محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

 [المبحث الخامس آثار الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم على الاعتقاد والأعمال]
المبحث الخامس
آثار الغلو في الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الاعتقاد والأعمال لا شك أن الغلو من أكبر أسباب الانحراف بالدين عن الصراط المستقيم.
وقد كان للغلو في الرسول - صلى الله عليه وسلم - أكبر الأثر في إفساد حقائق الدين وتشويه معالمه، ولم ينحصر هذا الإفساد على جانب دون آخر بل عم الدين كله اعتقادا وعملا وسلوكا، وسأتحدث في هذا المبحث بإيجاز عن دور غلاة الصوفية في إفساد العقيدة والعبادة بسبب غلوهم في الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
أولا - في الاعتقاد:
(أ) في جانب الألوهية: يؤمن المسلمون بأن الله متفرد بالخلق والتدبير والألوهية والربوبية، وأن الله واحد لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله، فجاء ملاحدة الصوفية وزعموا أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - شريك مع الله في الخلق والتدبير وكشف الضر وجلب النفع إلى غير ذلك من صنوف الشرك، وكتب الصوفية وصلواتهم مشحونة بذلك.
يقول البوصيرى (1) في البردة التي يترنم بها ملايين الصوفية:
_________
(1) شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري المصري (608 - 696 هـ) نسبة إلى بوصير من قرى بني سويف بمصر، شاعر. أغلب شعره في مديح النبي - صلى الله عليه وسلم - على طريقة الصوفية. من أشهر قصائده البردة والهمزية والرائية. انظر: فوات الوفيات. محمد بن شاكر الكتبي. تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 3: 362. والدليل الشافي على المنهل الصافي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي، تحقيق. فهيم محمد شلتوت. من مطبوعات جامعة أم القرى. مركز البحث العلمي، مكة المكرمة، 2 / 622.

(1/193)


يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم (1)
فهذا الشاعر خلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أوصاف الربوبية والألوهية ما لا يليق وصف أحد به إلا الله وحده، فجعل الرسول وحده ملاذه ومعاذه عند حلول الخطوب ونزول الشدائد ثم نسب إلى الرسول الشفاعة مطلقا كما يعتقده المشركون في الشفاعة الشركية التي تكون بدون إذن ولا رضى من المشفوع عنده وإنما تكون بجاه الشافع ومكانته فقط.
ثم نراه يجعل الدنيا والآخرة من جوده، وأن علم اللوح والقلم من بعض علومه وهذا مع ما فيه من الشرك كفر بالله عز وجل. لأن كل ما ذكره من أوصاف الربوبية والألوهية لا يجوز بأي حال من الأحوال وصف أي مخلوق بها وإنما أي من صفات الخالق وحده.
قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] (2) وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] (3) . وقال تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} [هود: 123] ) (4) الآية. وقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] (5) .
ويقول البكري (6) في قصيدة له:
_________
(1) ديوان البوصيري. تحقيق محمد سيد كيلاني طبع مصطفى الحلبي مصر 1374هـ، ص200.
(2) سورة النمل، آية (62) .
(3) سورة طه، آية (109) .
(4) سورة هود، آية (123) .
(5) سورة طه، آية (110) .
(6) هو محمد بن أبي الحسن البكري الصديقي الشافعي (930 - 994 هـ) ، محدث، إخباري، من تصانيفه. الجوهر الثمين من كلام سيد المرسلين، تأبيد المنة بتأييد أهل السنة وغيرها. انظر: معجم المؤلفين، 9 / 185 والأعلام، 7 / 60.

(1/194)


