يطلب منه الدعاء لا عند قبره، ولا في أي مكان آخر. ولم يفعل ذلك الصحابة والتابعون ولا من بعدهم. ولم ينقل عنهم بوجه صحيح أن ذلك جائز. وهذا النوع من التوسل يقع على وجهين أيضا:

(1/254)


الأول: أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما كان الصحابة يطلبون منه فيدعو لهم. وكما يطلب الخلق منه ذلك في يوم القيامة. وأحاديث الاستسقاء وغيرها توضح ذلك أتم توضيح.
- الثاني: أن يضيف إلى ذلك سؤال الله تعالى بشفاعة نبيه ودعائه وذلك كما في حديث الأعمى فإنه طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليه بنبيك محمد نبي الرحمة» الحديث. وفيه: «اللهم فشفعه في» فأمره أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه. وسيأتي مزيد شرح لهذا الحديث.
وهذا النوع من التوسل لا يجوز إلا في حياته صلى الله عليه وسلم أما بعد وفاته فلا يجوز بحال من الأحوال. إذ ليس على ذلك دليل صحيح كما سيأتي بيانه.

[التوسل غير المشروع]
2 - التوسل غير المشروع: ويقصد به التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم، وسؤال الله بجاه نبيه، والإقسام على الله به. وهذا النوع غير مشروع لفقدان الدليل على مشروعيته، فلم ترد به سنة صحيحة ولم يكن الصحابة يفعلونه لا في حياته صلى الله عليه وسلم ولا بعد موته، لا عند قبره ولا في أي مكان آخر. ولم ينقل ذلك عنهم بوجه صحيح يعتمد عليه عند أهل العلم. بل الثابت عنهم أنهم عدلوا عنه إلى غيره، كما فعل عمر مع العباس رضي الله عنهما.
وهذا التوسل غير المشروع هو مقصود غالب المتأخرين بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويعتقدون أنه من أفضل القربات، وأنه دليل على حب النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين. وهو أول ما يعولون على إثباته والمنافحة عنه، والرد على ما نعيه، والتشنيع عليهم، حتى يسلم لهم ما أرادوا من تعميم التوسل بالأنبياء والصالحين. وهذا النوع هو ما سأتناوله بشيء من العرض والتفصيل.

(1/255)


يقول السبكي (1) .
(إن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم جائز في كل حال. قبل خلقه وبعد خلقه في مدة حياته في الدنيا، وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة والجنة) (2) ويقسمه إلى ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: أن يتوسل به بمعنى أن طالب الحاجة يسأل الله تعالى به أو بجاهه أو ببركته. فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة وقد ورد في كل منها خبر صحيح. وساق تحت هذا النوع حديث توسل آدم بالنبي صلى الله عليه وسلم (3) وغيره من الأحاديث.
- النوع الثاني: التوسل به بمعنى طلب الدعاء منه. وقال: إن ذلك كما كان في حياته يجوز بعد موته.
ثم ساق حديثا بسنده عن مالك الدار قال: (أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: ائت عمر فأقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون وقل له: عليك الكيس الكيس. فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر رضي الله عنه ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه) .
_________
(1) هو تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي (683- 756 هـ) ، فقيه. أصولي. محدث. مفسر. لغوي. من تصانيفه:
الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم. تكملة المجموع للنووي في خمسة مجلدات، شفاء السقام في زيارة خير الأنام، عارض به شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة شد الرحال إلى زيارة القبر النبوي الشريف. وغيرها. انظر. طبقات الشافعية الكبرى، 10 / 139 - 338. والدرر الكامنة 3 / 134، وما بعدها.

(2) شفاء السقام في زيارة خير الأنام، تقي الدين السبكي.
طبع مجلس دائرة المعارف العثمانية. حيدر آباد الدكن، 1315 هـ، ص 160.

(3) انظر: ص 273، من هذا البحث.

(1/256)


قال. ومحل الاستشهاد من هذا الأثر طلبه الاستسقاء من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته في مدة البرزخ. ولا مانع من ذلك فإن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لربه تعالى في هذه الحالة غير ممتنع.
- النوع الثالث: أن يطلب منه ذلك الأمر المقصود. بمعنى أنه صلى الله عليه وسلم قادر على التسبب فيه بسؤاله ربه وشفاعته إليه. فيعود إلى المعنى الثاني وإن كانت العبارة مختلفة (1) .
وبعبارة أصرح من ذلك أن يطلب منه الحاجات رأسا فيقول السائل يا رسول الله فرج كربتي أو أغثني. . . إلخ.
ولم يجد السبكي ما يستدل به على هذا النوع الثالث سوى أنه عائد إلى النوع الثاني. لكن غيره وجدوا ما يستدلون به على مثل هذا النوع، وهي الحكايات والمنامات وعليها غالب اعتمادهم.

شبهات المجيزين لهذا النوع من التوسل: يورد الصوفية شبهات كثيرة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم توسلا بدعيا وشركيا ليوهموا أتباعهم أنهم بذلك على الحق وأنهم أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرب من غيرهم. وشبههم متنوعة لكني سأقتصر على أقواها في نظرهم.
أولا- من القرآن: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] (2) . وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] (3) .
_________
(1) انظر: المصدر السابق، ص 161، وما بعدها.
(2) سورة المائدة، آية (35) .
(3) سورة الإسراء، آية (57) .

(1/257)


قال صاحب كتاب حقيقة التوسل والوسيلة:
(ولفظ الوسيلة عام في الآيتين فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الممات، وبإتيان الأعمال الصالحة على الوجه المأمور به، وللتوسل بها بعد وقوعها) (1) .
واستدلالهم بهاتين الآيتين باطل لأنه مخالف لتفسير الصحابة والتابعين وما عليه أئمة التفسير من أن المراد بالوسيلة في الآيتين التقرب إلى الله بصالح الأعمال ولم يؤثر عن واحد من هؤلاء أنه فسرها بجواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين كما فسره هؤلاء.
ثم إن الاستدلال بالآية الثانية بالذات على مدعاهم من أبطل الباطل وأكذب الكذب لأنها تدل على نقيض ما ادعوه وترد عليهم دعواهم، ويبين هذا سبب نزولها كما قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما رواه البخاري عنه: (كان ناس من الأنس يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم) (2) .
ومعنى ذلك أن الله يرد على هؤلاء الذين عبدوا الجن ودعوهم من دون الله بأن الذين تدعونهم قد أسلموا فصاروا يتقربون إلى الله بصالح الأعمال، وفي هذا تحريض لهؤلاء المشركين على الإيمان بالله وحده وسلوك مسلك الجن الذين آمنوا، قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57] (3) .
_________
(1) حقيقة التوسل والوسيلة على ضوء الكتاب والسنة، موسى محمد علي، طبع دار التراث، القاهرة، 1981م، ص29.
(2) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه، 6 / 107.

(3) سورة الإسراء، آية (56 - 57) .

(1/258)


قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (1) .
عند تفسير قوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] (2) (اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.
. . . . وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: {إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] (3) وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] (4) فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل) (5) .
_________
(1) هو الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي ثم المدني. (1305- 1393هـ)
درس القرآن وعلومه، والعربية وفنونها، والفقه ومسائله في بلاده مورتانيا، ثم قدم إلى الحج فكتب الله له المقام بالمدينة فسكنها فدرس في المسجد النبوي وأفاد.
من تصانيفه: أضواء البيان في تفسير القرآن.
ومذكرة في أصول الفقه، آداب البحث والمناظرة وغيرها.
انظر: ترجمته في نهاية تفسير أضواء البيان لتلميذه الشيخ عطية سالم، الجزء التاسع. وانظر: الأعلام، 6 / 45.

(2) سورة المائدة، آية (35) .
(3) سورة الزمر، آية (3) .
(4) سورة يونس، آية (18) .
(5) أصول البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 2 / 97-98.

(1/259)


ومما استدلوا به من الأحاديث ما أخرجه البخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون) (1) .
ويستدلون بهذا الحديث على جواز التوسل بذوات المخلوقين وجاههم فقالوا إن توسل عمر إنما كان بجاه العباس ومكانته عند الله سبحانه وتعالى، وإن توسله إنما كان مجرد ذكر منه للعباس في دعائه وطلب من الله أن يسقيه من أجله وقد أقره الصحابة على ذلك فدل هذا بزعمهم على جواز التوسل بذات المخلوق وجاهه. ولكن ما سبب عدول عمر عن التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم طالما أن ذلك جائز في نظرهم. أجابوا عن ذلك بأن عدوله كان لبيان جواز التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم وأن ذلك مما لا حرج فيه.
يقول الشيخ أحمد زيني دحلان (2) .
(وإنما استسقى عمر رضي الله عنه بالعباس رضي الله عنه ولم يستسق بالنبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس جواز الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم وأن ذلك لا حرج فيه، وأما الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم فكان معلوما عندهم فلربما أن بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم فبين لهم عمر باستسقائه بالعباس الجواز) (3) .
واستدلالهم بهذا الحديث على ما يدّعونه استدلال باطل لأمور:
أولا: أن الحديث قد ذكر أن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم
_________
(1) صحيح البخاري كتاب الاستسقاء. باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، 2 / 34.
(2) هو أحمد بن زيني دحلان المكي (1232 - 1304هـ) .
فقيه. مؤرخ. من تصانيفه. الفتوحات الإسلامية، والسيرة النبوية، والدرر السنية في الرد على الوهابية، رد فيه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب متعصبا للصوفية، وقد رد عليه الشيخ محمد بشير السهسواني في كتاب سماه " صيانة الإنسان من وسوسة الشيخ دحلان ".
انظر: الأعلام، 12 / 129 - 130.
(3) الدرر السنية في الدر على الوهابية، أحمد زيني دحلان، ص 8 - 9.

(1/260)


في حال حياته للسقيا فيستسقي لهم، وقد بينت الأحاديث الواردة في الاستسقاء ذلك، وليس هناك حديث صحيح يؤيد ما ذهبوا إليه من أن الصحابة كانوا يتوسلون بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه.
بل الأحاديث الواردة تؤكد أن التوسل إنما كان بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم. أخرج الشيخان بسنديهما عن أنس رضي الله عنه: «أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فقال يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله أن يغثنا، قال، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعَة، ولا شيئا، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرس، فلما توسطت السماء، انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب والأودية ومنابت الشجر. قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس» (1) .
وأخرج البخاري بسنده عن عباد بن تميم عن عمه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي لهم، فقام فدعا الله قائما ثم توجه قِبَل القبلة وحوّل رداءه فسقوا» (2) .
فهذان الحديثان وأمثالهما كثير في كتب السنة، وكلها تؤكد أن الصحابة كانوا إذا انقطع عنهم المطر ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يدعو الله لهم
_________
(1) صحيح البخاري. كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع 2 / 34 - 35، وصحيح مسلم كتاب صلاة الاستسقاء. باب الدعاء في الاستسقاء، 2 / 612، وما بعدها.

(2) صحيح البخاري، كتاب الاستقساء، باب الدعاء في الاستسقاء قائما، 2 / 38.

(1/261)


ليسقيهم، أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخرج بهم فيصلي صلاة الاستسقاء ويدعو الله لهم كما هي السنة في هذا الأمر.
وهذا هو الذي قصده عمر بقوله " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ".
ثانيا: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم توسل عمر بدعاء العباس رضي الله عنهما، وذلك لعلمه بأن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته غير ممكن ولا جائز. وتكرر هذا منه بحضور الصحابة رضي الله عنهم. فلو كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته جائزا لما عدل عنه عمر رضى الله عنه، ولما أقره الصحابة على ذلك، فلما تكرر ذلك منه دل على عدم جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته.
ثالثا: إن تكرر هذا الفعل من عمر رضى الله عنه يدحض شبهة الذين قالوا بأنه قد فعل ذلك لبيان جواز التوسل بغير النبي وأن التوسل بالنبي بعد وفاته أمرا معلوما لدى الصحابة. وهذا ليس بصحيح، إذ لو كان كذلك لما تكرر ذلك الفعل من عمر رضي الله عنه ولبين أن مقصده من ذلك هو بيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل كما يزعمون. ثم إن فيه كذبا على عمر وجمهور الصحابة رضي الله عنهم. لأن المجيزين ادعوا أن التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم كان أمرا معلوما لدى الصحابة. مع أنه لم ينقل عنهم بوجه صحيح ما يؤيد دعواهم. بل المنقول عنهم خلاف ذلك.
رابعا: أن عمر قد صرح بأنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وأنه بعد وفاته توسل بعمه العباس. ومما لا شك فيه أن التوسلين من نوع واحد، وهو التوسل بدعاء الصالحين ورسول الله صلى الله عليه وسلم إمامهم (1) .
خامسًا: أن بعض روايات الحديث الصحيحة قد فسرت كلام عمر المذكور وقصده إذ نقلت دعاء العباس رضي الله عنه استجابة لطلب عمر رضي
_________
(1) انظر التوسل أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني، ص60-69.

(1/262)


الله عنه. فمن ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر في الفتح حيث قال: (وقد بين الزبير بن بكار (1) في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال " اللهم أنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث " قال فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس) (2) فهذا الحديث قد بين أن التوسل إنما كان بدعاء العباس رضي الله عنه لا بذاته أو شيبته كما يزعمون، وإلا فما الداعي إلى أن يقوم العباس فيدعو دعاء جديدا؟ وما فائدة مجيء العباس إلى مكان الاستسقاء للدعاء؟ ! ولم يكن عمر رضي الله عنه وحده هو الذي عدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته إلى التوسل بغيره من الأحياء، بل تابعه على ذلك معاوية بن أبي سفيان والضحاك بن قيس رضي الله عنهما إذ توسلا بدعاء يزيد بن الأسود (3) الجرشي (4) وعلى هذا جرى عمل الصحابة والتابعين (5) .
فتبين من هذا أن حديث عمر بن الخطاب في توسله بالعباس رضي الله عنهما ليس فيه دليل على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته بل هو دليل على عدم جوازه.
ومن الأحاديث التي استدلوا بها ما أخرجه أحمد وغيره بسنده عن عثمان بن
_________
(1) هو أبو عبد الله الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب من ولد الزبير بن العوام رضي الله عنه (172- 256 هـ) .
كان ثقة ثبتا عالما بالأنساب. شاعرا ولي قضاء مكة. من تصانيفه: جمهرة نسب قريش وأخبارها، أخبار العرب وأيامها، مزاح النبي صلى الله عليه وسلم، انظر: تاريخ بغداد، 8 / 467، وسير أعلام النبلاء، 12 / 311.
(2) فتح الباري، 3 / 150.
(3) أخرج هذا الأثر ابن سعد في الطبقات، دار صادر، بيروت، 7 / 444.
(4) هو يزيد بن الأسود الجرشي من سادات التابعين بالشام، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره. انظر سير أعلام النبلاء، 4 / 136 - 137.
(5) انظر: التوسل، ص 70.