ولذ به في كل ما ترتجي ... فإنه المأمن والمعقل
وناده إن أزمة أنشبت ... أظفارها واستحكم المعضل
يا أكرم الخلق على ربه ... وخير من فيهم به يسئل
قد مسني الكرب وكم مرة ... فرجت كربا بعضه يعضل
فبالذي خصك بين الورى ... برتبة عنها العلا تنزل
عجل بإذهاب الذي اشتكى ... فإن توقفت فمن أسأل (1)
وهذا مع ما فيه من شرك قدح في الألوهية وتفرد الله بتدبير الكون وحده، ولم يتوقف شركهم وكفرهم عند هذا الحد حتى زعموا أن محمدا عين ذات الله وهو من الحق بمنزلة إنسان العين من العين وأنه روح الله المنفوخ في آدم.
يقول أحمد بن إدريس (2) في إحدى صلواته:
" اللهم صل على الكنه الذاتي والقدس الصفاتي، نور الأسماء، ورداء الكبرياء، أزار العظمة الإلهية، عين الإحاطة الذاتية، تجليات الغيب والشهادة، روح حياة الماء، الروح الإلهي، والنور البهاء، رحمة الوجود وعلم الشهادة صلاة ذاتية أزلية أبدية. اللهم وسلم عليه مثل ذلك " (3) .
ويقول صاحب دلائل الخيرات:
" اللهم صل على سيدنا محمد بحر أنوارك ومعدن أسرارك، ولسان حجتك وعروس مملكتك، وإمام حضرتك، وطراز ملكك، وخزائن رحمتك، وطريق
_________
(1) أورد هذه القصيدة محمد بن علوي المالكي في كتابه الذخائر المحمدية، القسم الأول، ص 158، مطبعة حسان، القاهرة، وقال إنها مجربة لقضاء الحوائج وتقرأ في آخر الليل بعد ما تيسر من الصلاة، ويكرر بيت: عجل بإذهاب الذي اشتكى ثلاثا وسبعين مرة.
(2) هو أحمد بن إدريس الحسني صاحب الطريقة الأحمدية الإدريسية المنتشرة في المغرب والسودان وغيرهما. ولد بفاس وانتقل إلى مكة ثم رحل إلى اليمن فسكن صبيا إلى أن مات. وهو جد الأدراسة الذين كانت لهم إمارة عسير ونواحيها وكان صوفيا على دين ابن عربي. له عدة كتب منها العقد النفيس، والسلوك وروح السنة توفي سنة 1253 هـ.
(3) مجموعة أحزاب وأوراد ورسائل. تأليف أحمد بن إدريس، ص 62.

(1/195)


شريعتك المتلذذ بتوحيدك إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود عين أعيان خلقك المتقدم من نور ضيائك صلاة تدوم بدوامك وتبقى ببقائك لا منتهي لها دون علمك صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين " (1) .
ويقول صاحب كتاب النفحات الأقدسية في خطبة كتابه:
(نحمدك اللهم يا من صلى على محمد بفيض ذاته فكان مجلى له في جميع تجلياته فهو روح الله المنفوخ في صورة آدم. وطامة الحقائق الكبرى لسائر العالم فلا يصل واصل إلا إليه ولا يهتدي حائر إلا به فيه عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله ولا موجود في هذا الوجود إلا إياه وأشهد أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - إنسان عين ذاته وسر إمداداته) (2) .
ويقول عبد الكريم الجيلي (3) (اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس، ويظهر في كنائس، فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين. . . واعلم أن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه، فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، ويقابل الحقائق السفلية بكثافته. . ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية والصفات
_________
(1) دلائل الخيرات. محمد بن سليمان الجزولي، ص72.
(2) النفحات الأقدسية في شرح الصلوات الأحمدية الإدريسية، محمد بهاء الدين البيطار. طبع دار الجليل، بيروت، ص3.
(3) عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي، ابن سبط الشيخ عبد القادر الكيلاني، (767 - 820 أو 832هـ) كان صوفيا على دين ابن عربي. من مؤلفاته: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل. شرح مشكلات الفتوحات المكية. وحقيقة الحقائق التي في هي للحق من وجه ومن وجه للخلائق. والكمالات الإلهية في الصفات المحمدية. انظر: معجم المؤلفين، 5 / 313، الأعلام 4 / 50 - 51.

(1/196)


الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضى الذاتي فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات، والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات ليس لها مستند في الوجود إلا الإنسان الكامل، فمثاله للحق مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلا فيها، وإلا فلا يمكنه أن يرى نفسه إلا بمرآة الاسم " الله " فهو مرآته، والإنسان الكامل أيضا مرآة الحق. فإن الحق تعالى أوجب على نفسه ألا ترى أسماؤه ولا صفاته إلى في الإنسان الكامل) (1) وتصور كلامهم في هذا الباب كاف لإثبات بطلانه (2) .
(ب) أما اعتقادهم في الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيخالف اعتقاد عامة المسلمين في جوانب كثيرة: فإذا كان المسلمون يعتقدون أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - وجميع الأنبياء والرسل من قبله بشر مثل بقية البشر في كل شيء غير أنهم مفضلون بالوحي وبخصائص تناسب نبوتهم ورسالتهم. وهذا هو الاعتقاد الصحيح الذي نطق به القرآن والسنة وأجمع عليه المسلمون على مر العصور.
حتى جاء ملاحدة الصوفية وحولوا أتباعهم عن هذا الاعتقاد الصحيح إلى عقيدة وثنية تجعل من محمد - صلى الله عليه وسلم - المجلي الأعظم للذات الإلهية وأنه الواسطة بين الوجود المطلق وهو الله وبين عالم الطبيعة وبالتنزل صار محمدا هو الإله عندهم وقد سبق في النصوص ما يؤيد ذلك، ويؤمن المسلمون بأن أول ما خلق الله هو الماء والعرش ثم القلم ثم خلق السماوات والأرض كما بين ذلك الله ورسوله (3) .
ولكن الصوفية تعتقد بأن أول ما خلق الله هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ومنه خلق كل شيء ولما كانت نصوص الشرع على خلاف ذلك والآيات والأحاديث تبين أن أول ما خلق الله هو الماء والعرش ثم القلم، حاولوا التوفيق بين ضلاهم وبين
_________
(1) الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر. عبد الكريم الجيلي، ط3، مصطفى الحلبي، مصر، 1390هـ، 2 / 73 - 77.
(2) انظر مناقشة الحقيقة المحمدية وبيان بطلانها في المبحث السابق، ص187 وما بعدها.
(3) انظر مناقشة الحقيقة المحمدية وبيان بطلانها في المبحث السابق، ص187 وما بعدها.