(1/263)


حينف: «أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: " إن شئت دعوت لك وإن شئت أخرت ذلك فهو خير " فقال: ادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم فشفعه في وشفعني فيه، قال: ففعل الرجل فبرأ» (1) .
ووجه استدلالهم بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وأن الأعمى فعل ذلك فعاد بصيرا، وأن توسله إنما كان بذات النبي صلى الله عليه وسلم لا بدعائه، وإذا كان كذلك فمن الجائز لكل أحد أن يدعو بهذا الدعاء الوارد في هذا الحديث.
قال ابن حجر الهيتمي (2) .
(وإنما علمه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يدع له، لأنه أراد أن يحصل منه التوجه وبذل الافتقار والانكسار والاضطرار مستغيثا به صلى الله عليه وسلم ليحصل له كمال مقصوده.
وهذا المعنى حاصل في حياته وبعد وفاته ومن ثم استعمل السلف هذا الدعاء في حاجاتهم بعد موته) (3) .
واستدل بقصة الرجل مع عثمان بن حنيف رضي الله عنه وسيأتي ذكرها. وعلى ذلك فهم يرون أن الحديث حجة لهم في جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم. وأن هذا الحديث ليس خاصا بالأعمى، بل هو جائز لكل أحد أن يدعو به. لكن هذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه. بل هو دليل على نوع من
_________
(1) المسند، 4 / 138، وسنن ابن ماجه، 1 / 481، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، 1 / 519.
(2) شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي المكي (909-974هـ) .
فقيه. باحث. من تصانيفه: مبلغ الأرب في فضائل العرب. الصواعق المحرقة على أهل البدعة والضلال والزندقة وغيرها. انظر الأعلام 1 / 234.
(3) الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم، ص 76- 77.

(1/264)


أنواع التوسل المشروع، لأن الأعمى إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر مشروع كما سبقت الإشارة إليه، ويوضح هذا من الحديث عدة أمور (1) .
أولا: أن الأعمى إنما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعو له، وهذا معنى قوله: " ادع الله أن يعافيني " فهو قد توسل بدعائه صلى الله عليه وسلم لما يعلمه من استجابة دعائه دون غيره، ولذلك طلب من الدعاء ولو كان مقصوده التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه كما يزعمون، لما كانت هناك حاجة في أن يأتي إلى النبي ويسأله الدعاء له، بل كان يكفيه أن يجلس في بيته ويدعو ربه متوسلا بذات النبي أو جاهه ولكنه لم يفعل ذلك لأنه كان يفهم جيدا معنى التوسل، وأنه لا بد أن يذهب إلى المتوسل به ليطلب منه ما يريد.
ثانيا: أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده بالدعاء بعد أن خيره بين الدعاء وبين الصبر إذا شاء.
ثالثا: إصرار الأعمى على الدعاء وهذا يقتضي أن الرسول قد دعا له لأنه وعده بالدعاء إذا أراد، وقد أراد ذلك وأكده بقوله: " ادعه " ومع ذلك لم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء له بل وجهه إلى عمل صالح حتى يجمع له أطراف الخير، وهو أمره له بالصلاة وتعليمه الدعاء الذي يدعو به في صلاته.
رابعا: أن قول الأعمى في آخر هذا الدعاء: «اللهم فشفعه في» يستحيل حمله على التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم، أو بجاهه كما يزعمون، لأن معناه: اللهم اقبل شفاعته صلى الله عليه وسلم فيّ، أي اقبل دعاءه في أن ترد علي بصري. وهذا معنى الشفاعة. ولا تتم الشفاعة إلا إذا كان اثنان يطلبان أمرا يكون أحدهما شفيعا للآخر والشفاعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا بدعاء الرسول للمشفوع له.
خامسا: أن مما علمه النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى أن يقوله في دعائه: «وشفعني فيه» أي اقبل دعائي في قبول شفاعته ودعائه لي. وهذه الجملة وحدها كافية
_________
(1) انظر في بيان هذه الأمور.
القاعدة الجليلة، ص95 - 109، 135 - 136. والتوسل، ص76 - 83.

(1/265)


في الرد على من يزعمون أن توصل الأعمى كان بذاته صلى الله عليه وسلم أو بجاهه، إذ كيف تكون شفاعة الأعمى في الرسول. إلا إذا دعا له الرسول فدعا الأعمى ربه في أن يستجيب دعاء نبيه له.
سادسا: إن هذا الحديث قد ذكره العلماء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه ببركة دعائه صلى الله عليه وسلم لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره. ولذلك ذكره المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره (1) . وهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له (2) .
سابعا: أن هذا الدعاء خاص بالأعمى لأنه متضمن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته له وليس من لم يدع له الرسول ويشفع له بمنزلة ذلك الضرير الذي دعا له الرسول وشفع له. ولو كان هذا عاما كما يفهمه المجيزون لكان لعميان الصحابة أو بعضهم أن يدعوا بهذا الدعاء فيحصل لهم الشفاء، فعدولهم عن هذا الدعاء إلى غيره دليل على أنه خاص بذلك الأعمى، كما أنه لو كان السبب في شفاء الأعمى هر توسله بذات النبي صلى الله عليه وسلم وجاهه كما يفهم عامة المتأخرين لكان من الممكن أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذي يتوسلون بجاهه صلى الله عليه وسلم ويضمون إلى ذلك جاه جميع الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين!!
وبعد بيان هذه الوجوه تأكد لنا أن هذا الحديث يدور حول التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم، وأنه لا علاقة له بالتوسل بذاته أو بجاهه، ومما تجدر الإشارة إليه أنه قد نقل عن العز بن عبد السلام القول بجواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته خاصة استنادا إلى حديث الأعمى (3) .
وقد تبين لنا معنى الحديث وما يدل عليه وأنه لا حجة فيه لمن ذهب إلى
_________
(1) انظر. دلائل النبوة للبيهقي، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، 6 / 166.
(2) انظر: قاعدة جليلة، ص 95.
(3) انظر: القاعدة الجليلة، ص 151.

(1/266)


جواز التوسل بالذات وإن كان العز بن عبد السلام قد ذهب إلى جواز ذلك فقد خالفه في ذلك جمع كثير من أهل العلم. وعلى فرض صحة ما ذهب إليه العز بن عبد السلام فينبغي أن يكون هذا حكما خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيه أحد غيره من الأنبياء والصالحين ويكون هذا من باب الخصوصيات التي لا يدخلها القياس (1) .
تنبيه: وقع في بعض طرق حديث الأعمى زيادتان استدل بهما المجيزون للتوسل غير المشروع:
- الزيادة الأولى: زيادة حماد بن سلمة إذ زاد في آخر الحديث (. . . وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك) .
أي معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له إذا عرضت لك حاجة فافعل مثل ذلك الدعاء دون أن تأتيني. وعلى ذلك فيمكن للإنسان أن يقول هذا الدعاء دون أن يكون قد أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته ودعا له. وقد أعل ابن تيمية هذه الزيادة بالشذوذ لتفرد حماد بن سلمة بها ومخالفته من هو أوثق منه (2) .
- الزيادة الثانية: وهي قصة الرجل مع عثمان بن عفان رضي الله عنه وتوسله به صلى الله عليه وسلم حتى قضيت حاجته من عثمان بن عفان. وقد أخرج هذه القصة الطبراني في معجميه الصغير والكبير، من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه. فقال له: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل
_________
(1) انظر: التوسل، ص 83.
(2) انظر: القاعدة الجليلة، ص 102، والتوسل، ص 90- 92.

(1/267)


فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك عز وجل، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إلي حتى أروح معك، فانطلق الرجل، فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا. ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فتصبر، فقال: يا رسول الله: إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات» . قال عثمان بن حنيف، فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط) (1) .
هذه القصة ضعيفة الإسناد منكرة لا يجوز الاحتجاج بها (2) أما من ناحية المتن فليس فيه حجة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته لأن عثمان بن حنيف - لو صحت هذه القصة عنه - لم يعلم ذلك الرجل دعاء الضرير بتمامه، فإنه أسقط منه جملة: «اللهم فشفعه في، وشفعني فيه» ، لأنه يعلم أن ذلك القول يستلزم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم داعيا لذلك الرجل، كما كان داعيا للأعمى، ولما كان هذا غير ممكن شرعا ولا قدرا لم يذكر هذه الجملة.
وأيضا لو قدر ثبوت هذه القصة عن عثمان بن حنيف لكان هذا مما تفرد
_________
(1) المعجم الكبير للطبراني، 9 / 17- 18. حققه وخرج أحاديثه حمدي عبد المجيد السلفي، ط1، مطبعة الوطن العربي، بغداد، 1400 هـ.
وانظر دلائل النبوة للبيهقي، 16 / 167- 168.
(2) لضعف حفظ راويها، وتفرده بها، ومخالفته للثقات الذين رووا الحديث بدون ذكر هذه القصة.
انظر: القاعدة الجليلة، ص 97- 103، والتوسل، ص 92- 94.

(1/268)


به ذلك الصحابي عن غيره، إذ لم يوافقه غيره من الصحابة على ذلك، ومثل هذا لا تثبت به سنة يمكن العمل بها.
والثابت عن أكابر الصحابة عدولهم عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته إلى التوسل بدعاء غيره. كما قد صح ذلك من فعل عمر ومعاوية وغيرهما (1) .
وفي هذه القصة جملة إذا تأملها العارف بفضائل الصحابة وأحوالهم وجدها دليلا على نكارتها وضعفها، وهي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل ولا يلتفت إليه! فهذه الجملة منافية لما عرف من خلق عثمان رضي الله عنه الذي كانت تستحي منه الملائكة لشدة حيائه، هذا مع ما عرف عنه من رفق ولين وتواضع رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين (2) وبهذا يتبين لنا أن الاستدلال بهذه القصة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته استدلال باطل.
وإذا كان الحديثان السابقان صحيحين من حيث الإسناد. لكنهما لا يدلان على ما ذهبوا إليه من جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فإنهم قد استدلوا بأحاديث وآثار واهية لا تصلح للاحتجاج بها منها على سبيل المثال:
حديث توسل آدم بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الحاكم بسنده عن عمر بن الخطاب مرفوعا «لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم. إنه لأحب الخلق إلي. ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» (3) .
_________
(1) انظر: قاعدة جليلة، ص104 - 108.
(2) انظر: التوسل، ص 99.
(3) المستدرك على الصحيحين، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع، 2 / 615.

(1/269)


هذا الحديث مما يستدل به المخالفون على إثبات التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل خلقه.
قال صاحب كتاب وفاء الوفا:
(اعلم أن الاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم وبجاهه وبركته إلى ربه تعالى من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين، واقع في كل حال، قبل خلقه صلى الله عليه وسلم وبعد خلقه في حياته الدنيوية، ومدة البرزخ وعرصات القيامة) (1) ثم ساق حديث توسل آدم السابق مستدلا به، وكذا استدل به السبكي وغيره (2) .
ولكن هذا الحديث موضوع لا يجوز الاستدلال به، لوجود عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في سنده وهو متهم بالوضع.
لذا فقد حكم ببطلان هذا الحديث ابن تيمية (3) والذهبيُّ (4) وابنُ عبد الهادي (5) وابن حجر (6) . فلا يجوز لأحد أن يستدل بهذا الحديث لأجل تصحيح الحاكم له.
هذا وقد استدلوا بأحاديث وآثار كلها واهية وموضوعة ومثلها الحكايات. لكن بقي أن أنبه إلى أثر مالك الدار الذي استدل به السبكي على جواز طلب الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته (7) .
_________
(1) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى. نور الدين علي بن أحمد السمهودي تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط 1، مطبعة السعادة، مصر، 1374 هـ، 4 / 1371.
(2) انظر شفاء السقام، ص 61، وما بعدها.
(3) انظر: القاعدة الجليلة، ص 86- 90.
(4) انظر: ميزان الاعتدال، 2 / 504.
(5) انظر: الصارم المنكي، ص 37.
(6) انظر: لسان الميزان، 3 / 359 - 360.
(7) انظر: ص260، من هذا البحث.

(1/270)


فهذا الأثر لا يجوز الاستدلال به لعدم صحته (1) ثم إنه مخالف لما ثبت شرعا من استحباب صلاة الاستسقاء ودعاء الله تعالى والتضرع إليه حتى يغيث العباد بإنزال الغيث عليهم. كما جرت بذلك السنة وعمل بها جماهير الأئمة ولم ينقل عن أحد من سلف الأمة أنه التجأ إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه الدعاء للسقيا أو لغير ذلك، ولو كان هذا مشروعا لفعلوه ولنقل عنهم بوجه صحيح يعتمد عليه. فلما لم يحدث ذلك دل على عدم مشروعيته وعلى بطلان هذا الأثر، وأيضا فهذا الأثر ليس فيه التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لا بذاته ولا بجاهه ولا بالإقسام به على الله والتي وقع فيها النزاع.
وإنما فيه طلب الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته، وهذه مسألة خارجة عن محل النزاع ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف بل هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ولأجل هذا توسع الصوفية في معنى التوسل فأدخلوا فيه كثيرا من ألوان الشرك كالاستغاثة والاستجارة وبث الشكوى وطلب الدعاء والشفاعة والمغفرة وكافة الحاجات وإنزال الرغبات وسموا كل هذا توسلًا فإذا ثبت لهم التوسل المبتدع أدخلوا فيه التوسل الشركي، وسموا الجميع توسلًا بالنبي صلى الله عليه وسلم وإظهارا لحبه.
وبعد بيان بطلان الشبه التي استدل بها المجيزون للتوسل غير المشروع نريد أن نعرف حكم هذا النوع من التوسل.

[أقسام التوسل غير المشروع من حيث الحكم عليه]
إن هذا التوسل ينقسم من حيث الحكم عليه إلى قسمين:
القسم الأول: توسل بدعي:
وذلك كالتوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم، وبجاهه، أو الإقسام على الله به:
_________
(1) لأن مداره على مالك الدار وهو مجهول الحال غير معروف العدالة والضبط وهما شرطان أساسيان لصحة السند.
انظر التوسل، ص130 - 134.

(1/271)


وذلك كأن يقول القائل مثلا: اللهم أتوسل إليك بنبيك، أو اللهم بجاه نبيك اغفر لي.
وأما القسم فمثل قول القائل: اللهم بنبيك أو بحق نبيك اشفني أو اقض حوائجي.
ووجه كونه بدعة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر به، ولم يدع الناس إليه، ولم يعده من القربات، كما جعله المتأخرون من الصوفية ومن تابعهم من أعظم القربات. كما أن الصحابة لم يتوسلوا إلى الله بهذا النوع من التوسل ولا التابعين ولا تابعيهم. . . بل الثابت عنهم هو عدولهم عنه إلى التوسل المشروع، فلما لم يرد له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا عمل الصحابة والتابعون به. دل على عدم مشروعيته وابتداعه.
هذا من حيث الإجمال. أما من حيث التفصيل، فإن السؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوسل بذاته وجاهه غير جائز. لأنه وإن كان مبنيا على أن للأنبياء جاها ومكانة عند الله- وهذا صحيح- إلا أن الله لم يجعل ذلك الجاه سببا مناسبًا لإجابة دعاء من توسل به. وإنما جعل الله الإيمان بهم وحبهم واتباعهم سببا لإجابة الدعاء، بخلاف السؤال والتوسل بذواتهم وجاههم.
وأما القسم على الله بالرسول صلى الله عليه وسلم أو بحقه فهذا مما لا يجوز شرعا. لأنه قسم بالمخلوق على الخالق سبحانه وتعالى.
والقسم على المخلوق بمخلوق مثله لا يجوز. فكيف يجوز ذلك في حق الخالق سبحانه (1) .
وإذا تبين هذا فلا يجوز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاهه أو الإقسام على الله به لما يفضي القول بجوازه إلى الغلو الذي نهي الله ورسوله عنه، وسدًّا لذريعة الشرك المترتب عليه. ذلك أن عامة من جوزوه لم يقفوا عند التوسل به صلى الله عليه وسلم
_________
(1) انظر القاعدة الجليلة، ص 109- 110.