(1/197)


هذه النصوص فأطلقوا على الحقيقة المحمدية أسماء مثل عرش التجلي الذاتي، والقلم الأعلى، وأم الكتاب، إلى غير ذلك من الألقاب الكثيرة التي خلعوها على الحقيقة المحمدية.
يقول أحمد بن إدريس في إحدى صلواته:
(اللهم صل على مولانا محمد نورك اللامع ومظهر سرك الهامع الذي طرزت بجماله الأكوان وزينت ببهجة جلاله الأوان، الذي فتحت ظهور العالم من نور حقيقته وختمت كماله بأسرار نبوته فظهرت صور الحسن من فيضه في أحسن تقويم ولولا هو ما ظهرت لصورة عين من العدم الرميم) (1) .
ويقول في صلاة أخرى:
(اللهم صل على أم كتاب كمالات الذات، عين الوجود المطلق الجامع لسائر التقييدات. صورة ناسوت الخلق، معاني لاهوت الحق، الغيب الذات، والشهادة الأسماء، والصفات الناظر بالكل في الكل من الكل للكليات الجزئيات 00) (2) .
ويعتقد المسلمون بأن الله خلق هذا الكون من العدم وأوجده على غير مثال سابق. لكن الصوفية تؤمن بأن الله خلق هذا الكون من نور محمد - صلى الله عليه وسلم - ويستشهدون بحديث النور المنسوب إلى جابر بن عبد الله وقد سبق ذكره وبيان بطلانه (3) .
يقول الدباغ (4) (اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات
_________
(1) مجموعة أحزاب وأوراد ورسائل، 55.
(2) المصدر نفسه، 56 - 57.
(3) انظر ص 164 - 165 من هذا البحث.
(4) هو عبد العزيز بن مسعود المعروف بالدباغ، (1095 - 1132هـ) ، صوفي، من أهل فاس بالمغرب، كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولأتباعه مبالغة في الثناء عليه ونسبة الخوارق إليه. من آثار الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز جمعه أحمد بن مبارك السجلماسي. انظر: الأعلام، 4 / 28. ومعجم المؤلفين، 5 / 262 - 263.

(1/198)


وحجب، وما فوقها، وما تحتها، إذا جمعت كلها، وجدت بعضا من نور محمد، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليها لتهافتت وتساقطت) (1) .
وإذا كان المسلمون يؤمنون بأن القرآن نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بواسطة جبريل، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدري عن القرآن شيئا قبل نزوله عليه كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] (2) {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] (3) ولكن ملاحدة الصوفية تأبى هذه الحقيقة وتعدل عنها إلى الإفك والبهتان فتزعم أن جبريل عجب حين رأى محمدا - صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن قبل أن يعلمه إياه فسأله جبريل فأجابه قائلا: ارفع الستر مرة حين يلقى إليك الوحي، ففعل جبريل ذلك فرأى محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يوحي إليه، فصاح سبحان الله: منك وإليك يا محمد. وهذا دليل واضح على تلاعب الشيطان بعقولهم وأحلامهم، إذ لا يصدق بهذه الخراقة إلا من ليس له أدنى تمييز، وقد أسس لهم هذه الأسطورة ابن عربي شيخ الصوفية الأكبر إذ يفسر قول الله تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] (4) .
يقول:
(اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى القرآن مجملا قبل جبريل من غير تفصيل
_________
(1) هذه هي الصوفية. تأليف عبد الرحمن الوكيل، ط4، دار الكتب العلمية، بيروت 404 1 هـ، ص 87، نقلا عن الإبريز للدباغ، 2 / 84.
(2) سورة الشورى آية (52) .
(3) سورة العنكبوت، آية (48) .
(4) سورة طه، آية (114) .