(1/272)


بل تعدوا ذلك إلى الاستغاثة به وطلبوا منه ما لا يجوز طلبه إلا من الله إلى غير ذلك من الأمور التي تؤدي إلى الشرك. ويسمون كل هذا توسلا!! ومما ينبغي التنبيه إليه أننا حين نوضح بطلان هذا النوع من التوسل لا يعني أننا ننفي الجاه والمكانة السامية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كلا. إن جاهه عليه الصلاة والسلام أعظم من جاه الأنبياء والمرسلين، وحديث الشفاعة يبين هذا ويوضحه (1) .
القسم الثاني: التوسل الشركي: وذلك كطلب الحاجات منه صلى الله عليه وسلم ودعائه لكشف الضر أو رفع الشدة وبث الشكوى إليه، إلى غير ذلك من ألوان الشرك الذي حرمه الله ورسوله. وكون هذا النوع شركا أمر واضح، فإنه لو طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته ما لا يقدر عليه إلا الله لكان هذا شركا، فكيف وهم يطلبون منه ذلك بعد موته، وينشدون في ذلك الأشعار ويسوقون الحكايات والأخبار، وينعتون كل موحد بالجفاء للنبي صلى الله عليه وسلم وآله الأخيار.
وتسمية هذا النوع بالتوسل هو من باب الإيهام والخداع فإنه لا يسمى إلا شركا أكبر.
يقول البرعي (2) مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم:
يا صاحب القبر المنير بيثرب ... يا منتهى أملي وغاية مطلبي
يا من به النائبات توسلي ... وإليه من كل الحوادث مهربي
يا من نرجّيه لكشف عظيمة ... ولحل عقد ملتو متعصب
_________
(1) انظر حديث الشفاعة في:
صحيح البخاري. كتاب التوحيد. باب قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) ، 9 / 160- 161. ومسلم. كتاب الأيمان. باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، 1 / 180 - 181.
(2) هو عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم البرعي (. . . - 830 هـ) ، شاعر متصوف. انظر ترجمته في الأعلام 3 / 343.

(1/273)


يا من يجود على الوجود بأنعم ... خضر تعم عموم صوب الصيّب
يا غوث من في الخافقين وغيثهم ... وربيعهم في كل عام مجدب
يا من نناديه فيسمعنا على ... بعد المسافة سمع أقرب أقرب (1)
ويقول أيضًا:
مولاي مولاي فرج كل معضلة ... عني فقد أثقلت ظهري الخطيئات
وعد عليّ بما عودتني كرما ... فكم جرت لي بخير منك عادات
وامنع حماي وهب لي منك مكرمة ... يا من مواهبه خير وخيرات
واعطف عليّ وخذ يا سيدي بيدي ... إذا دهتني الملمات المهمات
فقد وقفت بباب الجود معتذرا ... والعفو متسع والعذر أبيات
وقل غدا أنت من أهل اليمين إذا ... ما زخرفت لدخول الخلد جنات
وإن مدحتك بالتقصير معترفا ... فمدحك الوحي والسبع القراءات (2)

[ثالثا البدع المتعلقة بزيارة قبره صلى الله عليه وسلم]
ثالثا- البدع المتعلقة بزيارة قبره صلى الله عليه وسلم: المشروع في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم هو أن يأتي المسلم إلى المسجد النبوي فيقول دعاء دخول المسجد، ثم يقصد الروضة الشريفة فيصلي بها ركعتين تحية المسجد إن تحن في الروضة وإلا ففي أي موضع من المسجد ثم يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما قائلا: السلام عليك يا رسول الله. السلام عليك يا أبا بكر. السلام عليك يا عمر. كما كان يفعل ذلك ابن عمر رضي الله عنهما إذا قدم من سفر (3)
_________
(1) شرح ديوان البرعي في المدائح الربانية والنبوية والصوفية للشاعر الشيخ عبد الرحيم البرعي، ط 1، مكتبة المعارف، محمد سعيد كمال، الطائف، 1404، ص88.
(2) المصدر نفسه، ص192.
(3) أخرج ذلك الأثر. البيهقي في السنن الكبرى. كتاب الحج. باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ط1، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن الهند، 1352هـ.
وأخرجه مالك بنحو من هذا في الموطأ. رواية محمد بن الحسن الشيباني تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف. طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ص334.

(1/274)


والزيارة بهذه الكيفية مستحبة لمن قدم إلى المدينة قاصدا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لمن كان يريد السفر من أهل المدينة وهذا الاستحباب مأخوذ من الأحاديث العامة الواردة في فضل زيارة القبور ولم يثبت بخصوص زيارة قبره صلى الله عليه وسلم حديث يحتج به عند أهل العلم (1) ولكن الناس ابتدعوا في باب زيارته صلى الله عليه وسلم بدعا كثيرة خرجت بالزيارة عن أصلها المشروع. فمن هذه البدع:
1 - اعتقاد أن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم واجبة: سرى في أذهان كثير من الناس أن زيارة القبر النبوي واجبة، ويعتقد كثير منهم أنها مكملة لمناسك الحج، لا يتم الحج بدونها، والذي دفعهم إلى ذلك أمور منها:
- الجهل بأحكام الذين ومراتب العبادات حتى اختلط على كثير من الناس الواجب بالمندوب، والحرام بالمكروه، فاختل فهمهم للشرع بسبب الابتعاد عن علمه وفقهه.
- الاستدلال بعدة أحاديث ضعيفة وموضوعة في فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها بعض الفقهاء والمؤلفين في المناسك واشتهر ذكرها بين الناس دون تمييز بين الصحيح والضعيف، فكان لهذه الأحاديث أثرها في اعتقاد كثير من الناس وجوب الزيارة فمن هذه الأحاديث:
(أ) «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (2) هذا حديث منكر لا يصح الاحتجاج به.
_________
(1) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، 27 / 383.
(2) رواه الدارقطني من طريق موسى بن هلال العبدي عن عبد الله أو عبيد الله العمري، وهذا الحديث ضعيف لضعف موسى بن هلال وجهالته واضطرابه. فمرة يرويه عن عبيد الله ومرة عن عبد الله، وسواء هذا أو ذاك فهو منكر الحديث لا يحتج به.
انظر: سنن الدارقطني، 2 / 278، والصارم المنكي، ص18 - 23.

(1/275)


(ب) «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» (1) وهذا حديث منكر المتن ساقط الإسناد. ومما يدل على ضعفه ونكارته أن من زار قبره صلى الله عليه وسلم بعد موته ليس كمن زاره في حياته فإن من زاره في حياته وكان مؤمنا كان من أصحابه المشهود لهم بالدرجة العالية في هذه الأمة، وأما من بعدهم فلن يبلغ رتبتهم ولو شاركهم في فعل الواجبات، فكيف يستوي معهم بفعل ما ليس واجبا كزيارة القبر النبوي مثلا (2) (ج) «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني» ، وهذا حديث موضوع (3) ومما يدل على وضعه أن جفاء النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر إن لم يكن كفرا، وهذا الحديث يدل على أن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم واجبة، مع أن الزيارة المشروعة لا تتجاوز عند العلماء حدود المستحبات. فكيف يكون تاركها مجافيا للنبي صلى الله عليه وسلم ومعرضا عنه (4) .
فاعتقاد وجوب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم اعتقاد باطل ليس له ما يؤيده من السنة الصحيحة، ولا من أقوال أهل العلم الذين يقتدى بهم. فمن اعتقد أن الزيارة واجبة،
_________
(1) أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيرهما من طريق حفص بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا. وهذا الحديث ضعيف لتفرد حفص بن سليمان به. وهو متروك الحديث وشيخه ليث بن أبي سليم ضعيف لاختلاطه. انظر سنن الدارقطني، 2 / 278، والسنن الكبرى للبيهقي، 5 / 246.
وانظر في بيان ضعف الحديث الصارم المنكي، ص 55 وما بعدها، والسلسلة الضعيفة للألباني، 1 / 62 - 63.

(2) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ص 57.
(3) أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق علي بن إسحاق عن محمد بن محمد بن النعمان عن جده النعمان بن شبل عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا. وهذا الحديث آفته النعمان بن شبل البصري لأنه متهم بالوضع.
لأجل هذا حكم الذهبي على هذا الحديث بالوضع وكذا الزركشي وابن الجوزي كما في الفوائد المجموعة للشوكاني.
انظر: الكامل في أسماء الرجال لابن عدي، 7 / 2480.
وانظر في بيان ضعف الحديث لسان الميزان، 6 / 167، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني، ص 118، والصارم المنكي، ص 78، وما بعدها.

(4) انظر: السلسلة الضعيفة، 1 / 61.

(1/276)


أو متممة للحج، أو أنها المقصود الأكبر من الحج فاعتقاده باطل. على أنه لا يعني القول بعدم وجوب الزيارة أنها ليست مستحبة كلا بل هي مستحبة لمن قدم المدينة من سفر أو خرج منها قاصدا سفرا. كما دل على ذلك فعل ابن عمر رضي الله عنهما.
2 - الدخول إلى المسجد النبوي كهيئة المستأذن من الرسول صلى الله عليه وسلم للدخول عليه: جاء في كتاب أبي الحسن الشاذلي (1) أنه (لما قدم المدينة زادها الله تشريفا وتعظيما وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه عريان الرأس حافي القدمين، يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما. فسئل عن ذلك فقال حتى يؤذن لي، فإن الله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب: 53] (2) فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة على ساكنه أفضل الصلاة والسلام يا علي ادخل) (3) . وهذه بدعة منكرة لم يقل بها أحد من أهل العلم سلفا وخلفا، وقياس الدخول عليه صلى الله عليه وسلم بعد موته بدخول بيته في حياته قياس باطل، فإن الداخل إنما يدخل المسجد أصلا سواء في حياته أو بعد موته، ودخول المسجد لا يحتاج إلى استئذان. ولو كان مشروعا لفعله الصحابة رضي الله عنهم.
3 - التزام كيفية معينة في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم من حيث الوقوف والسلام والدعاء: فبعض الناس يقف أمام القبر الشريف كهيئة المصلي واضعا يده اليمنى على اليسرى وهذا أمر تعبدي لا يجوز فعله إلا في الصلاة.
_________
(1) هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي المغربي، رأس الطريقة الشاذلية وإليه تنتسب.
انظر: ترجمته في معجم المؤلفين، 7 / 137.

(2) سورة الأحزاب، (53) .
(3) أبو الحسن الشاذلي - الصوفي المجاهد والعارف بالله، بقلم عبد الحليم محمود، ص 79- 80، ط دار الكتاب العربي مصر، 1967 م.

(1/277)


وأما السلام فكثير من الناس يتجاوز السلام إلى الدعاء مستقبلا القبر وهذا أمر غير جائز شرعا، فإذا أراد الإنسان الدعاء فليستقبل القبلة. وقد اعتاد (المزوّرون) أن يلقنوا الناس صيغا من السلام والدعاء يرددونها بصوت مرتفع. وفي هذا من الإيذاء والجفاء ما لا يجوز أن يحدث في أي مسجد فضلا عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الدعاء فكثير من الناس تجاوز حد الشرع في الدعاء فيطلبون من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يطلب إلا من الله وفي هذا من الشرك ما فيه وذلك كقولهم: (يا رسول الله نحن وفدك جئناك من بلاد بعيدة، قاصدين قضاء حقك، والنظر إلى مآثرك، وأن نستشفع بك إلى ربنا، فإن الخطايا قد قصمت ظهورنا، والأوزار قد أثقلت كواهلنا، أنت الشافع المشفع، الموعود بالشفاعة والمقام المحمود، وقد قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] (1) وقد جئناك مستغفرين لذنوبنا فاشفع لنا إلى ربك، واسأله أن يميتنا على سنتك، وأن يحشرنا في زمرتك، وأن يوردنا حوضك، وأن يسقينا بكأسك غير خزايا ولا نادمين، الشفاعة، الشفاعة يا رسول الله) (2) .
وهذا من البدع المفضية إلى الشرك لأن طلب الشفاعة، والموت على السنة، وغير ذلك من الحوائج، لا يجوز طلبها إلا من الله وحده، فلا يجوز سؤالها وطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم، بعد موته. وأما طلب الدعاء فإنما يكون في حياته لا بعد مماته.
4 - التمسح بالحجرة وتقبيل شباكها واستلامه والطواف بها: وهذه أمور من العبادة لا تجوز إلا في الكعبة. ففعلها في المسجد النبوي محرم شرعا.
_________
(1) سورة النساء، آية (64) .
(2) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي، د. نور الدين عتر، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص260.

(1/278)


5 - اعتقاد الزائر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم خواطره ونياته: قال ابن الحاج (1) (وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم أن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته. إذ لا فرق بين موته وحياته، أعني في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم. وهذا عنده جلي لا خفاء فيه) (2) . وقال: (وقد لا يحتاج الزائر في طلب حوائجه ومغفرة ذنوبه أن يذكرها بلسانه بل يحضر ذلك في قلبه وهو حاضر بين يديه صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه الصلاة والسلام أعلم منه بحوائجه ومصالحه وأرحم به منه لنفسه، وأشفق عليه من أقاربه) (3) .
وهذا الأمر لا يجوز أن يوصف به الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فكيف يوصف به بعد مماته، لأن علم الغيب ومكنونات الصدور خاص بالله عز وجل لا يطلع عليه أحد غيره ولا يليق وصف أحد به سوى الله عز وجل، قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] (4) وقال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] (5) .
فمن اعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، وما تكّنه الصدور في حياته أو بعد مماته فقد أشرك. إلا أن يطلع الله نبيه على بعض أمور الغيب فذلك من خصوصيات النبوة. لا أنه يعلم الغيب مطلقا.
_________
(1) هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحاج العبدري المالكي الفاسي (. . . - 737هـ) . فقيه مالكي، من تصانيفه:
مدخل الشرع الشريف، شموس الأنوار وكنوز الأسرار.
انظر: الدرر الكامنة لابن حجر، 4 / 355 - 356.

(2) المدخل، 1 / 258 - 259.
(3) المصدر نفسه، 1 / 264.
(4) سورة النمل، آية (65) .
(5) سورة الأعراف، آية (188) .

(1/279)


6 - اتخاذ قبره صلى الله عليه وسلم عيدا: ومعنى اتخاذه عيدا، أن يعتاد التردد عليه والازدحام عنده كما يحصل في أمكنة الأعياد وأزمنتها. أو أن يجعل لها وقت معين سواء كان كل أسبوع أو شهر أو سنة. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: فيما أخرجه أحمد وأبو داود واللفظ له بسنديهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبرى عيدا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (1) ولأجل هذا كره الإمام مالك رحمه الله التردد على القبر فقال فيما نقله عنه القاضي عياض:
(. . . . وليس يلزم من دخل المسجد أو خرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء. . . ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقدم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو لأبي بكر وعمر. فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر فيسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل العلم ببلدنا وتركه واسع. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك) (2) .
7 - التزام الزائر الإقامة بالمدينة ثمانية أيام والصلاة في المسجد النبوي أربعين صلاة حتى تكتب له البراءة من النار: وذلك استنادا إلى الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بسنده عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى في مسجدي هذا أربعين صلاة كتبت له براءة من
_________
(1) سبق تخريجه، ص83.
(2) الشفا، 2 / 88.