(1/199)


الآيات والسور فقيل له ولا تعجل بالقرآن الذي عندك قبل جبريل فتلقيه على الأمة مجملا فلا يفهمه أحد منك لعدم تفصيله) (1) .
وهذه فرية واضحة البطلان يكذبها القرآن وحال الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي كان ينتظر نزول الوحي عليه ليعرف حكم الله فيما يجد من الحوادث والنوازل.
وإذا كان المسلمون يؤمنون بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل في زمان ومكان معينين وأن الرسل السابقين عليه أرسل كل واحد منهم إلى قوم معينين في زمان معين.
إلا أن غلاة الصوفية تعتقد بأن الرسول في كل العصور واحد هو محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن الرسل السابقين ليسوا إلا صورا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويروون في هذا شعرا:
كل النبيين والرسل الكرام أتوا ... نيابة عنه في تبليغ دعواه
فهو الرسول إلى كل الخلائق في ... كل العصور ونابت عنه أفواه (2) .
وإذا كان المسلمون يعتقدون بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات كما يموت سائر البشر بعد أن بلغ رسالة كما قال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] (3) وإذا بمتأخري الصوفية يعتقدون بأن الرسول حي وأنه يرى يقظة لا مناما، وأن مشايخ الصوفية يتلقون عنه مباشرة ويجتمعون به. وهذا من أظهر البطلان الذي يكذب التاريخ والواقع ويستحيل أن تقبله الفطر والعقول (4) .
فساد مفهوم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -: بعد أن كانت محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعنى إيثاره على كل مخلوق سواه، وطاعته واتباعه. صار معناها عند غلاة الصوفية عبادته ودعاؤه والسؤال به
_________
(1) الكبريت الأحمر في علوم الشيخ الأكبر للشعراني بهامش اليواقيت والجواهر، طبع مصطفى، الحلبي، 13789هـ، ص6.
وانظر: هذه هي الصوفية، ص89 - 92.
(2) انظر النفحات الأقدسية، ص17.
(3) سورة الزمر، آية (30) .
(4) سيأتي مزيد بيان في الرد على هذه الخرافة في مبحث البدع التي ظهرت بدعوى محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

(1/200)


وتأليف الصلوات المبتدعة وعمل الموالد وإنشاء القصائد الشركية في الاستغاثة به وصرف وجوه العبادة إليه - صلى الله عليه وسلم - وبعد أن كان تعظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباعه والأدب معه وتوقيره، صار التعظيم عندهم هو الغلو فيه - صلى الله عليه وسلم - بإخراجه عن حد البشرية ورفعه إلى مرتبة الألوهية.
هذا عن دور الغلاة في إفساد عقيدة المسلمين في الله ورسوله وتحويلهم عن الإسلام والتوحيد الخالص على عقائد وثنية مخالفة للإسلام جملة وتفصيلا.
ثانيا: آثار الغلو في الرسول - صلى الله عليه وسلم - على العبادات الشرعية: أدى الغلو في الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الانحراف بالعبادات عن وضعها الشرعي، وتأويلها، وابتداع عبادات ما أنزل الله بها من سلطان فبعد أن كان المسلمون يرون أن أعظم أعمالهم بعد الإيمان بالله هو الصلاة وبقية أركان الإسلام. جاء غلاة الصوفية فزعموا أن أجل الأعمال هو الإيمان بوحدة الوجود والتحقق بها (أي الفناء في ذات الله) ، والإيمان بالحقيقة المحمدية، والصلاة عليها بأكثر الصلوات شركا وكفرا، وقضاء الأعمار في الخلوات والأذكار المبتدعة، وسيأتي لهذا مزيد بيان (1) .
ويؤمن المسلمون بأن أجل ما ورثوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو هديه وسنته، فجاءت الصوفية لتزعم بأن أجل ما ورثوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الطريقة، والحقيقة، والتصوف الفلسفي بمقاماته واصطلاحاته، وهلم جرا.
أما هديه - صلى الله عليه وسلم - وسنته فلا يعرفونها ولا يرفعون لها رأسا بل يرون أن المشتغلين بالسنة. الداعين إليها هم من ألد خصومهم. لأن مهمتهم نشر الهدي ودين الحق الذي فيه إبطال كل خرفات وأباطيل الملاحدة والزنادقة قديما وحديثا.
_________
(1) انظر: مبحث البدع التي ظهرت بدعوى المحبة.

(1/201)