(1/280)


النار، ونجاة من العذاب، وبرئ من النفاق» (1) وهذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به.
ووجه البدعة في هذا أنه تخصيص لعدد من الأيام أو الصلوات بثواب معين ومثل هذا لا يثبت إلا بدليل صحيح وهذا الدليل ضعيف. فيكون هذا التخصيص من قبيل البدعة. أما مجرد الصلاة في المسجد النبوي- بدون تحديد وقت معين- فهو أمر مرغب فيه شرعا، لما أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (2) .
8 - ومنها ما قاله صاحب وفاء الوفا: (أن يقدم " أي الزائر " صدقة بين يدي نجواه للرسول صلى الله عليه وسلم) (3) أخذا من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12] (4) وهذه الآية منسوخة عند جماهير العلماء بالآية التي تليها (5) وهي قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المجادلة: 13] (6) ثم إن قياس زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بنجواه في حياته قياس باطل لأن المقصود من الزيارة هو السلام عليه صلى الله عليه وسلم وليس هذا من قبيل النجوى لأنه يسمعه كل أحد، ثم إن النجوى إن كانت مشروعة فللرسول في حياته فكيف وهي منسوخة؟
_________
(1) المسند، 3 / 155، وهذا الحديث ضعيف لأن في سنده مجهولا، وهو نبيط بن عمرو الذي روى هذا الحديث عن أنس، ولم يعرف عند المحدثين إلا بهذا الحديث.
انظر: السلسلة الضعيفة، 1 / 366.
(2) صحيح البخاري. كتاب المساجد، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، 2 / 76.
(3) وفاء الوفا، 4 / 1393.
(4) سورة المجادلة، آية (12) .
(5) انظر تفسير الطبري، 28 / 20 - 22، وتفسير القرطبي، 17 / 301 - 303.
(6) سورة المجادلة، آية (13) .

(1/281)


9 - ومنها ما قاله أيضا: (إدامة النظر إلى الحجرة الشريفة فإنه عبادة قياسا على الكعبة المعظمة) (1) وهذا باطل لأنه لم يثبت بدليل صحيح أن النظر إلى الكعبة عبادة. ولو سلم هذا فالعبادات لا تثبت بالقياس وإنما بالنص والتوقيف. ثم إن قياس الحجرة الشريفة بالكعبة قياس باطل. لأن البيت الحرام يختص بأنواع من العبادات لا يجوز فعلها في غيره.
10 - الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم وبث الشكوى إليه: ولهم في ذلك حكايات وأشعار يطول ذكرها، وقد أورد صاحب وفاء الوفا عدة حكايات فيمن استغاث به صلى الله عليه وسلم (2) منها أن رجلا من أهل غرناطة نزلت به علة عجز الأطباء عنها وأيسوا من برئه، فكتب عنه أحد الشعراء كتابا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فيه الشفاء لدائه والبرء مما نزل به وضمنه شعرا قال فيه:
كتاب وقيذ من زمانه مستشف ... بقبر رسول الله أحمد يستشفي
له قدم قد قيد الدهر خطوها ... فلم يستطع إلا الإشارة بالكف
ولما رأى الزوار يبتدرونه ... وقد عاقه عن ظعنه عائق الضعف
بكى أسفا واستودع الركب إذ غدا ... تحية صدق تفعم الركب بالعرف
فيا خاتم الرسل الشفيع لربه ... دعاء مهيض خاشع القلب والطرف
عتيقك عبد الله ناداك ضارعا ... وقد أخلص النجوى وأيقن بالعطف
رجاك لضر أعجز الناس كشفه ... ليصدر داعيه بما جاء من كشف
لرجل رمى فيها الزمان فقصرت ... خطاه عن الصف المقدم في الزحف
وإني لأرجو أن تعود سوية ... بقدرة من يحيي العظام ومن يشفي
_________
(1) وفاء الوفا، 4 / 1410.

(2) المصدر نفسه، 4 / 1379 - 1387.

(1/282)


فأنت الذي نرجوه حيا وميتا ... لصرف خطوب لا تريم إلى صرف
عليك سلام الله عدة خلقة ... وما يقتضيه من مزيد ومن ضعف (1)

[رابعا بدعة المولد]
رابعا - بدعة المولد: مولد النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يقيمه الصوفية في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام إظهارا للسرور بمولده، وتوسع بعضهم فأجازه في أي وقت من أوقات السنة طالما أنه مظهر سرور بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويرجع تاريخ ظهور هذه البدعة إلى الدولة العبيدية التي تسمت بالدولة الفاطمية. حيث أحدثت هذه البدعة لجذب قلوب الناس إليها، والظهور بمظهر من يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. مع أنها من أكثر الدول التي فشا فيها الإلحاد والزندقة تحت شعار التشيع وحب آل البيت.
فأحدثوا ستة موالد: المولد النبوي، مولد علي رضي الله عنه، ومولد فاطمة رضي الله عنها، ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومولد الخليفة الحاضر في ذاك الزمان. وعن طريقهم انتشرت الموالد وراجت رواجا كثيرا لدى الصوفية (2) فصارت كل طريقة تعمل لشيخها مولدا يتناسب ومقام الطريقة وشيخها!! هذا مع حرصهم على مولد النبي صلى الله عليه وسلم في كل عام وتسيير المواكب في الطرقات، وإنشاد القصائد، وإقامة الحفلات إلى غير ذلك من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي.
ولا نزاع في أن الاحتفال بالمولد النبوي هو من البدع الحادثة بين المسلمين حتى باعتراف الذين يفعلونه. ولكنهم قالوا: إن خلا عمل المولد من المفاسد فهو بدعة حسنة لما فيه من إطعام الطعام وقراءة شيء من السيرة وإظهار السرور بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم (3) .
_________
(1) المصدر نفسه، 4 / 1387.
(2) انظر: الإبداع في مضار الابتداع، ص250 وما بعدها.
(3) انظر: الحاوي للفتاوي للسيوطي، 1 / 292 - 305.

(1/283)


ولكن هذا لا يخرج عن كونه بدعة مذمومة شرعا لأمور:
- اتخاذه عيدا شرعيا، والأعياد الشرعية يومان الفطر والأضحى كما جاء بذلك النص.
- جعله عبادة شرعية وقربة إلى الله. حتى إنهم في بعض البلدان يتهمون من لم يحضر المولد بالجفاء والمروق من الدين أحيانا (1) .
- عدم فعل السلف له مع أنهم أشد الناس حبا له صلوات الله وسلامه عليه، وهم أعرف الناس بحقوقه، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.
- إن عمل المولد يتضمن أمورا منهيا عنها شرعا كإنشاء القصائد الشركية والغلو فيه صلى الله عليه وسلم وتشويه صورة الدين بأعمال الخرافيين والمشعوذين والدجالين على ما يجري عمله في أكثر البلاد.
هذا وقد استغلت الصوفية وسائل الدعاية لترويج هذه البدعة بدعوى أنها من أكبر مظاهر حبه صلى الله عليه وسلم فألفوا فيها الرسائل والكتب وسودوا بها صحائف كانت بيضاء، ونعتوا كل ناقد وموجه بعدم الحب والولاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولنا أن نقول إن الاحتفال بالمولد بدعة فيها مشابهة للنصارى في احتفالهم بمولد المسيح عليه السلام لأن دينهم المحرف قام على الغلو في الأشخاص، وديننا ينهانا عن الغلو.
ثم إن فرح المسلم ينبغي أن يكون ببعثته ونزول الوحي عليه، وتلك هي المنة الحقيقية التي امتن الله بها على عباده فلولا الوحي والبعثة ما كانت لنبينا هذه المنزلة العظمى بين رسل الله أجمعين. كما قال تعالى: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] (2) وقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48] (3) .
_________
(1) انظر مجموعة رسائل الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، 1 / 493.
(2) سورة يونس، آية (16) .
(3) سورة العنكبوت، آية (48) .

(1/284)


فهذا هو السرور الحقيقي الذي لا يحتاج من المسلم إلى تحديد وقت له طالما أنه يتلو آيات القرآن صباحا ومساء فينشرح صدره وتطمئن نفسه، وطالما كان متذكرا للنبي صلى الله عليه وسلم عند كل عمل يقتدي به فيه، مكثرا من ذكره وتذكره مصليا عليه.

[خامسا الصلوات المبتدعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم]
خامسا- الصلوات المبتدعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ابتدع الصوفية فيما ابتدعوا صيغا للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم زاعمين لها من الفضل والثواب وتكفير الذنوب والسيئات شيئا كثيرا ويتعاظم إفكهم حينما يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمها لشيخ الطريقة يقظة أو مناما وأمره أن يعلمها أصحابه. مثل صلاة الفاتح (اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، الهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم) (1) .
يزعم التيجانيون إفكا وبهتانا أن هذه الصلاة أفضل من القرآن ومن كل ذكر وقع في الكون ستة آلاف مرة.
يقول التيجاني:
(. . . . ثم أمرني بالرجوع صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفاتح لما أغلق. فلما أمرني بالرجوع إليها سألته صلى الله عليه وسلم عن فضلها، فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيا بأن المرة الواحدة منها تعدل من في تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر، ومن كل دعاء كبير وصغير، ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار) (2) .
وهذا كفر صريح لأنه تفضيل لكلام البشر على كلام الله رب العالمين وتحقير من شأن القرآن وصد الناس عنه كما كان يفعل كفار قريش قائلين فيما حكاه الله عنهم.
_________
(1) انظر: التيجانية، ص116.
(2) المصدر نفسه، ص116، نقلا عن أحزاب وأوراد التيجاني، ص 12.

(1/285)


{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] (1) .
ومن هذه الصيغ تلك الصلوات التي تصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأوصاف الألوهية، وذلك مثل قولهم: (اللهم صل على الكمال المطلق والجمال المحقق عين أعيان الخلق ونور تجليات الحق. فصل اللهم بك منك فيه عليه وسلم) (2) ومنها قولهم: (اللهم صل على محمد نور الذات وسر الساري في جميع الأسماء والصفات صلى الله عليه وسلم) (3) ومنها الصلاة المنسوبة لعبد السلام بن مشيش (4) ولفظها (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق فتضاءلت الفهوم، فلم يدركه منا سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا وهو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط، صلاة تليق بك منك عليه، كما هو أهله. اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك، وحجابك الأعظم، القائم لك بين يديك. اللهم ألحقني بنسبه، وحققني بحسبه، وعرفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل وأكرع بها من موارد الفضل واحملني على سبيله إلى حضرتك، حملا محفوفا بنصرتك، واقذف بي في بحار الأحدية، وانشلني من أوحال التوحيد وأغرقني في عين بحار الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد، ولا أحس، إلا بها، واجعل الحجاب الأعظم حياة روحي. . . . إلخ) (5) .
وواضح من هذه الصلاة غلو قائلها في الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم كفره بدين الإسلام وعقيدته وهي التوحيد، حيث وصفها بالأوحال!! لماذا؟ لأنها تفرق بين الخالق
_________
(1) سورة فصلت، آية (26) .
(2) مجموعة أحزاب وأوراد أحمد بن إدريس، ص63.
(3) دلائل الخيرات ص63.
(4) انظر ترجمته في معجم المؤلفين، 5 / 232.
(5) أفضل الصلوات ص111- 112.

(1/286)


والمخلوق، وبين الرب والعبد. لكنه لا يريد ذلك يريد أن يكون ربا وعبدا، حقا وخلقا!! ومن العجيب أن يقول النبهاني (1) عقب هذه الصلاة إنها: (من أفضل الصيغ المشهورة ذات الفضل العظيم) ثم نقل أقوال من استحسنوها من سلفه الصرفية ومنها: (. . . وفي قراءتها من الأسرار ومن الأنوار ما لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، وبقراءتها (ينزل) المدد الإلهي والفتح الرباني. .) (2) إلخ.
ومنها صيغ كثيرة تضمنت أنواعا من الغلو المذموم الذي نهى الله ورسوله عنه مثله: (اللهم جدد وجرد في هذا الوقت وفي هذه الساعة من صلواتك التامة وتحياتك الزاكيات ورضوانك الأكبر الأتم على أكمل عبد لك في هذا العالم من بني آدم، الذي أقمته لك ظلا، وجعلته لحوائج خلقك قبلة ومحلا واصطفيته لنفسك وأقمته بحجتك وأظهرته بصورتك، واخترته مستوى لتجلياتك ومنزلا لتنفيذ أوامرك ونواهيك في أرضك وسماواتك وواسطة بينك وبين مكوناتك. . .) (3) . ومنها: (اللهم صلي على الذات المحمدية، واللطيفة الأحمدية شمس سماء الأسرار ومظهر الأنوار، ومركز مدار الجلال، وقطب فلك الجمال) . . . إلخ (4) .
ومنها صيغ كثيرة زعموا لها ثوابا وفضلا كثيرا من عند أنفسهم. منها صلاة السعادة ولفظها: (اللهم صل على سيدنا محمد عدد ما في علم الله صلاة دائمة بدوام ملك الله) .
قال النبهاني بعد إيرادها نقلا عن الشيخ أحمد دحلان: (أن ثوابها بستمائة ألف صلاة، ومن داوم على قرائتها كل جمعة ألف مرة. كان من سعداء
_________
(1) يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني، (1265- 1350هـ) .
انظر: ترجمته في الأعلام، 8 / 218.

(2) انظر: أفضل الصلوات، ص112 - 113.
(3) دلائل الخيرات، ص28.
(4) المصدر السابق، ص88.

(1/287)


الدارين) (1) ومنها صلاة الإنعام ولفظها: (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد إنعام الله وإفضاله) (2) .
قال النبهاني نقلا عن الشيخ أحمد الصاوي (3) (هذه صلاة الإنعام وهي من أبواب نعيم الدنيا والآخرة لتاليها، وثوابها لا يحصى) (4) .
وهذه الصيغ كثيرة لدى الصوفية. بل إنها مجال تنافس بين الطرق الصوفية، إذ كل طريقة تدعي أن لديها من الأوراد (الأدعية، والأذكار والصلوات) ما يقدر بكذا وكذا من الثواب، وإن فيها من الفضل لقارئيها ما يجعلهم من الأولياء الواصلين بسرعة أو إن من فضيلة هذه الأوراد أن شيخ الطريقة قد أخذها من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة يقظة أو مناما وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وعد من يقرؤها بالقرب منه، ودخول الجنة، وغير ذلك من الدعاوى العريضة التي لا تساوي في ميزان الشرع- المأخوذ من الكتاب والسنة- شيئا، لأن الشرع لا يؤخذ من الرؤى والمنامات. ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا بذلك في حياته، فلو علم فيه خيرا لنا لدعانا إليه. فكيف وهو مضاد لما جاء به؟ صاد عن دينه وسنته، ويبين هذا أن هذه الأوراد المبتدعة قد حرمت كثيرا من المسلمين من التقرب إلى الله بالعبادات الشرعية التي جعلها الله سبيلا للتقرب إليه والفوز بمرضاته. فكم صدت هذه الأوراد المبتدعة أناسا عن قراءة القرآن وتدبره، وكم شغلت كثيرين عن قيام الليل بالسهر على قراءة الأوراد ثم النوم عن صلاة الفجر، وكم صرفت كثيرا من الناس عن التعبد بالعبادات الشرعية، وكم شغلت كثيرا عن معرفة الواجبات الشرعية، والعمل بها، فصار أكثر الناس جهلة بسبب اشتغالهم بهذه الأوراد. فأي حرمان أكبر من هذا؟ وما ذلك إلا بسبب انصرافهم عن الشرع إلى الهوى، وعن السنة إلى البدعة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
_________
(1) المصدر نفسه، ص 149- 150.
(2) المصدر نفسه، ص 151.
(3) أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي (1175- 1241 هـ) .
فقيه مالكي. مصري. انظر ترجمته في الأعلام، 1 / 246.

(4) أفضل الصلوات، ص151.

(1/288)